← Акыда

Акыда · id 8514

العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين

ابن غنام، حسين

Полный текст (228 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة:٤) . وقوله: ﴿وَمَلائِكَتِهِ﴾ أي: وهم الأجسام النورانية, أي: يؤمن بأنهم عباد له مكرمون, وأنهم سفراء الله بينه وبين خلقه, متصرفون فيهم كما أذن, صادقون فيما أخبروا به عنه, وأنهم بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا الله ﴿وَمَا يَعْلمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ (المدثر: من الآية ٣١) . وقوله: ﴿كُتُبِهِ﴾ أي: أنها منزلة من عنده, وأنها كلامه [القائم بذاته المنزه عن الحروف والصوت] . (١) وقوله: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ أي: يؤمن بأنه تعالى أرسلهم إلى الخلق؛ لهدايتهم وتكميل معادهم ومعاشهم, وأنه أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم, فبلغوا عنه رسالته. وقوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو من الموت إلى ما يقع يوم القيامة. ولا شكَّ أن الإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من

стр. 37

الأنبياء, والملائكة, والكتب, والبعث, والقدر, وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به من صفات الله وصفات اليوم الآخر, كالميزان, والصراط, والجنة, والنار. وقد أدخل في الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره, ولأجل هذه روى ابن عمر هذا الحديث محتجا به على من أنكر القدر, وزعم أن الأمر أنف أي مستأنف أي: لم يسبق به سابق قدر من الله تعالى وقد غلظ ابن عمر عليهم, وتبرأ منهم وأخبر أنهم لا تقبل منهم أعمالهم بدون الإيمان بالقدر. وأول من قال بالقدر بالبصرة (معبد الجهني) وقد صرح العلماء بتكفيرهم. والإيمان بالقدر على درجتين: الأولى: الإيمان بأن الله سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم, وما يترتب على ذلك من الثواب والعقاب يوم الحساب قبل تكوينهم, وأنه كتب ذلك وأحصاه عنده, وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. والثانية: أن الله خلق أفعال عباده كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان, وشاءها منهم (١) . هذا وينبغي التمعن والتدبر لما ورد من الأحاديث التي فسر فيها

стр. 38

الإسلام بالأعمال المذكورة كهذا الحديث وغيره, والأحاديث التي فُسِّر فيها الإيمان بأعمال الجوارح المذكورة كقوله ﷺ لوفد عبد القيس: "آمركم بأربع: الإيمان بالله. هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ... " الحديث كما هو في الصحيحين من رواية أبي هريرة (١) . وفيهما عنه أيضاً "الإيمان بضع وسبعون فأفضلها قول لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, والحياء شعبة من الإيمان" (٢) . فظاهرها يقتضي التعارض وتحقيق وجه الجمع كما ذكره الإمام ابن رجب _رحمه الله تعالى_ إلى أن يقال: " أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه, فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات, والاسم المقرون به دال على باقيها وهذا كاسم الفقير والمسكين فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج, فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض ذوي الحاجات, والآخر على باقيها. فهكذا اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر, ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده, فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده, ودل الآخر على الباقي" (٣) . ولهذا فسر النبي ﷺ الإيمان عند ذكره مفرداً كما في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث جبريل, وفُسِّر في حديث آخر الإسلام بما فًسِّر به الإيمان, كما في مسند الإمام

стр. 39

أحمد عن عمرو بن عبسة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "أن تسلم قلبك لله. وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك" , قال: أيُّ الإسلام أفضل؟ قال: "الإيمان" , قال: وما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, والبعث بعد الموت" , قال: فأيُّ الإيمان أفضل؟ قال: "الهجرة" , قال: فما الهجرة؟ قال: "أن تهجر السوء" , قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: "الجهاد" (١) .فجعل النبي ﷺ الإسلام الإيمان, وأدخل فيه الأعمال. وحاصل القول: أنه إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ, وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق؛ وهو أن يقال: إن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته. والإسلام هو: استسلام العبد لله تعالى وخضوعه وانقياده, وذلك يكون بالعمل وهو الدين كما سمى الله تعالى في كتابه الإسلام دينا, وسمى النبي ﷺ الإسلام والإيمان والإحسان دينا, وهذا أيضا مما يدل على أن أحد الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر, وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر, فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب, وبالإسلام جنس العمل. وفي مسند الإمام أحمد عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الإسلام علانية والإيمان في القلب" (٢) ؛ وذلك لأن الأعمال تظهر علانية والتصديق بالقلب لا يظهر. ومن هنا قال محققوا العلماء: كل

стр. 40

مؤمن مسلم, لأن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام, وانبعثت الجوارح في ذلك؛ لان محله القلب, وهو إذا صلح صلح الجسد كله, وإذا فسد فسد الجسد كله كما نص عليه في الحديث (١) وليس كل مسلم مؤمنا, لأن الإيمان قد يضعف, فلا يتحقق به القلب تحققا تاما فيكون مسلما, وليس بمؤمن الإيمان التام. ويدل عليه آية: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلمْنَا وَلمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية ١٤) فسرها ابن عباس وغيره بأنهم لم يكونوا منافقين بالكلية , بل كان إيمانهم ضعيفا, وهذا هو الأصح, ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ (الحجرات: من الآية ١٤) أي لا ينقصكم من أجورها, فدل على أن معهم من الإيمان ما تقبل به أعمالهم (٢) , ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة, فإذا ترك شيئا من واجباته فهو محل الخلاف بين أهل السنة, هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان؟ واختاره الأكثر, وهو أحد الروايتين عن أحمد, أو يقال ليس بمؤمن لكنه مسلم, واختاره جماعة , وهو الرواية الأخرى عن أحمد, والذي يجول في خلدي, ويدخل في حفظي أن شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية يعتمد هذا القول, ويرى أن الذي يشهد له الكتاب والسنة مع بعد عهدي بمطالعة شيء من كتبه (٣) .

