← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8523

القطعية من الأدلة الأربعة

محمد دكوري

Полный текст (445 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الدليل) أي كونه حجة يجب العمل به، ومنها: (العلية) أو (علية الوصف) بمعنى كونه علة. معنى القطعية في الدليل: من معنيي القطع عند الأصوليين يكون معنى القطعية في الدليل عندهم، فعلى المعنى الأول الأخص للقطع يكون معنى القطعية في الدليل: كون الدليل بحيث لا يكون في ثبوته ولا في دلالته١ احتمال مطلقا، وعلى المعنى الثاني الأعم يكون معنى القطعية في الدليل: كون الدليل بحيث لا يكون في ثبوته ولا في دلالته احتمال ناشئ عن دليل. فالقطعية في الدليل الشرعي معناها: بلوغ الدليل أقصى القوة في ثبوته وإضافته إلى مصدره، وأقصى القوة في دلالته على المراد منه ولا يبقى فيه شك ولا احتمال، فيُسكت هذا النوع من الدليل المعاندَ اللدود، ويذهب سلاطة لسانه وحدّته، وسلاقة منطقه ولحن قوله، ويبكّته بالحق المبين وفصل الخطاب، ويبيّن زيف شبهه ويبطلها، وينقطع عذر من خالفه بعد الوقوف عليه، ويتوجه إليه الذم والمؤاخذة، إذ خالف ما ليس له في مخالفته حق ولا عذر. وذلك مثل الدليل على توحيد الله، فقد بلغ من القوة أقصاها حتى

стр. 37

سماه المولى الحجةَ البالغة، فقال : ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تُخْرِصُونَ. قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ البَالِغَةُ﴾ الآية١. وفي كلام علماء التفسير ما يدل على أن المراد بالحجة البالغة هنا الدليل القطعي بالاصطلاح السابق، قال ابن جرير الطبري٢: "ويعني بالبالغة: أنها تبلغ مراده في ثبوتها على من احتج بها عليه من خلقه وقطع عذره إذا انتهت إليه"٣، وقال القرطبي٤ في تفسير الحجة البالغة: "أي التي تقطع عذر المحجوج وتزيل الشك عمن نظر فيها"٥.

стр. 38

المبحث الثاني: الأدلة الشرعية من حيث القطعية وعدمها مذهب جماهير أهل العلم أن الأدلة الشرعية السمعية١ منها ما يفيد العلم القطعي واليقين، بحيث لا يبقى عند من نظر فيه في ثبوته ولا في دلالته على المراد منه احتمال ولا تردد ولا اشتباه، وتثبت به أحكام قطعية، وأن منها - دون ذلك - أدلة ظاهرة عرضة للاحتمال وقابلة للتردد في ثبوتها ودلالتها أو أحدهما، ويثبت بها أحكام ظاهرة وراجحة محتملة، وهي مع

стр. 39

ذلك واجب العمل بها على من ثبتت عنده حجيتها. فمن أقوال العلماء في ذلك ما يلي: - قال الإمام الشافعي ﵀: "العلم علمان: علم عامّةٍ لا يَسَعُ بالغا غيرَ مغلوبٍ على عقله جَهْلُه ... مثل: الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صومَ شهر رمضان، وحجَّ البيت إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالهم، وأنه حرّم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر ... وهذا الصنف كله من العلم موجود نصا في كتاب الله، وموجود عاما عند أهل الإسلام، ينقله عوامُّهم عمَّن مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم، وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع"١. وقال في الوجه الآخر من العلم: هو "ما ينوب العباد من فروع الفرائض وما يُخَص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا في أكثره نص سنة وإن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة، وما كان منه يحتمل التأويل ويدرك قياسا"٢.

стр. 40

- وقال القاضي أبو بكر الباقلاني١ ﵀: "إن جميع ما يستدل به على الأحكام على ضربين: فضرب منها أدلة يوصل صحيح النظر فيها إلى العلم بحقيقة المنظور فيه ... والضرب الثاني: أمر يوصل صحيح النظر فيها إلى الظن٢ وغالب الظن "٣. - وقسم أبو بكر الجصاص٤ ﵀ الأحكام إلى قسمين: "أحدهما: ما كان لله تعالى عليه دليل قاطع يوصل إلى العلم ... والثاني:

стр. 41

ما كان طريق الاجتهاد وغالب الظن ليس عليه دليل قاطع يوصل إلى العلم بالمطلوب ... "١. - وقسّم أبو زيد الدبوسي٢ ﵀ الأدلة إلى "موجبة للعلم قطعا "، وإلى أخرى "لا توجب إلا غالب الرأي "٣. - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله٤: "والصحيح أن المسائل تنقسم قسمين: إلى ما يقطع فيه بالإصابة وإلى ما لا ندري أصاب الحق أم أخطأ، بحسب الأدلة وظهور الحكم للناظر" قال: "ولا أظن يخالف في هذا من فهمه"٥. وقال في موضع آخر: "والعلم بالكائنات وكشفها له طرق متعددة:

