رحمه الله سنة خمس وخمسين وأربعمائة بمصر١. ويعد كتاب "العنوان" من الكتب التي اعتمد عليها ابن الجزري في تأليف كتابه النشر في القراءات العشر.
التعريف بالكتاب:
سلك المؤلف في هذا الكتاب أسلوب الإيجاز والاختصار ليقرب على الدارسين تناوله، قاصداً الإبانة والوضوح من غير إسهاب أو تطويل، ليكون سهل التناول قريب التداول للمختصين، وقد جرده من الأسانيد، ومظاهر التعليل التي نجدها في كتب ذلك العصر، وقد أفصح أبو الطاهر عن منهجه في هذا الشأن في مقدمة "العنوان" بقوله: "وقد أضربت عن ذكر أسانيدي في هذا المختصر - يعني العنوان - إذ كنت بينتها في كتاب "الاكتفاء" فمن أراد شيئاً التمسه هناك إن شاء الله"، ويمكن تقسيم الكتاب قسمين: الأول يبحث في اختلاف القراء السبعة وما اطرد من قراءاتهم، وجرى القياس عليها كاختلافهم في المد والقصر والهمزتين في كلمة أو كلمتين والإظهار والإدغام والفتح والإمالة وهو ما يعرف "بالأصول".
أما القسم الثاني: فهو أكبر من سابقه وهو مشتمل على ذكر مظاهر الاختلاف في "الحروف" عند القراء السبعة على سياق ورودها في القرآن الكريم٢ "أي فرش الحروف".
стр. 107
والكتاب طبع بتحقيق الدكتور زهير زاهد والدكتور خليل العطية عام ١٤٠٦ هـ في طبعته الثانية وقد حقق هذا الكتاب أيضاً في رسالة علمية الدكتور عبد المهيمن طحّان في مرحلة الماجستير، بجامعة أم القرى.
стр. 108
كتاب إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي في القراءات العشر
مؤلفه:
هو محمد بن الحسين بن بُندار أبو العز الواسطي القلانسي، شيخ العراق ومقرئ القراء بواسط، صاحب التصانيف، أستاذ، ولد سنة خمس وثلاثين وأربعمائة بواسط١. وبعد حياة دامت ستاً وثمانين سنة، توفي أبو العز في شوال سنة إحدى وعشرين وخمسمائة بواسط٢.
التعريف بالكتاب:
يمكن تقسيم إرشاد أبي العز ثلاثة أقسام:
١- أسانيده في القراءات العشر.
٢- الأصول، يذكر المؤلف في كل باب اختلاف القراء فيه مستشهداً لكل جزئية بما يناسبها من الحروف.
٣- الفرش: ويبدأ باختلاف القراء في البسملة ويثني باختلافهم في سورة الفاتحة فالبقرة وآل عمران، ثم يختم كل سورة بذكر ياءاتها - إن وجدت.
стр. 109
يُعَدُّ هذا الكتاب من كتب القراءات القلائل التي تلقاها الناس بالقبول وأجمعوا عليها من غير معارض، لأن مؤلفه اشترط الأشهر واختار ما قطع به عنده. وكان أهل العراق لا يحفظون سوى الإرشاد لأبي العز ولهذا نظمه كثير من الواسطيين والبغداديين. واعتمد هذا الكتاب العلامة ابن الجزري في نشره.
والكتاب طبع بتحقيق الشيخ عمر حمدان الكبيسي وهي رسالة علمية قدمت إلى جامعة أم القرى لنيل درجة الماجستير، والكتاب من نشر المكتبة الفيصلية بمكة في طبعته الأولى ١٤٠٤هـ في مجلد واحد.
стр. 110
كتاب الإقناع في القراءات السبع
مؤلفه:
هو أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري، المعروف بابن الباذش، ولد بغرناطة عام ٤٩١هـ، قال ابن الجزري عنه: "أستاذ كبير وإمام محقق محدث، ألف كتاب الإقناع في السبع من أحسن الكتب، ولكنه ما يخلو من أوهام نبهت عليها في كتابي الإعلام." ١. كان أبو جعفر علماً من أعلام الأندلس، ومفخرة من مفاخرها، ومحدثاً ثقة، وكان من أهل الرواية والدراية، وجمع علوم الدين والعربية معاً، توفي ﵀ سنة ٥٤٠هـ٢.
أما كتاب الإقناع: فهو محكم التأليف، مرتب الأبواب، غزير المادة. ويبدأ الكتاب بمقدمة بارعة، يتلوها باب في تراجم القراء السبعة ورواتهم الأربعة عشر المشهورين، وأسانيد هؤلاء الرواة إلى القراء، وأسانيد هؤلاء
стр. 111
القراء إلى رسول الله ﷺ ، ثم إسناد المؤلف إلى كل راوٍ من الرواة، ويتلو ذلك فصل في الاستعاذة وما يتعلق بها، وآخر في البسملة وما يتعلق بها.
وبعد ذلك يأتي أبواب الأصول، وهي: الإدغام، فالإمالة، فالراءات واللامات، فالهمز، فالمد، فالهاءات، فالوقف، فالياءات، فاختلاف مذاهب القراء في كيفية التلاوة وتجويد الأداء، فما خالف فيه الرواة أئمتهم، ثم يأتي بعد ذلك فرش الحروف، وهو القسم الثاني من الكتاب، ثم ينتهي بخاتمة في التكبير وما يتعلق به، ويعد كتاب الإقناع تنقيحاً وتهذيباً، وشرحاً وتتميماً لكتابَي "التبصرة" لمكي بن أبي طالب القيسي، و"التيسير" للداني"١. طبع كتاب الإقناع بتحقيق الدكتور عبد المجيد قطامش سنة ١٤٠٣هـ في طبعته الأولى بإشراف مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى في مجلدين.
стр. 112
كتاب حرز الأماني ووجه التهاني المعروف بـ "بالشاطبية، أو اللامية "
ناظمه:
هو العلامة القاسم بن فيره بن خلف الشاطبي، إمام القراء، ولد سنة ٥٣٨هـ بشاطبة، قرية من قرى الأندلس، وكان عالماً بالحديث والتفسير واللغة، ونظم أيضاً بشاطبة قصيدته الرائية المسماة عقيلة أتراب القصائد في رسم المصحف (ط) وقصيدة أخرى تسمى ناظمة الزهر في عد الآي طبعت بمطبعة صبيح بتحقيق وضبط محمد الصادق القمحاوي، وقصيدة دالية
стр. 113
(خمسمائة بيت) لخص فيها كتاب التمهيد لابن عبد البر. توفي ﵀ سنة تسعين وخمسمائة بالقاهرة١.
