← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8519

الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم

عبد الراضي عبد المحسن

Полный текст (113 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ال مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وبعد: لعلّ أطروحة صمويل هنتنجتون التي دوَّت فى الهزيع الأخير من القرن الميلادي المنصّرم، كانت أمثل تعبير عن حقيقة ما يعتور عالمنا المعاصر من صراع حضاري ذي جوهر دينيّ. ولم يكن سيل الكتابات الغربية التي تجعل من الإسلام وأمته وحضارته وعالمه عدوّ الغرب الحاليّ والمستقبليّ الذي يمثل امبراطورية الشر بعد زوال المعسكر الشيوعي، إلا تجسيداً لأحد أبعاد ذلك الصراع الضاري (١) . وهذا الجانب الملتهب من جوانب الصراع وإن كان هو المستحوذ على غالب الاهتمام، إلا أن هنالك جوانب أخرى تماثله فى الأهمية، بل قد تفوقه فى الخطورة؛ لأن المستهدف فيها هو القلوب النابضة والعقول المحركة للقاطرة البشرية.

стр. 2

ومن تلك الجوانب حرب المعتقدات ومعركة الثقافة، التي تأتى فى مقدمتها الغارة التنصيرية على القرآن الكريم. تلك الغارة الشرسة التي استهدفت أصالة القرآن الكريم بوصفه كلام الله المنزل على خاتم رسله محمد ابن عبد الله ﷺ فكانت الدافع إلى هذه الدراسة بفعل ماخلَّفته من افتراءات وشبهات ودعاوى روجتها الجدليات التنصيرية، فقد كانت هذه الافتراءات قوية الأثر إلى الحد الذي انخدع له بعض الدارسين (١) . ولم تكن الردود على تلك الافتراءات تدانيها في الأثر، في الوقت الذي كان ينبغي أن تكون الردود أقوى حتى لا تبقي مجالا للشكوك أو الشبهات. وربما يعود ذلك فى جانب منه إلى عدم التخصص المنهجي للدارسين، حيث جاءت هذه الردود عرضاً فى سياقات مختلفة من الحديث عن الإسلام أو الفكر الإسلامي وعلاقته بالغرب من غير المتخصصين، وقد مثَّل ذلك التناول الثانوي ثاني أسباب قصور تلك الردود. بينما يتطلب هذا النوع من الدراسات إلماماً بجوانب معرفية عديدة، مثل: تاريخ الأديان، المعتقدات الدينية لدى أهل الكتاب، مضمون الكتب المقدسة، مناهج النقد العلمي: كالمنهج المقارن ومنهج نقد النصوص، والنقد الشكلي والنقد التاريخي. وتهدف هذه الدراسة إلى تحصين المسلم المعاصر وتزويده بنظرة نقدية للفكر التنصيري حول القرآن الكريم، وتاريخ الجدل ضد أصالته، ومسالك

стр. 3

المنصرين فى جدلياتهم ضد أصالة القرآن الكريم بما يتمكن معه المسلم المعاصر من الفكاك من أسر الأطروحات التى قدمها التنصير خلال مراحل ارتقائه التاريخي منذ نشأته حتى يومنا هذا. كما تهدف الدراسة من جانب آخر إلى توجيه الدعاة إلى الله بين غير المسلمين إلى الردود والشواهد العقلية والنقلية، والبراهين العلمية، والحقائق التاريخية التي تعينهم في الدعوة إلى كتاب الله، وتمكنهم في الوقت نفسه من تصحيح المفاهيم المغلوطة التي روّجها المنصِّرون حول القرآن الكريم بغرض صرف الناس عنه. وقد جاءت الدراسة فى خمسة مباحث، وفق الخطة التالية: المبحث الأول: حقيقة التنصير ـ مفهوم التنصير خطورة التنصير في مجال القرآن الكريم ـ ضرورة مواجهته المبحث الثاني: دوافع الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم ١ ـ صرف الأنظار بعيداً عن القرآن ٢ ـ موقف القرآن من كتب أهل الكتاب ومعتقداتهم ٣ ـ إبطال المعجزة القرآنية المبحث الثالث: تاريخ الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم أـ دور التأسيس (جدليات المشرقيين) ١ ـ يوحنا الدمشقي ٢ ـ تيودور أبو قرة

стр. 4

٣ ـ بارشولوميو الرهاوي ٤ ـ عبد المسيح الكندي ٥ ـ بولس الأنطاكي ٦ ـ ابن كمونة اليهودي ب ـ الجدل البيزنطي جـ ـ مرحلة الأندلس د ـ مرحلة الحروب الصليبية ١ ـ بطرس المحترم ٢ ـ روجر بيكون الراهب الفرنسيكاني ٣ ـ وليم الطرابلسي ٤ ـ ريموند مارتني هـ مرحلة التنصير المؤسَّسي المؤسسة الأولى: التبشير المؤسسة الثانية: الاستشراق المبحث الرابع: مسالك الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم المسلك الأول: ترجمة القرآن المسلك الثاني: البحوث التنصيرية حول القرآن المسلك الثالث: إصدار الدوريات والقواميس ودوائر المعارف المتخصصة المسلك الرابع: ترويج المزاعم وإثارة الشبهات المبحث الخامس: تفنيد مزاعم الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم ١ ـ دلائل تهافت الدعوى الأولى ((القرآن تلفيق من اليهودية والنصرانية)) :

