← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8523

القطعية من الأدلة الأربعة

محمد دكوري

Полный текст (445 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وما كان من الإضمار محتملا قريبا - وهو ألصق بالمسألة - فيندفع بكون الدليل قائما على أن الشارع ناصح مرشد، قد قصد البيان والدلالة والإيضاح، وأنه حريص على الهداية وحسم موارد اللبس وأسباب الخطأ، فإذا أُلف ذلك في خطابه علم قطعا أن مراده ظاهر كلامه، دون ما يحتمله باطنه من إضمار ليس عليه دليل١. - أما احتمال التقديم والتأخير فيدفع بأن لسان العرب قائم على أنهم لا يعمدون إلى التقديم والتأخير إلا حيث كان ذلك مفهوما من قرائن الكلام أو سوابقه أو لواحقه، فإذا قالوا: ضرب عمراً زيدٌ، عُلم المقدَّم والمؤخَّر، وإذا قالوا: ضرب عيسى موسى، ولم يكن ثمة قرائن تبين المراد، كان المقدم في اللفظ هو المقدم في المعنى والمؤخر فيه هو المؤخر٢. - أما احتمال معارضة العقل لما ظهر من الدليل السمعي فيدفع بأنه لا يصح أن يعارض عقل صحيح نقلا صريحا! وتقدير الدليل العقلي القاطع على خلاف ما دل عليه الدليل السمعي هو أصل ما وقع من الإعراض عن الأدلة الشرعية إلى أدلة عقلية، زعم محرروها أنها قطعية، ثم زعموا أنها تعارض ما دل عليه الدليل السمعي، فهذا تجويز عقلي محض لا يقدر على الإتيان فيه بما يثبت وقوع ذلك من أدلة نقلية صحيحة صريحة تعارض

стр. 72

مقتضى أدلة عقلية صريحة. وبين أئمة الإسلام وأعلام الهدى ﵏ أن كل ما ثبت بالأدلة الشرعية من أمور الدين أصولا وفروعا، خبرا وطلبا، ليس في شيء منه ما يعارضه العقل! بل كله بالاستقراء التام المقتضي للقطع واليقين جارٍ على مقتضيات الفطرة السليمة١، وكون الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول قاعدة عظيمة ساق أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في تقريرها أوجها منها:

стр. 73

- أن الأدلة الشرعية إنما نصبت لتتلقاها عقول من كُلِّفوا العمل بما تقتضيها من الأحكام الشرعية، فإذا كانت منافية لما تقتضيه عقولهم كان تكليفهم بالعمل بها مع ذلك تكليفا بما لا يقدرون فهمه ولا يطيقون تعقله، فلا تحصل بها هداية ويستحيل في الواقع العمل بما دلت عليه الأدلة على الحقيقة. - أن العقل شرط في التكليف، فإذا عدم العقل ارتفع التكليف كما في المجنون والصبي والنائم، فكان ما كُلّف به الناس غير مناف لما هو مورده أصلا! وإلا ارتفع التكليف رأسا. - لو كانت الأدلة الشرعية تنافي قضايا العقول لكان أول من يرُدّ الشريعة بذلك الكفار الذين نزل القرآن لهدايتهم، وقد حاجّهم بما يقطع عذرهم، ولو أن ما فيها مناف لعقولهم لحاجُّوا بذلك ولم يحتاجوا إلى اختلاق الكذب على الرسول ﷺ ورميه ﷺ بالسحر والجنون ونحوهما. - أن الاستقراء التام للأدلة الشرعية دل على أن ليس فيها ما ينافي العقول، كيف وقد صدَّقتها العقول الراجحة وانقادت لأحكامها طوعا في الابتداء أو كرها في الانتهاء، بما ألزمهم من السلطان المبين والحجة الساطعة والبراهين القاطعة، من لدن عهد الرسول ﷺ إلى اليوم١. فوجه دفع هذا الاحتمال هنا أنه لا تجوز معارضة العقل للسمع، لسبق

стр. 74

الإيمان والقطع بما تفيده الأدلة الشرعية وأنها لم تقع١. وخلاصة هذا المبحث: أن الأدلة السمعية (النقلية اللفظية) منها القطعي الذي يفيد اليقين ولا مجال فيه للاحتمالات بل يحتف به ما يدفعها ويسلم الدليل خالصا للقطعية، وأن القول بأن الأدلة السمعية كلها ظنية والقول بأنها كلها قطعية قولان ضعيفان.

стр. 75

المبحث الثالث: وجوب العمل بالأدلة الشرعية القطعية وغير القطعية إن تقسيم الأدلة الشرعية إلى قطعية وغير قطعية هو تقسيم لها من حيث تفاوتها في القوة، وما يترتب على ذلك من أولوية التقديم في البحث وعند التعارض وترجيح الأقوى على غيره١، أما من حيث وجوب العمل فكل ما ثبت كونه دليلا شرعيا فهو واجب العمل به قطعا، سواء أكان دليلا قطعيا أم كان دليلا ظاهرا راجحا محتملا٢. أما القطعي فهو واجب العمل به قطعا من غير إشكال٣ لأنه دليل ثبتت نسبته إلى الشرع بلا احتمال، فمن تيقن نسبة الدليل إلى الله ، أو إلى رسوله ﷺ ، أو أنه سبيل جميع الأمة، أو تيقن مساواة محل آخر لما ثبت بواحد مما سبق وجب عليه العمل به، وكذلك إذا تيقن المراد منه وجب عليه العمل بذلك، لأن ذلك هو مقتضى الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم٤ والإيمان بما جاء من النهي عن اتباع غير سبيل المؤمنين الذين لا

