صمدانيته, عن الشريك والمثيل والأنداد والأضداد, فويل لهم ثم ويل لهم يوم يقوم الأشهاد.
واعلم أن ما ذكرته من هذه الأحوال والأمور, التي لا يفعلها إلا كل ظالم كفور, من تعظيم أصحاب القبور, ووقوع الخوف في القلوب منها والمهابة, ولهذا لا تهاب الكعبة المشرفة, ويهاب الميت فلا يطأ أحد بسوء أعتابه, ولا تنتهك حتى في الظلمة حماه ولا جنابه. كلها مضادة للصراط المستقيم, ومنابذة لأوضاع الشرع القويم, هاتكة جناب الحنفية السمحاء وحماها, ومغيرة رسومها بعد ما شادها الرسول وحماها, عادلة عن منهاجها الأقوم, وصراطها الواضح الأعظم, مائلة إلى الملة المظلمة المنهاج, ونائلة أربابها هلاك الأبد في تلك الفجاج, البينة الانحراف عن الدين القيم والبالغة في الاعوجاج, فمن تدبر كتاب الله المبين, وتأمل كلام رسوله الأمين, وتحقق أن ما ذكرته يزيد على أفعال المشركين, ويشهد لذلك أن قريشا وغيرهم مخلصون لله في الشدائد, وهؤلاء يدعون الأنداد إذا حل بهم الكرب العظيم الزائد.
فقد صح أمره ﷺ بإزالة المعبدات والأوثان, وطمس التماثيل وهدم القبور المشرفة البنيان, وفعل ذلك أصحابه اتباعا لهديه فيما فتحوه من البلدان, إذا لا يجوز بقاء مراسم الشرك في مكان, بل تجب المبادرة إلى إزالتها على أهل الإيمان وهذا مسجد الضرار, وقطع عمر ﵁ الشجرة التي بويع النبي ﷺ تحتها لما أخبر أن أناسا ينتابونها (١) , وأمر ﷺ أن يعموا قبر دانيال لما فتحوا تستر فوجدوه في بيت الهرمزان على
стр. 142
سرير, وعند رأسه صحف (١) , فأين قوله ﷺ لعلي بن أبي طالب: "لا تدع تمثالا إلا طمسته, ولا قبرا مشرفا إلا سويته (٢) " من حال أصحاب هذه البدع التي زادت في غلوها وإشرافها, فرأوا دين الله في رفع القبور وإشرافها.
وفي الحديث عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر, وأن يبنى عليه, وأن يعقد عليه. رواه مسلم (٣) . وروى عقبة بن عامر قال: "لا تجعل على القبر من التراب أكثر مما خرج منه" (٤) .
ومن ذلك: دعاؤهم أصحاب هذه القبور, والالتجاء إليهم في كل شدة ومكروه ومحذور, والإخلاص لهم في الشدات, ورفع الكف لهم في الدعوات, وسؤالهم منهم جميع الحاجات, وكشف المضرات, وتفريح الكربات, والاستغاثة بهم في النوازل والمهمات.
ويحكى عن بعض هؤلاء أنه إذا دعا أربابه يقول متبجحا إنهم أسرع إجابة, وإنهم ينجحون له قصده وطلابه, فتعسا لكل مشرك ما أفظع جوابه؛ وتبا له ما أشنع خطابه!
وبعضهم يحكى عنه أنه يقول: استغثت بفلان فأغاث, وعجل لي ما
стр. 143
سألته من غير إبطاء ولا ارتياب, فمن كانت هذه حاله, وهذه عبادته وأفعاله, وشاهده ما فصح به مقاله, فقد نبذ الدين الحق من غير مبالاة ولا اكتراث, ولكنه قد أخذ هذا من ملة آبائه بطريقة الميراث, فصار من جملة المتمسكين بالضلال والوراث.
وبعض هؤلاء يقول: قبر الشيخ فلان ترياق مجرب, وسائله لا يرد ولا يخيب, وغالب هؤلاء استدرجهم الشيطان بشرك التقليد, وحسن لهم أن آباءهم وأجدادهم على الدين الرشيد, والصراط المسلوك الحميد, وإنهم باتخاذ الوسائط توسطوا غارب الرأي السديد. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (سبأ:٤٩) ولهذا كان جواب أسلافهم لمن جاءهم بالتوحيد من الرسل وأتباعهم الموحدين ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لهَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء:٥٣) ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء:٧٤) ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: من الآية ٢٢) .
قال الله تعالى مبينا ضلالهم وضلال من هم مقلدون, وبآثارهم هم مقتدون: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّين فَهُمْ عَلى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (الصافات:٧٠) .
ومن شرح الله صدره للإسلام ورأى ما يفعله عند القبور والمشاهد أكثر الأنام, يعلم بالقطع واليقين, أن هذه الأمور مضادة للدين, بل هي في الحقيقة هدم لأصله الراسخ ودين محدث للدين القيم ناسخ. ﴿أَمْ لهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الشورى:٢١) .
وقال ﷻ : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ
стр. 144
كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الأحقاف:٤) .
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة: الإلزام بعدم ما يدل على ألوهية من عبد من دونه فلا يستحق العبادة, وهذا الإلزام بطريق العقل المتضمن له قوله: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ .
وتضمنت أيضا: الإلزام بعدم ما يقتضي ألوهيتهم بطريق النقل كما هو صريح ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ فإذا كان القرآن المجيد ناطقا بالتوحيد, ولم يشرع الله تعالى لنبينا إلا ما شرعه لجميع الرسل, وهو إقامة الدين كله لله والمراد بذلك أن يوحد ﷻ في العبادة, فلا يشرك معه خلق من خلقه.
قال تعالى: ﴿شَرَعَ لكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ (الشورى: من الآية ١٣) إلى قوله ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: من الآية ١٣) .
وقال تعالى: ﴿وَلقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَليْهِ الضَّلالةُ﴾ (النحل: من الآية ٣٦) والآيات المحكمات كثيرة لا تحصى.
فإذا علم هذا بالبرهان الذي دلت عليه محكمات القرآن, وتحقق القلب والجنان أن الله تعالى لم يأذن لإنس وجان, أن يصرفوا شيئا من أنواع العبادة التي هي محض حقه إلى رسول أو ملك أو صالح أو أحد من جميع خلقه.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦) ومن صرف شيئا منها إلى أحد فقد كفر بربه وجحد, وأن الرسل إنما أرسلوا بجميع ذلك, وإزالة آثار تلك المسالك, وأن الدماء والأموال إنما استبيحت بعد الامتناع عن هذه الحال, والإقلاع عن الشرك والضلال,
стр. 145
فحينئذ يتجه لنا سؤال, وهو أن يبحث ويقال لكل مشرك ضال (١) : ما تقول في الدعاء هل عبادة أم لا؟ وإذا ثبت عندك أنه عبادة, هل تكفر من دعا غير الله أم لا؟ وإذا تقرر أنه دعاء, وأنه يكفر من دعا أحدا غير الله, فيقال له: ما تقول في الاستغاثة هل هي نوع من الدعاء أم لا؟ فإن قال إنها نوع منه, فيقال: ما بالكم تفعلونها وتستغيثون بالأموات والعظام الرفات, وتسألونهم الحوائج, وترون هذا منهجا من أحسن المناهج.
