تعالى، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "اقرؤوا القرآن ولا تأكَّلوا به ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه" ١.
قال ابن حجر ﵀: " وأخرج أبو عبيد عن عبد الله بن مسعود: "سيجيء زمان يُسأل فيه بالقرآن فإن سألوكم فلا تعطوهم" ٢.
وعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة" ٣.
قال ابن حجر: "وقد أخرج أبو عبيد عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: " تعلموا القرآن واسألوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهي به ورجل يستأكل به ورجل يقرؤه لله" ٤.
وأخرج أبو داود عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ :"اقرؤوا القرآن من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه" ٥.
стр. 37
وأخرج الإمام مسلم عن سليمان بن يسار قال: تفرق الناس عن أبي هريرة فقال له ناتل أهل الشام ١: أيها الشيخ حدثني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ : قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمته فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها. قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" ٢
стр. 38
كُتَّاب القرآن الكريم
كانت الكتابة قليلة بين أصحاب النبي ﷺ ولكن ثبت أن عدداً منهم تعلموا القراءة والكتابة، وكتبوا القرآن، فمنهم من كتب صحيفة لنفسه ومنهم من كان يكتب للنبي ﷺ ، ومن أشهر هؤلاء بل هو إمام الكتاب وسيدهم: زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن البراء: لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال النبي صلى
стр. 39
الله عليه وسلم: "ادع لي زيداً وليجئ باللوح والدواة والكتف أو الكتف والدواة" ثم قال:"اكتب ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ "١.
وفي الصحيح كذلك أن أبا بكر وعمر ﵄ اختاراه لجمع القرآن وكتابته قال زيد ﵁: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه".٢.
قال ابن حجر ﵀: "نعم قد كتب الوحي لرسول الله ﷺ جماعة غير زيد بن ثابت أما بمكة فلجميع ما نزل بها لأن زيد بن ثابت إنما أسلم بعد الهجرة". أي أن جميع ما نزل قبل الهجرة كتبه كتاب آخرون غير زيد الأنصاري المدني الذي أسلم بالمدينة وقال ابن حجر: "وأما بالمدينة فأكثر ما كان يكتب زيد ولكثرة تعاطيه ذلك أطلق عليه: الكاتب بلام العهد وقد كتب له قبل زيد بن ثابت أبيُّ بن كعب وهو أول من كتب له بالمدينة، وأول من كتب له من قريش بمكة عبد الله ابن سعد بن أبي سرح وممن كتب له في الجملة الخلفاء الأربعة، والزبير ابن العوام، وخالد وأبَّان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، وحنظلة بن الربيع الأسدي، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة"٣.
стр. 40
ومن كلام ابن حجر هذا يتبين لنا كثرة عدد من كتب للنبي ﷺ .
стр. 41
وسائل الكتابة
تنقسم وسائل الكتابة إلى قسمين:-
١- ما يكتب عليه.
٢- ما يكتب به.
لقد ورد في عدد من الأحاديث في الصحيحين وغيرهما ذكر أسماء بعض الأشياء التي كان يكتب عليها القرآن الكريم، وذكر هذه الأحاديث بألفاظها قد يطيل بنا المقام في هذا الموضع، ولكني سأكتفي بذكر هذه الأشياء مع تعريف كل واحد منها، وأشير قبل ذكرها إلى أنها تشترك كلها في شيء واحد ألا وهو العرض والانبساط، فكانوا يستعملون لكتابة القرآن كل شيء طاهر فيه عرض وانبساط ويسهل حمله نسبياً، فمثلاً الحجارة الكبيرة كالصخور وما أشبهها أو الجدران لم يكن ليكتب عليها القرآن في ذلك العهد لأنها يصعب حملها وجمعها مع بعضها لتكون بمجموعها مجموع نص القرآن الكريم.