стр. 76

يجتمعون إلا على هدى١، وترك العمل بدليل هذا وصفه مناقض لمقتضى الإيمان! وأما الدليل غير القطعي مما ترجحت نسبته إلى الشرع - ثبوتا أو دلالة - فهو كذلك واجب العمل به قطعا، ومن الأدلة على وجوب العمل بالأدلة الظاهرة ما يلي: أولا: إجماع الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - ومن بعدهم على العمل بظواهر الكتاب والسنة، والأقيسة، والعمومات، ونحوها مما لا يقطع به دون الاقتصار على اليقينيات من الأدلة٢. ثانيا: قول رسول الله ﷺ : " إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار " ٣.

стр. 77

فهذا أصل في إجراء الأمور على الظاهر، ولزوم اتباع ما ظهر وترجح وإن لم يرق إلى درجة القطع واليقين، بل الاكتفاء بالظاهر الراجح مع احتمال النقيض١، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأدلة الأحكام لا بد فيها من هذا، فإن دلالة العموم في الظاهر قد تكون محتملة للنقيض وكذلك خبر الواحد والقياس ... ولا يوجد من يستغني عن الظواهر والأخبار والأقيسة، بل لا بد من العمل ببعض ذلك مع تجويز نقيضه"٢. ثالثا: الواقع في الشريعة، فإن كثيرا من الأحكام أنيطت بظواهر الأمور مع احتمال النقيض، ومن ذلك: ا- التوجه إلى القبلة، وهو من الشروط التي لا تصح الصلاة إلا بها، فإن المعاين للكعبة قاطع من أمره بأنه متوجه إليها، أما من بَعُد عنها فالمطلوب منه الاجتهاد في التوجه شطرها، وذلك بالأمارات والأعلام

стр. 78

المعِينة، حتى تظهر له جهتها وإن لم يقطع بإصابته الكعبة في التوجه، واحتمل أن يكون توجه إلى غير جهة الكعبة في حقيقة الأمر. ٢- الشهادة في الخصومات والدعاوى، فإنه يكتفى فيها بما ظهر من عدالة الشاهد وصدقه مع احتمال كونه غير عدل في الحقيقة وغير صادق فيما أدلى به من الشهادة. ٣- سائر الأحكام الشرعية التي نُصَّ فيها على القاعدة وتُرِك تحقيق مناط الحكم فيها على الجزئيات إلى اجتهاد العلماء، ومن ذلك أن الله ﵎ قسّم زكاة الأموال على الثمانية الأصناف المذكورة في قوله جل شأنه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلفَةِ قُلُوبُهُم وَفيِ الرِّقَابِ والْغَارِمينَ وَفيِ سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١ فلا تصرف الزكاة إلا في هذه الأصناف قطعا، أما معرفة أن هذا فقير أو مسكين أو غارم ... فيعلم ذلك بما ظهر من أمرهم مع احتمال عدم كونهم كذلك في حقيقة أمرهم. ومن ذلك تقييم المتلفات وأروش الجنايات ونحو ذلك٢.

стр. 79

قال الطوفي١: "وبالجملة فقد أريقت الدماء، واستبيحت الفروج، وملكت الأموال شرعا بناء على ظواهر النصوص، والعمومات، والأقيسة، وأخبار الآحاد، والبَيِّنات المالية، وإنما يفيد ذلك جميعه الظن"٢. فتبين من واقع هذه الشريعة المباركة أن من مقاصدها في الأحكام إجراءَ غلبة الظن وظواهر الترجيحات مُجرى اليقين والقطع في العمل، منةً من الله وفضلا ورحمة منه وتوسعة٣. رابعا: أن العمل بالظاهر من الأدلة عمل بعلم، لأنه اتباع لما قام الدليل القطعي على اتباعه من الظهور وغلبة الظن والرجحان، وهي أمور تعلم، فإن المجتهد الناظر في الأدلة يعلم أن هذا الدليل أرجح وأغلب على الظن من ذاك، فإذا اتبع ما علمه كان عمله بعلم٤. قال ابن تيمية: "وذلك أن في المسائل الخفية، على المجتهد أن ينظر في

стр. 80

ويعمل بالراجح ... وهذا اتباع للعلم لا للظن، وهو اتباع الأحسن كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ١ وقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِن رَّبكُمْ﴾ ٢، والذي جاءت به الشريعة وعليه عقلاء الناس أنهم لا يعملون إلا بعلم بأن هذا أرجح من هذا فيعتقدون الرجحان اعتقادا عمليا، لكن لا يلزم إذا كان أرجح أن لا يكون المرجوح هو الثابت في نفس الأمر٣ ... وهذا كما قال النبي ﷺ : "ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو ما أسمع " ٤، فإذا أتى أحد الخصمين بحجة - مثل بينة تشهد له - ولم يأت الآخر بشاهد معها كان الحاكم عالما بأن حجة هذا أرجح، فما حكم إلا بعلم ... وهكذا أدلة الأحكام"٥. ومما يقوي الثقة بغلبة الظن في الأدلة الشرعية وصحة الاعتداد بظواهرها أن الألفاظ الشرعية لا يجوز أن يكون المراد منها غير ما ظهر