وإن باهت وقال: ليست من الدعاء في حال, قيل: هذا محال, ولا يجول في بال, ولا يقوله إلا معتوه في عقله خبال, ولكن بين لنا ما فيها, وما حقيقتها التي تدعيها, فإن لكل قول حقيقة, وكل سالك في طريق يعرف طريقه؟! فهناك يقف حماره في العقبة, ولا يتم له ما طلبه, وحينئذ يلجئه الفلج والإلزام, ويلجمه الخصام باللجام, وينكص على عقبه من فرط الإحجام, ودحوض حجته عند الخصام.
فيقول إذ ذلك: لسنا ندعوهم, ولا بهم نستغيث, وإنما نحن نطلب منهم الشفاعة إلى الله فهو المغيث, فنقول هذه دعوى تقرب من الصدق, فلا نأبنها بالتكذيب, ولكنها متضمنة لشرك التقريب, وهذه بعينها هي دعوى الجاهلية الأولى, وهي مساوية لها في الشرك بالطريق الأولى, قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ
стр. 146
وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس:١٨) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: من الآية ٣) .
قال أكثر المفسرين: كانت الكفار إذا سئلوا من خلق السماوات والأرض يقولون الله كما حكاه الله تعالى عنهم فإذا سئلوا عن عبادة الأصنام, ﴿قالوا مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: لأجل طلب شفاعتهم عند الله تعالى وهذا كفر منهم.
قال الحافظ ابن كثير: " قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم: ﴿إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: ليشفعوا لنا, ويقربونا عنده. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك, إلا شريكا هو لك, تملكه وما ملك, وذلك أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم, فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا. فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به" انتهى (١) .
فإن قيل: إن الكفار إنما كانوا يعتقدون القربة ويرجونها, ويطلبون الشفاعة ويسألونها, من أصنام ينحتونها, ونحن إنما نتقرب إليه بأكرم الخلق عليه؟! (٢) .
فالجواب أن يقال: ما ذكرتم ممنوع, وبنص القرآن معارض مدفوع, فعقيدتهم المذكورة, وطلبتهم المشهورة, ليست على أصنام مقصورة, ولا في أوثانهم محصورة, بل عموا الملائكة والرسل والأنبياء والصالحين,
стр. 147
والأصنام والجن والشياطين.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (المائدة: من الآية ١١٦) وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (التوبة: من الآية ٣١) وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (الإسراء: من الآية ٥٧) وقال ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأعراف: من الآية ١٩٤) فقد ظهر من صريح هذه الآيات ما ذكرناه من التعميم والمساواة, مع أنا لو فرضنا الأمر وقدرناه على خلاف الواقع, وقلنا إنما طلبوا ذلك من الأصنام فهل يكون هذا دافعا (١) للنص القاطع, والبرهان الساطع, فقد ساوى بين الملائكة والبشر والجن والأصنام, في هذا الاعتقاد والحكم الشارع ولم يفرق بين عباد الشياطين والجن والأشجار والأصنام, وبين عباد الملائكة والأنبياء والرسل الكرام, وسائر الصالحين من الأنام, بل قاتلهم ﷺ واستباح الدماء والموال, وأذاقهم الله تعالى أعظم الوبال, ولم يزل على تلك الحال حتى أنقذ الله تعالى من أنقذه منهم من الضلال, ومن سبقت له السعادة في المآل. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون:١١٧) وقال : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (لأنفال: من الآية ٣٩) وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ (التوبة: من الآية ٥) .
فإن قيل: ما ذكرتم من الكفر بطلب هذه الشفاعة ظاهر في غير خاصة
стр. 148
الله من عباده ومسلم من غير نزاع, وأما خاصته وخيرته من عباده, فالكلام معكم فيه من وجهين:
إما أن تمنعوا شفاعتهم, وتنفوا ما أثبت الله تعالى ونبيه لهم من الشفاعة, فهذا كفر بواح.
وإما أن تثبتوها كما أثبتها الله تعالى ونبيه ﷺ لهم بطريق التفضل, وتعتقدون أنهم يشفعون ويشفعون, فكيف يكون سؤالها وطلبها منهم كفرا مبيحا للدم والمال؟! (١) .
فنقول في الجواب عن هذا: اعلم أن أصدق الحديث كتاب الله, وخير الهدي هدي محمد, والقرآن العظيم هو الصراط المستقيم, الذي لا يؤمه إلا الأتقى, ولا يعدل عن نوره إلا الأشقى, فمن التمس الهدي من غيره ضل, ومن أضاع منه نصيبه زل, ونحن نثبت ما أثبته القرآن, وننفي من الشفاعة ما نفى, ولا ندين الله إلا بذلك, وكفى به شرفا, ومن ابتغى وراء ذلك فقد جاء إدا وسرفا.
وتحقيق الجواب عن هذه الشبهة والارتياب: أن الذي ندين الله به, ونعتقد أن الله تعالى في الآخرة يتفضل على خاصته من عباده, وخيرته من خلقه بالشفاعة, بعد إذنه لهم فيمن يشفعون له, وبعد رضاه أعمال المشفوع لهم وأقوالهم, وإنه لا يرضى إلا التوحيد, فهذه الشفاعة المقيدة بهذه القيود الثلاثة, يكفر منكرها, ويحرمها كل جاحد كنود؟!.. وأجلها وأعظمها شفاعة نبينا في فصل القضاء, وهي المقام المحمود, فهي في الحقيقة لله تعالى, فإذا أراد رحمة عبده شفع إلى نفسه, فأذن لمن شاء أن يشفع فيه وقد دل على
стр. 149
هذه الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة:
قال ﷻ : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ (الزمر: من الآية ٤٤) وقال تعالى: ﴿مَا لكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ (السجدة: من الآية ٤) .
وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٥٥) وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لهُ قَوْلاً﴾ (طه:١٠٩) وقال تعالى: ﴿يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (لنجم: من الآية ٢٦) والآيات كثيرة.
وفي الصحيحين عنه في حديث الشفاعة قال: "إني آتي تحت العرش, فأخر لله ساجدا, ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن, فيدعني ما شاء الله أن يدعني, ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع, واشفع تشفع, قال: فيحد لي حدا ثم أدخلهم الجنة ثم أعود" (١) فذكر أربع مرات.
