بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المحقق
إن الحمد لله, نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهدي الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَليْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ [الأحزاب:٧٠،٧١] أما بعد:
فإنّ أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشرَّ الأمور محدثاتها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكل بدعةٍ ضلالة, وكل ضلالةٍ في النار, وبعد:
فهذه رسالة للشيخ العلامة حسين بن أبي بكر بن غنام الأحسائي التميمي, المسماة (العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين) وهي لم تطبع من قبل _حسب علمي_ (١) فأحببت أن أخرجها؛ ليعمَّ النفع بها
стр. 2
والانتفاع, وأن تعيها من الناس أذن واعية, وأن تكون في وجه أهل الضلال وسوماً, ولشياطين المشركين رجوماً, ولهداة المسلمين نجوماً.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه
محمد بن عبد الله الهبدان
ص. ب: ٦٨٢٩٨ الرمز:١١٥٢٧
هاتف وفاكس: ٢٣٢١٤١
стр. 3
نبذة عن المؤلف (١)
اسمه ونسبه:
هو الشيخ العلامة حسين بن أبي بكر بن غنام الأحسائي المالكي مذهباً التميمي نسباً.
مولده:
لم تذكر المصادر التي بين أيدينا سنة ولادته, ولكنَّه ولد في بلدة المبرز بالأحساء.
حياته:
نشأ الشيخ حسين بن غنام بالأحساء نشأة حسنة, وقرأ القرآن وحفظه, وشرع في طلب العلم بهمة ونشاط, فقرأ على علماء الأحساء, ثم نزح إلى البحرين, فقرأ على أعيان علمائها, ثم رجع إلى الأحساء, فلاقى مشائخه, ثم نزح _رحمه الله_ من الأحساء إلى مدينة الدِّرعيَّة, فقدمها على الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود, والشيخ محمد بن عبد الوهاب فأكرماه, وأنزلاه المنزلة الرفيعة, فاستقرَّ في الدرعية, وجلس فيها لطلبة العلم يقرؤون عليه علم النحو والعروض ويدرِّسهم الفرائض, أما الفقه فكان مالكي المذهب وأهالي نجد حنابلة, ودرَّس الطلبة التوحيد, وكان حسن التعليم, مستقيم الديانة, راجح العقل, شاعراً منطقياً ومؤرخاً بارعاً, مجالسته ممتعة ومحادثاته شيقة.
стр. 4
تلاميذه:
تتلمذ على يد الشيخ جملة من العلماء منهم:
الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
الشيخ عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن معمر.
الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
مؤلفاته:
ألف الشيخ حسين بن غنام _رحمه الله_ مؤلفين:
١_ روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام, وهو تاريخ مسجوع سجعاً مملاً ممقوتاً, لا يكاد قارئه يخلص من سجعه إلى المعنى المطلوب إلى المعنى المطلوب إلا بعد لأيٍ وجهد, وقد طبع ثلاث طبعات, آخرها عام ١٣٨١ هـ, وقد حققه الدكتور ناصر الدين الأسد, وقد جُرِّد في هذه الطبعة الأخيرة من الأسجاع الممقوتة, لكن مع الأسف تصرَّف فيه تصرفاً مُخلاًّ حيث حذف منه جميع ما حواه من القصائد, وهي سبع قصائد, اثنتان لمحمد بن إسماعيل اليمني المشهور بالصنعاني.. وخمس قصائد للمؤلف حسين بن غنام.. وكلُّ هذه القصائد التي نوَّهنا حذفت من طبعة المدني بلا إشارة إلى حذفها ... (١)
٢_ العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين, وهو هذا الكتاب الذي نحققه اليوم.
стр. 5
الشعر:
للشيخ حسين بن غنّام القدم المعلى في الشعر, وله العديد من القصائد فمن تلك القصائد: القصيدة الهائية, ومطلعها:
نفوس الورى إلا القليل ركونها ... إلى الغي لا يلفي لدين حنين
وتبلغ أبياتها ستة وثلاثين بيتاً, وهي موجودة في تاريخه (٢/٧١-٧٢) طبعة أبا بطين, ومنها القصيدة السينية قالها في مناسبة جلاء دهام بن دواس عن الرياض, ومطلعها:
كشف الحق ظلمة الأغلاس ... ومحا الدين جملة الأرجاس
ومنها العينية في رثاء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ومطلعها:
إلى الله في كشف الشدائد نفزع ... وليس إلى غير المهيمن مفزع
وفاته:
توفي الشيخ حسين بن غنام بمدينة الدِّرعيَّة في شهر ذي الحجة سنة ١٢٢٥ هـ ﵀, وغفر له, وأسكنه فسيح جناته.
стр. 6
توثيق نسبة الرسالة للمؤلف
هناك عدة أمور تؤكد لنا صحة نسبة الكتاب إلى المؤلف منها:
١- أن جماعة من العلماء الذين ترجموا له نسبوا هذا الكتاب له منهم:
· عثمان بن بشر في تاريخه (عنوان نجد) (١/١٥١) .
· عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ كما في (مشاهير علماء نجد) ص١٤٩.
· محمد بن عثمان القاضي في تاريخه (روضة الناظرين) (١/٨٥) .
· خير الدين الزركلي في (الأعلام) (٢/٢٥١) .
٢- ما جاء في أول النسخ الخطية للكتاب, فقد نسب الكتاب للشيخ حسين بن غنام _رحمه الله_
٣- أن من قارن بين أسلوب المؤلف _رحمه الله_ في كتابه هذا وكتابه في التاريخ وجد أنَّ النفس واحد.
٤- يوجد في ثنايا الكتاب إحالات في تاريخه كما في ص ٢٢.
فهذه الأمور مجتمعة تجعل القلب يطمئن إلى نسبة الكتاب للشيخ حسين بن غنام _رحمه الله_ والله الموفق للصواب.
