← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8523

القطعية من الأدلة الأربعة

محمد دكوري

Полный текст (445 стр.). Показаны 421–445 · переход к 426.

стр. 421

يكون قطعيا، تبين أن كل دليل شرعي قطعي يمكن أن يثبت به هذا الركن من القياس القطعي إذا دَلَّ عليه، وذلك مثل النص القطعي من الكتاب أو من السنة أو الإجماع القطعي، ومثل الأدلة الشرعية التي تحتف بها قرائن القطعية في جهتي الثبوت والدلالة، فطريق قطعية العلية كطريق قطعية الأدلة الشرعية. والمجتهد يصل إليها مباشرة بواسطة الأدلة القطعية ثبوتا ودلالة، أو بالبحث عن قرائن القطع المحتفة والشواهد المعززة حتى يقطع بأن وصفا معينا علة حكم معين. إلا أن أهل العلم - رحمهم الله تعالى - خصوا هذا المحل بالبحث عن الطرق المؤدية إلى العلية كما قسم بعضهم تلك الطرق إلى قطعية وغير قطعية. وما تجمعه حدود هذا البحث من مسالك العلة هو المتعلق منها بالكتاب والسنة والإجماع١، وذلك مسلكا النص والإجماع.

стр. 422

............................................................................................................................................

стр. 423

مسلك النص: وهو النص القاطع من الكتاب والسنة على علية الوصف الجامع. والمراد بالنص عند العلماء ﵏ في باب مسالك العلة لفظ الكتاب أو السنة، فيشمل القطعي وغيره، ومن ثم يصفونه بالقطعية أو بالصراحة إذا أرادوا تقييده فيقولون (نص قاطع) أو (نص صريح) ١. وهذا أشرف المسالك وأولى طرق العلة بالتقديم، لتعلقه بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم٢. وبحث القطعية فيه من جهة الدلالة أي دلالة اللفظ من الكتاب أو السنة على أن الوصف الجامع هو علة حكم الأصل قطعا، أما من جهة الثبوت فالبحث في ذلك يدخل في عموم البحث في قطعية الثبوت فما كان من تلك الألفاظ في القرآن الكريم أو في السنة المتواترة فقطعي وكذلك ما كان من أخبار الآحاد قد احتف به من القرائن ما يفيده القطعية على ما سبق تقريره في مطلع هذا الباب.

стр. 424

النص القاطع والنص الصريح: المراد بالنص القاطع من طرق العلة عند فخر الدين الرازي: ما كان من الألفاظ موضوعا للتعليل بحيث لا يحتمل غير العلية لا حقيقة ولا مجازا١، وذلك عنده أربعة ألفاظ أو ثلاثة وهي (لعلة كذا) و (لسبب كذا) و (لأجل كذا) و (لموجب كذا) ٢، وما عدا هذه الألفاظ فليس من النص القاطع. ودون النص القاطع عنده الألفاظ التي تكون (ظاهرة جدا) كالتي تكون موضوعة حقيقة للتعليل ويكون استعمالها في غير العلية محمولا على المجاز، وذلك كاللام والباء و (إنّ) ٣. فمرتبة (الظاهر جدا) في جهة الدلالة هنا هي مرتبة الظني القريب أو المقارب للقطعي كما سبق نقله عن بعض من توسع في اعتبار مطلق الاحتمال في إزالة القطعية٤.

стр. 425

وأضاف البيضاوي١ في المنهاج لفظ (كي) على ما ذكره الرازي فجعله من (النص القاطع) ٢. وذكر بعض العلماء أن (النص القاطع) عند الرازي هو (النص الصريح) ٣ عند الآمدي. والذي يؤخد من الإحكام والمحصول أن (النص الصريح) عند الآمدي أعم من (النص القاطع) عند الرازي وأوسع منه وأشمل، لما يأتي: أولا: أن الآمدي ذكر من أقسام (النص الصريح) : اللام و (إنّ) والباء٤، وهذه عند الرازي من (النص الظاهر) قسيم (النص القاطع) كما

