← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8520

العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت المتعلقة بالسنة النبوية

خالد الدريس

Полный текст (65 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة: إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد. فإن "الاستشراق " يعد من أخطر الحركات الفكرية التي تحرص على بث الشبهات، والافتراءات حول مصادر التلقي الأصلية عند المسلمين، وفي سبيل ذلك يقوم المستشرقون، ومن يقف وراءهم بتجنيد طاقات بشرية، واقتصادية، وتقنية؛ ليحققوا الغايات التي يسعون إليها. ويكاد يتفق أساتذة الاستشراق على أن أهم الكتابات الاستشراقية في السنة النبوية المطهرة؛ تمت على يدي رجلين هما: جولد زيهر، وجوزيف شاخت، ولذا اخترت أن يكون هذا البحث عن الثاني منهما، لعدة اعتبارات سيتم إيضاحها فيما يلي. أهمية البحث: تكمن أهمية هذا البحث في النقطتين التاليتين: ١ - إن أبرز ما يتشدق به المستشرقون هو تمسكهم بالمنهج العلمي الدقيق في بحوثهم، وعليه يكون أفضل رد عليهم - في نظري - هو بيان تجاوزهم لأصول المنهج العلمي المتعارف عليها عالمياً، سواءً عند المسلمين أو عند غيرهم، مع إبراز ذلك بصورة جلية ومحورية. ولذا جعلت بحثي إجابة عن سؤال محدد هو: ما العيوب المنهجية التي خالف فيها المستشرق "جوزيف شاخت " أصول المنهج العلمي وقواعده في كتاباته المتعلقة بالسنة النبوية؟

стр. 2

٢ - إن " شاخت " عند متأخري المستشرقين يعد أبرز من كتب في الهجوم على السنة النبوية وحجيتها، ويرون أنه قدَّم نظرية متناسقة وشاملة في ذلك، كما ستأتي بعض نصوصهم المبينة لذلك في ترجمته إن شاء الله. هدف البحث: يهدف البحث إلى تحقيق أمرين هما: ١ - التركيز على أبرز عيوب المنهج العلمي التي وقع فيها " شاخت " في كتاباته حول السنة النبوية، مع بيان خطورة هذه الأخطاء لدى أساتذة المنهجية، مصحوبة بذكر بعض الأمثلة من كلام " شاخت "؛ لكي تبدو عيوب منهجه واضحة للعيان. ٢ - إيضاح أن تلك العيوب مؤثرة في سلامة النتائج التي توصل إليها "شاخت "، مما يجعل أحكامه وآراءه التي أطلقها حول السنة النبوية؛ من غير الممكن -وفق أصول المنهج العلمي الدقيق- أن تكون مقبولةً أو مسلماً بها، حتى عند غير المسلمين، ولكي يعلم أيضاً أن سبب رفض المسلمين لمثل هذه الآراء ليس لمجرد أنها مخالفة لمعتقداتهم فقط؛ وإنما لكونها أيضاً مبنية على منهج فاسد مليء بالعيوب الخطيرة. ويجدر التنبيه هنا أنني حرصت عند الكلام على أي عيب منهجي على ذكر كلام المختصين في المنهج العلمي من الغربيين، أو من بعض المختصين العرب الذين كتبوا في المنهجية معتمدين بصفة أساسية على المصادر الغربية، وغرضي من هذا إثبات أن الأصول المنهجية التي انتهكها " شاخت " متفق عليها عالمياً.

стр. 3

الفصل الأول: التعريف بشاخت وبأهم آرائه في السنة المبحث الأول: تعريف بالمستشرق "شاخت " ... الفصل الأول: التعريف بشاخت وبأهم آرائه في السنة ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: تعريف بالمستشرق " شاخت ". المبحث الثاني: عرض موجز لأهم آرائه حول السنة النبوية.

стр. 4

المبحث الأول: تعريف بالمستشرق " شاخت " يلحظ أي باحث لا يجيد إلا اللغة العربية أن المستشرق " شاخت " ليس له ترجمة تتناسب مع مكانته الاستشراقية، ومما يثير الاستغراب أن بعض الكتب التي اعتنت بتراجم المستشرقين ككتاب " الأعلام " لخير الدين الزركلي لم تذكر عنه أي شيء، بينما ذكرت تلك الكتب تراجم لمستشرقين هم أقل شأناً منه، ويزداد العجب أكثر حين نعلم أن الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، وهو أبرز عالم مسلم رد على كتابات " شاخت " في السنة النبوية لم يعط تعريفاً به، مع أنه لم يكتب بحوثه إلا بعد وفاة شاخت ببضع سنين. هذا الأمر كان حافزاً لي كي أبحث عن ترجمة مطولة بعض الشيء لحياة شاخت، فيسَّر الله لي الوقوف على بعض المقالات، فاجتهدت أن أصوغ منها ترجمة وافية بعض الشيء لهذا المستشرق الذي ترك أثراً خطيراً في الدراسات الاستشراقية. نشأته: ولد جوزيف (يوسف) شاخت، في راتيبور في الخامس عشر من مارس سنة ١٩٠٢م، وتقع هذه البلدة في إقليم شيلزبان الألماني، أما الآن فهي تخضع للسيطرة البولندية (١) . التحق في تلك البلدة بالثانوية الألمانية، وفيها بدأت تظهر اهتماماته الأولى باللغات الشرقية، حيث كان الحاخامات اليهود يلقون دروساً في تلك المدارس في المحاضرات المخصصة للدراسات الدينية، وكانوا يعلمون اللغة

стр. 5

العبرية لأولاد اليهود، ويؤكد برنارد لويس (١) أن " شاخت " لم يكن يهودياً، ولكنه حضر تلك الدروس رغبة منه في زيادة معارفه. ونفي يهودية " شاخت " أكدها أيضاً " روبير برونشفيج " حيث ذكر أن " شاخت " كان يكره النازية الألمانية مع أنه ما كان له أن يخشاها بحكم أصوله (٢) . والمشهور عند عدد من الباحثين العرب أنه كان يهودياً، هذا ما جزم به الدكتور مصطفى السباعي، والدكتورأكرم ضياء العمري وآخرون غيرهما (٣) ، ولكن يبدو أن الواقع كما ذكره " برنارد لويس " و " برونشفيج " فهما من المقربين لشاخت، وليس هناك حاجة ملحة تدعوهم لإنكار يهوديته، والذي يظهر لي أن أسباب الوهم لدى السباعي والعمري وغيرهما من القائلين بأن ديانة " شاخت " هي اليهودية ربما ترجع للأمور التالية: ١ - يكثر في اللغة العبرية استعمال حرف الخاء وهو في اسم "شاخت"، مما يوحي بأن أصل الاسم يعود للعبرية التي هي لغة اليهود، ومن المعروف أن اللغة الألمانية أيضاً تستعمل حرف " الخاء " في أبجديتها، مما ينفي وجاهة هذا الربط بين الاسم واللغة العبرية. ٢ - كان " شاخت " من أشد المعجبين بالمستشرق المجري "جولد زيهر" وهو يهودي معروف يعد من أساطين الاستشراق، وقد سار " شاخت " على

