في صحة الإجماع والاعتداد به يرفع القطعية عن المختلف فيه منه.
ويدل على هذا المسلك قول الموفق ابن قدامة١: "الإجماع ينقسم إلى مقطوع ومظنون، فالمقطوع ما وجد فيه الاتفاق مع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها ونقله أهل التواتر ... والمظنون ما اختلف فيه أحد القيدين بأن توجد مع الاختلاف فيه كالاتفاق في بعض العصر وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة أو يوجد القول من البعض والسكوت من الباقين أو توجد شروطه لكن ينقل آحادا"٢.
وقال الطوفي: "والقطعي: هو النطقي المتواتر المستكمل للشروط"٣.
وقال الشاطبي في إشارة إلى هذا المسلك: "إن الإجماع إنما يكون قطعيا على فرض اجتماعهم على مسألة قطعية لها مستند قطعي، فإن اجتمعوا على مستند ظني فمن الناس من خالف في كون هذا الإجماع حجة"٤، فنفى القطعية عن الإجماع المستند إلى غير قطعي، ثم علل ذلك
стр. 387
بمخالفة بعض الناس في الحجية، فذلك إشارة إلى أن الخلاف في الحجية مانع من القطعية.
فمقتضى هذه الأقوال أن الإجماع القطعي هو ما وجد فيه جميع القيود والشروط، المتفق عليه والمختلف فيه حتى يجتمع جميع القائلين بالإجماع على القول به.
المسلك الثاني: أن الإجماع القطعي هو الذي توجد فيه القيود والشروط التي يَعتد بها المستدل ويقطع ببطلان خلافها قطعا، فالإجماع القطعي على هذا هو ما وجد فيه جميع الشروط والقيود التي عليها أدلة راجحة أو مرجوحة مع الاحتمال، أما الشروط التي أدلتها باطلة قطعا عند المستدل فيَقطع بالإجماع مع عدمها.
والفرق بين هذا المسلك والذي قبله أن في المسلك الأول اشتُرط في قطعية الإجماع وجود جميع القيود اعتدادا بمجرد الخلاف، أما في هذا فإنما اعتُد بالشروط المحتملة للصحة دون الباطلة قطعا تبعا لأدلتها.
ويدل على هذا المسلك قول الغزالي بعد ذكر الخلاف في صحة الإجماع الذي خالف فيه النحوي أو المتكلم: "فإن قيل: فهذه مسألة قطعية أم اجتهادية؟ قلنا: هي اجتهادية، ولكن إذا جوّزنا أن يكون قوله معتبرا صار الإجماع مشكوكا فيه عند مخالفته فلا يصير حجة قاطعة، وإنما يكون حجة قاطعة إذا لم يخالف هؤلاء"قال: "أما خلاف العوام فلا يقع
стр. 388
ولو وقع فهو قول باللسان وهو معترف بكونه جاهلا بما يقول، فبطلان قوله مقطوع به كقول الصبي"١.
فالإجماع قطعي عنده مع خلاف العوام للقطع ببطلان اشتراط وفاقهم في الإجماع، وكان الإجماع غير قطعي مع خلاف النحوي أو المتكلم لأن أدلة طرفي الخلاف في تلك المسألة غير قطعية وإنما يصار إلى القول فيها بشيء من الترجيح.
وعليه فمن كان يرى أن بطلان تأثير خلاف العامي في الإجماع غير قطعي كان الإجماع الذي يخالف فيه العامي غير قطعي عنده خلافا لما قطع به الغزالي، وذلك كالآمدي فإنه لم يقطع ببطلان اعتبار قول العامي في الإجماع فقال بعد المسألة "وبالجملة، فهذه المسألة اجتهادية، غير أن الاحتجاج بالإجماع عند دخول العوام في الإجماع يكون قطعيا وبدونهم يكون ظنيا"٢.
فتحَصَّل أن الإجماع إذا خالف فيه العوام كان قطعيا عند الغزالي لقطعه ببطلان اعتبار قول العامي، وهو ظني عند الآمدي لعدم قطعه ببطلان اعتبار قول العامي في الإجماع.
ومن النظر على هذا المسلك كان الإجماع السكوتي غير قطعي عند
стр. 389
بعض من قال بحجيته لأنه لا يقطع ببطلان الاحتمالات في أن يكون السكوت لدواعي أخرى غير الموافقة١، ويكون إجماعا قطعيا عند من قطع ببطلان تلك الاحتمالات. والله أعلم.
المسلك الثالث: وسلك بعض العلماء في بيان الإجماع القطعي مسلكا قريبا مما سبق، فرتبوا الإجماع مراتب حسب قوته، وكان بعض تلك المراتب عندهم قطعيا، وأساس الترتيب نبذ الاحتمالات البعيدة غير المعضدة حتى يخلص الإجماع للقطعية، والاعتداد بالاحتمالات القريبة فترتفع القطعية.