стр. 81

منها من غير أن تكون ثمت قرينة تدل على ذلك١، فمن ظهر له حكم من دليل ثم لم يكن هناك ما يدل على خلاف الظاهر عنده أو كان ولكنه مرجوح - كان على بينة من أمره في العمل بذلك الظاهر، بل إن كثيرا من ظواهر الأدلة قد عززتها القرائن، وتكاثرت عليها الشواهد حتى رفعتها عن موارد الاحتمالات وعوارض التردد في الثبوت أو الدلالة إلى قمم القطعية وأوثق اليقين٢. وقد نقل القرافي٣ ﵀ إجماع العلماء على عدم اعتبار الاحتمال المرجوح ووجوب الاعتماد على الظاهر من الأدلة٤. ففي الأحكام الشرعية أمران: خاص وعام، أما الأمر العام فهو أنها يجب العمل بها جميعا قطعا، أما الخاص لكل حكم فهو أنه قد يكون الطريق إليه قطعيا وقد يكون راجحا ظاهرا٥.

стр. 82

المبحث الرابع: أهمية الدليل القطعي ثبت أن مذهب جماهير أهل العلم أن الأدلة الشرعية منها القطعية ومنها غير القطعية، وأن القسمين سواء من حيث وجوب العمل. وللدليل القطعي مكانة خاصة بين سائر الأدلة تبين أهميته، ويبين ذلك وجوه منها: الأول: أن الدليل إذا ارتفع إلى درجة القطع واليقين اطمأنت إليه النفوس واستراحت إليه القلوب وزاد نشاط الجوارح في العمل بما أثبته من أحكام، لما يضفيه القطعي على الدليل ومدلوله من أمن الخطأ والسلامة من الزلل. وطمأنينة القلوب من المطالب الشريفة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِني كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ١، قال القرطبي: "أراد أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، فهو سأل ليطمئن قلبه بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا"٢، فالنفوس جبلت على طلب رؤية ما أُخبرت عنه، ولهذا ورد عن رسول الله

стр. 83

صلى الله عليه وسلم: "ليس الخبر كالمعاينة، إن الله أخبر موسى بما فعل قومه في العجل فلم يلق الألواح، فلما عاين ألقى الألواح فانكسرت" ١، فإذا اجتمع دليل العيان إلى دلائل الإيمان الأخرى حصل فضل طمأنينة للقلب٢. وإذا عثر الباحث في أدلة الأحكام على الدليل القطعي اطمأنت إليه نفسه لأنه ينفي الاحتمال، ويزيل الشك والتردد، فيكون على بينة ويقين من أمره فيما يأتي ويدع من أحكام ذلك الدليل، قال الزركشي: "اعلم أنه من حق على المجتهد أن يطلب لنفسه أقوى الحجج عند الله ما وجد إلى ذلك سبيلا، لأن الحجة كلما قويت أمن على نفسه من الزلل"٣. ولم يزل العلماء ﵏ يذكرون على المطلب الواحد أدلة كثيرة ومتنوعة، حتى يتزايد ظهور المطلب ويحصل القطع بالحكم فيه، وتطمئن القلوب إلى ذلك الحكم لقوة الدليل٤، فيذكرون للحكم الواحد أدلة من الكتاب والسنة والإجماع ...

стр. 84

الوجه الثاني: أن الأدلة القطعية هي من أقوى ما ذُبَّ به عن الشريعة، ومن أمنع ما حفظت به الشريعة من زيغ المبطلين المبتغين الفتنة بالتأويل، فإنها التي تقطع ألسنة المؤولين، وتقصم ظهور المعاندين المتشبثين بمتشابه النصوص الذين يجدون في المحتملات ما يلوون ألسنتهم به في مطالبهم، فكم من ظواهر امتدت إليها أيدي المؤولين! وحرَّفها الملحدون إلى مرادهم! وأنزلوها على أهوائهم! وخرجوا بها عن منهاج الله وشرعته! لكن القواطع المحكمات تستعصي على هؤلاء وأولئك، فدون تأويلها حصن منيع من البيان، وفصل مبين من الخطاب، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُءَاياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهَ وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبنَا وَمَا يَذَّكر إِلاَّ أُولُوا الأَلبابِ﴾ ١، قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ : "أي إنما يأخذون منه المتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه دافع لهم وحجة عليهم"٢. وبين الشاطبي أن هذه الشريعة معصومة كما أن رسولها ﷺ معصوم،

стр. 85

وكما أن أمتها مجتمعة معصومة، بسبب ما يسّر الله من دواعي الذب عنها، وبما قيض من المدافعين عنها جملة وتفصيلا، ثم قال: "فإن عارض دين الإسلام معارض، أو جادل فيه خصم منافق غبروا في وجه شبهاته بالأدلة القاطعة، فهم [أي المدافعون الذابون] جند الإسلام، وحماة الدين"١، والقواطع المحكمات سلاحهم الصارم وحسامهم البتار. فبالأدلة القواطع يحفظ الدين في ميدان المحاجة باللسان كما يحفظ بالجهاد في ساحة الكفاح بالسنان٢، وبها تقوى عصمة الشريعة ويُحكم أساسها وركنها، وبها تدك معاقل البدع والانحراف وتؤتى بنيانها من القواعد، وعند حصنها يقف المعاند اللدود. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ويجب أن يعلم أن الأمور المعلومة من دين المسلمين لا بد أن يكون الجواب عما يعارضها جوابا قاطعا لا شبهة فيه ... فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن قد أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين"٣.

