← Акыда

Акыда · id 8514

العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين

ابن غنام، حسين

Полный текст (228 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أي: حجة واضحة تعرفونها, قيل: المراد به: محمد والقرآن. وقال: ﴿جَاءَكُمْ﴾ ولم يقل جاءتكم؛ لأنه انصرف إلى البيان, مع أن الفعل إذا تقدم وكان الفعل مؤنثا مجاذيا جاز فيه التأنيث والتذكير, كما هو في كتب العربية موضح التقرير. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي: جاءكم ما فيه البيان, وقطع الشبهات عنكم والارتياب, وهدى لكم من الضلالة, ورحمة من العذاب. وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِل إِليْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ (الأعراف: من الآية ٢) يعني: هذا القرآن أنزل إليك يا محمد فلا يقعن في قلبك شك وارتياب, إنه منزل من رب الأرباب, وقد وجه غليه الخطاب, والمراد غيره كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِليْكَ فَاسْأَلِ الذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (يونس: من الآية ٩٤) , وقيل المعنى: فلا يضيقن صدرك بتكذيبهم. وأصل الحرج في اللغة: الضيق. وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي: أنزل إليك, لتنذر الكفار. ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنهم أهل البصائر والاعتبار. ثم قال ﷻ مخاطبا عباده: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِل إِليْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الأعراف: من الآية ٣) أي: اعملوا به, فإن عقابه السعادة, واقتفوا آثار نبيكم الذي أنزل عليه, وسابقوا إلى هدية وسارعوا إليه, ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (الأعراف: من الآية ٣) أي: لا تتخذوا من دونه أربابا, فمن اتخذهم فهو أشد الناس عذابا, وأسوؤهم يوم القيامة مآبا, ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف:١٠٣) ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (الأنعام: من الآية ١١٦) ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف:١٠٦) . قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ (: من الآية ١٥٧) أي: صدقوه وأقروا بنبوته, ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: عظموه بتقويته, ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ بالسيف والسنان

стр. 177

﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِل مَعَهُ﴾ يعني: القرآن, وقوله: ﴿مَعَهُ﴾ راجع ومتعلق بقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ أي: اتبعوا النور المنزل, مع إتباع النبي المرسل, فيكون فيه إشارة إلى إتباع الكتاب والسنة, ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (الأعراف: من الآية ١٥٧) , الفائزون بالرحمة الأبدية في الجنة (١) . وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (يونس: من الآية ٥٧) يعني: قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية والنظرية: أما الحكمة العملية: فهي الكاشفة عن محاسن الأعمال وقبائحها, والمرغبة في المحاسن والفضائل, والزاجرة عن القبائح والرذائل. أما الحكمة النظرية: فهي الشفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد, وهدى إلى الحق واليقين والرشاد, ورحمة للمؤمنين نجوا بها من دركات العذاب, وفازوا بها يوم الحساب, أو يقال خرجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان, وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران, بمصاعد من درجات الجنان (٢) . ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ يعني: الإسلام ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ يعني: القرآن. قال مقاتل بن حيان وروى عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري والضحاك ومجاهد أنهم قالوا: بفضل الله: القرآن, وبرحمته: الإسلام قاله غير واحد (٣) . ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي: بالقرآن والإيمان, ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

стр. 178

(يونس:٥٨) , وما يقتنيه من الحطام كل إنسان. قوله تعالى: ِ ﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ (يوسف: من الآية ١١١) يعني: ما كان هذا القرآن, البالغ في الإعجاز والبيان, حديثا مفترى يقدر على التسلق عليه الإنس والجان. ﴿قُلْ لئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الإسراء:٨٨) . ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (يونس: من الآية ٣٧) من الكتب الإلهية, ﴿وَتَفْصِيل كُلِّ شَيْءٍ﴾ (يوسف: من الآية ١١١) من الأمور الدنيوية, فكل ما يحتاج في الدين إليه, لابد وأن يوجد فيه سند يدل عليه. وهذا من الكفر والضلال, ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ (يوسف: من الآية ١١١) بها خير الدارين ينال. وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَليْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً﴾ (النحل: من الآية ٨٩) أي: بيانا بليغا ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: من الآية ٨٩) من أمور الدين, وما تتوقف عليه مصالح المسلمين. قال مجاهد: "ما يسأل الناس عن شيء إلا في كتاب الله تعالى تبيانه" (١) . وقال علي بن أبي طالب ﵁: "كل شيء علمه في القرآن إلا أن أراء الرجال تعجز عنه ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ (النحل: من الآية ٨٩) للجميع, وإنما حرمان المحروم من تفريطه, ﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية ٨٩) خاصة بالجنة" (٢) . قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلهُ رُوحُ الْقُدُس﴾ (النحل: من الآية ١٠٢) يعني: جبريل ﵇, وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر, مثل قولهم: حاتم الجود.

стр. 179

﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (النحل: من الآية ١٠٢) . ملتبسا بالحكمة, ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (النحل: من الآية ١٠٢) على الإيمان بأنه كلامه, فإنهم إذا سمعوا الناسخ, وتدبروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة, رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم. ﴿وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية ١٠٢) المنقادين لحكمه العدل, وقضائه الفصل. (١) وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ (العنكبوت: من الآية ٤٨) أي: وما كنت تقرأ قبل هذا القرآن, الذين تسنم من قمة البلاغة وقمة الفصاحة أرفع مكان. ﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ حتى يتعلق المرتاب بعلاقة الشبهة والارتياب. ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: ولم تكن تكتب شيئا بيدك, وهو محو للشبهة الزائفة, وتقرير للمعجزة النائفة ولكن كما قال: ﴿َمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس: من الآية ١٠١) ﴿وَلوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (النساء: من الآية ٨٢) . فإن ظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة على من لم يعرف قبله بالقراءة والخط والتعليم خارق للعادة. ﴿إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: من الآية ٤٨) أي: ولو كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا: لعله تعلمه أو التقطه من كتب الأولين, وسماهم لكفرهم مبطلين. وقيل: لارتاب أهل الكتاب لوجدناهم نعتك على خلاف ما في كتبهم مقرر, فيكون إبطالهم باعتبار الواقع دون المقدر. ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: القرآن ﴿آيَاتٌ﴾ دلالات ﴿بَيِّنَاتٌ﴾ وبراهين ساطعات, وحجج ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ واضحات, وعن التحريف