قال الشاشي: ثم الإجماع على أربعة أقسام:
стр. 390
وقال االسرخسي: "إن ما أجمع عليه الصحابة فهو بمنزلة الثابت بالكتاب والسنة في كونه مقطوعا به يكفر جاحده١، وهذا أقوى ما يكون من الإجماع، ففي الصحابة أهل المدينة وعترة الرسول٢ ولا خلاف بين من يعتد بقولهم أن هذا الإجماع حجة موجبة للعلم قطعا"٣، ثم ذكر مرتبة خلاف الصحابة على أقوال وأنه بمنزلة الخبر المشهور٤.
وقال عبد العلي في (فواتح الرحموت) عند بيان الفرق بين هذه المراتب: "وجه الفرق أن الصحابة كانوا معلومين بأعيانهم فتعلم أقوالهم بالبحث والتفتيش ... وأما من بعدهم فتكثَّروا ووقع فيهم نوع من الانتشار فوقع شبهة في اتفاقهم واحتمل أن يكون هناك مجتهد لم يطلع على قوله الناقلون، لكن لما كان هذا الاحتمال بعيدا - لعدم وقوع الانتشار كذلك مع كون الناقلين جماعة تكفي للعلم - صار بمنزلة المشهور الذي فيه احتمال بعيد٥ وصار أدون درجة من إجماع الصحابة"٦.
стр. 391
ووجه قرب هذا المسلك مما قبله أن فيه اعتدادا ببعض الشروط لقوتها ونبذا لبعضها لبعدها، ولم يُشترط فيه لقطعية الإجماع أن يستكمل جميع الشروط كما في المسلك الأول.
والظاهر أن تحديد الإجماع القطعي يتفرع على مسألتين: أثر الخلاف في رفع القطعية وأثر الاحتمال في رفعها، فمن كان عنده مطلق الخلاف في الدليل رافعا للقطعية عنه كان كل ما اختلف في صحته من الإجماع غير قطعي، واقتصر القطعي عنده على ما لا يختلف فيه القائلون بالحجية وذلك المستكمل لجميع الشروط والقيود، ومن كان مذهبه أن الخلاف البعيد الباطل قطعا بالنظر إلى الأدلة لا يمنع القطعية لم يشترط لقطعية الإجماع ألا يختلف فيه.
ومن كان يعتد بأدنى شبهة احتمال في رفع القطعية كان كل إجماع احتمل عدم اتفاق الجميع - ولو احتمالا بعيدا غير معتضد - غير قطعي، أما من كان لا يعتد من الاحتمال إلا ما كان قريبا مناسبا في العادة والعرف الشرعي لم يمنع من القطع الاحتمالُ البعيد الغريب عن العرف الشرعي.
وعلى هذا قول ابن تيمية: "والإجماع قطعي الدلالة أو ظني الدلالة، فإن من الناس من يطلق الإثبات بهذا أو هذا ومن يطلق النفي لهذا أو لهذا، والصواب التفصيل بين ما يقطع به من الإجماع ويعلم يقينا أنه ليس فيه
стр. 392
منازع من المؤمنين أصلا، فهذا يقطع بأنه حق ... "١.
وأقرب ما ذكر في تحديد الإجماع القطعي أنه "القولي المشاهد أو المنقول بعدد التواتر"٢، لأن فيه الاعتداد بما هو المؤثر حقيقة في القطعية نظرا إلى الأدلة، وهو أن يَعلَم من حَضَر بالمشاهدة ومن بعُد أو تأخر بالنقل المتواتر اتفاقَ المجمعين بالقول على حكم من الأحكام.
وهو ملحق بالمسلك الثاني والثالث من مسالك العلماء. والله تعالى أعلم.
стр. 393
الفصل الثالث: أحكام القطعية في القياس
المبحث الأول: قطعية القياس
...
المبحث الأول: قطعية القياس
تعريف القياس:
القياس في اللغة يأتي بمعنى التقدير تقول: (قست الشيء بالشيء) إذا قدرته على مثاله و (فلان يقتاس بفلان) أي يَقتدي به ويسلك سبيله١.
أما القياس في الاصطلاح فهو: "مساواة فرع لأصل في علة حكمه"٢.
أو هو: "إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر لاشتراكهما في علة حكمه عند المثبت"٣.
والتعريفان ينبئان عن اختلاف في كون المراد بالقياس إما فعل الناظر
стр. 394
فيعرَّف بأنه إثبات الناظر للمساواة بين الفرع والأصل لاشتراكهما في العلة، وإما أن القياس دليل شرعي مستقل نظر فيه المجتهد أم لا فيعرَّف بأنه المساواة نفسها بين الفرع والأصل في الحكم للاشتراك في العلة١.
ولا يختلف الأمر نظرا للقطعية على كلا الرأيين، لأن معنى قطعية القياس على الأول كون الُمثبِت جازما في إثباته لحكم الفرع حملا على حكم الأصل، ومعناه على الثاني اليقين بأن الفرع يساوي الأصل في حكمه، فالأمر المقطوع به في قطعية القياس هو إثبات المجتهد حكمَ الأصل في الفرع، أو مساواة الفرع للأصل في الحكم٢.
