← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8523

القطعية من الأدلة الأربعة

محمد دكوري

Полный текст (445 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

القطعية من الأدلة الأربعة تأليف: محمد دكوري مقدمة إنَّ الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يأَيُهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾ ١. ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢. ﴿يَأَيهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيغْفرْ لَكُمْ ذنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولُهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣. أما بعد: فقد كان الناس في جاهليةٍ انطمست فيها معالِمُ السبيل، يتخبطون ولا يُرشِدُهم إلى الصراطِ المستقيمِ دليل، حَيَّرَتْهم السبلُ المتفرقة بأماراتها الكاذبةِ ومعالمِها الخادعة، وإن فقدانَ الدليلِ المرشد، واختلاطَ الأمارات، وانطماسَ المعالم لمن أخطرِ ما يلقاه سالكُ الطريق.

стр. 2

ثم أنعم الله على عبادِه بالهدايةِ إلى الإسلام، فأنار به سبيلاً ذاتِ معالمَ واضحة، وبدَّد به ما أَطْبَق من الظلمات، وأنزل عليهم كتابَه العزيز دليلا مرشدا، وقد حذّر به من اتباعِ السبلِ المتفرقة بما أقام من الحجةِ البالغة، فمن اعتصم به ظَفِر بعلم اليقين، ومن زاغ عنه فقد قطع على نفسه سبيلَ المعذرة إذ عرَّضها للمهانةِ والمذَمَّة. فكان من أعظم النعم - بعد نعمة الهداية - ما منحَ الله تعالى من نَصْبِ الأدلة والأمارات التي بها يطمئن سالك الطريق، ويرجع بها الضالُّ والتائِهُ إلى جادة السبيل. وكان أهمَّ ما هدى الله به إلى أحكامِ شريعتِه واتباعِ سبيلِه كتابُه العزيز الذي هو مرجع الأدلة ومعينها الذي لا ينضب، وسنة رسوله ﷺ التي بينت الكتاب وأوضحته، ثم سبيل المؤمنين التي عليها أمرهم جميعا، فهي عصمة الشريعة وحصنُها المنيع، ثم رحم الله عبادَه بما فتح لهم من أبوابِ الاجتهادِ في الأدلة، وإن أوسعَ ما وقع من ذلك الاجتهادُ في الملماتِ النوازل بالنظر في ميزان القياس والاعتبار. فالكتابُ والسنة والإجماعُ والقياس أهمُّ معالمِ السبيلِ وأحقُّ منارات الشريعة، وقد اهتم العلماء ﵏ بالأدلة الأربعةِ وغيرِها، فكانت مدارَ البحث في أصول الفقه وغيرِه من علوم الشريعة. وأصلُ ما يبحث في الأدلة إثباتُها أدلةً يجب العملُ بها، وطُرُقاً يلزمُ

стр. 3

سلوكُها إلى الأحكامِ الشرعية، وذلك البحث في حجيتها. ثم فرّع أهلُ العلمِ على هذا الأصلِ مباحثَ كثيرة، بيَّنوا فيها حقيقةَ الأدلة، وطرقَ العملِ بها، وكيف يستنبط الناظرُ فيها أحكامَ الشريعة. ومن فروع البحثِ في الأدلة الشرعية النظرُ في الاختلاف الواقعِ بينها من حيث القوة في الثبوتِ أو الدلالة، حتى يكونَ منها ما ينتهي في القوة إلى حيث يَفصِلُ كلَّ احتمال، فيلزم عالِمَه العملُ به ولا تجوز مخالفتُه بما يَقطع من العذر ويَدفع من الشبهة. وقوةُ الدليلِ ووضوحُهُ في المراد من الاحتجاج أو المحاجَّة من أعظم الأسبابِ التي تورث الطمأنينةَ في القلب وتُوجِبُ - لمن حصَّلها - مزيدَ إقبالٍ على العمل، لما تُضْفِي على الحكم من أمن الخطأ، وتُقْصِي عنه من احتمال الزَّلَل، فمن ظَفِر على مطالبه بقواطع الأدلة، وكان طريقَه إلى الأحكامِ سواطعُ الحجج كان على يقين من أمره بسلوك الطريق الصحيحِ الموصلِ إلى ما يصبو إليه، وذلك من أسبابِ الرسوخِ في العلم والإمامةِ في الدين. القطعية في الأدلةِ الشرعية من المباحث الأصيلةِ في أصول الفقه، لتعلقِه بصفةٍ من صفات الأدلة، وتفرُّعِه عن مبحث الحجية، وإن لعلماء أصول الفقه فيه تصريحات وإشارات. وإن الوصول في البحث العلمي إلى اليقين المُستَنِد إلى الدليل القطعي يظل مطلبا مهما في غير العلومِ الشرعية أيضا، فكثيرا ما بقيت نتائجُ