стр. 426

يؤخذ من صريح كلامه. ثانيا: أن الآمدي قال بعد أن ذكر الألفاظ الداخلة تحت قسم (النص الصريح) : "فهذه الصيغ الصريحة في التعليل، وعند ورودها يجب اعتقاد التعليل إلا أن يدل الدليل على أنها لم يقصد بها التعليل، فتكون مجازا فيما يقصد بها"١، مع أن الرازي عدّ ما كان خلاف التعليل فيه مجازا من الظاهر دون (النص القاطع) ، كما سبق من صريح كلامه في (اللام) آنفا. ثالثا: أن الآمدي لم يقسم النص إلى صريح وظاهر كما قسم الرازي النص إلى قاطع و، وإنما ذكر الآمدي بعد مسلك (النص الصريح) مسلك الإيماء والتنبيه٢وذلك يؤكد أن (النص الظاهر) عند الرازي يدخل في

стр. 427

(النص الصريح) عند الآمدي. فقِسْم (النص الصريح) عند الآمدي في هذا الباب غير (النص القاطع) عند الرازي، إذ لم يكن احتمال استعمال اللفظ في غير التعليل ولو مجازا - مانعا من دخوله في النص الصريح عند الآمدي، وذلك مانع من دخوله في النص القاطع عند الرازي. والله أعلم. والذي يظهر من كتب بعض العلماء مثل كتاب تلخيص التقريب١ والمعتمد لأبي الحسين البصري٢ والمستصفى وشفاء الغليل كليهما لأبي حامد الغزالي٣ ومختصر ابن الحاجب٤ وما نقله الزركشي عن الأبياري

стр. 428

وغيره١ - أن المراد بـ (النص الصريح) فيها موافق لطريقة الآمدي في كونه أعم من المراد بـ (النص القاطع) عند الفخر الرازي، فعمل هؤلاء الأصوليين في مسلك (النص) مخالف لما ذهب إليه الرازي ومن تبعه في تقسيم هذا المسلك إلى (القاطع) و (الظاهر) ، على ما هو المعروف من معنى القاطع عنده في الأدلة الشرعية اللفظية، والله تعالى أعلم. هل قطعية هذا المسلك ترد نقضا على الرازي: المذاهب في القطعية تستصحب ههنا، فمن كان لا يرى قطعيا إلا ما كان متجردا عن كل احتمال قريب وبعيد فقياس مذهبه أن يكون القاطع من هذا المسلك كذلك، ومن كان يرى القطعية مع الاحتمال البعيد الغريب عن العرف والمقاصد الشرعية في استعمال الألفاظ فكذلك قياس مذهبه أن يكون القاطع عنده ههنا مثل ذلك. ومن ثم اعترض القرافي وغيره٢ على الرازي في عده بعض الألفاظ في هذا المسلك قطعيا، فإن مذهبه في الألفاظ عدم قطعيتها مطلقا أو عدم

стр. 429

قطعيتها إلا باحتفاف القرائن بها، فطرد مذهبه أن لا يرى أيًّا من الألفاظ المذكورة قطعيا مطلقا أو لا يرى منها قطعيا إلا لفظا احتف به من القرائن ما أزال عنه الاحتمالات العشرة التي ذكر أنها ترد على الأدلة اللفظية١. ورُدّ هذا الاعتراض بوجهين: الوجه الأول: أن مراد الرازي من (النص القاطع) في مسالك العلة الصريحُ في دلالته على العلية، ولا يقصد الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا٢. ١ على ما يبدو من مذهبه في القطعية في بعض المواضع، فقد اختلف العلماء في تقرير مذهب الرازي في القطعية في الألفاظ، فمنهم من رأى أنه ينفي القطعية عنها مطلقا ومنهم من حمل مذهبه على أنه ينفي القطعية عند عدم القرائن. انظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) فما بعد. والأصفهاني في شرحه للمحصول (الكاشف قسم القياس ص١٧١-١٧٢) بعد أن أبطل الاعتراض المذكور ذكر أنه يرد على كلام الرازي في تقسيم هذا المسلك "إشكال متجه"، وذلك أنه فسر القاطع بالصريح (المحصول٥/١٣٩) فيكون القسم المقابل للقاطع (وهو النص الظاهر) غير صريح مع أنه قال بعد أن ذكر اللام في ذلك القسم المقابل للقاطع: "فإن قلت: اللام ليست صريحة في العلية ... قلت: أهل اللغة صرحوا بأن اللام للتعليل وقولهم حجة"فظاهر هذا أنه عدّ اللام من (الصريح) ، فكانت اللام غير صريحة في أول كلامه صريحة في آخره. لكن الرازي بيان مراده بـ (النص القاطع) في موضع آخر من المحصول (٥/٤٥٢) بأنه ما كان "لا يحتمل غير العلية"، وعلى هذا يكون (النص القاطع) عنده: الصريح الذي لا يحتمل غير العلية حقيقة أو مجازا، أما اللام فذكر أن استعماله في غير العلية - مع ثبوت تصريح أهل اللغة بأنه للتعليل - يكون من المجاز (المحصول٥/١٤٠، ٤٥٢) ، وهذا يحقق الاعتراض الذي ذكره القرافي وغيره على الرازي. والله تعالى أعلم.

