مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر يا كريم.
قال الشيخ الأمام العالم العلامة قدوة الأنام رحلة الطالبين الأعلام أبو الحسن علاء الدين علي بن عباس البعلي الحنبلي رحمه الله تعالى:.
الحمد لله الذي مهد قواعد الدين بكتابه المنزل وجعلنا من عباده المؤمنين بأتباع نبيه المرسل الذي اظهر به الحق بعد أن كان خفيا واختاره على كافة خلقه وكان به حفيا.
واشهد أن لا اله آلا الله وحده لا شريك له شهادة تبوى قائلها أعلى المقامات وتحله من دار كرامته أعلى الغرف في الجنات.
واشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد السادات صلى الله عليه وعلى وآله وصحبه أولى المناقب السنية والكرامات.
أما بعد:
فإن علم أصول الفقه لما كان في علم الشريعة كواسطة النظام متوسطا بين رتبتي الفروع وعلم الكلام وهو علم عظيم شأنه وقدره وعلا في العالم شرفه ومخبره. إذ ثمرته ما تضمنته الشريعة المطهرة من الأحكام وبه تحكم الأئمة الفضلاء مباحثهم غاية الإحكام؛
стр. 2
استخرت الله تعالى في تأليف كتاب أذكر فيه قواعد وفوائد أصولية وأردف كل قاعدة بمسائل تتعلق بها من الأحكام الفروعية.
والله تعالى اسأل النفع المتعدى به واللازم وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم الدائم فإنه مجيب دعوة المضطرين وهو خير موفق ومعين.
стр. 3
القاعدة ١ .
الفقه له حدود:.
أحدها: هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال.
خرج بـ "العلم بالإحكام" العلم بالذات كزيد وبالصفات كسواده وبالأفعال كقيامه وعبر الآمدي١ بقوله: هو العلم بجملة غالبة من الأحكام وهو تعبير حسن لكن شأن الحد الإيضاح والتحقيق.
وقول الآمدي: "العلم بجملة غالبة" فيه إجمال لأن غلبة هذه الجملة لا يعلم حدها "أي منتهاها" فلذلك قال بعض المتأخرين: "هو ظن جملة غالبة عرفا".
وخرج بـ "الشرعية" العقلية كالحسابيات ـ أي الهندسية ـ واللغوية كرفع الفاعل وكذلك نسبة الشيء إلى غيره إيجابا كقام زيد أو سلبا نحو لم يقم.
وفي ذلك نظر لأن ذلك ينتفي بالفرعية إذ الأحكام العقلية المذكورة لا تسمى فرعية.
وبـ الفرعية الأحكام الأصولية كأصول الدين وأصول الفقه.
وبـ أدلتها التفصيلية الأحكام الحاصلة عن أدلة إجمالية نحو ثبت الحكم بالمقتضى وامتنع بالنافي.
стр. 4
وبـ الاستدلال علم المقلد.
وعلى هذا الحد أسئلة ومؤاخذات كثيرة جدا ليس هذا موضع ذكرها وإنما نذكر ههنا سؤالا واحدا وجوابه لما يترتب عليه من المسائل الفقهية وتقرير السؤال أن غالب الفقه مظنون لكونه مبنيا على العمومات وأخبار الآحاد والأقيسة وغيرها من المظنونات فكيف يعبرون عنه بالعلم.
وأجيب عنه بأنه لما كان المظنون يجب العمل به كما في المقطوع رجع إلى العلم بجامع وجوب العمل.
إذ تقرر هذا فيتفرع على العمل بالظن فروع كثيرة ولم يطرد أصل أصحابنا في ذلك ففي بعض الأماكن قالوا: يعمل بالظن وفي بعضها قالوا: لابد من اليقين وطرد أبو العباس١ أصله وقال: يعمل بالظن في عامة أمور الشرع والله أعلم.
مسائل من ذلك.
منها: إذا أجزنا له التحري في الماء والثياب المشتبهة على مقالة ضعيفة أو في القبلة على الصحيح فانه يعمل بما غلب على ظنه.
ومنها: إذا غلب على ظن المصلى دخول الوقت فله العمل به إذا لم يكن له سبيل إلى العلم لغيم ونحوه وقال في المغنى٢ والأولى تأخيرها احتياطا إلا أن يخشى خروج الوقت أو تكون صلاة العصر في وقت الغيم فإنه
стр. 5
يستحب التبكير بها وقال ابن تميم١ ومن غلب على ظنه دخول الوقت استحب له التأخير حتى يتيقن وقال الآمدي يستحب له تعجيل المغرب إذا تيقن غروب الشمس أو غلب على ظنه وقال ابن حامد٢ وغيره لا يجوز الاجتهاد في دخول وقت الصلاة وقد أومأ إليه أحمد٣ فقال: لا يصلى حتى يستقين الزوال.
ومنها: الأسير إذا اشتبهت عليه الأشهر تحرى فصام على غالب ظنه ولم أقف على خلاف في ذلك لأصحابنا أنه لابد من اليقين كما ذكرنا في الصلاة.
ومنها: إذا شك في طهارة الماء أو نجاسته قال غير واحد من الأصحاب يبنى على اليقين ولا عبرة بغلبة الظن.
ومنها: إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة قال غير واحد من الأصحاب يبنى على اليقين ولا فرق بين أن يغلب على ظنه أحدهما أو يتساوى الأمران عنده.
ومنها: المستجمر إذا أتى بالعدد المعتبر فانه يكتفي بغلبة الظن في زوال النجاسة ذكره في المذهب٤ وجزم به جماعة من الأصحاب وفي النهاية٥ لا بد من العلم.
стр. 6
ومنها: الغسل من الجنابة أو الحيض أو غيرهما من الأغسال. فالمذهب أنه يكفي فيه الظن في الإسباغ وقال بعض أصحابنا يحرك المغتسل خاتمه ليتحقق وصول الماء.
ومنها: ما لو كان معه مال حلال وحرام وجهل قدر الحرام تصدق بما يراه حراما نقله فوزان١ وهذا النص يدل على انه يكفي الظن وقاله ابن الجوزي٢.
ومنها: إذا خفيت عليه نجاسته غسل حتى يتيقن غسلها نص عليه الإمام أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم٣ ومحمد بن أبى حرب٤ وكذلك قال الخرقي٥ وابن أبى موسى٦ والقاضي٧ والأصحاب.