معنى قطعية القياس:
وقد سبق في الفصل المتعلق بالإجماع بيان المراد بقطعيته والفرق بين بحث القطعية فيه وبين بحث الحجية، والقول في المراد بقطعية القياس على نحو ما
стр. 395
سبق هناك، مع فرق أن أدلة حجية القياس لا تدل باللزوم على قطعيته١.
والقياس إذا كان حجة كان معنى حجيته كونه طريقا مشروعا لإثبات الأحكام الشرعية، وبحث قطعيته القياس بعد ذلك يعرض لما إذا كانت الأحكام الشرعية الثابتة عن طريق القياس يجوز كونها قطعية أم لا٢.
فمعنى الخلاف في قطعية القياس هو هل يمكن للقائس الجزم والقطع بمساواة حكم الفرع لحكم الأصل عن طريق القياس؟ وهو القول بقطعية القياس، أو أنه لا يمكن له ذلك وهو القول بعدم قطعية القياس مطلقا٣.
الخلاف في قطعية القياس:
اختلف العلماء في قطعية القياس على قولين:
القول الأول: ذهب بعض العلماء إلى أن القياس لا يمكن أن يكون
стр. 396
قطعيا بحال وأن غاية ما يمكن التوصل إليه عن طريق الاستدلال به على الأحكام هو الظن الغالب مع الاحتمال لا القطع واليقين١.
لذا لم يعد الجويني القياس من أصول الفقه وقصر القطعية فيه على حجيته وهو وجوب العمل به٢.
стр. 397
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية أن مذهب أهل المنطق نفي جواز قطعية القياس، وأنهم يسمون قياس الفقهاء - وهو القياس الذي تثبت به الأحكام الشرعية - قياس التمثيل، وأنه لا يفيد القطع وإنما يفيده القياس المنطقي١.
أدلة هذا القول:
الدليل الأول: أنه يرد على كل قياس احتمالات كثيرة تجعل القطع به غير ممكن، إذ لا يمكن القطع بحكم مع احتمال ثبوت نقيضه٢.
وقد أجمل الغزالي مثارات الاحتمال في كل قياس في ستة مواضع:
الأول: احتمال أن يكون الأصل الذي وقع عليه القياس غير معلل أصلا، فيكون القائس علل ما لم يجعله الله معللا، وذلك كأن يعلل نقض الوضوء بلحم الجزور بأنه حارّ فيلحق به لحم الظبي في نقض الوضوء، مع احتمال أن يكون نقض الوضوء بلحم الجزور تعبديا غير معلل أصلا.
الثاني: جواز أن يكون الوصف الذي توصل إليه القائس ليس هو العلة الحقيقية أي احتمال أنه أخطأ ولم يصب العلة، وذلك كأن يعلل
стр. 398
تحريم الربا في البر بالطعم، مع احتمال أن علة التحريم هو الكيل، فعلى على تقدير صحة التعليل بالكيل يكون قد أخطأ العلة في الحقيقة.
الثالث: احتمال أن يكون قد فاته بعض أوصاف العلة فيعلل بوصف ناقص، وذلك كأن يعلل القصاص بالقتل العمد فينقصه قيد العدوان، وذلك يوجب القصاص من ولي الدم إذا اقتص من القاتل لأنه قتل عمد.
الرابع: احتمال أن يكون قد زاد على أوصاف العلة ما ليس داخلا في تعليل ذلك الحكم، وذلك كأن يعلل وجوب الكفارة في الفطر في نهار رمضان بجماع الأعرابي فيزيد قيد كون المجامِع أعرابيا، وذلك يوجب عدم وجوب الكفارة على الحَضَري إذا جامع في نهار رمضان.
الخامس: جواز ألا يكون الوصف موجودا في الفرع، وذلك كأن يلحق التفاح بالبر في تحريم الربا بجامع الكيل، مع أن التفاح غير مكيل.
السادس: احتمال أن يكون طريقه إلى العلة طريقا غير صحيح أي أنه اعتمد على مسلك باطل في التعليل١، وذلك كأن يعلل بالطرد وهو مجرد وجود الوصف مع حكم بدون مناسبة، فإن ذلك مسلك باطل عند أكثر أهل العلم٢.
стр. 399
وأضيف إلى ما ذكره الغزالي من الاحتمالات احتمال سابع وهو جواز أن يكون الوصف قاصرا على الحكم، بأن يكون محل الأصل شرطا في تأثير الوصف في الحكم أو يكون محل الفرع مانعا من الحكم١.
الدليل الثاني: أن حكم القياس مما يجوز للعلماء الخلاف فيه، فإنه إنما يلزم المجتهد القائس دون غيره، ولو كان القياس قطعيا لما جاز أن يخالف فيه٢.
الدليل الثالث: أن استقراء الأقيسة المخرجة عن طريق الاجتهاد والاستنباط يدل على أن عللها مظنونة ولا يمكن أن يكون القياس قطعيا مع ظنية علته٣، وعلى هذا يكون ما يذكر من القطعي في القياس - مثل قياس الضرب على التأفيف في الحرمة بجامع الإيذاء - ليس من القياس بل مما استفيد الحكم فيه عن طريق اللفظ٤.