стр. 42

حسية وعقلية، وكشفية١ وسمعية، ضرورية ونظرية٢ وغير ذلك، وينقسم إلى قطعي وظني وغير ذلك "٣. وقال ابن القيم رحمه الله٤: "إن ألفاظ القرآن والسنة ثلاثة أقسام: نصوص لا تحتمل إلا معنى واحدا، وظواهر تحتمل غير معناها احتمالا مرجوحا، وألفاظ تحتاج إلى بيان فهي بدون البيان عرضة الاحتمال ... فالأول يفيد اليقين بنفسه، والثاني يفيده باطراده في موارد استعماله،

стр. 43

والثالث يفيده إحسان رده إلى القسمين قبله"١. اهـ. وهذا التقسيم ظاهر في مؤلفات أهل العلم من الأصوليين وغيرهم٢ حتى حكى أبو إسحاق الشاطبي٣ الاتفاق على أن أدلة الشرع ليست كلها قطعية٤. ومن هذا الباب التقسيمات المذكورة في أصول الفقه للدليل الواحد بحسب القطعية وعدمها، كتقسيم الإجماع إلى قطعي وغير قطعي، وكذلك تقسيم القياس والعموم والمفهوم ومسالك التعليل٥ ونحوها. ويشير إلى ما سبق من تقسيم الأدلة قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابَ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية٦، قال

стр. 44

القرطبي في تفسيرها: "المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال ... والمراد بالمحكم في مقابلة هذا وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحدا "١، وقال ابن كثير٢: "يخبر الله تعالى أن في القرآن ﴿ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه على كثير من الناس أو بعضهم ... ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: تحتمل دلالتها موافقة الحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد"٣. وقد نقل العلماء مذاهب أخرى في قطعية الأدلة الشرعية تخالف ما سبق من مذهب جمهور أهل العلم ﵏: - فذهب بعض العلماء إلى أن جميع الأدلة الشرعية قطعية، وما لا يفيد العلم القطعي منها فهو مطروح غير معدود فيها، وعلى هذا المذهب تكون جميع الأحكام الشرعية قطعية، وهذا القول منسوب لبشر المريسي٤

стр. 45

وابن علية١ وأبي بكر الأصم٢ ونفاة القياس من الإمامية٣ والظاهرية٤. يدل على مذهب الظاهرية قول ابن حزم٥: "والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٦ فصح أن من لا برهان له على صحة قوله

стр. 46

فليس صادقا فيه أصلا! وصح بهذا النص أن جميع دين الله تعالى فإن البرهان قائم ظاهر فيه، وحرم القول بما عدا هذا لأنه ظن من قائله بإقراره على نفسه وقد حرم الله تعالى القول بالظن وأخبر أنه خلاف الحق١ وأنه أكذب الحديث٢، فوجب القطع على كذب الظن في الدين كله ... وهذا أيضا برهان واضح في إبطال القول بالقياس والتعليل والاستحسان٣ في جميع الجزئيات"٤.

стр. 47

وهذا الدليل الذي ذكر انحصار الأدلة في مثله وطرح غيره دليل قطعي من الجهتين، أما من جهة الثبوت فلكونه من القرآن وهو قطعي، أو بنقل الثقات متصلا إلى النبي ﷺ وهو قطعي مطلقا عند ابن حزم رحمه الله١، وأما من جهة الدلالة فلكونه نصا على الحكم أو دليلا من النص لا يحتمل إلا معنى واحدا. ومما استُدِل به لهذا المذهب: "أن العقل قاض بالنفي الأصلي في جميع الأحكام إلا ما استثناه دليل سمعي قاطع، فما أثبته قاطع سمعي فهو ثابت بدليل قاطع، وما لم يثبته فهو باقٍ على النفي الأصلي قطعا، ولا مجال للظن فيه"٢. وعلى هذا القول تكون سائر الأدلة غير القطعية خارجة من جملة الأدلة الشرعية، كالقياس والعموم وجميع مدارك غلبات الظنون وظهور الرجحان٣. أما الإمامية فوجه القول بقطعية جميع الأدلة الشرعية عندهم أنه لا يخلو عصر من العصور من إمام معصوم من الخطأ! وقول المعصوم دليل قطعي في الدين كقول الرسول ﷺ ، وتسقط بقوله سائر الأدلة الظنية إذ لا تعارض