стр. 430

ويُشكل على هذا ما سبق من أن مراد الرازي من (النص القاطع) يخالف مراد كثير من العلماء بـ (الصريح) في مسالك العلة، وأن ظاهر كلامه في المحصول أنه يعني بـ (النص القاطع) من طرق العلة ما يعني بالقطعي في غير هذا الموضع، وهو الذي لا يحتمل غير الظاهر منه ولو احتمالا بعيدا لا حقيقة ولا مجازا١، يؤيده أنه لم يذكر في (النص القاطع) إلا ما جاء فيه ذكر لفظ (العلة) أو ما يرادفه، وجعل سائر ما يذكره العلماء في (الصريح) من اللام والباء ونحوهما في قسم (النص الظاهر) . الوجه الثاني: أن المراد بالقاطع في باب المسالك ما لم يوضع إلا ١ قال في المحصول في باب الترجيح ٥/٤٥٢: "وقد ذكرنا في كتاب القياس أن الطرق الدالة على علية الوصف في الأصل إما الدليل النقلي أو العقلي، أما الدليل العقلي فإما أن يكون نصا أو إيماء، أما النص فقد يكون بحيث لا يحتمل غير العلية وهو ألفاظ ثلاثة وهي قوله: (لعلة كذا أو لسبب كذا أو لأجل كذا". أما ما يدل على أن الرازي لا يَعُد من (النص القاطع) الظاهرَ الصريح الذي يكون غير التعليل فيه مجازا فهو أنه لم يعد اللام من (النص القاطع) مع أنه قال فيها: "أهل اللغة صرحوا بأن اللام للتعليل وقولهم حجة، وإذا ثبت ذلك وجب القول بأنها مجاز في هذه الصور"، إشارة إلى الصور التي اعترض بها على كون اللام من المسالك الصريحة للعلة (المحصول٥/١٣٩-١٤٠) ، فأثبت أنها صريحة في العلية مجاز فيما عداها ولم يعدها من (النص القاطع) ، فكان (النص القاطع) من مسالك العلة عند فخر الدين الرازي - على ما يؤخذ من الموضعين السابقين - اللفظ الصريح في العلية الذي لا يحتمل غير العلية فيما سبق من الاستعمال ولو مجازا.