стр. 41

وأما اسم الإسلام: فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته وانتهال بعض المحرمات, وإنما ينتفي بالإتيان بما ينافيه بالكلية, فإنه حينئذ يخرج من الملة. وفد ذكر العلماء للإسلام نواقض, وعقدوا لذلك أبواب الردّة, وأكثروا فيها الأمور التي تنقضه قولا وفعلا. والصحيح أن الإيمان القلبي يتفاضل, وهو أصح الروايتين عن أحمد؛ لأن إيمان الصّدّيقين ليس كإيمان غيرهم, والآيات والأحاديث دالة على ذلك. ولاشك أن مسائل الإسلام والإيمان عظيمة الشّأن؛ لا يجوز أن يغفل عنها الإنسان أو يهملها أهل التوحيد والإيمان بل الواجب المتعين بذل الوسع في تحقيقها والاجتهاد والجدّ حتى يتبين سبيل الرشاد؛ ويتميز الصواب والسداد؛ لأن الله علق بها السعادة والإسعاد, وعلق على ضدها وهو الكفر والنفاق والشقاوة والهلاك يوم التناد. خاتمة الكلام على الإسلام والإيمان: قد ثبت بما تقرر, وصح مما ذكر وتحرر من كلام خير الأنام, وأقوال الأئمة الأعلام أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان والإسلام, وتقدم ما يدخل من العمال الظاهرة فيهما, وأما الأعمال الباطنة فهي تدخل في مسماها , فيدخل في أعمال الإسلام إخلاص الدين لله والنصح له وللمسلمين, وسلامة القلب لهم من الغش والحسد والحقد وغير ذلك, ويدخل في مسمى الإيمان وجل القلوب من ذكر الله وخشوعها عند سماع ذكره, وكتابه, وزيادة الإيمان بذلك, وتحقيق التوكل على الله, وخوف الله سرا وعلانية, والرضا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا, واختيار تلف النفس على الكفر, وإيثار محبة الله ورسوله على

стр. 42

محبة ما سواهما, والمحبة في الله والبغض في الله, والعطاء والمنع له (١) , وغير ذلك مما يطول ذكره, وكل ما ذكرناه من هذه الأنواع, فالأحاديث واردة فيه, دالة عليه. فمنها: رواه الإمام أحمد والنسائي عن معاوية بن حيدة قال: قلت يا رسول الله, بالذي بعثك بالحق ما الذي بعثك به قال: "الإسلام, قلت: وما الإسلام, قال: أن تسلم قلبك لله وان توجه وجهك إلى الله, وتصلي الصلاة المكتوبة, وتؤدي الزكاة المفروضة" (٢) . وفي السنن عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله, ومناصحة ولاة الأمر, ولزوم جماعة المسلمين, فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" (٣) . فبين ﵊ أن هذه الثلاث تنفي الغل عن قلب المسلم. وفي صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب عن النبي ﷺ قال: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا, وبالإسلام دينا, وبمحمد رسولا" (٤) . وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وان يحب المرء لا يحب إلا لله, وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" (٥) . وفيهما عن أنس مرفوعا قال: "لا يؤمن أحدكم

стр. 43

حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" وفي رواية "من أهله وماله والناس أجمعين" (١) فلا نطيل بإيرادها. وقوله في الجواب عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه". قد قدمنا من الآيات الواردة فيه, مقرونا ومفردا ما فيه كفاية لطالب الهدى, وإنما أخر جبريل السؤال عنه في هذا الحديث, وإن كان ورد بعض الأحاديث توسطه؛ لأن الإحسان هو غاية كمال الإسلام والإيمان, بل هو المقوم إذ بعدمه يتطرق إلى أعمال الإسلام الظاهرة الرياء والشرك وإلى الإيمان النفاق, فيظهره رياء أو خوفا. قال الله تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَسْلمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (البقرة: من الآية ١١٢) ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ (المائدة: من الآية ٩٣) . وحقيقة الإحسان: أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة كأنه يراه بقلبه, وينظر إليه في حال عبادته, فإذا عبد الله تعالى على هذه الصفة أوجبت له النصح في العبادة, وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها. فلهذا كان جزاء من عبد مولاه على حالة كأنه فيها يراه النظر إلى الله يوم لقاه , ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس: من الآية ٢٦) فقد فسرت بالنظر إلى وجه الله الكريم في جنات النعيم, جزاء لأهل الإحسان بعد التفضل عليهم بدخول الجنان, وقد وصى النبي ﷺ جماعة من أصحابه بهذه الوصية, فعن أبي ذر قال: "أوصاني خليلي رسول الله ﷺ أني أخشى الله كأني أراه, فإن لم أكن أراه فإنه يراني (٢)

стр. 44

وعن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي فقال: "اعبد الله كأنك تراه" خرجه النسائي (١) . وحديث زيد بن أرقم: "كن كأنك ترى الله, فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (٢) .وغير ذلك من الأحاديث. قوله ﷺ : "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" يحتمل أن يكون التعليل إشارة إلى مقام الإخلاص وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه, فإذا استحضر العبد هذا في عمله فهو مخلص لله تعالى لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته بعمله, ويحتمل أن يكون إشارة إلى مقام المشاهدة وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه وذلك أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان وهذا هو حقيقة مقام الإحسان (٣) . وقد فسر طائفة من العلماء المثل العلى في قوله ﷻ : " ﴿وَلهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الروم: من الآية ٢٧) بهذا المعنى, وفي الحديث: "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت" (٤) وحديث أبي أمامه عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل حيث توجه

стр. 45

على أن الله معه" (١) وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة, قال الله ﷻ : ﴿وَإِذَا سَأَلكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (البقرة: من الآية ١٨٦) وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد: من الآية ٤) وقوله: َ ﴿ولا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (المجادلة: من الآية ٧) ﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ (النساء: من الآية ١٠٨) وغير ذلك من الآيات. وقد وردت الأحاديث الصحيحة باستحباب استحضار هذا القرب في العبادات كقوله ﷺ : "إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه, أو ربه بينه وبين القبلة" (٢) . وقوله: "إن الله قبل وجهه إذا صلى" (٣) وقوله: "إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت" (٤) وقوله: "إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا, إنكم تدعون سميعا قريبا" (٥) وقوله: "أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحركت شفتاه" (٦) , والأحاديث كثيرة (٧) . واعلم أن من فهم من شيء من هذه الآيات أو الأحاديث حلولا أو