أما منظومته - حرز الأماني - فهي من أحسن المؤلفات المنظومات في علم القراءات، فإنها جمعت ما تواتر عن الأئمة القراء السبعة بمضمن كتاب "التيسير" للداني، قصد بها المؤلف تيسير هذا العلم، وتقريب حفظه، وتسهيل تناوله، وقد بلغ عدد أبياتها ألفاً ومائة وثلاثة وسبعين بيتاً، وتعتبر هذه القصيدة من عيون النظم، بما اشتملت عليه من عذوبة الألفاظ، ورصانة الأسلوب، وجمال المطلع والمقطع، وروعة المعنى، وسمو التوجيه وبديع الحكم وحسن الإرشاد. فلا عجب أن يتلقاها العلماء في سائر الأعصار والأمصار بالقبول ويعنوا بها أعظم عناية، ويتوافروا على شرح ألفاظها وحل رموزها، وكشف أسرارها، واستخراج دررها وجواهرها. قال: ابن الجزري في وصف هذه القصيدة: "من وقف على قصيدتيه علم مقدار ما آتاه الله في ذلك خصوصاً اللامية التي عجز البلغاء من بعده عن معارضتها. ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول ما لا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن بل أكاد أن أقول ولا في غير هذا الفن" ٢.
ولأهمية هذا النظم سأذكر بعض من شرحها واختصرها.
стр. 114
أ- من أشهر شروح الشاطبية:
١- فتح الوصيد. لعلي بن محمد السخاوي (ت ٦٤٣هـ) تلميذ الناظم وصاحبه وهو أول من شرحها، واشتهرت بسببه١ والكتاب مخطوط في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة برقم: ٤٦. وأخبرني الدكتور عبد العزيز القاري أنه يحقق هذا الكتاب، ولكني سمعت أن الكتاب حققه في رسالة علمية الدكتور أحمد الزعبي في جامعة القرآن الكريم في السودان.
٢- كنز المعاني شرح حرز الأماني: للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الموصلي المعروف بـ (شعلة) (ت ٦٥٦هـ) والكتاب مطبوع في مجلد واحد على نفقة الاتحاد العام لجماعة القراء بمصر في طبعته الأولى عام ١٣٧٣هـ بتصحيح متولي عبد الله الفقاعي، ومحمد سليمان صالح. ويمتاز هذا الشرح بحسن النظام وجمال الترتيب ويتكلم على البيت من ناحية اللغة والإعراب والمعنى.
٣- إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع: للإمام عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المعروف بأبي شامة الدمشقي المتوفى سنة (٦٦٥هـ) . والكتاب مطبوع في قطع كبير يبلغ ٧٦٣ صفحة بتحقيق إبراهيم عطوة عوض، عام ١٤٠٢ هـ بشركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
٤- كنز المعاني لإبراهيم بن عمر الجعبري (ت ٦٣٢هـ) (خ) ومخطوطاته في أغلب المكتبات وصفه القسطلاني بأنه "شرح عظيم لم يصنف مثله"٢.
стр. 115
٥- سراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي: للإمام أبي القاسم علي بن عثمان بن القاصح البغدادي (ت ٨٠١هـ ظناً) والكتاب مطبوع في مجلد كبير عن دار الفكر للنشر. وقد ذكر العلماء من شروح الشاطبية أكثر من ٤٠ مؤلفاً١.
ب - ومن أشهر مختصرات الشاطبية:
١- "الشمعة" قصيدة رائية قدر نصف الشاطبية: أحسن نظمها واختصارها الإمام أبو عبد الله محمد الموصلي المعروف بـ (شعلة) (ت ٦٥٦هـ) .
٢- مختصر عبد الصمد التبريزي (ت ٧٦٥) في خمسمائة بيت.
١- نظم درر الجلا لعبد الوهاب بن أحمد بن وهبان الدمشقي (ت ٧٦٨هـ)
٢- حوز المعاني: لابن مالك النحوي (ت ٦٧٢ هـ) .
وكثير من هذه الكتب التي ذكرت والكتب التي أغفلت الحديث عنها - اختصاراً - ما بين مخطوط ومفقود. وللاستزادة من معرفة شروح الشاطبية ومختصراتها. انظر كتاب "كشف الظنون لحاجي خليفة" (مادة حرز الأماني) .
стр. 116
كتاب جمال القراء وكمال الإقراء
مؤلفه:
هو الإمام أبو الحسن، علي بن محمد بن عبد الصمد، علم الدين السخاوي ولد في سخا بمصر٢ سنة ٥٥٨هـ أو ٥٥٩هـ، وانتقل إلى القاهرة
стр. 117
يتعلم ويتفقه ويأخذ على كبار العلماء، والتقى بالإمام الشاطبي فلازمه وأخذ عنه القراءات واللغة والنحو، كما أفاد من كبار علماء العصر في القاهرة والإسكندرية ودمشق، وارتحل السخاوي إلى دمشق أواخر القرن السادس وأقام فيها، فعلَت مكانته وذاع صيته، وصار إماماً في التفسير والقراءات واللغة والنحو، وتصدر بجامعها للإقراء والإفادة، فاجتمع عليه الطلاب يفيدون منه، ويتلقون علومهم عليه، وبقي على ذلك أكثر من أربعين سنة تتلمذ له فيها عدد كبير من العلماء كأبي شامة المقدسي، وتبوأ أبو الحسن المناصب في دمشق، وألف الكتب النافعة، وصنف في علم القراءات وشرح قصيدة شيخه في القراءات شرحاً كافياً، وقد تقدم تعريفها١ وواصل حياة البحث والتعليم إلى أن توفي ليلة الأحد، ثاني عشر من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة٢.