стр. 180

محفوظات, ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ﴾ (العنكبوت:٤٩) إلا المتوغلون في الظلم والمكابرة, بعد وضوح دلائل الإعجاز الباهرة. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِل إِليْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الزمر: من الآية ٥٥) المراد به: القرآن؛ لأنه أحسن ما أنزل من كتاب, وأوثق ما يتوصل به إلى النجاة من الأسباب, فاتبعوا ما أمركم به ونهاكم عنه, ولا تلتمسوا ما تحتاجون له في دينكم إلا منه. وقوله : ﴿وَلوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً﴾ أي: ولو أنزلناه بلسان العبرانية, لم تنفك تعنتاتهم الشيطانية, ولم تبرح أهويتهم النفسانية. ﴿لوْلا فُصِّلتْ آيَاتُهُ﴾ أي: هلا بينت بلسان نفقهه, فبين لنا الصواب, ويزول عنا الارتياب. ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي: أكلام أعجمي ومخاطب عربي, فيشتد تكذيبهم للنبي. والأعجمي: من كان من العجم, وإن كان فصيحا, ويقال أيضا لمن لا يفهم كلامه (أعجمي) وإن كان من العرب, والمقصود: إبطال مقترحهم باستلزام المحذور, والدلالة على أنهم لا ينفكون عما كانوا عليه من الإعراض والنفور. ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً﴾ إلى الحق القويم والصراط المستقيم أو يقال: هدى للمتقين من الضلالة. ﴿وَشِفَاءٌ﴾ لما في الصدور من الشك والشبهة والجهالة. ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي: ثقل وصمم. ﴿وَهُوَ عَليْهِمْ عَمىً﴾ (فصلت: من الآية ٤٤) وذلك لتصامهم عن سماعه, وتعاميهم عما يريهم من الآيات, بحيث لم يكن لهم بها ارعواء ولا التفات.

стр. 181

قوله ﷻ : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَل مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلفُوا فِيهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢١٣) . روى ابن جرير بسند عن ابن عباس ﵁ قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون, كلهم على شريعة من الحق, فاختلفوا, فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين". قال: وكذلك في قراءة عبد الله: (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا) . وكذلك كان أبي بن كعب يقرؤها (١) . والمعنى: أن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام, فبعث الله إليهم نوحا ﵇, فكان أول رسول إلى أهل الأرض, ولهذا قال: ﴿وَأَنْزَل مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ (البقرة: من الآية ٢١٣) أي: بعد ما قامت عليهم الحجج, وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢١٣) . روي عن أبي هريرة في هذه الآية قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة, نحن أول الناس للجنة, بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا, وأوتيناه من بعدهم, فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه, فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه, فهدانا الله له, فالناس لنا فيه تبع, فغدا لليهود, وبعد غد للنصارى" (٢) . وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه في الآية , اختلفوا

стр. 182

في يوم الجمعة, فاتخذ اليهود يوم السبت, واتخذ النصارى يوم الأحد, فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة. (١) واختلفوا في القبلة, فاستقبلت النصارى المشرق, واليهود بيت المقدس, فهدى الله أمة محمد للقبلة. واختلفوا في الصلاة, فمنهم من يركع ولا يسجد, ومنهم من يسجد ولا يركع, ومنهم من يصلي وهو يمشي, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم, فقالت اليهود: كان يهوديا, وقالت النصارى: كان نصرانيا, وجعله الله حنيفا مسلما, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى, فكذبت به اليهود, وقالوا لأمه بهتانا عظيما, وجعلته النصارى إلها وولدا, وجعله الله روحه وكلمته, فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. وقال الربيع بن أنس: في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢١٣) . "عند الاختلاف كانوا على ما جاء به الرسل قبل الاختلاف أقاموا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة, قاموا على المر الأول قبل الاختلاف, واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة, شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون, أن رسلهم قد بلغوهم, وأنهم قد كذبوا رسلهم. وكان أبو العالية يقول:

стр. 183

في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن (١) . وقوله ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بعلمه, وبما هداهم له, ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ من خلقه بفضله وكرمه ﴿إلى صِرَاطٍ مُسْتَقيم﴾ , يفضي به إلى جنات النعيم, وله الحكمة التامة الباهرة, الحجة البالغة القاهرة. وفي هذه الآية الكريمة من الدلالة على ذم الافتراق, ومدح الاجتماع والاتفاق, ما لا يخفى على من له الفهم أدنى مذاق. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٩) أي: فرقوا دينهم الذي هو الإسلام, الذي ارتضاه الله تعالى واختاره, ورفع في السماوات والأرض شأنه ومناره. ﴿وَكَانُوا شِيَعاً﴾ لأهويتهم الغاوية متبعون, وكل حزب بما لديهم فرحون. ﴿لسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ من إصلاح الحال, حتى يحسن لهم المآل, وإنما عليك بلاغ الرسالة, وهذا منسوخ بآية القتال لأهل الكفر والشرك والضلالة. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلى اللَّه﴾ (الأنعام: من الآية ١٥٩) مفوض إليه؛ لأن بيده التوبة والعذاب, فلا يصلح أن يكون ذلك إلا للإله, ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ , ثم يوم القيامة يرون ما يوعدون, ويجازيهم بما كانوا يعملون. قال المجاهد والضحاك والسدي وقتادة: "هذه الآية نزلت في اليهود والنصارى, اختلفوا قبل مبعث محمد ﷺ فتفرقوا, فلما بعث محمد ﷺ نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ . (٢) وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 184

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾ إنهم الخوارج" (١) . وروى ابن جرير بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وليسوا منك هم أهل البدع وأهل الشبهات, وأهل الضلالة من هذه الأمة (٢) . وقال شعبة عن مجالد, عن الشعبي عن شريح عن عمر أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً﴾ هم أصحاب البدع والأهواء من هذه الأمة" (٣) . والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين محمد (وكان مخالفا له, فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله, وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق, فمن اختلف وكان شيعا, كان كذلك كأهل البدع والنحل والضلالة, فإن الله قد برأ رسوله مما هم فيه, وهذا لقوله: ﴿شَرَعَ لكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ (الشورى: من الآية ١٣) فكل متمسك بشرع بعد الرسول فجهالات وضلالات وأراء وأهواء, فالرسول بريء منه. (٤) قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِليْهِ﴾ (الروم: من الآية ٣١) أي مقبلين عليه بالإقلاع عن الكفر

стр. 185

والرجوع إلى التوحيد, ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ واحذروه كما قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ فالتقوى أفضل لباس العبيد. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أداؤها في جميع أوقاتها بإخلاصها له كما شرعت. قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ نهي من الله تعالى لرسوله وأمته أجمعين أن يتبعوا سنن المشركين, الذين آثروا الهوى, فآل بهم إلى الافتراق في الدين. ﴿من الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ أي: الإسلام الذي هو دين واحد. ﴿وَكَانُوا شِيَعاً﴾ كل شيعة اختارت لها إماما قائدا, فتابعته على تأييد دينها الفاسد, وسيوردهم يوم القيامة شر الموارد, ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (هود:٩٨) . ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: من الآية ٣٢) كل أهل دين بما عندهم راضون مسرورون, ظنا منهم انهم إلى الحق مهتدون ﴿وَسَيَعْلمُ الَّذِينَ ظَلمُوا أَيَّ مُنْقَلبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية ٢٢٧) . قوله : ﴿شَرَعَ لكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ أي: بين لكم الدين وهو الإسلام, واختاره لكم دينا وأكرمكم به, وهذا غاية الإكرام. ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ يعني: الذي أمر رسوله نوحا أن يستقيم عليه, وأن يدعو الناس إليه. ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِليْكَ﴾ لتدعو إليه كافة العباد, وتجاهد من أبى عنه من أهل الشرك والإلحاد. ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ أي: أمرناهم به, وهؤلاء هم أرباب الشرائع, وهم ألو العزم من الرسل. ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ أي: التوحيد بأن لا يشرك في عبادته سواه.