стр. 4

المطلب الثاني: جهة الدلالة. المطلب الثالث: مسائل في جهة القطعية. المبحث الثاني: فيما يفيد القطعيةَ في الدليل، وفيه مطلبان: المطلب الأول: إفادة الإجماعِ القطعيةَ في الدليل. المطلب الثاني: أثر القرائنِ في إفادة القطعية. المبحث الثالث: فيما يمنع القطعيةَ عن الدليل، وفيه مطلبان: المطلب الأول: أثر الخلافِ في منعِ القطعية. المطلب الثاني: الاحتمالُ وأثرُه في منع القطعية. الفصل الثاني: أثر قطعيةِ الدليل، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أثر القطعية في الاصطلاح، وفيه مطلبان: المطلب الأول: في الدليلِ والأَمارة. المطلب الثاني: في الفرضِ والواجب. المبحث الثاني: أثرُ القطعيةِ في الاجتهادِ والتَّخْطِئَة. المبحث الثالث: أثر القطعية في التعارض والترجيح. الباب الثاني: أحكامُ القطعيةِ في الأدلة الأربعة، وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: أحكام القطعيةِ في الكتاب والسنة، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الكتاب والسنة أصلُ الأدلةِ القطعية.

стр. 5

المبحث الثاني: أحكام القطعيةِ في السنةِ من جهة الثبوت، وفيه مطلبان: المطلب الأول: قطعيةُ الخبرِ المتواتر. المطلب الثاني: قطعيةُ خبرِ الواحد. المبحث الثالث: أحكامُ القطعيةِ في الكتاب والسنة من جهة الدلالة وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: قطعية النص. المطلب الثاني: قطعية العموم. المطلب الثالث: قطعية المفهوم. الفصل الثاني: أحكام القطعية في الإجماع، وفيه مبحثان: المبحث الأول: قطعية الإجماع. المبحث الثاني: الإجماع القطعي. الفصل الثالث: أحكام القطعية في القياس، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: قطعية القياس. المبحث الثاني: القياس القطعي. المبحث الثالث: القطعي من مَسالِكِ العلة. ثم أَرْدَفْتُ بِخاتِمةٍ ذكرتُ فيها أهمَّ النتائج وبعضَ مَجالِ البحث في القطعية.

стр. 6

ثم ذكرتُ من الفهارس العلمية: - فهرسَ الآيات القرآنية. - وفهرسَ الأحاديثِ النبوية. - وفهرسَ الآثار. - وفهرسَ الأعلام. - وفهرسَ المراجع. - وفهرسَ الموضوعات. منهجي في البحث: ويتبين المنهجُ الذي سرت عليه في البحث بما يلي: أ - في الوصول إلى مادةِ الموضوع جَمَعْتُ ما ذكره أهلُ العلمِ من المصادر الأصوليةِ الأصيلة وما ذكره العلماء من غير الأصوليين بما أَقْدَرَ اللهُ من الجُهدِ في البحث والتنقيب، ثم وَزَّعْتُ ذلك على الجُزَيْئاتِ السابقةِ من خطة البحث. ب - ذكرت أقوالَ أهلِ العِلمِ حَسَبَ التَّسَلْسُلِ الزَّمَنِيِّ لوفاتهم ﵏، إلا أن يكونَ قولُ بعضِهم أوضحَ للفقرة فأقدمُه ثم أنقلُ من أشار إلى ذلك. ج - للقطعية سوابقُ ولواحقُ من البحث تتَّصِلُ بها أحيانا وليس من صَمِيمِها، مثلُ بحثِ حجيةِ الدليل السابقِ لقطعيته، ومثلُ بحثِ الضروريةِ أو النظريةِ في الدليل اللاحقِ لبحث القطعيةِ فيه، واقْتَصَرْتُ على البحث في

стр. 7

الدراساتِ في العلوم الكونية قضايا قابلةً للنقضِ لأدنى شبهةِ احتمال، بل قد تَكشفُ بحوثٌ جديدةٌ ما يُبْطِل نظرياتٍ كانت تُعَدُّ من الحقائق العلمية! لكن الأحكامَ الشرعيةَ المُسْتَنِدةَ إلى أدلتِها الصحيحة تختلف عن تلك العلوم من حيث المصدر وطرق الوصول، فإن مصدرَ علومِ الشرع - على اختلافها وتنوعها - الوحيُ من السماء، وأصلها الإيمان بالله الحكيمِ العليم، وأنه أنزل كتابا فيه ذِكْرٌ تكفَّل بحفظه، وكلَّف رسولَه ﷺ التبيين، وهو الناصحُ الأمين، الحريصُ على حَسْمِ مواردِ اللبسِ وقطعِ موجباتِ الخطأِ ومواردِ الضلال. فكان الفرضُ في الابتداء - من أجل هذا المُسَلَّمِ الإيمانيِّ - أن قضية القطعِ في العلوم الشرعية لا يجوز بحثها معزولةً عن مصدرها، وأنها مختلفة عن بحث القطعيةِ في العلومِ الكونية والمعارفِ الإنسانيةِ الأخرى. ولما عرَض لي بحثُ موضوعٍ في أصول الفقه لمرحلة العالمية (الماجستير) - وبعد أن استشرت بعضَ أساتذتي - وفَّقني الله إلى اختيار هذا البحث موضوعا في هذه المرحلة. أسباب اختيار الموضوع: كان لاختيار الموضوع دوافع: منها: ما تقدم من أهمية اليقين وأن القطعَ بأدلةِ الأحكام يورث الطمأنينةَ وأمنَ الزلل.