стр. 46

اتحادا كما فهمه من أزاغ الله قلوبهم عن أنوار الشريعة, أو فهم من ذلك أيضا تشبيها, فقد ضل فهمه, وزل قدمه عن الصراط المستقيم ﴿َلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: من الآية ٦٣) والله ورسوله بريئان من أهل هذه الطرق الزائغة الزائفة, وأهل هذه البدع الضالة من كل طائفة, قالوا بالحلول والإتحاد, وهذا هو عين الكفر والإلحاد ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر:١٤) فسبحان من ليس كمثله شيء وهو البر الوصول, الذي تنزه قدرا عن التجسيم (١) والتعطيل والإتحاد والحلول. وقوله في الجواب لجبريل في سؤاله عن الساعة: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" يعني أن علم الخلق في وقتها سواء, ففيه إشارة إلى أن الله استأثر بعلمها, فكأنه قال: "أنا لا أدري كما أنك كذلك, فيؤخذ من الحديث أنه ينبغي للمفتي والعالم وغيرهما إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم, فإن ذلك لا ينقص بل يستدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه. ويروى عن علي ﵁ أنه قال: "وا بردها على كبدي, إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول لا أعلم" (٢) . ويروى عن الإمام مالك أنه يسئل عن أكثر المسائل فلا يجيب ويقول: لا أدري نصف العلم (٣) . والساعة هي: يوم القيامة وتسمى اليوم الآخر.

стр. 47

وسمي الآخر: لأنه آخر انقراض الدنيا وآخر أيامها. وهل منتهاه إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة, وأهل النار النار, أو ليس له منتهى؟ ورجح بعض العلماء أن مبدأها من النفخة الثانية إلى استقرار الخلق في الدارين. في صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ (لقمان: من الآية ٣٤) . (١) وقال ﷻ : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ (الأعراف: من الآية ١٨٧) . قوله: "فأخبرني عن أمارتها" أي: علاماتها التي تدل على اقترابها, وقد ذكر لها علامتين: العلامة الأولى: "أن تلد الأمة ربتها" أي سيدتها ومالكتها, وفي حديث أبي هريرة "ربها", وهذه إشارة إلى فتح البلدان وجلب الرقيق حتى تكثر السراري, وتكثر أولادهن فتكون الأم رقيقة لسيدها, وأولادها منها بمنزلته, فإن ولد السيد بمنزلة السيد, فيصير ولد الأمة بمنزل ربها وسيدها. وقد فسره بعض بأنه يكثر جلب الرقيق حتى تجلب البنت فتعتق, ثم تجلب الأم فتشتريها البنت, وتستخدمها جاهلة بأنها أمها, وقد وقع ذلك في الإسلام.

стр. 48

العلامة الثانية: قوله: "أن ترى الحفاة العراة" الحفاة هم: من لا نعال لهم جمع حاف أي: لا نعل له, والعراة: جمع عار, وهو من ليس على جسده من الثياب ما يستره, والعالة: الفقر. قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ (الضحى:٨) . قوله: "رعاء الشاة" وهو بكسر أوله وبالمد: جمع راع , ويجمع أيضا على رُعاه بضم أوله, أخره هاء, والرّعي: الحفظ, والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم, وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته يعني إذا كثرت أموال أهل الحاجة والفاقة والفقر بسبب كونهم ملكوا الحضر. وقسروهم بالغلبة والقهر, فامتدت لهم الآمال, بعد اتساع الحال, وجمع أنواع المال, فصار همهم تشييد المباني وهدم أركان الدين بعدم العمل بآيات المثاني, فهذا التفريط والإضاعة هو من إمارات الساعة. وقد صرح في حديث أبي هريرة بذكر ثلاث علامات منها: أن يكون الحفاة العراة رؤوس الناس, ومنها أن يتطاول رعاء البهم في البنيان. وفي حديث عبد الله بن عطا عن عبد الله بن بريدة فقال فيه: وأن ترى الصم البكم العمي الحفاة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان ملوك الناس , قال: فقام الرجل فانطلق فقلنا: يا رسول الله من هؤلاء الذين نعتّ؟ قال: "هم العريب" (١) . وقوله: "الصم البكم" إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم. والأحاديث في هذا المعنى متعددة, والأخبار والآثار فيه كثيرة مسندة, فمنها: ما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث حذيفة عن النبي

стр. 49

صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع" (١) . وفي صحيح ابن حبان عن أنس عن النبي ﷺ قال: " لا تنقضي الدنيا حتى تكون عند لكع بن لكع" (٢) وخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث أنس عن النبي قال: "بين يدي الساعة سنون خداعة يتهم فيها الأمين , ويؤمن فيها المتهم, وينطق فيها الرويبضة" , قالوا: وما الرويبضة قال: "السفيه ينطق في أمر العامة" , وفي رواية "الفاسق يتكلم في أمر العامة" (٣) . وفي حديث آخر "لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها" (٤) . والمعلوم انه إذا صار الرؤوس جهالا , والملوك على ما ذكر من الحال, انعكست الأحوال والسباب, وانفتح للشر كل باب, وحان للساعة اقتراب, فلذا يصدق الكاذب , ويكذب الصادق, ويخون الأمين, ويؤتمن الخائن المنافق, ويتكلم الأحمق الجاهل, ويسكت العالم الفاضل, ويعدم العلم بالكلية, وتقبض أهله من البرية, كما ثبت ذلك في الأحاديث

стр. 50

الصحيحة, والنصوص الجلية الصريحة (١) . فعنه ﷺ قال: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم, ويظهر الجهل" (٢) . وأخبر ﷺ : " أنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا , فأفتوا بغير علم, فضلوا وأضلوا" (٣) . وفي صحيح الحاكم عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: "إن من أشراط الساعة أن يوضع الأخيار, ويرفع الأشرار" (٤) . وسيصير هذا في آخر الزمان, وتنقلب حقائق الإيمان, وتنعكس فيه جميع الأمور, ويصير المباح هو المحظور. وقوله ﷺ : "يتطاولون في البنيان" فيه ذلالة على ذم التباهي والتفاخر, والاستطالة في الدنيا وجمعها للمباهاة والتكاثر. والتطاول في رفع البنيان فوق ما يحتاجه لضروريات الإنسان. ولم يكن البنيان في زمن النبي ﷺ بالإطالة معروفا, بل كان بالقصر في زمنه وزمن أصحابه موصوفا, ولا يزيد على قدر الحاجة , والسعيد من اقتفى منهاجه. وقد خرج البخاري عن أبي الزناد وعن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان" (٥)

стр. 51

وخرج الطبراني عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كل بناء وأشار بيده هكذا على رأسه أكثر من هذا فهو وبال" (١) . وقال حريث ابن السائب عن الحسن: "كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ في خلافة عثمان, فأتناول سقفها بيدي" (٢) . وخرج ابن ماجة من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" (٣) . وخرج أيضا من حديث بن عباس عن النبي قال: "ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسنا, وكما شرفت النصارى بيعها" (٤) .