وضد هذه الشفاعة الشفاعة الشركية التي أثبتها المشركون ونفاها الله تعالى: فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ (البقرة: من الآية ٤٨) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ (البقرة: من الآية ٢٥٤) .
وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" (٢) .
وروى الترمذي عن عوف بن مالك قال: قال رسول اله ﷺ : "آتاني آت من عند ربي, فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة
стр. 150
فاخترت الشفاعة, وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا" (١) .
فتبين من هذه النصوص أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للمشرك؛ لأن الله تعالى لا يرتضيه ولا يرضى قوله, فلا يأذن لأحد أن يشفع فيه, إذ هي معلقة بأمرين: رضاه عن المشفوع, وإذنه للشافع.
فلا توجد إلا بمجموعهما, وهذه هي التي ننفيها كما نفاها الله تعالى (٢) .
وأما الشفاعة المثبتة فهي التي لأهل التوحيد, كما صرح بها القرآن المجيد, وتواترت بها الأحاديث الصحيحة الأسانيد (٣) .
وأما كون الطلب لها والسؤال, كفرا مبيحا للدم والمال, فهذا كلام فيه غاية الإجمال, بل هو من المغالطة في المناظرة والجدال, والذي نجزم به وندين هو ما أفصح به النور المبين, وذلك أن الحكم مختلف باختلاف الحال, في صدور السؤال والمقال:
فما كان في حياته ﵊ فليس إلى منعه من سبيل, لورود النص فيه والدليل, ولا يلزم على ذلك وقوع المحذور, وحاشا أن يقر أحدا على محظور. فقد سأله الشفاعة من أصحابه جماعة (٤) . ولو كان
стр. 151
سؤالها في حياته شركا لسد بابه, بل لم تسأل ذلك الصحابة, فلا ريب في جواز ذلك ولا إشكال, وليس للمقال فيه مجال.
وأما بعد موته ﷺ فهو مما لا سبيل إليه, والطرق دونه مسدودة, وما يتشبث به المخالف للصواب من موضوعات الأدلة وضعافها مردودة, لا تقاوم قواطع النصوص ولا تعارض براهين المنع المنصوص, على استواء العموم في ذلك والخصوص.
وحاصل التحقيق في إيضاح هذه الطريق أن نقول:
اعلم أن الشفاعة كالاستغاثة محض حق لله تعالى, لا خلاف فيه بين أهل الحق في ذلك ولا نزاع, ولا عبرة بخلاف أهل الزيغ والابتداع, الذين يحرفون الكلم على خلاف مراد واضعه, ويضعون على وفق أهويتهم لا على وفق مواضعه, بل يبتدعون الأقوال, ويخترعون شبه الضلال. قال الله تعالى: ﴿مَا لكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ (السجدة: من الآية ٤) وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ ليْسَ لهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ (الأنعام: من الآية ٥١) وقال ﷻ : ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ (الزمر: من الآية ٤٤) وغير ذلك من الآيات.
فإذا تقرر أنها من خالص حق رب العالمين, وأنها داخلة في جملة أنواع الدين, الذي قضاه وأمر به وأوجبه لنفسه دون البرية أجمعين. كما قال في كتابه المبين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: من الآية ٢٣) وقال ﷻ : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (يوسف: من الآية ٤٠) وقال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لهُ الدِّين﴾ (غافر: من الآية ٦٥) وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لهُ الدِّينَ﴾ (البينة: من الآية ٥) امتنع صرفها لغيره, فلا يجوز صرفها لرسول ولا نبي, ولا ملك مقرب
стр. 152
ولا ولي, لأن ذلك من الشرك الجلي, إلا أن الدليل القاطع خص عموم النهي بالأموات لقيام المانع, ودل على أن الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه وكذلك الاستشفاع, كل منهما جائز من غير منازعة ولا دفاع, وأنهما خارجان من عموم الامتناع.
قال الله ﷻ : ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص: من الآية ١٥) .
وقال تعالى: ﴿وَلوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لهُمُ الرَّسُولُ لوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ (النساء: من الآية ٦٤) .
فإن قيل: إذا كانتا من أنواع العبادات, فلم اختص الجواز بالأحياء دون الأموات, والأصل العموم والمساواة؟! (١) .
قلنا: لا نسلم بكون صدور ذلك عبادة, ولا يواطئ لسان أحد في ذلك اعتقاده, حتى يتسنى على ذلك الاعتراض, ويلزم الإيراد والانتقاض.
وغاية ما في ذلك, ونهاية ما هنالك, لسالكي هذه المسالك, التوصل إلى التوسل بما يقدرون عليه, وبالدعاء لا التوسل بالذوات, وهذا مقدور عليه في الحياة دون الممات, ولو كان هذا أمرا محظورا, وحجرا في حال الحياة محجورا, وشركا برب المشارق والمغارب, وكفرا موردا لسوء العواقب, وموقعا في مهواة المعاطب, لعتب ﵊ على سواد من قارب, حين طرق قوله أسماعه, فكن لي شفيعا يوم لا ذو
стр. 153
شفاعة (١) , ولمنع ﵊ غيره من الصحب الكرام.
فإن قيل: إن الرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين أحياء في القبور, ونبينا ﷺ له المزية عليهم, فكيف يكون سؤاله شركا محظورا؟ (٢) .
قلنا: هنا ضلت الأفهام, وزلت الأقدام, وصار لها على المحظور إقدام, ودخل هذا الالتباس في قلوب أناس من المشهورين بالعلم والمنطق والذكاء والفهم, فلهجوا بذلك بالأشعار, من غير تأمل ولا إشعار, ولا تدبرا لقول واستبصار, فطفحت الأفهام, عن مدارك الأحكام.
وحاصل الجواب بإيجاز من غير إطناب: أن هذه الحياة المقررة, قد ذكرها الله تعالى في كتابه مكررة, فليس فيها ارتياب ولا إنكار, والفاعل المختار يتصرف كيف يشاء بما تقصر عن الإحاطة به الأفكار, وقدرته جل وعلا لا تحيط به العقول, فلا يسوغ إلا الإيمان بما أخبر به وإتباع النقول, والتمسك بما أنزل إلينا من النور, الذي هو شفاء لما في الصدور, وهو المنزل بالحق حكما للناس, فيما وقع فيه الاختلاف والإلباس, فهذه الحياة التي أخبر بها الله تعالى وحكم, ليست كالحياة التي حكم بفنائها على من برأه من النسم, وأوجده من العدم, وأناط بها تكليف العباد, وافترقوا بسبب ذلك في المعاد, وإنما هي حياة غير معقولة لنا ولا مكيفة, بل هي حياة برزخية نؤمن بها كما أخبر به على أي صفة.