стр. 86

الوجه الثالث: أن العلم وقوة اليقين من فضل الله على الناس، قال الله : ﴿ ... يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ١ وقال ﵎: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٍ﴾ ٢. والعلماء الذين ثبتت عندهم الأحكام بالأدلة القطعية وبنوا عليها مذاهبهم هم على يقين من أمرهم ورسوخ عظيم في العلم، وذلك فضل لهم على من لم يكن له نصيب من الأدلة إلا الظنون الراجحة وبقي في احتمال وتردد لضعف أدلته٣. الوجه الرابع: أن الدليل القطعي هو ما يبدأ به البحث عن أدلة الأحكام، وهو الذي إذا حصّله المجتهد لم يعدل عنه إلى غيره، إذ لا بعارضه غيره لأنه الأقوى. الوجه الخامس: أن الله تعالى أمر عند التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة فقال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٤.

стр. 87

ومن رد عند التنازع إلى دليل قطعي ثبوتا ودلالة كان على يقين من أمره أنه رد إلى الله ورسوله، وذلك صلة عظيمة بين الأمة في عصورها المتلاحقة وبين مصدر التشريع، وكأنهم عايشوا التنزيل وسمعوا القرآن والسنة من فيِّ النبي صلى الله عليه وسلم١. ولكل هذه الأهمية كان القول بنفي وجود القطعي في الأدلة الشرعية قولا عظيم الخطر! فإنه يتوجه بالنقض إلى حصن الشرع المعصوم! ليتركه بعد ذلك هدفا لكل مبطل مؤول أو معاند، وذلك ينتهك حرمة النصوص ويرفع الثقة عنها٢. القطعية والحجية في الدليل: تتبين العلاقة بين حجية الدليل وبين قطعيته بأمرين: الأمر الأول: القطعية في الدليل فرع عن الحجية فيه، أي أن البحث في قطعية الدليل يكون بعد ثبوت كونه حجة ودليلا شرعيا يجب العمل به في إثبات أحكام الشريعة، إذ من لم تثبت عنده حجية الدليل وصحة الاعتماد عليه أصلا في الشريعة لا يرد عنده بحث قوة ذلك الدليل، وكيف يبحث في قوة أمر غير ثابت أصلا؟! وما يأتي - إن شاء الله تعالى - من مسائل هذا البحث مبني على

стр. 88

هذا، فالخلاف في حجية دليل ليس مما يعنى - بالضرورة - عند البحث عن القطعية في ذلك الدليل. الأمر الثاني: حجية الدليل أهم من قطعيته بالنظر إلى ما يأتي: - أن مناط وجوب العمل بالدليل على حجيته، والقطعية بالنظر إلى العمل فضل قوة، فإذا ثبت كون الدليل حجة شرعية لزم العمل به، سواء أفاد الناظرَ فيه القطعيةَ أم لم يفده، فكان عدم القطعية في الدليل غير مانع من العمل به، والعمل هو الغرض الأعظم ونهاية المقصِد من الشرع، وإنما يتعلم العلم ليعمل به١. - أن القطعية وصف غير مطرد في الأدلة الشرعية أو بالنسبة لجميع المجتهدين، فليست وصفا مطلقا في الأدلة الشرعية، إذ في الأدلة الشرعية ما لا يكون دليلا قطعيا بل يكون دليلا ظاهرا راجحا، أما الحجية فهي وصف سائر الأدلة الشرعية٢.

стр. 89

المبحث الخامس: قطعية أصول الفقه هذا المبحث يتصل بجانب مهم من جوانب منهج البحث في أصول الفقه١، وهو منهج الاستدلال فيها، وهل يشترط أن يكون الدليل المستدل به في أصول الفقه قطعيا أم أنه يستدل بكل دليل ثبتت حجيته وكان ظاهرا في دلالته على المستدل فيه، فيستدل بالقطعي من الأدلة وبالظاهر الراجح منها، وجميع قواعد أصول الفقه على المنهج الأول قطعية، أما على المنهج الثاني فبعض قواعد الأصول غير قطعية. ولم تحظ هذه المسالة من البحث بما يتفق مع ما سبق من أهميته، فلم أقف على بحث مفصل للمسألة فيما رجعت إليه من كتب أصول الفقه، وإنما يكتفي العلماء - رحمهم الله تعالى - بالإشارة عند تعرضهم للمسألة، حتى يبدو من بعض كلامهم أن المسألة قد بحثت مفصلة في موضع آخر من كتب الأصول أو كتب علوم أخرى٢، ومن تلك الإشارات:

стр. 90

- قال في تلخيص التقريب إشارة إلى استدلال بعض العلماء بخبر الواحد في إثبات حجية القياس: "وهذه هفوة عظيمة، وسنذكر في كتاب الاجتهاد أن أصول الشريعة لا تثبت إلا بما يقتضي العلم من الأدلة القاطعة، ومن قال غير ذلك فقد زل زلة عظيمة"١. وأحال في موضع آخر على باب التقليد٢. أما في كتاب الاجتهاد فإنما كان البحث هناك في ذكر تقسيم المسائل إلى قطعية وغير قطعية وضابط مسائل الأصول وما إلى ذلك، ولم يستدل - فيما وقفت عليه من كتاب الاجتهاد - على أن أصول الشريعة لا تثبت إلا بما يقتضي العلم من الأدلة القاطعة٣، كما أشار من قبل. أما في باب التقليد فقد وقعت إشارة إلى ذلك في معرض الرد على المجوزين لتقليد العالِم للعالِم، فأبطل ذلك بأنه لو جاز تقليد العالم للعالم لكان قول العالم المقلَّد عَلَما منصوبا على الحكم حتى يساوي سائر الأدلة

стр. 91

الشرعية! ثم أبطل هذا بأنه يستحيل إقامة الدليل العقلي أو الشرعي على إثبات قول العالم المقلَّد دليلا شرعيا، لأن الدليل المثبت لذلك لا بد أن يكون قطعيا كما ثبت القياس وغيره من طرق الاجتهاد بالأدلة القاطعة على حجيتها، وليس على صحة كون قول المقلَّد دليلا شرعيا شيءٌ من الأدلة القطعية كنص الكتاب أو نص سنة أو إجماع. ثم قال: "وتتأكد هذه الدلالة بأصل نوضحه فنقول: لا ينتصب الشيء دليلا وعَلَما في الشرعيات إلا بدلالة قاطعة، فإنه لو ثبت بما لا يقطع لاحتيج إلى إثبات مثبته ثم يتسلسل القول فيه إلى ما لا يتناهى" قال: "فهذه هي الدلالة السديدة وما عليها معترض"١. - وقال الغزالي٢ ﵀ عند الكلام على حجية قول الصحابي: "ونحن أثبتنا القياس والإجماع وخبر الواحد بطرق قاطعة لا بخبر الواحد، وجعل قول الصحابي حجةً كقول رسول الله ﷺ وخبره

стр. 92

أصلٌ من أصول الأحكام ومداركه، فلا يثبت إلا بقاطع كسائر الأصول"١. - وقال الآمدي٢ ﵀ بعد ذكر الخلاف في حجية الإجماع المنقول بخبر الواحد: "وبالجملة فالمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعا به وعدم اشتراطه: فمن اشترط القطع منع كون خبر الواحد مفيدا في نقل الإجماع، ومن لم يشترط ذلك كان الإجماع المنقول على لسان الآحاد عنده حجة"، قال: "والظهور في هذه المسألة للمعترض من الجانبين دون المستدل فيها"٣. وزاد البحث في هذه المسالة إشكالا - إضافة إلى قلة التفصيل فيه - صعوبة ضبط مذاهب العلماء فيها، فقد يبدو من بعضهم التزام القطعية في محل ثم في محل آخر لا يسلِّم اشتراط القطع في أصول الفقه٤، وأشار الشيخ

стр. 93

الطاهر بن عاشور١ ﵀ إلى مثل هذا قائلا: "وأنا أرى أن سبب اختلاف الأصوليين في تقييد الأدلة بالقواطع هو الحيرة بين ما ألفوه من أدلة الأحكام وبين ما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعية كأصول الدين السمعية ... فهم قد أقدموا على جعلها قطعية فلما دونوها وجمعوها ألْفَوا القطعي فيها نادرا ندرة كادت تذهب باعتباره في عداد مسائل الأصول٢ ... كيف وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه! "٣. وقد اختلف العلماء في قطعية أصول الفقه وجواز الاستدلال بالدليل غير القطعي في إثبات قواعدها على قولين: القول الأول: أن مسائل أصول الفقه قطعية، فلا يستدل عليها إلا

стр. 94

بدليل قطعي. وهذا مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني١ وأبي المعالي الجويني٢،٣ وأبي حامد الغزالي فيما ظهر من كلامه في المستصفى٤، وهو مذهب القرافي

стр. 95

ونقله عن العلماء١، وهو الذي قرره أبو إسحاق الشاطبي وأيده وجعل في الاستدلال عليه أُولى مقدمات كتابه (الموافقات) ٢. ومن أدلة هذا المذهب ما يلي: الدليل الأول: أن مسائل هذا العلم من الأصول، والأصول لا يستدل في إثباتها إلا بدليل قطعي لأنها من المواضع التي يطلب فيها القطع واليقين، والدليل غير القطعي لا يفيد القطع فلا يفي ما دون القطعي بالغرض المطلوب في هذه المسائل٣.