стр. 400
القول الثاني: أن القياس الشرعي قد يفيد القطع واليقين بالحكم.
ونسب شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول إلى الجمهور وقال: "وهو الصواب"١، ونقله الزركشي عن الأبياري٢ وابن دقيق العيد٣.
وعمدة هذا القول: جواز أن يُقطع في القياس بأمرين: أحدهما أن وصفا معينا علة حكم شرعي معين، وذلك بالطرق القطعية الدالة على العلية٤، والثاني أن ذلك الوصف المعين موجود في محل معين آخر، فيقطع بأن المحل الثاني مثل المحل الأول في الحكم الشرعي، وذلك قطعية القياس٥.
وقد سلم الفخر الرازي بقطعية القياس عند هذاين الأمرين، ولكنه قال: "البحث ينبغي أن يقع في هل يمكن تحصيل هذين اليقينين في الأحكام الشرعية أم لا؟ "٦، فهذه إشارة إلى استبعاد تحقق شروط القطعية في
стр. 401
القياس مع التسليم بالقطعية عند تحققها.
ومثال تحقق ذلك أن يقطع الناظر مثلا بأن علة تحريم الخمر الإسكار، ثم يقطع بوجود الإسكار في النبيذ، فيقطع بأن النبيذ مثل الخمر في التحريم، استنادا إلى حجية القياس قطعا.
والراجح - والله أعلم - أن القياس يكون قطعيا إذا توفرت فيه الصفات التي سيأتي الكلام عليها في المبحث اللاحق إن شاء الله تعالى، وذلك لما يأتي:
أولا: أن ما ذكره القائلون بجواز القطعية في القياس الشرعي أمر صحيح يؤيده الوقوع١.
ثانيا: أن ما استدل به النافون للقطعية في القياس الشرعي يرد عليه أمور:
أ- أن الاحتمالات التي ترد على القياس تُفرض مع عدم القطع بوجود العلة في الأصل والفرع بالإضافة إلى القطع بحجية القياس ووجوب العمل به دليلا شرعيا عند عدم الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع.
ب- أن جواز خلاف بعض العلماء في قياس معين لا يرفع عنه صفة القطعية مطلقا، إذ لا يلزم اطراد القطعية عند كل المجتهدين، فقد يتوصل
стр. 402
مجتهد إلى ما لم يتوصل إليه غيره لاختلاف القرائح والقدرة على الاستنباط وتتبع الأدلة والتوفيق في الوقوف على القرائن١.
جـ- أما أن الاستقراء دلّ على عدم القطعية في العلل المستنبطة، فيرد عليه أن من مسالك العلة النص والإجماع وهما قطعيان، وذكر العلماء أن بعض المسالك المستنبطة قد يكون قطعيا٢، فالاستقراء على هذا لا يكون تاما.
د- أن القياس الشرعي المستعمل عند الفقهاء يرجع إلى ما يرجع إليه قياس الشمول المنطقي، أما كون النتيجة قطعية أو غير قطعية فذلك راجع في كل منهما إلى المقدمات التي يتركب منها الدليل٣، فقول الفقهاء: (الذرة يحرم فيها الربا قياسا على البر بجامع الكيل أو الطعم أو الاقتيات والادخار) يمكن أن يصاغ صوغا يجعله من قياس الشمول فيقال فيه: (الذرة مكيلة وكل مكيل يحرم فيه الربا ينتج: الذرة يحرم فيها الربا) ٤، ثم يستدل على أجزاء الدليل بنحو ما يستدل به على القياس الشرعي، فقصر قطعية القياس على المنطقي منه دون الشرعي المستعمل عند الفقهاء لا وجه له، إذ كان مفاد النوعين من القياس يرجع إلى أساس واحد.
стр. 403
المبحث الثاني: القياس القطعي
إذا كان الراجح من أقوال أهل العلم أن القياس الشرعي يكون قطعيا فليس كل قياس فُرض يكون قطعيا بل قد يكون القياس فاسدا باطلا، فكان لزاما بيان القياس القطعي ليزداد مبحث قطعية القياس وضوحا.
وقد ذكر العلماء ﵏ أنواعا من الأقيسة القطعية، والذي وقفت عليه من ذلك يرجع إلى أربعة أنواع:
النوع الأول: وهو أشرفها وأولاها بالتقديم القياسُ الصادر عن رسول الله ﷺ ، فإنه مقطوع به لعدم تطرق الاحتمال إلى شيء مما ينبني عليه القطعية في القياس، فإنه ﷺ أعلم بعلل الأحكام الشرعية وأحكامها، وأعلم بوجود تلك العلل في الفروع على الوجه الذي يوجب تسويتها بالأصول المقيس عليها في تلك الأحكام، وإذا عُلم ذلك كان القياس الصادر عن النبي ﷺ قياسا قطعيا١.