стр. 5

أولا: شخصية الرسول ﷺ ثانيا: تاريخ كتب العهدين القديم والجديد ـ النسخة العربية ـ تعدد نسخ العهد القديم والجديد ثالثا: إعجاز النظم القرآني رابعاً: الاختلاف بين اليهودية والمسيحية والإسلام فى أصول الإيمان خامساً: أثر القرآن والتوراة والإنجيل فى الارتقاء بجوانب الحضارة الإنسانية الجانب الأول: الأخلاق الجانب الثاني: المجتمع الجانب الثالث: العلم سادساً: تأثير الإسلام في اليهودية والنصرانية ٢ ـ دلائل تهافت الدعوى الثانية ((القصص القرآني تكرار لقصص التوراة والإنجيل)) : الدليل الأول: اختلاف منهج القصص في القرآن عن المنهج القصصي فى التوراة والإنجيل الدليل الثاني: تباين أهداف القصص في القرآن والتوراة والإنجيل الدليل الثالث: القصص الذي انفرد به القرآن الدليل الرابع: نتائج المقارنة بين القصص المتناظر في القرآن والتوراة والإنجيل أـ رواية خلق العالم ب-الطوفان ج-قصة يوسف مصادر ومراجع البحث

стр. 6

المبحث الأول: حقيقة التنصير مفهوم التنصير ... المبحث الأول: حقيقة التنصير التنصير يطلق على النشاط الذي تمارسه أفراد وهيئات ومنظمات أجنبية في الأراضي الإسلامية ضد العقيدة والمجتمع في الإسلام. وقد طرحت الكلمة ترجمة للمصطلح الأوربي Missions بديلاً عن كلمة ((التبشير)) (١) ، وهو ما نختلف معه، وذلك لأسباب تتعلق بصحة ترجمة اللفظ وبمفهومه، وهي: ـ ١ ـ الترجمة الصحيحة لكلمة Mission هي (التبشير بالدين المسيحي ـ المأمورية ـ البعثة) وليس التنصير (٢) . ٢ ـ الهدف النهائى لذلك النشاط الهدام ليس إدخال المسلمين فى النصرانية، كما سيتبين لنا فيما يأتي. ٣ ـ لا مسوغ لعدم الرضا عن مصطلح التبشير خشية ظلاله الحسنة، لأن التبشير قد عبّر به القرآن الكريم عن الحسن والطيب، وعبرَّ به كذلك عن السوء والشر ومالا تحمد عقباه،كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (آل عمران / ٢١) وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾

стр. 7

وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ (النحل / ٥٨ ـ ٥٩) وكقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (لقمان/٧) . فالعبرة بمضمون البشارة وليس بظلال المصطلح. ٤ ـ أن المستهدف بهذه الإرساليات والبعثات الدينية ليس المسلمين وحدهم، بل إن التبشير يمارس ضد طوائف النصارى الشرقيين من أرمن وقبط وأرثوذكس (١) . ٥ ـ كثير من أفراد البعثات التبشيرية قد انضم إليها لتحقيق أغراض ومآرب شخصية، مثل: السياحة والتجارة وغير ذلك (٢) . ٦ ـ التبشير هو إحدى مؤسسات التنصير وليس كلَّ التنصير؛ مما يجعل من قصر مصطلح التنصير على العمل التبشيري وتخصيصه به تمويهاً على المستهدفين بالتنصير وتحويل أنظارهم بعيداً عن نشاط المؤسسات التنصيرية الأخرى، التي ربما يفوق تأثيرها الهدَّام تأثير التبشير. ٧ ـ أن كلَّ مبشِّر منصِّر، لكن ليس كلُّ منصِّر مُبشِّراً أما عن مفهوم التنصير فى البيئة الإسلامية فقد صيغ المفهوم وتحددت وظيفته فيما يؤدي إلى إخراج المسلمين من دينهم وليس بالضرورة إدخالهم في النصرانية (٣) . وهذا المفهوم الحديث للتنصير يلمس أحد أبعاد العمل التنصيرى، لكن هناك أبعاد أخرى لحقيقة التنصير لا يمكن الوقوف عليها إلا بإدراك طبيعة

стр. 8

الصراع الكوني بين الديانات الكبرى من أجل استحقاق شرف ريادة الإنسانية وقيادتها، تلك القيادة التي تستمد مشروعيتها من امتلاك الحقيقة المطلقة المؤسَّسة على الوحي.

стр. 9

خطورة التنصير في مجال القرآن الكريم ... ولمَّا كان الإسلام قد أثبت صدق دعواه امتلاك الحقيقة المطلقة والقدرة على قيادة الإنسانية باختلاف أجناسها وشعوبها وتطلعاتها وآمالها، وذلك بما أنجزه فى حيز التطبيق الفعلي لذلك الاستحقاق، حيث استطاع في قرن ونصف من الزمان أن يجمع تحت رايته أكثر من ثلثي المسكونة من بيض وسود، وعرب وعجم، وبربر وترك وهنود وقوقاز، سوّى بينها فى الحقوق والواجبات، وصهرها في بوتقة ألَّفت أزهى عصور التاريخ: حضارة وعلماً وأخلاقاً. فإن تلك القدرة الهائلة للإسلام قد أذهلت أهل الكتاب الذين قعدت بهم دياناتهم عن تبوّء تلك المنزلة أو ما يدانيها، على الرغم من الفترة الزمنية السحيقة التي قرعت العالم فيها نواقيس اليهودية والنصرانية. لهذا أدرك أهل الكتاب خسارتهم معركة التحدي الكونية، بسبب فقد ديانة العهد القديم والعهد الجديد المقومات الذاتية اللازمة لقيادة الإنسانية والارتقاء بها حضارياً وأخلاقياً، فعمدوا إلى سلوك طريق آخر يستهدف إقصاء الإسلام (١) عن الحلبة الكونية نهائياً؛ حتى يتسنى لهم قيادة السفينة وامتلاك مقدراتها بما يدّعون من حقٍّ إلهى مقدس.