التعريف بالكتاب:
الكتاب كما وصفه العلماء مجموعة من الكتب، جعلها المؤلف تحت كتاب واحد، ومن أجلَّ ذلك ولكون كل مبحث فيه يصلح أن يكون كتاباً، كثر ذكر المترجمين للمؤلف لأقسام منه على أنها كتب مستقلة، ووجدت نسخاً من هذه الأقسام في مخطوطات مستقلة وقد سمى كل قسم من أقسام جمال القراء كتاباً، فكان مجموع ذلك عشرة كتب وهي: نثر الدرر في ذكر الآيات والسور، والإفصاح الموجز في إيضاح المعجز، ومنازل الإجلال والتعظيم في فضائل القرآن العظيم، وتجزئة القرآن، أقوى العدد في معرفة
стр. 118
العدد، ذكر الشواذ، الطود الراسخ في المنسوخ والناسخ، مراتب الأصول وغرائب الفصول، ومنهاج التوفيق إلى معرفة التجويد والتحقيق، والاهتداء في معرفة الوقف والابتداء. وفي كل كتاب من هذه الكتب، يسعى المؤلف إلى جعله جامعاً شاملاً فينقل ما جاء للعلماء فيه، وينسق الآراء والأقوال، ليجعلها بين يدي القارئ ميسورة سهلة فهو كمدرس مقرئ، يريد أن يوفر للطلاب كتاباً فيه خلاصة جهود العلماء، وهو يرجع إلى كثير من الكتب والمصادر، والمؤلف يروي كثيراً من الأحاديث النبوية الشريفة مسندة عن شيوخه إلى مصادرها في كتب الحديث، وخلاصة القول أن الكتاب جيد نافع، فيه كثير من المباحث القيمة المفيدة١.
والكتاب صدر بتحقيق الدكتور علي حسين البواب في طبعته الأولى عام ١٤٠٨هـ في مجلدين عن مطبعة المدني بمصر، توزيع مكتبة التراث بمكة المكرمة.
стр. 119
كتاب المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز
مؤلفه:
عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم أبو القاسم المقدسي ثم الدمشقي، المعروف بأبي شامة الشيخ الإمام العلامة الحجة والحافظ ذو الفنون، وقيل له أبو شامة لأنه كان فوق حاجبه الأيسر شامة كبيرة، ولد سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وقرأ القراءات على السخاوي٢. وصنف الكثير في أنواع من
стр. 120
العلوم فشرح الشاطبية مطولاً ولم يكمله ثم اختصره وهو الشرح المشهور "إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع" وغير ذلك من الكتب، وكان مع كثرة علومه وفضائله متواضعاً مطرح التكلف، ولي مشيخة الحديث الكبرى بالأشرفية١، ومشيخة الإقراء، توفي ﵀ في شهر رمضان في تاسع عشرة سنة خمس وستين وستمائة٢.
التعريف بالكتاب:
ذكر المؤلف في مقدمته وصف الكتاب بقوله: "فهذا تصنيف جليل يحتاج إليه أهل القرآن، خصوصاً من يعتني بعلم القراءات السبع ولا يعرف معنى هذه التسمية ولا ماذا قصده الرسول ﷺ بقوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"٣ ولا يدري ما كان الأمر عليه في قراءة القرآن وكتابته في حياة الرسول ﷺ إلى أن جمع بعده في خلافة أبي بكر٤ ثم جمع في خلافة عثمان٥ ﵄، ولا يهتدي إلى ما فعله كل واحد منهما، وما الفرق بين جمعيهما، وما الضابط الفارق بين القراءات الشواذ وغيرها؟
وأرجو أن يكون هذا التصنيف مشتملاً على ذلك كله، قيماً ببيانه مع فوائد أخرى تتصل به وبالله التوفيق٦.
стр. 121
والكتاب مطبوع بتحقيق طيار آلتي قولاج عن دار صادر ببيروت سنة ١٣٩٥هـ في (٢٨٨) صفحة متوسط الحجم.
стр. 122
كتاب معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار
مؤلفه:
محمد بن أحمد بن عثمان أبو عبد الله الذهبي الحافظ أستاذ ثقة كبير، ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وعني بالقراءات من صغره، وتميز في دراسة القراءات وبرع فيها براعة جعلت شيخه يتنازل له عن حلقته بالجامع الأموي في أواخر سنة ٦٩٢هـ حين أصابه المرض، فكان هذا أول منصب علمي يتولاه الذهبي، وقد أصبح الذهبي نتيجة ذلك الأستاذ الكبير إماماً في القراءات، فألف كتابه "التلويحات في علم القراءات" وكتابه "معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار". واشتغل بالحديث وأسماء الرجال في آخر حياته، توفي ﵀ بعد حياة حافلة بالعلم والتأليف سنة ثمان وأربعين وسبعمائة بدمشق.١
التعريف بالكتاب:
رتب المؤلف هذا الكتاب على الطبقات، فجعله في ثماني عشرة طبقة حسب اللقيا بين القراء الكبار، بدءاً من الصحابة وانتهاءً بعصره، وقد أدرج الطبقة ١٧ في ١٨ وجعلها طبقة واحدة. ومع أنه أراد أن يكون كتابه هذا خاصاً بالقراء الكبار دون غيرهم إلا أنه كثيراً ما خالف هذا المنهج، والذهبي
стр. 123
لم يعن بتفصيل أخبار المترجمين في هذا الكتاب مما ليس له علاقة بفن القراءة، وإنما اقتصر على إبراز الفهم المتعلق بهذا الأمر ففصل فيه، وأبان عن دقائقه ونكته، فقد كانت تزدحم في صدره التراجم فتتداخل فربما تكررت عليه بعض التراجم كما وقع له في كتابه هذا.
والإمام الذهبي بارع أصيل، قل نظيره في صياغة التراجم، وتقديم صورة دقيقة مركزة موثقة بقلمه البليغ، وأسلوبه الواضح تبين عن سعة علمه، ونصاعة حجته وبراعة نقده١.
وقد طبع الكتاب بالقاهرة سنة ١٩٦٧م، وقد تولى نشره من ليس له حظ في التحقيق العلمي فكانت طبعته رديئة، وطبع مرة ثانية بتحقيق بشار عواد معروف، وشعيب الأرناؤوط، وصالح مهدي عباس سنة ١٤٠٤هـ في (طبعته الأولى) طبعة جيدة ملحقة بفهارس الكتاب ويقع في مجلدين، نشر مؤسسة الرسالة ببيروت.