стр. 8

ومنها: أنه موضوعٌ في صميم الأدلة الأربعة التي هي أهم موضوعات علمِ أصولِ الفقه. ومنها: أنه موضوعٌ يدخلُ في كثيرٍ من أبوابِ أصولِ الفقه، فيقف الطالب على كثيرٍ من مسائلِ هذا العلم. والبحث في (القطعية) متفرقٌ في ثنايا كلامِ أهلِ العلمِ في أصول الفقه لا يجمعه باب، ولا تُرشِد إلى الوقوف عليه مظان، وإنما يُلفَى من خلال إشاراتِ العلماءِ في مواضعَ غير مطردةٍ، وعند استطرادِ البحثِ والتأصيل، أو إيرادِ الأسئلةِ والأجوبةِ في المناقشات، على أن بعضَ موادِّ هذا الموضوع توجد كذلك متفرقة في غير المشهورِ من كتبِ أصول الفقه الخاصة، مثل مؤلفاتِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية، وكتبِ شمس الدين ابنِ القيم، وفي تحقيقات الشيخِ أبي إسحاق الشاطبي وغيرِهم من العلماء رحمة الله عليهم أجمعين. فلما بدا من ذلك ما بدا ولاح أنّ مما يمكنُ فيه البحث جمعَ ما تفرق في ذلك من كلام أهل العلم ﵏ وتأليفَ بعضِه إلى بعض في مكان واحد، استعنت بالله مُقدِما على ذلك، عسى أن تَخْرُجَ صورةٌ قريبةٌ لموضوع القطعية في الأدلة الأربعة. والله المستعان. وقد شدّ من عزمي على اختياره ما أشار به بعضُ الأساتذةِ الفضلاء من جِدَّةِ الموضوعِ في بابه وأن الكتابةَ في مثلِه صالحةٌ في هذه المرحلةِ المُبَكِّرةِ.

стр. 9

خطة البحث: جاء البحث في مقدمة، وفصل تمهيدي، وبابين، ثم خاتمة. المقدمة في الخطبة، وبيان أهمية الموضوع، ودوافع اختياره، وخطة البحث، ومنهج الباحث فيه. أما الفصل التمهيدي: ففيه خمسةُ مباحث: المبحث الأول: ماهية القطع، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف القطعِ لغة. المطلب الثاني: القطعُ عند الأصوليين. المطلب الثالث: معنى القطعية في الدليل. المبحث الثاني: الأدلة الشرعية من حيث القطعيةُ وعدمُها. المبحث الثالث: وجوب العملِ بالأدلة الشرعية القطعيةِ وغيرِ القطعية. المبحث الرابع: أهميةُ الدليلِ القطعي. المبحث الخامس: قطعية أصول الفقه. والباب الأول: قطعية الدليل وأثرُها: وفيه فصلان: الفصل الأول: قطعية الدليل، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: جهة القطعيةِ في الدليل، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: جهة الثبوت.

стр. 10

مستوى القطعيةِ نفسِه منعاً لانتشارِ البحث ووفاءً لِحَدِّ الموضوع. د- فَرَّقْتُ - عند الإحالةِ إلى المراجعِ الأصولية - بين كتبِ الحنفيةِ وكتبِ غيرِهم من الأصوليين، ثم رتَّبْتها حسب تقدمِ وَفاةِ مُؤَلِّفيها، إلا أن يكونَ من المراجع ما يكون أساسَ الإحالة فأقدمه، ثم أذكرُ المراجعَ الأخرى التي أشارت إلى الفقرة. وأحيل على المرجع ب (انظر) إلا إذا كان النقلُ منه نصا فأجعل النصَّ المنقول بين قوسين مزدوجين ""ثم أحيل بذكرِ اسمِ المرجعِ مباشرة. هـ- بينت مواضعَ الآياتِ من المصحف بذكر رقمِ الآية واسمِ السورةِ. و خرّجت الأحاديث: فإن كان الحديثُ في الصحيحين أو أحدِهما اكتفيت بالإحالة على موضعِه من ذلك، وإلا خرَّجتُه من السُّنَنِ الأربعة ومسندِ الإمام أحمد، أو خرَّجته - عند الحاجة - من مصادرِ السنةِ الأخرى مُبَيِّناً ما وقفتُ عليه من حكم العلماء عليه صحة أو ضعفا. ز - ترجمت لمن وَرَدَ في البحث من الأعلام إلا الرسلَ عليهم الصلاة والسلام، وذلك باختصارٍ واطِّراد. ح - عرَّفت من المصطلحات، وبينت من الغريب ما دَعَتِ الحاجةُ إلى تعريفِه وبيانِه. شكر وتقدير: هذا، والحمد لله من قبلُ ومن بعد على فضلِه ومنّه، وله الشكر أبدا

