← Акыда

Акыда · id 8514

العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين

ابن غنام، حسين

Полный текст (228 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقوله في حديث علي كما في صحيح مسلم: "لعن الله من أوى محدثا" (١) يتناول هذا. فتبين أنه لا يصح شيء من الأعمال, ولا يقبل إلا ما وافق الشريعة المحمدية, ووردت به السنة في مواضعه, وما خرج عن ذلك فهو مردود. وقولي (وردت به السنة في مواضعه) احتراز عن العبادات المشروع أصلها, ولكن ينهى عنها بخصوصها في مواضع كصيام يوم العيد, والصلاة في أوقات النهي, وكذا الصلاة عند القبور, فهذه مردودة؛ إذ لا يتقرب إلى الله تعالى بما نهى عنه. والأحاديث في النهي عما ذكرناه كثيرة شهيرة, فلا نطيل بها. ومن ذلك: من عمل عملا أصله مشروع وقربة, وأدخل فيه ما ليس بمشروع وأخل فيه بمشروع, فهذا أيضا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به, أو إدخاله ما أدخل فيه, فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل أو شروطه موجبا لبطلانه في الشريعة كمن اخل بالطهارة للصلاة مع القدرة عليها, أو أخل بالركوع أو بالسجود أو بالطمأنينة فيهما, فهذا عمله مردود عليه, وعليه إعادته إن كان فرضا. وإن كان ما أخل به لا يوجب بطلان العمل كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها, فهذا لا يقال إن عمله مردود من أصله, بل هو ناقص. وأما إن أراد في العمل المشروع ما ليس بمشروع فزيادته مردودة عليه,

стр. 107

ولا يثاب عليها إذ ليست قربة, ولكن: تارة يبطل بها العمل من أصله, كمن زاد في صلاته ركعة عمدا مثلا. وتارة لا يبطل بها العمل, ولا يرد من أصله, كمن توضأ أربعا أو واصل في صيامه. وقد يبدل بعض ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه, كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرم, أو توضأ للصلاة بماء مغصوب, أو صلى في بقعة مغصوبة, فهذا قد اختلف فيه العلماء هل عمله مردود فيه من أصله, أو أنه غير مردود وتبرأ به الذمة من عهده الواجب. وأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله. وعن الإمام أحمد ﵀ في ذلك روايتان, كما هو صريح عبارة موفق الدين في الكافي, ﵀ ويشبه هذا الحج بمال حرام. وقد ورد في حديث أنه مردود على صاحبه, ولكنه حديث لا يثبت, قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (١) . وقد اختلف العلماء في ذلك أيضا, هل يسقط به الفرض أم لا؟ والأكثر على أنه لا يبطله إلا ما نهى عنه في الإحرام وهو الجماع, ولا يبطله ما لا يختص بالإحرام من المحرمات كالقتل والسرقة وشرب الخمر. وكذا الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ما نهى عنه فيه بخصوصه, وهو جنس الأكل والشرب والجماع, بخلاف ما نهي عنه الصائم لا بخصوص

стр. 108

الصيام كالكذب والغيبة عند الجمهور. قلت: ومما نهي عنه فيه بخصوص الحجامة, فمذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إن من حجم أو احتجم يبطل صومه؛ لقول النبي ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم" (١) قال في الكافي: رواه عن النبي ﷺ أحد عشر نفسا, وقال أحمد: حديث ثوبان وشداد صحيحان ... انتهى. وكذلك الاعتكاف إنما يبطله ما نهى عنه فيه بخصوصه كالجماع, وأما بطلانه "بالسكر" عند الأكثر, فلنهي السكران عن قربان المسجد, فصار كالحائض, ولا يبطل بغير ذلك من الكبائر وخالف في ذلك طائفة من السلف منهم عطاء والزهري والثوري ومالك وغيرهم, فقالوا تبطل بالكبائر. ومما نهى عنه بعينه أيضا ذبح المحرم للصيد. هذا حاصل العمال المتعلقة بالعبادات. وأما ما يتعلق منها بالمعاملات: كالعقود والفسوخ ونحوهما. فما غير الأوضاع الشرعية كجعل حد الزنا عقوبة مالية وما أشبه ذلك, فهو مردود من أصله, ولا ينتقل به الملك؛ لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام. ويدل عليه أن النبي ﷺ قال للذي سأله أن ابني كان عسيفا (٢) على

стр. 109

فلان, فزنى بامرأته, فافتديت منه بمائة شاة وخادم, فقال: النبي ﷺ : "المائة الشاة والخادم رد عليك, وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام" (١) . وما كان منها عقدا منهيا عنه في الشرع: إما لكون المعقود عليه ليس محلا للعقد, أو لفوات شرط فيه, أو لظلم يحصل به للمعقود معه, أو عليه, أو لكون العقد يشغل عن ذكر الله تعالى الواجب عند تضايق وقته.. أو غير ذلك, فهذا العقد قد اضطرب الناس فيه. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والأقرب إن شاء الله تعالى أنه: [إن] كان النهي عنه لحق الله , فهذا يفسد الملك بالكلية ونعني بكون الحق لله تعالى: أنه لا يسقط برضا المتعاقدين عليه. وإن كان النهي عنه لحق آدميّ معين, بحيث يسقط برضاه, فإنه يقف على رضاه به , فإن رضي لزم العقد واستمر الملك, وإن لم يرض به فله الفسخ, فإن كان الذي يلحقه الضرر لا يعتبر رضاه بالكلية كالزوجة والعبد في الطلاق والعتاق, فلا عبرة برضاه ولا بسخطه, وإن كان النهي رفقا بالمنهي خاصة لما يلحقه من المشقة, فخالف وارتكب المشقة لم يبطل بذلك عمله. فأما الأول: وهو ما كان النهي عنه لحق الله, فله صور كثيرة: منها: نكاح من يحرم نكاحه, إما لعينه كالمحرمات على التأبيد بسبب أو نسب أو للجمع أو لفوات شرط ولا يسقط بالتراضي بإسقاطه: كنكاح المعتدة والمحرمة والنكاح بغير ولي ونحو ذلك, فهذا يفسد الملك بالكلية.