стр. 186

﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ لا تختلفوا, فمن اختلف فيه كانت النار مثواه, النهي عن الاختلاف إنما هو في الأصل, وأما فروع الشعائر فمختلفة كما قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ . ﴿كَبُرَ عَلى الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: أهل مكة وغيرهم. ﴿مَا تَدْعُوهُمْ إِليْهِ﴾ من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده. ﴿يَجْتَبِي إِليْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يختار لديه من كان أهلا لذلك. ﴿وَيَهْدِي إِليْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ يرشده إلى سلوك دينه الذي هو أحسن المسالك. ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ يعني: المم السابقة, وقيل: أهل الكتاب؛ لقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (البينة:٤) . قوله: ﴿إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: العلم بأن التفرق متوعد عليه, وأن الاجتماع في الدين هو المدعو إليه. وقيل: العلم بمبعث الرسول, فلم يجنحوا إلى التصديق والقبول ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ حسدا وعداوة, آلت بهم إلى الشقاوة. ﴿وَلوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ (يونس: من الآية ٩٩) ﴿وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلى الْكَافِرِينَ﴾ (الزمر: من الآية ٧١) والأمر بإقامة الدين والاجتماع عليه, والنهي عن الاختلاف فيه والتفرق المشار إليه صريح في هذه الآية, والتي قبلها, فقبح الله شيع البدع والهوى, ما أضلها! قوله في حديث أبي سعيد: "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض" (١) سماه حبلا على سبيل الاستعارة يعني: أن كتاب الله تعالى هو السبب الوثيق الممدود, المدرك من تمسك به كل مقصود. وقال: "من السماء إلى الأرض" ولم يقل من الأرض إلى السماء؛ لأن

стр. 187

مبدأ إنزاله ومنها وغايته الأرض, وسيجاء به حجة بعد العرض. وقوله في حديث عبد الله: "إن هذا القرآن هو حبل الله المتين" (١) يعني: القوي الذي لا يخشى على المستمسك به انفصام, ولا تنال الهلكة من له به اعتصام. وهذا تمثيل للخلق بما يفهمونه من الأسباب التي يتوصلون بها إلى المآرب, وإدراك المقصود والمطالب, وينجون بها من المعاطب. وحاصل الأمر: أن من في الدنيا مثله كمثل من وقع في بئر فيها من كل نوع من الآفات, فلا يمكنه الخروج منها والسلامة من آفاتها والنجاة إلا بحبل قوي وثيق, حتى يكون له السلامة طريقا, فكذلك الدنيا دار محنة, وفيها كل نوع من الآفات والفتنة, فلا سبيل إلى النجاة منها إلا بالتمسك بأقوى الأسباب, وذلك كتاب الله الذي هو أعظم وأفخم كتاب. قوله: "وهو الشفاء النافع" أي: شفاء لما في الصدور من أدواء الضلالة, وأسقام السفة والجهالة. قوله: "عصمة لمن تمسك به" من الهلاك. قال ﷻ : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ (طه: من الآية ١٢٣) . قواه: "ونجاة لمن تبعه" أي عمل بما جاء به من المر والنهي في أصل

стр. 188

الدين وفروعه. قال ابن عباس ﵄: "جمع الله تعالى في هذا الكتاب علوم الأولين والآخرين, وعلم ما كان وعلم ما يكون والعلم بالخالق ﷻ وأمره وخلقه". قوله في حديث أبي هريرة: "إن الله يرضى لكم ثلاثا, ويسخط لكم ثلاثا, يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا" (١) أي: تعبدونه وحده بإخلاص على صواب, وقد قدمت الكلام على التوحيد والشرك, فليطلب في محله. قوله: "وأن تعتصموا بحبل الله جميعا" هذه مما أمر الله تعالى بها جميع العباد, ورضيها؛ لأنها سبب الاستقامة على المراد, وسبيل النجاة يوم المعاد. قول: "وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" مثل هذا ما رواه أحمد عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يغلو عليهن قلب امرؤ مسلم: إخلاص العمل, ومناصحة ولاة المر, ولزوم جماعة المسلمين" (٢) . وروى مسلم عن تميم بن أوس الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدين النصيحة" قالوا: لمن؟ قال: "لله, ولكتابه, ولرسوله, ولأئمة المسلمين, وعامتهم" (٣) . وقد أوجب الله النصيحة على المسلمين لأئمتهم, كما أوجب عليهم النصيحة له ولكتابه ولرسوله. فالنصيحة لله تعالى: صحة الاعتقاد في وحدانيته, وإخلاص النية في

стр. 189

عبادته. والنصيحة لكتابه: الإيمان به والعمل بما فيه. والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوته, وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه. والنصيحة لأئمة المسلمين: حب صلاحهم ورشدهم وعدلهم, وحب اجتماع الأمة عليهم, وكراهة افتراق الملة عليهم, والتدين بطاعتهم في طاعة الله تعالى, والبغض لمن رأى الخروج عليهم, وحب إعزازهم في طاعة الله. (١) قوله في حديث أحمد: "إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة, وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" (٢) يعني: الأهواء. "أهل الكتاب" هم بنو إسرائيل, وإسرائيل لقب يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم, ومعناه بالعبرانية (عبد الله) وقيل: (صفوة الله) . وقد ذكر الله تعالى بني إسرائيل في كتابه ذكرا متعددا, وعدد ما أمتن به عليهم, وما أكرمهم به وفضلهم به على أهل زمانهم, وأخبر عما جرى منهم من الاختلاف, وما قبلوا به النعم, وما أجرى عليهم من النقم. قوله: "كلها في النار إلا واحدة" هذا يدل عليه القرآن والآثار: قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُول مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء:١١٥) . "ومن شذ شذ في النار" (٣) .