وهذه الأشياء في مجملها لم تكن خارجة عما يوجد في بيئتهم فهم يستخدمون أجزاء من النخلة أو قطعاً من الخشب والحجارة وما شابهها وإليك أخي الكريم ذكر مفصل لما نحن بصدد الحديث عنه:
- الكَرانيف: جمع كرناف بكسر الكاف أو ضمها، الواحدة منه بالتأنيث يقال لها: كرنافه وكرنافة وكرنوفة قال ابن منظور: "أصول الكرب التي تبقى في
стр. 42
جذع السعف وما قطع من السعف فهو الكرب" ونَقل عن ابن سيده قوله في تعريفها: "أصل السعف الغليظ الملتزق بجذع النخلة"١. وقريباً من قول ابن سيده قول الفيروز آبادي٢.
العُسب: جمع عسيب، قال الفيروزآبادي: "جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها، والذي لم ينبت عليه الخوص من السعف"٣.
السعف: قال الفيروز آبادي: "جريد النخل أو ورقه وأكثر ما يقال إذا يبست، وإذا كانت رطبة فشطبة" ٤.
قلت: ويتبين من كلام العرب أن الجريدة اسم يشمل السعف والكرب والعسيب والكرناف والخوص، وأحياناً قد يطلق على الجريدة: السعفة ولكن لو دققنا النظر في كلام أهل اللغة لما وجدنا تعريفاً دقيقاً لبعض هذه الأجزاء، فاسم العسيب قد يطلق على السعفة وقد يطلق على الجريدة بكاملها، وكذلك الكرب والكرناف لتقاربهما قد يشتبه تعريف أحدهما بالآخر، ولكن المفهوم من مجموع كلامهم أن الجريدة تنقسم إلى أقسام، ترتيبها بحسب بعدها عن الجذع على النحو الآتي:-
١- السعف: وهو الجزء البعيد عن النخلة الأم الذي ينبت عليه الخوص.
٢- العسيب: وهو الجزء الذي يليه أي هو أقرب إلى النخلة منه ولا ينبت عليه خوص بل ينبت عليه السُّلاء وهو شوك النخلة.
стр. 43
٣ - الكرب: وهو الجزء العريض الذي يكون أقرب من العسيب إلى النخلة ولا ينبت عليه خوص ولا سُّلاء.
٤ - الكرناف: وهو الجزء الأعرض الملاصق للنخلة وهذا الجزء هو الذي يبقى في النخلة بعد قطع الجريدة.
- قلت: المقصود من ذلك كله ما كان يصلح للكتابة عليه بغض النظر عن كونه كرنافاً أو عسيباً أو سعفاً فما كان فيه عرض وانبساط كتبوا عليه، وقد يصلح كرناف نخلة للكتابة لما فيه من العرض ولا يصلح كرناف نخلة أخرى لأنه غير عريض والناظر إلى جرائد النخل يجد الفرق واضحاً في العرض تبعاً لأنواع النخل.
٥ - الرقاع: قال ابن حجر: "جمع رقعة وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد" ٥ قلت: وهذا يفيدنا أن الرقاع اسم عام يشمل ما يكتب عليه وهو ليس اسماً لمادة معينة كانت تستعمل في الكتابة بل يشمل الورق والقماش والجلد، ولكن يبدو واضحاً أن الرقاع تطلق على ما كان فيه ليونة ويمكن طيه.
قال ابن منظور:" والرقعة واحدة الرقاع التي تكتب، وفي الحديث: "يجيء أحدكم يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق" أراد بالرقاع ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع"٦.
٦- قطع الأديم هي جلود الحيوانات الطاهرة وربما كانت تمثل أفضل ما يمكن الكتابة عليه لتوفرها وسهولة حملها، وقيل: هي باطن الجلدة التي تلي اللحم أو
стр. 44
ظاهرها الذي عليه الشعر. قلت: المهم من ذلك معرفة أنه الجلد الذي يكتب عليه وعلى هذا تدخل هذه في عموم لفظة الرقاع.