стр. 10

ضرورة مواجهته ... فكانت المواجهة مع الإسلام والصراع ضده هي السبيل لتحقيق ذلك الهدف، وقد اتخذ ذلك الصراع شكلين أساسيين هما الحروب العسكرية التدميرية، وحرب العقيدة والفكر التي تسعى للنيل من: الإسلام، ونبيِّه، وكتابه، ومعتقداته، وشرائعه، ونُظُمه؛ بهدف زعزعة عقيدة المسلم وتشكيكه في دينه، مما يقود إلى الخروج من الإسلام وليس بالضرورة الدخول فى النصرانية (١) . ويكشف لنا هذا الغرض النهائي من حرب العقيدة والفكر سرَّ المشاركة الفعالة لليهود في الصراع ضد الإسلام جنبا إلى جنب مع النصرانية رغم كراهيتهم واحتقارهم لها، إذ إن المسلم الذى يخرج عن دينه لن يصلح للإنسانية في شيء فيكون خروجه نكاية من اليهودية فى الإسلام، فإذا اعتنق النصرانية فذلك نكاية من اليهودية في الإسلام والنصرانية معاً. قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ﴾ (البقرة: ١٠٩) . وعلى ذلك يكون الصراع ضد الإسلام عملاً يهودياً نصرانياً مشتركاً تنوعت فيه الأدوار وتوزعت التخصصات ما بين: الخبراء، وشركات الأعمال، والمؤسسات، والإرساليات، والجيوش، ووزارات الخارجية،

стр. 11

ووكالات الاستخبارات، وأساتذة الجامعات، والمراكز والمعاهد العلمية، والمستشرقين، وصانعي السياسة (١) . وهذا الصراع الذي يؤلف جوهر الغارة التنصيرية على العالم الإسلامي (٢) ، يجعل من حصرنا فعاليات التنصير فى نشاط الإرساليات التبشيرية فهماً قاصراً لطبيعة التنصير وأبعاده وأدواته، فما هذا النشاط إلا أحد آليات التنصير، ولذلك فإن تخصصه وحده باسم التنصير وصرف الهمم تجاهه وحده واستنزاف الجهد في تتبع وسائله وممارساته، ليكون وجها ثانياً من وجوه القصور فى فهم طبيعة الغارة التنصيرية في جانبها العقدي، فهذا الجانب يشتمل على: جدليات، ودعاوى، ومزاعم، وشبهات مثارة من قِبَل دوائر تنصيرية عديدة إلى جانب الإرساليات التبشيرية ووعاظها، منها: الاستشراق، وكالات الاستخبارات، وسائل الإعلام، مراكز البحوث والمعاهد العلمية. من جهة ثانية فإن أخطر نتاج الغارة التنصيرية الذي يجب أن يكون محل الاهتمام عبر دوائر التنصير المختلفة هو الجدليات التي استهدفت أصالة القرآن الكريم؛ نظراً للتلازم بين القرآن والرسول ﷺ كما قال تعالى:

стр. 12

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت/٥٣) . فالضمير فى ((أنه الحق)) كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((يرجع إلى القرآن، فإذا كان القرآن حقا لزم كون الرسول الذى جاء به صادقاً يجب التصديق بما أخبر وإطاعة ما أمر واجتناب ما نهى)) (١) . وتكمن خطورة الجهد التنصيري في هذا المجال ليس فقط فيما يستهدفه، بل في كثرة المؤسسات والمنظمات التنصيرية التي تقوم به وتنوعها ما بين علمية وثقافية ودينية واجتماعية، فقد أثمر ذلك الجهد الهائل عن نجاح، إن لم يكن في تحقيق المسعى بتحويل المسلمين عن دينهم، فقد تمثل في تنشئة طبقة من المثقفين المتعاطين لمنتجات الفكر التنصيري الثقافية والعقدية، وإسهام هذه الطبقة في حقل الجدل التنصيري ضد القرآن الكريم ربما يكون أكبر بسبب ما لها من سلطة فكرية وحضور ثقافي ومكانة علمية برّاقة، مكنتها من القيام بدور المخبر الثقافي والنائب المحلّي للفكر التنصيري في بلاد العالم الإسلامي. ومثل هذا الجهد التنصيرى الضخم يتطلب لمواجهته عملا جماعياً منظماً لا يفي به بحث هنا أو مقال هناك. إن متابعة هذا النشاط الواسع لا تقوم به إلا مؤسسات، ونحن نفتقد حتى يومنا هذا مؤسسة متخصصة في هذا النشاط والرد على جدلياته.

стр. 13

المبحث الثاني: دوافع الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم صرف الأنظار بعيدا عن القرآن ... المبحث الثاني: دوافع الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم تتعدد دوافع الجدل التنصيري ضد القرآن الكريم، فمنها دوافع خاصة بأهل الكتاب ومنها دوافع عامة لكل خصوم القرآن من كتابيين وغيرهم. ومن تلك الدوافع التي يمكن رصدها: ١ صرف الأنظار بعيداً عن القرآن وقد كان ذلك هدفاً لمشركي مكة، وسعوا إلى تحقيقه بوسائل عدة منها: صدُّ الناس عن القرآن، والتصفيق والصفير عند تلاوته وإثارة المزاعم والشكوك حوله. وكان ظن المشركين أن ذلك مجلبة للغلبة والنصر، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت/٢٦) . وهذا ما اعتقده المنصرون تماما، يقول المنصرِّ وليم جيفورد بالكراف: ((متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه)) (١) .

стр. 14

والمقصود بالحضارة التي حال القرآن بين المسلمين وبينها فيما أشار إليه المنصِّر هي الحضارة ذات المفهوم الغربي للكون والحياة، ذلك النموذج الذي أكد ((جيانى ديميكليس)) رئيس المجلس الوزاري الأوربي على ضرورة فرضه وإلا فالحرب هي الخيار (١) . ولاشك أن المناعة الذاتية الجبارة التي خلقها القرآن في المسلمين قد حالت بينهم وبين الاندحار الحضاري أو السقوط المدوي أمام التكالب الأممي لجحافل التتار والصليبيين في الماضي وأمام الغزو الاستعماري في العصر الحديث، وكذلك جعلت من إمكان تنصير المسلمين مرهونة بإبعادهم عن القرآن وصرف أنظارهم عنه، وقد تجلّى انكشاف تلك الحقيقة الثمينة في تأكيد غلاد ستون أحد موطدي دعائم الامبراطورية البريطانية في الشرق الإسلامي: ((مادام هذا القرآن موجوداً فلن تستطع أوربا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان)) (٢) .