стр. 48

بين قطعي وظني١. وهذا المذهب يتبين ضعفه بواقع الشريعة ضرورة، يجده الناظرون في الأدلة الشرعية عند الاستدلال على الأحكام الشرعية، وعند الاجتهاد في طلب الأدلة على أحكام الحوادث والنوازل، فليس كل ما يستدلون به على أحكام تلك النوازل يقطعون به وبأن ما أثبتوا هو حكم الله قطعا٢، وأما مذهب الإمامية فهو مفرع على مسألة الإمامة عندهم، وهو قول باطل فما فرع عليه كذلك٣. - وذهب بعض العلماء إلى أن الأدلة الشرعية السمعية ليس شيء منها يفيد القطع مطلقا، وأن أقوى ما يمكن أن تصل إليه هو غالب الظن٤. ولم أجد من نسب هذا المذهب بهذا الإطلاق إلى قائل معين٥. أما السوفسطائية٦ فهم ينكرون اليقين مطلقا، ولا يرون العلوم

стр. 49

القطعية أصلا١! لكنهم من غير فرق المسلمين. ويلتحق بهذا المذهب قول من أنكر وجود النص القطعي، لأنه نفي لوجود القطعي من جهة الدلالة، وكمال القطعية في الدليل أن يكون قطعيا من جهتي الثبوت والدلالة، وقد نسب هذا القول - أي إنكار وجود النص مطلقا - إلى أبي محمد ابن اللبان٢،٣. واستُدل لهذا المذهب بأن الدليل لا يكون قطعيا إلا إذا علمت سلامته من المعارض، والعلم بعدم المعارض مستحيل لأن غاية الأمر فيه ألا يعلم بالمعارض وعدم العلم بالمعارض ليس علما بعدم المعارض، وهو المشترط في القطع٤. ويبين ضعف هذا الدليل أن العلم بعدم المعارض مستفاد من الإيمان

стр. 50

بالله ورسوله ﷺ والعلم بأنه صادق فيما أخبر وبلّغ، ولا يجتمع مع اليقين بذلك احتمال مغمور أو تجويز مظلم من العقل المجرد عن هدي الرسول ﷺ ووراثة النبوة، فعدم المعارض يعلمه العلماء الذين ورثوا النبي ﷺ من الصحابة ومن بعدهم بالنقل عنه صلى الله عليه وسلم١، وإذا انتفى المعارض المزعوم لم يبق لهذا المذهب وجود، لأنه قائم على أنه يحتمل كل دليل أن يكون له معارض لا يعلم، ووجه الرد أن عدم المعارض معلوم من دين الله ضرورة للعلم بصدق الرسول ﷺ وصدق ما أخبر به، وأن كل ما عارض ذلك فهو باطل. مذهب الرازي في قطعية الأدلة الشرعية: ومذاهب آخر: أن الأدلة الشرعية السمعية لا تفيد اليقين، لما يتطرق إليها من الاحتمالات التي تزيل القطع عن الدليل عند ورودها عليه، إلا أن يكون هناك ما يقطع تلك الاحتمالات من القرائن المشاهدة، أو المنقولة نقلا متواترا، وهذه الاحتمالات هي على سبيل الإجمال والتفصيل كما يأتي: ١- احتمال عدم الوضع: وذلك إذا لم يرو عدد يفيد خبرهم العلم القطعي من نقلة اللغة والنحو والصرف: أن العرب وضعت لفظا معينا لمعنى معين، فيكون اللفظ على هذا محتملا عدم دلالته على معناه الظاهر

стр. 51

لعدم القطع بصدق النقل. ٢- احتمال إرادة المتكلم معنى غير ما ظهر من كلامه، فيكون اللفظ مع ظهوره فيما وضع له أولا محتملا للمجاز١ والنقل٢ الشرعي أو العرفي. ومع ظهوره في أنه لمعنى واحد محتملا للاشتراك٣. ومع ظهور اللفظ في أنه للعموم٤ أو الإطلاق٥ يكون محتملا

стр. 52

للتخصيص١ والتقييد٢. ومع ظهوره أنه للأبد محتملا للنسخ٣. ومع ظهوره في أن ليس فيه شيء مضمر محتملا لذلك. ومع ظهوره في أنه على ما ظهر من الترتيب محتملا للتقديم والتأخير. فمع ظهور الدليل في عدم ذلك كله فإن تلك الاحتمالات تمنع من القطع والتيقن بمعنى الدليل لأنها تؤثر في إضعاف الجزم بمعناه الظاهر ٤. ٣- احتمال معارضة الدليل العقلي للدليل السمعي، والعقلي مقدم على السمعي على هذا المذهب، لأنه أصله الذي به ثبت والأصل مقدم على

стр. 53

الفرع عند المعارضة. وكذلك احتمال أن يعارض الدليل السمعي دليل سمعي آخر فيصار إلى التراجيح الظنية، وكل ذلك مفيد للظن مانع من القطع. وتكون جملة الاحتمالات: احتمال الخطأ في اللغة أو النحو أو الصرف، واحتمال المجاز، والنقل، والاشتراك، والتخصيص، والتقييد، والنسخ، والإضمار، والتقديم والتأخير، واحتمال المعارض العقلي أوالنقلي. هذا هو المذهب الذي صرح به فخر الدين الرازي١ في المحصول، فقد ذكر ورود هذه الاحتمالات على الأدلة اللفظية (السمعية) وأخذ في ذلك وردّ ثم خلص قائلا:"واعلم أن الإنصاف أنه لا سبيل إلى استفادة اليقين من هذه الدلائل اللفظية إلا إذا اقترنت بها قرائن تفيد اليقين سواء كانت قرائن مشاهدة أو كانت منقولة إلينا تواترا"٢.