٧- الأكتاف قال ابن حجر: "وهو العظم الذي للبعير أو الشاة كان إذا جف كتبوا عليه" ١. قلت: والكتف في أصله عضو في الإنسان وغيره من الدواب وللكتف عظمة عريضة تقع تحته من الخلف يسميها الناس لوح الكتف وقد يطلق عليها الكتف من باب إطلاق الكل على الجزء وهي التي يكتب عليها إذا جفت.
٨- الأقتاب: قال ابن حجر: "بقاف ومثناة وآخرة موحدة جمع قَتَب بفتحتين وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه" ٢.
قال الفيروز آبادي القَتَب والقِتْب: "إكاف البعير وقيل هو الإكاف الصغير الذي على قدر السنام"٣.
فالقتب إذاً يكون لوحاً صغيراً من الخشب يصلح للكتابة عليه، عُمل أصلاً ليكون إكافاً للبعير، ولكنه صرف عما صنع له واستعمل للكتابة لتوفر صفتي العرض والانبساط فيه.
٩- الأضلاع: قال ابن منظور: "والأصل في الضلع ضلع الجنب، وقيل للعود الذي فيه انحناء وعرض: ضلع، تشبيها بالضلع الذي هو واحد الأضلاع" ٤.
стр. 45
قلت ويظهر من هذا أن الأضلاع تشمل كل عظم أو عود فيه عرض بحيث يصلح للكتابة عليه.
١٠- اللخاف: قال ابن كثير: "واللخاف جمع لخفة وهي القطعة من الحجارة مستدقة" ١. وقال ابن حجر: "قال أبو داود الطيالسي في روايته: هي الحجارة الرقاق وقال الخطابي: صفائح الحجارة الرقاق. قال الأصمعي: فيها عرض ودقة" ٢ قال الفيروز آبادي: "حجارة بيض رقاق" ٣. زاد عليهم بأن حدد لونها ويبدو أن تحديد لونها ليس له فائدة.
وروى البخاري عن محمد بن عبيد الله أنه قال: "اللخاف: يعنى الخزف"٤.
وهذا كله فيما يكتب عليه، أما ما يكتب به فمعلوم أن لكل وسيلة مما سبق ما يناسبها للكتابة عليها فقد يكتب بالمداد وقد يكتب بالنقش وغير ذلك والله أعلم.
стр. 46
القَُّراء من أصحاب الرسول ﷺ
لقد اهتم صحابة رسول الله ﷺ بالقرآن كتابة وقراءة وضبطاً وحفظاً، واشتهر عدد منهم بالإقراء وذلك لتميزهم
стр. 47
بضبطهم للقرآن، وقد أوصى الرسول ﷺ بأخذ القرآن عن بعض هؤلاء الضابطين، فقد أخرج البخاري ﵀ بسنده عن مسروق: ذكر عبدُ الله بن عمرو عبدَ الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبيِّ بن كعب" ١.
والذين اشتهروا بإقراء القرآن من الصحابة كثيرون قال السيوطي: "المشتهرون بإقراء القرآن من الصحابة سبعة: عثمان وعليُّ وأبيُّ وزيد بن ثابت وابن مسعود وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري كذا ذكرهم الذهبي في طبقات القراء" ٢.
وقال ابن حجر: "وقد ذكر أبو عبيد القرَّاء من أصحاب النبي ﷺ فعد من المهاجرين الخلفاء الأربعة وطلحة وسعداً وابن مسعود وحذيفة وسالماً وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة، ومن النساء عائشة وحفصة وأم سلمة. وعد ابن أبي داود في كتاب الشريعة من المهاجرين أيضاً تميم بن أوس الداري وعقبة بن عامر، ومن الأنصار عبادة بن الصامت ومعاذ الذي يكنى أبا حليمة ومجمع بن حارثة وفضالة بن عبيد ومسلمة بن مخلد. وعد بعض المتأخرين من القراء عمرو بن العاص وسعد بن عبادة وأم ورقة" ٣.