وقد ورد عن النبي ﷺ أقيسة كثيرة٢ منها:
стр. 404
١- قياسه ﷺ قُبلة الصائم على مضمضته في عدم إفساد الصوم، وذلك في الحديث الذي رواه عمر ﵁ قال: هششت١ يوما فقبَّلت وأنا صائم فأتيت النبي ﷺ فقلت: إني صنعت اليوم أمرا عظيما فقبلت وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : "أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم؟ "، قلت: لا بأس، فقال رسول الله ﷺ : "ففيم؟ "٢٣.
٢- قياسه الخالة على الأم في أحقية الحضانة، وذلك في حديث البراء٤ في قصة اختصام علي وجعفر٥ ابْنَي أبي طالب وزيد٦ أيهم يحضن
стр. 405
ابنة حمزة١ بن عبد المطلب ﵃ جميعا، وفيه: "فاختصم فيها علي وزيد وجعفر فقال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وهي زوجة جعفر٢ وقال ﷺ : "الخالة بمنزلة الأم"الحديث٣٤.
٣- القياس الذي ورد في حديث ابن عباس ﵁، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: "لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ "قال: نعم، قال: "فدين الله أحق أن يقضى"٥٦.
٤- ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ولد لي غلام أسود، فقال: " هل لك من إبل؟ "قال: نعم، قال: "ما ألوانها؟ "قال: حُمر، قال: "هل فيها من أورق٧؟ "قال:
стр. 406
نعم، قال: "فأنى ذلك؟ "قال: لعله نزعه عرق١، قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق "٢٣.
٥- قول رسول الله ﷺ : "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه"٤٥.
٦- حديث أبي ذر٦ ﵁ أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدُّثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: "أو ليس قد جعل الله لكم ما تصّدّقون؟ إن كل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة"، قالوا: يا رسول أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان يكون عليه وزر؟ "قالوا: نعم، قال: "فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون
стр. 407
له أجر" ١، قال ابن القيم: "فهذا من قياس العكس الجلي البين، وهو إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع لثبوت ضد علته فيه"٢.
ففي جميع هذه الأقيسة يعلم بأن أحكام الفروع المقيسة مساوية لأحكام الأصول المقيسة عليها، من الوجه الذي أراده النبي ﷺ ، وذلك على سبيل القطع واليقين في الدلالة. وهذا النوع راجع إلى السنة النبوية٣.
النوع الثاني: إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق من طريق الأولى٤.
فقد ذهب بعض العلماء إلى أن مثل ذلك من القياس، وهو اختيار إمام الحرمين٥ والرازي٦ وبعض الحنفية٧.
ومذهب الحنفية أنه من دلالة النص٨، وهو منسوب إلى المالكية٩
стр. 408
والحنابلة١، واختاره الغزالي٢ والآمدي٣.
والقطعية متحققة على كلا القولين، فالخلاف لفظي بالنظر إلى القطعية، قال إمام الحرمين وهو ممن اختار كونه من القياس: "وهذه
стр. 409
مسألة لفظية ليس وراءها فائدة معنوية"١، وقال الغزالي بعد أن اختار كونه من اللفظ دون القياس: "ومن سماه قياسا اعترف بأنه مقطوع به ولا مشاحة في الأسامي، فمن كان القياس عنده عبارة عن نوع من الإلحاق يشمل هذه الصورة فإنما مخالفته في عبارة"٢.
وذكر عبد العزيز البخاري أن من سماه من الحنفية قياسا لم يثبت به الحدود والكفارات، ومن لم يسمه كذلك بل كان عنده كالنص أثبت به ذلك، ثم نقل أن من سماه قياسا قد يثبت الحدود بهذا النوع من الأقيسة٣، فالخلاف على نقله الثاني لفظي عند الحنفية، معنوي على الأول.
ولفظية الخلاف هي الأولى بالنظر إلى قطعية القياس أو الدلالة اللفظية. والله تعالى أعلم.
النوع الثالث: القياس الذي يقطع فيه بعدم الفارق المؤثر بين الأصل والفرع، وهو قياس المساوي أي الذي يقطع فيه بمساواة الفرع للأصل في مناسبة الحكم٤.
"وضابط هذا النوع أن لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة بل يتعرض للفارق ويعلم أنه لا فارق إلا كذا ولا مدخل له في التأثير قطعا"٥، ولا بد من القطع بهذين الأمرين وهما: عدم وجود فارق إلا فارقا معينا وعدم تأثير ذلك الفارق المعين في الحكم، فإن تطرق الاحتمال إلى أحد هذين الأمرين لم يكن القياس قطعيا.
ويتطرق الاحتمال إلى الأمر الأول بإمكان أن يكون ثَمّ فارق آخر غير الذي عيّنه المجتهد القائس فلا يقطع بقوله: (لا فارق إلا كذا) ، كما يتطرق الاحتمال إلى الأمر الثاني بإمكان أن يكون للفارق المعين مدخل في التأثير في الحكم فلا يقطع بقوله: (لا مدخل لهذا الفارق في التأثير في الحكم) ٦.
стр. 410
مسألة لفظية ليس وراءها فائدة معنوية"١، وقال الغزالي بعد أن اختار كونه من اللفظ دون القياس: "ومن سماه قياسا اعترف بأنه مقطوع به ولا مشاحة في الأسامي، فمن كان القياس عنده عبارة عن نوع من الإلحاق يشمل هذه الصورة فإنما مخالفته في عبارة"٢.