стр. 96

وهذا الدليل يشتمل على ثلاثة أمور: أولها: أن في الدين مواضع هي أصول، ومواضع أخرى هي فروع. وثانيها: أن كل مسألة تعين كونها من مواضع الأصول فهي مطلب لا يكتفى فيه بما دون القطع واليقين، أما مسائل الفروع فيجوز فيها الاستدلال بغير القطعي. وثالثها: أن أصول الفقه من تلك الأصول التي يجب فيها القطع واليقين. وجميع تلك الأمور مما قد لا يسلم: أما الأمر الأول فلأنه يرد على تقسيم الدين إلى أصول وفروع أمور: - أهمها عدم وجود حد وضابط مسلَّم يميز الأصول القطعية من المواضع التي لا يشترط فيها القطع من الدين، قبل النظر في الأدلة. وهذا القاضي أبو بكر الباقلاني ذكر حدّين للأصول ولم يرضهما لما يلزم منهما من الباطل١، ثم عوّل بعد ذلك على ما رآه الحد الصحيح

стр. 97

للأصول وهو: أن "كل مسألة يحرم الخلاف فيها مع استقرار الشرع ويكون معتقد خلافه جاهلا فهي من الأصول، سواء استند إلى العقليات أم لم يستند إليها"١، مع أن الأصل على هذا فرع عن الدليل الشرعي، لأن تحريم الخلاف حكم شرعي لا بد فيه من الدليل الشرعي عليه٢، فكانت معرفة كون المسألة من الأصول تابعة لمعرفة دليل تحريم الخلاف فيها. وذكر الشاطبي ﵀ ضابطا آخر لأصول الدين وفروعه يرجع إلى النظر في المصلحة الشرعية المترتبة على الفعل فقال: "فما عظَّمه الشارع في المأمورات فهو من أصول الدين وما جعله دون ذلك فهو من فروعه، وما عظّم أمره في المنهيات فهو من الكبائر وما كان دون ذلك فهو من الصغائر، وذلك على مقدار المصلحة والمفسدة"٣. وقريب من هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من أن أصول الدين

стр. 98

ما يكون مصلحته عامة١، أما ما يكون من الحقوق خاصا مثل برّ كل إنسان والِدَيْه، وقيامه بحق زوجته وجاره، فهو من فروع الدين، ثم قال معللا: "لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه ولأن مصلحتها خاصة فردية". فأصول الدين في المأمورات مثل الكبائر في المنهيات، يجمعهما عظم المصلحة وعمومها في الأولى، وعظم المفسدة في الثانية في أفعال القلب واللسان والجوارح. والظاهر أن هذا ضابط محكم في تحديد أصول الدين وفروعه، لأنه يجعل الدليل الشرعي - وهو راجع إلى قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ متبوعا لا تابعا، فما كان من الأحكام قويا دليله يُظهِر أهميته وعظم شأنه في الدين فهو من أصول الدين في أي موضع كان ذلك الحكم، وما كان من الأحكام الشرعية دليله دون ذلك ويظهر بعض التوسعة في أمره أو تكون مصلحته خاصة فهو من فروع الدين، وكل ذلك تابع للدليل. وهو قريب مما استقر عليه أمر القاضي في التعريف بالنسبة للدليل الشرعي، لأن حد القاضي راجع إلى الدليل المحرِّم للخلاف في المسألة، وتحريم الخلاف في مسألة من المسائل دليل على عظم تلك المسألة في الدين وحرمته. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر من (مجموع الفتاوى) أن

стр. 99

الدين نوعان: أمور خبرية اعتقادية، وأمور طلبية عملية، ومثّل للنوع الأول بالعلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويسمى هذا النوع أصولَ الدين والعقد الأكبر، كما يسمى عقائد واعتقادات، ويسمى الجدال فيه كلاما، والنوع الثاني أمور الطلب من أعمال الجوارح كالواجبات والمحرمات١. وذكر في موضع آخر أن الاصطلاح على تسمية الأمور العلمية الخبرية الاعتقادية بأصول الدين، أو الأصول اصطلاح المتكلمين المتأخرين وكثير من المتفقهة، وأما الغالب على اصطلاح أهل الحديث والتصوف، والذي عليه أئمة الفقهاء وطائفة من المتكلمين فهو تسمية الأمور التي اتفقت فيها الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير بأصول الدين سواء كان من الأمور العلمية أم من الأمور العملية، وذكر أن مصطلح (الشريعة) جامع للقسمين معا٢. وتكلم شيخ الإسلام ابن تيمية في أوائل كتابه (درء تعارض العقل والنقل) ٣ على هذه المسألة وعلى اشتراط القطع فيها وهل يكفي فيها الظن؟ فذكر أن جميع ما هو من أصول هذا الدين الذي جاء به النبي ﷺ فهي وأدلتها الشرعية القطعية عقلية أو سمعية مُبَيَّنة في الكتاب والسنة قد

стр. 100

نقلت عن الرسول ﷺ يعلمها أهل العناية بالعلم الموروث عن النبي ﷺ يعلمونها ويقطعون بها، وأن ما لم يصرَّح فيه من تلك المسائل بطلب القطع واليقين وعجز الناظر فيها عن الوصول إلى القطع واليقين فإنه يكفيه الاعتقاد الغالب على ظنه لعجزه عن التمام، لأن الاعتقاد الراجح المطابق للحق ينفع صاحبه عند عدم القدرة على الدليل السمعي أو العقلي المفضي إلى القطع واليقين، على أن عامة الضلال أو العجز عن اليقين في هذا الباب سببه الإعراض عن الاستدلال والنظر في أدلة تلك المسائل الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإعراض عن اتباع طريقة السلف في تلك المسائل وأدلتها ومنهجهم في الاستدلال عليها اهـ. هذا، ويؤخذ من استدلال العلماء القائلين بالتقسيم وبقطعية الأصول - في المراجع التي ذُكرت سابقا من كتب المتكلمين في أصول الفقه وفي الكلام - أنهم يذهبون إلى وجود الدليل العقلي القطعي في تلك المسائل، فإذا استُدل فيها بدليل سمعي غير قطعي ردوا على الاستدلال بأن المسألة قطعية لوجود دليل عقلي قطعي فيها، وغاية ما يفيده السمعي غير القطعي هو الظن الذي لا يجدي نفعا مع وجود القاطع العقلي، فيمنعون الاستدلال به ابتداء. فيرجع الكلام في المسألة إلى أن ما يذهبون إليه من وجود القاطع العقلي - مخالفا للسمعي - غير مسلم، وأن ظواهر النصوص السمعية لا