стр. 124
كتاب غاية النهاية في طبقات القراء
مؤلفه:
شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن الجزري، شيخ الإقراء في زمانه ولد في دمشق سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وحفظ القرآن والقراءات فكان علماً بارزاً، ومرجعاً للعلماء في هذا الفن، توفي ﵀ سنة ٨٣٣هـ٢.
стр. 125
التعريف بالكتاب:
اختصر فيه كتاب طبقات القراء الكبير الذي سماه "نهاية الدرايات في أسماء رجال القراءات" وجمع في كتابه هذا - غاية النهاية - جميع ما في كتابي الحافظين أبي عمرو الداني، وأبي عبد الله الذهبي رحمهما الله تعالى، وزاد عليهما نحو الضعف.
وقد رمز في كتابه رموزاً يقصد بها ذكر الكتب التي أوردت ذلك فإن كان في كتاب النشر رمز له بـ "ن" وإن كان في كتاب التيسير (ت) ، وكتاب جامع البيان للداني (ج) ، وكتاب الكامل للهذلي "ك"، وكتاب المبهج (مب) ، وكتاب المستنير (س) ، وكتاب الكفاية الكبرى للقلانسي (ف) ، وكتاب الغاية لأبي العلاء (غا) ولؤلاء الجماعة (ع) .
ويذكر في الترجمة الاسم الكامل وشيئاً من علمه وفضله، ثم يذكر عمن أخذ من الشيوخ، ثم يذكر تلامذة المترجم له ثم يختم بتاريخ وفاته، ويتوسع في الترجمة بعض الأحيان حتى يصل ثلاث صفحات أو أكثر، ويقتصر أحياناً بذكر الاسم ومن روي عنه في سطر واحد، انظر مثلاً: ترجمة نافع المدني ٢/٣٣٠-٣٣٤، وترجمة لأبي عبد الله القرطبي ٢/١٨٩ وانظر ٢/١٤. وقد ترجم لما يقرب من أربعة آلاف قارئ. فهو بحق كتاب قيّم ضخم وقد طبع في مجلدين كبيرين، وعني بنشره المستشرق ج برجستراسر وطبع المرة الأولى سنة ١٣٥١ والمرة الثالثة سنة ١٤٠٢هـ.
стр. 126
كتاب النشر في القراءات العشر
مؤلفه:
هو الحافظ المقرئ أبو الخير شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف العمري الدمشقي ثم الشيرازي الشافعي المعروف بابن الجزري، شيخ الإقراء في زمانه١.
التعريف بالكتاب:
هو سفر جلّ قدره، لما حواه من صحيح النقول وفصيح الأقوال، جمع فيه مؤلفه ﵀ من الروايات والطرق ما لا يعتريه وهن ولا يتطرق إليه شك ولا طعن، على تواتر محكم، وسند متصل، فهو البقية المغنية في القراءات بما حواه من محرر طرق الروايات، هذا إلى ما انطوى في ثناياه من علوم الأداء الجارية في فقه اللغة العربية، فمن علم مخارج الحروف وصفاتها، إلى علم الوقوف وأحكامها، إلى بحوث في الإدغامين، والهمزات والياءين، والفتح والإمالة والرسم، وفني الابتداء والختم، إلى غير ذلك٢.
طبع الكتاب في المكتبة التجارية الكبرى بمصر ثم صوره أصحاب مكتبة دار الكتب العلمية ببيروت، أشرف على تصحيحه الشيخ علي محمد الضباع.
стр. 127
كتاب طيبة النشر في القراءات العشر
مؤلفه:
هو العلامة الحافظ محمد بن محمد بن محمد بن الجزري، شيخ القراء وحجة المحققين١. أما نظمه هذا ففي القراءات العشر، واقتفى أثر الشاطبي في استخدام مصطلحات الكتاب ليسهل على كل طالب استحضار قواعد هذا الفن، وتحصيل مسائله، ونظمها من بحر الرجز، وهي قليلة الألفاظ كثيرة المعاني، جمع فيها طرق القراء ورواياتهم، واعتمد ما في الشاطبية وكتاب التيسير لأبي عمرو الداني، وزاد عليهما الضعف من القراءات والروايات والطرق. وبلغت أبياتها (١٠٠٠) بيت وأول هذا النظم:
قال محمد هو ابن الجَزَري ... يا ذا الجلال ارحمه واستر واغفر
الحمد لله على ما يسره ... من نشر منقول حروف العشرة
ثم الصلاة والسلام السرمدي ... على النبي المصطفى محمدِ
وآله وصحبه ومن تلا ... كتاب ربنا على ما أنزلا
وختم هذا النظم بقوله:
وها هنا تم نظام الطيبة ... ألفية سعيدة مهذبة
بالروم من شعبان وسط سنة ... تسع وتسعين وسبعمائة
وقد أجزتها لكل مقري ... كذا أجزت كل من في عصري
رواية بشرطها المعتبر ... وقاله محمد بن الجزري
يرحمه بفضله الرحمن ... فظنه من جوده الغفران
стр. 128
وقد شرح هذا النظم أبو القاسم النويري١ وطبع هذا الشرح بتحقيق عبد الفتاح السيد سليمان أبو سنة وخرج الجزء الأول سنة ١٤٠٦هـ عن الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية بالقاهرة، ولابن النظام شرح عليها أيضاً، طبع بمطبعة مصطفى الحلبي.
стр. 129
كتاب لطائف الإشارات لفنون القراءات
مؤلفه:
هو الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد بن محمد بن حسين بن علي القسطلاني المصري الشافعي الإمام الحجة الفقيه المقرئ المسند، ولد في القاهرة في الثاني عشر من ذي القعدة عام ٨٥١هـ، ونشأ بها كما ينشأ الفتيان، فحفظ القرآن، وحفظ أيضاً الشاطبية، والطيبة ومتوناً أخرى في فنون الثقافة الإسلامية، ولقي في هذه الفترة شيوخاً كثيرين ممن كانوا يتصدرون في ساحات الجامع الأزهر، وقد بدأ القسطلاني حياته واعظاً إلى جانب إقرائه، ورحل إلى مكة والمدينة وعاش بهما زمناً تلقى فيه عن شيوخهما، وتجمع المراجع على أن وفاته كانت ليلة الجمعة، ثامن المحرم سنة ٩٣٢هـ وأنها كانت لعروض فالج له٢.