стр. 154
ومن المعلوم أن الموت انتقال من دار إلى دار, ومن حال إلى حال, ونعوذ بالله من حال أهل النار, وأن أرواح الأنبياء والشهداء, والصديقين والسعداء, في الرفيق الأعلى قرارها, ومسرحها رياض الجنات وأنوارها, وروحه الشريفة ﷺ في أعلى مكان, من تلك الجنان, في جوار الرحمن, فتلك الأرواح قد فارقت الأشباح, ولزمت الملأ الأعلى ليس لها عنه من براح ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (الفجر:٢٨) وهذه والله هي العيشة الهنية, غير أن لها اتصالا بأجسامها السفلية, وبهذا الاتصال والتعلق منها بالأجسام يحصل النعيم في الضريح للأبدان, المصرح به في القرآن, ومنه يحصل لنبينا ﵊ رده على من سلم ﵇, فهذه الحياة لها شأن, وللحياة الدنيوية شأن أي شأن, ولو ساوت الحياة البرزخية, حقيقة الحياة الدنيوية, لزم مساواة الحادث للقديم, وتعالى عن ذلك الحي الباقي الوارث الحكيم, والمبين للأمة أحكام التنزيل, هو الذي تلقيت عنه هذه الأحوال كلها على الإجمال والتفصيل, وهو الذي بين شفاعة الأنبياء والمرسلين, والشهداء والملائكة والصالحين, وقد قاتل من تعلق بهؤلاء من المشركين, فهلا فرق في القضية بين طالب الشفاعة من الأصنام وطالبها من صفوة البرية, وما ذكر الله تعالى في كتابه من الآيات, إعلاما لنبيه ﷺ بحصول حقيقة الممات, بخطاب التخصيص له والتعميم لسائر البريات, وإخباره عن نفسه بذلك, وأنه بشر لا بد من سلوكه في هذه المسالك, وطلب فاطمة ﵂ الميراث (١) , واختلاف أصحابه
стр. 155
في دفنه بعد تحققهم الموت (١) , وفي قتال أهل الردة (٢) , وغير ذلك دليل على ما ذكرنا, فإذا كان أصحابه أعلم الأنام, بمدارك الأحكام, فكيف يسوغ منهم هذا الاختلاف, وهو حي في قبره كحياته بين أظهرهم؟.
ولما وقع التنازع في بيعة أبي بكر ﵁, هلا رجعوا في ذلك إليه, وعرضوا ذلك كله عليه, ولم عدلوا إلى الاستشفاع بعده بدعاء عمه العباس (٣) وتركوا سيد الناس؟ وما ذاك إلا لما أتوا من العلم, ومنحوا من الفهم, ورزقوا من الإتباع, وترك الأهواء والابتداع ﵃ أجمعين.
هذا ما ظهر لي في تحقيق هذه المسألة وتقريرها, وكشف أسرارها وتحريرها, فعض عليها بالنواجذ والأنياب, فإنك قد لا تجده مسطرا في كتاب.
ومن ذلك: تقبيل هؤلاء القبور والطواف بها, والتمسح ببنائها, وأخذ تربتها وأكلها, ونقلها للتبرك, وإيقاد النار والمسرج فيها, وشد الرحيل إليها, وإلقاء الخرق عليها وكل هذا من الأوضاع الجاهلية, التي غيروا بها الحنفية, ووضعوها للات والعزى, ورموا بها نصرا وعزا, حتى ظهر عليهم ﷺ فلم يبق منهم ركزا, فمن اعتصم بكتاب الله وتمسك بسنة
стр. 156
رسوله ﷺ , يعلم أن هذه الأمور كلها تضاد أمر الله ونهيه, وما جاء به رسوله من عنده, فإن الذي شرعه لنا الرسول, لا يجوز عنه العدول, وما زاد عليه باطل غير مقبول, فزيارة القبور التي أمر بها, وكان يعلم بها أصحابه إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون, نسأل الله لنا ولكم العافية" (١) . والحكمة فيها: إنما هو تذكرة الآخرة, والإحسان إلى الميت بالدعاء له والترحم والاستغفار. ولذلك شرعت الصلاة للدعاء له والشفاعة فيه, فإذا كان هذا ما شرعه الله لنا على لسان نبيه ﷺ قبل دفنه, فبعد الدفن أولى, ولكن هذا مصداق قوله ﷺ : "إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم٢".
فلهذا بدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم, فبدلوا الدعاء للميت بدعائه والشفاعة عند الله بطلب الشفاعة منه, وخصوا تلك القبور والمشاهد بالدعاء والعبادة.
وقد وردت السنة بإبطال ذلك والتغليظ في الوعيد لمن فعله؛ لأن ذلك يصيرها أوثانا تعبد من دون الله. وإنما حملهم على ذلك الغلو في الصالحين وفرط محبتهم, وهذا هو الذين تغيرت به الحنفية من قديم الدهر وحديثه, وهو السبب في كفر بني آدم كما حكى الله تعالى عن قوم نوح قال تعالى: ﴿قَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا
стр. 157
يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ (نوح:٢٣) فإن هؤلاء أسماء رجال صالحين ماتوا, فعكفوا على قبورهم, ثم صوروا تماثيلهم, ثم طال عليهم الأمد, فعبدوهم, قال ﷺ : "إياكم والغلو, فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" (١) وقال ﵊: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم, إنما أنا عبد الله ورسوله". أخرجه البخاري ومسلم عن عمر ﵁ (٢) , وروى الإمام مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد, اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٣) , فإذا كان هذا قبر سيد ولد آدم, ولحده أفضل من السماء والأرض, والنبي دعا ربه أن لا يجعله وثنا بسبب العبادة, فقد صرح أن من عبده أو دعاه أو عبد الله عنده, فقد صيره وثنا, فما بالك بغيره؟! وهذا فيه من التهديد البليغ والزجر الشديد ما ليس وراءه مزيد. وفي السنن عن ابن عباس ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور, والمتخذين عليه المساجد والسرج" (٤) .
стр. 158
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود مرفوعا: "إن من شرار أمتي من تدركهم الساعة وهم أحياء, والذين يتخذون القبور مساجد" (١) .
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه, فإذا اغتم بها كشفها فقال: وهو كذلك "لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا, ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا" (٢) . وقد صرح النبي ﷺ بالنهي من ذلك.
فروى مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل, فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا, ولو كنت متخذا من أمتي خليلا, لاتخذت أبا بكر خليلا, ألا وأن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد, إني أنهاكم عن ذلك" (٣) .
فنهى ﵊ في مرض موته, ونهى وهو في السياق عن اتخاذ القبور مساجد.
ومعلوم أن كل من كان يعبد فيه أو يدعى فيه, فقد جعل مسجدا, وهذا تحذير منه لأمته عن مشابهتهم اليهود والنصارى في ذلك, فتدركهم اللعنة؛ لأن اللعنة ليست خاصة باليهود والنصارى, بل من اتخذ القبور مساجد, وخصها بنوع من أنواع العبادة, فهو ملعون ولو لم يبني عليها مسجدا ولكن تشابهت قلوبهم ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورا﴾
стр. 159
(الإسراء: من الآية ٩٩) .