стр. 48
قلت: ولا شك أن عدد الصحابة القراء يفوق ما ذكر أضعافاً مضاعفة فقد ذكر أن سبعين من القراء قتلوا في معركة واحدة وهي اليمامة. وذِكْرُ هذه الأعداد الكبيرة من الصحابة القراء يدل على شدة اهتمامهم بكتاب ربهم في عهد النبي ﷺ ، ولا يتعارض هذا العدد الكبير مع حديث الرسول ﷺ الذي سبق ذكره ألا وهو:" خذوا القرآن من أربعة" فقد يكون هؤلاء أشد حذقاً وإتقاناً للقراءة من غيرهم وقد يكونون حفاظاً عن ظهر قلب بالإضافة إلى إتقانهم القراءة ولهذا حق لهم أن يكونوا من أشهر الصحابة في الإقراء وشرفوا بنص الرسول ﷺ عليهم.
وقد ثبت عنه ﷺ أن قرأ سورة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ على أبي بن كعب ﵁. ففي الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك ﵁: قال النبي ﷺ لأبيِّ: إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال: وسمَّاني؟ قال: "نعم"، قال فبكى١.وثبت عنه ﷺ أنه قال لعبد الله ابن مسعود ﵁: " اقرأ علىَّ القرآن" ٢.وكذلك ثبت عنه ﷺ أنه استمع إلى قراءة أبي موسى الأشعري فأعجب بها ومدحها. وثبت عنه أنه ﷺ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: "مروا أبا بكر فليصلِّ
стр. 49
بالناس"١وعن مسروق قال: قال عبد الله ﵁:"والله الذي لا إله غيره ما أُنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أُنزلت ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو كنت أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه"٢.
وقد استحسنت بعد ذكر القراء من أصحاب النبي ﷺ أن أترجم لعدد منهم من الرجال والنساء وهم:
стр. 50
عائشة أمُّ المؤمنين ﵂
هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، أفقه نساء الأمة على الإطلاق، التي قال فيها رسول الله ﷺ : "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٣. وهي التي قال لها رسول الله صلى عليه وسلم: " يا عائشُ هذا جبريل يقرئك السلام" ٤. أبوها أبو بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة ﵁ أفضل رجال الأمة على الإطلاق، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر. تزوج النبي ﷺ عائشة بعد موت الصديقة خديجة بنت خويلد ﵂، وذلك قبل الهجرة ببضعة عشر شهراً ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر سنة اثنتين للهجرة في شوال.
стр. 51
لم يتزوج النبي ﷺ بكراً غيرها ولا أحب أمرأة حبها، وفي الحديث الصحيح عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "أريتك في المنام يجيء بك الملك في سَرَقة من حرير، فقال لي: هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه" ١.
وفي الروايات الأخرى أنه ﷺ رأى ذلك ثلاث مرات في ثلاث ليال. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال لنسائه: "والله ما نزل على الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها" ٢
وقد ثبت عن عمرو بن العاص ﵁ أنه سأل النبي الله عليه وسلم: أيُّ الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: "عائشة" قال فمن الرجال؟ قال: "أبوها" قلت ثم من؟ قال: "ثم عمر بن الخطاب" فعد رجالاً٣.
وقد أطبقت الأمة على حبها وحب أبيها حتى إن حبهما أصبح علامة من علامات الإيمان. فلا يحبهما إلا مؤمن ولا يبغضهما إلا منافق أو كافر نسأل الله أن يرزقنا حبه وحب نبيه ﷺ وحب آله وأصحابه وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم، آمين.
стр. 52
أبيُّ بنُ كعب ﵁
"هو أبي بن كعب بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار سيد القراء المقرئ البدري) ١. "كان عمر ﵁ يسميه سيد المسلمين"٢.
وكان أقرأ الصحابة على الإطلاق بل أقرأ الأمة فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أميناً وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" ٣.