стр. 15

٢ ـ موقف القرآن الكريم من كتب أهل الكتاب ومعتقداتهم . حدد القرآن الكريم بوضوح وجلاء موقفه من الكتب السابقة، متمثلا في: أ - الهيمنة عليها، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ (المائدة/٤٨) .

стр. 16

ب - أفضليته وكماله، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ﴾ (الزمر/٢٣) ، وترجع أفضلية القرآن على غيره من الكتب إلى كماله من جهتين: أولاهما: تبيانه لكل شيء، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام/٣٨) ، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل/٨٩) ، والثانية: إرشاده إلى غاية ما يصبو إليه الإنسان وما يحقق له كمال الدنيا والدين، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء/٩) . جـ – كشف التحريف والتبديل الواقع فيها: بالإخفاء والكتمان: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ (الأنعام/ ٩١) ، أو بالنسيان: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (المائدة/١٤) ، أو بالوضع: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة/٧٩) ، أو بالتغيير المتعمد: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة/٧٥) . ورفض القرآن زعم اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، وبكَّتهم وذم أخلاقهم وفضح خطيئاتهم بما يعنيه ذلك من طعن فى مشروعية امتلاك حق مقدس فى قيادة البشرية. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى

стр. 17

نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (المائدة/١٨) . وأنكر عليهم دعواهم صلب المسيح؛ ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء: ١٥٧ ـ ١٥٨) . وكفّر الذين قالوا ببنوة المسيح وألوهيته: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبة/٣٠) . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة/١٧) . وقد كان هذا الموقف القرآني الدقيق من العهدين القديم والجديد ومعتقداتهما جداراً صلباً أمام نجاح الفكر التنصيري أو ما يرتبط به من رؤى حضارية فى اختراق الحياة الروحية أو صمود العقيدة الإسلامية، مما دفع بدهاقنة العمل التنصيري إلى التساؤل بعد أربعة عشر قرنا من بدء الغارة التنصيرية (١) : ـ هل من الممكن حقا إقناع المسلم بأن النصارى لم يزوِّروا الكتاب المقدس؟ أو أنهم ليسوا مشركين؟ أو أن المسيح هو أكثر من كونه ابن مريم كما هو مذكور فى القرآن؟ أو أن صلب المسيح وبعثه قد تم فعلا؟.

стр. 18

ـ هل الإسلام بوصفه ديناً قائماً على الكتاب (القرآن) يعقِّد عملية قبول النصرانية أو ييسِّرها؟ وبأية وسيلة؟ ـ كيف يمكننا التغلب على النصوص القرآنية التي تكذب بعض الأجزاء المهمة من رؤية العهد الجديد؟

стр. 19

٣ ـ إبطال المعجزة القرآنية لما كان القرآن الكريم هو دليل نبوة محمد ﷺ الأكبر، وبرهانها الساطع وحجتها البالغة وأخص آياتها. وأظهر علاماتها بسبب اجتماع الوحي المدَّعى والدليل المعجز الذي تحدى به النبي ﷺ العالم إنسه وجنّه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الإسراء/٨٨) . لذلك فقد أدرك المنصرون أن القرآن أقوى أسلحة المسلمين وأمضاها في صراعهم ضد جحافل التنصير، فعملوا جاهدين على إبطال فاعلية هذا السلاح، بتحجيم قيمته، من مضمونه، ونفي أصالته، تمهيداً لمحاولة سلب محمد ﷺ شرف النبوة بحجة: ((عدم وجود معجزة تؤيد نبوته)) (١) . وقد حدد الواعظ التنصيري ((جون تاكلى)) هذا الباعث من الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم، قائلا: ((يجب أن نستخدم كتابهم

стр. 20

وهو أمضى سلاح في الإسلام ضد الإسلام نفسه لنقضي عليه تماماً. يجب أن ترى الناس أن الصحيح في القرآن ليس جديداً وأن الجديد فيه ليس صحيحاً)) (١) . ويمكن القول بأن افتراض نجاح الجهد التنصيري في فك التلازم الضروري في الإسلام بين القرآن والوحي والرسول المبلِّغ، ذلك التلازم المستند إلى إلهية مصدر القرآن، لسوف يؤدى إلى ((الضعف التدريجي في الاعتقاد بالفكرة الإسلامية وما يتبع هذا الضعف من الانتقاص والاضمحلال الملازم له، وسوف يفضي بعد انتشاره في كل الجهات إلى انحلال الروح الدينية من أساسها)) (٢) .

стр. 21

المبحث الثالث: تاريخ التنصيري ضد أصالة القرآن أ-دور التأسيس (جدليات المشرقيين) ... المبحث الثالث:تاريخ الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن بدأ الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن – مبكراً جداً- مع أول صدام بين المسلمين والجماعات المسيحية في الأراضي الخاضعة للدولة البيزنطية، وقامت الشام بأكبر الأدوار وأهمها في تاريخ الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن، وقد تعددت مراحل الجدل التنصيري ضد القرآن، وتباينت معها أساليب الجدل وأطروحاته، فيما يمكن رصده من خلال الأدوار التالية التي مرَّ بها الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن: أدور التأسيس (جدليات المشرقيين) . كان الشرق مهداً لنشأة الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم، نظراً لأنه كان نقطة التقاء الإسلام الفاتح بعقائده وكتابه وشرائعه مع المسيحية الشرقية بمذاهبها المختلفة من أرثوذكسية بيزنطية حاكمة، ونسطورية مخالفة، وآريوسية توحيدية. يضاف إلى ذلك العامل اللغوي الذي مكّن مجادلي التنصير المشرقيين من الاطلاع بيسر وسرعة على القرآن الكريم في لغته العربية، والوقوف على ما احتواه من عقائد وشرائع وأخلاق وقصص، ومن ثمّ الشروع في الجدل ضده، بخلاف مجادلي الغرب اللاتين الذين احتاجوا إلى عدة قرون كى يتمكنوا من قراءة القرآن في إحدى ترجماته. ويمكن في هذه المرحلة تمييز عدد من رموز الجدل التنصيري. وهي:

стр. 22

١ ـ يوحنا الدمشقي (ت ٧٥٠م) . يوحنا الدمشقي (ت:٧٥٠م) أحد أكبر آباء الكنيسة الأرثوذكسية، وبسبب قيمته الدينية الكبرى نال لقبين ذوي شأن، فلقِّب بـ ((القديس يوحنا)) ، ((يوحنا ينبوع الذهب)) ، وبحكم كونه في خط الصراع الأول ضد الإسلام فإنه سارع بالعكوف على القرآن الكريم تفلية ونبشاً، مسخِّراً إتقانه العربية، وموظِّفاً إلمامه بالبيئة الثقافية الإسلامية التي يعيش في رحابها ويعايش أعلى مستوياتها العلمية والسلطوية حيث كان من كبار موظفي بلاط الخلافة الأموية (١) . وقد عُدَّ يوحنا الدمشقي بالنسبة للكنيسة الشرقية مثل توما الإكويني بالنسبة للكنيسة الغربية بسبب استخدامه الدلائل العقلية إلى جانب الدينية في خدمة الإيمان الأرثوذكسي وتسويغه وذلك باستخدامه الفلسفة اليونانية والهللينستية في تفسير الدين والدفاع عنه (٢) .

стр. 23

وقد انتهى يوحنا الدمشقي إلى عدة آراء جدلية ضد الإسلام والقرآن والرسول، لخّصها في كتابه (ينبوع المعرفة) الذي قسمه ثلاثة أقسام، أولها عن المنطق والفلسفة والثاني عن البدع والثالث شرح لمبادئ الدين القويم، وقد خصص الفصل (١٠٠ / ١٠١) في قسم البدع للجدل ضد الإسلام، وتتلخص رؤية يوحنا الدمشقي للإسلام ونبيه وكتابه فيما يلى (١) : ـ أـ التشكيك في كون الإسلام امتداداً لحنيفية إبراهيم، لذلك يصف المسلمين على نحو لا يخلو من الخبث، بالسرازانيين (٢) (Saracens) ويعد أول كاتب مسيحى يستخدم هذا التشويه الاتيمولوجى لأغراض الجدل العنيف، كذلك يصف المسلمين بـ ((المفسدين)) وهى التسمية التى ستكثر في الجدليات التالية ليوحنا. ب ـ يعالج الإسلام على أنه هرطقة مسيحية. جـ ـ يقدم الإسلام على أنه مُؤْذن بالمسيح الدجّال. د ـ يجعل الرسول ﷺ أحد أتباع آريوس، كما يجعله على عقيدة المذهب النسطورى، وذلك بسبب تأكيده على أن المسيح مخلوق وإنسان مجرد، وذلك ما قال به آريوس ونسطور.

стр. 24

هـ ـ يحصر ما جاء به النبي ﷺ في أمرين: أولهما: معرفته الضحلة بما قلَّتْ قيمته من أسفار العهدين القديم والجديد اللذين وقع عليهما النبي ﷺ مصادفة. الثاني: ما أخذه النبي ﷺ عن الراهب الأريوسي (بحيرا) . وـ القرآن نتاج لأحلام اليقظة؛ لأن الرسول ﷺ تلقاه وهو نائم. ويمكن القول بأنه لا خلاف على ريادة الدمشقي للجدل التنصيري ضد الإسلام، كذلك يمكننا القول بأن جدليات يوحنا ضد القرآن هي الأهم في تاريخ الجدل التنصيري ضد القرآن حيث وضع الدمشقي آراءه في قوالب جدلية مكثفة أصبحت ركيزة الجدل التنصيري في كل أدواره ومراحله التالية، فقد ردد جميع المجادلين بعده بعض أو كلّ قوالب الدمشقي: ((الإسلام هرطقة مسيحية ـ القرآن تلفيق من العهد القديم والعهد الجديد ـ تعلم النبي ﷺ من بحيرا الراهب ـ المسلمون سراسنة)) . ٢ ـ تيودور أبو قرة (ت ٨٢٦م) تلميذ ليوحنا الدمشقي وقد تبع رأي أستاذه في النبي والقرآن، فعدّ النبي محمداً ﷺ نبياً أريوسياً مزيفاً (١) .

стр. 25

٣ ـ بارشو لوميو الرهاوى (ت حوالي القرن الثاني عشر الميلادي) تركزت جدلية بارشو لوميو من مدينة الرها في أخذ النبي ﷺ القرآن عن راهب نسطوري، يقول الرهاوى: ((فعندما شهد ذلك الراهب الفاسق سذاجة القوم رأى أن يمنحهم عقيدة وشريعة على غرار مذهب أريوس وغيره من ألوان الكفر والزندقة التي حرم من أجلها فراح يسطر كتابا هو الذي يسمونه القرآن، وهو شريعة الله ناثراً فيه كل ما أودع من مروق وعند ذلك أعطى كتابه لتلميذه (مؤمد) وأبلغ أولئك البلهاء أن ذلك الكتاب أنزل على محمد من السماء حيث كان في حفظ جبريل الملك فصدقوه فيما قال، وبذلك مكّن الراهب لذلك القانون الجديد)) (١) . ٤ ـ عبد المسيح الكندي (عاش في القرن العاشر الميلادي تقريباً) كان عاملاً في بلاط الخليفة المأمون وكتب ردَّاً على رسالة الهاشمي التي يدعوه فيها إلى الإسلام، وقد لقيت رسالة عبد المسيح الكندي عناية كبيرة من دوائر التنصير حيث نشرت أكثر من مرة لخدمة الإرساليات ليتعلموا منها أساليب مجادلة المسلمين حول القرآن والنبي (٢) .