стр. 11

شكراً أرجو به ما وعد الشاكرين من مزيدِ نعمِه، وسوابغِ آلائِه. وجدير في هذا المقام بأن أُقَدِّم جزيلَ الشكرِ وخالصَ العرفانِ لهذه المؤسسةِ العلميةِ المباركة إن شاء الله تعالى، الجامعةَ الإسلاميةَ بالمدينةِ النبوية، لما تقدمه من خدمة جليلة للإسلام والمسلمين في تعليم أبنائهم وإعدادهم للدعوة الصحيحة إلى الله تعالى، فجزى الله جميعَ القائمين عليها خير الجزاء، وأجزل لهم المثوبةَ في الدنيا والآخرة! كما لا يفوتني أن أشكر الوالد الشيخ أحمدِ بنِ محمود بن عبد الوهاب لما بذل في متابعة هذا العمل، ودأب في تقويمه من لدن بدأ حتى جاء في هذه الصورة، فكان نِعْمَ الناصحُ المرشد يُمسك بِرِفْقٍ عند بوادر الاندفاع ثم يَسوق بيُسْرٍ عند أوائل الكلل والسآمة، فجزاه الله عني خيرا وبارك في علمه وعمله! كما لا يفوتني أن أقدم جزيلَ الشكر، وخالصَ العرفان لشيخيّ الفاضلين: الدكتور محمدِ بنِ صالح بنِ عبيد النامي الحازمي، والدكتور سلامة بنِ ضويعن الأحمدي! على قبولهما مناقشةَ هذه الرسالةِ وتقويمها، فجزاهما الله خيرا وأجزل لهما المثوبة! وجزى الله خيرا جميعَ الأساتذة والمعلمين، وكلَّ من تعلَّم طالبٌ على يديه علما نافعا. وشَكَر الله لجميع من ساعد في هذا العمل بفكرةٍ صواب، أو إعارةِ كتاب، أو تنبيهٍ على وجه خلل، فجزى الله الجميع خيرا. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم.

стр. 12

تمهيد ... المطلب الأول: تعريف القطع لغة. قال ابن سِيدَه١: "القطع: إبانة بعض أجزاء الجرم من بعض فصلا، قطعه يقطعه قطعاً وقَطيعةً وقُطوعاً"٢. والفصل يكون في الأمور المحسوسة كقطع الحبل. ويكون في الأمور المعقولة كقطيعة الرحم ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَولَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا في الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ٣، وكالقطع في الحكم على أمر ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَأَيهَا الْمَلأُ أَفْتُوني في أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ ٤ ٥، وكالقطع أو قطع الدابر: بمعنى الإهلاك أو استئصال النوع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ

стр. 13

طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ١ أي: ليهلك أمة منهم٢، وقوله : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ٣. وفي اللغة استعمالات كثيرة للقطع منها: - قولهم: قطع زيد لسان عمرو: إذا أسكته بعطائه وإحسانه إليه. - وقولهم: انقطع لسانه: إذا ذهبت سلاطته. - وقولهم: أَقطع الرجلُ: إذا انقطعت حجته وبُكِّت بالحق فلم يجب، فهو مُقطع. - وقولهم: قطع زيد عمرا بالحجة: إذا بكّته. - وقولهم - على سبيل المثل -: كلام قاطع: أي نافذ٤.

стр. 14

المطلب الثاني: القطع عند الأصوليين قبل ذكر استعمال الأصوليين للقطع يحسن هنا التعرض لبعض الاصطلاحات المتعلقة بالقطع في علوم أخرى غير أصول الفقه. ١- فمن ذلك: (القطع) في علم قراءة القرآن. وهو مرادف للوقف والسكت عند بعض العلماء، وجعل بعضهم القطع: "قطع القراءة رأسا، فهو كالانتهاء، فالقارئ به كالمُعرِض عن القراءة والمنتقل منها إلى حالة أخرى سوى القراءة كالذي يقطع على حزب ... أو في ركعة ثم يركع، أو نحو ذلك مما يؤذن بانقضاء القراءة والانتقال منها إلى حالة أخرى ... ولا يكون إلا على رأس آية لأن رؤوس الآي في نفسها مقاطع "١. ٢- ومن ذلك: (الحديث المقطوع) في اصطلاح المحدثين. وهو المتن المنتهي إلى التابعي فمن دونه من قول أو فعل أو تقرير، حكما أو تصريحا، ويجمع على (المقاطيع) و (المقاطع) ٢.

стр. 15

٣- ومنه (النعت المقطوع) عند علماء النحو. وهو النعت الذي خرج من حالة التبعية للمنعوت في الإعراب إلى حالة الاستقلال بالإعراب لأغراض بلاغية، كقولك: جاء الرجلُ العدلَ، ورأيت الرجلَ العدلُ. وحقيقة القطع في ذلك أن يُجعل النعت خبرا لمبتدأ، أو مفعولا لفعل. وقد يطلق القطع في النحو على قطع الاسم عن الإضافة أي: كونه غير مضاف، فالاسم على ذلك (مقطوع عن الإضافة) ١. ٤- ومن ذلك (القطع) في بعض بحور الشعر عند علماء العروض. وهو: أن يحذف آخر وتده المجموع ويسكن ما قبله، ويسمى البحر بذلك (مقطوعا) لأنه قطعت حركة وتده. والوتد المجموع: حرفان متحركان بعدهما حرف ساكن، والوتد المفروق: حرفان متحركان بينهما حرف ساكن٢. ٥- ومنه (همزة القطع) أو (ألف القطع) عند علماء التصريف.