стр. 6

خطاه في بحوثه حول السنة النبوية، بل كان أكثر شراسة وقسوة منه على التراث الإسلامي، فلعل هذا ما أوحى لبعض الباحثين العرب بأن الرجل يهودي أيضاً لطبيعة آرائه الحاقدة على المسلمين ودينهم. ٣ – ليس ثمة ترجمة ضافية لشاخت في المصادر العربية المتاحة، مما أسهم في التمكين لذلك الخطأ وساعد على انتشاره وشهرته. وبهذا يعلم أنه ألماني المنشأ واللغة، ولم يكن يهودياً كما أكد أحد تلامذته اليهود أعني " برنارد لويس " (١) ، وأحد أصدقائه المقربين منه " روبير برونشفيج " (٢) ، وبالنظر إلى أن الديانة الأكثر انتشاراً في ألمانيا هي النصرانية، فالغالب أن يكون " شاخت " نشأ في أسرة تدين بهذه الديانة. وقد أقام في ألمانيا حتى تجاوز الثلاثين من عمره، ثم هاجر إلى بريطانيا بسبب كراهيته للنظام النازي الذي كان يحكم ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، وفي ذلك يقول برونشفيج: ((ثم كانت الحرب العالمية الثانية، فالتحق "شاخت" بإنجلترا التي كان في أحلك الظروف يسمع منها عبر الإذاعة البريطانية، صوت الحرية مخاطباً مواطنيه الألمان - إذ لم يكن قد تخلى بعد عن جنسيته الألمانية -، وكان شاخت يمقت النازية مع أنه ما كان له أن يخشاها

стр. 7

بحكم أصوله، لكنه كان يعارض كل نبذ، وكل اضطهاد وتزوج امرأة إنجليزية مثقفة وما انفكت أن أصبحت الرفيقة المتفهمة له، والمتفانية التفاني الكامل في خدمته، وبعد الحرب حصل عام ١٩٤٧م على الجنسية الإنجليزية التي لم يتخل عنها قط)) (١) . وقد انتقل في آخر حياته إلى الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة ١٩٥٧م، وأقام فيها حتى آخر حياته. تكوينه العلمي: تقدم أنه درس في الثانوية الألمانية، وحين التحق بجامعتي برسلو، ولايبتزج درس فقه اللغة اللاتينية، والإغريقية، وعلم اللاهوت، واللغات الشرقية. وكان يكتب بحوثه بثلاث لغات هي: الألمانية، والإنجليزية، والفرنسية، مما يدل على إجادته لها (٢) ، وكان يحسن اللغة العربية والتركية (٣) ، وتقدَّم أنه تعلَّم اللغة العبرية. ولما كانت الرحلات العلمية تؤثر في التكوين العلمي لأي باحث، فإن "شاخت" حرص عليها، فقام بزيارة الشرق الأوسط عدة مرات، وكذلك شمال إفريقيا وغربها (٤) . ويظهر من إنتاجه العلمي أن أول كتاب نشره، كان تحقيقاً لكتاب في الحيل الفقهية وعنوانه " الحيل والمخارج "للخصاف، وقد كتب له مقدمة،

стр. 8

وعلق على عدة مواطن منه (١) ، وكان تاريخ نشره في ١٩٢٣م، ولهذا يقول برنارد لويس: ((كان الفقه الإسلامي هو الحقل الدراسي الأول الذي انصرف إليه " شاخت " بكل همته، وبقي واحداً من أهم اهتماماته الأساسية حتى قضى نحبه)) (٢) . ويبدو أنه كان معجباً، في وقت مبكر من شبابه بالمستشرق المشهور "جولد زيهر"، ولذا فقد قام بإكمال بحوثه حول السنة النبوية، ولاسيما فيما يتعلق بالأسانيد (٣) . مناصبه العلمية: أول منصب شغله " شاخت " كان أستاذاً في جامعة فرايبورج عام ١٩٢٥م، وفي سنة ١٩٣٢م دعي لشغل كرسي اللغات الشرقية في جامعة كونجسبرج، وفي عام ١٩٣٠م عمل أستاذاً زائراً في الجامعة المصرية بالقاهرة، ثم عاد إليها في سنة ١٩٣٤م وعمل بها حتى سنة ١٩٣٩م. وبعد نشوب الحرب العالمية الثانية انتقل إلى إنجلترا حيث عمل في هيئة الإذاعة البريطانية طوال سنوات الحرب، وفي عام ١٩٤٦م عين في وظيفة تعليمية في جامعة أكسفورد برتبة محاضر، وفي سنة ١٩٤٨م عين أستاذاً مساعداً في الدراسات الإسلامية. ثم عمل أستاذاً زائراً في جامعة الجزائر في سنة ١٩٥٢م، وفي سنة ١٩٥٤م غادر إنجلترا إلى هولندا ليشغل كرسي اللغة العربية في جامعتها

стр. 9

الشهيرة لايدن، ثم انتقل إلى جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية من سنة ١٩٥٧م إلى ١٩٦٩م حيث هلك هناك، بالإضافة إلى أنه كان عضواً في المجمع العلمي في دمشق، وغيره من المجامع (١) . أخلاقه وصفه " برنارد لويس " بأنه كان عنيداً، متصلباً لدرجة أنه حين غادر ألمانيا لم يعد إليها أبداً، بل ولم يكتب بلغته الأم بعد ذلك، وكان التعامل معه صعباً؛ لأنه كان لا يحسن ممارسة الرياء الاجتماعي، وكانت قسمات وجهه متجهمة (٢) . وقد أثنى عليه أصحابه من المستشرقين بأنه كان لطيفاً ودمثاً ونزيهاً وأميناً (٣) ، ولكننا نشك في دقة هذا الكلام المتعلق بالأمانة والنزاهة؛ لأمرين: أحدهما: أن المطلع على بحوث هذا الرجل المتعلقة بالسنة النبوية، والفقه الإسلامي يلحظ وبجلاء حقده البالغ، وكراهيته الشديدة للمسلمين وتراثهم، ويدل على ذلك أنه يتهم كل علماء الحديث ورواته الثقات بالكذب والتزوير والوضع على الرسول ﷺ ثانيهما: أن الدكتور نجم خلف ذكر أن أحد مشايخ المغرب واسمه مصطفى المغربي حدَّثه في مدينة الرباط سنة ١٤٠٣ ? أن المستشرق "شاخت"

стр. 10

قد استعار منه، ومن غيره بعض المخطوطات أثناء إقامته في المغرب، ثم استولى عليها ولم يعدها، رغم المكاتبات والشفاعات، بل أنكرها في النهاية (١) . مكانته العلمية عند المستشرقين إن الكلام على مكانة هذا الرجل عند المستشرقين، لا يُراد به مدحه أو الثناء عليه، ولكن بيان مدى مكانة أحكامه وأقواله لدى المهتمين بالدراسات الإسلامية عند غير المسلمين، وحتى تتبين لنا الخطورة التي تمثلها الآراء التي يبثها في أوساط المستشرقين، وفيما يلي بعض النصوص الدالة على ذلك: يقول سافوري: ((من أكبر علماء الشريعة الإسلامية في العالم)) (٢) . ويقول السير هاملتون جيب: ((سيصبح كتاب "أصول الفقه المحمدي" أساساً لجميع الدراسات المستقبلية في الحضارة الإسلامية والفقه الإسلامي، ولو عند الغربيين على الأقل)) (٣) . ويقول كولسون أستاذ الفقه الإسلامي في جامعة لندن: ((إن "شاخت" صاغ نظرية عن أصول الشريعة الإسلامية غير قابلة للدحض)) (٤) . ويقول الدكتور محمد مصطفى الأعظمي: ((أما المنزلة التي وصل إليها البروفسور " شاخت "، فلم يصل إليها من قبل أي مستشرق في هذا المجال)) (٥) .