стр. 431

للتعليل ولم يسبق استعماله في غير التعليل ولو مجازا ولا مانع من الاستعمال اللاحق مجازا، أما الاحتمال والتجويز العقلي في غير التعليل فلا يمنع من إطلاق القاطع في هذا الباب١. وعلى هذا يكون القطعي في باب المسالك عند الرازي ومن تبعه غير ما طوّل الكلام في تأصيله في قطعية الأدلة المعتمدة على الألفاظ، فإنه صرح بأن كل دليل لفظي لا يكون قطعيا حتى تندفع عنه عشرة احتمالات وأن مطلق الاحتمال ولو على أبعد الوجوه يدفع القطعية٢، ومسلك النص من الأدلة اللفظية فيرد فيه احتمال عدم الوضع على أقل تقدير. والظاهر مما ذكر من الاعتراض ووجهي دفعه أنه إذا أريد حمل ما ذكره الرازي في قطعية بعض طرق العلة على وجه لا يناقض المعروف من مذهبه في القطعية - فالمراد بالقطعية عنده في باب مسالك العلة أن الدليل اللفظي قد يكون بحيث ينتفي فيه احتمال عدم التعليل خاصة ولا يلزم من ذلك القطع بعدم الاحتمالات الأخرى فيكون إطلاق القطع مقيدا بقطع احتمال عدم التعليل، ولا يتوجه على ذلك إيراد الاحتمالات الأخرى، إذ نفي احتمال معين لا يلزم منه نفي مطلق الاحتمال.

стр. 432

التعليل خاصة مما يرجح التعبير بـ (النص الصريح) دون (النص القاطع) ، كما عبر به من سبق الرازي وبعض من جاء بعده لأن التعبير الثاني موهم بإطلاق القطعية لكل الاحتمالات. والله تعالى أعلم. ولا يقال في دفع الاعتراض إن مذهبه في القطعية - على ما حمله عليه بعض العلماء - القول بالقطعية عند احتفاف القرائن، فيجعل مراده بالقاطع ها هنا اللفظ الذي احتفت به قرائن القطعية، من باب حمل المطلق من كلامه على المقيد منه. فإنه يبعد أن يكون ذلك هو مراده، إذ على ذلك يدخل في القاطع الألفاظ التي أخرجها من (النص القاطع) إلى (النص الظاهر) كاللام والباء و (إنّ) ، لأن كل ذلك مما يمكن احتفاف قرائن القطعية به. والله تعالى أعلم. ألفاظ هذا المسلك: وقد ذكر العلماء ﵏ جملة من الألفاظ في قسم (النص القاطع) أو (النص الصريح) : الأول: (لعلة كذا) أو (لسبب كذا) أو (لموجب كذا) أو نحو ذلك. ولم أقف على مثال شرعي لذلك فيما اطلعت عليه من كتب أهل العلم، بل صرح علاء الدين السمرقندي أن النص بالتصريح على اسم العلة - مثل (لعلة كذا) - غير وارد من جهة الشارع، وإن كان مستعملا في

стр. 433

اللغة١، وذكر أن الوارد من جهة الشرع مما يرادف ذلك هو لفظ (معنى) ، ومثّل لذلك بما روي من قوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحد ثلاثة معان "٢. الثاني: (من أجل) أو (لأجل) . ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائيلَ أَنهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ في الأَرْضِ فَكَأَنمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ ٣.

стр. 434

وقول النبي ﷺ : "إنما جعل الإذن من أجل البصر" ١، وقوله ﷺ لما قيل له: نهيتَ أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال ﷺ : "إنما نهيتكم من أجل الدافَّة التي دَفَّت، فكلوا وادخروا وتصدقوا"٢. الثالث: (كي) . ومنه قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَللرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْلاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ ٤. الرابع: (إذن) . ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً. إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيِاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ الآية٥. وقوله ﷺ لأُبَيّ بن كعب ﵁ لما قال له أبيّ: أجعل لك صلاتي

стр. 435

كلها، قال ﷺ : "إذاً تُكفى همَّك، ويُغفَر لك ذنبك"١، وقوله ﷺ لما سئل عن بيع التمر بالرطب: "أينقص الرطب إذا جف؟ "، قالوا: نعم، قال: "فلا إذا "٢. الخامس: بناء المفعول لأجله. ومنه قول الله ﵎: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشِرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٣ وقوله : ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ ٤ أي من أجل الإعذار والإنذار٥. السادس: عَدَّ الزركشي من الصريح: التصريح بلفظ (الحكم) ، وذكر أنه - مع إهمال الأصوليين له - أعلى المسالك رتبة٦.