стр. 110

وقد روي أن النبي ﷺ فرق بين رجل وامرأة تزوجها وهي حبلى (١) فرد النكاح لوقوعه في العدة. ومنها: عقود الربا, فلا تفيد الملك ويؤمر بردها, وقد أمر النبي ﷺ من باع صاع تمر بصاعين أن يرد (٢) . ومنها: بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والكلب, وسائر ما نهى عنه بيعه كبيع الغرر والغش وما يلحق بذلك, وكبيع الطعام قبل قبضه, وغير ذلك مما لا يجوز التراضي ببيعه. وأما الثاني: وهو ما كان النهي عنه لحق آدمي, فله صور عديدة: منها: نكاح الولي من لا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها بغير إذنها, وقد رد النبي ﷺ نكاح امرأة ثيب, زوجها أبوها وهي كارهة (٣) . وروي عنه أنه خير امرأة زوجت بغير إذنها (٤) . وفي بطلان هذا النكاح ووقوفه على الإجازة روايتان عن أحمد. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن من تصرف لغيره في ماله بغير إذنه

стр. 111

لم يكن تصرفه باطلا من أصله, بل يقف على إجازته, فإن أجاز جاز, وإن رده بطل, واستدلوا بحديث عروة بن الجعد في شرائه للنبي ﷺ شاتين, وإنما كان أمره بشراء واحدة, ثم باع أحدهما وقبل النبي ﷺ (١) . ومنها: تصرف المريض في ماله كله: هل يقع باطلا من أصله أم يقع تصرفه في الثلثين على إجازة الورثة؟ فيه اختلاف. وقد صح أن النبي ﷺ رفع إليه أن رجلا أعتق ستة مماليك له عند موته, لا مال له غيرهم, فجزأهم ثلاثة أجزاء, فأعتق اثنين وأرق أربعة, وقال له قولا شديدا (٢) ولعل الورثة لم يجيزوا عتق الجميع. ومنها: بيع المصراة وبيع النجش وتلقي الركبان (٣) ونحو ذلك وفي صحته كله اختلاف مشهور, فذهبت طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه, والصحيح أنه يصح ويقف على إجازة من حصل له ظلم بذلك (٤) , فقد صح عن النبي ﷺ أنه جعل مشتري المصراة بالخيار (٥) , وأنه جعل للركبان الخيار إذا

стр. 112

هبطوا السوق, وهذا كله يدل على أنه غير مردود من أصله. وأما بيع الحاضر للبادي, فمن صححه جعله من هذا القبيل, ومن أبطله جعل الحق فيه لأهل البلد كلهم وهم غير منحصرين, فلا يتصور إسقاط حقوقهم, فصار كحق الله تعالى. ومنها: لو باع رقيقا يحرم التفريق بينهم, وفرق بينهم كالأم وولدها, فهل يقع باطلا مردودا؟ وهو قول الأكثر. وقد روي أن النبي ﷺ أمر برد هذا البيع (١) , ونص أحمد على أنه لا يجوز التفريق بينهم, ولو رضوا بذلك, وذهبت طائفة إلى جواز التفريق بينهم برضاهم. ومنها: لو خص بعض أولاده بالعطية دون بعض, فقد صح عن النبي ﷺ أنه أمر بشير بن سعد لما خص ولده النعمان بالعطية أن يرده, ولم يدل ذلك على أنه لم ينتقل الملك بذلك إلى الولد, فإن هذه العطية تصح وتقع مراعاة, فإن سوى بين أولاده في العطية أو استرد ما أعطى الولد جاز, وإن مات لم يفعل شيئا من ذلك فقال مجاهد: تبطل, وحكى عن أحمد نحوه والجمهور على أنها لا تبطل, وهل للورثة الرجوع فيها أم لا؟ قولان مشهوران, هما روايتان عن أحمد. كذا قال ابن رجب ﵀ (٢) . قلت: مذهب مالك أنها حيث كانت في الصحة وجيزت قبل الموت

стр. 113

أنها لا تبطل, وليس للورثة رجوع فيها بعد الموت, وإن كانت في المرض فهي موقوفة على إجازة الورثة. ومنها: الطلاق المنهي عنه كالطلاق في الحيض, فإنه إنما قيل ينهى عنه لحق الزوج, حيث كان يخشى عليه أن يعقبه فيه الندم, فمن فعل شيئا منهيا عنه رفقا به, ولكنه تجشم المشقة فإنه لا يحكم ببطلانه, كمن صام في المرض أو السفر أو صلى قائما مع تضرره بذلك, أو اغتسل مع خشية الضرر على نفسه وأنواع هذا كثيرة. وقيل: إنما ينهى عنه (١) لحق المرأة لما فيه من الإضرار بها بتطويل العدة, فلو رضيت بذلك بأن سألته الطلاق بعوص في الحيض, فهل يزول بذلك تحريمه؟ فيه قولان مشهوران للعلماء, مشهور مذهب الشافعية والحنابلة زوال التحريم. وقد أطلنا الكلام في إيضاح هذا المقام؛ حرصا على الإفادة, ولينال الراغب مراده, مع أن هذه الفروع نبذة من تفاريع هذا الحديث المرفوع, وإلا فالذي تشهد به الألباب, أن هذا من جوامع كلم من أوتي الحكمة وفصل الخطاب, ففرائد جواهره مكنونة, وفوائد ظواهره مخزونة, لا تحصى بعد ولا حساب, ولا يرتقي إلى ذروتها كل دراك, بل العجز عن دركها هو الإدراك. واعلم أرشدني الله تعالى وإياك إلى أقوم سنن, وصرف عني وعنك مضلات الفتن أن هذا الحديث صريح في الحث والحض على الإتباع, ناطق بالتحذير عن الأهواء والابتداع, فمن أخذ به فبالحق قد تمسك, وبالدين القيم قد تنسك, ومن خالفه فقد هلك, واتبع سبيل الغي وسلك.

стр. 114

خاتمة: اعلم أن هذا الحديث, ومما قدمناه من الكلام على الإخلاص الذي هو تجريد العمل لله , الذي هو حق له على الاختصاص من العمل المتقبل لابد له من شرطين, بإجماع أهل العلم من غير نزاع ولا مين: أحدهما: أن يكون خالصا لله وحده. والثاني: أن يكون موافقا للشريعة. كما نطقت بذلك الآيات المحكمات الصريحة, والأحاديث المشهورة الصحيحة, فمتى كان العمل خالصا لله تعالى ولم يكن صوابا, صار ذلك على القطع سرابا, أو كان موافقا للشريعة ولكنه غير خاص لوجه الله الكريم, فهو رد على الشريك؛ لأن الله خير قسيم. فتبين من هذا أن عمل غلاة أهل الطريقة الصوفية, ممن تعبد لله على جهالة, أنه لا شك سفه وضلالة؛ بل هو فعل الرهبان, الذين كذبوا الرسل وأنكروا القرآن, ولو فرض أنهم فيه مخلصون, فهو غير مقبول؛ لعدم موافقة هدي الرسول. فمن تدبر أحوال أهواء المنتسبين إلى الصوفية, وما ابتدعوه من الرهبانية, رآه في الحقيقة خرقا للسنة السنية, فأعمالهم مثل أعمال الرهبان, الذين أخبر الله تعالى عنهم في القرآن فقال ﷻ : ﴿وَقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ (الفرقان:٢٣) وقال ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ (النور: من الآية ٣٩) وقال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلى نَاراً حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ (الغاشية٦-٥) فقد تأولها بعض السلف على ما ذكرته (١) .