стр. 11

ويقول أيضاً: ((وصار كتابه - يعني أصول الفقه المحمدي - منذ ذلك الحين " إنجيلاً ثانياً " لعالم الاستشراق، وفاق " شاخت " سلفه "جولد زيهر" حيث غيَّر نظرته التشكيكية في صحة الأحاديث، إلى نظرة متيقنة في عدم صحتها، ولقد ترك كتابه هذا أثراً عميقاً في تفكير دارسي الحضارة الإسلامية ... وكافة الباحثين في الغرب، أثنوا عليه ثناء عاطراً)) (١) . ويقول الصديق بشير نصر: ((وليس من قبيل المبالغة إذا قلت: إن كل من كتب بعده من المستشرقين في هذا الحقل المعرفي هم عيال عليه، وحسبك أنه لا تكاد توجد جامعة من جامعات الغرب لها اعتناء بالدراسات الإسلامية، إلا ونجد هذا الكتاب مقرراً على طلابها)) (٢) . ويؤكد برونشفيج أن أغلب العلماء في الغرب قبلوا ووافقوا على نظرية "شاخت" في الحديث النبوي؛ لما تتضمنه من تحليلات ونظام نقدي وتفسيري (٣) . إنتاجه العلمي يعد " شاخت " من المستشرقين الغزيري الإنتاج، ويظهر هذا جلياً لمن يدقق في القائمة التي جمعها روبير برونشفيج (٤) ، والسرد الذي قام به نجيب العقيقي (٥) ، ولعل أبرز كتبه هي: أصول الفقه المحمدي، ومدخل إلى الفقه

стр. 12

الإسلامي، وتحريره لبعض مواد دائرة المعارف الإسلامية في طبعتيها القديمة والجديدة، وأما مقالاته وبحوثه المنشورة في المجلات العلمية فهي كثيرة جداً كما يظهر من عرض برونشفيج، والعقيقي. ويعد كتابه " أصول الفقه المحمدي " أشهر كتبه، وقد قام الأستاذ الصديق بشير نصر بترجمة بعض فصوله، ونشرها في مجلة كلية الدعوة الإسلامية بليبيا. وفاته هلك " شاخت " في غرة شهر أغسطس سنة ١٩٦٩م في مدينة إنجلوود بولاية نيوجرسي في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد كان يتأهب للانتقال إلى منزل آخر لقرب موعد تقاعده، وقد وافته المنية حيث كان منهمكاً في مراجعة كتاب " تراث الإسلام "، وهو من تأليف عدد من الباحثين (١) .

стр. 13

المبحث الثاني: عرض موجز لأهم آرائه حول السنة النبوية ... المبحث الثاني: عرض موجز لأهم آرائه في السنة النبوية تتلخص أهم آراء المستشرق " جوزيف شاخت " في السنة النبوية في النقاط التالية: ١ - إن الرسول ﷺ لم يكن مهتماً ببيان أمور الشريعة –القانون-، كالقضايا المتعلقة بالمعاملات المالية والأحوال الشخصية والقضاء، وفي ذلك يقول: ((في الجزء الأكبر من القرن الأول لم يكن للفقه الإسلامي - في معناه الاصطلاحي - وجود كما كان في عهد النبي، والقانون - أي الشريعة - من حيث هي هكذا كانت تقع خارجة عن نطاق الدين ... فقد كانت مسألة القانون تمثل عملية لا مبالاة بالنسبة للمسلمين)) (١) . ٢ - إن مفهوم السنة قديماً عند المدارس الفقهية القديمة، يعني الأمر المجتمع عليه، أو بمعنى آخر التطبيقات المثالية للجماعة، ويؤدي التسليم بهذه الحقيقة إلى أن مصطلح " السنة " لا علاقة له بأقوال الرسول ﷺ وأفعاله، وقد بنت المدارس الفقهية القديمة مفهومها للسنة وفقاً للمعنى القديم (٢) . ٣ - لم يكن الاحتجاج بالأحاديث ذات الأسانيد المتصلة إلى رسول ﷺ معروفاً عند المدارس الفقهية في القرنين الأول والثاني الهجريين، وإنما بدأ هذا الأمر مع نشأة حزب معارض يقوده الإمام الشافعي يرى ضرورة إسناد الاستدلالات الفقهية إلى أقوال الرسول ﷺ أو أفعاله، مما أدى إلى ظهور أحاديث تفصيلية مكذوبة عن الرسول ﷺ من أجل إيجاد مصدر تشريعي

стр. 14

لآراء الحزب الفقهية، إلا أن المدارس القديمة حاولت أن تقاوم هذا الحزب المعارض الجديد، ولكنها رأت أن ذلك أصبح صعباً؛ للقبول العام الذي وجده في الأوساط العامة، مما أدى حسب رأي " شاخت " أن تلك المدارس شاركت أيضاً في الكذب والوضع على الرسول الكريم ﷺ حتى تضمن الانتصار في المناظرات العنيفة مع الخصوم والمخالفين (١) . ٤ - بدأ الإسناد عند المسلمين بالظهور في أوائل القرن الثاني، أو أواخر نهاية القرن الأول الهجري (٢) . ٥ - نتيجة لما تقدم يرى " شاخت " أنه قد أصبح من عادة العلماء - وبدون استثناء كما يظهر من عباراته - خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين أن ينسبوا عباراتهم إلى الرسول ﷺ بذكر أسانيد اعتباطية تفتقر للتسويغ المنطقي الذي يدل على التنظيم والعناية (٣) . ٦ - تم تطوير الأسانيد بشكل تدريجي من خلال التزوير والوضع. لقد كانت الأسانيد المتقدمة غير مكتملة (يعني: فيها إرسال، أو موقوفة، أو مقطوعة، أو منقطعة) ، لكن تم ملء كل الفراغات في وقت تدوين المصنفات المشهورة التي تسمى بالمجموعات التقليدية كالكتب الستة ومسند أحمد وأمثالها (٤) .

стр. 15

٧ - الأسانيد العائلية مثل عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز ابن حكيم عن أبيه عن جده، كلها مختلقة سنداً ومتناً (١) . ٨ - كل حديث في إسناده راو مشترك (يعني الراوي الذي عليه مدار السند) ، يدل أن ذلك الراوي هو الذي اختلق سند ذلك الحديث (٢) . ٩ - ابتكر " شاخت " قاعدة؛ ليستدل بها على أن كثيراً من الأحاديث لم تكن إبان فترة الإسلام الأولى، ونص هذه القاعدة: "السكوت عن الحديث في موطن الاحتجاج دليل على عدم وجوده"، ويوضح رأيه بجلاء في هذا النص حيث يقول: ((إن أفضل سبيل لإثبات عدم وجود حديث ما في وقت من الأوقات، يكون بإثبات أن ذلك الحديث لم يستخدم دليلاً شرعياً في حجاج - يعني في مسألة خلافية - في الوقت الذي يكون الاستدلال به أمراً لازماً، هذا إذا كان الحديث نفسه موجوداً)) (٣) . ١٠ - النتيجة النهائية التي هي خلاصة آراء " شاخت " في السنة النبوية أنه لا يمكن الحكم بصحة أي حديث من أحاديث الأحكام المروية بالسند إلى رسول الله ﷺ ، وفي ذلك يقول: ((من العسير أن يُعد أي من هذه الأحاديث صحيحاً فيما يتعلق بمسائل التشريع الديني)) (٤) . وفي ذلك يقول الأعظمي: ((وخلاصة ما وصل إليه من نتائج أنه ليس هناك حديث واحد صحيح، وخاصة الأحاديث الفقهية)) (٥) .

стр. 16

إن مجمل آراء هذا الرجل في السنة النبوية تؤكد حقيقة واحدة هي أن مجموع الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ ما هي في واقع الأمر إلا نتاج تزييف ديني واسع النطاق (١) ، وعليه فإن علماء المسلمين من فقهاء ومحدثين - من وجهة نظره الفاسدة - إنما هم مجموعة من الكذابين.