стр. 436

ومثَّل له بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ ١، قال ابن كثير في تفسيرها: " ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ أي في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله ... وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢٣. واعتُرض على الزركشي في ذلك بأن الكلام في هذه الآية بعيد عن التعليل، إذ ليس فيها حكم حتى يعلل بلفظ الحكمة، وإنما فيها ذكر حال المنكرين وعاقبتهم ثم وصف ذلك بأنه حكمة قد بلغت غايتها، إلا أن يكون مراد الزركشي مما ذكر أن لفظ (الحكمة) إذا ورد في مقام التعليل فإنه يكون من الطرق القطعية على العلية لا أنه في الآية للتعليل٤. ولعل فيما ذكره الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن) ما يبين ما

стр. 437

ههنا، فإنه ذكر التعليل في القرآن الكريم وعرفه بأنه: ذِكر الشيء معللا، وأنه يكون أبلغ في الاعتبار من ذكره غير معلل، ثم ذكر أن غالب التعليل في القرآن يكون على تقدير جواب سؤال عن العلة اقتضته الجملة السابقة، ثم بدأ في ذكر الطرق الدالة على العلة فيه فقال: "الأول التصريح بلفظ الحكم، كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ١، قال: "والحكمة العلم النافع والعمل الصالح"٢. فيمكن حمل كلامه - من مجموع ما سبق عنه ومما ذكر في تفسير تلك الآيات - على أن الآية على تقدير سؤال عن العلة بعد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي ما الحكمة من إنزال هذا القرآن المشتمل على أنباء الأولين وقصص المكذبين برسلهم وما حلّ بهم من العقاب، أو من إنزال الآية الكونية في انشقاق القمر؟ فجاء بيان الحكمة وأن في ذلك تحقيقا للحكم الكوني القاطع بهدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله، بما يؤدي إلى العلم النافع والعمل الصالح. والله تعالى أعلم. أثر القرائن في قطعية هذا المسلك: والطريق إلى القطع بكون وصف من الأوصاف هو علة الحكم أعم من

стр. 438

كل هذا، لأنه عين الطرق المؤدية إلى القطع في الأحكام الشرعية، وهي كثيرة، وإن كان المذكور ها هنا الطرق القريبة المعتمدة على اللفظ المجرد وما قرب من القرائن. فأدلة الكتاب والسنة والإجماع تفيد القطعية إما مباشرة وذلك أن يدل لفظ على التعليل وضعا على سبيل القطع كما هنا، وقد تفيد القطعيةَ بتتبع العُرف الاستعمالي والمقاصد الشرعية في علل الأحكام في مظانها وغير مظانها والوقوف على القرائن والشواهد وسائر ما يعين المستدل الناظر في أن وصفا من الأوصاف هو مناط الحكم الشرعي حتى يقطع بذلك، وقد لا يقطع غيره ممن لم يقف على مثل ما وقف. فالتنويع في القطعية هنا يوافق ما تقرر غير مرة في هذا البحث من خصائص القطعية في الأدلة الشرعية، وأن أوسع مصدر للقطعية في الأدلة الشرعية هو ما يؤخذ من تتبع القرائن المعززة والشواهد المعِينة والنظر في وراثة النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وشئونه في أمور الدين والدنيا مع آثار الصحابة رضوان الله عليهم ونهج السلف الماضين في الاستدلال واستنباط اليقين من كل ذلك، ففي ذلك لمن انتهج غُنيةٌ عن السبل الأخرى، وفيه لمن نظر وتحقق بلاغٌ إلى الطمأنينة والأمان بإذن الحكيم القدير. وهو تعالى أعلم.

стр. 439

مسلك الإجماع على العلة: وهو أن يثبت اتفاق علماء الأمة في بعض العصور على كون وصف معين هو علة حكم الأصل١، فإن ذلك يكون دليلا قاطعا على أن ذلك الوصف هو علة الحكم قطعا. ومما نقل من الإجماع على العلية: - الإجماع على كون الصغر علة ثبوت ولاية المال على الصغير. - الإجماع على أن علة تقديم الأخ من الأبوين في الإرث على الذي من أب - وجودُ النسبين في الأخ الشقيق٢. - الإجماع على أن علة منع القاضي من القضاء وهو غضبان التشويشُ المانع من استيفاء النظر في القضايا٣. اعتراض القاضي على قطعية هذا المسلك: والإجماع الذي يفيد ههنا هو الإجماع القطعي على ما سبق٤، فإذا كان الإجماع ظنيا لم تكن دلالته على العلية قطعية، وذلك ظاهر.