وعن أنس بن مالك ﵁: "قال النبي ﷺ لأبي: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك: " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب" قال: وسماني؟ قال: "نعم"، قال: فبكى) ٤ وحق له ﵁ أن يبكي فرحاً بهذا المقام الرفيع، فالله يأمر الرسول ﷺ أن يقرأ عليه القرآن فمن ذا الذي يستحق أن يذكر الله اسمه فوق سبع سماوات؟ ومن ذا الذي يؤمر النبي أن يقرأ عليه؟
стр. 53
وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "خذوا القرآن من أربعة" وفي رواية: "استقرئوا القرآن من أربعة" ذكر منهم أبي بن كعب رضي الله عنه١.
وثبت عنه ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ " قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ " قال: قلت: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" قال: فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر" ٢.
стр. 54
زيد بن ثابت ﵁
قال ابن حجر في الإصابة: هو زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الأنصاري الخزرجي. وكانت معه راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أولاً مع عمارة بن حزم فأخذها النبي ﷺ منه فدفعها لزيد بن ثابت، فقال يا رسول الله بلغك عني شيء؟ قال: "لا ولكن القرآن مقدم"٣.
وهو واحد من الأربعة الذين أمر النبي ﷺ بأخذ القرآن عنهم. وهو أشهر كتاب الوحي لرسول الله ﷺ : فعن البراء قال: لما نزلت "لايستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل
стр. 55
الله" قال النبي ﷺ : "ادع لي زيداً وليجئ باللوح والدواة والكتف أو الكتف والدواة" ثم قال: " اكتب "لايستوي القاعدون" ١.
وهو الذي كلَّفه أبو بكر ﵁ بجمع القرآن وقال له: "إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه" ٢.
قال ابن حجر: "وروى البخاري تعليقاً والبغوي وأبو يعلى موصولاً عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد عن أبيه قال: "أُتيَ بي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مقدمه المدينة، فقيل هذا من بني النجار وقد قرأ سبع عشرة سورة فقرأت عليه، فأعجبه ذلك فقال: "تعلم كتاب يهود فإني ما آمنهم على كتابي" ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته فكنت أكتب له إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له"٣.وقال ابن حجر: "وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن الشعبي قال: ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسك ابن عباس بالركاب فقال: تنحَّ يابن عم رسول الله، قال: لا، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء" ٤.
стр. 56
عبد الله بن مسعود ﵁
هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار.
стр. 57
كنيته أبو عبد الرحمن ويكنى كذلك بأمه فيقال له: ابن أم عبد، وكنَّاه النبي ﷺ بكلتا الكنيتين، فقد روي عنه أنه قال: كنَّاني النبي ﷺ : أبا عبد الرحمن قبل أن يولد لي١. وقال ﷺ : " من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد" ٢.
وقد كان شديد الضبط لكتاب الله فقد أخرج البخاري بسنده عن شقيق ابن سلمة قال: خطبنا عبد الله بن مسعود فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة والله لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم"٣، وما كان هذا الأخذ إلا لشدة ملازمته النبي ﷺ ، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي موسى الأشعري قال: "قدمت أنا وأخي من اليمن فمكثنا حيناً ما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي ﷺ لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي ﷺ " ٤.
стр. 58
وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ علي القرآن" قلت آقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "فإني أحب أن أسمعه من غيري" ١.
وقد كان أذن له النبي ﷺ أن يدخل عليه كل وقت، وهذه فضيلة قلَّما حصلت لغيره، فقد قال له ﷺ : "يا عبد الله إذنك علىَّ أن ترفع الحجاب وتسمع سِوادي حتى أنهاك" ٢.والسواد بكسر السين: السر.
وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: "سألنا حذيفة عن رجل قريب السمت والهدي من النبي ﷺ حتى نأخذ عنه فقال: ما أعرف أحداً أقرب سمتاً وهدياً ودلاً بالنبي ﷺ من ابن أم عبد"٣.
стр. 59
سالم مولى أبي حذيفة ﵁
هو سالم بن معقل مولى أبي حذيفة، وكانت قد أعتقته زوجة أبي حذيفة ﵃ أجمعين.