стр. 101

تخالفها الأدلة العقلية١، فمدار الكلام في هذه المسألة ليس على تقسيم الدين إلى فروع وأصول، فذلك أمر من أمور الاصطلاح لا يبعد أن يكون هيِّناً وقد وقع في كلام كثير من العلماء. وإنما عدم التسليم بالتقسيم راجع إلى أمر آخر ينبني عليه، وهو: دعوى وجود القطعي العقلي في مسائل الأصول مخالفا لما تفيده ظواهر النصوص السمعية النقلية، ثم تقديم ما يزعم أنها القواطع العقلية المخالفة على النصوص الشرعية وما يتبع ذلك من إقصاء كثير من الأدلة الشرعية في أهم مواضع الدين. والحق أن الوحي قد بيَّن الدين أصولا وفروعا بما لا يضطر معه المسلم إلى اضطراب الاستدلالات العقلية في أمور غيبية تتعلق بالله تعالى وصفاته والنبوة والمعاد ... - ومما يرد على التقسيم أن مما يعد من الأصول مسائلَ غير قطعية٢، فكان تحديد الأصول بما يقصرها فيما المطلوب فيه القطع واليقين غير جامع لجميع مسائلها٣.

стр. 102

أما الأمر الثاني من الأمور التي اشتمل عليها الدليل الأول وهو: أن الأصول يجب فيها القطع، فهو مفرع على الأمر الأول، ويرد عليه ما في الأمر الأول من النظر، فإنه إذا لم تتحدد الأصول ولم تتميز عن الفروع قبل النظر في الأدلة وكانت الحدود فيها غير مسلمة لم يصح ما يترتب على ذلك من اشتراط القطعية في الأصول. وعلى التسليم بتقسيم الدين إلى أصول وفروع لا يسلم دعوى وجوب القطعية في جميع مسائل الأصول، لأن ذلك مما ليس عليه دليل صحيح، ولم يعرف إلا من المتأخرين، وكان من أسباب رد كثير من الأدلة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم١! وأما الأمر الثالث وهو: أن أصول الفقه من تلك المواضع المشترط فيها القطع واليقين، فلا يسلم أيضا، فقد جعل بعض العلماء أصول الفقه واسطة بين أصول الدين وفروعه لكونها - مع تسميتها أصولا واستمدادها من (أصول الدين) - وسيلة للعمل بفروع الدين، ولهذا أضيفت الأصول إلى (الفقه) ٢، بل صرح بعضهم بأن أصول الفقه أقرب إلى الفروع من أصول

стр. 103

الدين١، ويؤخذ ذلك إشارةً من صنيع بعضهم٢. الدليل الثاني: أن الأصل عدم جواز العمل بما لا يفيد القطع واليقين بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ ٣ وقوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٤، فلا يجوز العمل بما لا يفيد القطع إلا إذا دلت دلالة قاطعة على جواز العمل به، وعلى هذا فما كان من أصول الفقه قطعيا فعدم جواز إثباته إلا بدليل قطعي أمر ظاهر إذ الدليل غير القطعي لا يمكن أن يَثبُت به أصل قطعي، وما كان منه لا يفيد القطع فلا يثبت العمل به إلا بدلالة قاطعة من الشارع على العمل به، وإنما ورد الدليل القاطع على العمل بالظن في الفروع فبقيت الأصول على المنع. ونقل القاضي أبو بكر الباقلاني إجماع الأصوليين على هذا٥. وهذا أيضا غير مسلم.

стр. 104

قال الطوفي: "أما قولهم: الأصل عدم العمل بالظن، فممنوع أيضا في الشرعيات، لأن مبنى الشرع على غلبة الظن، ولهذا كانت أكثر أدلته ظنية، كالعموم وخبر الواحد والقياس، فلو كان الأصل عدم العمل بالظن لكان أكثره واقعا على خلاف الأصل، وذلك خلاف الأصل إذ الأصل في الفنون جريان جميعها أو أكثرها على وفق الأصل"١. وهذا الدليل مبني على مذهب القائلين بالتقسيم إلى أصول وفروع، فهو لذلك وارد عليهم، وإلا فلا يسلم أن أكثر أدلة الشرع ظنية ولا أن مبناه على غلبة الظن عند أئمته المحصلين للأدلة مع استقراء قرائنها٢. الدليل الثالث: قياس أصول الفقه على أصول الدين، "لأن نسبة أصول الفقه إلى أصل الشريعة كنسبة أصول الدين، وإن تفاوتت في المرتبة فقد استوت في أنها كليات معتبرة في كل ملة، وهي داخلة في حفظ الدين من الضروريات"٣، ووجه كونها داخلة في حفظ الدين قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٤ والمراد حفظ الكليات لأن الجزئيات قد وقع فيها ما ليس بقطعي ويقع فيها الخطأ٥.