ومن ذلك: صرفهم النذور إلى الأموات في القبور, وقد ثبت بالدليل القاطع أنه نوع من العبادة كما نص عليه الشارع وأنه حق لله تعالى, لا يصلح لغيره, فما يفعل عندها من التقرب بالعبادة والدعاء والنسك كله بدع شركية, وشرعة جاهلية, مخالفة لدين الإسلام, مشابهة لأفعال عبدة الأوثان والأصنام ولو كان قصد الناذر التقرب إلى الله بذلك, لم يجز فعله هنالك؛ لأن التقرب إلى الله بذبح نسك في مكان يذبح فيه للنصب شرك.
ويدل على ذلك ما في سنن أبي داود عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل أن يذبح إبلا ببوانه, فسأل النبي ﷺ فقال: " هل فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قال: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قال: لا. قال رسول الله: "أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء بنذر في معصية الله, ولا فيما لا يملك بن آدم" (١) .
وروى الضياء في المختارة عن علي بن الحسين ﵃ أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعوا, فنهاه وقال: ألا أحدثكم بحديث سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدا, ولا بيوتكم قبورا, وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني أينما كنتم" (٢) .
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبورا, ولا تجعلوا قبري عيدا, وصلوا علي؛ فإن صلاتكم
стр. 160
تبلغني حيثما كنتم" (١) .
فهذا أمره ﷺ ونهيه الذي أمرنا به وعدم مخالفته.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: من الآية ٧) .
وقال ﷺ : "كل أم تي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة, ومن عصاني فقد أبى" رواه البخاري (٢) .
وهذا هديه وشرعه في زيارة القبور, وهدي السلف والخلف ﵃ أجمعين, الذين اقتبسوا من مشكاة أنواره, واقتدوا في جميع أقوالهم وأفعالهم بآثاره, ولقد وقعت بهم الحوادث, ودهمتهم الخطوب الكوارث, وألمت بهم مدلهمات النوائب, وحلت بهم غياهب المصائب, وأمطرت عليهم بالبلايا سحائب, ودرجت عليهم من الشدائد غياهب, من مقتل عثمان ﵁, ثم ما بعده من الفتن, وما حل بأهل المدينة في وقعة الحرة من المحن, واستباحة الدماء والأموال والفروج, ومع ذلك لم يكن لهم عن هديه ﷺ خروج, ولا إلى سنن الجاهلية عدول وعروج, فلم ينقل عن أحد منهم أنه التجأ إلى رسول الله ﷺ أو استغاث به, أو دعاه واستنصر به, وإنما ذلك لعلمهم أنه نهى عن ذلك وحذر, وتوعد عليه ونذر, بين لهم وأخبر أنه من الشرك الأكبر. قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ
стр. 161
بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَليْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (الزمر: من الآية ٣٨) . وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (يونس:١٠٦) وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ (يونس: من الآية ٤٩﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ (الجن:١٨) وقوله في حديث (إنذاره عشيرته*) : "يا معشر قريش, اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا, يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا, يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا, يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت, لا؟ أغني عنك من الله شيئا" (١) .
فمن أنار الله تعالى قلبه بأنوار الإيمان, وشرح صدره لقبول الحق والعرفان, اتضح له واستبان, ما وقع من الناس في الأزمان, عن القبور من العبادة والنسك وإيقاد النيران, وعند الأشجار والأحجار في سائر البلدان, ومن شاهد ما يفعل عن قبره الشريف, وما يفعل عند قبر كل صالح كالرفاعي (٢) , وأحمد البدوي بمصر (٣) , وعبد القادر (٤) ومعروف
стр. 162
الكرخي (١) , وفي المشهد الذي يدعى أنه قبر علي وليس كذلك (٢) , وما يفعل في البصرة وعند الزبير ببغداد, وما يفعل عند قبر ابن عباس والمحجوب (٣) وأبي طالب, وما كان يفعل في مشاهد الأحساء قبل هذه الأيام, وبلدان فارس وعمان, ومشاهد اليمن وكل بلاد إلا ما شاء الله تعالى, علم أن هذا فسخ لدين الحق والهدى, ونسخ لبروده المحكمة السدى, ورفع لقواعد الشرك والضلال والردى, وذلك لطول العهد بلوامع الشريعة الغراء وبعد المدى وتيقن أن هذا مصداق قوله ﵊: "بدأ الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ, فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس" (٤) وفي آخر: "الذين يصلحون ما أفسد الناس" (٥) .
وقد وقع ما أخبر به ﷺ ووعد, وتطاول على غربة الإسلام المد, فلا يمضي قرن إلا خلفه من هم أسوء من الأولين حالا, وأعظم فتنة وأقبح أفعالا, والموفق فيه من رزقه الله تعالى فيه إخلاص الدين, وإسلام وجهه وإحسان عمله لرب العالمين, وعرج فيه على معراج التسليم والصبر, إلى منهاج الاحتساب للأجر.
стр. 163
فقد صح عمن له غاية الشرف ونهاية الفخر: "يأتي على الناس زمان المتمسك فيه بدينه كالقابض على الجمر" (١) .
وورد عنه ﷺ أنه قال: "يأتي على الناس زمان للعامل فيه أجر خمسين منكم" (٢) . فلأجل غربة الإسلام والدين, وإتباع سنن الغاوين والمشركين, وخسوف بدر الحق وكسوف شمسه, وتغيير الصراط المستقيم وطمسه, يكفر من قام يدعو إلى التوحيد, ويرمي بالخروج من ملة الإسلام من غير ترديد, ويحكم عليه بالبدع والتضليل, من غير برهان ولا دليل ﴿وَمَا اخْتَلفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ (آل عمران: من الآية ١٩) .
ولكن الله وفق من شاء من الخلق لما اختلف فيه من الحق, فأرشد إلى الخير والهدى, والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم, ويخذل من يشاء بعدله القويم, وقضائه السوي الحكيم, ويستحب العمى على الهدى والجحيم على النعيم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة:٣٢) ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلمُونَ﴾ (الروم:٦) .
стр. 164
الفصل السابع: في الأمر بالاعتصام بكتاب الله المبين, والتمسك بحبله المتين, وذم الافتراق في الدين, وإخبار الرسول الأمين ﷺ , بافتراق أمته المجيبين, على ثلاث وسبعين, وأنها كلها في النار مع المكذبين, إلا من كان على سنته وسنة أصحابه المهندين ﷺ ورضي عنهم أجمعين, وحشرنا في زمرتهم يوم الدين.