стр. 52

الفصل الثالث: في إخلاص الأعمال لله تعالى وذلك لا يكون إلا بالنية وما جاء أن العمال بالنيات . ... الفصل الثالث: في إخلاص الأعمال لله تعالى وذلك لا يكون إلا بالنية وما جاء أن الأعمال بالنيات قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف:٢٩) . وقال ﷻ : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم إِنَّا أَنْزَلْنَا إِليْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (الزمر ١-٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّل الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (الزمر: الآية ١١-١٥) ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلى اللَّهِ لهُمُ الْبُشْرَى﴾ (الزمر: من الآية ١٧) وقال تعالى ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (الزمر:٦٦) وقوله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة:٥) . وفي الصحيحين عن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله, ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (١) . أقول: سيأتي ما في الباب من الأحاديث في الكلام على شرح هذا الحديث إن شاء الله تعالى, وإنما أخرت هذا الفصل بعد الأولين ولم

стр. 53

أقدمه قبلهما لأمرين: الأول: أن الحكم على الشيء فرع تصوره, فلا يحكم على النية بصحة وفساد وإخلاص وشرك قبل معرفة الإسلام وتفسيره والتوحيد وبيان أنه الدين الذي خلقت لأجله السماوات والأرض ومن فيهن, وكلف به الإنس والجن. الثاني: أن النية إنما تعتبر في الأعمال التي ظاهرها القبول, وهي الصادرة من عاملها بعد الإقرار بالإسلام والدخول والتحلي بمسماه والتخلي عن ضده وسواه, وتشييد أصل بنيانه, ورفع قواعده وأركانه, وإلا فمنكره الأبي عنه, لا تقبل أعماله منه؛ لأنه صار بربه كفورا, ﴿وَقَدِمْنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ (الفرقان:٢٣) . فإن قيل: إن الإسلام حقيقته معلومة بالضرورة, وقواعده محققة مشهورة, يشترك في معرفتها الخاص والعام, ولا تلتبس على أحد من الأنام. فالجواب: أن هذه دعوى يكذبها الوجدان , ويأنف منه الحس والعقل والجنان, ويحكم بفسادها المشاهدة والعيان, ولا يختلف فيها اثنان, أنها من الزور والبهتان, وعلى تقدير كون معرفته معلومة, وأصوله كما ادعى مفهومة, هل يحكم به لجميع الناس, وتخرجهم من دائرة الكفر والإبلاس. ونقول: كلهم يشملهم مسمى الإسلام, وإن لم يقروا به, ولم يلتزموا بماله من الأحكام, فهذا لا يدعيه من انتقد, إذ لا يساعده عليه أحد, أو نقول كما هو الواقع والمشاهد الموجود أهل الإسلام قليل ماهم في الوجود, بل هم كالشامة البيضاء في الجلد الأسود, فبان بطلان ما زخرفه المنتقد وأورد, مع أن هذه الرسالة موضوعة ومصنفة ومجموعة, للراغب في الدخول والمريد, والطالب المستفيد. فلهذا اخترت تقديم رأس الأمر,

стр. 54

وأخرت الكلام على النية التي تصحح الأعمال ويثبت بها الأجر. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ (الأعراف: من الآية ٢٩) أي: بالعدل, وهو الوسط من كل أمر المتجافي, عن طريقي الغالي والجافي, السالم من وصمة التفريط والإفراط, والبعيد عن ثلمة الإفساد والانحطاط. أمر رب العالمين عباده أجمعين بالاستقامة في العبادات, ومتابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات, فيما جاءوا به من الشرائع الجامعة, وما أخبروا به من المغيبات الواقعة, وبإخلاص الدين كله لله, فلا يشركوا معه في عبادته أحدا سواه؛ فإنه تعالى لا يقبل العمل حتى يكون للصواب مطابقا, ولمنهاج الشريعة موافقاً ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: من الآية ٢٩) يحييكم بعد موتكم, وقيل: يحشركم حفاة عراة غرلا, والحديث يشهد لهذا (١) , وقيل من ابتدأ خلقه على الهدى صار على الهدى, ومن ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إليها. وأحاديث الصحيح دالة على ذلك ففي البخاري: " ... فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها (٢) , وإنما الأعمال بالخواتيم" (٣) . ويجمع بين هذا وذلك قوله: "خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" (٤) , وقوله ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَليْهَا﴾ (الروم: من الآية ٣٠)

стр. 55

بأنه ﷻ خلقهم؛ ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال, وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده, والعلم بأنه لا إله غيره, كما أخذ عليهم بذلك الميثاق, ومع هذا قدر أن منهم شقيا ومنهم سعيداً ﴿هُوَ الَّذِي خَلقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (التغابن: من الآية ٢) وفي الحديث: "كل الناس يغدوا فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها". (١) وقدر الله تعالى نافذ في بريته, وهو الذي قدر فهدى من أراد, وأشقى من طرد من العباد بمحض الفضل والعدل, ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ (الأنبياء: من الآية ٢٣) . وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لهُ الدِّينَ﴾ (الزمر: من الآية ٢) يعني: استقم على التوحيد وعلى إفراده بالعبادة, ممحضا له جميع أنواعها من الشرك والرياء؛ فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك, وإنما خاطب النبي ﷺ بذلك والمراد قومه, أي وحدوا الله تعالى ولا تدعوا مع الله شريكا في عبادته لا ملكا ولا رسولا, فإنهم ليسوا أهلا لذلك ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (الزمر: من الآية ٣) يعني: أنه هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة؛ فإنه المتفرد بصفات الألوهية والإطلاع على الأسرار والضمائر. وسبب ذلك: أن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ : ألا تنظر إلى ملة أبيك عبد الله, وملة جدك عبد المطلب وسادة قومك يعبدون الأصنام, فنزل: قل يا نبي الله إني ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لهُ الدِّينَ﴾ (الزمر:١١) يعني: وحده, وأكفر بمن سواه ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّل الْمُسْلِمِينَ﴾ (الزمر:١٢) يعني: أمرت