وذكر عبد العزيز البخاري أن من سماه من الحنفية قياسا لم يثبت به الحدود والكفارات، ومن لم يسمه كذلك بل كان عنده كالنص أثبت به ذلك، ثم نقل أن من سماه قياسا قد يثبت الحدود بهذا النوع من الأقيسة٣، فالخلاف على نقله الثاني لفظي عند الحنفية، معنوي على الأول.
ولفظية الخلاف هي الأولى بالنظر إلى قطعية القياس أو الدلالة اللفظية. والله تعالى أعلم.
النوع الثالث: القياس الذي يقطع فيه بعدم الفارق المؤثر بين الأصل والفرع، وهو قياس المساوي أي الذي يقطع فيه بمساواة الفرع للأصل في مناسبة الحكم٤.
"وضابط هذا النوع أن لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة بل يتعرض للفارق ويعلم أنه لا فارق إلا كذا ولا مدخل له في التأثير قطعا"٥، ولا بد من القطع بهذين الأمرين وهما: عدم وجود فارق إلا فارقا معينا وعدم تأثير ذلك الفارق المعين في الحكم، فإن تطرق الاحتمال إلى أحد هذين الأمرين لم يكن القياس قطعيا.
ويتطرق الاحتمال إلى الأمر الأول بإمكان أن يكون ثَمّ فارق آخر غير الذي عيّنه المجتهد القائس فلا يقطع بقوله: (لا فارق إلا كذا) ، كما يتطرق الاحتمال إلى الأمر الثاني بإمكان أن يكون للفارق المعين مدخل في التأثير في الحكم فلا يقطع بقوله: (لا مدخل لهذا الفارق في التأثير في الحكم) ٦.
من أمثلة هذا النوع من القياس٧:
١- قياس الأمة على العبد في سراية العتق٨، وذلك في قوله ﷺ :
стр. 411
"من أعتق شقصا له في عبد - أو شِرْكا أو قال: نصيبا - وكان له ما يبلغ بقيمة العدل فهو عتيق، وإلا فقد عتق منه ما عتق"، وفي لفظ آخر: "فإن لم يكن له مال استسعي العبد غيرَ مشقوق عليه"١.
فيقاس الأمة على العبد، إذ لا فارق بينهما إلا الذكورة والأنوثة ولا تأثير لذلك في اختلاف أحكام العتق في عرف الشارع وتصرفاته، فهما وصفان طرديان في باب العتق كالسواد والبياض والطول والقصر في سائر الأبواب.
ويمكن أن يقال: إن فارق الذكورة والأنوثة يحتمل أن يكون له تأثير في سراية العتق والاستسعاء، لأنه يحتمل أن يكون للعبد خصوصية بعد العتق وهي أنه إذا عتق استحق أن يزاول من مناصب الرجال ما لا تزاوله الأنثى ولو كانت حرة، ولأن الأمة ربما لا تكون كالعبد في القدرة على الاستسعاء والكسب، فيحتمل قصر الحكم على الذكر دون الأنثى.
стр. 412
فمن ورد عنده هذا الاحتمال وكان له وجه يعتضد به لم يقطع بالقياس، ومن كان لا يرد عنده الاحتمال أو كان بعيدا غريبا على المقاصد الشرعية في باب العتق قَطَع بالقياس.
وترجم البخاري - رحمه الله تعالى - لهذا الحديث وغيره بقوله: "باب إذا أعتق عبدا بين اثنين أو أمة بين الشركاء"وروى عن ابن عمر أنه كان يفتي في العبد والأمة بذلك.
ونقل ابن حجر عن بعض العلماء أنه كان يفرق بين العبد والأمة ويجعل الحكم مختصا بالذكور، وذكر الحافظ أن لفظ (الأمة) قد ورد في بعض الطرق١.
والفرق بين هذا القول وبين ما تقدم من ذكر الاحتمال أن الحكم يثبت للأمة بدون قطع على ما سبق، وعلى هذا القول لا يثبت الحكم للأمة. والله أعلم.
٢- قياس الأمة على العبد في أن ماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع، قال رسول الله ﷺ : "من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع"٢.
стр. 413
٣- قياس العبد على الأمة في تنصيف حد الزنا، كما في قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ١.
٤- قياس الزيت على السمن في أن موت الفأرة فيه يوجب إلقاء ما حوله وإباحة أكل ما وراء ذلك، "إذ ... لا أثر للفارق بكون هذا سمنا أو زيتا لأنه فرق لفظي غير مناسب"٢.
стр. 414
وذكر إمام الحرمين والغزالي أن هذا النوع من القياس قد يختلف العلماء أيضا في تسميته قياسا١.
وهو قطعي على كل تقدير، فلم يضر الاختلاف في تسميته، كما سبق في النوع الثاني.
النوع الرابع: القياس الذي قطع فيه بأمرين: أن وصفا معينا في الحكم هو علته قطعا، وأن ذلك الوصف موجود في الفرع قطعا٢.