стр. 16

وهي: الهمزة التي تثبت في الابتداء بالكلمة ولا تسقط في دَرَج الكلام، أي: عند وصل الكلمة بغيرها، ومثالها: الهمزة في (إبراهيم وإخراج وأَعطى وأحمد وأحمال وأقِمْ) ، وهذه الهمزة في مقابلة همزة الوصل التي تثبت في الابتداء دون الوصل١. ٦- وقد يطلق في كتب الفقه (القطع) و (قاطع) و (مقطوع) على قطع الطَرَف جناية أو قصاصا وما يتعلق به٢، وربما أطلق ذلك على قطع الطريق٣. ومن الاستعمال المعاصر للقطع في معناه الأصولي: عبارة (ممنوع الوقوف والانتظار قطعيا) في إشارات تنظيم المرور والسَّير، والمقصود منها سلب العذر عن الواقف والمنتظر في المحل المشار إليه بذلك مهما كان احتمال وقوفه وانتظاره٤.

стр. 17

عبارات القطع في أصول الفقه: القطع معنى يصف به علماء أصول الفقه ﵏، أمورا كثيرة: فيصفون به الدليل كقولهم: (دليل قطعي) ونحو ذلك١. ويصفون به الحكم مثل قولهم: (حكم قطعي) و (حكم مقطوع به) ٢. ويصفون به المسألة كقولهم: (مسألة قطعية) أو (مسألة مقطوع بها) ٣. بل ويصفون به الجواب عن الاعتراض ومن ذلك قولهم: (جواب قطعي) أو (جواب قاطع) ٤. ويصفون بالقطع أمورا أخرى غير ذلك٥. غير أن مدار كل ذلك على قطعية الدليل لأن قطعية الحكم بحسب الدليل القطعي عليه، والمسألة تكون قطعية لأن الدليل المستدل به فيها

стр. 18

قطعي، والجواب قاطع إذا أُتي فيه بما يفيد القطع، فوصف هذه الأمور بالقطع يدور على قطعية الدليل وينتهي إليها. وأما القطع في الدليل فإنهم ﵏ يعبرون عنه بعبارات متنوعة، وقفت منها على أربع: العبارة الأولى: صوغ اسم الفاعل من القطع: (الدليل القاطع) ١. العبارة الثانية: صوغ اسم المفعول من القطع: (الدليل المقطوع به) ٢. العبارة الثالثة: صوغ الاسم المنسوب من القطع: (الدليل القطعي) ٣. العبارة الرابعة: وصف الدليل باقتضاء القطع، أو إيجابه، أو إفادته،

стр. 19

أو نحو ذلك، مثل: (الدليل المقتضي، أو الموجب، أو المفيد القطع) ١. أما العبارة الأولى وهي قولهم: (الدليل القاطع) فيجمع على (أدلة قاطعة) أو (أدلة قواطع) وقد يقدّم الوصف ويضاف إلى الموصوف فيقال: (قواطع الأدلة) ٢ وقد يحذف الموصوف فيقال (القواطع) . والقطع في هذه العبارة صفة للدليل حقيقة بإسناده إليه، فالدليل هو الذي يَقطع، أما الذي يقطعه الدليل فالعلماء يذكرون أمورا كثيرة، إذ يقولون في الدليل: إنه قاطع أو يقطع (العذر) ٣ أو (الاحتمال) ٤ أو نحو ذلك مما يضعف الدليل ويوهن قوته ثبوتا أو دلالة، كالتردد والشك فيه أو

стр. 20

الشبهة١ أو الخلاف٢. وأما العبارة الثانية وهي قولهم: "الدليل المقطوع به" فيجمع على (أدلة مقطوع بها) ، والدليل فيها موصوف بالقطع لكنه - في الحقيقة - الأمر الذي حصل به القطع كأنه آلة القطع وليس القاطع نفسه، فيكون تقدير هذه العبارة: (يَقطع موردُ الدليل أو المستدلُ به العذرَ أو الاحتمال بالدليل) ، فالقاطع مورد الدليل أو المستدل به، والعذر أو الاحتمال مقطوع، والدليل مقطوع به. وقد يحذف الجار في هذه العبارة - وهو الباء من (به) - فيستتر الضمير بعد حذف الجار فيقال: (دليل مقطوع) توسعا بالتعدية إلى الضمير بدون توسط حرف الجر٣. وقد يُعبّر بالقاطع عن المقطوع به فيقال: (دليل قاطع) ويراد (دليل مقطوع به) من باب إسناد ما للفاعل إلى المفعول، لأن القاطع حقيقة - كما سبق - هو مورد الدليل أو المستدل به، لكن يسند فعله (وهو القطع)

стр. 21

إلى الدليل (وهو المفعول به) لملابسة فاعل القطع والمفعول به كليهما لفعل القطع، كما ورد مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فيِ عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ١ أي: مرضية٢. ويعدّي أهل العلم - رحمهم الله تعالى - القطع بالباء كما في الأمثلة السابقة، وقد تكون تعدية القطع في هذه العبارة ب (على) ، فيقال: (دليل مقطوع عليه) أو (دليل مقطوع على مُغَيَّبِه) ٣ أو نحو ذلك، وذلك محمول - والله أعلم - على أحد أمرين: الأول: أن ذلك من باب تعدية القطع إلى مدلول الدليل دون ضميره كما في أصل العبارة، فيكون تقدير العبارة - على هذا -: (يُقطع بالدليل على مغيبه) ، فالدليل مقطوع به على مغيبه٤.