стр. 7
اسم الرسالة
جاء اسم الكتاب في الكتب المترجمة للمؤلف بـ (العقد الثمين في شرح أصول الدين) وجاء على النسخ الخطية تسميته بـ (العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين) ولعل هذا هو الأقرب؛ لأن الغالب أن من يترجم للمؤلفين لا يعتني بضبط الاسم كثيراً فيذكره أحياناً بالمعنى, أو يذكر بعضه, أضف إلى ذلك أن المؤلف _رحمه الله_ سماه في ثنايا رسالته بهذا الاسم مما يرجح هذا الاختيار _والله أعلم_.
стр. 8
وصف النسخ الخطية ونماذج مصورة منها .
...
وصف النسخة الخطية ونماذج مصورة منها
اعتمدت في إخراج هذه الرسالة على نسخة خطية جيِّدة كتبت في عصر المؤلف, وهي محفوظة في المكتبة المركزية بجامعة الملك سعود بالرياض (١) تحت رقم (٣٨٩/٨٦) , وتقع رسالتنا في (٢٠٤) ورقات. وناسخها هو محمد بن علي بن النجار. وتاريخ نسخها: سنة ١٢١٦هـ.
سبب تأليف الرسالة
بين المصنف _رحمه الله_ سبب تأليفه لهذه الرسالة فقال: "فعنَّ لعبد العزيز _حفظه الله_ أن تُجمع الأحاديث التي هي أصول الإسلام
стр. 9
والإيمان, ويضم ما يناسبها من آيات القرآن, وجاءت الإشارة إليَّ بشرحها, والكلام على ما تحتاج إليه من البيان مع الإيجاز الذي لا يخلُّ بالتبيان؛ لتسهيل الدين الذي لا يُقبل سواه من كلِّ إنسان, ولعلَّ الناس في دينهم يتفقَّهون ﴿فَلوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِليْهِمْ لعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: من الآية ١٢٢) فبادرت أمره بالامتثال والقبول, وجعلت الكلام عليها في رسالة حاوية لسبعة فصول, عدد كلمات لا إله إلا الله محمد رسول الله, لأن (لا) كلمة و (إله) كلمة و (إلا) كلمة و (الله) كلمة و (محمد) كلمة و (رسول) كلمة و (الله) كلمة, وأعضاء المكلفين سبعة, وأبواب جهنم سبعة, وأرجو أن يكون لي بكل فصلٍ منها حجاب عنها يوم الكفار وأهل البدع إلى أبوابها يدعون, ويكبكبون فيها هم والغاوون ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء:١٠١) , وسميتها (العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين) .
والمؤلف في رسالته هذه اعتمد في الغالب على الكتب التالية:
- جامع العلوم والحكم لابن رجب _رحمه الله_ وهو أكثرها.
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير _رحمه الله_.
- أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي.
- كشف الشبهات للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب.
- الملل والنحل للشهرستاني.
أضف إلى هذا ما كتبه هو بأسلوبه المميز _والله أعلم_.
стр. 10
مدخل .
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَل الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.
تفرد _سبحانه_ بالوحدانية, وأبدى للعالمين آثارها, وتوحّد بالصمدانية, وأشرقت في السموات والأرض أنوارها, وأقرّ بألوهيته من سكن علوها وسفلها, وقفارها وبحارها ﴿لوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:٢٢) الأحد الذي انفرد بالذات والصفات والأسماء, المتفرد بالقدرة القاهرة, والعظمة الباهرة, والجلال الأسمى, الذي أحسن كل شيء خلقه وأحاط به علما ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام:٣) شهدت مصنوعاته بوحدته في الخلق والأمر وانفراده, وجرت أحكامه فيها على وفق مراده, ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (النحل:٢) المتنزه عن مشابهة المحدثات صفاته, المتعالية عما لا يليق لعظيم سلطانه ذاته, وقامت بالحجة على ذلك آياته ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (يونس:٦) القيوم الذي بحكمته وتدبيره حسن نظام الوجود, والقائم بما يحتاج إليه كلّ موجود. فالهالك من اتّخذ من خلقه (معبودا) (١) ﴿أَمْ لهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ (الأنبياء:٤٣) فسبحانه من إله؛ ملك الوجود بأسره, وتضاءل من فيه تحت جبروته وقهره, وانقاد خضعاناً لهيبته وأمره, ﴿وَلهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لهُ قَانِتُونَ﴾ (الروم:٢٦) .
стр. 11
أحمده وهو المحمود في جميع فعاله, على ما أولى من جوده ونواله, وأشكره على إحسانه وإفضاله, فتعساً لقوم يعرفون نعمة الله ثم ينكرون ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلهُ الْحُكْمُ وَإِليْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص:٧٠) .
وأشهد أن لا إله إلا الله, ولا معبود بحقٍّ سواه, فقد ضلَّ من عدل به المخلوق وساوى ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الشعراء:٩٨-٩٩) وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ونبيه, الذي خصَّه بالرسالة واصطفاه, شهادة أرجو بها الفوز والنجاة, يوم يعرف المجرم بسيماه, وينادي المنادي ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (الصافات:٢٢) وأصلي وأسلم على محمد الذي بعث للعالمين رحمة, يتلوا عليهم آياته, ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة, ويجدد الحنيفية, ويزيل عنها كل وصمة (١) وعلى آله وصحبه خير القرون, المنزَّل في حقَّهم ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية ١١٠) وتحقَّقوا بمصداق ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (التوبة: من الآية ١١١) صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم يبعثون.
أما بعد:
فإن الله ﷻ إنما خلق السماوات والأرض, وذرأ من فيهن بالطول والعرض, للقيام بوظائف العبودية؛ امتثالاً لأمره اللازم الفرض
стр. 12
﴿وَمَا خَلقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:٥٦) فمن فضله لم يتركهم سدى, لا يفرقون بين الضلالة والهدى, ولا يعلمون الرشد من الردى, ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَليْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (القصص:٥٩) فأرسل إليهم رسله الكرام قطعاً للحجة, فرفعوا قواعد المحجة, ومهدوا سبيل التوحيد ونهجه, فاختار الأكثر طريق الشرك وفجَّه ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف:١٠٦) .