قال الله ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَليْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لكُمْ آيَاتِهِ لعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢-١٠٣) .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِليْكُمْ نُوراً مُبِيناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِليْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ (النساء:١٧٥-١٧٥) وقال: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأنعام:١٢٦) .
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥٣) وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأنعام:١٥٥) وقال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٧) .
وقال ﷻ : ﴿كِتَابٌ أُنْزِل إِليْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِل إِليْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٢-٣) .
وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِل مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٧) .
وقال ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا
عَمىً﴾ (فصلت: من الآية ٤٤) .
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَل مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ (البقرة: من الآية ٢١٣) .
وقال ﷻ : ﴿وَمَا اخْتَلفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (آل عمران: من الآية ١٩) .
وقال : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولئِكَ لهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران:١٠٥) .
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٩) .
وقال : ﴿مُنِيبِينَ إِليْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: من الآية:٣١-٣٢) وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِليْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِليْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِليْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِليْهِ مَنْ يُنِيبُ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية ١٣-١٤) .
وقال : ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (البينة:٤) .
عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض" رواه أبو جعفر الطبري بسنده (١) .
стр. 167
وروى ابن مردوية من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال: رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن هو حبل الله المتين, وهو النور المبين, وهو الشفاء النافع, عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه" وروى من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك (١) .
وروى مسلم في صحيحه من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثا, ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا, وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا, وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم, ويسخط لكم قيل وقال, وكثرة السؤال, وإضاعة المال" (٢) .
وأخرج الإمام أحمد بسنده عند عبد الله بن لحي (٣) قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة قام حين صلى الظهر فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إ ن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة , يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة, وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه, لا يدع فيه عرقا ولا مفصلا إلا دخله, والله, يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ لغير من الناس أحرى أن لا يقوم به" وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى كلاهما عن أبي المغيرة واسمه عبد القدوس بن الحجاج الشامي بسنده (٤) .
стр. 168
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (آل عمران: من الآية ١٠٢) .
قد تقدم الكلام على التقوى, وذكرنا ما فيه الكفاية.
وقد ذهب سعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل وابن حيان وزيد بن أسلم والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: من الآية ١٦) وعن ابن عباس: أنها لم تنسخ, ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم, ويقومون بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. (١)
وفي قوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٠٢) الأمر بالمحافظة على الإسلام في حال الصحة والسلامة؛ ليموتوا على ذلك؛ لأن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه, ومن مات على شيء بعث عليه.
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر, ويأتي إلى الناس ما يجب أن يؤتى إليه" رواه الإمام أحمد (٢) .
وعنه ﷺ : "لو قطرت من الزقوم قطرة, لأمرت على أهل الأرض معيشتهم, فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم" هكذا رواه أصحاب السنن (٣) .
وقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ (آل عمران: الآية ١٠٣) أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يعتصموا بحبله المتين, وهو القرآن المبين الذي نزل به
стр. 169
الروح الأمين, وحفظه عن تحريف المبطلين, وسماه حبلا على سبيل الاستعارة المرشحة, كما هو منصوص على ذلك عند علماء البيان, ووجه ذلك انه استعار بالحبل من حيث إنّ التمسك به سبب النجاة من الردى, كما أن التمسك بالحبل القوي سبب للسلامة عن التردي, ورشح ذلك بالاعتصام لأجل الوثوق به والاعتماد عليه. (١)
وعن علي مرفوعا في صفة القرآن قال: "هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم" (٢)(٣) .
وقد أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث النواس بن سمعان (٤) عن النبي ﷺ قال: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة, وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا, ولا تعرجوا, وداع يدعو من جوف الصراط, فإذا أراد أن يفتح من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه؛ فإنك إن فتحته تلجه, والصراط الإسلام, والسوران حدود الله, والأبواب المفتحة محارم الله, وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله تعالى, والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم" (٥)
стр. 170
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "يمثل القرآن يوم القيامة رجلا, فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره, فيتمثل له خصما فيقول: يا رب, حملته إياي فبئس حامل, تعدى حدودي, وضيع فرائضي, وركب معصيتي, وترك طاعتي, فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال شأنك به, فيأخذه بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار, ويؤتى بالرجل الصالح, كان قد حمله, وحفظ أمره, فيتمثل خصما دونه فيقول: يا رب, حملته إياي فخير حامل, حفظ حدودي , وعمل بفرائضي, واجتنب معصيتي, واتبع طاعتي, فما يزال يقذف له بالحجج حتى يقول: شأنك به, فيأخذه بيده فيما يرسله حتى يلبسه حلة الإستبرق, ويعقد عليه تاج الملك, ويسقيه كأس الخمر" (١) .
وقال ابن مسعود ﵁: "القرآن شافع مشفع, وماحل مصدق, فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة, ومن جعله خلفه قاده إلى النار" (٢) .
وعنه قال: يجيء القرآن يوم القيامة فيشفع لصاحبه, فيكون قائدا إلى الجنة, ويشهد عليه, فيكون سائقا إلى النار (٣) .
وقال أبو موسى الشعري: "إن هذا القرآن كائن لكم أجرا, وكائن عليكم وزرا, فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم القرآن؛ فإنه من اتبع القرآن هبط به إلى رياض الجنة, ومن اتبعه القرآن زج في قفاه, فقذف في النار. (٤) .
стр. 171
قلت: وفي مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان" الحديث. وفيه "القرآن حجة لك أو عليك" (١) وفيه أيضا: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما" (٢) .
وفي الحلية عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيء شرفا يتباهون بهو وإن بهاء أمتي وشرفها القرآن" (٣) .
وخرج الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله, فليس تاج الكرامة, ثم يقول: يا رب زده, فيلبس حلة الكرامة, ثم يقول: ارض عنه فيقول: رضيت عنه, ثم يقال له: اقرأ وارق, ويعطى بكل آية حسنة" (٤) .
وقوله في حديث ابن مسعود: "وماحل مصدق" أي خصم مجادل مصدق.
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ هذا أمر من الله تعالى لعباده بلزوم الجماعة, ونهي لهم عن الفرقة التي هي منشأ نبذ الدين والإضاعة, بعد ما أمرهم ﷻ بالتمسك والاعتصام بالسبب المتين, اتبعه بالنهي عن ضده؛ لأنه الخالق للدين.
وهو الداء العضال الذي وقع الاستيصال بالأمم السالفة, ثم بعدهم دب في الأمم الخالفة, فصارت به ثاوية تالفة.
وقد وردت أحاديث كثيرة بالأمر بالاجتماع والائتلاف, والنهي عن التفرق والاختلاف, والآيات والآثار في ذلك كثيرة, فلا نطيل بتعدادها؛
стр. 172
لكونها معلومة شهيرة.