стр. 54

..............................................................................

стр. 55

ووافقه الأصفهاني١ في شرحه للمحصول، وقرر ورود الاحتمالات بالبيان والتفصيل، ثم قال بعد أن ذكر اختيار الرازي كما سبق: "وهذا الذي اختاره المصنف هو الحق "٢. وهذا المذهب يجعل وجود الدليل القطعي السمعي عزيزا، بل إنه ربما استنبط من كتب الرازي ما يجعله قريبا من النفي المطلق لوجود القطعي في الأدلة السمعية. ومما يبين ذلك أمور: - أنه ذكر أن كل سمعي يحتمل أن يعارضه دليل عقلي أو أحد الاحتمالات الأخرى، وأن ذلك مخرج له عن القطعية! مع أنه لا يمكن العلم بنفيها بعدم الوجدان لأن الاستدلال بعدم الوجدان لا يفيد إلا الظن٣. - أنه نفى أن يكون غرض المتكلم أن يَفهم السامع من خطابه القطع واليقين، وأنما غرضه الإفهام مطلقا، بمعنى إفادة الاعتقاد الراجح والظن الغالب، مع تجويز نقيضه في الواقع.

стр. 56

واستدل على أن ذلك هو الغرض من الخطاب بأن الأدلة اللفظية متوقفة على تلك الاحتمالات العشرة المذكورة وأنها ظنية وأن ما توقف على الظني فهو أولى أن يكون ظنيا١. - أنه أطلق القول بعدم إفادة الأدلة اللفظية القطع في مواضع كثيرة، بل ورتب على ذلك القول بظنية بعض الأحكام والمسائل مخالفا فيه الجمهور، مثل القول بظنية كثير من المسائل الأصولية التي يرى الأكثرون أن عليها أدلة قطعية، ككون الأمر للوجوب٢ ووجود صيغ للعموم٣. ومن المواضع التي صرح فيها الفخر الرازي بالإطلاق قوله في سياق بعض المناقشات: "لكنا بينا أن التمسك بالأدلة اللفظية - أينما كان - لا يفيد إلا الظن "٤. - ونسب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إلى الفخر الرازي القول بنفي وجود القطعي من الأدلة السمعية مطلقا، قال ابن تيمية: "فتجد أبا عبد الله الرازي يطعن في دلالة الأدلة اللفظية على اليقين وفي إفادة الأخبار العلم"٥، وجعل ابن القيم نفي وجود القطعي في الأدلة السمعية أحد

стр. 57

الطواغيت التي هُدمت بها معالم الدين، والتي كَسر بها المعطلة أصحاب التأويل عصمةَ الكتاب والسنة! قال ابن القيم: "ولا يعرف أحد من فرق الإسلام قبل ابن الخطيب١ وضع هذا الطاغوت وقرره وشَيَّد بنيانه وأحكمه مثله! "إلى أن قال مشيرا إلى بعض الطوائف التي لم تلتزم مذهب السلف "وإن كان بعض هذه الطوائف يوافق صاحب هذا القانون في بعض المواضع فلم يقل أحد منهم قط إنه لا يستفاد اليقين من كلام الله ورسوله البتة"٢. موقف العلماء من مذهب الرازي: واختلفت مواقف العلماء من مذهب الفخر الرازي هذا: - فقد سبق عن ابن تيمية وابن القيم في أن مذهب الرازي فيه الطعن في الأدلة الشرعية اللفظية، وأنه هدم لمعالم الدين وكسر لعصمة الأدلة٣. - وجعله بعضهم تشكيكا في أمر معلوم قطعا، كما في تشكيكه في اللغة وطرق معرفة الوضع، لأن الدليل السمعي اللفظي لا يفيد حتى يعرف أن الألفاظ الواردة فيه موضوعة لمعانيها والقدح في قطعية طريق معرفة ذلك

стр. 58

قدح في قطعية الدليل السمعي١. وقد أجاب الفخر الرازي عما ذكره من أمور مشكلة ترد على نقل الوضع وطرق معرفته، سواء المتواتر منها والآحاد٢، وجعلُ بعض من جاء بعده ما ذكره تشكيكا يدل إلى أن ما أجاب به الرازي بعد ذلك التشكيك لم يكف لرفع ما طوّل الكلام فيه من إيراد المشكلات على طرق نقل اللغة. - وجعل بعضهم مذهبه أن الأدلة اللفظية تفيد اليقين إذا انتفت تلك الاحتمالات العشرة بالقرائن٣، فأخذوا بما صرح به وكأنهم لم يعتدوا بما يدل على النفي المطلق في مواضع أخرى، ولعل ذلك من حمل المطلق من كلامه على المقيد منه٤، والله تعالى أعلم.