وخصَّ نوحاً ﵇ بأوَّل الرسالة, فدعا قومه إلى إخلاص العبادة لمن لا تصلح إلا له, فسبُّوه ونسبوه إلى الضلالة, وقابلوه بأقبح المقالة ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء:١١١) ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (النحل: من الآية ١١٣) ثم ختم النبوة والرسالة بصفوة النبيين والمرسلين, وخيرته من الخلق أجمعين ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلكِنْ رَسُول اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (الأحزاب:٤٠) ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَل رَسُولهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الصف:٩) فقام بأعباء الرسالة عبده ورسوله محمد المصطفى, فأتى قومه ﷺ وهم من حفرة النار على شفا, فدعاهم إلى ما ينالون به في الدارين عزّاً وشرفاً, ملَّة أبيهم إبراهيم إمام الحنفاء ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة:١٣٢) بعثه الله تعالى إلى كافة الخلق بشيراً ونذيراً, وداعياً إلى التوحيد بإذنه وسراجاً منيراً, فقال
لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الزمر: من الآية ٣) .
فلم يبرح ﷺ يدعوهم إلى الكلمة الجامعة, ويهديهم للتي هي أقوم, وهي الملة الحنيفية الساطعة, ويجاهدهم بالآيات والبراهين القاطعة, وأكثرهم بها يكذبون ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: من الآية ٧١) وهدى الله تعالى عباده المؤمنين إلى الصراط المستقيم, فآمنوا به وعزروه, ونصروا دينه القويم, فنالوا بذلك الفوز العظيم ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (التوبة:٢١) ﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التوبة:٨٨) .
فجد ﷺ في الإعلان بالدعوة, واستمرّ, وجاهد هو وصحبه من أعرض عن التوحيد ونفر, لا يبالون بما ينالون من الأذى والمحنة والضرر, ممَّن أبى عن الحقِّ وتولى وكفر ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل وَلا تَسْتَعْجِلْ لهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ (الأحقاف: من الآية ٣٥) ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (الصافات:١٧٤-١٧٥) فلم يزل هو وأتباعه يلقون من قومهم ما يلقون, ويفتنون في ذات الله ويؤذون, فيصبرون على ذلك ويرضون ﴿أَلم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت:٢) إلى أن أذن الله تعالى أن يعلي كلمته, وينصر دينه, ويمد في سائر الأقطار تمكينه, ويعمم ظهوره وتبيينه, فأمر نبيه ﷺ بالمهاجرة إلى المدينة فهاجر ﷺ إليها, وتتابع على ذلك المهاجرون ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال:٣٣) .
فشرع الله تعالى لنبيه الجهاد, وفرض عليه قتال أهل الشرك
стр. 15
والضلال والإلحاد, ووعده النصر والتمكين, والله لا يخلف الميعاد ﴿إِنَّهُمْ لهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات:١٧٢-١٧٣) .
فنهد ﷺ وأصحابه الحماة الكماة (١) الأبطال, مسارعين لأداء الأمر في الامتثال, مشرعين أسنَّة زرقا كأنياب أغوال (٢) , راجين جزيل الثواب في القتال ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلمُونَ كَمَا تَأْلمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (النساء:١٠٤) فأصبحت لوامع مرهفاتهم لغياهب الكفر جالية, لما بذلوا في سبيله النفوس الغالية, فمنحهم مولاهم الدرجات العالية ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران:١٦٩) فرفع الله قواعد المة السمحاء, وهدَّ دعائم العوجاء, وأبدلها صبحاً, وتوالت الفتوح على أهل الإسلام فتحاً, وحقَّق الله تعالى لهم من مأمولهم نجحاً ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ليَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَليُمَكِّنَنَّ لهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لهُمْ وَليُبَدِّلنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:٥٥) .
فلما أكمل الله تعالى لأمته الدين, وأتمَّ نعمته على المسلمين, أتاه من ربه اليقين ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (الأنبياء:٣٤) فلم تزل أعلام الإسلام في خلافة خلفائه مرفوعة مشهورة, وألوية التوحيد في الأمصار منصوبة منشورة, وعساكرهم على عداتههم منصورة, وعداتهم بالذلِّ مقهورة, وجنود الردى
стр. 16
مهزومة مكسورة, وهم في سبيل الله لأعدائه يجاهدون, إلى أن مضى كل منهم إلى السبيل, وانقضى ذلك الجيل, فوقع التغيير في الدين والتبديل, بظهور القوم الذين أخبر الصادق أنهم من الذين يمرقون, وعمَّت الفتن, وكثرت أنصارها, وطمت المحن, وربت أصهارها, وتمت على ذلك الأعصار أعصارها ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَليْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (فاطر:٨) وعمرت البدع, وشيدت ربوعها, وأسست أصولها, فامتدت فروعها, وحلَّت بكل ناحية من الأمصار جموعها ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام:١٥٩) فما برحت شبه البدع في القلوب دابَّة, ونار الأهواء مضرمة شابَّة, وعواصف الضلال على من أراد الله تعالى خذلانه هابَّة ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ ليَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف:٣٦-٣٧) حتى مضى سادس القرون, فتفاقم الأمر والحال, وتعاظم التعصب للباطل والمحال, وتراكم سحاب المراء والجدال, ولكن طائفة الحق منصورة لا تزال, فليسوا على الضلالة يجتمعون ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: من الآية ١٠٨) فما زالت في ازدياد تلك الدعوى, وفي اتقاد تلك البدع والأهواء (١) , إلى منتصف القرن الثاني عشر الذي جلت فيه البلوى, وحلت البدع فيه والشرك عرى التوحيد والتقوى, والأكثر فيه متمسك من ملة آبائه بالسبب الأقوى ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
стр. 17
مُهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: من الآية ٣٠) فشرح الله صدر من وفّقه للإسلام وهداه, وأبان له سنن رشده وهداه, وأوضح له سبيل الهدى, فقام ممتثلاً لأمر مولاه؛ شكرا لما منحه من العلم وأولاه, منكرا على من كانوا بربهم يشركون, ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ (البقرة:١٥٩) .