стр. 130
التعريف بالكتاب:
الكتاب ليس شرحاً لمتن، ولا تعليقاً، ولا حاشية، ولا اختصاراً لكتاب سبق، لقد طالع القسطلاني أصول القراءات الأربع عشرة، وتلقاها عن شيوخ كبار، عرضاً وسماعاً، ونستطيع معرفة منهج الكتاب ومحتواه من كلامه البليغ، حيث يقول: "إن رام السالك فيه ما يتعلق بنشر القراءات العشر، أو الأربعة الزائدة عليها، على اختلاف طرقها المستنيرة، فاز بآماله، أو أعاريبها على تنوع وجوهها الوجيهة؛ ظفر بكماله، أو الوقف والابتداء، كان له نعم المرشد في الاهتداء، أو علم مرسوم الخط العثماني، حظي بنيل البغية والأماني أو معرفة آي التنزيل وكلماته وحروفه من حيث العدد، منح بحسن المدد، مع ما حواه من محاسن دقائق أنوار التأويل، واشتمل عليه من لطائف أسرار التنزيل، وقد آن أن أطلق عنان القلم لجريانه في ميدان البيان، وأفتح أبواب هذا الكتاب الموصلة لمطالب كنوز هذا الشأن"١.
وللمؤلف كتاب عظيم القدر هو "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" وهو مطبوع شائع مشهور، وغير ذلك من الكتب القيمة في القراءات وغيرها.
طبع كتاب لطائف الإشارات بتحقيق الشيخ عامر السيد عثمان والدكتور عبد الصبور شاهين بالقاهرة سنة ١٣٩٢هـ الجزء الأول منه، وبعد وفاة الشيخ عامر، واصل الدكتور عبد الصبور شاهين في إكماله ويصدر قريباً إن شاء الله الكتاب كاملاً كما أخبرني.
стр. 131
كتاب إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر
مؤلفه:
هو أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني، الملقب بشهاب الدين المشهور بالبنا الدمياطي.
ولد بدمياط١ ونشأ بها، وحفظ القرآن الكريم وجوده، كما برع في علم القراءات ومبادئ العلوم المختلفة على مشايخ دمياط، ولما أراد المزيد من العلم رحل إلى القاهرة، فلازم علماءها، وتلقى عنهم سائر العلوم المختلفة من القراءات والحديث والفقه، والأصول، والتاريخ والسير، وسائر العلوم الشرعية والعربية، حتى وصل ما لم يصل إليه نظراؤه من علماء عصره، ثم رحل بعد ذلك إلى الحجاز فحج، وأقام هناك طلباً للعلم، ثم رجع إلى دمياط ينشر العلم فيها ويستفيد منه العامة والخاصة، ثم عاد مرة ثانية إلى الحجاز فحج وظل مقيماً بالمدينة المنورة حتى توفاه الله تعالى لثلاث خلون من المحرم سنة سبع عشرة ومائة وألف ودفن بالبقيع٢.
التعريف بالكتاب:
ولما كانت "القراءات" هي المقصود الأعظم من تأليف هذا الكتاب سمي بهذا الاسم وإن كان مشتملاً على كل ما يتعلق بالقراءات من علوم
стр. 132
أخرى، وبذلك نستطيع أن نستخلص أهم مميزات هذا الكتاب في النقاط الآتية:
١- جمع علوم القراءات: كاد يكون هذا الكتاب جامعاً لعلوم القراءات كلها في واحد وهو عمل جليل، وجهد عظيم تبع فيه المؤلف طريقة الإمام شهاب الدين القسطلاني، في كتابه "لطائف الإشارات لفنون القراءات" واستدرك عليه كثيراً فوضح الصواب فيها مع الدقة في العزو والأمانة في النقل، وتحدث في أول كتابه على الأمور التالية:
أ- عرف القراءات، وذكر أقسامها المختلفة، ثم عرف بعلماء القراءات الأربعة عشر، ورواتهم وطرقهم، وسبب نسبة القراءات إلى هؤلاء الأئمة بالذات.
ب- عقد فصلاً خاصاً للحديث عن الرسم العثماني وضوابطه، وكل ما يتعلق بقواعد الرسم.
ج- كما عقد فصلاً مستقلاً تحدث فيه عن آداب القرآن الكريم، وكيفية تلاوته وما ينبغي لقارئ القرآن والقراءات، وكيفية جمع القراءات، مسلك السلف الصالح في ذلك.
د- ثم أعقب ذلك كله ببيان أصول القراءات، وتوجيهها من حيث العربية، ثم أعقب ذلك بالفرش، وهو ما يخص كل سورة من سور القرآن الكريم على حدة.
هـ- ثم يذكر المؤلف عند البدء بالسورة اسمها وكونها مكية أو مدنية ثم يثني بالفواصل وعدد الآيات والخلاف فيها موجهاً القراءات من حيث اللغة والإعراب إلخ..
стр. 133
٢- الاهتمام بالتوجيه، لا يكتفي برأي واحد في التوجيه، حتى ولو كان مشهوراً بل يروي كل ما قيل فيها ويشير إلى الراجح منها١.
٣- الاهتمام بالتفسير: الإمام البنا اعتنى بهذه الناحية عناية تامة حيث يتبع الكلام على أوجه القراءات بالحديث عن المعاني التي تفهم تبعاً لهذا الاختلاف٢.
٤- العناية بالأحكام الفقهية: كذلك من مميزات هذا الكتاب أنه - أحياناً - يتعرض لبعض الأحكام الفقهية التي تمس جانب القراءات سواء في الصلاة، أو خارجها٣.
والكتاب طبع في الأستانة سنة ١٢٨٥هـ، ثم بالمطبعة الميمنية بالقاهرة سنة ١٣١٧هـ نشر مكتبة مصطفى البابي الحلبي، وطبع بمطبعة المشهد الحسيني سنة ١٣٥٩هـ.
وأخيراً طبع بتحقيق الدكتور شعبان محمد إسماعيل في مجلدين عن دار عالم الكتب ببيروت ومكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة في طبعة الأولى سنة ١٤٠٧هـ.