стр. 59

- ونقل الزركشي١ عن القرطبي٢ أن ما ذكره الرازي لا يعني اشتراطه حصول انتفاء هذه الأمور مفصلة في الذهن، بل إن اليقين يحصل من الأدلة السمعية اللفظية من غير شعور بتفصيل انتفاء تلك الاحتمالات كما يحصل القطع بالخبر المتواتر من غير شعور بتفصيل شروطه، "قال - يعني القرطبي - وإنما نبهنا على ذلك لئلا يسمع القاصر هذا فيظن أنه لا يحصل العلم بالدليل اللفظي حتى يخطر له تلك الأمور بباله فيعتبرها واحدا واحدا فتشك نفسه مما حصل له من اليقين من الأدلة، ولا شك أن ظن تلك الأمور أو بعضها بالدليل ظن إلا أن يقترن به قرائن عقلية أو حالية فيحصل

стр. 60

اليقين منها "١. - وجعل بعضهم مذهب الرازي في نفي إفادة الألفاظ اليقين: أنه يريد القطعي بالمعنى الأخص، وهو ما لا احتمال فيه أصلا، وأنه لا ينفي أن تفيد الأدلة اللفظية القطع بالمعنى الأعم للقطعي وهو ما يكون فيه احتمال غير معتضد بدليل٢. ويستخلص مما ذكر في مذهب الرازي أنه لا ينكر في الأدلة الشرعية أمرين، أحدهما: ظهور المراد منها وأنه يجب العمل في الجملة بالظاهر الراجح٣، والآخر: جواز أن تكون الأدلة الشرعية قطعية من حيث الثبوت٤. فيرجع الكلام في مذهبه على موقفه من جواز أن تكون الأدلة الشرعية قطعية من جهة الدلالة، وكلامه في كتبه محتمل، واختلف العلماء في مراده من ذلك، فإن كان مذهبه أن اللغة فقط لا تكفي في القطع بمدلول الأدلة

стр. 61

اللفظية حتى ينضم إليها قرائن نقلها الصحابة عن رسول الله ﷺ وفهموا بها المراد من تلك الألفاظ فانقطعت الاحتمالات - فذلك قريب من مذهب الجمهور، وإن كان مذهبه نفي جواز أن يكون الدليل اللفظي - ومنه الأدلة الشرعية السمعية - قطعيا مطلقا من حيث الدلالة! فذلك خلاف الصحيح الذي عليه جماهير العلماء، وإنه باطل. لكنه لا يَسْلَم ﵀ من أن كلامه في مسألة قطعية الأدلة اللفظية غير مطرد، وظاهره التناقض إذا أُخِذ مجموعا١. عدد الاحتمالات في هذا المذهب: وقبل تفصيل الكلام فيما رَدَّ به العلماء مذهب الرازي يحسن التعرض لأمر يتصل بجملة الاحتمالات المذكورة ههنا، وهو العدد الإجمالي للاحتمالات فإن عدم الاطراد فيما ذكر من الاحتمالات - سواء في العدد أم

стр. 62

في التعداد - مما يبين وهن هذا المذهب. فقد أوصل الرازي وغير واحد من العلماء الذين حكوا مذهبه تقريرا له أو إبطالا عدد الاحتمالات إلى عشرة! لكنه لم تتفق حكايتهم لها بالاطراد جملة وتفصيلا. - أما الرازي نفسه فقد صرح في المحصول بأن الاحتمالات تسعة، وعدها واحدا واحدا وهي: احتمال واحد من عدم نقل اللغة والنحو والصرف، وثمانية احتمالات من الاشتراك، والمجاز، والنقل، والإضمار، والتخصيص، والتقديم والتأخير، والناسخ، والمعارض العقلي١، وقال في موضع آخر من المحصول: "عدم المعارض العقلي والنقلي"٢، وصرح في المحصِّل٣ بأنها عشرة، ولكنه لم يزد فيه على ما في المحصول إلا بقوله: "عدم التخصيص بالأشخاص والأزمنة "ولم يذكر في المحصّل مما ذكر في المحصول احتمال عدم النقل واحتمال الناسخ! وإذا عُدَّ احتمال الناسخ المذكور في المحصول داخلا في احتمال التخصيص بالأزمنة المذكور في المحصل٤ كان الحاصل أن في المحصول زيادة على المحصل باحتمال واحد، وهو احتمال

стр. 63

النقل، وقد عدها في المحصول الذي فيه الزيادةُ تسعةً وفي المحصل عشرة. - وقال الأصفهاني في شرحه على المحصول بعد أن ذكر التسعة الاحتمالات: "وزاد في الأربعين آخر١: وهو عدم المعارض الظني، وذلك لأنه بتقدير وجوده لا بد من العود إلى التراجيح الظنية وذلك لا يفيد إلا الظن "قال الأصفهاني: "والحق أن المجموع عشرة "٢، وقد سبق أن الرازي ذكر المعارض النقلي مع المعرض العقلي في موضع من المحصول. - وأما ابن القيم فقد ذكر كون الاحتمالات عشرة ونقل في حكايتها ما ذكره الرازي في المحصل٣.