стр. 440

ومن ثم اعترض القاضي أبو بكر الباقلاني على هذا المسلك ونفى صحة كونه من المسالك القطعية على العلة، وذهب إلى أنه لا يعدو أن يكون من المسالك الظنية لأن القائلين بالقياس ليسوا كل الأمة فلا يكون إجماعهم قطعيا، إلا إذا قدر رجوع المانعين لحجية القياس عن إنكارهم فيكون الإجماع عندئذ إجماع الكافة وتتحقق قطعيته١. فمن كان عنده الإجماع قطعيا دون اتفاق منكري القياس كان الإجماع على العلة دونهم قطعيا، وصح عدُّه من المسالك القطعية، ولذا رُدَّ هذا الاعتراض بنفي كون منكري القياس من علماء الأمة الذين يعتد بخلافهم في الإجماع٢.

стр. 441

الخاتمة الحمد لله على ما منَّ به من التمام وعلى ما تفضَّل به من الختام، وله الشكر على نعمه وآلائه الظاهرة والباطنة، شكرا يوجبه مزيد نعمه وآلائه، ويحضرني حين الختام أمور وصل إليها البحث وتعلقت لظهورها بالذهن أُجملها فيما يلي: ١- أصالة التعبير عن اليقين في الأدلة الشرعية بـ (القطع) و (القطعية) ونحوهما من العبارات المشتقة منهما في كلام أهل العلم بأصول الفقه وغيرهم. ٢- القطع في اصطلاح الأصوليين يطلق على ما لا احتمال فيه مطلقا وعلى ما فيه احتمال صار لبعده كلا احتمال، ومعنى القطع في الدليل مفرع عن ذلك. ٣- مذهب عامة أهل العلم والذي يدل عليه واقع الشريعة أن الأدلة الشرعية منها أدلة قطعية وفيها دون ذلك أدلة راجحة مع احتمال مرجوح فيها. ٤- الأدلة الشرعية إذا اتُّبِع فيها منهج الأخذ بالقرائن المبينة سَلِمت مما يطرق إليها من احتمال معارضة العقل وغيرها من الاحتمالات العشرة. ٥- كل دليل شرعي ثبتت حجيته يجب العمل به قطعيا كان أو غير قطعي.

стр. 442

٦- أهمية الدليل القطعي في إضفاء الأمن على الأحكام وفي حفظ قواعد الشريعة من أن يتلاعب بها مؤول أو يثير فيها من الشبهات معاند. ٧- أصول الفقه لا يلزم الاستدلال على مسائله بالدليل القطعي، لكن غالب قواعدها وأمهاتها ثبتت عند المحققين من العلماء بالقواطع. ٨- للقطعية في الأدلة جهتان متكافئتان غير متلازمتين: جهة ثبوت الدليل وسنده وجهة دلالته على المراد من متنه، وأعلى الأدلة بالنسبة للقطعية الدليلُ القطعي الثبوت والدلالة. ٩- مما يضفي القطعيةَ على الدليل كونه مجمَعا عليه أو احتفافُ قرائن القطعية به من حال أو لفظ أو سياق، فلا يزال الدليل يَقْوَى بذلك حتى يصل إلى درجة القطعية. - وأَحكم مصادر القطعية في الأدلة الشرعية وأوسعها النظرُ مع الأدلة الشرعية المشهورة في علم وراثة النبوة وآثار الصحابة ومن تبعهم ممن جاء بعدهم - في الاستدلال على المطالب والمسائل الشرعية. ١٠- الخلاف الصحيح في الدليل يمنع كون الدليل مطردا في القطعية لعموم الناظرين، لكن لا يلزم منه منع أصل القطعية، فتصح القطعية في دليل مختلف فيه وذلك لبعض الناظرين. - والدليل القطعي بالنظر إلى ذلك نوعان: قطعي مطلقا وقطعي بالنسبة لمن حقَّق أسبابها.