стр. 134
المبحث الثاني: أشهر المؤلفات في العصر الحديث
مدخل
...
المبحث الثاني: أشهر المؤلفات في العصر الحديث:-
وبعد هذه الجهود المباركة جاءت على المسلمين فترة ضعف خفتت فيها تلك الجذوة الوهاجة التي شهدتها القرون السابقة، فضعف التأليف في العلوم عامة، وفي علوم القرآن خاصة، ولم يظهر في العالم الإسلامي الواسع من المصنفات إلا اليسير النادر بين الفينة والفينة، يعتمد مؤلفوها على جهود سابقيهم ومصنفاتهم، فغلب على مؤلفاتهم النادرة صبغة الاختصار حيناً، والشرح والتبسيط حيناً آخر، وقد دامت مدة الفتور هذه أكثر من ثلاثة قرون، ولعل أسبابه تعود إلى ما تعرض له العالم الإسلامي من كيد الأعداء، والضربات الموجعة التي تلقاها في مواطن عديدة من دياره، كان أقواها تلك الحملة الصليبية الشرسة التي نكبت بديار الأندلس في المغرب العربي، والأندلس كما هو معروف مركز من مراكز الإشعاع الحضاري والعلمي الذي مد العالم الإسلامي خلال القرون الماضية بنخبة من المفسرين الذين لا يشق لهم غبار، بل يستطيع المرء أن يقرر هنا أن التفسير وعلوم القرآن والقراءات نضج واستوى على سوقه بالصورة المشرقة التي نراها من خلال جهود المفسرين والقراء من الديار المغربية وعلمائها، وبخاصة أهل الأندلس، غير أن الهجمة التي تعرض لها أرض العلم ومأوى العلماء في الأندلس، والاحتلال الذي اغتصب أرض الخير هناك، جعل العلماء الذين هم القادة ينصرفون عن التعليم ليحملوا السلاح، وليدافعوا عن ديار الإسلام لتطهير الأراضي كما كانوا يفعلون لتطهير القلوب وحينما سئل المؤرخ الإسلامي الأستاذ محمود شاكر عن سبب فتور العلم في هذه المرحلة، وعدم ظهور المصنفات، لم يتردد في عزو ذلك إلى انشغال العلماء بالجهاد حيث قال: حين سقطت الأندلس عام ٨٩٧هـ وبدأت سيطرة النصارى توجه العلماء وطلبة
стр. 135
العلم والخيرات إلى المقاومة، وكان العلماء هم الذين يقودون المقاومة. وقد دامت هذه الفترة العصيبة مدة طويلة. قال: ولهذا نجد حقد الصليبية على العلماء وعلى فكرهم إلى يومنا هذا.
وأضاف يقول: وهذه الظاهرة لم تقتصر على العلوم الدينية بل شملت العلوم التجريبية وتابع قوله: وبعد سقوط الخلافة الإسلامية، انحصر كل مصر من أمصار المسلمين بنفسه، واستقل بذاته، وفصلت الديار الإسلامية. وحين رأى الخيرون من أبناء المسلمين أنهم أصبحوا في المساجد، ودفع الناس أبناءهم إليها، وتزاحم الطلبة على أبواب من بقي من أهل العلم، ينهلون المعارف، حتى شهد العالم الإسلامي بفضل الله نهضة مباركة شملت كثيراً من ميادين الحياة، فكانت المرحلة الثالثة في العصر الحديث.
هذا وقد وجدت مجموعة مؤلفات هنا وهناك من ديار الإسلام بين الحين والآخر، من ذلك:
النشر في القراءات العشر، وغاية النهاية في طبقات القراء: للإمام محمد ابن الجزري (ت ٨٣٣هـ) .
الدقائق المحكمة في القراءات: لزكريا الأنصاري (ت ٩٢٦هـ) .
قلائد المرجان في الناسخ والمنسوخ من القرآن: لمرعي بن يوسف الكرمي (ت ١٠٣٣هـ) وقد طبع.
القواعد المقررة والفوائد المحررة في القراءات السبع: للعلامة أبو الإكرام شمس الدين البقري (ت ١١١١هـ) .
تحفة الفقير ببعض علوم التفسير: لشمس الدين أبو عبد الله محمد بن سلامة الإسكندري المالكي (ت ١١٤٩هـ) وقد طبع.
стр. 136
الزيادة والإحسان في علوم القرآن: لابن عقيلة محمد بن أحمد الحنفي المكي (ت ١١٥٠هـ) .
الفوز الكبير في أصول التفسير: لولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦هـ) .
إرشاد الرحمن لأسباب النزول والنسخ والمتشابهة وتجويد القرآن: لعطية الله بن عطية البرهان الأجهوري (ت ١١٩٠هـ) .
لب التفاسير في معرفة أسباب النزول والتفسير: لمحمد بن عبد الله القاضي الرومي (ت ١١٩٥هـ) .
عجيب البيان في علوم القرآن: للشيخ عبد الباسط بن رستم علي بن أصغر القنوجي (ت ١٢٢٣هـ) .
هبة المنان في تحرير أوجه القرآن: للعلامة محمد الطباخ المصري (ت ١٢٥٠هـ) .
جواهر القرآن في التجويد: محمود بن محمد بن مهدي العلوي التبريزي (ت ١٢٨٧هـ) .
وكان الغالب على تلك المؤلفات سمة النقل والانتخاب، يتخللها أحياناً تعليقات وإضافات هي الأخرى مختارة ومنتقاة من علوم الأولين، ويستطيع المرء أن يؤكد هنا فقدان هذه الفترة لعنصر التجديد والابتكار.