стр. 190

قوله: "إلا واحدة" وهي الجماعة أي: الذين اعتصموا بكتاب الله المبين, واتبعوا سنة سيد المرسلين. قوله: "إنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء". التجاري: التفاعل من الجري, وهو الوقوع في الأهواء الفاسدة, والتداعي فيها تشبيها بجري الفرس. والأهواء: جمع هوى, والمعروف عند أهل العلم أنه إذا أطلق فالمراد به الميل إلى خلاف الحق. قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: من الآية ٢٦) . وقال –تعالى- ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات:٤٠-٤١) وقد يطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقا فيدخل فيه الميل إلى الحق. قالت عائشة: لما نزل قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِليْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (الأحزاب: من الآية ٥١) "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك" (١) . ومن ذلك قول عمر ﵁ في قصة المشاورة في أساري بدر, "فهوى رسول الله ﷺ ما قاله أبو بكر, ولم يهو ما قلت" (٢) (٣) . هذا وقد أخبر الصادق المصدوق أن تلك الأهواء التي مالوا إليها, وأقبلوا بكليتهم من غير علم عليها, ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (الروم:٢٩) إنها خالطت مشاشهم وسرت فيها؛ بل لا تزال تتزايد, وتجري في عظامهم مجرى

стр. 191

الدم وتتصاعد, لا تدع مفصلا إلا دخلته ولا عرقا, فقد صاروا في داء هذا الهوى غرقا. ولذا شبه رسول الله ﷺ حالهم بحال من بداء الكلب قد أصيب, فما لهم في عداد العقلاء من نصيب. والكلب بفتح الكاف واللام داء معضل يحصل به أعظم الآلام, ويحدث بسببه سقم من أشد الأسقام, وهو يعرض للإنسان من عض الكَلْب الكَلَب, فيصيبه شبه الجنون, فلا يعض أحدا إلا كلب, ويعرض له أمراض رديئة, ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشا. واجتمعت العرب على أن دواءه قطرة من دم الملك (١) يخلط بماء فيسقاه. (٢) وكتب علي بن أبي طالب ﵁ إلى ابن عباس ﵄ حين أخذ مال البصرة: "فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب والعدو قد حرب" يعني: اشتد. قوله: "لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ فغيركم من الناس أحرى أن يقوم به". مراده ﵁ الحث والحض لهم على الاجتماع على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ والاعتصام بذلك, وشدة الاهتمام والاعتناء بذلك, لان به تحصل السعادة والسؤدد في العجل والآجل, وتكمل لمن قام به شريف الفضائل, وهذا مع ما فيه من الحث على القيام بما جاءهم به

стр. 192

عليه الصلاة والسلام, ففي ضمنه أخبار لهم وتذكير بما حازوا به من العز الكبير, والخير الكثير, الواسع الغزير, بعد ما كانوا عليه من سوء الحال وضيق العيش, وسفاهة الأحلام والطيش, فنالوا ببركة ما جاءهم من النور, المج والشرف والنصر على الأعداء والظهور, ولو لم يكن إلا الهداية إلى الإسلام, والإقلاع عن عبادة الأوثان والأصنام, ولا شرف أعظم من ذلك به يسعدون ويشرفون ﴿وَإِنَّهُ لذِكْرٌ لكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ (الزخرف:٤٤) . وقد بين لهم ذلك ﵊, وامتن عليهم في معرض العتب في الكلام, فقال: "ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي, وكنتم متفرقين فألفكم الله بي, وعالة فأغناكم الله بي, وكلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن" (١) , فإذا كان ﷺ منهم, والله قد فضلهم به, وأنجز لهم ما وعدهم على لسانه, ولم يعملوا بما جاءهم به ولم يهتموا بشأنه, فغيرهم من الناس بالإعراض أولى وأجدر, لأنهم إنما حسدوهم على هذا الشرف الأكبر, والذكر الجميل الأنور. وهذا الحديث الذي رواه أحمد قد روي من طرق متعددة مختلفة. فروى الحاكم في مستدركه: "افترقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين فرقة, وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة , قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "من كان على ما أنا عليه وأصحابي" (٢) .

стр. 193

وخرج الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليأتين على أمتي ما أتي على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتي أمه علانية, ليكونن من أمتي ما يصنع ذلك, وإن بيني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة , قالوا: من هي؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي" (١) . وروي عنه ﵊ أنه قال: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة, وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة, وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" (٢) . وروي أنه قال: "وستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلها في النار إلا من كان على ما أنا عليه وأصحابي". والبضع: من الثلاث إلى التسع, والمراد به هنا الثلاث, لأنه جاء كذلك في أكثر الروايات هذا الحديث. وقد تبين ما ذكرنا من الآيات والأخبار, وجوب الاعتصام بكتاب الله المبين, ولزوم التمسك بسنة سيد الخلق أجمعين, وأن الفرقة الناجية من العذاب الأليم, هي التي تسلك سبيله المستقيم, وتأخذ بشرعه القويم, وباقي فرق الضلالة من أمة الإجابة في نار الجحيم؛ لنبذهم العمل بالذكر

стр. 194

الحكيم, ومخالفتهم لمنهاج الرسول الكريم. فقد روى أبو داود بسنده عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة, وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة, ثنتان وسبعون في النار, وواحدة في الجنة وهي الجماعة" (١) . واعلم أن أول ما حدث في الدين من المحن, ووقع في الإسلام من الفتن: فتنة الخوارج: وكان مبدؤهم بسبب الدنيا, حيث قسم النبي ﷺ غنائم حنين فقال قائلهم وهو ذو الخويصرة "اعدل, فإنك لم تعدل" (٢) الحديث, ففاجئوه بفظيع هذه المقالة, فردهم الله إلى أسوأ حالة. ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وضلالات, وأهواء ونحل كثيرة منتشرة ومقالات. وقد روى الإمام أحمد بسنده عن أبي غالب قال: سمعت أبي أمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: من الآية ٧) قال: هم الخوارج, وفي قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (آل عمران: من الآية ١٠٦) قال: هم الخوارج (٣) . وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَل عَليْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَات﴾

стр. 195

إلى قوله: ﴿إِلا أُولُو الْأَلْبَاب﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ : "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله.. فاحذروهم" (١) . وروى الإمام أحمد عنها في هذه الآية قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا رايتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم" (٢) . وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخوارج كلاب أهل النار" (٣) . وفي صحيح مسلم عن علي ﵁ أنه ذكر الخوارج فقال: "فيهم رجل مخدج اليد, أو مودن اليد, لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقاتلونهم على لسان محمد ﷺ قلت: أنت سمعته من محمد ﷺ قال: إي ورب الكعبة ... إي ورب الكعبة ... إي ورب الكعبة" (٤) . وخرج الإمام أحمد بسنده عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَال لمَّا خَرَجَتْ الْخَوَارِجُ بِالنَّهْرَوَانِ قَامَ عَلِيٌّ ﵁ فِي أَصْحَابِهِ فَقَال: "إِنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ, وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ, وَهُمْ أَقْرَبُ الْعَدُوِّ إِليْكُمْ, وَإِنْ تَسِيرُوا إِلى عَدُوِّكُمْ, وأَنَا أَخَافُ أَنْ يَخْلُفَكُمْ هَؤُلاءِ فِي أَعْقَابِكُمْ, إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ تَخْرُجُ خَارِجَةٌ مِنْ أُمَّتِي ليْسَ صَلاتُكُمْ إِلى صَلاتِهِمْ بِشَيْءٍ, وَلا صِيَامُكُمْ إِلى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ, وَلا قِرَاءَتُكُمْ إِلى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ, يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لهُمْ