стр. 22

الأمر الثاني: أن تكون تعدية القطع ب (على) والباء في الاستعمال بمعنى، فيقال: جوازا (دليل مقطوع به) أو (مقطوع عليه) . وهو استعمالٌ كثير عند أبي الحسين البصري١ في المعتمد وشرح العُمَد٢. وموافقة (على) للباء في المعنى استعمال سائغ في اللغة، ومن ذلك قوله تعالى - عن موسى ﵇: ﴿حَقِيقٌ عَلَىَّ أَنْ لاَ أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ ٣ قال النحاس رحمه الله٤: في بيان معنى ﴿حَقِيقٌ﴾ : " ... بمعنى جدير وخليق، يقال: فلان خليق بأن يفعل وجدير بأن يفعل وعلى أن يفعل

стр. 23

بمعنى واحد "١. ومن ذلك ورود (على) في المعاوضات المحضة، كالنكاح والبيع والإجارة٢، ومنه قوله تعالى - عن شعيب ﵇: ﴿إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ٣، وتقول: "بعتك هذا الثوب على درهم " ونحو ذلك: أي بدرهم، وذلك من باب تناوب حروف الجر٤. وأما العبارة الثالثة وهي قولهم: (الدليل القطعي) فيجمع على (أدلة قطعية) ، وقد يحذف الموصوف فيقال (قطعيات) . والدليل في هذه العبارة موصوف بالقطع لكن النسبة هنا مطلقة لا

стр. 24

تشعر بكون الدليل هو القاطع كما في العبارة الأولى، أو بكونه المقطوع به كما في العبارة الثانية. وأما العبارة الرابعة وهي نحو قولهم: "الدليل المقتضي أو الموجب أو المفيد القطع" فيجمع على (أدلة مقتضية أو موجبة أو مفيدة القطع) . وهي قريبة من العبارة الأولى (الدليل القاطع) ، لأن اقتضاء الدليل القطع وإيجابه له ظاهره أنه يُلزم من ينظر فيه القطع ويلجئه إليه، وذلك يخرج الدليل عن كونه مثل الآلة المجردة في القطع كما هو ظاهر العبارة الثانية (الدليل المقطوع به) . والله تعالى أعلم. ألفاظ بمعنى القطع في استعمال الأصوليين: ١- العلم: وقد اختلف استعمال العلماء للعلم والقطع: - فالعلم عند بعضهم مرادف للقطع واليقين مرادفة مطلقة، فلا يستعمل لما دون القطع واليقين إلا على سبيل التجوز في الاستعمال، بل ذلك عند بعضهم ضرب من التناقض في القول وعدم التحقيق فيه١، وعلى

стр. 25

هذا جاء تعريفهم للعلم كقولهم: "هو عبارة عن أمر جازم لا تردد فيه ولا تجويز "١، أو أنه "عبارة عن صفة يحصل بها لنفس المتصف بها التمييز بين حقائق المعاني الكلية حصولا لا يتطرق إليه احتمال نقيضه"٢. - والعلم عند بعض آخر من العلماء أعم إطلاقا من القطع، فالظاهر الراجح عند هؤلاء علم وإن لم يكن علما مقطوعا به٣، فالعلم على هذا يطلق على القطع، وعلى ما دونه، وهو العلم الظاهر أو علم غالب الرأي. وعلى هذا ظاهر استعمال الشافعي٤ ﵀ للعلم في كتابه (الرسالة) ، يدل على ذلك قوله: "العلم من وجوه: منه إحاطة في الظاهر والباطن، ومنه حق في الظاهر "٥، ومثّل للأول باستقبال الكعبة إذا

стр. 26

كان المصلي في المسجد الحرام، وبفرضية الصلاة والزكاة والحج، ومثّل للثاني باستقبال القبلة إذا كان المستقبل بعيدا عن المسجد الحرام حيث لا يقطع بإصابة البيت، وبقبول عدالة المسلم بما ظهر من إسلامه فيناكح ويوارث، وقد يكون غير عدل في الباطن فلا يقطع من ظاهر حاله أن باطنه كذلك١! وهو ﵀ إذا أراد العلم القطعي قيد مطلق العلم ب (الإحاطة) كقوله: "والعلم يحيط "٢ وقوله: "أحاط العلم"٣ وقوله: "يعلم بإحاطة"٤، فالدال على القطع في عبارته كلمة: (إحاطة) المقيِّدة لمطلق العلم، ومعناها: إحاطة العلم بظاهر الدليل وباطنه، كقوله فيما سبق: "علم إحاطة في الظاهر والباطن "وقوله: "حق في الظاهر والباطن "٥،

стр. 27

وقد يستثني ﵀ بالمشيئة فيقول: "فالعلم - إن شاء الله - يحيط"١ أو "فالعلم يحيط إن شاء الله"٢. وتقييد العلم بالإحاطة أوتمييزه بها أسلوب ورد في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ٤ وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ٥ وقوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُّ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ ٦، وقد ذكر العلماء ﵏ في تفسير هذه الآيات معنى مقاربا لما سبق من استعمال الشافعي رحمه الله تعالى٧، كما ذكر أهل اللغة أن معنى (أحاط بالشيء علما) : أنه بلغ أقصى العلم به ظاهرا وباطنا٨.