في عصرنا الحديث نهضت جملة من العلوم، وشهدت الساحة العلمية تنافساً قوياً في شتى ميادين المعرفة، وقد كان للعلوم الإسلامية عامة وعلوم القرآن بصورة خاصة حظ وافر، ونصيب كبير من ذلك الاهتمام، زادت الصحوة المباركة التي شملت كافة الديار الإسلامية من هذا الاهتمام، فظهرت المؤلفات التي تخصصت بالدراسات القرآنية، وأعاد ثلة من العلماء النظر في
стр. 137
ذلك التراث الضخم الذي بقي مخطوطاً والذي أثقلت رفوف المكتبات العامة والخاصة من حمله، فأخرجته أيدي المحققين، بعد أن نفضت عنه تراب السنين، وعكف الباحثون على تحقيقه وإخراجه بصورة مرضية، وفق أسس منهجية علمية، يعيدون النظر في المواضع التي تحتاج منهم إلى إعادة نظر، فقوموا النص، وأخرجوه على أفضل صورة بعد أن وقفوا على النسخ المتعددة وقابلوا بينها، ولم يأل أولئك جهداً في إثبات التعليقات المفيدة، والإضافات النافعة، وشرح الغامض من الألفاظ والعبارات، وبخاصة تلك التي أصبحت غريبة على جيل العصر، فذيلت الأصول بحواش قربت البعيد، ويسرت الصعيب، وأصبح في إمكان طالب العلم فهم نصوص السلف على مرادهم بيسر وسهولة.
واتجه فريق آخر من أهل العلم إلى الكتابة ابتداءً، ورأى أن لكل جيل مفهومه وقدراته وحاجاته، وأن من حق أبناء العصر أن يقدم لهم العلم بالطريقة التي يفهمونها، وبالأسلوب الذي يرتاحون له، فظهرت المصنفات التي بدا عليها هذه السمات، مع التحقيق والتمحيص بين المنقولات، ويمثل كتاب الأستاذ الدكتور مصطفى زيد "النسخ في القرآن الكريم" واحداً من هذه المصنفات التي عالجت موضوعاً قرآنياً بنظرة حديثة، وكذا كتاب الأستاذ غانم قدوري الذي أسماه: رسم المصحف، دراسة لغوية وتقويمية.
كما كان للاستحداث الذي حدث لأسلوب التعليم في الجامعات والأكاديميات العلمية، أثر عظيم في نوعية التآليف التي ظهرت.
стр. 138
ولأن العصر الحديث قد أفرز على السطح علوماً تجريبية علمية، واعتمدت النظريات العلمية الحديثة والتي على ضوئها شهدت الساحة هذا التفوق الحضاري في الميادين التجريبية، وكانت الحاجة لتفسير نصوص الشرع التي فيها إشارات - قريبة كانت أم بعيدة - تفسيراً علمياً يواكب التقدم ضرورة ملحة، فظهرت المؤلفات التي حاول مؤلفوها مواكبة هذا التطور، وظهر ما يسمى بالتفسير العلمي، فكان فناً من فنون علوم القرآن، وظهر التفسير الموضوعي الذي عالج موضوعاً معيناً من خلال القرآن كله، أو من خلال سورة منه، أو بتتبع لفظة من كتاب الله، وزاد الاهتمام بإظهار جوانب الإعجاز العلمي في القرآن، وظهرت المؤلفات في الإعجاز الطبي والكوني. وغير ذلك، والمؤلفات في ذلك كثيرة لعلنا نشير إلى بعضها في ختام هذا البحث.
كما دعت الحاجة حين أصبح التواصل بين شعوب العالم يسيراً، إلى تقديم ترجمات ميسرة من معاني كتاب الله إلى تلك الشعوب، فأصبح البحث الدقيق في مسألة ترجمة معاني القرآن إلى تلك اللغات العالمية، أمراً في غاية الضرورة. وقل مثل هذا في عدد العلوم التي دعت حاجة العصر إلى نشوئها أو التعمق فيها.
أريد أن أؤكد هنا أن العصر الحالي قد أوجد مجموعة من العلوم لم تكن موضع اهتمام العلماء السابقين لكونها لم تكن من قبل، أو لأنها لم تتضح لهم بمثل ما اتضح للجيل الذي عاصر التقدم العلمي في المجالات التجريبية.
стр. 139
وعلى العموم يستطيع المرء أن يؤكد أن التأليف في علوم القرآن في العصر الحديث قد اتصف بالآتي:
عدم التجديد غالباً، والاعتماد شبه الكامل على علوم الأقدمين وكتاباتهم.
سهولة العبارة، وعدم التعمق، في الغالب أيضاً.
التكرار، وعدم التوثيق.
التركيز على بعض العلوم دون بعض.
جودة التبويب، وحسن العرض والترتيب.
ظهور فنون جديدة لم تكن عند الأقدمين، أو لم تكن موضع عنايتهم.
ومن أهم المؤلفات التي ظهرت في العصر الحديث وهي كثيرة أذكر منها:
стр. 140
أولاً: المؤلفات الموسوعية:
يغلب على المؤلفات الموسوعية في عصرنا الحالي سمة الانتخاب والاختصار، وقد اعتمد المؤلفون في كتابتهم على كتابي الإتقان للسيوطي، والبرهان للزركشي، وكان السيوطي هو الأكثر اعتماداً.
وتفاوتت نظرة المؤلفين إلى الفنون التي اختاروها لدراستها، فربما كان الاختيار خاضعاً لأنظمة الجامعات التي تقرر بعض الموضوعات على طلبتها مقررات دراسية، كما تفاوتت معالجتهم لتلك الفنون، إذ غالب المؤلفات الموسوعية في هذا العصر هي في الأصل محاضرات ألقيت على الطلبة، ثم جمعها كاتبها ونشرها كتاباً مستقلاً، سواء أدخلت عليها التعديلات التي ترتقي بها إلى مستوى إخراجها كتاباً مستقلاً، أم لم تدخل.
стр. 141
وأود أن أشيد هنا ببعض تلك البحوث والكتابات التي كانت جادَّة في معالجتها، قوية في مضامينها، رائدة في بابها، حملت لطلبة العلم نظرات علمية فاحصة، يشهد المرء لكاتبها بعمق التفكير، وسلامة الاختيار، وقوة الدليل وصحته، فيسلم لكثير من ترجيحاتهم، وتهدأ النفس لأدلتهم وطريقة معاجلتهم، ولهذا ذاع صيتها وانتشرت بين طلبة العلم حتى صنفت في مستوى أمهات المؤلفات. وخير مثال نقدمه هنا هو كتاب "مناهل العرفان" للأستاذ عبد العظيم الزرقاني ﵀ وكتاب "التفسير والمفسرون" للأستاذ محمد حسين الذهبي ﵀ و "مباحث في علوم القرآن" للشيخ مناع القطان، ولصبحي الصالح، و "علوم القرآن، مدخل إلى تفسير القرآن وبيان إعجازه" للأستاذ عدنان زرزور، و "مدخل إلى علوم القرآن والتفسير" للدكتور فاروق حماده، وغيرها.