стр. 196

وَهُوَ عَليْهِمْ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ, يَمْرُقُونَ مِنْ الإسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ, وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلاً لهُ عَضُدٌ وَليْسَ لهَا ذِرَاعٌ عَليْهَا مِثْلُ حَلمَةِ الثَّدْيِ عَليْهَا شَعَرَاتٌ بِيضٌ, لوْ يَعْلمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا لهُمْ عَلى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ لاتَّكَلُوا عَلى الْعَمَلِ فَسِيرُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ " (١) . وفي الصحيحين عن سويد بن غفلة قال: قال علي ﵁: "إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ حديثا, فو الله لان أخر من السماء أحب إلي من أن أقول عليه ما لم أقل, وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم, فإن الحرب خدعة, وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان, سفهاء الأحلام, يقولون من خير البرية, يقرءون القرآن, لا يجاوز حناجرهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, فأينما لقيتموهم فاقتلوهم, فإن في قتلهم أجر لمن قتلهم عند الله يوم القيامة" (٢) . وخرج أبو داود عن أبي سعيد وأنس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيكون في أمتي اختلاف وفرقة, قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل, يقرءون القرآن لا يجاور تراقيهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, ثم لا يرجع حتى يرتد على فوقه, وهم شر الخلق, طوبى لمن قتلهم وقتلوه, يدعون إلى كتاب الله, وليسوا منه في شيء, من قاتلهم كان أولى بالله تعالى منهم" (٣) .

стр. 197

الفوق: موضع وقوع الوتر من السهم. وخرجه الشيخان من رواية أبي سعيد بنحو هذا (١) . وخرج مسلم عَنْ [عُبَيْدِ اللَّهِ] (٢) بْنِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْحَرُورِيَّةَ لمَّا خَرَجَتْ وَهُوَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالُوا لا حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ قَال عَلِيٌّ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَصَفَ نَاسًا إِنِّي لأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هَؤُلاءِ يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لا يَجُوزُ هَذَا مِنْهُمْ وَأَشَارَ إِلى حَلْقِهِ مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِليْهِ مِنْهُمْ أَسْوَدُ إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ أَوْ حَلمَةُ ثَدْيٍ فَلمَّا قَتَلهُمْ عَلِيُّ قَال انْظُرُوا فَنَظَرُوا فَلمْ يَجِدُوا شَيْئًا فَقَال ارْجِعُوا فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَال عُبَيْدُ اللَّهِ وَأَنَا حَاضِرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَقَوْلِ عَلِيٍّ فِيهِمْ" (٣) وخرج الدارقطني بسنده عن أبي مجلز أن عليا رضي الله تعالى عنه نهى أصحابه أن يبسطوا على الخوارج حتى يحدثوا حدثا, فمروا بعبد الله بن خباب فأخذوه فانطلقوا به فمروا على تمرة ساقطة من نخلة, فأخذها بعضهم فألقاها في فمه, فقال له بعضهم: تمرة معاهد فيم استحللها؟ قال عبد الله: أفلا أدلكم على من هو أعظم حرمة عليكم من هذا؟ قالوا: نعم, قال: أنا. فقتلوه, فبلغ ذلك عليا فأرسل إليهم أن أقيدونا بعبد الله بن خباب, قالوا: كيف نقيدك به وكلنا قتله؟ قال:

стр. 198

وكلكم قتله, قالوا: نعم قال: الله أكبر ثم أمر أن يبسطوا عليهم, وقال: والله لا يقتل منكم عشرة. ولا ينفلت منهم عشرة قالوا: فقتلوهم, فقال اطلبوا منهم ذا الثدية" (١) . وخرج أبو داود عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل أمة مجوس, ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر, فمن مات منهم فلا تشهدوا جنازته, ومن مرض منهم فلا تعودوهم, وإن ماتوا فلا تشهدوهم" (٢) . وله من رواية مرفوعا: "لا تجالسوا أهل القدر, ولا تفاتحوهم بالكلام" (٣) . وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أمتي ليس في الإسلام نصيف: المرجئة والقدرية" (٤) القدرية الذين يقولون الخير من الله والشر من الإنسان, وإن الله لا يريد أفعال العصاة. وخرج أبو داود والترمذي عن نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر ﵁ فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام فقال له إنه بلغني أنه قد أحدث فإن كان قد أحدث فلا تقرئه مني السلام, فإني سمعت رسول الله ﷺ : "يكون في هذه الأمة خسف ومسخ وذلك في المكذبين بالقدر". (٥)

стр. 199

وخرج الإمام أحمد عن أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّ رَجُلا وُلِدَ لهُ غُلامٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَى به النَّبِي ﷺ فَأَخَذَ بِبَشَرَةِ وَجْهِهِ وَدَعَا لهُ بِالْبَرَكَةِ قَال: فَنَبَتَتْ شَعَرَةٌ فِي جَبْهَتِهِ كَهَيْئَةِ (١) الْقَوْسِ وَشَبَّ الْغُلامُ فَلمَّا كَانَ زَمَنُ الْخَوَارِجِ أَحَبَّهُمْ فَسَقَطَتْ الشَّعَرَةُ عَنْ جَبْهَتِهِ فَأَخَذَهُ أَبُوهُ فَقَيَّدَهُ وَحَبَسَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ قَال: فَدَخَلْنَا عَليْهِ فَوَعَظْنَاهُ وَقُلْنَا لهُ فِيمَا نَقُولُ أَلمْ تَرَ أَنَّ بَرَكَةَ دَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ وَقَعَتْ عَنْ جَبْهَتِكَ فَمَا زِلْنَا بِهِ حَتَّى رَجَعَ عَنْ رَأْيِهِمْ, فَرَدَّ اللَّهُ عَليْهِ الشَّعَرَةَ وَتَابَ." (٢) وروى الإمام أحمد عن سعيد بن جهمان قال: أتيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر فسلمت عليه فقال: من أنت فقلت: أنا سعيد بن جهمان قال: فما فعل والدك قلت قتله الأزارقة قال: لعن الله الأزارقة. حدثنا رسول الله ﷺ أنهم كلاب النار. قلت الزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال: بل الخوارج كلها. فقلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل لهم وبهم, فتناول يدي فغمزها غمزة شديدة ثم قال: ويحك يا بن جهمان عليك بالسواد الأعظم, عليك بالسواد الأعظم, إن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته, فأخبره بما تعلم, فإن قبل منك, وإلا فدعه, فإنك لست بأعلم منه (٣) . وخرج رزين بسنده عن سالم أن رجلا من أهل العراق سأل ابن عمر عن قتل محرم بعوضا؟ فقال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة,

стр. 200

وأجرأكم على الكبيرة, يقتل أحدكم من الناس ما لو كان عددهم سبحات لرأيت أنه إسراف, وإنا كنا نسير مع رسول الله فنزلنا منزلا, فنام رجل من القوم, ففزعه رجل, فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: "لا يحل لمسلم تفزيع مسلم" (١) . وخرج البخاري ومسلم عَنْ أَبِي سَلمَةَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَسَأَلاهُ عَنْ الْحَرُورِيَّةِ هل سَمِعْتَ رسول الله ﷺ يذكرها؟ , قَال لا أَدْرِي مَا الْحَرُورِيَّةُ سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: "يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ" وَلمْ يَقُلْ مِنْهَا "قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاتَكُمْ مَعَ صَلاتِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ أَوْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلى سَهْمِهِ إِلى نَصْلِهِ إِلى رِصَافِهِ فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنْ الدَّمِ شَيْءٌ". (٢) وروى مسلم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَال دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَليْهِ فَأَتَيْتُهُمْ فَجَلسْتُ إِليْهِ فَقَال كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ, فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ, وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ, وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ, إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ جَامِعَةً, فَاجْتَمَعْنَا إِلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَال: "إِنَّهُ لمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَليْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلى خَيْرِ مَا يَعْلمُهُ لهُمْ, وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلمُهُ لهُمْ, وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِل عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا, وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فينزلق أو