وهو شيخ المسلمين, وقدوة الموحدين, وغرَّة العلماء العاملين (الشيخ محمد بن عبد الوهاب) , الذي أزال الله تعالى به ظلام الشرك والشكِّ والارتياب, وأزاح به من ركام الباطل كل سحاب, وكشف عن الدين الحقِّ كثيف الحجاب, بعدما انقطعت دونه الأسباب, وسد عن التوصل إليه كل باب, وواراه الافتراق والشِّقاق في التراب, ونودي على التوحيد بالغربة والاغتراب, جعله الله تعالى من عباده الذين يوم القيامة ينادون ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَليْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ (الزخرف:٦٨-٧٠) . ذلك أنه لما أشرقت له من الهداية أنوارها, ولمعت له من الآيات المحكمات أسرارها, وتجلى له من العناية صبحها وأسفارها, ورأى أكثر الناس وما يعتقدون, وما يتخذون من الأرباب دونه ويبغون, ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَليْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام:١٦٤) .
شمَّر عن ساعد الجد إذ لم يجد بدّاً, وأعلن بتكفير من جعل من دون ربه نداًّ, وقام بإخلاص الدعوة وقال: ﴿لقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ (مريم:٨٩) ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ (مريم:٩٣) والذين تدعون من دون الله لا يستجيبون, ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا
стр. 18
يَسْتَجِيبُ لهُ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (الأحقاف:٥) ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الأنعام:٤٠) .
فلم يزل رحمه الله تعالى يدعو إلى منهاج الهدى, ويجادل بالتي هي أحسن أهل الردى ويتلو عليهم ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ (الجن:١٨) ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (الجاثية: من الآية ٦) (فأبى) (١) قومه عن ذلك وصدوا, وعارضوه بالباطل وردوا, واجتهدوا في عداوته والبطش به وجدوا, وقالوا ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: من الآية ٢٢) فحاق بهم ما كانوا به يمكرون ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ (الزخرف:٧٩) بل أخرجوه من الديار, وحكموا بأنه من الخوارج والكفار, ولم يكن لهم بالذكر الحكيم اعتبار ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (يّس:٩) فخسر الخسران المبين من أعرض عن التوحيد والدين, وباء باعذاب المهين ﴿وَمَنْ أَظْلمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (السجدة:٢٢) فأووه وعزَّروه وكانوا له أنصاراً, من سبقت لهم السعادة والشرف والفخار, وكتب لهم التمكين والظهور على الأعداء والانتصار, والاستخلاف والاستيلاء على ممالك الملوك الذين يحاربون ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَليْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلبُونَ﴾ (لأنفال: من الآية ٣٦) .
وذلك أنه لما أخرج من البلاد ليقضي الله أمره الذي لا دافع له ولا راد, وينيل من ساعده الإسعاد, ويبدلهم السعة والنعمة بعد الضيق
стр. 19
والضنك والإنكاد, آواه (محمد (١) والد الإمام عبد العزيز) (٢) وإخوته وقرابته الأنجاد, وبذلوا في نصرته طريف المال والتلاد, وجردوا مرهفات المواضي للجلاد, ولم يبالوا بما سار إليهم من العساكر والأجناد, والملوك عليهم يحزبون ﴿لنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ (آل عمران:١١١) وقاموا معه على الناس في إخلاص الدعوة لله التي هي سبيل الهداية والنجاة من المهالك في الغواية, صابرين على ما ينالهم من الأذية, مستشعرين مضمون هذه الآية ﴿وَمَا لنَا أَلاَّ نَتَوَكَّل عَلى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلنَا وَلنَصْبِرَنَّ عَلى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (إبراهيم:١٢) .
فما زالوا معه داعين وهم في علو ونصر وتمكين على جميع المعتدين وجبابرة الملوك المحزبين, حتى أتاه ﵀ اليقين, وقد جاوز بضعا وثمانين من السنين ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزمر:٣٠-٣١) فلم يبرحوا بعد في ازدياد, واتساع ملك وامتداد, واستيلاء على كثير من البلاد, وعداتهم من بأسهم يهربون ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود:١١٧) .
هذا ولما كان الإمام عبد العزيز بن سعود (٣) , وابنه سعود (٤) آمين
стр. 20
الجيوش والجنود, والإمام يعده بالبيعة المحكمة العقود, بلّغهم الله تعالى كل مأمول ومقصود, وكبت كل عدو لهم وحسود, على نشر العلم وتعليم الناس والدخول في الدين يحرصون ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:١٠٤) .
فعنَّ لعبد العزيز _حفظه الله_ أن تُجمع الأحاديث التي هي أصول الإسلام والإيمان, ويضم ما يناسبها من آيات القرآن, وجاءت الإشارة إليَّ بشرحها, والكلام على ما تحتاج إليه من البيان مع الإيجاز الذي لا يخلُّ بالتبيان؛ لتسهيل الدين الذي لا يُقبل سواه من كلِّ إنسان, ولعلَّ الناس في دينهم يتفقَّهون ﴿فَلوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِليْهِمْ لعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: من الآية ١٢٢) فبادرت أمره بالامتثال والقبول, وجعلت الكلام عليها في رسالة حاوية لسبعة فصول, عدد كلمات لا إله إلا الله محمد رسول الله, لأن (لا) كلمة و (إله) كلمة و (إلا) كلمة و (الله) كلمة و (محمد) كلمة و (رسول) كلمة و (الله) كلمة, وأعضاء المكلفين سبعة, وأبواب جهنم سبعة, وأرجو أن يكون لي بكل فصلٍ منمها حجاب عنها يوم الكفار وأهل البدع إلى أبوابها يدعون, ويكبكبون فيها هم والغاوون ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء:١٠١) , وسميتها (العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين) . وأرجو بها القربة إلى الله, والوصول والفوز في الدارين بالمأمول, وأن تتلقى بالإقبال والقبول, فالعلم النافع أفضل ما يتقرب به المتقربون ﴿مَنْ عَمِل صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٩٧)
стр. 21
والمأمول ممن تصفح هذه الأوراق, وسرَّح في روضها الأحداق, وكان له بآداب العلم اعتلاق, ومن صافي شراب العلماء كأس دهاق, وجنى من يانع أثمارها, واقتطف من شميم أزهارها, واقتبس من لامع أنوارها, أن يستر ما رأى من عوارها, فذلك من مكارم الأخلاق, وأهلها للمساوي يسترون ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى:٣٧) , مع أنها وإن كانت في ذاتها جميلة, فقد برزت شعثاء من غير تحسين ولا تجميل, وصدرت وركاب حملتها مناخة للسفر بها والرحيل, ورسل الإمام تحثُّني في البكرة والأصيل, وتحضني على الإنجاز والتعجيل, وعدم الإطناب في الكلام والتطويل, والذهن بعد تغيُّر الحال وتكدر البال كليل, ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: من الآية ٣٢) ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الشورى:٣٦) .