стр. 26

٥ ـ بولس الأنطاكى (عاش في القرن السابع الميلادي تقريباً) بولس الراهب الأنطاكي وقيل إنه أحد أساقفة سوريا: إما أن يكون أسقف مدينة صيدا أو أسقف مدينة أنطاكية. وله عدة رسائل مطوّلة ضد الإسلام (١) ، أهمها رسالته إلى أحد المسلمين التي ضمَّنها خلاصة معتقد النصارى في الإسلام وفي عقائد النصرانية، حيث يدلل على صحة الديانة النصرانية، وعلى عدم حاجة العالم إلى القرآن إذ جاءت التوراة بشريعة العدل وجاء الإنجيل بشريعة الفضل، ولا يتبقى بعدهما جديد يحتاج الناس إليه (٢) . وتكشف الرسالة عن معرفة جيدة ودقيقة بالقرآن، فأكثرها نقول قرآنية احتج بها المؤلف ـ جدلا وشغباً ـ على المعتقدات النصرانية في الصلب والتثليث والفداء وصحة الأناجيل. وعلى الرغم من أهمية الرسالة فإن صاحبها مجهول، حتى إن لويس شيخو ظن أن بولس الأنطاكى كان يعيش في القرن الثالث عشر الميلادي (٣) ، وهذا غير صحيح، فالرسالة من أوائل الجدليات التنصيرية ولو تأمل لويس شيخو قول بولس الأنطاكى في نص الرسالة عند حديثه عن الأناجيل:

стр. 27

((وأما تعظيمه لإنجيلنا وكتبنا التي في أيدينا فقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة/٤٦) ، ثم قوله أيضا: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (يونس/٩٤) ، فثبت بهذا المعنى ما معنا ونفي عن إنجيلنا وكتبنا التهم بالتبديل لها والتغيير لما فيها بتصديقه إياها. قلت: فإن قال قائل: إن التبديل قد يجوز أن يكون بعد هذا القول. قالوا: هذا مالا يجوز لقائل أن يقوله لأن كتبنا قد جاز عليها من نحو ستمائة سنة وصارت في أيدي الناس يقرؤونها باختلاف ألسنتهم)) (١) . فالنص واضح في تحديد زمن كتابة الرسالة بالنصف الأول من القرن السابع الميلادي ـ الأول الهجري. ٦ ـ ابن كمونة اليهودي (ت ١٢٨٤م) يُعَدُّ ابن كمونة أول مجادل تنصيري من اليهود ضد القرآن الكريم، وقد ضمّن جدلياته ضد القرآن كتابه تنقيح الأبحاث للملل الثلاث، فعقد فصلا للقرآن الكريم أورد فيه خمسة عشر اعتراضاً على القرآن، منها ثلاثة تتعلق بأصالة القرآن الكريم: ـ أ- لِمَ لا يجوز أن يكون القرآن أنزل إلى نبي آخر دعا محمداً أولا إلى دينه وإلى هذا الكتاب فأخذه محمد منه وقتله (٢) ؟

стр. 28

ب-يحتمل أن محمداً طالع في كتب من تقدمه أو سمعها فانتخب أجودها، وضمّ البعض إلى البعض (١) . جـ ـ كيف يستبعد سماعه ذلك من الآخرين وقد سافر إلى الشام قبل دعواه النبوة مرتين، وهى مملكة أهل الكتاب؟ وأيضا فقد كان في العرب من أهل الكتاب جماعة فلا يبعد أنه سمع ذلك منهم (٢) . وقد تسببت جدليات ابن كمونة ضد أصالة القرآن الكريم في هياج العامة عليه ومحاصرة داره إلا أنه تمكن من الهرب واختفى عدة أيام توفي بعدها (٣) . وتعد مرحلة بدايات الجدل التنصيري في المشرق من أهم أدوار الجدل التنصيري وأخطرها، إذ ألّفت قاعدة الجدل والأساس الذي بنى عليه المنصرون جدلياتهم في مراحل التنصير وأدواره المختلفة، وبالإضافة إلى هذه الملاحظة هناك ملاحظتان أخريان جديرتان بالرصد، هما: ١ ـ أن الجدل في هذه المرحلة جهد فردي يتوقف على قدرات المجادل وثقافته، لكن بسبب إجادة المجادلين للغة القرآن الكريم، فقد جاءت مجادلاتهم مكتظة باستشهادات مغلوطة من النصوص القرآنية مما أعطى لها نفوذاً روحيا وفكريا وعقديا على التراث الجدلي التنصيري

стр. 29

بأكمله، ولا يخفى ـ في هذا الشأن ـ المكانة المرموقة التي تبوّأتها جدليات يوحنا الدمشقي، الذي امتُدح بأنه لم يأت برأي أصيل إلا في الإسلام (١) ، وجدليات بولس الأنطاكى التي تلقتها الأوساط التنصيرية بالتقدير لما تمتاز به في نظرهم من ألفاظ جيدة وآراء سديدة صائبة وبراهين واستدلالات وحجج جلية (٢) ، إلى حد دعوة بعضهم إلى الاكتفاء بها في بيان موقف النصرانية من الإسلام (٣) . وكذلك جدل عبد المسيح الكندي في رسالته الشهيرة التي أصبحت عمدة العمل التنصيري في مجال الإرساليات (٤) . ٢ ـ عقم الجدل الذي تمثله تلك المرحلة، إذ إن المجادلين على اختلاف مشاربهم لم يزيدوا على تكرار الشبهات الجدلية لمشركي مكة، بعد أن قاموا بإحلال رموز يهودية ـ نصرانية محل رموز المشركين في الدعاوى التالية: الدعوى الأولى: القرآن قول شاعر بإلهام شيطان الشعر، حيث كان العرب يتوهمون أن لكل شاعر شيطاناً من الجن يقول الشعر على لسانه (٥) ، وهذا ما نفاه الله عن القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ

стр. 30

شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ﴾ (الحاقة/٤١) ، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ (التكوير/٢٥) . فاستبدل مجادلو التنصير شيطان الشعر الجاهلي، وأحلوا محله الراهب النسطوري الفاسق الملحد كما تصور بارشولوميو الرهاوى، أو أحلام اليقظة كما اقترح يوحنا الدمشقي. الدعوى الثانية: بشرية مصدر القرآن زعم المشركون أن الرسول ﷺ : ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (النحل/١٠٣) . فجعل الدمشقي وتلميذه أبو قرة من هذا البشر هو بحيرا الراهب الأريوسي، ولما زعم المشركون جماعية مصدر تعليم الرسول القرآن: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ (الفرقان/٤) ، زاوج ابن كمونة في احتمالاته وأرجحها بين بحيرا الراهب أو أحد أهل الكتاب ممن كانوا بمكة أو الشام. الدعوى الثالثة: القرآن من أساطير الأولين. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً. وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (الفرقان/ ٤ ـ ٥) . ففسر مجادلو المشرق كلهم أساطير الأولين بأنها قصص التوراة والإنجيل.

стр. 31

ب ـ الجدل البيزنطى البيزنطيون هم أول من كتب من الأوربيين ضد الإسلام والقرآن (١) . وكان أول هجوم مفصل على القرآن في أعمال ((نيكتياس البيزنطي)) في مقدمة كتابه ((نقد الأكاذيب الموجودة في كتاب العرب المحمديين)) أما أكبر هجوم جدلى ضد القرآن فهو ما قام به امبراطور بيزنطة جان كنتا كوزين في كتابيه ((ضد تمجيد الملة المحمدية)) ، ((ضد الصلوات والتراتيل المحمدية)) وكان هذا الهجوم باللغة اليونانية (٢) .

стр. 32

جـ ـ مرحلة الأندلس كانت فترة الحكم الإسلامي للأندلس عصر ازدهار علمي وحضاري في مختلف الجوانب، وفيها ارتفع صوت الحرية الدينية والنقاش حول قضايا الأديان والعقائد، وقد استغل المنصرون ذلك فصنفوا مؤلفات جدلية كثيرة ضد الإسلام وتصدى لهم علماء الإسلام رداً وتفنيداً، مثل: ابن حزم والقرطبي وأبو الوليد الباجي إلخ. وتكمن أهمية هذا الدور من أدوار الجدل التنصيري ضد القرآن في أنه كان معبراً انتقلت خلاله الجدليات التنصيرية إلى الغرب.

стр. 33

وأبرز الأمثلة على ذلك كتاب (نقض الفقهاء Contrarietas elfolica) لأحد النصارى الأسبان، الذي كان له تأثير بالغ في ريكولدو دي مونت كروس الحانق على الإسلام، وقد أفاد كروس من هذا الكتاب في تصنيف أشهر كتبه (تفنيد القرآن Canfutatia Alcorani) الذي عُني به مارتن لوثر وسارع إلى ترجمته للألمانية عام ١٥٤٢م (١) .

стр. 34

د ـ مرحلة الحروب الصليبية (٤٩١هـ / ١٠٨٩ م ـ ٦٩٠ هـ / ١٢٩١م) بدأت الحروب الصليبية بخطب البابا أوربانوس الثاني في كليرمون فيران Clermont - Ferrand بفرنسا، وإعلانه الحرب على الإسلام والمسلمين ووعده المشاركين فيها بالفوز ببركة الكنيسة وبالغفران الكامل لخطاياهم مكافأة لهم على حمل السلاح تحت راية الصليب (٢) . وكان بطرس الناسك ذا أثر كبير في تعبئة العامة من أجل النهوض بأعباء القتال والحملات الصليبية (٣) . ولما كانت الحروب الصليبية التي امتدت قرنين من الزمان ((لتدمير الإسلام)) (٤) ، فإن عهدها يعد لدى المنصرين ((أروع العهود في العصور الوسطى كلها)) (٥) .

стр. 35

وقد استمرت الحروب الصليبية على المستوى الدولي وفي ذلك ـ كما يقول روم لاندرو ـ برهان قاطع على أن كرّ السنين لم يخفف إلا قليلا من أعمال اللاتسامح التي قام بها الصليبيون باسم الله (١) . وتزامن مع عمليات الإبادة الجماعية التي مارسها الصليبيون ضد المسلمين حركة جدل واسعة استهدفت أصالة القرآن الكريم على يد عدد من الجدليين المشهورين في العصور الوسطى، لكن أبرز ما يميز تلك المرحلة هو كونها إرهاصاً بظهور التنصير المؤسَّسي عقب نهاية حرب الفرسان حاملي السيف والصليب، كذلك فإن أهم نتاج هذه المرحلة هو ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية تلك الترجمة التي ستكون محل دراسة موسعة عند عرض مسالك الجدل التنصيري ضد القرآن. وأهم الرموز الجدلية في هذه المرحلة، هم: ١ ـ بطرس المحترم (١٠٩٢ ـ ١١٥٦م) بطرس المحترم هو أول جدليّ ضد الإسلام في الكنيسة الغربية كما يقول المنصرِّ إديسون (٢) ، وهو راهب لاهوتىّ رئيس لدير ((كلون d)) الذي سيقوم بدور كبير في حركة الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن. وقد قام برحلة إلى الأندلس، ألّف عقب عودته منها كتاباً في الرد على الإسلام والقرآن عام ١١٤٣ م، وأمر بترجمة القرآن إلى اللغة اللاتينية (٣) .