стр. 17

الفصل الثاني: عيوب المنهج العلمي عند "شاخت " المبحث الأول: التحيز العنصري في المسلمات الأولية . ... الفصل الثاني: عيوب المنهج العلمي عند " شاخت " ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: التحيز العنصري في المسلمات الأولية. المبحث الثاني: الانتقائية في اختيار المصادر. المبحث الثالث: الشك غير المنهجي. المبحث الرابع: إهمال الأدلة المضادة. المبحث الخامس: التفسير المتعسف للنصوص. المبحث السادس: التعميم الفاسد.

стр. 18

المبحث الأول: التحيز العنصري في المسلمات الأولية لا يخلو أي بحث علمي من مسلمات أولية أو ما يسمى بالأفكار القبلية، لا يتكلم عليها الباحث ولا يصرح بها، ولكنه ينطلق منها في معالجة القضايا التي يتطرق لها في بحثه (١) ، والملاحظ أن " شاخت " كان في المسلمات الأولية في كتاباته عن السنة النبوية واقعاً تحت تأثير تحيز عنصري ضد العرب والمسلمين، وهو وإن لم يصرح بمسلماته بصورة جلية وواضحة -لغايات لا تخفى على اللبيب-، إلا أن ذلك يظهر بجلاء في حكمه القاطع والجازم على صفوة الأمة وأوثق علمائها بأنهم من الكذابين، وأنهم اختلقوا الأسانيد ونسبوها زوراً وافتراءً لرسولهم ﷺ . ونتيجة لهذه المسلَّمة القاطعة التي تجذرت في وعيه، أشار إلى أن الأسانيد في كتب السنة، والتي تدل على اتصال الإسناد إلى رسول الله ﷺ ؛ لا قيمة لها، ((بل هي كذب محض؛ لأن الأحاديث النبوية بكاملها لم توجد إلا في القرنين الثاني والثالث، فكيف يمكن أن نتصور وجود الأسانيد قبل وجود المتون؟ بل لا بد أن توجد المتون من قبل ثم تظهر الأسانيد لا العكس)) (٢) ، ويقول في تقرير هذا الأمر: ((إن أكبر جزء من أسانيد الأحاديث اعتباطي ... وأي حزب يريد نسبة آرائه إلى المتقدمين، كان يختار تلك الشخصيات

стр. 19

ويضعها في الإسناد)) (١) ، وقد نقلنا عنه آنفاً أنه لا يعتقد بوجود أي حديث صحيح من أحاديث الأحكام المروية بالسند المتصل إلى رسول الله ﷺ . وهذا الرأي القطعي - في نظره - يدل دلالة واضحة على أنه مبني على مسلمة أولية راسخة عنده، وهي أن علماء المسلمين قوم كذبة، كانوا يستبيحون الكذب ويستحلونه في أمور دينهم ولا يتورعون عنه، بل يفهم من كلامه أنهم مجمعون على ذلك، ومتواطئون عليه، ولو لم يكونوا كذلك في نظر "شاخت"؛ لما قرر نتيجته السابقة بعمومية وإطلاق ومن دون أي استثناءات أو قيود. وسنناقش هذه المسلمة بما فيها من تحيز عنصري بغيض، مما يدل على أن الرجل واقع تحت تأثير الأفكار السابقة عن المسلمين الكامنة في عقلية عوام الغربيين. ولكن قبل ذلك لابد من الإشارة إلى أن أهم صفة يجب أن يتحلى بها الباحث العلمي هي الإنصاف والعدل حتى مع خصومه ومخالفيه، والتي يعبر عنها المتخصصون في المنهج العلمي بالموضوعية. ويقرر أولئك العلماء أن أشد نواقض الموضوعية وقوادحها؛ التحيز ضد قومية أو فكرة أو مبدأ أو شخص أو مذهب.. إلخ. ويحذر المختصون في المنهج العلمي أي باحث من الوقوع في التحيز أو التعصب العنصري؛ لأن ذلك يتعارض مع مبدأ الموضوعية، وسأورد فيما يلي نصوصاً منتقاة لبعض المختصين تؤكد هذه الحقيقة التي أصبحت إحدى مسلمات المنهج العلمي بصورة مطلقة.

стр. 20

يقول روبرت ثاولس: ((من الأمور التي تجعلنا ميالين إلى التفكير الأعوج، تحيزاتنا التي هي: طرق في التفكير تقررها سلفاً قوى ودوافع انفعالية شديدة، كالتي يكون مصدرها منافعنا الذاتية الخاصة، أو ارتباطاتنا الاجتماعية)) (١) . ويقول: ((إننا نكون تحت تأثير الهوى والتحيز في آرائنا ميالين إلى تصديق ما نرغب في تصديقه، أو ما نحتاج إليه أن يكون صحيحاً، وإلى إنكار ما نرغب في إنكاره، أو ما نحتاجه أن يكون باطلاً)) (٢) . ويقول فؤاد زكريا في كلام له عن التعصب - الذي هو وجه من وجوه التحيز والعنصرية - بوصفه أحد أهم عقبات التفكير العلمي،: ((التعصب هو اعتقاد باطل بأن المرء يحتكر لنفسه الحقيقة أو الفضيلة، وبأن غيره يفتقرون إليها، ومن ثم فهم دائماً مخطئون ... فحين أكون متعصباً لا أكتفي بأن أنطوي على ذاتي وأنسب إليها كل الفضائل، بل ينبغي أيضاً أن أستبعد فضائل الآخرين وأنكرها وأهاجمها)) (٣) . وفي نص آخر كأنه يتكلم فيه على " شاخت " يشير فؤاد زكريا أن التعصب بكل أنواعه، كالتعصب العنصري، والتعصب القومي المتطرف وغيرها؛ كلها تشترك في سمة واحدة هي: ((الانحياز إلى موقف الجماعة التي ننتمي إليها دون اختيار، ودون تفكير، والاستعلاء على الآخرين، والاعتقاد بأنهم " أحط ")) (٤) .

стр. 21

ثم يعدد مضار التعصب على روح المنهج العلمي فيقول: ((وأعظم الأخطار التي يجلبها التعصب على العلم، هو أنه يجعل الحقيقة ذاتية، ومتعددة، ومتناقضة، وهو ما يتعارض كلية وطبيعة الحقيقة العلمية ... كما ينطوي التعصب على تفكير أسطوري - خرافي - يتسم بطابع وهمي مختلق، وهو بطبيعته يشجع التفكير غير العقلي؛ لأنه هو الدعامة الوحيدة لموقفه، ومن هنا كان أساس النازية هو " أسطورة " الجنس الآري المتفوق، وكان أساس التفرقة العنصرية هو " أسطورة " الجنس الزنجي المنحط، إلى غير ذلك من الأساطير التي يستند إليها كل شكل من أشكال التعصب)) (١) . ويقول أحد المختصين في منهجية البحث التاريخي: ((إذا وقع الباحث في أسر التعصب، كان من السهل وصمه بالذاتية التي هي نقيض الموضوعية والعلم)) (٢) . إن نظرة سريعة إلى الكتب التي تكلمت على المنهجية العلمية وشروطها؛ تعطينا حكماً عاماً بأن الباحث المتحيز لا يمكن أن تكون نتائج بحثه علمية بأي حال من الأحوال (٣) . وبعد أن ألممنا بموقف المختصين في منهجية البحث العلمي من التحيز والعنصرية، فلننظر ماذا فعل " شاخت "؟