стр. 64

والحاصل أنه ليس هناك ضبط لإجمالي عدد الاحتمالت، وإن كان آخر ما وصلت إليه عند الرازي وغيره عشرة، والظاهر أن ذكر عدد العشرة لبيان الكثرة لا الحصر، يؤيد ذلك أمور: الأول: أن الرازي ذكر في المحصول احتمالات أكثر مما ذكر في المحصل، لكنه عدها في المحصول تسعة احامالات، وفي المحصل عدها عشرة، واقتضى ذلك أن يُعَدَّ احتمال (عدم الوضع والتصريف والنحو) ثلاث احتمالات في المحصّل مع أنه عدها بصريح كلامه احتمالا واحدا في المحصول. الأمر الثاني: أنه لم يُذكر في تفصيل الاحتمالات العشرة أمورا معينة، بل ذكر بعضهم ما لم يذكره غيره، ونقص بعضهم عما ذكره غيره، مع أن أكثرهم يذكرون عدد العشرة، ولو عُدَّ جميع ما ذكروه لجاوز العشرة. الأمر الثالث: أن وجوه الاحتمال التي يتغير بها معنى الكلام وطرقَ التوسع التي يمكن تطريقها بمجرد الوهم والتجويز العقلي إلى الألفاظ في الكلام العربي كثيرة جدا، فيبعد حصرها في عشرة١!

стр. 65

وجوه الرد الإجمالي على هذا المذهب: الوجه الأول: المنع، أي: عدم التسليم بأن القطع في الأدلة السمعية متوقف على القطع بنفي الاحتمالات العشرة، وإنما القطع في الأدلة السمعية يتوقف على أمر واحد وهو الطريق الذي يعرف به مراد الشارع، وقد عرف العلماء الذين ورثوا النبي ﷺ مراده، فعرف الصحابة المراد من الألفاظ الشرعية التي نقلوها عن النبي ﷺ ثم تناقلته الأجيال خلفا عن سلف، فوقعت عناية المسلمين بمعاني الكتاب والسنة كما وقعت عنايتهم بألفاظهما، وليست اللغة وحدها وفهمها هي المعول عليها في ذلك حتى يُطَرَّق الاحتمالات إلى ألفاظ الكتاب والسنة. فقوله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ١ كما نقل لفظه وقطع بأنه

стр. 66

كلام الله تعالى، فكذلك نقلت معانيه عن رسول الله ﷺ وقطع بأن المراد ب (الله) : هو رب العالمين الذي نعبده، وب (الناس) : بنو آدم الذين نحن من جنسهم، وب (البيت) : هذه الكعبة التي يحجها الناس بمكة، وكذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ ١ كما يقطع بثبوت لفظه يقطع بأن المراد برمضان: هذا الشهر الذي بين شعبان وشوال، وبالقرآن: هذا الكتاب الذي بين دفتي المصحف في أيدي المسلمين بمشارق الأرض ومغاربها. وليس التعويل في مثل هذا على نقل أهل اللغة لمعاني (الناس) و (الله) و (البيت) و (رمضان) ، بل على المنقول نقلا متواترا المفيد علما قطعيا٢. فالرازي بنى مذهبه في نفي القطع على لفظ مجرد عن كل ما يمكن أن يبين مراد الشارع منه غير اللغة وما فيها من معاني ذلك اللفظ المنقول! ثم طرق إليه احتمالات لا يمكن دفعها بمجرد اللغة! أما إذا أُخذ هذا اللفظ مع كمال الاستقراء المشتمل على القرائن الحالية والمقالية المنقولة فتسقط

стр. 67

الاحتمالات بها ويسلم اللفظ منها ابتداء، ويصفو من شوائب الاحتمال١. الوجه الثاني: أن الاحتمال المجرد عما يعضده لا يؤثر في القطع، بل يبقى الدليل قطعيا بالمعنى الأعم، وإن طرّق العقل المجرد إليه احتمالات بدون دليل٢. الوجه الثالث: أن بعض هذه الاحتمالات لا يطرد وروده على كل دليل سمعي، من ذلك احتمال التخصيص فإنه إنما يرد في اللفظ العام وليس جميع الأدلة الشرعية من قبيل الألفاظ العامة فيطرد فيها احتمال التخصيص، ومن ذلك احتمال النسخ فإن الأخبار التي لا تحتمل التغيير لا يرد فيها احتمال النسخ٣، فكان القول بأن جميع هذه الاحتمالات واردة على كل دليل لفظي تعميما غير صحيح. الرد التفصيلي: أما الرد التفصيلي فقد أطال فيه شمس الدين ابن القيم في كتابه (الصواعق المرسلة) ، ولأن مدار هذا المذهب على تحميل اللفظ ما ليس