стр. 115

فأين حال هؤلاء الذين خرقوا منهاج هذه الملة, وخرجوا من واضحها إلى الهواء والبدع المضلة, من حال من قال الله تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَسْلمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَليْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:١١٢) ؟. قال سعيد بن جبير ﴿بَلى مَنْ أَسْلمَ﴾ أي: أخلص ﴿وَجْهَهُ﴾ , أي: دينه ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: متبع الرسول ﷺ وكذا قال غيره. وقيل: أخلص العمل لله وحده لا شريك له. وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة, ولكن عامله لم يخلص القصد لله تعالى, فعمله أيضا مردود, وهذه حال المرائين والمنافقين. قال الله ﷻ : ﴿إِن الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (النساء:١٤٢) وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (الماعون ٤-٧) وقال : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (الكهف: من الآية ١١٠) . وقد ضمن لمن أخلص العمل وأحسنه الأجور, وأمنهم من كل مكروه ومحذور, فلا يجول ذلك لهم في صدور, ولا يحول ما هم فيه من الحبور, ولا يزول ما آتوا من البشرى والأنس والسرور, ﴿خَوْفٌ عَليْهِم﴾ (البقرة: من الآية ٣٨) فيما يستقبلونه, ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى مما يتركونه.

стр. 116

الفصل السادس: في أمره ﷺ عند الاختلاف بالتمسك بسنته وسنة خلفائه الراشدين , التي هي منهاج النجاة والهداية, وتحذيره من ارتكاب البدع التي هي سبيل الضلالة والغواية قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء:٥٩) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيل لهُمْ تَعَالوْا إِلى مَا أَنْزَل اللَّهُ وَإِلى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ (النساء:٦١) وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء: من الآية ٦٤) وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء:٦٥) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُول مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء:١١٥) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِليْكُمْ نُوراً مُبِيناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِليْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ (النساء: ١٧٤-١٧٥) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِليْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ إلى قوله ﴿وَاتَّبِعُوهُ لعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨) وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِليْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: من الآية ١) وقال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (الحج: من الآية ٦٧) وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولهُ فَقَدْ ضَلَّ

стр. 117

ضَلالاً مُبِيناً﴾ (الأحزاب:٣٦) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ (الأحزاب:٤٦) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لتَهْدِي إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (الشورى:٥٣) . أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من رواية ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة, وجلت منها القلوب, وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله, كأنها موعظة مودع, فأوصنا قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا, فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين, عضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل بدعة ضلالة" زاد ابن ماجة "فقد تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" (١) . قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه الكريم, الهادي إلى سبل السلام والصراط المستقيم, واعتصموا به؛ فإنه الحبل المتين, والنور الواضح المبين, والشفاء لما في الصدور, والمخرج من الظلمات إلى النور. فمن ترك العمل ببراهينه وحججه, وعدل عن قيم منهجه, فقد نبذه وراء ظهره, واتخذه نسيا منسيا, وتوغل في غلو كفره, وسوف يلقون غيا. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾ أي: تمسكوا بسنته المضيئة النوار, وخذوا بطريقته الوضيئة المنارة السمحة الرافعة للأغلال والآصار, فمن لزمها فاز بالرضوان والسلامة, في دار النعيم والمقامة, ومن أخطأها فقد باء بالخسران والندامة.

стр. 118

وقد قرن الله تعالى في كتابه طاعته بطاعة نبيه المصطفى, وكفى بذلك لجنابه شرفا, وبين في كثير من الآيات أن من أطاع رسوله فقد أطاعه, ومن عصى أمره فقد عصى الله وأضاعه. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أطاعني فقد أطاع الله, ومن عصاني فقد عصى الله" (١) . وقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ المراد بهم أمراء المسلمين في عهد الرسول ﷺ وكذلك بعده؛ لأن السبب وإن كان خاصا فالحكم عام قطعا. فقد روى البخاري عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس, إذ بعثه النبي ﷺ في سرية (٢) . وروى الإمام أحمد بسنده عن علي ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار, فلما خرجوا وجد عليهم في شيء فقال: أليس قد أمركم رسول الله أن تطيعوني قالوا: بلى قال: فأجمعوا لي حطبا, ثم دعا بنار فأضرمها فيه, ثم قال: قد عزمت عليكم لتدخلنها قال شاب: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار, فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها قال: فرجعوا إلى النبي ﷺ فقال لهم: "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا, إنما الطاعة في المعروف". وقد خرجاه أيضا في الصحيحين (٣) . وقد دلت الآية على وجوب طاعة الأمراء في زمن النبي ﷺ وبعده, ويندرج في ذلك القضاة وأمراء السرايا. وفي الحديث: "من أطاع أميري فقد أطاعني, ومن عصى أميري فقد عصاني" (٤) .

стр. 119

وصرحت الأحاديث على أن وجوب طاعتهم في غير المعصية. فقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ أي: وأطيعوا أولي الأمر فيما أمروكم به من طاعة الله تعالى لا في معصية الله, فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "السمع والطاعة على المرء فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية, فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (١) . وعن أبي هريرة أن النبي ـ قال: "سيلي عليكم بعدي ولاة, فيليكم البر ببره, ويليكم الفاجر بفجره, فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق وصلوا وراءهم, فإن أحسنوا فلكم ولهم, وإن أساءوا فلكم وعليهم" (٢) . وروى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من رأى من أمير شيئا فكرهه فليصبر, فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية" (٣) . وقيل: المراد ب ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ أهل الفقه والدين, روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء والحسن وأبو العالية قال الحافظ ابن كثير: "والظاهر أنها عامة في كل من ولي أمرا كالأمراء والعلماء, قال الله تعالى: ﴿لوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ (المائدة: من الآية ٦٣) وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلمُونَ﴾ (الأنبياء: ٧) وقوله:

стр. 120

﴿ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِفَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: من الآية ٥٩) , قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله" (١) أمر الله تعالى عباده المؤمنين إذا اختلفوا في فرع أو أصل من أصول الدين أمر إلزام وإيجاب أن يرجعوا في ذلك الأمر الكتاب وسنة الرسول الكاشفة لكثيف الحجاب, الجالية دياجر الشك والارتياب, المسفرة بضياء الحق والصواب, فبهما يكون فصل الخطاب. فما شهد له بالصحة فهو الحق الذي هم فيه مختلفون وماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون. ويشهد لذلك قوله: ﴿وَمَا اخْتَلفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلى اللَّهِ﴾ (الشورى: من الآية ١٠) أي: فما حكم به من كتاب الله وسنة الرسول هو فصل التنازع, فلا يجوز عنه العدول, فمن لم يرض بهما حكما عند النزاع, فهو كافر مباح الدم والمال بالإجماع. ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ . فإن الإيمان يوجب ذلك. وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله, والرجوع إليهم في فصل النزاع في فروع الدين وأصوله. ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي: أحسن مآلا ومآبا, أو أحسن جزاء وثوابا. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيل لهُمْ تَعَالوْا إِلى مَا أَنْزَل اللَّهُ﴾ (النساء:٦١) سبب نزول هذه الآية والتي قبلها, أن منافقا ويهوديا تخاصما, واليهودي يريد النبي, والمنافق يريد كعب بن الأشرف, ثم تراضيا عمر بن الخطاب, فلما استقرأ حالهما قتل المنافق, وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله. وقيل: نزلت في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام

стр. 121

أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. والآية كما قال ابن كثير أعم من ذلك كله, فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل (١) . وقوله: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ (النساء: من الآية ٦١) أي يعرضون عنك إعراضا كالمستكبرين عن ذلك, ويقولون ما ذكر الله عنهم ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَليْهِ آبَاءَنَا﴾ (البقرة: من الآية ١٧٠) وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْل الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (النور: من الآية ٥١) . وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء: من الآية ٦٤) أي: فرضت طاعته على من أرسلتهم إليهم, وأوجبت ذلك عليهم, ولكن لا يطيع أحد إلا بإذني, وبتوفيقي ومشيئتي. وقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: من الآية ٦٥) أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور, فما حكم به فهو الحق الذي تنشرح به الصدور, ويجب له في الظاهر والباطن الانقياد, والرضا بما حكم والتسليم وعدم الحرج والانتقاد. فيتلقى بالقبول من غير ممانعة, ولا مدافعة ولا منازعة. ويشهد لهذا ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". (٢) وسبب نزول هذه الآية كما رواه البخاري عن عروة قال: خاصم الزبير

стр. 122

رجلا من الأنصار في شراج (١) من الحرة فقال النبي ﷺ : "اسق يا زبير, ثم أرسل إلى جارك" فقال الأنصاري: إن كان ابن عمتك, فتلون وجه النبي ﷺ ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى ترجع إلى الجدار ثم أرسل الماء إلى جارك" (٢) الحديث. وقد نزلت في الزبير وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء, فقضى النبي أن يسقي الأعلى ثم الأسفل. (٣) وهذه الآية أيضا كما ترى صريحة الدلالة على أن من لم يرض بتحكيم سنته فإنه كافر يستوجب القتل؛ لأن من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُول مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُ الْهُدَى﴾ (النساء: من الآية ١١٥) أي: ومن سلك غير الطريقة التي أوضحها الرسول, والشريعة التي كل ما سواه غير مقبول, من بعد ما اتضح له الهدى, وتبين له الضلال والردى, ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا ملازم للصفة الأولى, ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع, وقد تكون المخالفة لإجماع الأمة؛ لأنه كالنص القاطع؛ لأن الله تعالى قد عصمها أن تجتمع على ضلالة, فلا يظهر على أهل الحق أهل الجهالة, ولا يكون الحق مهجورا في جميع الأمصار والأعصار. ومن قال غير هذا فهو مخالف لما صح في الأحاديث والأخبار, وتواترت به الآثار, بل زايغ عن سبيل نبيه المختار. قوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ أي نجعله واليا لما تولى من الضلال والآصار,

стр. 123

ونخلي بينه وبين ما أحبه واختاره ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ندخله ونعذبه في النار ﴿وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ للمنافقين والكفار. (١) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (النساء: من الآية ١٧٤) هذا خطاب من الله لجميع الناس وإخبار بأنهم قد جاءهم برهان, وهو الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبهة. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِليْكُمْ نُوراً مُبينا﴾ ضياء واضحا, قال غير واحد: هو القران. والبرهان: قيل إنه الرسول أيضا, ثم بين صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ , فاخبر أنهم في الدنيا في منهاج الاستقامة وطريق السلامة, وفي الآخرة على الصراط المستقيم, المفضي به إلى روضات النعيم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِليْكُمْ جَمِيعاً﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٨) أي: قل يا محمد ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ الآية وهذا خطاب للأسود, والحمر, والعربي, والعجمي, وهذا من شرفه أنه خاتم النبيين, وانه مبعوث إلى الناس كافة, وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده, لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ثم لا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" رواه الإمام أحمد (٢) . وقوله تعالى: ﴿وماكَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ (الأحزاب: من الآية ٣٦) أي: ما صح له ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾ أي: إذا قضى رسول الله وإنما ذكر الله تعالى لتعظيم أمر الرسول, وللإعلام بأن قضاءه الذي يقضي به وحكمه الذي يحكم به أنه قضاء الله تعالى فلا يجوز عنه العدول, لأنه

стр. 124

لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وقوله: ﴿أنْ يَكُونَ لهُمُ الْخِيَرة﴾ يعني: أن يختاروا من أمرهم شيئا, بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعا لاختيار الله ورسوله, والخيرة: (كعنبة) ما يتخير. وقوله تعالى: ﴿وَدَاعِياً إِلى اللَّهِ﴾ أي: إلى توحيده وعبادته ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بتيسيره, ﴿وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ (الأحزاب:٤٦) يستضاء به عن ظلمات الجهالة والردى, وتقتبس من أنوار الهدى. ومن كان برهانا على جميع الخلق كان حقيقا بان يكتفي به عن غيره. قول العرباض: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة" في رواية أحمد وأبي داود والترمذي "بليغة" وفي رواية: "أن ذلك كان بعد صلاة الصبح", وكان كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة كالجمعة والأعياد, وقد أمره الله تعالى بذلك فقال: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ (النساء: من الآية ٦٣) , وقال: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (النحل: من الآية ١٢٥) ولكنه كان لا يديم وعظهم بل يتخولهم به إحيانا والبلاغة في الموعظة مستحسنة؛ لأنها أقرب إلى قبول القلوب واستجلابها. والبلاغة: هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة, وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها, وأفصحها وأحلاها للأسماع وأوقعها للقلوب, وكان يقصر خطبته ولا يطيلها, بل كان يبلغ ويجيز. وقوله: "ذرفت منها العيون, ووجلت منها القلوب" هذان الوصفان مدح الله تعالى بهما المؤمنين عند سماع الذكر كما قال : ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (لأنفال: من الآية ٢) وقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا

стр. 125

ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الحج: الآية ٣٤-٣٥) وقال: ﴿أَلمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَل مِنَ الْحَقِّ﴾ (الحديد: من الآية ١٦) وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّل أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الزمر: من الآية ٢٣) وكان النبي ﷺ يتغير حاله عند الموعظة كما قال جابر: "كان النبي ﷺ إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه, وعلا صوته, واحمرت عيناه, كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم". خرجه البخاري ومسلم (١) وقوله: "يا رسول الله, كأنها موعظة مودع, فأوصنا" يدل على أنه ﷺ قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها, فلذلك فهموا أنها موعظة مودع؛ فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل, وكذلك أمر النبي ﷺ أن يصلي صلاة مودع؛ لأن من استشعر أنه مودع بصلاته أتقنها على أكمل وجهها, ولربما كان قد وقع منه تعريض بالتوديع في تلك الخطبة, كما عرض بذلك في خطبته في حجة الوداع, وقال: "لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" (٢) وطفق يودع الناس, فقالوا: هذه حجة الوداع, ولما رجع من حجه إلى المدينة, جمع الناس بماء بين مكة والمدينة يسمى خما, وخطبهم فقال: "يا أيها الناس, إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب" ثم حض على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته. خرجه مسلم. (٣) (٤) .

стр. 126

وقولهم: (فأوصانا) يريدون وصية جامعة كافية, فإنهم لما فهموا أنه مودع استوصوه وصية ينفعهم التمسك بها بعده, ويكون فيها كفاية لمن تمسك بها, وسعادة له في الدنيا والآخرة. وقوله ﷺ : "أوصيكم بتقوى الله, والسمع والطاعة" هاتان كلمتان جامعتان للشرف والسيادة, والفوز والسعادة, وبهما تنال الدرجة العالية الطولة في الآخرة والأولى (١) . أما التقوى فهي أشرف الخصال وأسناها, وأجلها قدرا وأسماها, بل كل مكرمة ناشئة عنها, وكل منقبة فاشية منها, وناهيك بها من خصلة خصها الله تعالى بالوصية, وعم الإيصاء بها الأولين والآخرين من البرية, فقال: ﴿وَلقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا﴾ (النساء: من الآية ١٣١) . واصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقية من ذلك, وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه. وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله تعالى كقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِليْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (المجادلة: من الآية ٩) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر:١٨) , فإذا أضيفت التقوى إليه سبحانه, فالمعنى: اتقوا سخطه وغضبه, وهو أعظم ما يتقي, وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي. قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (آل عمران: من الآية ٢٨) وقال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (المدثر: من الآية ٥٦) فهو ﷻ أهل أن يخشى ويهاب ويجل ويعظم في صدور عباده, حتى يعبدوه ويطيعوه, لما يستحقه من الإجلال والإكرام

стр. 127

وصفات الكبرياء والعظمة, وقوة البطش وشدة البأس. ففي الحديث عن أنس عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: "أنا أهل أن أتقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر فأنا أهل أن أغفر له" (١) . وتارة تضاف إلى عقاب الله, وإلى ما كان عقابه وزمانه. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران:١٣١) وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٨١) ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ (البقرة: من الآية ٤٨) . قال معاذ بن جبل: "ينادى يوم القيامة أين المتقون؟ فيقومون في كنف الرحمن لا يحتجب عنهم ولا يستتر, قالوا له: من المتقون قال: قوم ألغوا الشرك وعبادة الأوثان واخلصوا لله بالعبادة" (٢) . فأعظم ما يتقى الشرك؛ لأنه الذنب الذي لا يغفر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: من الآية ٤٨) وحرم الله على من أشرك به في عبادته الجنة كما قال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَليْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (المائدة: من الآية ٧٢) . وفي البخاري عن ابن مسعود عن النبي ﷺ : "من مات وهو يدعوا لله ندا دخل النار" (٣) . وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة, ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار". (٤)

стр. 128

قال ابن عباس: "المتقون الذي يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى, ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به". وقال الحسن: "المتقون اتقوا ما حرم عليهم, وأدوا ما افترض عليهم". وفي الحديث: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس" (١) . وحديث: "من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه" (٢) . وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (آل عمران: من الآية ١٠٢) قال: "أن يطاع فلا يعصى, وأن يذكر فلا ينسى, وأن يشكر فلا يكفر". خرجه الحاكم (٣) وشكره يدخل في جميع فعل الطاعات. ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته, وسكناته, وكلماته, فيمتثلها, ونواهيه في ذلك كله فيجتنبها, وحقيقتها. اجتناب المناهي وامتثال الأوامر في الباطن والظاهر. (٤) فبالجملة: هي وصية الله لجميع خلقه, ووصية رسوله لأمته. وكان ﷺ إذا أمر أميرا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا (٥) . وفي حديث أبي ذر قلت: يا رسول الله أوصني قال: "أوصيك بتقوى الله؛ فإنه رأس الأمر كله". وهو حديث طويل خرجه ابن حبان (٦) .

стр. 129

وحديث معاذ بن جبل: "اتق الله حيث ما كنت". وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال: قلت يا رسول الله, أوصني قال: "أوصيك بتقوى الله, فإنها رأس كل شيء, وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام" وفي رواية: "عليك بتقوى الله, فإنه جماع كل خير" (١) . وخرج الترمذي عن يزيد بن سلمة أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله, إني سمعت منك حديثا كثيرا فأخاف أن ينسيني أوله آخره, فحدثني بكلمة تكون جماعا قال: "اتق الله فيما تعلم". (٢) . ولم يزل السلف الصالح يتواصون بها, ويوصون بها في خطبهم. والتقوى في السر: هي علامة كمال الإيمان, ولها تأثير عظيم في إلقاء الله تعالى لصاحبها المحبة والثناء في قلوب المؤمنين. ويدل على ذلك قوله جلاله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ (مريم:٩٦) . وحديث: "إذا أحب الله تعالى عبدا نادى جبريل أني أحب فلانا ... إلى آخر قوله فيوضع له القبول" (٣) . قال أبو الدرداء: "ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر, يخلو بمعاصي الله, فيلقي الله تعالى البغض في قلوب المؤمنين".