стр. 56

بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة؛ لأن قصب السبق في الدين إنما هي بالإخلاص, أو لأنه أول من أسلم وجهه لله من قريش ومن دان بدينهم (١) . أقول: وكلا الأمرين مجتمع فيه؛ لأنه في الدارين هو المقدم, وأول من آمن من قومه وأسلم ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ (الزمر: من الآية ١٣) بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك والرياء ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لعظمة ما يقع فيه من الأهوال والنكال ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لهُ دِينِي﴾ (الزمر:١٤) أمره الله تعالى أن يخبر عن إخلاصه, وأن يكون ﴿مُخْلِصاً لهُ دِينِي﴾ بعدما أمره بالإخبار عن كونه مأمورا بالعبادة والإخلاص, وذلك لأجل الخوف من العقاب على المخالفة, وفيه قطع لإطماع قومه. وقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (الزمر: من الآية ١٥) وإن كان ظاهره التخيير, فالمراد به التهديد, ويستفاد منه شدة الوعيد, كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (فصلت: من الآية ٤٠) وقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ (الزمر: من الآية ٨) والكلام على باقي الآيات ظاهر, ومدلولها في المراد واحد. وقوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (٢) الخ هذا الحديث رواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى, ومسلم بن الحجاج, والإمام مالك رحمهم الله تعالى عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة ابن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب ﵁ (٣) . وقد صدر به

стр. 57

البخاري كتابه الصحيح, وجعله قائما مقام الخطبة ونائبا منابها, وإشارة منه إلى أن الأعمال لا تحصل للعامل ثوابها, وانه لا ثمرة لها في الدنيا والآخرة إلا إذا كان لوجه الله تعالى طلابها, فكل عمل لغيره مراد نتيجته البطلان والفساد, وبعيد عن الصواب والسداد. وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها, ويشار في أصول الإسلام إليها. فقال الشافعي: "إنه ثلث العلم, ويدخل في سبعين بابا من الفقه". وعن الإمام أحمد قال: "أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر "إنما الأعمال بالنيات" وحديث عائشة: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (١) , وحديث النعمان بن بشير: "الحلال بين والحرام بين" (٢) , وقال: " ينبغي أن يبدأ في كل تصنيف بهذه الأحاديث" (٣) . وروى عثمان بن سعيد عن أبي عبيد قال: جمع النبي ﷺ جميع أمر الآخرة في كلمة: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" , وجمع أمر الدنيا كلمة: "إنما العمال بالنيات" (٤) . والمراد بالأعمال: الأعمال الشرعية المفتقرة إلى النية, فأما ما لا يفتقر إليها كالعادات من أكل وشرب ولبس وغيرها, أو مثل رد الأمانات والمضمونات كالودائع والمغصوب فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية, فيختص هذا من عموم العمال المذكورة, وإلى هذا ذهب جمع, وقال آخرون وحكى عن الجمهور وهو ظاهر كلام أحمد: الأعمال هنا على

стр. 58

عمومها لا يخص منها, والمعنى على كل من القولين أن حظ العامل من عمله نيته, فإن كانت صالحة فعمله صالح فله أجره, وإن كانت فاسدة فعمله فاسد, فعليه وزره. فصلاح العمال وفسادها بحسب صلاح النية وفسادها؛ لقوله: " إنما العمال بالخواتيم" (١) وقد تكون النية مباحة, فيكون العمل مباحا, فلا ثواب فيه ولا عقاب. والنية في اللغة: نوع من القصد والإرادة. وعند العلماء: تمييز العبادات من العادات (٢) . والمراد منها: تمييز المقصود بالعمل هل هو لله وحده لا شريك له أم غيره؟ وهذه هي التي ذكرها العارفون في كتبهم, وهي التي توجد في كلام السلف, وكذلك هي المراده في كلام النبي ﷺ وسلف أمته. ويعبر عنها بالإرادة: كما في القرآن: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٥٢) ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (لأنفال: من الآية ٦٧) ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ (الشورى: من الآية ٢٠) ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلةَ عَجَّلْنَا لهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ (الإسراء: من الآية ١٨) ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (الإسراء: من الآية ١٩) ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِليْهِمْ أَعْمَالهُمْ فِيهَا﴾ (هود: من الآية ١٥) . وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء: كقوله: ﴿إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ (الليل:٢٠) وقوله: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٠٧) وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٧٢) وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية ٢٧٢) وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (النساء: من الآية ١١٤)

стр. 59

وأما ما ورد منها في السنة وكلام السلف فكثير لا يحصى. ففي الحديث: "من غزا ولم ينو إلا عقالا فله ما نوى" (١) . وحديث جابر: "يحشر الناس على نيتهم" (٢) . وحديث عمر: "إنما يبعث المقتتلون على النيات" (٣) . واعلم أن إخلاص النية لله تعالى لم يزل شرعا لمن قبلنا ثم لنا من بعدهم. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ (الشورى: من الآية ١٣) . قال أبو العالية: "وصاهم بالإخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له". وقال الفضيل: في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الملك: من الآية ٢) قال: "أخلصه وأصوبه, والخالص إذا كان لله تعالى, والصواب إذا كان على السنة" (٤) . وقوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ... " الخ. أخبر ﷺ أن هجران بلد الشرك والكفر والانتقال منه إلى الإسلام يختلف باختلاف النيات والمقاصد. فمن كانت هجرته إلى دار الإسلام حبا لله ورسوله, ورغبة في تعلم