стр. 28

والعبارة ورد استعمالها في المعنى نفسه عند بعض من جاء بعد الشافعي من الأصوليين كالسرخسي١ ٢. وكل ما سبق يجعل تقييد العلم بالإحاطة - للدلالة على قوته - أسلوبا أصيلا في اللغة وفي أصول الفقه، كما أن في ذلك إشارة إلى جواز استعمال مطلق العلم في ما دون القطع. ويؤيد قول من جعل العلم أعم إطلاقا من القطع ما ورد من استعمال العلم في ذلك في النصوص نحو قوله : ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ٣ ومعرفة إيمانهن هي بحسب ما ظهر مع احتمال خلاف ذلك، ونحو قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٤ ويجب اتباع ما لا يفيد القطع من الأدلة وغيرها إذا أفاد ظنا غالبا وكان ظاهرا راجحا. وهذا وأمثاله على رأي الفريق الأول من باب التوسع والتجوز مثل: استعمال الظن بمعنى العلم٥، أو يجعلون العلم في الآية الأولى بمعنى العلم

стр. 29

بالتلفظ بالشهادة وذلك عندهم ظاهر الإيمان١، وفي الآية الثانية أن وجوب اتباع ما ليس بقطعي هو فيما دل الدليل القطعي على وجوب اتباعه٢. - وجمع بعض العلماء بين الرأيين بأن للعلم إطلاقين هو في أحدهما خاص بالقطعي، وفي الآخر للقدر المشترك بين القطع وما دونه من الرجحان٣.

стр. 30

والذي تطمئن إليه النفس هو الرأي الثاني، وهو أن العلم أعم من القطع، لقوة ما يدل على ذلك كما سبق، والله أعلم. ٢- اليقين١: إلا أن أبا الوليد الباجي٢ ﵀ فرق بين العلم واليقين، بأن اليقين أعم من العلم، قال: "لأن العلم يتضمن التيقن ومن علم شيئا تيقنه وقد يتيقن بغير علم.. "٣، ونقل عن الإمام مالك٤ ﵀ عبارة تشير إلى ذلك، وهي قوله: "إن لغو اليمين هو: أن يحلف الرجل على الشيء يتيقنه وهو على خلاف ما حلف عليه "٥.

стр. 31

وفُرِّق بينهما - أيضا - بأن اليقين خاص بالعلم الحاصل عن نظر واستدلال، ولذلك لا يوصف به علم الله تعالى١، ولعل من هذا تعريف علماء اللغة اليقين: بأنه العلم وزوال الشك٢. ويجعل بعض العلماء لليقين ثلاث درجات في القطعية، هي: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، ويمثل في التفريق بين تلك الدرجات بأن كل من عقل الموت فهو يعلمه علم اليقين! فإذا احتُضر وعاين مقدمات الموت وأخذته سكراته ورأى الملائكة ... فقد رأى الموت عين اليقين! فإذا انقضى روحه وذاق الموت فقد تحققه حق اليقين٣! ٣- الجزم: ومن الألفاظ المرادفة للقطع في استعمال بعض الأصوليين: الجزم٤.

стр. 32

معنى القطع في اصطلاح الأصوليين: والقطع في اصطلاح الأصوليين يطلق على معنيين: الأول: الحكم الجازم مع عدم احتمال النقيض مطلقا١. الثاني: الحكم الجازم مع عدم احتمال النقيض احتمالا ناشئا عن دليل. والقطع بالمعنى الأول أخص منه بالمعنى الثاني، لأنه على المعنى الثاني لا يمنع من القطع الاحتمالُ البعيد الذي لا ينشأ عن دليل فيكون الحكم قطعيا مع مثل هذا الاحتمال٢. وفرق بعض العلماء بين المعنيين في التعبير، وذكر أن المعنى الأول الأخص يسمى: علم اليقين، والمعنى الثاني الأعم يسمى: علم الطمأنينة٣.

стр. 33

ورُدَّ بأن الطمأنينة تطلق على المعنيين، إذ تطمئن النفس إلى كليهما، فيكون معنى علم الطمأنينة على المعنى الأخص للقطع: سكون النفس بكمال اليقين، وإطلاق علم الطمأنينة في المعنى الأعم حيث قارب غيرُ القطع حدَّ اليقين١. ويتفرع على هذا الاختلاف في معنى القطع الاختلاف في الاعتداد بالاحتمال في رفع القطعية عن الدليل، أيعتد بمطلق الاحتمال أم لا يعتد منه إلا بما كان قريبا له ما يؤيده٢.