стр. 415
القطعية كالنص القطعي والإجماع القطعي١، وأما الأمر الثاني فيكون السبيل إليه الحس أو العقل ... ٢
وهذا النوع كالضابط للقياس القطعي، ويمكن أن تندرج الأنواع الأخرى تحته ولو بشيء من البعد في بعضها٣، لكن اختص كل نوع بما أوجب التنويع إلى ما سبق. والله تعالى أعلم.
هل القطع بحكم الأصل شرط في قطعية القياس:
معنى قطعية القياس القطع بمساواة الفرع للأصل في حكمه مطلقا، أي سواء أكان حكم الأصل إيجابا أم تحريما أم كراهة ... وسواء أكان حكمه قطعيا أم غير قطعي٤.
стр. 416
وقال الأصفهاني١ في شرح مختصر ابن الحاجب: "اعلم أن القياس المقطوع هو ما كان حكم أصله والعلة ووجودها في الفرع قطعيا"٢، فاشترط لقطعية القياس قطعية حكم الأصل.
وهذا مخالف لما سبق، لأن التقرير الأول شرط قطعية القياس فيه أمران: قطعية التعليل في الأصل وقطعية وجود العلة في الفرع، وما ذكره الأصفهاني فيه إضافة شرط ثالث وهو قطعية الحكم في الأصل المقيس عليه.
ولكلا القولين وجه، لأن القياس القطعي:
- قد يكون قياسا يقطع فيه بحكم الفرع إضافة إلى القطع بمساواته لأصله، وذلك في قياس قطعي حكمُ الأصل فيه قطعي أيضا.
- وقد يكون قياسا يقطع فيه بمساواة الفرع للأصل دون القطع بحكم الفرع، بأن يكون الحكم في الأصل المقيس عليه ظنيا ثم يقطع بأن الفرع مثل الأصل، فيثبت الحكم ظنيا في الفرع كما في الأصل مع القطع بالتسوية بين الحكمين.
стр. 417
والظاهر أن القطع بحكم الأصل ليس شرطا في قطعية القياس، إذ حقيقة القطعية في القياس القطع بالمساواة، أما قوة الفرع المساوي أو ضعفه فذلك تابع لقوة الأصل المساوي وضعفه، ولا مدخل لذلك في عملية القياس، لأن القياس يؤخذ فيه الأصل على حاله قوة وضعفا.
بيان ذلك: أن قياس الخالة على الخال في حكم الميراث قياس قطعي، لكن حكم الأصل ثابت بقول رسول الله ﷺ : "من ترك كَلاًّ فإلي - وربما قال فإلينا - ومن ترك مالا فلوارثه، والخال وارث من لا وارث له ... " ١، فحكم الأصل وهو ميراث الخال ثابت بخبر واحد، فلا يكون قطعيا عند من لا يرى قطعية الآحاد مطلقا أو عند عدم قرائن القطعية، ولا يمنع عدم قطعية خبر الواحد من القطع بأن الخالة مثل الخال في الميراث٢.
стр. 418
المبحث الثالث: القطعي من مسالك العلة
تعريف العلة ومسالكها:
المسالك جمع مسلك وهو الطريق الذي يسلكه المجتهد في إثبات العلة١، ومسالك العلة الأدلة على أن الوصف علة٢، والعلة: الوصف الظاهر المنضبط المشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، وهي الوصف الذي يجمع بين الأصل المقيس عليه والفرع المقيس في الحكم٣.
فمسالك العلة: الطرق الشرعية المؤدية إلى معرفة كون وصف من الأوصاف مشتملا على حكمة التشريع ليكون الجامع الرابط بين الأصل والفرع في حكم القياس.
مسالك العلة أدلة شرعية:
تقدم أن قطعية القياس تقوم على ركنين رئيسين: أولهما القطع بكون
стр. 419
الوصف في الأصل علة، والثاني القطع بوجود هذا الوصف في الفرع، فلكي تستقيم القطعية في القياس لا بد من الدليل القطعي على التعليل في الأصل وعلى وجود العلة في الفرع.
أما وجود العلة في الفرع يثبت بسائر الأدلة من الحس والعقل والعرف كما يجوز أن يثبت بالشرع١، فكون النبيذ مسكرا أو كون الذرة مطعوما أو الأرز مطعوما مقتاتا مدخرا ... يمكن إقامة الدليل القطعي عليه إما حسا أو عقلا أو غيرهما كما يمكن إثبات الوصف في الأصل بذلك، كالإسكار في الخمر والكيل أو الطعم أو الادخار مع الاقتيات في البر أو الشعير٢.
وأما كون وصف معين في الأصل علةَ الحكم فيه فهو الذي لا يمكن أن يثبت إلا بالأدلة الشرعية، لأنه دعوى بأن الشرع حَكَم في الأصل بالحكم لأجل ذلك الوصف، وذلك غير مقبول إلا بدليل من الشرع٣.