ونقل عن أحمد رحمه الله تعالى رواية في المذي أنه يكفي فيه الظن
стр. 7
فيحتمل أن يخرج رواية في بقية النجاسات أنه يكفي فيها الظن وذكره أبو الخطاب١ في الانتصار٢ في الجلالة ويحتمل أن يختص ذلك بالمذي خاصة لأنه من النجاسات المعفو عن يسيرها على رواية لكن لازم ذلك أنه يتعدى إلى كل نجاسة يعفى عن يسيرها وهو غير ملتزم.
ومنها: لو تيقن سبق الوجوب وشك في مقدار ما عليه أبرأ ذمته يقينا نص عليه الإمام أحمد.
وقد ذكر أبو المعالي٣ لا يخرج عن العهدة إلا بيقين أو ظن وفي الغنية إن شك في ترك الصوم أو النية فليتحر أو ليقض ما ظن أنه تركه فقط وإن احتاط فقضى الجميع كان حسنا وكذا قال في الكفارة والنذر مخالف لقوله في الصوم.
ومنها: لو شك المصلي في عدد الركعات فعن أحمد رحمه الله تعالى في ذلك ثلاث روايات.
إحداهن: اختارها القاضي وأكثر أصحابنا منهم أبو بكر عبد العزيز الأخذ باليقين كالطهارة والطواف ذكره ابن شهاب٤ وغيره وذكره صاحب المحرر٥ مع أنه ذكر هو وغيره أنه يكفي الظن في وصول الماء إلى ما يجب
стр. 8
غسله فيكون المراد بالطهارة إذا شك هل تطهر أم لا فلا بد من اليقين.
والرواية الثانية: الأخذ بالظن.
والرواية الثالثة: يأخذ الإمام بالظن والمنفرد باليقين اختارها أبو محمد المقدسي١ وذكرها المذهب.
وإن سبح به اثنان لزمه الرجوع إليهما سواء غلب على ظنه صدقهما أو لا جزم به أبو محمد وذكره بعضهم نص أحمد ما لم يتيقن صواب نفسه على الروايات كلها.
وقال ابن عقيل٢ إذا لم يرجع إليهما إذا قلنا يعمل بغلبة ظنه وإذا جوزنا له العمل بالظن الغالب فانه يجوز له تركه والعمل باليقين ذكره القاضي في الأحكام٣ وغيره.
وان شك في ركن فالمذهب العمل باليقين وقال أبو الفرج٤ التحري سائغ في الأقوال والأفعال ولا أثر لشك من مسلم نص عليه الإمام أحمد وفيه وجه بلى مع قصر الزمن.
ومنها: إذا شك المتوضىء في عدد الغسلات فالمذهب الأخذ باليقين وهو الأقل وفي النهاية بالأكثر.
ومنها: إذا شك في طلوع الفجر في رمضان فإنه يباح له الأكل حتى
стр. 9
يستقين طلوعه نص عليه أحمد في رواية عبد الله١ ولا عبرة في ذلك بغلبة. الظن حتى يتيقن طلوعه نص عليه بالقرائن ونحوها ما لم يكن مستندا إلى خبر ثقة بالطلوع.
ومنها: الشك في غروب الشمس والمذهب يباح له الفطر بغلبة الظن.
وفي التلخيص٢ يجوز الأكل بالاجتهاد في أول اليوم ولا يجوز في آخره إلا بيقين ولو أكل ولم يتيقن لزمه القضاء في الآخر ولم يلزمه في الأول انتهى وهو ضعيف.
ومنها: إذا رأى منيا في ثوب لا ينام فيه غيره قال أبو المعالي والأزجي٣ لا بطاهر فاغتسل له ويعمل في الإعارة باليقين وقيل بظنه.
ومنها: من أراد الصدقة بماله كله وكان وحده وعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة جاز له ذلك بل يستحب له جزم به في منتهى الغاية٤ وغيرها وإن لم يعلم لم يجز له قال أبو الخطاب وغيره قاله أصحابنا.
قلت: وصرح كل من وقفت على كلامه بالعلم في الصورتين.
ومنها: إذا شك الطائف في عدد الطواف فالمنصوص عن الإمام أحمد
стр. 10
الأخذ باليقين وذكر أبو بكر عبد العزيز١ وغيره الأخذ بالظن وهو رواية عن أحمد رحمه الله تعالى وما قاله أبو بكر هنا من الأخذ بالظن مخالف له لما قاله في الشك في عدد الركعات وأنه يبنى على اليقين.
ومنها: إذا شك رامي حصاة الجمار في حصاة من أي الجمار تركها قال غير واحد من الأصحاب يبنى على اليقين.
ومنها: أن حصى الرمي لا بد أن يحصل في المرمى وهل يشترط علمه بحصوله في المرمى أو ظنه في المسألة قولان الأصح العلم.
ومنها: أن المذهب المنصوص عن أحمد الذي نقله الجماعة أنه لا يصح بيع ما قصد به الحرام كالعصير لم يتخذه خمرا ونحوه قال غير واحد من الأصحاب إذا علم ذلك ولنا قول آخر أو ظنه.
قال أبو العباس مؤيدا لأصله معارضا لما قاله الأصحاب في هذه المسألة لأنهم قالوا: يعنى الأصحاب لو ظن الآجر أن المستأجر يستأجر الدار لمعصية كبيع الخمر ونحوه لم يجز له أن يؤجره تلك الدار ولم تصح والإجارة والبيع سواء والله أعلم.
ومنها: أن التوكيل في الخصومة جائز وهو المنصوص عن الإمام أحمد وقاله الأصحاب ويروى عن على نقله حرب٢.
لكن قال ابن عقيل في فنونه٣ لا يصح التوكيل ممن علم ظلم موكله في
стр. 11
الخصومة وقال القاضى قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء: ١٠٥] يدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة أمره وكذا في المغنى في الصلح عن المنكر يشترط أن يعلم صدق المدعى فلا يحل دعوى ما لا يعلم ثبوته.