стр. 60

دين الإسلام والتفقه في التوحيد, وإظهار الدين كما ينبغي, حيث كان يعجز عنه في دار الشرك, ولا يتمكن من إظهاره, فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقا, وكفاه شرفا وفخرا أنه حصل له ما نواه, وذلك نهاية المطلوب دنيا وأخرى. ومن كانت هجرته إلى دار الإسلام لطلب دنيا, أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك. فالأول تاجر والثاني خاطب, وليس واحد منهما بمهاجر. وفي قوله: "إلى ما هاجر إليه" تحقير لما طلب من أمر الدنيا واستهانة به, والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر. وقد كانت الهجرة من مكة إلى المدينة واجبة بنص الكتاب والسنة, فلذا كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى المدينة للنبي ﷺ وقد هاجر منهم رجال كثير ونساء قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي. انتهى, هذا ملخص ما ذكره شراح هذا الحديث (١) . وأقول: قد زعم قوم أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام والإيمان ليست واجبة ولا متعينة في هذا الزمان؛ وأن محكم عقدها مفسوخ, ووجوبها المستمر منسوخ, متمسكين من الدليل بما لا يبرد الغليل, ولا يشفي القلب العليل, وذلك ظاهر قول خير البرية: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" (٢) , وظاهر حديث "المهاجر من هجر ما نهى الله

стр. 61

عنه" (١) , وليس الأمر كما زعموا ولا المعنى كما فهموا, بل ليس الحكم كما جزموا به وحكموا, وإنما المراد المقصود, والمنهج المسدود الهجرة من مكة إلى المدينة بعد فتحها للمسلمين, وزوال المشركين, وإضاءة أرجائها بأنوار الدين, ورفع قواعد التوحيد, وقصم كل جبار عنيد؛ لأن الله تعالى قد بدل الحال, والمحذور فيها قد زال, والمهاجرة منها تؤدي إلى الإخلال بأم القرى والتعطيل, فسد بعد مضي تلك الحكمة ذلك السبيل. وأما الهجرة من بلاد المشركين والكفار, وعدم السكنى معهم والاستقرار, إلى ما للمسلمين من الديار, حيث لا يمكن إقامة دين للموحد ولا إظهاره, ولا تعزيز للإسلام وانتصاره, فحكمها إلى الآن ثابت الوجوب والإلزام, مستمر على ممر السنين والأعوام, كما صرح بذلك الأئمة الأعلام, والآيات على ذلك دالة صريحة, والأحاديث ثابتة صحيحة. قال الله ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء:٩٧) . قال ابن كثير: "الآية دالة على وجوب الهجرة عامة, فكل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة, وليس متمكنا من إقامة دينه, فهو ظالم لنفسه مرتكب محرما بالإجماع, وقد روى أبو داود بسنده عن سمرة بن جندب ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " من جامع المشرك أو سكن معه فإنه مثله (٢) " (٣) انتهى كلام ابن كثير في تفسيره.

стр. 62

وقال البيضاوي: "الآية دالة على وجوب الهجرة, ففي الحديث: "من فر بدينه من أرض إلى أرض استوجبت له الجنة, وكان رفيق أبيه إبراهيم ﵇ ونبيه محمد ﷺ " (١) .انتهى كلامه. ولو لم يكن إلا قوله ﷺ "أنا بريء من مسلم أقام بين ظهراني المشركين" (٢) وقوله ﷺ : "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة, ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" رواه أبو داود عن معاوية ﵁ (٣) . وقوله ﷺ : "لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد" رواه سعيد (٤) , وقوله ﷺ : "لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو" رواه أحمد والنسائي (٥) لكان في الدنيا كافياً, وبالمقصود وافياً, كيف وقد قال الله ﷻ : ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ (النساء: من الآية ١٠٠) . هذا ما خطر في البال من المقالة, حتى كتبي هذه العجالة, من غير مراجعة في ذلك للأسفار, وإن كان صبح الحق فد تبلَّج بالأسفار, وأشرق بما ذكرناه من الحجة المحجة الأنوار, وانجلى عن وسيم وجهها الغبار. خاتمة: اعلم أن سائر الأعمال كطلب العلم, والجهاد, والصلاة, والصيام, والحج والإنفاق, وغير ذلك, مثل الهجرة في هذا المعنى, فصلاحها

стр. 63

وفسادها بحسب النية الباعثة عليها, وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله عموماً. خرَّج الإمام أحمد من حديث أبي كعب عن النبي ﷺ قال: "بشر هذه الأمة بالثناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض, فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب" (١) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "يقول الله ﵎: أنا أغني الأغنياء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه". وخرجه ابن ماجة بلفظ "فأنا منه بريء" (٢) . وخرَّج أحمد عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: "من صلى يرائي فقد أشرك, ومن صام يرائي فقد أشرك, ومن تصدق يرائي فقد أشرك, وإن الله يقول: أنا خير قسيم, فمن أشرك بي شيئا فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به, أنا غني عنه" (٣) . وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم, والرجل يقاتل للذكر, والرجل يقاتل ليرى مكانه, فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" وفي رواية لمسلم سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة, ويقاتل حمية, ويقاتل رياء فأي ذلك

стр. 64

في سبيل الله؟ فذكر الحديث (١) . وخرج النسائي من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شيء؛ إن الله يقبل إلا ما كان خالصا, وابتغى به وجهه" (٢) . وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة أن رجلا قال: "يا رسول الله, رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضا من عرض الدنيا فقال رسول الله ﷺ : "لا أجر له" فأعاد عليه ثلاثا (٣) . وخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال قلت: يا رسول الله, أخبرني عن الجهاد والغزو فقال: " إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله بتلك الحال" ٤) . خرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة من حديث أبي سعد بن أبي فضالة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك" (٥) . وحديث الثلاثة الذين هم أول من يقضي فيهم, وتسجر بهم النار

стр. 65

مشهور خرجه مسلم (١) . فالحاصل أن الرياء يحبط العمل, إذا كان القصد اتفاقا, فإن كان طارئا في أثناء العمل فمحل خلاف بين أئمة السلف, هل يبطل كله أو يثاب على نيته الأولى؟ وأما إذا عمل لله خالصا ثم ألقى الله له الثناء في الناس, ففرح بفضل الله ورحمته, فلا يضر. فقد خرج مسلم عن حديث أبي ذر أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ويحمده الناس عليه فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" (٢) . وخرج الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله , الرجل يعمل العمل فيسره, فإذا أطلع عليه أعجبه قال: "له أجران: أجر السر وأجر العلانية" (٣) . وبالجملة فليس على النفس شيء أشقُّ من الإخلاص؛ لأنها لا نصيب لها فيه (٤) , وبما ذكرته لمن تدبر وعقل أمر الله ونهيه كفاية.