стр. 201

فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا, وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي, ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ: هَذِهِ, فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَل الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ, وَلْيَأْتِ إِلى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِليْهِ" الحديث. (١) وخرج الإمام أحمد عن أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ سَاجِدٍ وَهُوَ يَنْطَلِقُ إِلى الصَّلاةِ فَقَضَى الصَّلاةَ وَرَجَعَ عَليْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَال: "مَنْ يَقْتُلُ هَذَا؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَحَسَرَ عَنْ يَدَيْهِ فَاخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَهَزَّهُ ثُمَّ قَال: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي, كَيْفَ أَقْتُلُ رَجُلاً يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟ ثُمَّ قَال: "مَنْ يَقْتُلُ هَذَا؟ " فَقَامَ رَجُلٌ فَقَال: أَنَا فَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ وَاخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَهَزَّهُ حَتَّى أَرْعَدَتْ يَدُهُ فَقَال: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ أَقْتُلُ رَجُلاً سَاجِدًا يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لوْ قَتَلْتُمُوهُ لكَانَ أَوَّل فِتْنَةٍ وَآخِرَهَا". (٢) قلت: ومثل هذا ما رواه البيهقي عن أنس ﵁ قال: كان عهد رسول الله ﷺ رجل يعجبنا تعبده وجهاده, فذكرناه لرسول الله ﷺ باسمه فلم يعرفه, ووصفاه بصفته, فلم يعرفه, فبينا نحن نذكره إذ طلع علينا الرجل فقلنا هو هذا: "إنكم لتخبروني عن رجل على وجهه سعفة من الشيطان" , فأقبل حتى وقف على القوم يسلم فقال: له رسول الله ﷺ : "نشدتك بالله هل قلت حين وقفت على المجلس: ما في القوم

стр. 202

أحد أفضل مني وخير مني؟ ". قال: اللهم نعم, ثم دخل يصلي فقال رسول الله ﷺ : "من يقتل الرجل؟ " قال أبو بكر: أنا, فدخل عليه فوجده يصلي فقال: "سبحان الله أأقتل رجلا يصلي وقد نهى رسول الله ﷺ عن ضرب المصلين" (١) . ويظهر لي أن هذا الرجل المذكور في الحديث هو الرجل الذي حدث عنه أبو بكرة, وأن القصة واحدة, ويحتمل التعدد؛ إذ لا مانع من ذلك. وخرج الشيخان عن حذيفة ﵁ قال: كان الناس يسألون رسول اله ﷺ عن الخير, وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني, فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر, فجاءنا الله بهذا الخير, فهل بعد هذا الخير من شر؟ , قال: "نعم" قلت: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: "نعم وفيه دخن". قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يستنون بغير سنتي, ويهتدون بغير هديي, تعرف منهم وتنكر" , فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ , قال: "نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها" , قلت: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ , قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" , قلت: فإن لم يكن جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها, ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" (٢) . وخرج أبو داود عن حذيفة ﵁ قال: "والله ما ادري أنسي أصحابي أم تناسوا, والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى

стр. 203

أن تنقضي (١) الدنيا, يبلغ من معه من ثلاثمائة فصاعد إلا سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته" (٢) , فهؤلاء هم الذين استحوذ عليهم الشيطان فأغواهم, فعدلوا عن الحق واتبعوا هواهم, كتب الله تعالى عليهم الخذلان, فقيض لهم بعدله الشيطان, فحسن لهم القبيح, وزين لهم سيء الأعمال, فاستحبوا طريق الغي والضلال, قادهم بمكره وكيده فأوداهم, واستدرجهم بخداعه فأرداهم, فلما تمكن من قصده بهم ناداهم, وهم مصطادون في شبكة الاحتيال ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (إبراهيم: من الآية ٢٢) , ما لكم من الله من وال, هيهات تفرقت بهم السبل عن الصراط المستقيم, فطوحت بهم إلى سواء الجحيم, تيسيرا إلى قضاء الله المحتوم, وقدره المبرم المختوم, وإبداء لذلك وتحقيقا, وتنجيز الوعد لوعد الصادق المصدوق, وإظهارا لهذه المعجزة بعده وتصديقا, فقد حقق الله تعالى لنبيه ﷺ في أمته وعده, فظهروا وتفرقوا حتى استكملوا تلك العدة, ولم يكن ذلك عن طول أمد, بل وقع في اقصر مدة, وكان مبدؤهم كما ذكرنا من قسمة غنائم حنين, وظهور أسوأ القول ممن في قلبه رين, غيرانه لم يقع بها تظاهره, ولا مساعدة ولا تناصر, ولم يشب لنارها ضرام, ولم يكن وقودها جثث وهام, إلا أيام علي بن أبي طالب رضي اله عنه, فقتلهم بالنهروان, فصار لها من تلك الأيام إعلان, وقام لها دعاة وأعوان, ونشرت أعلامها في أكثر البلدان, فانبعثت القدرية, وأول من قال به وقام, معبد الجهني بالبصرة فضل وأضل أقواما, ثم المعتزلة, ثم الجهمية, ثم الشيعة والإمامية.

стр. 204

والحاصل أن الفرق الكبار من أمة الإجابة ثمان: الأولى: فرقة الحق أهل الإسلام والإيمان, والمعتزلة والشيعة, والمرجئة, والجبرية, والخوارج, والنجارية, والمشبهة. فهؤلاء الذين سلكوا أقبح المناهج. والمعتزلة: افترقوا عشرين فرقة, يكفر بعضها بعضا, وكل فرقة تروم لحجة الأخرى نقضا (١) . منهم الواصلية: قوم واصل بن عطاء الذي أظهر الاعتزال, وكان يجالس الحسن البصري قبل تظاهره بالضلال. ومنهم الهذيلية: أصحاب أبي الهذيل بن حمدان (٢) العلاف, وهو شيخهم ومقرر طريقتهم, مات سنة خمس وثلاثين ومائة (٣) . ومنهم النظامية: أصحاب إبراهيم بن سيار النظام, (٤) وهذا من شياطين القدرية, طالع كتب الفلسفة, وخلطها بكلام المعتزلة. والإسكافية: أصحاب أبي جعفر الإسكاف. (٥) والجعفرية: أصحاب جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر. (٦)