ومنها: المكره الذي لا يترتب على أقواله وأفعاله شيء هل يشترط فيه أن يمسه بشيء من العذاب أم يكفي في كونه مكرها التهديد بالضرب والحبس وأخذ مال يضره من قادر يغلب على ظنه وقوع ما هدده به؟
في المسألة روايتان الأصح غلبة الظن وقال أبو العباس ولو ظن أنه يضره بلا تهديد في نفسه أو ماله أو أهله فإنه يكون مكرها.
ومنها: لو أريدت نفس إنسان أو ماله أو حرمته دفع عن تلك بأسهل ما يعلم أنه يندفع به قاله أبو محمد المقدسي والسامري١ وغيرهما وقال في الترغيب٢ والمحرر يدفع بأسهل ما يظن أنه يندفع به واختار أبو محمد المقدسي وغيره أن له دفعه بالأسهل إن خاف أن يبدره٣.
ومنها: لو أدخل إلى جوفه شيئا وقلنا يفطر به فيعتبر العلم بالواصل إلى جوفه وجزم أبو البركات في منتهى الغاية بأنه يكفي الظن.
ومنها: لو رمى صيدا قال غير واحد وتحقق الإصابة وقال بعضهم وعلم الإصابة وكلاهما بمعنى فغاب عنه ثم وجده ميتا لا أثر به لغير السهم فهل يحل أم لا؟
في المسألة ثلاث روايات ثالثها إن غاب نهارا حل وإن غاب ليلا لم يحل وإن وجد فيه غير أثر سهمه مما يحتمل أنه أعان على قتله حرم قاله غير
стр. 12
واحد من الأصحاب وعزى إلى نص أحمد.
ولم يقولوا ووجد فيه أثرا يغلب على الظن أنه أعان على قتله كما قالوا في السهم المسموم قال بعض المتأخرين من أصحابنا ويتوجه التسوية بين السهم والأثر لعدم الفرق وأن المراد بالظن في السهم المسموم الاحتمال.
ومنها: لو قال له على ألف في علمي أو في ظني لزمه في الأول لا الثاني والله أعلم.
ومنها: الصائم إذا غلب على ظنه أنه إذا قبل أنزل حرم عليه التقبيل ذكره الأصحاب محل وفاق.
ومنها: لو غاب عن مطلقته المحرمة عليه حتى تنكح زوجا غيره ثم أتته فذكرت أنها نكحت من أصابها وانقضت عدتها منه وكان ذلك ممكنا فله نكاحها إذا غلب على ظنه صدقها قاله الأصحاب وفي الترغيب وقيل لا يقبل قولها إلا أن تكون معروفة بالثقة والديانة ولو كذبها الزوج الثاني في الوطء فالقول قوله في تنصيف المهر والقول قولها في إباحتها للأول لأن قولها في الوطء مقبول ولو ادعت نكاح حاضر وأصابته وأنكرها أصل النكاح والإصابة حلت للأول في الأصح وهذان الفرعان مشكلان جدا.
ومنها: إذا شك في عدد الطلاق أو عدد الرضعات بني على اليقين.
ومنها: ما نقل عن الإمام أحمد ﵁ فيمن تعرض عليه آنية مشتبهة فقال إن علم أنه حرام بعينه فلا يأكل منها.
ومنها: الشهادة هل تجوز بغلبة الظن أم لا بد من اليقين.
قال القاضي أبو يعلى ما أمكن تحمله مطلقا لا يجوز بغلبة الظن وما لا يمكن جاز بغلبة الظن وهو الاستفاضة ومنع في شهادة الأعمى أن الشهادة طريقها غلبة الظن قال بل القطع واليقين وكذلك قال الشيخ أبو محمد في شهادة الأخرس وقال الشيخ أبو محمد في شهادة الملكية يجوز بغلبة الظن لأن الظن يسمى علما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ولا سبيل إلى العلم اليقيني فجاز بالظن فيؤخذ من هذا أن شهادة
стр. 13
الاستفاضة تجوز بغلبة الظن وفي غيرها قولان أخذا من قول الشيخ أبى محمد إن الظن يسمى علما. يؤيده أن لنا قولا في جواز الشهادة في غير الاستفاضة بغلبة الظن أن الشاهد إذا رأى خطه متيقنا له ولم يذكر الشهادة هل له أن يشهد أم لا في المسألة ثلاث روايات ثالثها يشهد إن كان في حفظه وحرزه وكذلك الخلاف في الحاكم.
ومنها: إذا وجد سماعه بخط يثق به وغلب على ظنه أنه سمعه جاز له أن يرويه قاله أكثر أصحابنا وغيرهم قال الإمام أحمد في رواية الحسين بن حسان١ في الرجل يكون له السماع مع الرجل فلا بأس أن يأخذ به بعد سنين إذا عرف الخط وقيل له فإذا عرف كتابة من يثق به فقال كل ذلك أرجو فإن الزيادة في الحديث لا تكاد تخفى لأن الأخبار مبنية على حسن الظن وغلبته.
ومنها: هل للوصي أن يوصى إذا لم يجعل إليه ذلك أم لا؟
في المسألة روايتان أشهرهما عدم الجواز قال الحارثي٢ ولو غلب على الظن أن القاضي يستند إلى من ليس أهلا أو أنه ظالم اتجه جواز الإيصاء قولا واحدا بل يجب لما فيه من حفظ الأمانة وصون المال عن التلف والضياع.
ومن المسائل التي يعمل فيها بغلبة الظن الحكم بالقرائن كاللقطة٣ والركاز٤ والبيع بالمعاطاة٥ والوقف بالفعل الدال عليه ودفع الثوب إلى القصار والخياط والدخول إلى الحمام من غير تقدير أجرة ولهم عادة بأجرة معينة وغير ذلك من الأفعال الدالة على الأقوال وهي كثيرة جدا.
стр. 14
ومن الحكم بالقرائن دفع ما يصلح للزوج أو للزوجة إذا تنازعا فيه ودفع ما يصلح لكل صانع.
وفي بعض هذه الصور خلاف ضعيف. ومسائل كثيرة من هذا النمط في الدعاوى.
ومن المسائل التي يعمل فيها بغلبة الظن أيضا الحكم بالشاهدين أو بالشاهد واليمين أو الأربعة والحكم بالشاهد حيث قلنا به وبالمرأة الواحدة حيث قلنا بها والعمل بخبر الواحد حيث قلنا به والمجتهد والحاكم إذا حدثت له واقعة فإنه يجب عليه العمل بما يغلب على ظنه.