стр. 66

الفصل الرابع: في دعائم الإسلام التي يتم له بها النظام, ويكفر جاحدها أو بعضها من الأنام وهي الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم وحج البيت الحرام. قال الله ﷻ : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (البقرة:٣) . ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِليْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:٤٥-٤٦) . وقال الله ﷻ : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة:١١٠) . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ (النساء: من الآية ١٠٣) . وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود:١١٤) . وقال ﷻ : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: من الآية ٥) . وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلمُونَ﴾ (التوبة:١١) . وقال : ﴿وَأْمُرْ أَهْلكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَليْهَا﴾ (طه: من الآية ١٣٢) . وقوله: ﴿قَدْ أَفْلحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (المؤمنون:١-٤) إلى قوله

стр. 67

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون:٩-١١) . وقد تعدد ذكر الصلاة والزكاة في القرآن مقرونتين ومفردتين, وآخر ذلك قوله ﷻ : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة:٥) . وسيأتي أدلة باقي الأركان في موضعها. وأما الشهادة فقد تقدمت دلائلها قبل هذا. وأخرج الشيخان في صحيحهما عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله, وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة وحج البيت, وصوم رمضان" (١) .قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: من الآية ٣) . الإيمان في اللغة يطلق على: التصديق. وأما الإيمان الشرعي المطلوب فقد قدمت من النصوص ما يشهد على القطع أنه قول واعتقاد وعمل (٢) وأكثر السلف على ذلك. قال أبو العالية: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر, وجنته, وناره, ولقائه, وفسره بعض السلف: بما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار, وقال ابن عباس: بما جاء منه أي: من الله, وقيل: الغيب: القرآن, وقيل: القدر (٣) . ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ (البقرة: من الآية ٣) قال ابن عباس: "أي يقيمون الصلاة بفروضها بإتمام الركوع والسجود

стр. 68

والتلاوة والخشوع". ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ اختار بعض العلماء عموم الآية في الزكاة والنفقات أي: أنهم يؤدون اللازم لهم في أموالهم كالزكاة ونفقة من تلزمهم نفقته؛ لأن الله عمم وصفهم ومدحهم بذلك, وكل من الزكاة والنفقة ممدوح به محمود عليه, وإنما قرن الله بين الصلاة والزكاة؛ لأن الصلاة حقه تعالى وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه, وتمجيده والابتهال إليه, ودعائه والتوكل عليه. والإنفاق وهو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم, وأولى الناس بذلك القرابات, والأهل, والمماليك, ثم الأجانب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ (النساء: من الآية ١٠٣) . أي: فرضا مفروضا أو فرضا محدود الأوقات, لا يجوز إخراجها عن أوقاتها في شيء من الأحوال, والأول قول ابن عباس. ولنقتصر عن الكلام على تفسير هذه الآيات؛ لئلا يفوت الغرض من الاختصار, والمقصود شرح حديث "بني الإسلام"، وإيضاح ما احتوى عليه من الأحكام. والمقصود تمثيل الإسلام ببنيان, ودعائم البنيان "هذه الخمس", فلا يثبت البنيان بدونها, وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان, فإذا فقد منها شيء نقص البنيان, ولكنه قائم لا ينتقض, ينقض ذلك بخلاف نقض هذه الخمس الدعائم؛ فإن الإسلام يزول بذلك. قال ابن حجر: "هذا حديث عظيم, وهو أحد قواعد الإسلام, وجوامع الأحكام, إذ فيه معرفة الدين, وما يعتمد عليه عامة المسلمين,

стр. 69

ولأنه حاور جميع الأركان التي كلها منصوص عليها في القرآن". (١) والمراد من الشهادتين: الإيمان بالله ورسوله, وقد ذكر ذلك البخاري تعليقا فقال: "بني الإسلام على خمس إيمان بالله ورسوله", وذكر بقية الحديث. وفي رواية لمسلم "على خمس على أن يوحد الله". وفي رواية "على أن يعبد الله ويكفر من دونه". فأما الصلاة, فهي مشتقة من الدعاء؛ لاشتمالها عليه هذا قول أكثر أهل العربية والفقهاء. وشرعا: قربة فعلية ذات إحرام وسلام. وهي أعظم الدعائم بعد الشهادتين, وفرضت ليلة الإسراء في السماء, وذلك بمكة المشرفة قبل الهجرة بسنة, بخلاف سائر الشرائع؛ فإنها فرضت بالأرض. وفرضها عليه, وعلى أمته ﷺ وهو في السماء, دليل على مزيتها على غيرها من الفرائض. واختلاف العلماء, هل فرضت ركعتين وزيدت في الحضر أو أربعا ثم قصرت؟ على قولين (٢) . وقد دل على مشروعيتها الكتاب والسنة, وأجمعت على فرضيتها الأمة, واتفقوا على قتل الممتنع من فعلها, وإنما اختلفوا في قتله, هل كفرا؟ وهو قول جماعة من السلف والخلف, منهم عبد الله بن المبارك, وأحمد , وإسحاق. قال أيوب السختياني: "ترك الصلاة كفر, لا يختلف فيه". وحكى إسحاق: عليه إجماع أهل السنة. وقال محمد بن نصر المروزي: "هو

стр. 70

قول جمهور أهل الحديث". وذهب طائفة منهم إلى أن: من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمسة عمدا أنه كافر بذلك. وروى عن سعيد بن جبير ونافع والحكم وهو رواية عن أحمد وبه قال ابن حبيب من المالكية. (١) وقد وردت أحاديث تدل على أن من تركها فقد خرج من الإسلام. ففي صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة" (٢) . وخرج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: "لا تترك الصلاة متعمدا, فقد تركها متعمدا فقد خرج من الملة" (٣) . وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: "رأس الإسلام وعموده الصلاة" (٤) , فجعل الصلاة كعمود الفسطاط, الذي لا يقوم الفسطاط ولا يثبت إلا به, ولو سقط العمود لسقط الفسطاط, ولم يثبت بدونه. وقال عمر: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة" (٥) . وقال سعد (٦) وعلي بن أبي طالب: "من تركها فقد كفر" (٧) .