وما ذكر من حال الشيخ ومبدأ عمره وأخباره, وسيرة الإمام وأولاده وأصهاره, وكافة عصابته وأنصاره, سوى شذرة, تكون للمسترشد عبرة؛ لأن هذه ليست مصنفة لذلك, ولا تدخل من التاريخ والمغازي في مسالك, فمن أراد تفصيل ما جرى, وما نالوا من الممالك, فعليه بمطالعة التاريخ المسمى (بروضة الأفكار والأفهام) ؛ فإنه في الحقيقة حديقة الحقائق, ورقائق الحدايق والعيون.
آمَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:٦٧-٦٨) .
وقال ﷻ : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لمِنَ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِليْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل:١٢٠-١٢٣) .
وعن الزبير ابن العوام ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو بعرفة يقرأ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) (آل عمران:١٨) فقال: "وأنا على ذلك من الشاهدين يا ربِّ". رواه الإمام أحمد عن أبي يحيى مولى الزبير بن العوام (٢) .
ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر قال: حدثنا علي بن حسين, حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني, قال: حدثنا عمر بن حفص بن ثابت, حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده عن الزبير قال: سمعت رسول الله ﷺ حين قرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ﴾ قال: "وأنا أشهد أي رب" ٣.
стр. 24
وروى الطبراني في معجمه بسنده إلى غالب القطان أنه سمع الأعمش يتهجد من الليل فمر بهذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ فقال: وأنا أشهد الله بما شهد الله به, وأستودع الله هذه الشهادة, وهي لي عند الله وديعة ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ قالها مرارا, وذكر أنه سأله هل سمع فيها شيئاً فقال: أو ما بلغك ما فيها, قال رسول الله ﷺ : "يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله : عبدي عهد إلي, وأنا أحقُّ من وفَّى بالعهد, أدخلوا عبدي الجنة" (١) وفي قوله ﷺ في حديث سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإسلام, والإيمان, والإحسان, المروي عن جماعة من الصحابة, وخرَّجاه في الصحيحين, وفي آخره: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم" (٢) ويعلم مطابقة ودلالة لما ذكرنا أقول: هذه الآيات المحكمات بكفر الكتابيين والمشركين من الأميين حاكمة, وبراهينها القاطعة لظهورهم قاصمة, وكفى بأصدق الشاهدين والقائلين شهيداً وبما تضمنته للعادلين عنها وعيداً, شهد سبحانه أنه المنفرد بالألوهية بجميع الخليقة, وأن الموجودات علوها وسفلها جميعهم عبيده وخلقه والفقراء إليه في الحقيقة, وأنه الغني عمن سواه, وله الغناء المطلق العام, والفضل السابغ التام, كما قال تعالى: ﴿لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَل إِليْكَ أَنْزَلهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ (النساء:١٦٦) ثم قرن تعالى شهادة
стр. 25
ملائكته والعاملين بالعلم من حملته, بشهادة ذاته العلية, وفيها للعلماء منقبة جلية, وبيَّن وحدانيته بنصب الدلائل الدالة عليها, وكرَّر ذلك بقوله: ﴿لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ﴾ للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة أدلَّة التوحيد والحكم به بعد إقامة الحجّة, العزيز الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياءً, الحكيم في أفعاله, وأقواله, وشرعه, وقدره (١) .
وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ اتَّفقت كلمة أهل الحقِّ من السلف والخلف ومن بعدهم على ما تضمنه هذا الإخبار من الله أن الدين عنده الإسلام, ولا يقبل من أحد سواه, وهو اتِّباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين من أولهم حتى ختمهم بأفضل النبيين محمد سيِّد المرسلين, فسدَّ الله تعالى جميع الطرق إليه, إلاَّ من جهة نبينا (فمن لقي الله تعالى بعد إرسال محمد وبعثته, بدين غير دينه وشرعته, فهو من الضالين الهالكين. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلام دِيناً فَلنْ يُقْبَل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:٨٥) .
ثم أخبر ﷻ أن الذين آتوا الكتاب إنما اختلفوا بعد ما قامت الحجّة عليهم, بإنزال الكتب وإرسال الرسل إليهم, بغى بعضهم على بعض, وحملهم على ذلك الحسد والبغض, فاختلفوا في الحق للتدابر والتحاسد, وآل بهم الحال إلى مخالفته في الأقوال والأفعال والتجاحد, ومن جحد بما أنزله الله في الكتاب, فإن الله يجازيه على ذلك يوم الحساب, ويعذبه أشد العذاب. (٢)
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي جادلوك في التوحيد ﴿فَقُلْ
стр. 26
أَسْلمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: فقل: أخلصت لله العبادة بأنواعها, وتبرَّأت من ملَّة الشرك واتِّباعها, وكفرت بما يعبد من أتباعها. وقد ختم هذه الآية بقوله: ﴿فَإِنْ أَسْلمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَليْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران: من الآية ٢٠) يعني أن الله يهدي من يشاء برحمته وفضله, ويضلُّ من يشاء بإرادته وعدله, له في ذلك الحكمة البالغة القاهرة. وقوله ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ (آل عمران:٨٣) أنكر على من أراد ديناً سوى دينه بعد إقامة حججه ودلائله وبراهينه, وشهادة الكتب المنزلة, وتصريح الرسل المرسلة, بل جميع من في السماوات والأرض استسلم له طوعاً, وهو المؤمن بالقلب والقالب, والكافر بالتسخير والقهر والسلطان الذي لا يغالب.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلنْ يُقْبَل مِنْهُ﴾ (آل عمران:٨٥) أي من سلك طريقاً غير ما شرعه الله على لسان نبيه المختار فلن يقبل منه ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ﴾ من أهل النار الذي باؤوا بالخسار, ونودي عليهم بالبوار. والحديث الصحيح شاهد على ذلك: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" (١) .
وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ (البقرة: من الآية ١٣٠) الآية تضمنت هذه الآية وما بعدها الردَّ على الكفار فيما أحدثوه من الابتداع, وأتوه من المخالفة لملة إبراهيم وعدم الاتباع, مع أنه إمام الحنفاء, وكفى به في القدوة شرفاً, وهو الذي أخلص العبادة لمولاه ولم يتَّخذ ولياً سواه, فجرد لربه التوحيد, ولم يدع أحداً من العبيد, ولم يشرك بربه طرفة
стр. 27
عين, بل لم يخالط قلبه من شبه الإشراك رين, فتبرَّأ من الآلهة الباطلة التي قومه لها عابدون, فقال: ﴿قَال يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: من الآية ٧٨) فلهذا قال تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي التي هي الصراط المستقيم, والدين الواضح القويم, وبترك طريقته السوية المنهاج, ويعدل بها ذات الاعوجاج, ﴿إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي ظلمها بسفهه وتقصيره, وسوء نظره وتدبيره, بتركه الحق وميله للضلال ومصيره, حيث خالف نهج من اصطفاه رب العباد في الدنيا للهداية والرشاد, من حداثة سنه إلى بلوغ المراد, وفي الآخرة من الصالحين الفائزين بالرضوان والإسعاد, فيا له من سفه ما أعظمه! وجور ما أكبره وأفخمه.
وقوله: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: من الآية ١٣٢) وصية منه بإخلاص الدين لله, وإحسان العمل له في حال الحياة, وملازمة ذلك؛ ليرزقكم الله بفضله عليه الوفاء. فإن المرء غالبا يموت على ما عليه في الدنيا يكون, ثم يأتي على تلك الحال يوم يبعثون, والله الكريم من فضله العميم تفضَّل بأن من قصد الخير يسر إليه, ومن نوى صالحاً ثبت عليه, وأكف عنان القلم عن تفسير باقي آيات القرآن, حتى يقف صافناً (١) عن اتساعه في هذا الميدان, ونكتفي بما حرَّرناه وقدَّرناه من البيان في هذه الآيات الرفيعة الشأن؛ لأنَّ جميع معناها الصحيح الواضح, ومقتضاها الصريح الصادع الصادح, يؤول إلى أنَّ الدين المطلوب المراد, المقصود من جميع العباد, الذي هو السرُّ والحكمة في الإيجاد, دين الإسلام العظيم, الذي هو الصراط المستقيم, الذي دعا الله عباده كافة بالاستقامة عليه, وحثَّهم على الدخول فيه والمبادرة إليه. إذ لا عمل يقبل
стр. 28
بغيره لديه, ونهاهم عن تجاوز ما له الحدود, وحكم على من ألحد فيه النار بالخلود.
ونختم هذا الفصل بالحديثين الصحيحين تكميلاً للدلالة والإفادة, وتأميلا أن يحصِّل بهما المسترشد مراده.
أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي (١) من حديث [النواس بن سمعان] (٢) عن النبي ﷺ قال: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيماً, وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة, وعلى الأبواب ستور مرخاة, وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يأيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً, ولا تعرجوا, وداعٍ يدعو من جوف الصراط, فإذا أراد أحد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه؛ فإنك إن فتحته تلجه. والصراط الإسلام. والسوران حدود الله , والأبواب المفتحة محارم الله, وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله, والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم". زاد الترمذي ﵀ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (يونس:٢٥) .
وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تجيء الأعمال يوم القيامة, فتجيء الصلاة فتقول: يا رب أنا الصلاة, فيقول: إنك على خير, وتجيء الصدقة فتقول: يا رب أنا
стр. 29
الصدقة, فيقول: إنك على خير, ثم يجيء الصيام فيقول: أي يا رب أنا الصيام, فيقول: إنك على خير, ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب أنت السلام وأنا الإسلام, فيقول الله: إنك على خير اليوم بك آخذ وبك أعطى".
قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلنْ يُقْبَل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:٨٥)
стр. 30
الفصل الثاني: في تفسير النبي ﷺ الإسلام والإيمان والإحسان وتسمية كل منهما دينا
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَليْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ (الأنفال: ٢-٣)
وقال تعالى: ﴿أَلمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَل مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَليْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الحديد: من الآية ١٦)
وقوله تعالى: ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (ابراهيم: من الآية ١٢) وقوله: ﴿وَعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة:٢٣) وقوله: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: من الآية ١٧٥) وقال تعالى: ﴿ليْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (المائدة:٩٣) قرن تعالى الإحسان في هذه الآية بالإيمان. وكقوله تعالى: ﴿بَلى مَنْ أَسْلمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (البقرة: من الآية ١١٢) قرنه بالإسلام. وقوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (لقمان: من الآية ٢٢) وقرنه تعالى بالتقوى فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل:١٢٨) وذكره الله تعالى مفردا فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس: من الآية ٢٦) .
عن عمر ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر, لا يرى عليه أثر السفر, ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ , فأسند
стр. 31
ركبتيه إلى ركبتيه, ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر, وتؤمن بالقدر خيره وشره, قال: صدقت, قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك, قال: فأخبرني عن الساعة, قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل, قال: فأخبرني عن أماراتها, قال: أن تلد الأمة ربّتها, وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان. ثم انطلق, فلبث مليا ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم, قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" رواه مسلم (١) .