وكان من أشهر قراء القرآن على عهد رسول الله ﷺ .
أخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي ﷺ في
стр. 60
مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة" ١وفي رواية وكان أكثرهم قرآناً.
وهو أحد الأربعة الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: "خذوا القرآن من أربعة" ٢. وأخرج الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن عائشة ﵂ قالت: استبطأني رسول الله ذات ليلة، فقال: "ما حبسك" قلت: إن في المسجد لأحسن مَنْ سمعت صوتاً بالقرآن، فأخذ رداءه، وخرج يسمعه فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة، فقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك" ٣.
قال ابن حجر: "وروى ابن المبارك أيضاً فيه: أن لواء المهاجرين كان مع سالم فقيل له في ذلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا -يعنى إن فررت – فقطعت يمينه فأخذه بيسار فقطعت فاعتنقه إلى أن صرع، فقال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ يعني مولاه، قيل: قتل، قال: فأضجعوني بجنبه" ٤.وكان ذلك يوم اليمامة ﵁ وأرضاه.
стр. 61
أم ورقة الشهيدة ﵂
هي أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث بن عويمر بن نوفل الأنصارية، روي عنها أن النبي ﷺ لما غزا بدراً قالت له: ائذن لي فأخرج معك فأمرض مرضاكم، ثم لعل الله أن يرزقني الشهادة
стр. 62
قال: "قرِّي في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة" فكانت تسمى الشهيدة. وكان لها غلام وجارية قد دبرتهما فقاما إليها بالليل فغمياها بقطيفة لها حتى ماتت، فلما أصبح عمر ﵁ قال: والله ما سمعت قراءة خالتي أم ورقة البارحة فدخل الدار فلم ير شيئاً فدخل البيت فإذا هي ملفوفة في قطيفة في جانب البيت فقال: صدق الله ورسوله "أي صدقت نبوءة الرسول ﷺ إذ كان يسميها: الشهيدة" - وكان ﷺ يقول:" انطلقوا بنا نزور الشهيدة" - فصعد عمر المنبر فذكر خبر موتها للناس، وقال: عليَّ بهما، فأتي بهما فسألهما فأقرَّا أنهما قتلاها فأمر بهما فصلبا، وكانا أول من صلب بالمدينة المنورة شرفها الله تعالى.
وكانت أم ورقة ﵂ قد قرأت القرآن واستأذنت النبي ﷺ في أن تتخذ في دارها مؤذناً لها وكانت تؤم أهل دارها، وكانت ممن اشتهر بقراءة القرآن من النساء ﵂ وأرضاها.
стр. 63
أبو زيد ﵁
هو ثابت بن زيد بن قيس بن زيد بن النعمان بن مالك الأنصاري الخزرجي: وقيل اسمه أوس وقيل معاذ وهو ممن جمع القرآن حفظاً فحفظه كله في زمان النبي ﷺ وهو من كبار الصحابة ﵃ قال الذهبي: (قال النحوي – سعيد بن أوس بن ثابت: هو جدي شهد أحداً، وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن، نزل البصرة واختط بها ثم قدم المدينة فمات بها فوقف عمر على قبره فقال: يرحمك الله أبا زيد، لقد دفن اليوم أعظم أهل الأرض أمانة"١.
стр. 64
الفصل الثاني: عناية النبي ﷺ بالقرآن الكريم
حرص النبي ﷺ على تلقي القرآن وحفظه
...