стр. 71

وقد استدل الإمام أحمد وإسحاق رحمهما الله تعالى على كفر تارك الصلاة بكفر إبليس بتركه السجود لآدم, وترك السجود لله أعظم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي, ويقول: يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة, وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار" (١) . وأما الزكاة: فقد فرضت الزكاة في السنة الثانية من الهجرة, وقدر ﷺ نصاب كل مزكي من أنعام بأنواعها ومعشر ونقد, كما هو مبين في الأحاديث الصحيحة. دل على فرضيتها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقد قدمنا من الآيات, وأما السنة فالحديث المتقدم, وأما الإجماع فقال القرافي: "اتفقوا على فرضيتها, فمن جحدها فهو كافر, ومن أقر بها وامتنع من فعلها وأدائها قوتل عليها" قال ابن مسعود: تارك الزكاة ليس بمسلم (٢) . وأما صوم رمضان: فهو فريضة, دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَليْكُمُ﴾ (البقرة: من الآية ١٧٨) . وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: من الآية ١٨٥) . والسنة تقدم, والإجماع انعقد على فرضيته, وكونه أحد أركان الإسلام, وفرض في السنة الثانية من الهجرة بعد ليلتين خلتا من شعبان, فمن جحده قتل, ومن اقر بذلك وامتنع عن الفعل استتيب, فإن تاب وإلا قتل. وعن ابن عباس مرفوعا: "عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة, عليهن أسس الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله , والصلاة, وصوم رمضان, من

стр. 72

ترك منهن واحدة فهو بها كافر حلال الدّم (١) . وعن عمرو بن مالك مرفوعا: "من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر, ولا يقبل منه صرف ولا عدل, وقد حل دمه وماله". وأما الحج: فهو خامس الأركان, دل على ركنيته الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِليْهِ سَبِيلاً﴾ (آل عمران من الآية:٩٧) . والسنة: الحديث المتقدم, وما رواه مسلم والترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس, إن الله قد فرض عليكم الحج, فقال رجل: أكل عام يا رسول الله, فسكت, حتى قالها ثلاثا, وقال: لو قلت نعم لوجبت, ولما استطعتم" (٢) . وأجمعت الأمة على وجوبه فمن جحده كفر, ومن امتنع من فعله فالله حسيبه. وروي عن عمر ﵁, فيمن تمكن من الحج ولم يحج, أنهم ليسوا بمسلمين, وكان يعتقد كفرهم, ولذلك أراد أن يضرب عليهم الجزية, وقال: لم يدخلوا في الإسلام بعد, فهم على كتابيتهم (٣) .

стр. 73

واعلم أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض, وروي أنه لا يقبل بعضها بدون بعض. ففي مسند الإمام أحمد عن زياد بن نعيم الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع فرضهن الله في الإسلام, فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه شيئا حتى يأتي بهن جميعا: الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت" (١) . وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا" رواه الترمذي (٢) . خاتمة: لم يذكر الجهاد في هذا الحديث, مع أن الجهاد من أفضل الأعمال, وأنجح وسيلة يتقرب بها العبد إلى الله ذي الجلال, وينال بها السعادة في الحال والمآل, والفوز ببلوغ السؤل والآمال, وأعظم ذلك الرضوان الأكبر في النعيم الذي لا يزال. فالآيات المحكمات بفضله شاهدة, والأحاديث الصحيحة في ذلك واردة. قال الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (النساء:٧٤) ﴿فَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيما درَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (النساء:٩٥-٩٦) .

стр. 74

وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (التوبة:٢-٢١) . وقال: ﴿إن الله اشترى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَليْهِ حَقّاً﴾ (التوبة١١١) . وقال تعالى: ﴿يا أيها الذينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (الصف: من الآية ١٠-١١) . وفي الصحيحين: " تكفل الله للمجاهد في سبيل الله أن يدخله الجنة, أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه بما نال من أجر وغنيمة" (١) . وفي المسند عن معاذ من حديث طويل: " ... والذي نفس محمد بيده, ما شحب وجه ولا اغبرت قدم في عمل يبتغي به درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله, ولا ثقل ميزان عبد كدابة تنفق في سبيل الله أو يحمل عليها في سبيل الله" (٢) . وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أفضل الأعمال إيمان بالله ثم جهاد في سبيل الله" (٣) . وعنه ﷺ : "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها"

стр. 75

وعنه: "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة" (١) . وفي حديث معاذ بن جبل ﵁: "إن رأس الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد" (٢) وذروة سنام كل شيء أعلاه. فبين انه أعلى شيء منه. وإنما لم يذكره في هذا الحديث: لأن المقصود منه بيان دعائمه وأركانه التي بسقوط أحدها يسقط جميع بنيانه, والجهاد ليس من الدعائم؛ لأن أكثر أهل العلم على أنه ليس فرض عين, بل هو فرض كفاية بخلاف هذه الأركان. وأيضا الجهاد كما قال العلماء؛ لا يستمر فعله إلى آخر الدهر, بل إذا نزل عيسى بن مريم ﵇ لم يبق حينئذ ملة غير ملة الإسلام, فحينئذ تضع الحرب أوزارها, ويحمد الله تعالى سائر الملل الضالة نارها, ويمحو من ظاهر الغبراء آثارها, ويمحق أعوانها وأنصارها, فلا يبقى إلا ملة الإسلام, وشريعته ﵊, والعمل على ما قررته من الأحكام, فلا حاجة إلى الجهاد لزوال الكفر والإلحاد, بخلاف أركان الإسلام, فإنها لا تزال ممهدة المسالك, والكل لها سالك, حتى يأتيهم أمر الله على ذلك (٣) .
следующие страницы →