стр. 22

لقد سلب من المسلمين أهم أخلاقهم الفاضلة، فنظر إليهم على أنهم مجموعة من الكذابين، فإن لم يكن هذا التعميم الذي أطلقه " شاخت " على علماء الدين المسلمين يعد تحيزاً عنصرياً وتعصباً مقيتاً، فليس في الدنيا من التعصب أو التحيز ما يستحق هذا الوصف. إننا حين نقول: إن " شاخت " كان واقعاً تحت تأثير أفكار سابقة عنصرية تضمر احتقاراً للعرب والمسلمين وكراهية لهم، فإن شاهدنا على ذلك أحكام الرجل نفسه ونتائجه التي أعلنها، ويؤيد ذلك ما نعرفه من نصوص لبعض الغربيين أنفسهم من أن المستشرقين حين يبحثون في الإسلام والمسلمين، فإنهم يقومون بذلك من خلال ما ترسب في مخيلتهم الجماعية من صورة أسطورية خرافية مشوهة عن المسلمين، يقول الأستاذ محمد أسد - وهو في الأصل يهودي نمساوي قبل أن يسلم - مبيناً موقف الأوربيين من أهل الكتاب، والمستشرقين بصفة خاصة من الإسلام والمسلمين: ((يعتقد الأوربيون أن تفوقهم العنصري على سائر البشر أمر واقع، ثم إن احتقارهم إلى حد بعيد أو قريب لكل ما ليس أوروبياً من أجناس الناس وشعوبهم قد أصبح إحدى الميزات البارزة في المدنية الغربية. على أن هذا وحده لا يكفي لإظهار ما يكنُّه الأوربيون نحو الإسلام خاصة، وهنا - نعني فيما يتعلق بالإسلام - لا تجد موقف الأوروبي موقف كره في غير مبالاة فحسب كما هي الحال في موقفه من سائر الأديان والثقافات، بل كره عميق الجذور يقوم في الأكثر على صدود من التعصب الشديد، وهذا الكره ليس عقلياً فحسب، ولكنه يصطبغ أيضاً بصبغة عاطفية قوية. قد لا تقبل أوروبا تعاليم الفلسفة البوذية أو الهندوكية، ولكنها تحتفظ

стр. 23

دائماً فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن، ومبني على التفكير، إلا أنها حالما تتجه إلى الإسلام يختل التوازن ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب، حتى إن أبرز المستشرقين الأوروبيين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزب غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام، ويظهر في جميع بحوثهم كما لو أن الإسلام لا يمكن أن يعالج على أنه موضوع بحث في البحث العلمي، بل على أنه متهم يقف أمام قضاته)) (١) . هذا النص النفيس يمثل شهادة مهمة لأن الأستاذ محمد أسد ينقل واقعاً خبره وعرفه قبل إسلامه، حيث نشأ وتربى في " النمسا " ذات الثقافة الألمانية، وقد تقدم معنا أن " شاخت " نشأ في ألمانيا أيضاً، أضف إلى أنهما ولدا في بدايات القرن العشرين الميلادي، مما يجعل النص الآنف في غاية الأهمية، ولاسيما أنه يوضح لنا بصورة جلية الرؤية المتحيزة للجيل الذي نشأ فيه "شاخت "، وغيره من الأوربيين تجاه الإسلام والمسلمين. ويؤكد الأمر بصورة جلية لاتقل أهمية عما سبق قول "انجمار كارلسون" (٢) ، وهو أحد أبرز المفكرين الاستراتيجيين في أوربا: ((نحن نفتقد الإمكانات الموضوعية للنظر إلى الأصولية الإسلامية نظرة معقولة، وتناولها بأسلوب نقدي طبيعي، ولذا نعتبر الغرب الحديث مرادفاً للعقل، بينما نرى في الشرق عالماً متخلفاً يمشي على حافة الجنون، ويستحيل عليه مشاركتنا في

стр. 24

الحوار والسجال على قدم المساواة ... إن صورة المسلم مطبوعة في وعينا على هذا النحو المخيف ... )) (١) . ويشير باحث غربي آخر اسمه " جيمس وولتز " في دراسة له عن مواقف الغربيين من المسلمين قبل الحروب الصليبية أن أوربا عاشت حالة من عدم المبالاة تجاه الإسلام والمسلمين مدة من الزمن، ثم تحول ذلك الموقف إلى نوع من العداء السياسي ما بين (٧١٠ - ١١٠٠ م) ، ثم تحول إلى عداء ديني مع مواجهة عسكرية في بعض المراحل، ثم يقرر هذا الباحث بعد ذلك: إن المترسخ في أذهان الأوروبيين عن الإسلام هو صورة قاتمة، وذلك بسبب العداء الذي ذكاه موقف الباباوات من الإسلام منذ اندلاع الحروب الصليبية، وإلى أيام استعمار الغرب للعالم الإسلامي الذي لم ينته إلا منذ بضعة عقود (٢) . إن مضمون النصوص السالفة أصبح اليوم حقيقة علمية أكدها عدد من المتخصصين في الاستشراق (٣) ، وفي ذلك دلالة على ضخامة حجم التشويه المتعمد، في تصورات الغربيين، وبخاصة المستشرقون منهم عن الإسلام. إن مُسلّمة " شاخت " التي بنى عليها نظريته في السنة النبوية، والدالة على أن علماء الحديث والفقه من المسلمين كانوا لا يتورعون عن الكذب في نسبة

стр. 25

أقوال لرسولهم ﷺ ؛ لا يمكن للعقل أن يقبلها؛ لأنها خرافية وخيالية إلى حد بعيد للأسباب التالية: ١ - هذه المسلَّمة مصادمة للطبيعة البشرية؛ وذلك لأن الصدق هو الأصل في معاملات البشر، ولذا فهو سهل وطبيعي، وراسخ الأركان، وأما الكذب فمهزوز مزعزع، معرض للهجوم باستمرار، ولا قوة فيه ولا خير، وهو قرين لكثير من الأمراض الاجتماعية كالسرقة والخوف والجبن والذل (١) ، وهو مضاد لروح التعاون الجماعي التي هي أساس قيام أي مجتمع. ولا يمكن لمجتمع مهما بلغ انحرافه أن يتواطأ كل من فيه من رجال ونساء، ولأجيال متعاقبة، وفي بلدان مختلفة، ومن أقاليم متعددة على الكذب على زعيمهم وقدوتهم، وقائدهم الذي يحبونه ويحترمونه. ومما يدل على أن مُسلّمة " شاخت " غير مقبولة عقلاً أن أحد مشاهير الغربيين، ويدعى " توماس كارليل " كتب مخاطباً قومه عاتباً عليهم في زعمهم أن المسلمين كذبة، فقال: ((لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدن من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يُظن من أن دين الإسلام كذب، وأن محمداً خداع ومزور، وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة ... أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها الملايين الفائتة الحصر أكذوبة وخدعة؟! أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبداً، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا

стр. 26

الرواج، ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بُله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث) (١) . ولاحظ هنا أن " كارليل" وصف مَنْ يقول بمثل قول " شاخت " بالعار والسخف المخجل والعبث. ٢ - إن القرآن وهو كتاب المسلمين المقدس يقف من الكذب موقفاً شديداً جداً، حيث يجعل من كذب في الدين مستحقاً للإثم المبين قال تعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً﴾ (النساء:٥٠) ، كما أنه يجعله من صفات الكافرين قال تعالى ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (المائدة: ١٠٣) ، وأن الكاذب لا يفلح قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: ١١٦) ، وأنه من أظلم الظلم قال تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: ١٤٤) . والخالق هو القائل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) ، فاتباع السنة من دين الله، فالكذب فيها كذب على الله، فموانع الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلمعند المسلمين قوية؛ لأنها تستند إلى نصوص قرآنية كثيرة جداً. ٣ - إن الواقع التاريخي للمسلمين في فتوحاتهم ومعاملتهم مع أهل الأديان الأخرى يدل على تحلِّيهم بخصال الصدق والعدل والأمر بالمعروف