стр. 68

ظاهرا منه فإن عماد الرد التفصيلي إبطال ذلك التحميل، قال ابن القيم: "إن جميع ما ذكروه من الوجوه العشرة مرده إلى حرف واحد: وهو احتمال اللفظ لمعنى غير ما يظهر من الكلام، فإنه لا ينازع عاقل أن غالب ألفاظ النصوص لها ظواهر هي موضوعة لها ومفهومة عند الإطلاق منها، لكن النزاع في أن اعتقاد المعنى يقيني لا يحتمل غيره أو ظني يحتمل غيره "١، ثم ذكر أن من الممكن معرفة عدم وجود أي احتمال آخر غير ما ظهر من الكلام بطرق أخرى أضمن من استقراء الاحتمالات العشرة ثم محاولة نفيها، وذلك بالنظر في القرائن ابتداء، فسبب ورود الاحتمال قد يكون عدم مؤالفة السامع للفظ ! أو كون اللفظ له معنى آخر في لغته هو! أو أن اللفظ قد بينته أمور أخرى خفيت عليه! فكان السامع إذا تأكد من أن ليس لديه سبب يوجب ورود الاحتمال في اللفظ ضمن أن يكون ما ظهر له من المعنى هو المراد٢. وتفصيل الجواب عن ورود الاحتمالات يكون كما يلي: - أما الاحتمال القادح في عصمة رواة اللغة والوضع ونقلتهما فيندفع بكون الصحابة ﵃ الذين خوطبوا بالنصوص - أولا - عرفوا القصد من تلك الألفاظ بالرجوع إلى النبي ﷺ ، فلم يكن بهم حاجة

стр. 69

إلى نفي احتمال أن يكون معنى تلك الألفاظ غير ما ظهر إذ علموا قصده ﷺ من ألفاظه بفضل صحبتهم له، ومعايشتهم لحوادث الأحكام، ووقوفهم على مراده بالمشافهة، ثم ورث عنهم التابعون ﵏ فمن بعدهم ذلك العلم١. - أما الاحتمال القادح في معرفة الإعراب والصرف فيندفع بأن معنى اللفظ قد يُعرف دون معرفة إعرابه وتصريفه، فيعرف أن اسم (الله) يدل على المعبود حقا وإن لم يعرف الخلاف في اشتقاق هذا اللفظ وإعرابه٢، على أن القرآن الكريم مثلا نقل إعرابه ومعانيه كما نقلت ألفاظه٣. كما يندفع الاحتمالان السابقان بأن اللغة لم يرد فيها الكذب كورود الوضع في الحديث، فالمشهور في اللغة معتمد عليه كالاعتماد على ما نَقَل

стр. 70

عن أئمة المذاهب أصحابُهم، كل ذلك لضعف احتمال الكذب١. - أما احتمال التخصيص في العام فمثل احتمال النسخ في النصوص الثابتة، وذلك احتمال لا يعول عليه إلا بدليل، وإلا لاحتملت الحقائق أن تكون على غير حقيقتها، وذلك سفسطة ظاهرة. مثل ذلك يقال في احتمال الاشتراك والمجاز، فكل ذلك مندفع بما فهم من المراد من الأدلة مما نقل عن الرسول ﷺ ، وإن الاعتداد بالاحتمال المجرد في ذلك مبطل للأدلة ورافع للثقة عنها، وذلك عظيم الخطر٢. - أما احتمال الإضمار فيندفع بأن ما شهد السياق له من الإضمار فكأنه مذكور في اللفظ، وهو من ضروب ما يحسن في الكلام، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ ٣ فمعلوم أن هناك مضمرا وهو (فضرب - أي البحرَ - فانفلق) ، وما كان من الإضمار غريبا على السياق ويعلم انتفاؤه قطعا فتحميل اللفظ له يفسد نظام التخاطب! ويبطل العقود والإقرارات والطلاق والعتاق!.. إذ يمكن تطريق الاحتمال إليها، والإضمار فيها بما ينفي معناها المعلوم! كما لو قال: طلقت زوجتي، فيقال: المراد طلقت أخت زوجتي! أو نحو ذلك من حذف