ومنها: المستحاضة إذا قلنا بالمذهب المشهور أنها تجلس ستا أو سبعا فالمذهب أنها تفعل ذلك بما تغلب على ظنها لا بالتشهى.
ومنها: إذا أعتق عبدا وغلب على ظنه أنه يزنى أو يلحق بدار الحرب فإنه يحرم عليه إعتاقه ويصح ذكره صاحب المغنى.
ومنها: ما قاله صاحب التلخيص والرعاية١ يجوز للرجل دخول الحمام مع ظن السلامة ولكن قال أحمد لرجل أراد دخول الحمام إن علمت أن كل من في الحمام عليه إزار فادخله وإلا فلا تدخله.
ومنها: أن فرض الكفاية واجب على الجميع على المشهور ويسقط بفعل البعض فان غلب على ظن جماعة أن غيرهم يقوم بذلك سقط عنهم ذكره القاضي وغيره.
ومنها: أن النوم المستثقل ينقض الوضوء لأنه مظنة خروج الحدث. وان كان الأصل عدم خروجه وبقاء الطهارة هذا المذهب المشهور وحكى ابن أبى موسى في شرح الخرقى٢ وجها أن النوم نفسه حدث لكن يعفى عن
стр. 15
يسيره كالدم ونحوه.
واختار أبو العباس أن النائم لا ينتقض وضوؤه إذا غلب على ظنه أنه لم يحدث.
ومنها: لو استأجر أرضا للزراعة وكان يعلم بوجود الماء وقت الحاجة إليه صح وان غلب على الظن وجوده بالأمطار أو زيادة الأنهار جزم في المغنى وغيره بالصحة وفي التلخيص وجهان.
ومنها: أن المصلى إذا غلب على ظنه وجود الماء إما في رحلة أو رأى ركبا أو موضعا قريبا عليه طير وجب الطلب رواية واحدة ولو قطع أن لا ماء فلا طلب رواية واحدة ولو ظن عدمه وقلنا بوجوب الطلب فأشهر الروايتين يجب وذكر في التبصرة١ رواية لا يجب وهي أظهر فان تيمم ثم رأى ركبا يظن أن معه ماء أو ما يدل على الماء وقلنا بوجوب الطلب بطل تيممه ذكره أبو محمد وأبدى احتمالا آخر لا يبطل تيممه وعبر أبو البركات٢ في شرحه٣ إذا رأى ركبا يعلم أنه لا يخلو عن ماء لزمه الطلب فإن حصل له وإلا استأنف التيمم.
ومنها: ما ذكره أبو الخطاب في التمهيد٤ في مسألة التعبد بالقياس
стр. 16
أن من أخبره بلصوص في طريقه وظن صدق المخبر لزمه ترك المسير.
ومنها: إذا قلنا على رواية اختارها أبو الخطاب وغيره يمنع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص فهل يشترط حصول اعتقاد جازم بأنه لا مخصص أو يكفي غلبة الظن بعدمه فيه خلاف اختار القاضي أبو بكر١ الأول وابن سريج٢ وإمام الحرمين٣ والغزالي٤ الثاني.
ومنها: ما ذكره شيخنا تقي الدين ابن تيمية في تعليقه٥ على المحرر أنه يتعين تقييد إباحة النظر إلى المخطوبة بمن إذا خطبها غلب على ظنه إجابته ومتى غلب على ظنه عدم الإجابة لم يجز.
ومنها: للإمام عزل القاضي إذا رابه أمره ويكفي غلبة الظن ذكره في الترغيب.
стр. 17
ومنها: إنكار المنكر لا يسقط بظنه أنه لا يفيد هذا هو الصحيح من الروايتين وجزم به القاضي في الجامع الكبير١ والرواية الأخرى يسقط كإياسه على الصحيح من الروايتين.
ومنها: لو خاف المصلي هدم سور أو طم خندق إن صلى آمنا فله أن يصلى صلاة خائف ما لم يعلم خلافه ذكره القاضي وقال ابن عقيل يصلى آمنا ما لم يظن ذلك.
ومنها: ما ذكره ابن عقيل وغيره أنه لا يجوز الإقدام على فعل لا يعلم جوازه وذكر بعض المالكية عدم الجواز إجماعا ويتوجه يجوز له الإقدام إذا ظن جوازه.
ومنها: أنه لا يتابع الإمام في تكبير الجنازة إذا زاد على أربع إذا علم أو ظن بدعته ورفضه لإظهار شعارهم ذكره أبو الوفاء ابن عقيل محل وفاق.
ومنها: إذا علم المزكى أن المدفوع له أهلا للزكاة وقال ابن تميم إذا ظن كره إعلامه بها نص عليه أحمد وقال بعض أصحابنا لا يستحب نص عليه ولنا قول باستحبابه وفي الروضة٢ لا بد من إعلامه وقال ابن تميم وعن أحمد نحوه وان علمه أهلا لها ولكن من عادته أنه لا يأخذ زكاة فأعطاه ولم يعلمه لم يجزه في قياس المذهب لأنه لم يقبل زكاة ظاهرا ولهذا لو دفع المغصوب إلى مالكه ولم يعلمه أنه دفعه لم يبرأ ذكره أبو البركات وحكى ابن تميم هذا القول ولم يحك غيره وقال فيه بعد.
ومنها: إذا تبع الجنازة منكر فهل يتبعها وينكره بحبسه أو يحرم عليه أن يتبعها في المسألة روايتان وصحح جماعة الثاني وأبو العباس صحح الاول.
стр. 18
قال صاحب المحرر ولو ظن أنه إن تبعها أزيل المنكر لزمه إتباعها على الروايتين ويعايى بها.
ومنها: من دفن في مقبرة مسبلة١ ثم أريد حفر قبره ليدفن معه غيره قال الآمدي ظاهر المذهب أنه لا يجوز وقال القاضي وغيره لا بأس به إذا كان الميت قد بلى ومراده إذا غلب على ظنه ولهذا ذكر غير واحد يعمل بقول أهل الخبرة وبعضهم عبر إذا علم أن الميت قد بلى ومراده الظن والله أعلم.