стр. 27

والنهي عن المنكر، وهذه الأمور لا تتسق مع أخلاق الكذابين، وفي ذلك يقول الفيلسوف الألماني " كانت ": ((من نسيج الإنسان الفاسد لم يُصنع أي شيء مستقيم أبداً)) (١) . ويقول المستشرق " مونتجمري وات " مستدلاً بالتاريخ الأخلاقي، بوصفه حجة قوية على إخلاص محمد ﷺ وصدقه: ((إن الاعتقاد في إخلاص محمد تسنده حجة قوية، فاستعداده لأن يتحمل الأذى في سبيل معتقداته، والمستوى الأخلاقي الرفيع الذي اتصف به الرجال الذين آمنوا به واتخذوه إماماً، وعظمة المنجزات التي انتهى إليها، كل هذا ينم عن استقامته)) (٢) . فكيف يريدنا " شاخت " أن نصدق أن أولئك العلماء الذين لم يُطعن عليهم في نزاهتهم الدينية، وتقواهم، ووفائهم بالعهود، وصدق تدينهم، كانوا يسكتون على كذب بعضهم البعض، ولماذا لا نجد في كتب الجرح والتعديل أو التاريخ والسير وصفهم لبعضهم البعض بالوضع والكذب، إذا كانت الحال كما يزعم " شاخت "؟ ٤ - إذا كان المحدثون والفقهاء تعمدوا الوضع والكذب على الرسول ﷺ ، فلماذا إذن اهتموا بنقد الأحاديث؟، ولماذا تعبوا كل هذا التعب في نقد الراوة والتصنيف في علم الجرح والتعديل والعلل، مادام كله كذباً؟! ٥ - لو كان الأمر كما يزعم " شاخت " أن علماء المسلمين كانوا إذا احتاجوا في مسألة إلى دليل وضعوا سنداً لأحد آراء الفقهاء، ونسبوه لرسول

стр. 28

الله ﷺ ، فلماذا لم يضعوا حديثاً بإسناد صحيح في حجية القياس، وهو المصدر الرابع من مصادر التشريع الإسلامي، مع أن الحاجة ماسة لوجود مثل ذلك الحديث بديلاً لحديث معاذ رضي الله (١) عنه الذي ضعفه كثير من المحدثين؟ ولماذا لم يستطع الخليفة المأمون مع كل ما أوتي من قوة ونفوذ وسلطة واسعة أن يأتي بحديث واحد موضوع في مسألة خلق القرآن مع تحدي الإمام أحمد له وللمعتزلة بذلك؟ ((إن الحقيقة التي تتحدث عن نفسها هنا هي أنه لم يكن من الممكن أن يوضع حديث على رسوله ﷺ ، ويمر من غير ملاحظة العلماء له)) (٢) . إن تحيز " شاخت " واستسلامه الكامل للتعصب العنصري ضد المسلمين، أوقعه في مصادمة لأهم أصل من أصول المنهجي العلمي وهو الموضوعية.

стр. 29

المبحث الثاني: الانتقائية في اختيار المصادر من أخطر العيوب المنهجية في البحث العلمي، أن يتوصل الباحث إلى نتائج محددة عامة تكون مبنية على معلومات مستقاة من مصادر غير متخصصة في موضوع بحثه. وهذا ما وقع فيه " شاخت " فقد توصل لنتائجه في السنة النبوية، معتمداً في ذلك على مصادر فقهية، وليست حديثيه، بل أكثر من ذلك أنني لم أجد في مصادره أي كتاب في علم مصطلح الحديث، أو الجرح والتعديل، أو العلل، أو التخريج، ومن يتجاهل هذه المصادر الأصلية في علم الحديث، كيف يمكن لنا بمقاييس المنهج العلمي أن نثق بنتائجه. ولإيضاح أهمية استيعاب المصادر الأصلية المتخصصة في البحث العلمي عند أساتذة المنهجية، ننقل بعض المقتطفات من كلامهم حول ذلك، ومنها هذا النص لشارل فيكتور لانجلوا - مؤلف أحد أهم كتب منهج البحث في علم التاريخ المعتمدة في الجامعات الغربية - الذي يقول فيه: ((إذا تراءى لي أن أعالج نقطة تاريخية، أياً كانت، فإني أتلمس الموضع أو المواضع التي ترقد فيها الوثائق الضرورية لمعالجتها ... ومن البين أن هذا العمل إذا لم يزاول مزاولة سليمة، أعني أنه إذا لم يعرف المرء قبل البدء في عمل تاريخي، كيف يحيط نفسه بكل المعلومات الميسرة له، فإنه يزيد بسهولة من مزالق خطر العمل على أساس وثائق غير كافية وهي مزالق وفيرة العدد مهما بذل من جهد. وكم من عمل من أعمال التاريخ عولج وفقاً لقواعد أدق المناهج قد أفسده، بل قضى عليه قضاء مبرماً، أمرٌ مادي بسيط هو أن المؤلف لم يقف على وثائق

стр. 30

كان من شأنها أن توضح تلك التي كانت في متناول يده - واقتصر عليها-، وأن تكملها أو تنقضها)) (١) . ويقول الدكتور أحمد شلبي: ((ومن أهم ما يجب أن يلاحظ في المراجع تخصصها في النقطة التي يُبحث فيها، فإذا كان البحث مثلاً في التاريخ فمراجعه الأصلية العامة هي كتب التاريخ)) (٢) . ويؤكد الدكتور صالح العساف أن معيار العلمية في مناهج البحث التي تدرس الظاهرة الإنسانية كما أشار كثير من علماء المنهجية هي: الدقة، إبراز الأدلة، واتباع المنهج العلمي بخطواته المختلفة، ومنها: ((جمع المعلومات عن المشكلة، متوخياً في ذلك البحث عن أصدق المصادر تأليفاً ومحتوى)) (٣) . ويتفق أساتذة المنهجية، على أن من أهم واجبات الباحث، إن لم يكن من أولها، أن يحيط إحاطة تامة بمصادر بحثه الأصلية التي تكون شديدة الصلة به، ويؤكدون أن الاعتماد على مصادر ثانوية أو غير متخصصة يضر بالبحث ونتائجه (٤) . إن آراء " شاخت " وأحكامه القطعية التي صرح بها حول السنة النبوية، لم يُراع فيها هذا الأصل المهم من أصول المنهجية في البحث العلمي.