стр. 130

وقال سليمان التيمي: "إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته". وهذا من أعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بذرات العمال في الدنيا قبل الآخرة, ولا يضيع عنده عمل عامل, ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار, فالسعيد من أصلح ما بينه وبين الله, فإن من أصلح ما بينه وبين الله, أصلح الله ما بينه وبين الخلق, ومن التمس محامد الناس بسخط الله عاد حامده من الناس ذاما. (١) انتهى الكلام على التقوى, ومقامها يستدعي الإطناب لا الاختصار, ولكن لا يليق بهذه الأوراق إلا الاقتصار, ولو تتبعنا ما ورد فيها من الآيات والأخبار, وما ثبت عن السلف الصالح فيها من الآثار, لاستدعى حمله من الأسفار. وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا, وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم, وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم, كما قال علي ﵁: "إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر, إن كان فاجرا عبد المؤمن فيه ربه, وحمل الفاجر فيها إلى أجله" (٢) . وقال الحسن في الأمراء: "هم يلون من أمورنا خمسا: الجمعة, والجماعة, والعيد, والثغور, والحدود, والله ما يستقيم الدين إلا بهم, وإن جاروا وظلموا, والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون, مع أن والله إن طاعتهم لغيظ وأن فرقتهم لكفر". وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي أمامة قال: سمعت

стр. 131

رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: "اتقوا الله, وصلوا خمسكم, وصوموا شهركم, وأدوا زكاة أموالكم, وأطيعوا إذا أمركم تدخلوا جنة ربكم" (١) . وفي المسند عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا, وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا, وسمع وأطاع فله الجنة, أو دخل الجنة" (٢) . وقوله ﷺ : "وإن تأمر عليكم عبد" وفي رواية "حبشي" هذا مما تكاثرت به الروايات عن النبي ﷺ وهو مما اطلع الله تعالى النبي ﷺ من أمر أمته بعده , وولاية العبيد عليهم, وفي صحيح البخاري عن أنس عن النبي ﷺ قال: "اسمعوا وأطيعوا وإن أستعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" (٣) . وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "إن خليلي ﷺ أوصاني أن أسمع وأطيع ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف" (٤) (٥) . والأحاديث في هذا كثيرة لا تحصى, والآثار لا تعد ولا تستقصى.

стр. 132

وقوله ﷺ : "فمن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا, فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, عضوا عليها بالنواجذ". هذا إخبار منه ﷺ بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه, وفي الأقوال والأعمال والاعتقادات, وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة, وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة وهي من كان على ما هو عليه وأصحابه. وكذلك في هذا الحديث الأمر عند الاختلاف والافتراق بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده. والسنة هي: الطريقة المسلوكة, فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال, وهذه هي السنة الكاملة. ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون السنة إلا على ما يشمل ذلك, وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقادات؛ لأنها أصل الدين, والمخالف على خطر عظيم. وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمر بالسمع والطاعة لأولي الأمر إشارة إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر إلا في طاعة الله تعالى, كما صح عنه أنه قال: "إنما الطاعة في المعروف" (١) . وفي المسند عن انس أن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله, أرأيت إن كانت علينا أمراء لا يستنون بسنتك, ولا يأخذون بأمرك, فما تأمر في أمرهم؟ فقال: "سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون من السنة, ويعملون بالبدعة, ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها" فقلت: يا رسول الله, إن

стр. 133

أدركتهم كيف أفعل؟ قال: "لا طاعة لمن عصى الله" (١) . وفي أمره ﷺ باتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور عموما دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين متبعة كاتباع سنته, بخلاف غيرهم من ولاة الأمور. وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسا فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم, فاقتدوا بالذين من بعدي, وأشار إلى أبي بكر وعمر, وتمسكوا بعهد عمار, وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه". وفي رواية "تمسكوا بعهد ابن أم عبد واهتدوا بهدي عمار" (٢) . فنص ﷺ في آخر عمره على من يقتدي به من بعده, والخلفاء الراشدون الذين أمر الاقتداء بهم هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃, فإن حديث سفينة عن النبي ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا". (٣)

стр. 134

قال مالك ﵀: "قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا, الأخذ بها اعتصام بكتاب الله, قوة على دين الله, ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها, ولا النظر في أمر خالفها, من اهتدى بها, فهو مهتد, ومن استنصر بها فهو منصور, ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى, وأصلاه جهنم وساءت مصيرا" (١) . وقال خلف بن خليفة: "شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله ﷺ وصاحباه, فهو وظيفة دين نأخذ به وننتهي إليه" (٢) . وقد روى أبو نعيم من حديث عفيف الكندي (٣) أن رسول الله ﷺ قال: "إنه سيحدث بعدي أشياء فأحبها إلي أن تلزموا ما أحدث عمر". وكان علي يتبع أحكامه وقضاياه ويقول: "إن عمر كان رشيد الأمر" (٤) .

стр. 135

وروى أشعث عن الشعبي قال: إذا اختلف الناس في شيء, فانظر عمر فخذوا به" (١) . وكذا قال أيوب عنه. وروي عن ابن مسعود أنه كان يحلف بالله: "إن الصراط المستقيم هو الذين ثبت عليه عمر حتى دخل الجنة" (٢) . وبكل حال فما جمع عليه عمر الصحابة, فاجتمعوا عليه في عصره فلا شك أنه الحق , ولو خالف فيه بعد ذلك من خالف. وإنما وصف الخلفاء بالراشدين؛ لأنهم عرفوا الحق وقضوا به, والراشد ضد الغاوي, والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه (٣) . وفي رواية "المهديين" يعني: أن الله تعالى يهديهم للحق, ولا يضلهم عنه, فالأقسام ثلاثة: راشد, وغاو, وضال, فالراشد عرف الحق واتبعه, والغوي: عرف الحق ولم يتبعه, والضال: لم يعرفه بالكلية. فكل راشد فهو مهتد, وكل مهتد هداية تامة فهو راشد؛ لأن الهداية إنما تتم بمعرفة الحق والعمل به أيضا. وقوله: "عضوا عليها بالنواجذ" كناية عن شدة التمسك بها, والنواجذ: الأضراس. قوله: "إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة" تحذير للأمة من إتباع الأمور المحدثة المبتدعة, وأكد ذلك بقوله: "كل بدعة ضلالة". والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه, فأما ما كان له أصل في الشريعة يدل عليه فليس ببدعة شرعا, وإن كان بدعة

стр. 136

لغة, وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: "إن خير الحديث كتاب الله, وخير الهدي هدي محمد, وشر الأمور محدثاتها, وكل بدعة ضلالة" (١) . وخرج الترمذي وابن ماجة من حديث كثير بن عبد الله المزني وفيه ضعف عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "من ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها, لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا" (٢) . وخرج الإمام أحمد من رواية غضيف بن الحارث الثمالي قال: بعث إلي عبد الملك بن مروان فقال: إنا قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة, والقصص بعد الصبح والعصر, فقال: أما إنها أمثل بدعتكم عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منها, لان النبي ﷺ قال: "ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة" فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة" (٣) . فقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء, وهو أصل من أصول الدين, وهو شبيه بقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٤) . فكل من أحدث شيئا, ونسبه إلى الدين, ولم

стр. 137

يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة, والدين بريء منه, وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات, أو الأعمال, أو الأقوال الظاهرة والباطنة (١) . فالمحدثات ضربان: ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلال. وما أحدث من الخير مما لا خلاف فيه لواحد مما ذكر فهي محدثة غير مذمومة (٢) . فمن ذلك: جمع عمر ﵁ الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد (٣) . ومن ذلك: أذان الجمعة الأول (٤) زاده عثمان لحاجة الناس إليه, وأقره علي ﵄, واستمر عمل المسلمين. ومن ذلك: جمع المصحف في كتاب واحد توقف فيه زيد بن ثابت, ثم وافق أبا بكر وعمر ﵃ على جمعه لما علم انه مصلحة (٥) .