ومنها: أن الميت غير الشهيد يجوز نقله إلى مكان آخر لغرض صحيح هذا المذهب عندنا قال صاحب المحرر محل هذا إذا لم يظن تغيره.
ومنها: ما ذكره صاحب المحرر محل وفاق أن المرأة يحرم عليها زيارة القبور إذا علمت أنه يقع منها محرم لكن قال تأثم بظن وقوع النوح ولا فرق بين النوح وغيره من المحرمات فإما أن يعمل بالظن مطلقا أو بالعلم مطلقا فالتفرقة لا وجه لها مع أنه هو وغيره لم يحرم دخول الحمام إلا مع العلم بالمحرم.
стр. 19
القاعدة ٢
شرط التكليف العقل وفهم الخطاب.
ذكره الآمدي اتفاق العقلاء فلا تكليف على صبي ولا مجنون لا عقل له وقال أبو البركات في المسودة١ واختار قوم تكليفهما.
قلت: من اختار تكليفهما إن أراد أنه يترتب على أفعالهما ما هو من خطاب الوضع٢ فلا نزاع في ترتبه وان أراد خطاب التكليف٣ فإنه لا يلزمهما بلا نزاع وان اختلف في مسائل هل هي من خطاب الوضع أم من خطاب التكليف أو بعض مسائل من مسائل التكليف وقد حكى حنبل٤ عن أحمد رواية في المجنون أنه يقضي الصلاة والصوم وعنه إن أفاق بعد الشهر لم يقض الصوم وان أفاق فيه قضى والمذهب الصحيح خلاف ذلك.
والظاهر والله أعلم أن من قال بتكليفهما إنما قاله بناء على التكليف
стр. 20
بالمحال على ما سيأتي في تكليف الغافل إن شاء الله تعالى.
وأما الصبي المميز فالجمهور على أنه ليس بمكلف وحكي عن أحمد رواية بتكليفه لفهمه الخطاب ذكرها في الروضة وعنه يكلف المراهق واختار ذلك ابن عقيل في مناظراته١.
واختلف أصحابنا في سن التمييز فالأكثر على أنه سبع سنين لتخييره بين أبويه وقيل ست اختاره في الرعاية وفي كلام بعضهم ما يقتضي أنه عشر.
وقال في المطلع٢ المميز الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب ولا ينضبط بسن بل يختلف باختلاف الإفهام والصحيح في المذهب عدم تكليفه وما ثبت من أحكام تكليفه فبدليل خارجي.
إذا تقرر هذا فلنتكلم على مسائل تتعلق بالتمييز.
ومنها: إذا خلت المميزة بماء يسير في طهارتها وقلنا لا يجوز للرجل التطهر بما خلت به المرأة فهل يجوز للرجل التطهر بما خلت به المميزة حكي في الرعاية في المسألة احتمالين.
ومنها: إذا جامع أو جومع وكان مثله يطأ أو يوطأ لزمه الغسل على المنصوص وفيه وجه يستحب اختاره القاضي.
ومنها: وجوب الصلاة عليه.
ظاهر المذهب أنها لا تجب عليه وعنه٣ تجب عليه وعنه تجب على
стр. 21
من بلغ عشرا اختارها القاضي أبو بكر١ وظاهر كلامه في الجارية إذا بلغت تسعا يجب عليها وعنه يجب على المراهق اختارها أبو الحسن التميمي٢ قال أبو المعالي ونقل عن أحمد في ابن أربع عشر سنة إذا ترك الصلاة قتل.
وإذا أوجبنا الصلاة عليه فهل الوجوب مختص بما عدا الجمعة أو يعم الجمعة وغيرها في المسألة وجهان لأصحابنا أصحهما لا تلزمه الجمعة وان قلنا بتكليفه بالصلاة قال صاحب المحرر هو كالإجماع للخبر وإذا قلنا بعدم الوجوب عليه فإنه يجب على وليه تعليمه الصلاة والطهارة وشروطها نص عليه أحمد خلافا لابن عقيل في مناظراته.
ومنها: أذانه أنه للبلغ هل يجزئ؟
في المسألة روايتان الرواية التي نصرها القاضي الصحة وعدم الصحة علله طائفة من الأصحاب بأن الأذان فرض كفاية وفعل الصبي نفل وعلله صاحب المغنى والمحرر بأنه لا يقبل خبره وذكره جماعة في أصول الفقه.
وقال أبو العباس ويتخرج في أذانه روايتان كشهادته وولايته.
أما صحة أذانه في الجملة وكونه جائزا إذا أذن غيره فلا خلاف في جوازه قال ومن الأصحاب من أطلق الخلاف لأن أحمد قال في رواية حنبل لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم إذا كان قد راهق وقال في رواية على ابن سعيد٣ وقد سئل عن الغلام يؤذن قبل أن يحتلم فلم يعجبه قال والأشبه أن الأذان الذي يسقط الفرض عن أهل القرية ويعتمد في وقت الصلاة والصيام لا يجوز أن يباشره صبي قولا واحدا ولا يسقط الفرض ولا يعتمد في مواقيت العبادات وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي
стр. 22
في المصر ونحو ذلك فهذا فيه روايتان والصحيح جوازه.
ومنها: عورة الحرة المراهقة قال بعض أصحابنا المميزة كالأمة؟
نقل أبو طالب١ في شعر وساق وساعد لا يجب ستره حتى تحيض وقال أبو المعالي هي بعد التسع والصبي بعد العشر كالبالغ ثم ذكر عن أصحابنا إلا في كشف الرأس وقبلهما وبعد السبع الفرجان.
ومنها: وجوب الصوم عليه والمذهب لا يجب عليه حتى يبلغ. وعن أحمد رواية يجب عليه إن أطاقه اختارها أبو بكر٢ وابن أبي موسى. وحد ابن أبي موسى طاقته بصوم ثلاثة أيام متوالية ولا يضره لخبر مرسل وعنه يلزم من بلغ عشرا وأطاقه.
وإن قلنا بعدم الوجوب عليه فإنه يجب على وليه ضربه عليه ليعتاده ذكره جماعة قال صاحب المحرر وغيره لا يؤخذ به ويضرب عليه فيما دون العشر كالصلاة.
ومنها: إحرامه بإذن وليه صحيح وبغير إذنه لا يصح اختاره الأكثر.
ولنا قول واختاره أبو البركات أنه يصح كصلاته وصومه.