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَليْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ (آل عمران: من الآية ١٠٣) ذكرهم ﷻ نعمته وأجزل منة؛ لأنها الهداية والتوفيق للإسلام, الذين هو السبب في دخول الجنة, وأعقب النهي عن الفرقة عن الحق كما وقع لأهل الكتاب, وكما جرى بينهم في الجاهلية من المحاربة والاستلاب بتذكيرهم نعمته العظيمة؛ ليكون أنفع لقبول الذكرى, وأقمع عن تعاطي عادتهم القديمة, وأردع في الكف وأحرى.
وهذه الآية نزلت في الأوس والخزرج؛ فإنه كانت بينهم في الجاهلية حروب كثيرة وعداوة شديدة وضغائن وأحوال, طال بينهم بسببها الوقائع والقتال, فلما جاء الإسلام, ودخل فيه من دخل منهم اضمحل ذلك كله وزال, وصاروا متواصلين متحابين في الله إخوانا, وعلى أعدائهم من الكفار أعوانا كما وصفهم الله تعالى بذلك في كتابه, وأفصح به في جليل خطابه, فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ﴾ (لأنفال: من الآية ٦٣) (١) وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ (آل عمران: من الآية ١٠٣) أي: مشفقين على الوقوع في السعير, لما لهم فيه من الذنب الكبير, إذ لو ماتوا وهو كفار لكان مأواهم النار وبئس المصير.
وقوله: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ أي: بسبب الهداية للإسلام والإيمان, ذكرهم ﷻ ذلك في سياق الامتنان, فأخبرهم أنه قد أزال ما بينهم من التقاطع والعداوة والأضغان, ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ , فصاروا يدا واحدة
стр. 173
على العدوان, وأنقذهم من الوقوع في مهواة النيران, وهداهم إلى ما يعقبهم الخلود في الجنان.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: مثل ذلك التبيين يبين لكم دلائله, ﴿لعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ أي: تدومون على الهدى, وتزدادون فيه.
قيل: كان الأوس والخزرج أخوين لأبوين, فوقع بين أولادهم العداوة, وتطاولت بينهم الحروب مائة وعشرين سنة, حتى أطفأها الله تعالى بالإسلام.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِليْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ (النساء:١٧٤) المراد بالبرهان: المعجزات, وبالنور: القرآن.
أي جاءكم دلائل العقل, وشواهد النقل, فلم يبق عذر ولا حجة لأحد, ممن كفر وجحد. (١)
قوله: ﴿وهَذَا﴾ الإشارة إلى ما ذكر من البيان, الذي جاء به القرآن.
﴿صِرَاطُ رَبِّكَ﴾ أي: طريقه الذي ارتضاه, وشاء بحكمته واقتضاءه, ﴿مُسْتَقِيماً﴾ (الأنعام: من الآية ١٢٦) ليس فيه اعوجاج, بل هو عدل مطرد المنهاج يعني: أن الذي شرعناه لك يا محمد هذا القرآن هو صراط الله المستقيم, كما في حديث الحارث عن علي ﵁ في نعت القرآن: "وهو صراط الله المستقيم وحبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم" الحديث. وقد رواه أحمد والترمذي بطوله (٢)(٣) .
стр. 174
وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ الإشارة فيه إما أن تكون إلى جملة القرآن, أو إلى ما ذكر في هذه السورة من البيان, وهي من جملته مع أنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة. (١)
وقوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ أمر من الله تعالى بلزوم طريقه, والأخذ بما جاء به نهيا وأمرا؛ لأن من خالف طريقه, ولم يقتبس من نوره فقد جاء ظلما وكفرا.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُل﴾ أي: الأديان المختلفة, والطرق الضالة التابعة للهوى, فإن من أخطأ سبيل القرآن فقد هوى؛ لان سبيل الحق واحد, ومقتضى حجته كذلك, ومقتضى الهوى متعدد, وسبله متعددة المسالك ولهذا وحد سبيل الحق وجمع ضده قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية وفي قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: من الآية ١٣) قال: "أمر الله تعالى المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الفرقة والاختلاف, وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله تعالى". (٢)
وقد روى الإمام أحمد بسنده عن ابن مسعود ﵁ قال: "خط لنا رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيما, وخط عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه السبل ليس فيها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه , ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٣) . (٣)
وروى أيضا بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كنا
стр. 175
جلوسا عند النبي ﷺ فخط خطا هكذا أمامه فقال: "هذا سبيل الله" , وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال: "هذه سبل الشيطان" , ثم وضع يده في الخط الأسود ثم تلا هذه الآية. وكذا رواه ابن ماجة (١) .
وروى ابن جرير بسنده عن أبان أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد في أدناه, وطرفه في الجنة, وعن يمينه جواد وعن شماله جواد, وثم رجال يدعون من مر بهم: فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار, ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة, ثم قرأ ابن مسعود الآية (٢) .
وخرج ابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَليْكُمْ﴾ (الأنعام: من الآية ١٥١) حتى فرغ من ثلاث الآيات قال: ومن وفى بهن فأجره على الله, ومن انتقص منهن شيئا, فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبة له, ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه" (٣) .
وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ يعني: أن القرآن فيه بركة لمن آمن به ومغفرة للذنوب, ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٣) أي: اعملوا بما فيه من المر والنهي حتى تنالوا كل مطلوب, وفيه الدعوة إلى إتباع القرآن, وتعينها على أهل الإيمان.
وقوله: ﴿قدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٧) .
стр. 176
أي: حجة واضحة تعرفونها, قيل: المراد به: محمد والقرآن.
وقال: ﴿جَاءَكُمْ﴾ ولم يقل جاءتكم؛ لأنه انصرف إلى البيان, مع أن الفعل إذا تقدم وكان الفعل مؤنثا مجاذيا جاز فيه التأنيث والتذكير, كما هو في كتب العربية موضح التقرير.
﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي: جاءكم ما فيه البيان, وقطع الشبهات عنكم والارتياب, وهدى لكم من الضلالة, ورحمة من العذاب.
وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِل إِليْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ (الأعراف: من الآية ٢) يعني: هذا القرآن أنزل إليك يا محمد فلا يقعن في قلبك شك وارتياب, إنه منزل من رب الأرباب, وقد وجه غليه الخطاب, والمراد غيره كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِليْكَ فَاسْأَلِ الذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (يونس: من الآية ٩٤) , وقيل المعنى: فلا يضيقن صدرك بتكذيبهم. وأصل الحرج في اللغة: الضيق.
وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي: أنزل إليك, لتنذر الكفار.
﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنهم أهل البصائر والاعتبار.