стр. 36

٢ ـ روجر بيكون الراهب الفرنسيسكانى (١٢١٤ ـ ١٢٩٤م) وجّه بيكون رسالة إلى البابا اكليمنص الرابع سنة ١٢٦٦ م ضمَّنها دعوته إلى (١) : ـ وجوب إدخال اللغات الأجنبية إلى مناهج الدراسات الجامعية وبخاصة اللغة العربية للإفادة منها وسيلة للتبشير ضد الإسلام. ـ دراسة أحوال المسلمين للوقوف على الطرق التي يمكن النفاذ منها إلى هدم عقيدتهم وتقويضها. ٣ ـ وليم الطرابلسي (١٢٧٣ م) صنف جدلا ضد أصالة القرآن، جاء فيه: ((بعد أن مات (محمد) أراد أنصاره أن يعالجوا العقيدة والشريعة معالجة شاملة قائمة على تعاليمه، فلما تبينوا أن الرجل الذي نيط به العمل لم يرزق الكفاية اللازمة لأداء ذلك على الوجه الأكمل طلبوا إلى اليهود والمسيحيين الذين أسلموا أن يساعدوه، وعند ذلك رأى هؤلاء من الأفضل أن ينتقوا فقرات مناسبة من العهد القديم والجديد، وأن يمزجوها بالكتاب كيفما اتفق، وبذا أصبح الكتاب على عظيم من الرونق والجمال المنقول من الكتب المنزلة ما بين مسيحية ويهودية)) (٢) .

стр. 37

٤ ـ ريموند مارتيني (١٢٢٠ ـ ١٢٨٤ م) راهب مبشر دومينيكاني أسباني، تبحر في دراسة القرآن، واجتهد في الجدل ضده، فألف كتاباً بعنوان: ((الخلاصة ضد القرآن)) ، وبلغت به رغبته في تفنيد القرآن أن حاول معارضته بعد أن علم أنه معجزة النبي ﷺ ، فوضع سورة غاية في السخافة والسقامة (١) : ((بسم الله الغفور الرحيم، أعارض قرآن مَنْ آخر اسمه الدال وأوله الميم، بلسان فصيح عربي مبين، لا يمنعني منه سيف ولا سكين، إذ قال لي بلسان الإلهام سيد المرسلين: قل المعجزة لا شريك فيها لرب العالمين وفي الفصاحة يشترك كثير كثيرين يغلب فيها أحيانا الصالح الطالح والكافر المؤمنين، فليست الفصاحة ولو في النهاية آية ولا معجزة اللهم إلا عند الذين أوطاهم عشوة معلم مجنون حتى قالوا عنه خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، مع أنه بإقراره في سورة الأحقاف لم يدر قط ما يُفْعل به ولا بتباعه أجمعين أكتعين، فقل يامن اسمه / رمند ولقبه مرَتْيِن: آه، لقومٍ يقبل الباطل والخرافات والترهات كأنها اليقين، وإن كنتم في شك مما ألهمنا إليه عبدنا يامعاشر المسلمين فأتوا بحلِّ هذه الحجة، وبمثل هذه السورة وادعوا لذلك إخوانكم من الجن إن كنتم مهتدين. فإن لم تقدروا، ولن تقدروا فقد زهق الباطل، وانتقام اليقين والحمد والشكر لله آمين، آمين)) (٢) . وبصرف النظر عن مدى سقم محاولة مارتيني إلا أنها تكشف عن قفزة كبيرة وتطور في مستوى الجدل التنصيري في عهد الحروب الصليبية،

стр. 38

وانتقاله من مجرد الطعن في أصالة القرآن إلى محاولة المعارضة، وفي هذا دليل كاف على عدم دقة ما ذهب إليه الدكتور عبد الرحمن بدوي من أن الجدل ضد القرآن بدأ في المسيحية الغربية على يد نيقولا دى كوزا (١٤٠١ ـ ١٤٦٤م) (١) .

стр. 39

هـ ـ مرحلة التنصير المؤسَّسِي بدأت هذه المرحلة إثر فشل الحروب الصليبية في تدمير الإسلام، فعندما خابت دول أوربا في الحروب الصليبية الأولى من طريق السيف أرادت أن تثير على المسلمين حربا صليبية جديدة من طريق التبشير (٢) . وقد جاء هذا التحول بناء على وصية القديس لويس التاسع ملك فرنسا وقائد الحملة الصليبية السابقة التي انتهت بالفشل ووقوع لويس نفسه في الأسر والسجن في مدينة المنصورة بمصر. وتلفت الوصية الأنظار إلى صعوبة قهر المسلمين عن طريق القوة بسبب روح الجهاد لديهم، وتوصي بتلمس طريق الغزو الفكري الهادف إلى دحض العقائد الإسلامية وتزييفها (٣) . ويمكن القول بأن بطل هذه المرحلة بلا منازع هو (ريموند لول Raymond Lull) وهو مبشر حانق على الإسلام، كان حلم حياته

стр. 40

هدم الإسلام، وصرف حياته لمهمة تنصير المسلمين، وسعى جاهداً لتحقيق هدفه من طريقين (١) : ـ طريق شخصي بتصنيف الكتب الجدلية ضد الإسلام والقرآن. ـ طريق مؤسِّسي، بإقناع ملك ميورقة بإنشاء كلية الثالوث المقدس لإعداد المبشرين للعمل ضد الإسلام، وفي الغرب بتقديم ثلاث عرائض إلى البابا كليمان الخامس لإنشاء كلية لدراسة العربية، وعدد من كراسي تعليم اللغة العربية في الجامعات المختلفة لتكون من أهم وسائل الجدل ضد الإسلام والقرآن وأفضل الوسائل لتنصير المسلمين. وبالفعل نجحت مساعي ريموند لول المؤسَّسية، فقد أمر يعقوب الأول ملك ميورقة بإنشاء كلية الثالوث المقدس لإعداد المبشرين وقام لول نفسه بإعدادهم فيها (٢) . وقرّر مجمع فيينا الكنسي (١٣١١م) إنشاء خمسة كراسى لتعليم اللغة العربية في أكبر خمس جامعات في أوربا (باريس، أكسفورد ـ بولونيا ـ سلمنكا ـ جامعة الإدارة المركزية البابوية) وعين للتدريس فيها مدرسين كاثوليكيين (٣) .
следующие страницы →