стр. 138

ومن ذلك: جمع عثمان الأمة على مصحف واحد, وإعدام ما سواه مما يخالفه خشية تفرق الأمة, فاستحسنه علي وأكثر الصحابة, وكان ذلك عين المصلحة. وكذلك قتال ما نعي الزكاة: توقف فيه عمر وغيره, حتى بين لهم أبو بكر ﵁ أصله الذي يرجع إليه من الشريعة, فوافقه الناس على ذلك. ومن ذلك: كتابة الحديث نهى عنه عمر وطائفة من الصحابة, ورخص فيه الأكثرون, واستدلوا بأحاديث من السنة. وكذلك: تفسير الحديث والقرآن. وفي هذه الأزمان التي بعد العهد فيها بعلوم السلف يتعين ضبط ما نقل عنهم من ذلك كله, ليتميز به ما كان من العلم موجودا في زمانهم, وما حدث من ذلك بعدهم, فيعلم بذلك السنة من البدعة. وقد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة, وإنكم ستحدثون ويحدث لكم, فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول. (١) وابن مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين. وروى ابن مهدي عن مالك قال: "لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان" (٢) . وكأن مالكا يشير بالأهواء إلى ما حدث في التفرق في أصول

стр. 139

الديانات من أمر الخوارج والروافض والمرجئة وغيرهم من الفرق الضالة, وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في أفعال الله تعالى من قضائه وقدره, فكذب بذلك من كذب, وزعم انه نزه الله بذلك من الظلم. وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في ذات الله تعالى وصفاته مما سكت عنه النبي ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان. فقوم نفروا كثيرا مما ورد في الكتاب والسنة من ذلك, وزعموا أنهم فعلوه تنزيها لله تعالى عما تقتضي العقول تنزيهه عنه, وزعموا أن لازم ذلك مستحيل على الله تعالى. وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين, وهذه اللوازم نفيا وإثباتا درج صدر الأمة على السكوت عنها. ومما حدث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين: الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي, ورد كثير مما وردت به السنة في ذلك لمخالفته للرأي والأقيسة العقلية. ومما حدث بعد ذلك: الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف, وزعم أن الحقيقة تنافي الشريعة, وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة, وأنه لا حاجة إلى الأعمال, وأنها حجاب, أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوام, وربما انضم إلى ذلك الكلام في الذات والصفات بما يعلم قطعا مخالفته للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: من الآية ٢١٣) . (١)

стр. 140

خاتمة في الكلام على شيء من بدع الضلالة التي أحدثها أهل الأهواء والسفه والجهالة, وعمت البلوى بها في سائر الأقطار, على توالي الأعوام والأعصار, فهي في عامة البلدان, محكمة الدعائم والأركان, منشورة فيها لها الأعلام, مشهورة بين الخاص والعام, غلب على أهلها الهوى فمالوا إليها, واستجالهم الشيطان فحملهم عليها, وزين لهم أنها الوسيلة إلى رب الأرباب, والقربة التي تنجي من العذاب, ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص: من الآية ٢٦) . فمن ذلك: ما بني في كل بلد من القباب, والمشاهد التي لا ينكر وجودها أحد, ولا تكاد تحصى بحساب ولا عدد, ورفع القبور التي فيها وتغطيتها بالتوابيت المتخذة من الأخشاب, ونشر غالي اللباس عليها وغالي الثياب, وتخليقها في كثير من الأيام والليالي بأنواع الأطياب, وغلقها بالأقفال والأبواب, واتخاذ السدنة لها والنواب, وقصدهم بفعل هذه البدع الرجسية الذميمة, وتعظيمهم لعظائم هؤلاء الموتى الرميمة, وإيقاع الإجلال لهم, والخوف منهم, والرغبة فيهم, والتوقير في قلوب العباد, حتى استمالوها واستحوذوا عليها, وكانوا لها عبادا, واعتقدوا فيها جلب النفع ودفع الضر ونيل المدد والإمداد, وحصول السعادة والإسعاد وصيروهم من دون الله أندادا, والغاية من هذه الأمور التي هي الكفر والشرك والإلحاد, والتوصل لإلى الدنيا والاصطياد بهذه الحبائل التي لا تزال كل يوم لهم تصطاد, وقد أدركوا بهذا السؤال والمراد, ونالوا كثيرا من الأموال بسبب ما أظهروه من الاعتقاد, ولم يبالوا بما وقعوا فيه من الطرد والإبعاد, عن جناب من تقدس بوحدانيته, وتنزه في

стр. 141

صمدانيته, عن الشريك والمثيل والأنداد والأضداد, فويل لهم ثم ويل لهم يوم يقوم الأشهاد. واعلم أن ما ذكرته من هذه الأحوال والأمور, التي لا يفعلها إلا كل ظالم كفور, من تعظيم أصحاب القبور, ووقوع الخوف في القلوب منها والمهابة, ولهذا لا تهاب الكعبة المشرفة, ويهاب الميت فلا يطأ أحد بسوء أعتابه, ولا تنتهك حتى في الظلمة حماه ولا جنابه. كلها مضادة للصراط المستقيم, ومنابذة لأوضاع الشرع القويم, هاتكة جناب الحنفية السمحاء وحماها, ومغيرة رسومها بعد ما شادها الرسول وحماها, عادلة عن منهاجها الأقوم, وصراطها الواضح الأعظم, مائلة إلى الملة المظلمة المنهاج, ونائلة أربابها هلاك الأبد في تلك الفجاج, البينة الانحراف عن الدين القيم والبالغة في الاعوجاج, فمن تدبر كتاب الله المبين, وتأمل كلام رسوله الأمين, وتحقق أن ما ذكرته يزيد على أفعال المشركين, ويشهد لذلك أن قريشا وغيرهم مخلصون لله في الشدائد, وهؤلاء يدعون الأنداد إذا حل بهم الكرب العظيم الزائد. فقد صح أمره ﷺ بإزالة المعبدات والأوثان, وطمس التماثيل وهدم القبور المشرفة البنيان, وفعل ذلك أصحابه اتباعا لهديه فيما فتحوه من البلدان, إذا لا يجوز بقاء مراسم الشرك في مكان, بل تجب المبادرة إلى إزالتها على أهل الإيمان وهذا مسجد الضرار, وقطع عمر ﵁ الشجرة التي بويع النبي ﷺ تحتها لما أخبر أن أناسا ينتابونها (١) , وأمر ﷺ أن يعموا قبر دانيال لما فتحوا تستر فوجدوه في بيت الهرمزان على