تمهيد:
النبي ﷺ أشد الناس عناية بالقرآن الكريم من جميع جوانبه، ومن شدة عنايته ﷺ أمر أصحابه بأمور تزيد من عنايتهم هم بالقرآن، كأمره إياهم بالحفظ والتعاهد والتدبر وغير ذلك، ولقد وردت لنا الأخبار بشيء من ذلك، وأنا أرى أن هذه الأخبار التي وردت ليست إلا إشارات إلى عنايته ﷺ بالقرآن، ولكن واقع حاله وشدة اهتمامه لا يتصور أن تنقله النصوص على حقيقته، كيف لا يكون كل ذلك الاهتمام منه ﷺ وهو المكلف الوحيد من قبل ربه بتبليغ هذا القرآن؟ وما أود أن أشير إليه هنا هو أن تسمية هذا الفصل بـ"عناية النبي ﷺ بالقرآن الكريم" ماهي إلا من باب تركيز الحديث على مسائل معينة خاصة، وإلا فكثير من النصوص التي أوردتها في الفصل الأول تدل على عنايته ﷺ وعناية صحبه الكرام بالقرآن الكريم.
وسأسوق في هذا الفصل بعض الأمثلة الدالة على هذه المسألة:
حرص النبي ﷺ على تلقي القرآن وحفظه
أمر النبي ﷺ صحابته بحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في الفصل الأول، وكان هو ﷺ أشد تلهفاً على حفظ القرآن، ولهذا كان إذا نزل عليه الوحي بشيء من القرآن يحرك به لسانه استعجالاً في حفظه فنهاه الله عن ذلك في قوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ
стр. 65
ِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦-١٩) . ولعل ذلك والله أعلم لئلا ينشغل بالحفظ عن الفهم قال ابن حجر ﵀: "وكان من أصل الدين أن المبادرة إلى أفعال الخير مطلوبة، فنبه أنه قد يعترض على هذا المطلوب ما هو أجل منه وهو الإصغاء إلى الوحي وتفهم ما يرد منه، والتشاغل بالحفظ قد يصد عن ذلك فأمر أن لا يبادر إلى التحفظ لأن تحفيظه مضمون على ربه وليصغ إلى ما يرد عليه إلى أن ينقضي فيتبع ما اشتمل عليه" ١.
أخرج البخاري بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل عليه بالوحي وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه وكان يعرف منه، فأنزل الله الآية التي في ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ : ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ : فإذا أنزلناه فاستمع ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ علينا أن نبينه بلسانك، قال: فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله٢.
стр. 66
نهيه ﷺ عن كتابة شيء عنه غير القرآن الكريم
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج" ١.
قال ابن كثير ﵀ في معنى هذا الحديث: "أي لئلا يختلط بالقرآن، وليس معناه أن لا يحفظوا السنة ويرووها، والله أعلم" ٢.
قلت: ويؤيد قول ابن كثير هذا قوله ﷺ في الحديث: "وحدثوا عني ولا حرج" فرواية الحديث وتناقله مشافهة لا حرج فيها بل هى ضرورة لا بد منها لنشر الدين حيث كان الصحابة يتناقلون أقوال النبي ﷺ بينهم ويبلغ الشاهد الغائب كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، إنما كان النهي عن كتابة الحديث وكل ما سوى القرآن، ولما مات النبي ﷺ لم يكن ثمة شيء مكتوب متداول غير القرآن الذي باكتمال نزوله اكتملت كتابته وتدوينه.
стр. 67
توجيهه ﷺ الكتَّاب بكتابة كل آية في موضعها
البحث في هذه المسألة قد يطول، وقد بسط العلماء الحديث عنها عند ذكر ترتيب القرآن هل هو توقيفي أو اجتهادي ممن جمع القرآن؟ قال
стр. 68
ابن حجر ﵀: "وروى أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عباس عن عثمان بن عفان قال: "كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: " ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا"١.
стр. 69
تشجيعه ﷺ على تلاوة القرآن وحفظه
لمَّا كان ﷺ مهتماً بتلاوة القرآن وحفظه - وكان ذلك شغله الشاغل - وجه أتباعه إلى ذلك، وقد ورد عدد كبير من الأحاديث الدالة على ذلك منها قوله ﷺ : "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه" ٢.وقوله ﷺ : "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرأ بها" ٣.
وقوله ﷺ : "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" (٤) . وقوله صلى
стр. 70
الله عليه وسلم: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" ١.