فعلى هذا يحلله الولي منه إن رآه ضررا عليه في الأصح كالعبد.
تنبيه:
وإذا لم نوجب عليه العبادة فما فعله فإنه يثاب عليه وثوابه له. ذكره الشيخ أبو محمد٣ في موضع والإمام أبو العباس وكذا قال ابن عقيل في فنونه في أوائل المجلد التاسع عشر.
стр. 23
وعندي انه يثاب على طاعات بدنه وما يخرج من العبادات المالية من ماله قال ابن هبيرة١ في الحج معنى قولهم يصح منه أي يكتب له قال وكذا أعمال البر كلها فهي له ولا تكتب عليه.
وعلله ابن عقيل في الجنائز بتقديم النساء على الصبيان بالتكليف ففضلهن بالثواب والصبي ليس من أهل الثواب والعقاب.
وطريقة بعض أصحابنا في مسألة تصرفه ثوابه لوالديه.
ولأحمد وغيره بإسناد ضعيف عن أنس مرفوعا " أن حسنات الصبي لوالديه أو أحدهما" وذكره ابن الجوزي في الموضوعات.
ومنها: بيعه بإذن وليه للكثير صحيح على الصحيح وبغير إذن صحيح في الشيء اليسير وجزم به طائفة.
وقال القاضي في الجامع قال أبو بكر اختلف قوله٢ في صحة بيعه فروى عنه صحة ذلك في اليسير وروى عنه لا يصح.
ويجب أن يكون موضع الروايتين في اليسير إذا لم يكن مأذونا له فأما إذا كان مأذونا له فيصح بيعه وشراؤه في اليسير والكثير وفي الكثير لا يصح على الصحيح.
وعن أحمد رواية يصح موقوفا على إجازة وليه.
وعنه يصح من غير إجازة ذكرها الفخر إسماعيل٣.
стр. 24
وقال ابن عقيل الصحيح عن أحمد لا تصح عقوده وان شنحه١ وقال الصحيح عندي في عقوده كلها روايتان وفي الانتصار٢ وعيون المسائل٣ ذكر أبو بكر صحة بيعه ونكاحه.
ومنها: إذا أوجبنا على البالغ الكفارة في وطء الحائض فهل تجب على الصبي إذا وطىء في المسألة وجهان.
ومنها: إمامته بالبالغ هل تصح أم لا؟
في المسألة ثلاث روايات ثالثها تصح في النفل دون الفرض واختارها أكثر أصحابنا وظاهر المسألة لو قلنا تلزمه الصلاة وصرح به ابن البنا٤ في العقود٥ وبناؤهم المسألة على أن صلاته نافلة تقتضى صحة إمامته إن لزمته قاله صاحب النظم٦ وهو ظاهر متجه.
وقال ابن عقيل يخرج في صحة إمامة ابن عشر سنين وجه بناء على القول بوجوب الصلاة عليه.
وقال بعض أصحابنا تصح في التراويح إذا لم يكن غيره قارئا وجها
стр. 25
واحدا وتصح إمامته بمثله قطع به غير واحد وفي المنتخب١ لا تصح.
ومنها: مصافته للبالغ فإن كان في النافلة صح لحديث أنس وذكر أبو الخطاب رواية لا تصح كإمامته.
وان كان في الفريضة فروى عن أحمد أنه توقف في هذه المسألة وقال ما أدري فذكر له حديث أنس٢ فقال ذلك في التطوع.
واختلف أصحابنا في ذلك فقال بعضهم لا تصح كإمامته وعلله أبو حفص٣ بأنه يخشى أن لا يكون متطهرا فيصير البالغ فذا.
وقال ابن عقيل تصح لأنه يصح أن يصاف الرجل في النفل فصح في الفرض كالمتنفل ولا يشترط لصحة مصافته صلاحية الإمامة بدليل الفاسق والعبد والمسافر في الجمعة وما قاله أصوب.
ومنها: جواز غسل صبي له سبع للمرأة هل يجوز أم لا؟
وفي المسألة روايتان والمنع قول أبى بكر وابن حامد وحكى بعضهم الجواز قول أبى بكر ويغسل صبيا دون سبع مجردا بغير سترة ويجوز لمس عورته والنظر إليها نص عليه الإمام أحمد وفيما زاد على السبع قبل البلوغ وجهان وحكى أبو الخطاب فيمن بلغ السبع ولم يبلغ روايتين قال ابن تميم
стр. 26
والصحيح أنها لا تغسله إذا بلغ عشرا وجها واحدا.
وأما الجارية إذا لم تبلغ سبعا فقال القاضي وأبو الخطاب يجوز للرجال غسلها وحكى ابن تميم وجها له غسل بنت خمس فقط وعنه لا يغسل الجارية رجل إلا أن يكون أبا يغسل ابنته الصغيرة.
وقال الخلال يكره للرجل الغريب أن يغسل ابنة ثلاث سنين وينظر إليها.
وقال الخلال١ أيضا القياس التسوية بينهما قياسا لكل واحد منهما على الآخر لولا أن التابعين فرقوا بينهما.
فعلى قولنا حكمها حكم الغلام لا يغسل الرجل من بلغت عشرا لما ذكرنا في الصبي ويحتمل أن يحد ذلك في الجارية بتسع وفيما قبل ذلك الوجهان واختار أبو محمد المنع.
ومنها: جواز كونه غاسلا للميت ويسقط به الفرض حكى طائفة من أصحابنا روايتين وطائفة وجهين والصحيح السقوط.
ولنا وجهان أيضا في سقوط فرض الصلاة بفعله وقدم أبو البركات السقوط لغسله وجزم أبو المعالى بالثانى.
ومنها: لو التقط لقطة وعرفها فظاهر كلامه في المغنى عدم الإجزاء قال الحارثي والأظهر خلافه لأنه يعقل التعريف فالمقصود حاصل.
ومنها: إذا وجدناه ضائعا لا كافل له هل يكون لقيطا أم لا؟
تردد صاحب التلخيص٢ وقال ويحتمل أنه ليس بلقيط فإنه قريب
стр. 27
الشبه بالممتنع من الضوال في اللقطة فإن له نوع استقلال قال والمختار عند أصحابنا أنه يكون لقيطا لأنهم قالوا: إذا التقط رجل وامرأة معا من له أكثر من سبع سنين أقرع ولم يجبر بخلاف الأبوين.