стр. 105

ويرد على هذا الدليل أن جميع أصول الفقه ليس كما وُصف، ففيها مسائل لا يمكن وصفها بأنها كليات معتبرة في كل ملة١ ولا أنها داخلة في حفظ الضروريات من الدين، على أنه مبني على تقسيم الدين إلى أصول وفروع وقد سبق ما فيه٢. الدليل الرابع: أن الواقع في الأدلة المستدل بها على أصول الفقه أنها كلها قطعية، فإنها إما أصول عقلية أو استقراءات كلية من أدلة الشريعة وجزئياتها معززة بقرائن حالية ومقالية٣. ويرد على هذا ما سبق من أن جميع أصول الفقه لا يسلَّم أن أدلتها كذلك، بل إن الشاطبي نفسه - وهو ممن ذكر هذا الدليل - اعترف في آخر بحثه في هذه المسألة بذلك فقال: "وهذا كافٍ في اطِّراح الظنيات من الأصول بإطلاق، فما جرى فيها مما ليس بقطعي فمبني على القطعي تفريعا عليه بالتبع لا بالقصد الأول"٤، ومن أصحاب هذا المذهب من يرى - حتى يستقيم له هذا الدليل - أن كل ما ليس بقطعي مما يذكر في الأصول فلا يعد من الأصول٥!

стр. 106

ويرد على هذا الدليل: أن فيه تسليما بكون بعض أصول الفقه ليس قطعيا بالنسبة لمن لم يطلع على ما ذكر من الاستقراءات. ورُدَّ - أيضا - بأن من أصول الفقه مسائل مهمة توفرت الدواعي على بحثها والاستدلال لها في مظانها، وذلك لا يتفق مع ادعاء احتياج القطع فيها إلى استقراءات في شتى المواضع١. الدليل الخامس٢: أن أصول الفقه راجعة كلها إلى كليات الشريعة، وأن ما كان راجعا إلى كليات الشريعة فهو قطعي. ففي هذا الدليل أمران: أولهما: أن جميع أصول الفقه راجعة إلى كليات الشريعة، وثانيهما: أن كل ما كان كذلك فهو قطعي. أما الأمر الأول فذكر أن الدليل عليه الاستقراء التام القطعي. واستدل على الأمر الثاني بثلاثة أوجه: الأول: أن كليات الشريعة مبنية إما على أصول عقلية، أو على

стр. 107

الاستقراء الكلي من أدلة الشرع. الثاني: أن الكليات لو رجعت إلى الظن للزم من ذلك تعلق الظن والشك بأصل الشريعة لأنه الكلي الأول، وذلك باطل!. الثالث: قياس أصول الفقه على أصول الدين، فكما لا يجوز فيها الظني، فكذلك لا يجوز في أصول الفقه، والجامع أن أصول الفقه وأصول الدين كليات معتبرة في كل ملة، وأنها داخلة في الضروريات من حفظ الدين، فكانت نسبتهما إلى أصل الشريعة نسبة واحدة١. فمما اشتمل عليه هذا الدليل أن أصول الفقه راجعة كلها إلى كليات الشريعة والأصول المعتبرة في جميع الأديان، وهذا ما ردّه الشيخ الطاهر بن عاشور٢ وذكر أن أدلة الشاطبي على هذا الأمر: "مقدمات خطابية٣ وسفسطائية أكثرها مدخول ومخلوط٤ وغير منخول".

стр. 108

ذلك أنه لا يتأتى في الواقع اعتبار جميع مسائل أصول الفقه مما وصفه من الكليات والضروريات التي تستوي فيها الملل كلها. الدليل السادس: أنه لو أثبتت هذه القواعد التي تنتصب أعلاما وأدلة على الأحكام الشرعية بدليل غير قطعي لاحتيج إلى إثبات ذلك الدليل المثبِت، ثم يتسلسل الاستدلال إلى ما لا يتناهى١. ويَرِد على هذا أنه يمكن منع التسلسل، بأن يكون الدليل الثاني المثبت للدليل الأول قطعيا، كأن يستدل على إثبات القياس بخبر واحد غير قطعي، ثم يستدل على إثبات خبر الواحد بدليل قطعي٢. القول الثاني: أن أصول الفقه منها ما هو قطعي، ومنها ما ليس بقطعي، فيجوز أن يستدل على مسائلها بكل دليل صحيح، فما كان دليلا قطعيا كانت القاعدة الأصولية عليه قطعية وما كان دليلا ظنيا ظاهرا فلا تخرج القاعدة بذلك من عِداد أصول الفقه.

стр. 109

وهذا مذهب أبى الحسين البصري في المعتمد١، والقاضي أبي الطيب الطبري٢ على ما نقله عنه تلميذه أبو إسحاق الشيرازي٣ في مواضع من كتابه شرح اللمع٤، وهو مذهب القاضي أبي يعلى٥ في كتابه العدة٦ وفخر الدين الرازي في المحصول٧، ونجم الدين الطوفي في شرح مختصر

стр. 110

الروضة١، ومجد الدين ابن تيمية٢ في المسودة٣، وتقي الدين شيخ الإسلام ابن تيمية٤، وتلميذه ابن قيم الجوزية٥، وصرح به الكمال بن الهمام٦،
следующие страницы →