стр. 31

وفي ذلك يقول الدكتور الأعظمي: ((لقد كان لسوء اختيار المستشرقين مواد دراسة الأسانيد أكبر الأثر في وقوعهم في أخطار جسيمة، نجمت عن سوء ذلك الاختيار في انتقاء المواد لهذه الدراسة ... وبالتالي وصلوا إلى نتائج خاطئة؛ لاختيارهم مواد غير مناسبة للبحث والتنقيب عما يريدون. لقد قام البروفسور " شاخت " بدراسة كتاب الموطأ للإمام مالك، والموطأ للإمام محمد الشيباني، وكتاب الأم للإمام الشافعي، وغني عن القول: أن هذه الكتب أقرب ما تكون إلى الفقه من كتب الحديث، وعلى الرغم من ذلك فقد عمم نتيجته التي توصل إليها في دراسته لتلك الكتب، وفرضها على كتب الحديث كافة، وكأنه ليست هناك كتب خاصة بالأحاديث النبوية، وكأنه ليس هناك فرق بين طبيعة كتب الفقه وكتب الحديث)) (١) . والخطأ المنهجي الذي وقع فيه " شاخت " هو أنه انتقى المراجع التي يمكن أن يجد فيها ما يؤيد بحثه؛ ذلك لأن الكتب الأخرى غير كتب الحديث، لا يهتم أصحابها بسياق السند كاملاً، ويؤكد ذلك قول الشافعي رحمه الله تعالى: ((وكل حديث كتبته منقطعاً فقد سمعته متصلاً أو مشهوراً عمَّن رُوِي عنه بنقل عامة من أهل العلم يعرفونه عن عامة، ولكن كرهت وضع حديث لا أتقنه حفظاً، فاختصرت خوف طول الكتاب، فأتيت ببعض ما فيه الكفاية دون تَقَصِّي العلم في كل أمره)) (٢) .

стр. 32

ويقول أبو يوسف القاضي في رده على الأوزاعي: ((ولولا طول الكتاب؛ لأسندت لك الحديث)) (١) . ويرى الدكتور الأعظمي أن من الظواهر التي تختص بها كتب الفقه من حيث الاستشهاد بالأحاديث: ١ - حذف جزء من الإسناد، والاكتفاء بأقل قدر ممكن من المتن الذي يدل على المقصود، وذلك تجنباً للتطويل. ٢ - حذف الإسناد بكامله، والنقل مباشرة من المصدر الأعلى للراوية. ٣ - استعمال كلمة السنة أو إحدى مرادفاتها للدلالة على أفعال الرسول ﷺ ، بدون ذكر حديث أو إسناد؛ لأن الحديث كان معروفاً ومشهوراً في الأوساط العلمية. ٤ - ذكر طريق واحد فقط من الإسناد من عدة طرق متوافرة (٢) . وبإدراك هذه الفروق يتحقق لكل صاحب نظر صحيح أن " شاخت " قد ارتكب خطأ علمياً جسيماً بإجرائه لدراسته عن الأحاديث النبوية من خلال الكتب الفقهية، وبحسب أصول المنهج العلمي الصحيح، فإنَّ أيَّ دراسة أو نتيجة يصل إليها الباحث في الأحاديث النبوية أو الأسانيد في غير مصادرها الأصلية ذات الاختصاص المباشر، ونعني بها كتب الحديث بمختلف أنواعها رواية ودراية، محكوم عليها بالإخفاق ومجانبة الحقيقة؛ لأنها لن توصل إلى النتيجة السليمة والمنطقية بل ستكون مخالفة للواقع (٣) .

стр. 33

ثم هناك أمر آخر يظهر منه عدم مصداقية " شاخت " في انتقائه لمصادره، ذلكم هو أنه يعتمد كتابات الإمام الشافعي اعتماداً كلياً، مع أنه في نظره متهم بأنه كثيراً ما يحرف في أصول مخالفيه ومبادئهم، ويسوق على ذلك أكثر من ثلاثين مثالاً، ويطعن عليه بأنه يزيد من عنده في كلام خصومه ويسوق على ذلك عدة أمثلة (١) . والسؤال: إذا كان الإمام الشافعي غير موضوعي عند "شاخت " فهل يجوز في معايير المنهج العلمي أن يعتمد عليه؟ وما المعايير التي تجعله يقبل كلامه أحياناً، ويرفضه أحياناً بدون أي مسوِّغ منطقي؟.

стр. 34

المبحث الثالث: الشك غير المنهجي يعطي أساتذة المنهجية الشك المنهجي مكانة مهمة، عبّر عنها أحدهم بقوله: ((في كل علم ينبغي أن تكون نقطة البدء هي الشك المنهجي. فكل ما لم يثبت بعد، ينبغي أن يظل مؤقتاً موضوعاً للشك، ولتوكيد قضية ما ينبغي تقديم الأسباب التي تبرر الاعتقاد بأنها صحيحة صادقة)) (١) . وقد عرف مجمع اللغة العربية الشك المنهجي بأنه: ((مرحلة أساسية من مراحل منهج البحث في الفلسفة، وقوامها تمحيص المعاني والأحكام تمحيصاً تاماً بحيث لا يُقبل منها إلا ما ثبت يقينه، ومن أبرز من قال به الغزالي ثم ديكارت. فعلى الباحث أن يحرر نفسه من الأفكار الخاطئة " بالشك "، وأن يتروَّى فيما يعرض له، فلا يتسرع في حكمه)) (٢) . وفي تعريف آخر للأستاذ جبور عبد النور: ((هو موقف يتميز عن الشك الارتيابي بأنه وقتي، ويُسلِّم بالمقدرة على بلوغ حقائق أكيدة شرط التمكن من التدليل عليها)) (٣) . ولنا أن نتساءل بعد أن عرفنا ما هو الشك المنهجي: متى يكون الشك في معايير البحث العلمي غير منهجي؟ والجواب الصحيح عن هذا السؤال: بأنه يكون كذلك إذا كان الشك فيه إفراط وإنكار ونفي من دون بينة أو قرينة مقبولة، ولذا نجد أن أساتذة المنهجية الذين حثوا على الشك المنهجي، قد حذروا منه أيضاً، ومن هؤلاء

стр. 35

"لانجلوا" فقد حذر المؤرخين من الإفراط في الشك، ناصحاً لهم بعد أن شدد على أهميته، فقال: ((ينبغي ألا نسيء استعماله، فإن الإفراط في الشك والاتهام في هذه الأمور، يكاد يكون له نفس النتائج الضارة؛ للإفراط في الثقة والاعتقاد)) (١) . ويقول الدكتور علي جواد الطاهر: ((الشك ضروري على أن يكون علمياً، وفي حدود الحقيقة، وأن يقع في السلب والإيجاب، وفيما لنا، وما علينا. أما الشك المرضي أو الشك الذي تدفعك إليه نزوة في مخالفة المألوف ... فهو خارج حدودنا، وليس من وكدنا)) (٢) . والذي وقع فيه " شاخت " هو أنه رفض القبول ببعض الأمور المتعلقة بالسنة النبوية ورواتها، بناءً على شك لا يستند إلى دليل أو قرينة مقبولة علمياً، ومن صنيعه في ذلك زعمه بأن كافة كتب التراجم التي تبحث في ترجمة موسى بن عقبة غير موثوق بها، والسبب - في نظره - يرجع إلى أنه قد زِيدَ في أسماء شيوخ موسى، وكذلك في أسماء تلامذته بعد أن كثرت الأحاديث الموضوعة وأسانيدها المختلقة، ويحيل " شاخت " القراء إلى أن يقوموا بموازنة بين ترجمة موسى بن عقبة في " طبقات ابن سعد "، و" التاريخ الكبير للبخاري "، وهما من أقدم المصادر، وما كتب عنه في المصادر المتأخرة ليتبين لهم الفرق، إذ المصادر القديمة مقتضبة بعكس المصادر المتأخرة،

стр. 36

والخلاصة التي يخرج بها القارئ من كلام " شاخت " أن كتب التراجم كلها ليست جديرة بالثقة (١) . وقد تولى الدكتور الأعظمي (٢) تفنيد هذا الرأي بأسلوب علمي رصين، حيث بيَّن أن محاولة زرع الشك في قلوب الباحثين حول قيمة كتب التراجم استناداً إلى التراجم المقتضبة لموسى بن عقبة لا يستند إلى أي دليل علمي؛ لأنه لا أحد من أولئك العلماء زعم أنه سيحاول استقصاء كافة المعلومات عن كل شخص يترجم له. ثم ساق الأعظمي مثالاً وازن فيه ترجمة شعبة بن الحجاج في ثلاثة مصادر من كتب التراجم هي: " الطبقات " لابن سعد (ت ٢٣٠ ?) ، وكتاب "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد (ت ٢٤١ ?) ، وكتاب "التاريخ الكبير" للبخاري (ت ٢٥٦ ?) . فكانت النتيجة أن ابن سعد (٣) ترجم له في تسعة أسطر ولم يذكر من شيوخه أو تلاميذه أحداً، أما البخاري (٤) فترجم له في ثمانية أسطر ذاكراً اثنين من شيوخه، وكذلك تلامذته لم يذكر إلا اثنين فقط، أما الإمام أحمد (٥) الذي توفي بعد ابن سعد، وقبل البخاري فيذكر لشعبة مائة وخمسين شيخاً.