الكلام على هذه الآيات الساطعة الأنوار, وكشف ما احتوت عليه من الأسرار وتنضيد مكنون معانيها, وتشييد مضمون مبانيها, لا يناسب مقتضى الحال؛ لأن حل ما في ضمنها من المعاني تقتضيه ساعات الإهمال, والزمن المعين لإيجاد هذه الرسالة لا تسع أيامه تفصيل المعاني والإطالة, مع أن أكثر معاني الآيات المذكورة يتضمنه الحديث, وستوجد إن شاء الله تعالى فيه مشروحة مسطورة.
فنقول: هذا الحديث مما انفرد به مسلم في صحيحه عن عمر ﵁, وخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (٢) وفيه تقديم السؤال عن الإيمان على السؤال عن الإسلام وزيادة (أن تعبد الله ولا تشرك به
стр. 32
شيئا) . في الجواب عن الإسلام, وقد رواه جمع من الصحابة (١) , وهو حديث عظيم جدا, لا يبلغ الفهم لإدراك معانيه مفصلة حدا, ولكن لا نجد عن الكلام على شذرة منها بدا, وإلا فالأفهام على ما عليه انطوى, وما أحاط به احتوى, تقف دون ساحل تياره, فضلا عن الغوص على جواهر أسراره, ولم لا ترجع نواظر الإدراك من دون إدراكها حسّرا, وتحجم عن زاخر أمواجها فلا تستطيع تعبيرا لها ولا عبرا, وترى التقصير والإحجام بها أحرا.
والسائل ﵇ في هذا المقام روح الله الأمين, والمجيب أفصح الخلق أجمعين, وأفضل الأولين والآخرين.
وأيضا فقد اشتمل على شرح الدين كله, فأنى يرام في هذه الأرقام استقصاء الكلام في إيضاحه وحله.
فنقول والله المستعان, وعليه الاعتماد والتكلان:
قوله: "إذ طلع علينا" أي: بدا وظهر.
وقوله: "شديد بياض الثياب" يستفاد من مجيئه ﵇ على تلك الحالة البهية, استحباب التجمل لطلب العلم وللقدوم على ذوي الرتب السنية, إذ لم يقصد بذلك الفخر والمباهاة, وإنما القصد التحدث وإظهار نعمة الله. قال أبو العالية: كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا.
وقال ابن عبد السلام: لا بأس بلباس شعار العلماء؛ ليعرفوا بذلك فيسألوا, فإني كنت محرما, فأنكرت على جماعة محرمين لا يعرفونني ما أخلُّوا به من أدب الطواف, فلم يقبلوا, فلما لبست ثياب الفقهاء
стр. 33
وأنكرت عليهم ذلك سمعوا وأطاعوا, فإذا لبسها لمثل ذلك كان فيه أجر؛ لأنه سبب لامتثال لأمر الله تعالى.
وقد نصّ العلماء على كراهة لبس الثياب الخشنة لغير غرض شرعي.
قلت: من البدع ما أحدثه من لم يتمسك من العلم بسبب, وما له سوى الدنيا طلب, من لباس المرقعات والجبب, زاعمين أن الهدى العمري لهم قدوة, وفيه لهم أعظم أسوة, وإنِّي بذلك لقلوب من محبة الدنيا ملئت قسوة, كلاَّ! بل طبع على قلوبهم الرين, فلم يفرقوا بين القبيح والزين, وجعلوا تلك المراقيع لاقتناص الدنيا آلة, ولأكل أموال الناس بالباطل حبالة, والسالم من ذلك منهم متعبد على جهالة.
تنبيه: يؤخذ من هذا الحديث أفضلية الثياب البيض على غيرها من سائر اللباس واستحباب لبسها, وإتيان جبريل فيها, وتكفين الأموات دليل على ذلك, وروى أبو داود والترمذي (١) من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم, وكفنوا فيها موتاكم".
ولهذا قالت عائشة ﵂: "كفِّن رسول ﷺ في ثلاثة أثواب سحولية" (٢) .
وقوله: "فأسند ركبتيه إلى ركبتيه" هذا فيه تصريح بأنه جلس بين يديه دون جانبه, ولعل العلماء أخذوا استحباب جلوس المتعلمين بين أيديهم من جلسة جبريل, ولكن جبريل بالغ في القرب حتى وضع كفيه على فخذيه.
стр. 34
وقوله في الجواب: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله". اعلم أن النبي ﷺ قد فسَّر الإسلام (١) هنا بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل, فأول ذلك "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله "وهو عمل اللسان, ثم باقي الأعمال وهي منقسمة إلى:
- بدني: كالصلاة والصوم.
- وإلى عمل مالي: وهو إيتاء الزكاة.
- وإلى مركب منهما: وهو الحج.
ويدخل في مسمى الإسلام أيضاً: جميع الواجبات الظاهرة, كما في رواية ابن حبان (٢) أنه أضاف إلى ذلك الاعتمار, والغسل من الجنابة, وإتمام الوضوء. وإنما ذكر هنا أصول أعماله التي يبنى عليها كما يشهد له حديث "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله, وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, وحجِّ البيت, وصوم رمضان" رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ (٣) ويدل على دخول جميع الأعمال الظاهرة في مسمى الإسلام قوله ﷺ "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤) .
وقد روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي ﷺ : أيُّ
стр. 35
الإسلام خير؟ قال: "أن تطعم الطعام, وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (١) .
وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "إن للإسلام [صُوًى] (٢) ومنار كمنار الطريق, ومن ذلك أن تعبد الله, ولا تشرك به, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم, وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم, ومن تركهن فقد نبذ الإسلام وراء ظهره" خرَّجه الحاكم في صحيحه (٣) والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة.
وأما الإيمان: فقد فسَّره النبي ﷺ في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته ... " إلى آخره.