ومنها: إذا قلنا للولد المنازع فيه أن ينتسب إلى من شاء من المدعين إذا بلغ فهل المميز كذلك أم لا المذهب أنه لا يقبل الانتساب وقاله غير واحد من الأصحاب وأبدى الحارثى احتمالا بالقبول.
ومنها: هبته هل تصح أم لا.
والمنصوص عن أحمد عدم الصحة أذن الولى أم لا؟ قال أبو داود١ سمعت أحمد سئل متى يجوز هبة الغلام قال ليس فيه اختلاف إذا احتلم أو يصير ابن خمس عشرة سنة وذكر بعض أصحابنا رواية في صحة إبرائه فالهبة مثله.
ومنها: هل هو أهل لقبض الهبة وقبولها أم لا؟
في المسألة روايتان أشهرهما ليس هو أهلا نص على ذلك في رواية ابن منصور٢ وعليه معظم الأصحاب والثانية هو أهل قال المروذى٣ قلت لأحمد نعطى يتيما من الزكاة قال نعم يدفعها إلى الغلام قلت: فإني أخاف أن يضيعه قال يدفع إلى من يقوم بأمره وهذا اختيار صاحب المغنى والحارثى وأبدى في المغنى احتمالا أن صحة. قبضه تقف على إذن الولى دون القبول لأن القبض يحصل به مستوليا على المال فلا يؤمن من تضييعه له فتعين حفظه
стр. 28
عن ذلك توقفه على الإذن كقبض وديعته وأما القبول فيحصل به الملك من غير ضرر فجاز من غير إذن كاحتشاشه واصطياده.
ومنها: وصيته والمذهب المنصوص الذي نقله الجماعة صحتها ومن الأصحاب من حكى وجها أنها لا تصح حتى يبلغ.
وإذا قلنا بالمذهب فالأشهر عند أحمد التحديد بعشر سنين فصاعدا نص عليه في رواية طائفة من أصحابه حتى قيل عن أبى بكر لا يختلف المذهب أن من له عشر سنين تصح وصيته.
وفيما قاله ﵀ نظر فإن الأثرم قال في كتبه قيل لأبى عبد الله١ الصغير يوصي ولم يحتلم قال إذا أصاب الحق وكان ابن ثنتي عشرة سنة فهو جائز قلت: ابن ثنتي عشرة سنة قال نعم قلت: على حديث عمرو بن سليم عن عمر قال نعم.
وفي مسائل حرب٢ سألت أحمد بن حنبل هل تجوز وصية الغلام قال إذا أصاب الحق وأراه قال إذا كان ابن ثنتى عشرة سنة وفي كتاب الخلال٣ قال حنبل قلت لأبى عبد الله فالصبي وصى بالوصية قال إذا بلغ ثنتى عشرة سنة أو نحوها جازت إذا وافق الحق قلت: مثل ماذا قال يوصى لوارث أو يحيف في الوصية رده الحاكم إلى الحق.
وذلك نص في التحديد بثنتى عشرة سنة وحكى القاضي في المجرد وغيره عن أبى بكر عبد العزيز أنه حكى عن أحمد رواية أنها تصح وصية من له فوق سبع سنين اعتبارا بإسلامه وبتخييره قال الحارثى وهذا لم أجده منصوصا عن أحمد وأظنه مخرجا من نصه في إسلام ابن ثمان.
стр. 29
ويؤيد ذلك أن ابن أبى موسى ذكر في الإرشاد١ أن وصية الغلام الزى لم يبلغ عشرا والجارية التي لم تبلغ تسعا باطلة قولا واحدا وابن أبى موسى خبير بالمذهب جدا وإذا قيل بالأشهر عن أحمد وأن ذلك محدود بعشر فظاهر إطلاق أبى الخطاب وأبى محمد المقدسي لا فرق بين الذكر والأنثى ولكن نص أحمد في رواية صالح٢ على الصحة في الأنثى لتسع سنين وفي الذكر لعشر واختاره أبو بكر عبد العزيز وابن أبى موسى.
تنبيه:
كثيرا ما يقيدون الصحة في وصية الصبي بأصلية الحق مع أن ذلك معتبر في كل وصية وانما قيدوه لكون المخالفة تكثر فيه لعدم وصف التكليف فاحتيج إلى التأكيد ذكره الحارثى.
وقال أبو العباس قول أحمد وغيره من السلف في وصية الصبى إذا أصاب الحق يحتمل في بادى الرأي وجهين.
أحدهما أن اصابة الحق إذا أوصى بما يجوز للبالغ لكن هذا فيه نظر فإن هذا الشرط ثابت في حق كل موص فلا حاجة إلى تخصيص الصبي به.
والثاني: أنه إذا أوصى بما يشرع له ويستحب أن يوصى به مثل أن يوصى لأقاربه الذين لا يرثونه فعلى هذا لو أوصى لبعيد دون القريب المحتاج لم تنفذ وصيته بخلاف البالغ لأن الصبي لما كان قاصر النظر فلا بد أن ينضم نظر الشرع كما احتاج بيعه إلى إذن الولي وكذلك إحرامه بالحج على إحدى الروايتين.
стр. 30
ويدل عليه أن أصحابنا عللوا ذلك بأنه إن مات كان صرف ما أوصى به إلى جهة القرب وما يحصل له به الثواب أولى من صرفه إلى ورثته وهذا إنما يتم في الوصية المستحبة فأما إن كان المال قليلا والورثة فقراء فترك المال لهم أفضل وما أظنهم والله أعلم قصدوا إلا هذا انتهى.
ومنها: هل يجبر الأب الثيب والبكر المميزتين بعد التسع أم لا في المسألة روايتان.
ومنها: هل يصح أن يكون وصيا في المسألة وجهان قال القاضى قياس المذهب الصحة لأن أحمد نص على صحة وكالته وعلى جواز بيعه إذا كان مأذونا له وهذا قاله كثير من الأصحاب وعدم الصحة اختيار أبى محمد في المغنى واختاره صاحب المحرر أيضا.