стр. 205

والبشرية: أصحاب بشر بن المعتمر كان من أفاضل علماء المعتزلة. ومنهم الهشامية (١) : أصحاب هشام بن عمرو الفوطي وكان من أشد المعتزلة مبالغة في إنكار القدر. والصالحية (٢) , والخطابية, (٣) والحدثية (٤) والمعمرية, (٥) . والثّمامية: أصحاب ثمامة بن أشرس النميري وكان هذا الشيطان جامعا بين سخافة الدين وخلاعة النفس, ومن قبيح قوله أنه يقول: اليهود, والنصارى, والمجوس, والزنادقة يصيرون في الآخرة ترابا لا يدخلون جنة ولا نارا. ومنهم الخياطية: أصحاب أبي الحسن الخياط (٦) . والجاحظية: أصحاب عمر بن بحر الجاحظ, وكان هذا بليغا ظهر في أيام المعتصم والمتوكل, وأخذ من كتب الفلاسفة. ومنهم الكعبية: أصحاب القاسم بن محمد الكعبي (٧) من معتزلة بغداد تلميذ الخياط. ومنهم الجبائية: أصحاب أبي علي محمد بن عبد الوهاب

стр. 206

الجبائي من كبار معتزلة البصرة, ومن قبيح مقالاته: إنكاره الكلام, ويقول: إن الله يخلق كلامه في جسم, والمتكلم ذلك الجسم, وينكر رؤية الله في الآخرة, ومرتكب الكبيرة يخلد في النار.. وغير ذلك, ولهم بقايا فرق. وأما الشيعة: (١) سموا أنفسهم بذلك, وادعوا أنهم شايعوا عليا. فهم اثنتان وعشرون فرقة, يكفر بعضهم بعضا, وأصول فرقهم ثلاث فرق: غلاة, وزيدية, وإمامية. والغلاة ثماني عشر: أولهم السبائية: أصحاب عبد الله بن سبأ, يقولون لعلي ﵁ أنت الإله حقا, وعلي لم يمت, وإنما قتل بن ملجم شيطانا تصور بصورة علي, وعلي في السحاب, والرعد صوته, والبرق سوطه, وإنه ينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملؤها عدلا. ومنهم الكاملية: أصحاب أبي كامل, يكفرون الصحابة بترك بيعة علي, ويكفرون عليا بترك طلب الحق. ومنهم الغرابية: قالوا: محمد أشبه بعلي من الغراب بالغراب, والذباب بالذباب, فبعث الله جبريل إلى علي فغلط جبرائيل في الرسالة من علي إلى محمد. ومنهم النصيرية والإسحاقية: قالوا: حل الله في علي, والذمية يقولون

стр. 207

علي هو الإله, وقد بعث محمدا يدعو له, فدعى لنفسه. ومنهم الإسماعيلية: ويلقبون بالقرامطة, لأن رأسهم حمدان قرمط, وقيل عبيد الله بن ميمون القداح, وهؤلاء هدموا الشريعة وأركانها جملة. وباقي فرق الشيعة وروافضهم كثيرة, ومقالاتهم الفاسدة شهيرة. وأما الزيدية: الذين ينسبون أنفسهم إلى طريقة زيد بن علي بن الحسين زين العابدين, فهم ثلاث فرق: الجارودية: أصحاب ابي جارود الذي سماه الباقر شيطانا, فهؤلاء كفروا الصحابة لمخالفتهم عليا. والسليمانية, (١) والبترية (٢) . وأما الإمامية: فقالوا بالنص الجلي على إمامة علي, وكفروا الصحابة ووقعوا في أعراضهم. وأما الخوارج فهم عشرون فرقة: (٣) المحكمة: وهم الذين خرجوا على علي ﵁ عند التحكيم وكفروه, وكانوا اثني عشر ألفا, كانوا أهل الصلاة وصيام وقراءة, وفيهم قال ﷺ : "يحقر أحدكم صلاته في جنب صلاتهم, وصومه في جنب

стр. 208

صومهم, ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم" (١) . وكفروا عثمان وأكثر الصحابة. ومنهم البيهسية: أصحاب بيهس بن الهيصم بن جابر (٢) , قالوا: من وقع في شيء لا يعلمه أحلال أم حرام, فهو كافر. ومنهم الأزارقة: أصحاب نافع بن الأزرق, كفروا عليا بالتحكيم, وقالوا: إنه هو الذي نزل في شأنه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلدُّ الْخِصَامِ﴾ (البقرة:٢٠٤) وابن ملجم محق في قتله, وهو الذي نزل فيه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٠٧) وفيه قال مفتي الخوارج وزادها عمران بن حطان (٣) . ياضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا (٤) وهؤلاء كفروا عثمان, وطلحة, والزبير, وعبد الله بن عباس, وعائشة, وسائر المسلمين, وحكموا عليهم بالخلود في النار.

стр. 209

ومنهم النجدية: أصحاب نجدة بن عامر النخعي (١) . ومنهم العاذرية: الذين عذروا الناس في الجهالات في الفروع, وذلك أن نجدة وجه ابنه مع جيش إلى أهل القطيف, فقتلوهم وأسروا نساءهم, ونكحوهم قبل القسمة, وأكلوا الغنيمة, فلما رجعوا إلى نجدة, أخبروه بما فعلوا, فقال لهم: لم يسعكم ما فعلتم, فقالوا: لم نعلم أنه لا يسعنا, فعذرهم بجهالتهم, فاختلف أصحابه بعد ذلك, فمنهم من تابعه, ومنهم من خالفه. ومنهم الصفرية: أصحاب زياد بن الأصفر. ومنهم الأباضية: أصحاب عبد الله بن إباض, قالوا: مخالفوهم كفار. وكفروا عليا وأكثر الصحابة, وافترقوا أربع فرق: الحفصية: أصحاب حفص بن أبي المقدام. واليزيدية: أصحاب يزيد بن أنيسة قالوا: يبعث نبي من العجم بكتاب يكتب في السماء, ويترك ملة محمد, ويختار ملة الصابئة. والحارثية: أصحاب أبي الحارث الأباضي, (٢) خالفوا الإباضية في القدر. (٣) ومن فرق الخوارج: العجاردة: أصحاب عبد الرحمن بن عجرد (٤) وهم أربع فرق, كلها مشهورة بالضلال, معلومة الحال.