стр. 34

المطلب الثالث: معنى القطعية في الدليل اشتقاق القطعية من القطع عند الأصوليين: يصاغ من القطع مصدر مصنوع١ فيقال: (القطعية) أو (قطعية الدليل) للدلالة على السمات والخصائص التي يشتمل عليها القطع في الدليل من القوة الفاصلة في الثبوت والدلالة، واليقين بما دل عليه من الأحكام، وعدم جواز مخالفته، وعدم احتماله التعارض، ونحو ذلك٢. ومن استعمال القطعية بهذا المعنى قول السبكي٣ رحمه الله تعالى:

стр. 35

" ... ومنع بعضهم قطعية هذا الدليل"١. ول (القطعية) نظائر في أصول الفقه، منها: (الحجية) أو (حجية

стр. 36

الدليل) أي كونه حجة يجب العمل به، ومنها: (العلية) أو (علية الوصف) بمعنى كونه علة. معنى القطعية في الدليل: من معنيي القطع عند الأصوليين يكون معنى القطعية في الدليل عندهم، فعلى المعنى الأول الأخص للقطع يكون معنى القطعية في الدليل: كون الدليل بحيث لا يكون في ثبوته ولا في دلالته١ احتمال مطلقا، وعلى المعنى الثاني الأعم يكون معنى القطعية في الدليل: كون الدليل بحيث لا يكون في ثبوته ولا في دلالته احتمال ناشئ عن دليل. فالقطعية في الدليل الشرعي معناها: بلوغ الدليل أقصى القوة في ثبوته وإضافته إلى مصدره، وأقصى القوة في دلالته على المراد منه ولا يبقى فيه شك ولا احتمال، فيُسكت هذا النوع من الدليل المعاندَ اللدود، ويذهب سلاطة لسانه وحدّته، وسلاقة منطقه ولحن قوله، ويبكّته بالحق المبين وفصل الخطاب، ويبيّن زيف شبهه ويبطلها، وينقطع عذر من خالفه بعد الوقوف عليه، ويتوجه إليه الذم والمؤاخذة، إذ خالف ما ليس له في مخالفته حق ولا عذر. وذلك مثل الدليل على توحيد الله، فقد بلغ من القوة أقصاها حتى

стр. 37

سماه المولى الحجةَ البالغة، فقال : ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تُخْرِصُونَ. قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ البَالِغَةُ﴾ الآية١. وفي كلام علماء التفسير ما يدل على أن المراد بالحجة البالغة هنا الدليل القطعي بالاصطلاح السابق، قال ابن جرير الطبري٢: "ويعني بالبالغة: أنها تبلغ مراده في ثبوتها على من احتج بها عليه من خلقه وقطع عذره إذا انتهت إليه"٣، وقال القرطبي٤ في تفسير الحجة البالغة: "أي التي تقطع عذر المحجوج وتزيل الشك عمن نظر فيها"٥.

стр. 38

المبحث الثاني: الأدلة الشرعية من حيث القطعية وعدمها مذهب جماهير أهل العلم أن الأدلة الشرعية السمعية١ منها ما يفيد العلم القطعي واليقين، بحيث لا يبقى عند من نظر فيه في ثبوته ولا في دلالته على المراد منه احتمال ولا تردد ولا اشتباه، وتثبت به أحكام قطعية، وأن منها - دون ذلك - أدلة ظاهرة عرضة للاحتمال وقابلة للتردد في ثبوتها ودلالتها أو أحدهما، ويثبت بها أحكام ظاهرة وراجحة محتملة، وهي مع

стр. 39

ذلك واجب العمل بها على من ثبتت عنده حجيتها. فمن أقوال العلماء في ذلك ما يلي: - قال الإمام الشافعي ﵀: "العلم علمان: علم عامّةٍ لا يَسَعُ بالغا غيرَ مغلوبٍ على عقله جَهْلُه ... مثل: الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صومَ شهر رمضان، وحجَّ البيت إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالهم، وأنه حرّم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر ... وهذا الصنف كله من العلم موجود نصا في كتاب الله، وموجود عاما عند أهل الإسلام، ينقله عوامُّهم عمَّن مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم، وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع"١. وقال في الوجه الآخر من العلم: هو "ما ينوب العباد من فروع الفرائض وما يُخَص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا في أكثره نص سنة وإن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة، وما كان منه يحتمل التأويل ويدرك قياسا"٢.

стр. 40

- وقال القاضي أبو بكر الباقلاني١ ﵀: "إن جميع ما يستدل به على الأحكام على ضربين: فضرب منها أدلة يوصل صحيح النظر فيها إلى العلم بحقيقة المنظور فيه ... والضرب الثاني: أمر يوصل صحيح النظر فيها إلى الظن٢ وغالب الظن "٣. - وقسم أبو بكر الجصاص٤ ﵀ الأحكام إلى قسمين: "أحدهما: ما كان لله تعالى عليه دليل قاطع يوصل إلى العلم ... والثاني:
следующие страницы →