ثم قال ﷻ مخاطبا عباده: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِل إِليْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الأعراف: من الآية ٣) أي: اعملوا به, فإن عقابه السعادة, واقتفوا آثار نبيكم الذي أنزل عليه, وسابقوا إلى هدية وسارعوا إليه, ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (الأعراف: من الآية ٣) أي: لا تتخذوا من دونه أربابا, فمن اتخذهم فهو أشد الناس عذابا, وأسوؤهم يوم القيامة مآبا, ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف:١٠٣) ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (الأنعام: من الآية ١١٦) ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف:١٠٦) .
قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ (: من الآية ١٥٧) أي: صدقوه وأقروا بنبوته, ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: عظموه بتقويته, ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ بالسيف والسنان
стр. 177
﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِل مَعَهُ﴾ يعني: القرآن, وقوله: ﴿مَعَهُ﴾ راجع ومتعلق بقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ أي: اتبعوا النور المنزل, مع إتباع النبي المرسل, فيكون فيه إشارة إلى إتباع الكتاب والسنة, ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٧) , الفائزون بالرحمة الأبدية في الجنة (١) .
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (يونس: من الآية ٥٧) يعني: قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية والنظرية:
أما الحكمة العملية: فهي الكاشفة عن محاسن الأعمال وقبائحها, والمرغبة في المحاسن والفضائل, والزاجرة عن القبائح والرذائل.
أما الحكمة النظرية: فهي الشفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد, وهدى إلى الحق واليقين والرشاد, ورحمة للمؤمنين نجوا بها من دركات العذاب, وفازوا بها يوم الحساب, أو يقال خرجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان, وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران, بمصاعد من درجات الجنان (٢) .
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ يعني: الإسلام ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ يعني: القرآن.
قال مقاتل بن حيان وروى عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري والضحاك ومجاهد أنهم قالوا: بفضل الله: القرآن, وبرحمته: الإسلام قاله غير واحد (٣) .
﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي: بالقرآن والإيمان, ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
стр. 178
(يونس:٥٨) , وما يقتنيه من الحطام كل إنسان.
قوله تعالى: ِ ﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ (يوسف: من الآية ١١١) يعني: ما كان هذا القرآن, البالغ في الإعجاز والبيان, حديثا مفترى يقدر على التسلق عليه الإنس والجان. ﴿قُلْ لئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الإسراء:٨٨) . ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (يونس: من الآية ٣٧) من الكتب الإلهية, ﴿وَتَفْصِيل كُلِّ شَيْءٍ﴾ (يوسف: من الآية ١١١) من الأمور الدنيوية, فكل ما يحتاج في الدين إليه, لابد وأن يوجد فيه سند يدل عليه. وهذا من الكفر والضلال, ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ (يوسف: من الآية ١١١) بها خير الدارين ينال.
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَليْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً﴾ (النحل: من الآية ٨٩) أي: بيانا بليغا ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: من الآية ٨٩) من أمور الدين, وما تتوقف عليه مصالح المسلمين.
قال مجاهد: "ما يسأل الناس عن شيء إلا في كتاب الله تعالى تبيانه" (١) .
وقال علي بن أبي طالب ﵁: "كل شيء علمه في القرآن إلا أن أراء الرجال تعجز عنه ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ (النحل: من الآية ٨٩) للجميع, وإنما حرمان المحروم من تفريطه, ﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية ٨٩) خاصة بالجنة" (٢) .
قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلهُ رُوحُ الْقُدُس﴾ (النحل: من الآية ١٠٢) يعني: جبريل ﵇, وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر, مثل قولهم: حاتم الجود.
стр. 179
﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (النحل: من الآية ١٠٢) .
ملتبسا بالحكمة, ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (النحل: من الآية ١٠٢) على الإيمان بأنه كلامه, فإنهم إذا سمعوا الناسخ, وتدبروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة, رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم.
﴿وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية ١٠٢) المنقادين لحكمه العدل, وقضائه الفصل. (١)
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ (العنكبوت: من الآية ٤٨) أي: وما كنت تقرأ قبل هذا القرآن, الذين تسنم من قمة البلاغة وقمة الفصاحة أرفع مكان.
﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ حتى يتعلق المرتاب بعلاقة الشبهة والارتياب.
﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: ولم تكن تكتب شيئا بيدك, وهو محو للشبهة الزائفة, وتقرير للمعجزة النائفة ولكن كما قال: ﴿َمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس: من الآية ١٠١) ﴿وَلوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (النساء: من الآية ٨٢) .
فإن ظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة على من لم يعرف قبله بالقراءة والخط والتعليم خارق للعادة.
﴿إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: من الآية ٤٨) أي: ولو كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا: لعله تعلمه أو التقطه من كتب الأولين, وسماهم لكفرهم مبطلين.
وقيل: لارتاب أهل الكتاب لوجدناهم نعتك على خلاف ما في كتبهم مقرر, فيكون إبطالهم باعتبار الواقع دون المقدر.
﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: القرآن ﴿آيَاتٌ﴾ دلالات ﴿بَيِّنَاتٌ﴾ وبراهين ساطعات, وحجج ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ واضحات, وعن التحريف
стр. 180
محفوظات, ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ﴾ (العنكبوت:٤٩) إلا المتوغلون في الظلم والمكابرة, بعد وضوح دلائل الإعجاز الباهرة.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِل إِليْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الزمر: من الآية ٥٥) المراد به: القرآن؛ لأنه أحسن ما أنزل من كتاب, وأوثق ما يتوصل به إلى النجاة من الأسباب, فاتبعوا ما أمركم به ونهاكم عنه, ولا تلتمسوا ما تحتاجون له في دينكم إلا منه.
وقوله : ﴿وَلوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً﴾ أي: ولو أنزلناه بلسان العبرانية, لم تنفك تعنتاتهم الشيطانية, ولم تبرح أهويتهم النفسانية.
﴿لوْلا فُصِّلتْ آيَاتُهُ﴾ أي: هلا بينت بلسان نفقهه, فبين لنا الصواب, ويزول عنا الارتياب.
﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي: أكلام أعجمي ومخاطب عربي, فيشتد تكذيبهم للنبي.
والأعجمي: من كان من العجم, وإن كان فصيحا, ويقال أيضا لمن لا يفهم كلامه (أعجمي) وإن كان من العرب, والمقصود: إبطال مقترحهم باستلزام المحذور, والدلالة على أنهم لا ينفكون عما كانوا عليه من الإعراض والنفور.
﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً﴾ إلى الحق القويم والصراط المستقيم أو يقال: هدى للمتقين من الضلالة.
﴿وَشِفَاءٌ﴾ لما في الصدور من الشك والشبهة والجهالة.
﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي: ثقل وصمم.
﴿وَهُوَ عَليْهِمْ عَمىً﴾ (فصلت: من الآية ٤٤) وذلك لتصامهم عن سماعه, وتعاميهم عما يريهم من الآيات, بحيث لم يكن لهم بها ارعواء ولا التفات.