ومن أهم المؤلفات الموسوعية التي ظهرت في هذه المرحلة:
الإيجاز والبيان في علوم القرآن: محمد صادق قمحاوي.
تاريخ القرآن: د/ عدنان زرزور.
البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة: لعبد الفتاح القاضي (ت ١٤٠٣هـ) .
البيان في علوم القرآن: محمد حسنين مخلوف العدوي.
البيان في مباحث من علوم القرآن: الشيخ عبد الوهاب غزلان.
التبيان في علوم القرآن: د/ القصيبي محمود زلط.
التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن على طريقة الإتقان: الشيخ طاهر بن صالح بن أحمد الجزائري الدمشقي (ت ١٣٣٨هـ) .
стр. 142
دراسات في أصول تفسير القرآن: د/ محسن عبد الحميد.
دراسات في التفسير ورجاله: أبو اليقظان عطية الجبوري.
دراسات في علوم القرآن: د/ أمير عبد العزيز.
دراسات في علوم القرآن: د/ عبد القهار داود العاني.
دراسات في علوم القرآن الكريم: د/ فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي.
دراسات في علوم القرآن: د/ محمد أمين فرشوخ.
دراسات في علوم القرآن: د/ محمد بكر إسماعيل.
علوم القرآن: د/ أحمد عادل كمال.
علوم القرآن: د/ عبد المنعم النمر.
علوم القرآن: د/ عزت حسين.
علوم القرآن: د/ محمد الكومي، ود/ محمد القاسم.
علوم القرآن: مدخل إلى تفسير القرآن وبيان إعجازه: د/ عدنان زرزور.
علوم القرآن المنتقى: د/ فرج توفيق الوليد ود/ فاضل شاكر النعيمي.
علوم القرآن والحديث: الشيخ أحمد محمد علي داود.
في علوم القرآن: كفافي الشريف.
القرآن المجيد، تنزيله، أسلوبه، أثره، جمعه: محمد عزة دروزه.
القرآن الكريم، تاريخه وآدابه: إبراهيم علي عمر.
لمحات في علوم القرآن واتجاهات المفسرين: د/ محمد لطفي الصباغ.
مباحث في علوم القرآن: د/ صبحي الصالح.
стр. 143
مباحث في علوم القرآن: فضيلة الشيخ مناع بن خليل القطان.
المعجزة الكبرى القرآن (نزوله - كتابته - جمعه - إعجازه - جدله - علومه - تفسيره - حكم الغناء به) : محمد أبو زهرة.
معجم القراءات القرآنية: د/ أحمد مختار عمر ود/ عبد العال سالم مكرم.
مدخل إلى علوم القرآن والتفسير: د/ فاروق حمادة.
المدخل لدراسة القرآن الكريم: محمد محمد أبو شهبة.
المرشد الوافي في علوم القرآن: د/ محمود بسيوني فوده.
المنار في علوم القرآن: د/ محمد علي الحسن.
مناهل العرفان في علوم القرآن: محمد بن عبد العظيم الزرقاني (ت ١٣٦٧هـ) .
من علوم القرآن: د/ عبد الفتاح القاضي.
من علوم القرآن: د/ فؤاد علي رضا.
يتيمية البيان في شيء من علوم القرآن: محمد يوسف البنوري.
стр. 144
ثانياً: المؤلفات الموضوعية:
فرق بين المؤلفات الموضوعية عند الأقدمين عنه عند المتأخرين، فالأقدمون كان اهتمامهم منصباً على الموضوعات التي تخدم كتاب الله، وتيسر سبل فهمه، وتلك التي تهتم بتاريخ القرآن، فكانت ألصق بمصطلح علوم القرآن الذي أطلقناه من قبل بمفهومه الخاص، بخلاف المتأخرين الذين وجهوا اهتمامهم إلى الموضوعات والدراسات القرآنية التي تتعلق بالنص القرآني، فقد
стр. 145
لقيت هذه الموضوعات منهم عناية خاصة في هذه المرحلة، وكان حظها من التأليف أفضل من غيرها، ولعل سبب ذلك يعود إلى ما ذكرنا من قبل من توجه المتأخرين إلى البحوث التخصصية الدقيقة التي تفي بحاجة العصر، فتوضح المشكل، وتقرب البعيد، ولعل آخر هذه البحوث التي وقعت في يدي ما كتبه الدكتور الفاضل عبد العزيز القارئ حول "حديث الأحرف السبعة"، وما كتبه الدكتور محمد بن عبد الرحمن الشايع عن "أسباب اختلاف المفسرين"، وما كتبه الشيخ مساعد بن سليمان الطيار بعنوان "فصول في أصول التفسير".
إضافة إلى أن الجامعات ودور العلم في الفترة الأخيرة من العصر الحديث يسرت الدراسة في أقسام الدراسات العليا بكلياتها أكثر من ذي قبل، والتحق طلبة العلم بالتخصصات الدقيقة في علوم القرآن والتفسير، وقدمت البحوث التخصصية التي هي من متطلبات الحصول على الدرجات العلمية، تحت إشراف نخبة من أهل العلم، فظهرت بحوث قيمة هنا وهناك، وظهر ثلة من الباحثين المتخصصين الذين قدموا بحوثاً جليلة غيرت كثيراً من المفاهيم السائدة والخاطئة، واشتهرت تلك الرسائل حتى أخذت مكانها بين أمهات الكتب، وإن كان أغلبها قد بقي مخطوطاً. ومن الرسائل التي اشتهرت "دستور الأخلاق في القرآن" للأستاذ القدير محمد عبد الله دراز – ﵀، وكتاب "اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر" و "منهج المدرسة العقلية في التفسير" وكلاهما لفضيلة الدكتور/ فهد بن عبد الرحمن الرومي - حفظه الله - ومدرسة التفسير في الأندلس للأستاذ/ مصطفى إبراهيم المشني، وابن جزي الكلبي ومنهجه في التفسير للأستاذ/ علي ابن محمد الزبيري. وغيرها.