стр. 210

من الفرق الكبار المرجئة: (١) لقبوا بذلك لأنهم يرجون العمل على النية, أي: يؤخرونه عنها, وعن الاعتقاد من أرجأه إذا اخره, قال تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (الأعراف: من الآية ١١١) أي: أمهله وأخره. وقيل: إنما سموا بذلك, لانهم يقولون لا تضر مع الإيمان المعصية, كما لا تنفع الطاعة مع الكفر, وقد افترقوا خمس فرق: اليونسية: أصحاب يونس النميري, قالوا: الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع, ولا يضر مع ذلك ترك الطاعات. والعبدية: (٢) قبحهم الله وقبح مقالهم. والغسانية: أصحاب غسان الكوفي, يقولون: إن الله فرض الحج, ولا ندري أهذه الكعبة أم غيرها؟ وبعث محمدا ولا ندري اهو الذي بالمدينة أو غيره؟. والثوبانية: أصحاب أبي ثوبان المرجىء. (٣) والتومنية: أصحاب أبي معاذ التومني, ومن مقالاتهم: ان السجود للصنم ليس كفرا, بل علامة على الكفر, وتبعهم ابن الراوندي وبشر المريسي قبحهم الله تعالى. ومن الفرق الكبار الجبرية: والجبر إسناد فعل العبد إلى الله, وهؤلاء يقولون بحدوث علمه تعالى, بل لا يتصف بعلم ولا قدرة, ويقولون بنفي رؤيته, وبخلق

стр. 211

القرآن, وهؤلاء وافقوا الجهمية أصحاب جهم بن صفوان, فقالوا: لا قدرة للعبد يكتسب بها, بل هو بمنزلة الجمادات, فلذا لا يقولون بخلود احد في النار, بل ولا في الجنة, ويقولون الجنة والنار يفنيان إذا دخل أهلهما فيهما, فلا يبقى إلا الله. ومن الفرق الكبار النجارية: أصحاب محمد بن الحسين النجار (١) وهؤلاء يوافقون المعتزلة على نفس الصفات وحدوث الكلام, ونفي الرؤية, وفرقهم ثلاث: البرغوثية (٢) , والزعفرانية (٣) , والمستدركة (٤) , وأكثر هؤلاء يكفرون من لم يقل بخلق القرآن. ومن الفرق الكبار المشبهة: (٥) شبهوا الله تعالى بالمخلوقات, ومثلوه بالحادثات تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وثم فرقة واحدة؛ لأنهم وإن اختلفوا فالتشبيه يجمعهم, والمشبهة صفة تعمهم. فهذه فرق الأهواء والضلال, وشيع الغواة الضلال, الذين مرقوا من الملة الحنيفية, مروق السهم من الرمية, فليس لهم حظ ول نصيب من الدين, ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: من الآية ١١٦)

стр. 212

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (النور:٤٨) ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (التوبة: من الآية ١١٥) . وإنما أطلت بذكر هذه الفرق الضالة؛ ليتبين حال أهل التوحيد والدين من حال أهل الزيغ والغي والجهالة, ولأمور غير ذلك, أرجو أنها حسنة المسالك: منها: أن الموحد من أهل الدين, إذا سمع أقوال هؤلاء المبطلين, جد في عبادة الله وحده على بصيرة ويقين. ومنها: أنه يزداد بذلك إيمانا, ويدأب في الجهد والثناء على الله الذي أهله للهداية, ووفقه لطريق العناية, فضلا منه وإحسانا. ومنها: إظهار بطلان ما يقال في هذه الأزمنة والأعصار من المعادين والمعاندين, والقائمين في عداوة أهل هذه الدعوة والمساعدين أن الرافضة ومن شابههم هم زند الدين والهدى, ومن قام بإخلاص الدعوة لله تعالى هم أهل الضلال والردى. ومما يدل على أن هذا القيل كل رضيه وطاب به قلبا, أن هؤلاء الفرق قد ملكوا البلدان شرقا وغربا, وجدوا فيمن قدروا عليه نهبا وسلبا, ولم نر أو نسمع أن أحدا من الحكام الذين يدعون أنهم أهل السنة والجماعة, نصب لأحد من هذه الفرق حربا, ولا قام ولا قعد في عداوتهم, وألب عليهم الجيوش عجما وعربا, ولكن كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلمُونَ﴾ (الروم:٥٩) ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأعراف:١٨٦) .

стр. 213

الخاتمة في الفرق الناجية من النيران, وهم أهل الإسلام والإيمان, الذين تمسكوا بسنة نبيهم ﷺ واعتصموا بالقرآن, فنالوا بذلك رفيع الدرجات في الجنان. قال الله ﷻ : ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:٢) . وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ (طه: من الآية ١٢٣) . فوصف الله تعالى هذه الفرقة بالتقوى, ثم بين في كثير من الآيات أن القرآن هدى لهم ورحمة وشفاء وبشارة, وأنهم لا يضلون في الدنيا, ولا يشقون في الدنيا ولا في الآخرة. وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله" (١) . وعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" (٢) . وقال ﷺ : "ما تركت من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به, ولا شيء يقربكم من النار إلا وقد حدثتكم به" (٣) وقد تقدم قبل هذا حديث العرباض المتضمن لأمره ﷺ بالتمسك بسنته وسنة خلفائه الراشدين من بعده, عند حصول الاختلاف والافتراق, وحدوث المنازعة والشقاق.

стр. 214

فأما وجوب التمسك بالقرآن والاعتصام به وأن مخالفته كفر فهو معلوم من الدين بالضرورة, وقد نطق بذلك القرآن كما ذكرته من قبل هذا. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِل إِليْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الأعراف: من الآية ٣) . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ (هود: من الآية ١٧) . وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ (القلم: من الآية ٤٤) . وقد قدمت من دلائل الكتاب والسنة صدر هذا الفصل ما فيه كفاية وذكرى لكل ذي عقل. وقد خرج رزين بسنده عن ابن عمر ﵄ قال: نزل جبريل على رسول الله ﷺ فأخبره أنها ستكون فتن, قال: فما المخرج منها يا جبريل؟ , قال: كتاب الله تعالى (١) . وقد روى مسلم عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا وأني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله, وهو حبل الله الذي من اتبعه كان على الهدى, ومن تركه كان على الضلالة, وعترتي أهل بيتي" الحديث (٢) . وأما وجوب التمسك بسنة نبينا (وان مخالفتها كفر: فمن المعلوم بالضرورة أيضا, والقرآن يصرح بذلك في آيات كثيرة, والأحاديث متواترة. وقد قدمت في هذا الفصل ما فيه مقنع, لمن أراد أن يتبع سبيله الأرفع.

стр. 215

وأيضا كل ما أمر به أو نهى عنه أو حكم به أو فعله, فهو: إما يكون ذلك بالوحي النازل عليه؛ لان الوحي كما ينزل بالقرآن ينزل بالسنة, إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن. ولهذا قال ﷺ : "إني أوتيت القرآن ومثله معه" (١) يعني: السنة. وإما أن يكون ذلك مما فهمه ﷺ من القرآن. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِليْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (النساء: من الآية ١٠٥) . وقال : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَليْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لهُمُ الَّذِي اخْتَلفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل:٦٤) . وقال ﷻ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِليْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّل إِليْهِمْ وَلعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: من الآية ٤٤) . وأما وجوب التمسك بعده بسنة خلفائه الراشدين, والاقتداء بأصحابه المهتدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين: فالذي تقدم من الآيات والأحاديث الصحيحة, يدل على ذلك دلالة واضحة صريحة, وقد ورد النهي بالتمسك بهديهم والاقتداء بهم خصوصا وعموما مما هو معلوم في كتب السنة, وقد قال رسول الله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٢) . وأيضا فقد ثبت لهم النجاة, والسلامة من النار والمعافاة كما دل على ذلك كثير من الأحاديث والآيات:
следующие страницы →