وقد ذكر الله الإيمان بهذه الأصول فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِل إِليْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِليْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة:٢٨٥) وقال تعالى: ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: من الآية ١٧٧) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِل إِليْكَ وَمَا أُنْزِل مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ
стр. 36
هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة:٤) .
وقوله: ﴿وَمَلائِكَتِهِ﴾ أي: وهم الأجسام النورانية, أي: يؤمن بأنهم عباد له مكرمون, وأنهم سفراء الله بينه وبين خلقه, متصرفون فيهم كما أذن, صادقون فيما أخبروا به عنه, وأنهم بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا الله ﴿وَمَا يَعْلمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ (المدثر: من الآية ٣١) .
وقوله: ﴿كُتُبِهِ﴾ أي: أنها منزلة من عنده, وأنها كلامه [القائم بذاته المنزه عن الحروف والصوت] . (١)
وقوله: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ أي: يؤمن بأنه تعالى أرسلهم إلى الخلق؛ لهدايتهم وتكميل معادهم ومعاشهم, وأنه أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم, فبلغوا عنه رسالته.
وقوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو من الموت إلى ما يقع يوم القيامة.
ولا شكَّ أن الإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من
стр. 37
الأنبياء, والملائكة, والكتب, والبعث, والقدر, وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به من صفات الله وصفات اليوم الآخر, كالميزان, والصراط, والجنة, والنار.
وقد أدخل في الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره, ولأجل هذه روى ابن عمر هذا الحديث محتجا به على من أنكر القدر, وزعم أن الأمر أنف أي مستأنف أي: لم يسبق به سابق قدر من الله تعالى وقد غلظ ابن عمر عليهم, وتبرأ منهم وأخبر أنهم لا تقبل منهم أعمالهم بدون الإيمان بالقدر.
وأول من قال بالقدر بالبصرة (معبد الجهني) وقد صرح العلماء بتكفيرهم.
والإيمان بالقدر على درجتين:
الأولى: الإيمان بأن الله سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم, وما يترتب على ذلك من الثواب والعقاب يوم الحساب قبل تكوينهم, وأنه كتب ذلك وأحصاه عنده, وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.
والثانية: أن الله خلق أفعال عباده كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان, وشاءها منهم (١) .
هذا وينبغي التمعن والتدبر لما ورد من الأحاديث التي فسر فيها
стр. 38
الإسلام بالأعمال المذكورة كهذا الحديث وغيره, والأحاديث التي فُسِّر فيها الإيمان بأعمال الجوارح المذكورة كقوله ﷺ لوفد عبد القيس: "آمركم بأربع: الإيمان بالله. هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ... " الحديث كما هو في الصحيحين من رواية أبي هريرة (١) . وفيهما عنه أيضاً "الإيمان بضع وسبعون فأفضلها قول لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, والحياء شعبة من الإيمان" (٢) .
فظاهرها يقتضي التعارض وتحقيق وجه الجمع كما ذكره الإمام ابن رجب _رحمه الله تعالى_ إلى أن يقال: " أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه, فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات, والاسم المقرون به دال على باقيها وهذا كاسم الفقير والمسكين فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج, فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض ذوي الحاجات, والآخر على باقيها. فهكذا اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر, ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده, فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده, ودل الآخر على الباقي" (٣) .
ولهذا فسر النبي ﷺ الإيمان عند ذكره مفرداً كما في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث جبريل, وفُسِّر في حديث آخر الإسلام بما فًسِّر به الإيمان, كما في مسند الإمام
стр. 39
أحمد عن عمرو بن عبسة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "أن تسلم قلبك لله. وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك" , قال: أيُّ الإسلام أفضل؟ قال: "الإيمان" , قال: وما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, والبعث بعد الموت" , قال: فأيُّ الإيمان أفضل؟ قال: "الهجرة" , قال: فما الهجرة؟ قال: "أن تهجر السوء" , قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: "الجهاد" (١) .فجعل النبي ﷺ الإسلام الإيمان, وأدخل فيه الأعمال.
وحاصل القول: أنه إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ, وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق؛ وهو أن يقال: إن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته. والإسلام هو: استسلام العبد لله تعالى وخضوعه وانقياده, وذلك يكون بالعمل وهو الدين كما سمى الله تعالى في كتابه الإسلام دينا, وسمى النبي ﷺ الإسلام والإيمان والإحسان دينا, وهذا أيضا مما يدل على أن أحد الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر, وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر, فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب, وبالإسلام جنس العمل.
وفي مسند الإمام أحمد عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الإسلام علانية والإيمان في القلب" (٢) ؛ وذلك لأن الأعمال تظهر علانية والتصديق بالقلب لا يظهر. ومن هنا قال محققوا العلماء: كل
стр. 40
مؤمن مسلم, لأن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام, وانبعثت الجوارح في ذلك؛ لان محله القلب, وهو إذا صلح صلح الجسد كله, وإذا فسد فسد الجسد كله كما نص عليه في الحديث (١) وليس كل مسلم مؤمنا, لأن الإيمان قد يضعف, فلا يتحقق به القلب تحققا تاما فيكون مسلما, وليس بمؤمن الإيمان التام.
ويدل عليه آية: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلمْنَا وَلمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية ١٤) فسرها ابن عباس وغيره بأنهم لم يكونوا منافقين بالكلية , بل كان إيمانهم ضعيفا, وهذا هو الأصح, ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ (الحجرات: من الآية ١٤) أي لا ينقصكم من أجورها, فدل على أن معهم من الإيمان ما تقبل به أعمالهم (٢) , ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة, فإذا ترك شيئا من واجباته فهو محل الخلاف بين أهل السنة, هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان؟ واختاره الأكثر, وهو أحد الروايتين عن أحمد, أو يقال ليس بمؤمن لكنه مسلم, واختاره جماعة , وهو الرواية الأخرى عن أحمد, والذي يجول في خلدي, ويدخل في حفظي أن شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية يعتمد هذا القول, ويرى أن الذي يشهد له الكتاب والسنة مع بعد عهدي بمطالعة شيء من كتبه (٣) .