стр. 37

وطبقاً لنظرية " شاخت " لنا أن نتساءل: إذا كانت الأحاديث الموضوعة والأسانيد المختلقة كانت وراء تكاثر أسماء شيوخ شعبة في مدة أحد عشر عاماً، هي الفاصل الزمني بين وفاتي ابن سعد وابن حنبل، بحيث ارتفع العدد من الصفر عند الأول إلى مائة وخمسين عند الثاني، فما الطريقة التي استعملها البخاري بحيث تمكن من إرجاع ذلك العدد الكبير إلى اثنين فقط، وبعد مضي خمسة عشر عاماً أخرى؟ وكيف تقلصت القائمة عند البخاري عن قائمة ابن حنبل، وكان من المفروض بناءً على نظرية " شاخت " أن تنمو أكثر فأكثر؟ ومثال آخر على استعمال هذا المستشرق للشك بصورة غير علمية ألبتة: وهي طعنه في "سلسلة الذهب "عند المحدثين أعني حديث مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄، فقد شكك في ثبوت سماع مالك من نافع مولى ابن عمر، وهذه نص عبارته المترجمة: (بما أن نافعاً مات في سنة ١١٧ ? أو قريباً منها، ومات مالك في سنة ١٧٩?، فعلاقتهما ممكنة الوقوع عندما كان مالك فتى. بل ربما كان موضع شك أيضاً ما إذا لم يأخذ مالك - الذي يتهمه الشافعي في موضع آخر بالتدليس - مروياته من أحاديث مدونة يزعم مجيئها عن نافع) ثم يذكر في الحاشية: ((ليس هناك تاريخ موثوق معروف لميلاد مالك)) (١) . وقد نص جمهور العلماء على أن مالكاً ﵀ قد ولد سنة ٩٣? وهذا أصح الأقوال، وذهب البعض إلى أن ولادته كانت سنة ٩٠، وقيل ٩٤،

стр. 38

وقيل ٩٥، وقيل ٩٦، وقيل ٩٧ ? (١) . فعلى الرأي الراجح يكون عمره حين مات نافع في الرابعة والعشرين، وعلى أبعد الأقوال يكون عمره في العشرين، ومالك كنافع كلاهما من أهل المدينة، فهل يمتنع في العقل أن يكون تتلمذ عليه وسمع منه، أليس في زمننا أناس كثر يتخرجون في الجامعة وهم في الثانية والعشرين من عمرهم أو أقل؟! إن المثالين اللذين ذكرتهما عن استعمال " شاخت " للشك غير المنهجي هما غيض من فيض شكوك تفتقر لمقومات الشروط المعتبرة في الشك المنهجي، ولكن المقام لا يحتمل الاسترسال في ذكر الشواهد والرد عليها. ولابد هنا من التذكير بأن المنهج العلمي الصحيح لا يقر الخلط بين الشك المنهجي والرفض العلمي المبني على دليل؛ لأن الشك يكون مشروعاً ومطلوباً في البحث العلمي بوصفه خطوة أولى هدفها هو التثبت في الأمر، ولا يحق للباحث أن يرفض كل -أو بعض- ما يدَّعيه مخالفه من أدلة تدعم رأيه لا لشيء إلا؛ لأنها تؤيد رأيه، ذلك لأن للمخالف أيضاً أن يعامله بالمثل فيقول له: إنما رفضت دليلي؛ لأن قبوله يضعف رأيك، ونصرت غيره؛ لأنه يؤيد وجهة نظرك، فلابد للشك حتى يكون علمياً من معايير موضوعية علمية بعيدة عن الذاتية والتحيز (٢) .

стр. 39

المبحث الرابع: إهمال الأدلة المضادة من أسوأ العيوب المنهجية، وأشدها خطورة على نتائج أي بحث علمي، هي أن يتجاهل الباحث الأدلة المضادة - يعني المخالفة - لرأيه سواءً أكان ذلك بسبب إهماله أم تحيزه أم لأي سبب آخر، ويصف أحد المفكرين الغربيين العالم أو الباحث الذي يخفي الأدلة التي لا تؤيد نظريته بأنه يعد في عالم العلم ((مثل المالي الغشاش، أو المحاسب الذي يزيف في دفاتره في عالم المال)) (١) . ويذكر أحد أساتذة المنهجية أن من أهم العوائق التي تحول بين الباحث، والوصول إلى الحقيقة: تجاهل الأدلة المضادة، وعليه فإن الدليل المضادَّ يجب أن يُعطى وزن الدليل المؤيد نفسه، حتى لو كان في ذلك تغيير لمنطلقات البحث الأساسية؛ لأن هدف الباحث الأول هو الوصول إلى الحقيقة (٢) . ويؤكد آخر بأنه ينبغي للعالم أن يكون كالقاضي النزيه الذي يسعى وراء الأدلة التي تنفي آراءه أكثر من تلك التي تؤيدها (٣) . ولبيان خطورة الأدلة المضادة على نتائج أي بحث علمي، سنقتطف هذين النصين، أحدهما للدكتور توفيق الطويل يقول فيه: ((إن الأمثلة الإيجابية - أي التي تؤيد صحة فرض من الفروض - لا تكفي لإثبات صدقه؛ لأن الشواهد السلبية التي تنفي صحته أهم في مجال الاختبار والتمحيص من الشواهد المؤيدة

стр. 40

له، بل إن مثالاً واحداً يتنافى مع الفرض يكفي لهدمه، وبيان فساده بإلغاء عدد الشواهد المؤيدة لصدقه)) (١) . والآخر لأحد رواد علماء المنهجية في العصر الحديث وهو فان دالين (٢) ، يقول فيه: ((وبصرف النظر عن مقدار الأدلة التي أمكن التوصل إليها لتأييد فرض من الفروض، فإن بنداً واحداً يحمل دليلاً معارضاً، يمكن أن يثبت بطلان ذلك الفرض)) (٣) . بعد أن قررنا هذا الأمر من الكتب المختصة، يأتي الآن دور النظر في مخالفات " شاخت " لهذا الأصل الخطير من أصول المنهجية العلمية مع ذكر بعض الأمثلة. سبق معنا أنَّ " شاخت " يرى أن الرسول ﷺ لم يكن مبالياً بأمور الشريعة - أي القانون كما ورد في تعبيراته - ولهذا فلم تكن سلطته في المدينة النبوية لمَّا هاجر إليها سلطة تشريعية (٤) . إن " شاخت " أهمل هنا الأدلة المعارضة، وهي الأدلة القرآنية التي تذكر بجلاء وجوب اتِّباع النبي ﷺ في كل شيء، ومن ذلك مثلاً:
следующие страницы →