стр. 71

المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وما كان من الإضمار محتملا قريبا - وهو ألصق بالمسألة - فيندفع بكون الدليل قائما على أن الشارع ناصح مرشد، قد قصد البيان والدلالة والإيضاح، وأنه حريص على الهداية وحسم موارد اللبس وأسباب الخطأ، فإذا أُلف ذلك في خطابه علم قطعا أن مراده ظاهر كلامه، دون ما يحتمله باطنه من إضمار ليس عليه دليل١. - أما احتمال التقديم والتأخير فيدفع بأن لسان العرب قائم على أنهم لا يعمدون إلى التقديم والتأخير إلا حيث كان ذلك مفهوما من قرائن الكلام أو سوابقه أو لواحقه، فإذا قالوا: ضرب عمراً زيدٌ، عُلم المقدَّم والمؤخَّر، وإذا قالوا: ضرب عيسى موسى، ولم يكن ثمة قرائن تبين المراد، كان المقدم في اللفظ هو المقدم في المعنى والمؤخر فيه هو المؤخر٢. - أما احتمال معارضة العقل لما ظهر من الدليل السمعي فيدفع بأنه لا يصح أن يعارض عقل صحيح نقلا صريحا! وتقدير الدليل العقلي القاطع على خلاف ما دل عليه الدليل السمعي هو أصل ما وقع من الإعراض عن الأدلة الشرعية إلى أدلة عقلية، زعم محرروها أنها قطعية، ثم زعموا أنها تعارض ما دل عليه الدليل السمعي، فهذا تجويز عقلي محض لا يقدر على الإتيان فيه بما يثبت وقوع ذلك من أدلة نقلية صحيحة صريحة تعارض

стр. 72

مقتضى أدلة عقلية صريحة. وبين أئمة الإسلام وأعلام الهدى ﵏ أن كل ما ثبت بالأدلة الشرعية من أمور الدين أصولا وفروعا، خبرا وطلبا، ليس في شيء منه ما يعارضه العقل! بل كله بالاستقراء التام المقتضي للقطع واليقين جارٍ على مقتضيات الفطرة السليمة١، وكون الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول قاعدة عظيمة ساق أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في تقريرها أوجها منها:

стр. 73

- أن الأدلة الشرعية إنما نصبت لتتلقاها عقول من كُلِّفوا العمل بما تقتضيها من الأحكام الشرعية، فإذا كانت منافية لما تقتضيه عقولهم كان تكليفهم بالعمل بها مع ذلك تكليفا بما لا يقدرون فهمه ولا يطيقون تعقله، فلا تحصل بها هداية ويستحيل في الواقع العمل بما دلت عليه الأدلة على الحقيقة. - أن العقل شرط في التكليف، فإذا عدم العقل ارتفع التكليف كما في المجنون والصبي والنائم، فكان ما كُلّف به الناس غير مناف لما هو مورده أصلا! وإلا ارتفع التكليف رأسا. - لو كانت الأدلة الشرعية تنافي قضايا العقول لكان أول من يرُدّ الشريعة بذلك الكفار الذين نزل القرآن لهدايتهم، وقد حاجّهم بما يقطع عذرهم، ولو أن ما فيها مناف لعقولهم لحاجُّوا بذلك ولم يحتاجوا إلى اختلاق الكذب على الرسول ﷺ ورميه ﷺ بالسحر والجنون ونحوهما. - أن الاستقراء التام للأدلة الشرعية دل على أن ليس فيها ما ينافي العقول، كيف وقد صدَّقتها العقول الراجحة وانقادت لأحكامها طوعا في الابتداء أو كرها في الانتهاء، بما ألزمهم من السلطان المبين والحجة الساطعة والبراهين القاطعة، من لدن عهد الرسول ﷺ إلى اليوم١. فوجه دفع هذا الاحتمال هنا أنه لا تجوز معارضة العقل للسمع، لسبق

стр. 74

الإيمان والقطع بما تفيده الأدلة الشرعية وأنها لم تقع١. وخلاصة هذا المبحث: أن الأدلة السمعية (النقلية اللفظية) منها القطعي الذي يفيد اليقين ولا مجال فيه للاحتمالات بل يحتف به ما يدفعها ويسلم الدليل خالصا للقطعية، وأن القول بأن الأدلة السمعية كلها ظنية والقول بأنها كلها قطعية قولان ضعيفان.

стр. 75

المبحث الثالث: وجوب العمل بالأدلة الشرعية القطعية وغير القطعية إن تقسيم الأدلة الشرعية إلى قطعية وغير قطعية هو تقسيم لها من حيث تفاوتها في القوة، وما يترتب على ذلك من أولوية التقديم في البحث وعند التعارض وترجيح الأقوى على غيره١، أما من حيث وجوب العمل فكل ما ثبت كونه دليلا شرعيا فهو واجب العمل به قطعا، سواء أكان دليلا قطعيا أم كان دليلا ظاهرا راجحا محتملا٢. أما القطعي فهو واجب العمل به قطعا من غير إشكال٣ لأنه دليل ثبتت نسبته إلى الشرع بلا احتمال، فمن تيقن نسبة الدليل إلى الله ، أو إلى رسوله ﷺ ، أو أنه سبيل جميع الأمة، أو تيقن مساواة محل آخر لما ثبت بواحد مما سبق وجب عليه العمل به، وكذلك إذا تيقن المراد منه وجب عليه العمل بذلك، لأن ذلك هو مقتضى الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم٤ والإيمان بما جاء من النهي عن اتباع غير سبيل المؤمنين الذين لا
следующие страницы →