стр. 71
أمره ﷺ الصحابة بتعاهد القرآن حتى لا يتفلت
وكما أمر ورغب ﷺ في حفظ القرآن – كما سبق- أمر ﷺ بتعهد القرآن ومراجعة حفظه باستمرار، حتى لا يتفلت وينسى، ومما ورد في ذلك قوله ﷺ في الحديث الذي رواه عنه ابن عمر ﵄: " إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت" ٢.
وفي رواية لمسلم من حديث موسى بن عقبة:"وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه" ٣. وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"بئس ما لأحدهم يقول نسيت آية كيت وكيت بل هو نُسِّى، استذكروا القرآن فإنه أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم بعقلها" ٤. وعن أبي موسى عن النبي صلى
стр. 72
الله عليه وسلم قال: "تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من الإبل في عقلها" ١.
ومنها قوله ﷺ : " مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن ويتعاهده وهو عليه شديد له أجران" ٢.
ويلحظ في الأحاديث السابقة كلها أن النبي ﷺ شبه تفلت القرآن من صاحبه إن لم يتعاهده - بالمراجعة والحفظ - بالإبل المعقلة فما دام فيها عقالها فهي موجودة محفوظة بإذن الله وإن انفلت عقالها ذهبت ولربما ضاعت قال ابن حجر ﵀: "شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد، فما زال التعاهد موجوداً فالحفظ موجود كما أن البعير مادام مشدوداً بالعقال فهو محفوظ، وخصّ الإبل بالذكر لأنها أشدُّ الحيوان الإنسي نفوراً وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة" ٣
стр. 73
أمره ﷺ بتحسين الصوت بالقراءة
حسن الصوت بالقراءة مطلوب وتزيين الصوت بالقراءة سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ولكن ينبغي ألا يتجاوز هذا التحسين
стр. 74
الحد المطلوب، وقد نص العلماء على تحريم المبالغة والتنطع في بعض الأحكام التي تخرج القراءة عن حدها، وتسلب القرآن حلاوته وطلاوته، ومما ثبت عن الرسول ﷺ في الحث على تحسين الصوت بالقراءة والتغني بالقرآن ما يلي:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن" هذا لفظ البخاري وزاد غيره: " يجهر به"١.
وعنه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به" ٢.
قال النووي عند شرح هذه الأحاديث: "وقال الشافعي وموافقوه معناه: تحزين القراءة وترقيقها، واستدلوا بالحديث الآخر: "زينوا القرآن بأصواتكم" ٣.
وعن أبي بردة عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يا أبا موسى لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود" ٤.
ولفظ الإمام مسلم فيه حرص النبي ﷺ على استماع القراءة بالصوت الحسن فعن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال
стр. 75
رسول الله ﷺ لأبي موسى: "لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود" ١.
ولقد كان صوته ﷺ حسناً بل أحسن الأصوات بقراءة القرآن الكريم وذلك كما جاء في رواية البراء ﵁ قال:
"سمعت رسول الله ﷺ قرأ في العشاء بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فما سمعت أحداً أحسن منه صوتا" ٢
هذه الأدلة كما هو واضح من مدلولها فيها الحث الصريح على التغني بالقرآن ولكن فهم بعض من لم يؤت سعة من العلم هذا الأمر على غير مراده حتى دخلت في القرآن ألحان الغناء فأصبحت قراءة بعض القراء ليست مقصودة لذاتها بقدر ما هي مقصودة لصوت القارئ. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولعل هذا التخبط في طرق الأداء المبتدعة قَوَّى لدى بعض العلماء حمل معنى أحاديث التغني بالقرآن على معنى الاستغناء الذي هو من الغنى نقيض الفقر، قال النووي: "وأنكر أبو جعفر الطبري تفسير من قال: يستغني به وخطَّأه من حيث اللغة والمعنى. والخلاف جار في الحديث الآخر: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" والصحيح أنه من تحسين الصوت" ٣.