والدليل على العلية كسائر الأدلة الشرعية يختلف قوة وضعفا، بيد أن
стр. 420
القياس لا يكون قطعيا حتى يكون الدليل على علية الوصف في الأصل قطعيا وذلك ليس طريق جميع العلل، فقد لا تسهل إقامة الدليل القاطع على أن علة تحريم الربا في الأصناف الربوية الستة كونها مطعومة أو مكيلة أو مقتاتة مدخرة.
وقسم الفخر الرازي مسالك العلة إلى نقلية وعقلية ١، ولعل النظر في ذلك إلى أن في بعض المسالك قدرا من استعمال العقل أكبر من غيره كما في مسلكي الدوران والسبر والتقسيم٢، لكن ذلك لا يخرجهما عن كونهما أدلة شرعية عند إثبات علية الوصف بهما٣. والله أعلم.
فالتحقيق أن طرق إثبات علية الأوصاف في الأحكام الشرعية كلها شرعية، "لأن كون الوصف علة شرعا ودليلا على حكم الله تعالى أحدُ الأحكام الشرعية، فلا يثبت إلا بما يثبت به سائر الأحكام الشرعية"٤.
إذا ثبت أن كون الوصف الجامع بين الأصل والفرع علة لا بد من الدليل الشرعي عليه وأن الدليل عليه - في القياس القطعي - لا بد أن
стр. 421
يكون قطعيا، تبين أن كل دليل شرعي قطعي يمكن أن يثبت به هذا الركن من القياس القطعي إذا دَلَّ عليه، وذلك مثل النص القطعي من الكتاب أو من السنة أو الإجماع القطعي، ومثل الأدلة الشرعية التي تحتف بها قرائن القطعية في جهتي الثبوت والدلالة، فطريق قطعية العلية كطريق قطعية الأدلة الشرعية.
والمجتهد يصل إليها مباشرة بواسطة الأدلة القطعية ثبوتا ودلالة، أو بالبحث عن قرائن القطع المحتفة والشواهد المعززة حتى يقطع بأن وصفا معينا علة حكم معين.
إلا أن أهل العلم - رحمهم الله تعالى - خصوا هذا المحل بالبحث عن الطرق المؤدية إلى العلية كما قسم بعضهم تلك الطرق إلى قطعية وغير قطعية.
وما تجمعه حدود هذا البحث من مسالك العلة هو المتعلق منها بالكتاب والسنة والإجماع١، وذلك مسلكا النص والإجماع.
مسلك النص:
وهو النص القاطع من الكتاب والسنة على علية الوصف الجامع.
والمراد بالنص عند العلماء ﵏ في باب مسالك العلة لفظ الكتاب أو السنة، فيشمل القطعي وغيره، ومن ثم يصفونه بالقطعية أو بالصراحة إذا أرادوا تقييده فيقولون (نص قاطع) أو (نص صريح) ١.
وهذا أشرف المسالك وأولى طرق العلة بالتقديم، لتعلقه بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم٢.
وبحث القطعية فيه من جهة الدلالة أي دلالة اللفظ من الكتاب أو السنة على أن الوصف الجامع هو علة حكم الأصل قطعا، أما من جهة الثبوت فالبحث في ذلك يدخل في عموم البحث في قطعية الثبوت فما كان من تلك الألفاظ في القرآن الكريم أو في السنة المتواترة فقطعي وكذلك ما كان من أخبار الآحاد قد احتف به من القرائن ما يفيده القطعية على ما سبق تقريره في مطلع هذا الباب.
стр. 424
النص القاطع والنص الصريح:
المراد بالنص القاطع من طرق العلة عند فخر الدين الرازي: ما كان من الألفاظ موضوعا للتعليل بحيث لا يحتمل غير العلية لا حقيقة ولا مجازا١، وذلك عنده أربعة ألفاظ أو ثلاثة وهي (لعلة كذا) و (لسبب كذا) و (لأجل كذا) و (لموجب كذا) ٢، وما عدا هذه الألفاظ فليس من النص القاطع.
ودون النص القاطع عنده الألفاظ التي تكون (ظاهرة جدا) كالتي تكون موضوعة حقيقة للتعليل ويكون استعمالها في غير العلية محمولا على المجاز، وذلك كاللام والباء و (إنّ) ٣.
فمرتبة (الظاهر جدا) في جهة الدلالة هنا هي مرتبة الظني القريب أو المقارب للقطعي كما سبق نقله عن بعض من توسع في اعتبار مطلق الاحتمال في إزالة القطعية٤.
стр. 425
وأضاف البيضاوي١ في المنهاج لفظ (كي) على ما ذكره الرازي فجعله من (النص القاطع) ٢.
وذكر بعض العلماء أن (النص القاطع) عند الرازي هو (النص الصريح) ٣ عند الآمدي.
والذي يؤخد من الإحكام والمحصول أن (النص الصريح) عند الآمدي أعم من (النص القاطع) عند الرازي وأوسع منه وأشمل، لما يأتي:
أولا: أن الآمدي ذكر من أقسام (النص الصريح) : اللام و (إنّ) والباء٤، وهذه عند الرازي من (النص الظاهر) قسيم (النص القاطع) كما