стр. 443

١١- من القواعد المعمول بها عند عامة العلماء أن الاحتمال إذا ورد على الدليل من وجه صحيح أنه يمنعه من القطعية، فإذا كان الاحتمال مع ذلك مرجوحا فإن الدليل يبقى حجة راجحة غير قطعية. - لكن يجب الحذر من كثرة إيراد الاحتمالات على الأدلة الشرعية. - ولا يمنع القطعَ شرعا الاحتمالُ العقلي المجرد الذي لا يستند إلى شرع أو عادة. ١٢- من آثار نظر أهل العلم في القطعية تفريق بعضهم في الاصطلاح بين الدليل والأمارة، وبين الفرض والواجب. ١٣- من أثر كون الدليل قطعيا أنه يمنع الاجتهاد بما يؤدي إلى مخالفته، وذلك بعد تحقق القطعية، وأنه يوجب خطأ من خالفه. ١٤- يمتنع وقوع التعارض حقيقة بين دليلين تحققت فيهما القطعية، وأنه لذلك لا يتأتى الترجيح فيها. ١٥- الكتاب والسنة أصل الأدلة القطعية وغيرها. ١٦- الخبر المتواتر لفظه أو معناه لازم القطعية فيما تواتر فيه عند جميع المسلمين. ١٧- خبر الواحد جائز القطعية في قول عامة أهل العلم بعد التحقيق، وذلك باحتفاف ما من شأنه أن يحتف بالخبر الذي هو حجة شرعا من قرائن القطعية.

стр. 444

١٨- القطعي المطلق من أدلة الكتاب والسنة بالنظر إلى جهة الدلالة منهما هو (النص المطلق) ، في اصطلاح من يستعمله فيما لا احتمال فيه من الجمهور، وكذلك (المفسّر) في اصطلاح الحنفية. - ومفهوم الموافقة (أو دلالة النص) جائز القطعية. - والعام المطلق جائز القطعية عند الحنفية وهو غير قطعي عند غيرهم. - وإذا نُظر في اللفظ العام إلى عرف أهل اللغة ومقاصد الشريعة في استعمال الألفاظ كان جائز القطعية عند من حصّل ذلك. ١٩- الإجماع حجة قطعا والحكم الثابت به قطعي وصواب، لكن مسالك العلماء مختلفة في تحديد القطعي منه، وأولى ما ذكر فيه أنه الإجماع القولي المشاهد أو المنقول تواترا. ٢٠- القياس جائز القطعية، والقطعي منه أنواع يجمعها أن يكون التعليل ووجود العلة في الفرع قطعيين. ٢١- من الطرق المثبتة للعلية مسالك تدل على التعليل قطعا كالنص والإجماع. هذا، وباب القطعية أوسع مما وقع في هذا البحث، فإنه إنما كان البحث فيه فيما يتعلق منها بالأدلة الأربعة، بل إن بعض جزئيات هذا الموضوع تحتمل ببعض النظر بسطا أوسع.

стр. 445

فهل هناك أدلة شرعية أخرى قطعية؟ وما ضابط القطعية فيها؟ وما حقيقة القطعية في عموم الشريعة؟ وما أثر القرائن والاحتمال في المسائل الأصولية مسألة مسألة؟ وما أثر الاحتمال العقلي في القواطع الشرعية في واقع الفقه وأصوله؟ وما القواعد الأصولية التي قامت عليها أدلة قطعية مطلقة؟ فهذه بعض الأسئلة التي بقيت عالقة بأنها لا يجمعها حَدُّ هذا البحث. أسأل الله العلي القدير أن يوفقنا لصالح الأعمال، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه، وأن يعلمنا علما نافعا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه مجيب قريب، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم، وعمل بسنته إلى، يوم الدين، آمين.... والله تعالى أعلم.