стр. 142

سرير, وعند رأسه صحف (١) , فأين قوله ﷺ لعلي بن أبي طالب: "لا تدع تمثالا إلا طمسته, ولا قبرا مشرفا إلا سويته (٢) " من حال أصحاب هذه البدع التي زادت في غلوها وإشرافها, فرأوا دين الله في رفع القبور وإشرافها. وفي الحديث عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر, وأن يبنى عليه, وأن يعقد عليه. رواه مسلم (٣) . وروى عقبة بن عامر قال: "لا تجعل على القبر من التراب أكثر مما خرج منه" (٤) . ومن ذلك: دعاؤهم أصحاب هذه القبور, والالتجاء إليهم في كل شدة ومكروه ومحذور, والإخلاص لهم في الشدات, ورفع الكف لهم في الدعوات, وسؤالهم منهم جميع الحاجات, وكشف المضرات, وتفريح الكربات, والاستغاثة بهم في النوازل والمهمات. ويحكى عن بعض هؤلاء أنه إذا دعا أربابه يقول متبجحا إنهم أسرع إجابة, وإنهم ينجحون له قصده وطلابه, فتعسا لكل مشرك ما أفظع جوابه؛ وتبا له ما أشنع خطابه! وبعضهم يحكى عنه أنه يقول: استغثت بفلان فأغاث, وعجل لي ما

стр. 143

سألته من غير إبطاء ولا ارتياب, فمن كانت هذه حاله, وهذه عبادته وأفعاله, وشاهده ما فصح به مقاله, فقد نبذ الدين الحق من غير مبالاة ولا اكتراث, ولكنه قد أخذ هذا من ملة آبائه بطريقة الميراث, فصار من جملة المتمسكين بالضلال والوراث. وبعض هؤلاء يقول: قبر الشيخ فلان ترياق مجرب, وسائله لا يرد ولا يخيب, وغالب هؤلاء استدرجهم الشيطان بشرك التقليد, وحسن لهم أن آباءهم وأجدادهم على الدين الرشيد, والصراط المسلوك الحميد, وإنهم باتخاذ الوسائط توسطوا غارب الرأي السديد. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (سبأ:٤٩) ولهذا كان جواب أسلافهم لمن جاءهم بالتوحيد من الرسل وأتباعهم الموحدين ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لهَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء:٥٣) ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء:٧٤) ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: من الآية ٢٢) . قال الله تعالى مبينا ضلالهم وضلال من هم مقلدون, وبآثارهم هم مقتدون: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّين فَهُمْ عَلى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (الصافات:٧٠) . ومن شرح الله صدره للإسلام ورأى ما يفعله عند القبور والمشاهد أكثر الأنام, يعلم بالقطع واليقين, أن هذه الأمور مضادة للدين, بل هي في الحقيقة هدم لأصله الراسخ ودين محدث للدين القيم ناسخ. ﴿أَمْ لهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الشورى:٢١) . وقال ﷻ : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ

стр. 144

كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الأحقاف:٤) . وقد تضمنت هذه الآية الكريمة: الإلزام بعدم ما يدل على ألوهية من عبد من دونه فلا يستحق العبادة, وهذا الإلزام بطريق العقل المتضمن له قوله: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ . وتضمنت أيضا: الإلزام بعدم ما يقتضي ألوهيتهم بطريق النقل كما هو صريح ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ فإذا كان القرآن المجيد ناطقا بالتوحيد, ولم يشرع الله تعالى لنبينا إلا ما شرعه لجميع الرسل, وهو إقامة الدين كله لله والمراد بذلك أن يوحد ﷻ في العبادة, فلا يشرك معه خلق من خلقه. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ (الشورى: من الآية ١٣) إلى قوله ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: من الآية ١٣) . وقال تعالى: ﴿وَلقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَليْهِ الضَّلالةُ﴾ (النحل: من الآية ٣٦) والآيات المحكمات كثيرة لا تحصى. فإذا علم هذا بالبرهان الذي دلت عليه محكمات القرآن, وتحقق القلب والجنان أن الله تعالى لم يأذن لإنس وجان, أن يصرفوا شيئا من أنواع العبادة التي هي محض حقه إلى رسول أو ملك أو صالح أو أحد من جميع خلقه. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦) ومن صرف شيئا منها إلى أحد فقد كفر بربه وجحد, وأن الرسل إنما أرسلوا بجميع ذلك, وإزالة آثار تلك المسالك, وأن الدماء والأموال إنما استبيحت بعد الامتناع عن هذه الحال, والإقلاع عن الشرك والضلال,

стр. 145

فحينئذ يتجه لنا سؤال, وهو أن يبحث ويقال لكل مشرك ضال (١) : ما تقول في الدعاء هل عبادة أم لا؟ وإذا ثبت عندك أنه عبادة, هل تكفر من دعا غير الله أم لا؟ وإذا تقرر أنه دعاء, وأنه يكفر من دعا أحدا غير الله, فيقال له: ما تقول في الاستغاثة هل هي نوع من الدعاء أم لا؟ فإن قال إنها نوع منه, فيقال: ما بالكم تفعلونها وتستغيثون بالأموات والعظام الرفات, وتسألونهم الحوائج, وترون هذا منهجا من أحسن المناهج. وإن باهت وقال: ليست من الدعاء في حال, قيل: هذا محال, ولا يجول في بال, ولا يقوله إلا معتوه في عقله خبال, ولكن بين لنا ما فيها, وما حقيقتها التي تدعيها, فإن لكل قول حقيقة, وكل سالك في طريق يعرف طريقه؟! فهناك يقف حماره في العقبة, ولا يتم له ما طلبه, وحينئذ يلجئه الفلج والإلزام, ويلجمه الخصام باللجام, وينكص على عقبه من فرط الإحجام, ودحوض حجته عند الخصام. فيقول إذ ذلك: لسنا ندعوهم, ولا بهم نستغيث, وإنما نحن نطلب منهم الشفاعة إلى الله فهو المغيث, فنقول هذه دعوى تقرب من الصدق, فلا نأبنها بالتكذيب, ولكنها متضمنة لشرك التقريب, وهذه بعينها هي دعوى الجاهلية الأولى, وهي مساوية لها في الشرك بالطريق الأولى, قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ
следующие страницы →