ومنها: بنت تسع سنين حيث قلنا لا تجبر فلها إذن صحيح هذا هو المذهب المنصوص عن الإمام أحمد ﵀ في رواية عبد الله وابن منصور وأبى طالب وأبى الحارث١ وابن هانى٢ والميمونى٣ والاثرم٤ وهو الذي ذكره أبو بكر وأبن أبى موسى وابن حامد والقاضي ولم يذكروا فيه خلافا وكذلك أكثر أصحاب القاضى وذكر أبو الخطاب وغيره رواية ليس فيها إذن صحيح ولم يذكرها في رءوس المسائل٥ وهي مأخوذة مما روى الاثرم عن أحمد أن غير الأب لا يزوج الصغيرة حتى تبلغ فيستأمرها
стр. 31
وهذا لا يثبت فإن في سياق رواية الاثرم أن الأب يزوج الصغيرة بدون إذنها إذا كانت صغيرة حين زوجها لم تبلغ تسع سنين وهذا موافق لرواية حرب أن غاية الصغر تسع سنين.
وقوله حتى تبلغ حد الإذن وقد فسر الخلال كلام أحمد في بلوغ الصغيرة وإدراكه على بلوغ سن التمييز في كتاب الجنائز١ وغيرها.
وأما ابن تسع سنين فقال القاضى في الجامع الكبير ربما تجب صحة نكاح بنت تسع سنين ولا يلزم على هذا الغلام إذا بلغ هذا السن لأنه لا حاجة به إلى العقد لأنه لا شهوة له وفيه ضرر عليه من استحقاق المهر والنفقة.
وقال في كتاب الطلاق في الجامع أيضا وأما نكاح الصبى المميز فالمنصوص عن أحمد أنه يصح.
وقال في رواية المروذى في غلام زوجه عمه وهو صغير فقال قبلت ليس بشيء حتى يبلغ عشر سنين.
وقال في موضع آخر لا يجوز قبوله حتى يبلغ عشر سنين.
وقال أبو بكر يصح ويجب أن يكون هذا موقوفا على حصول الإذن من جهة الولى انتهى.
وظهر من هذا أنه يصح أن يتزوج بإذن وليه وأن ذلك مقدر بعشر سنين وقد تقدم أن طائفة من الأصحاب فرقت بين الغلام والجارية في الوصية وأنه يقدر سن الغلام بعشر والجارية بتسع فكذلك ههنا.
ومنها: هل يجبر الصبى المميز على النكاح قال أبو يعلى الصغير٢ يحتمل أنه كالبنت وان سلمناه فلا مصلحة له وإذنه نطق لا يكفي صمته ولا ولاية عليه بعد بلوغه.
стр. 32
ومنها: إذا أعتق فقال طائفة من الأصحاب لا يصح بغير خلاف وأثبت غير واحد الخلاف فقال في المبهج١ والترغيب في عتق ابن عشر وابنة تسع روايتان وقدم في التبصرة صحة عتق المميز وفي عيون المسائل قال أحمد يصح عتقه.
قلت: ونقل أبو طالب وأبو الحارث ومحمد بن موسى بن مشيش صحة عتقه.
وإذا قلنا بصحة عتقه فضبطه طائفة بعقله العتق وقاله أحمد في رواية صالح وأبى الحارث وابن مشيش٢.
وضبطه طائفة بعشر في الغلام وفي الجارية بتسع كما ذكرناه عن صاحب المبهج والترغيب وقال أحمد في رواية أبى طالب في الغلام الذي لم يحتلم يطلق امرأته إذ عقل الطلاق جاز طلاقه ما بين عشر سنين إلى ثنتى عشرة سنة وكذلك إذا اعتق جاز عتقه انتهى.
وممن اختار من الأصحاب صحة عتقه أبو بكر عبد العزيز ذكره في آخر كتاب المدبر من الخلاف٣ قال وتدبير الغلام إذا كان له عشر سنين صحيح وكذلك عتقه وطلاقه.
ومنها: هل يكون وليا في النكاح أم لا فقال أبو بكر في كتاب المقنع٤ اختلف قول أحمد في الصغير هل يكون وليا فالذي نقله ابن منصور في إحدى الروايتين عنه أنه لا يكون وليا حتى يبلغ وتجري عليه الحدود وظاهر كلامه تخريج المسألة على روايتين.
стр. 33
وحكى جماعة عن أحمد روايتين تصريحا والمذهب لا يكون وليا نص عليه في رواية ابن منصور والاثرم وعلى بن سعيد وحرب.
وإذا قلنا بأنه يكون وليا فمقدار سنه عشر سنين وعنه اثنتى عشرة سنة حكاهما في المستوعب١.
ومنها: أنه يجوز أن ينظر إلي ما فوق السرة وتحت الركبة إن لم يكن له شهوة وعنه هو كالمحرم.
وان كان له شهوة فهل هو كالمحرم أو كالأجنبي في المسألة روايتان إحداهما لا يقع حتى يبلغ نقل أبو طالب لا يجوز طلاقه حتى يحتلم والأصحاب على وقوع طلاقه وهو المنصوص عن الإمام أحمد في رواية الجماعة منهم صالح وعبد الله وابن منصور والحسن بن ثواب٢ والاثرم وإسحاق ابن هانىء والفضل بن زياد٣ وحرب والميمونى.
وإذا قلنا بوقوع طلاقه كما هو المذهب فقال القاضى في الجامع الكبير ظاهر كلام أحمد في رواية الجماعة أن ذلك موقوف على حصول العقل والتمييز من غير تحديد بسن ونقل أبو الحارث عنه من عشر سنين إلى ثنتى عشرة سنة وكذلك قال في رواية إسحاق بن هانىء.
وعندى أن هذا ليس على طريق التحديد من أحمد لأن العقل والتمييز قد يحصلان فيما دون ذلك ولهذا أجاز تخيير الولد بين أبويه لسبع سنين.
وعلى هذا الأصل إذا قلنا يصح إسلامه وردته إذا كان يعقل الإسلام والردة فإنه غير محدود وانما ذكر أحمد العشر لأن الغالب أن العقل والتمييز
стр. 34
لا يحصلان له فيما دون ذلك تحييرا انتهى.
وفي المستوعب رواية تحده بثنتى عشرة سنة وهذا الكلام فيما إذا باشر طلاق زوجته فأما إذا وكل في طلاق زوجته رجلا أو توكل لرجل بالغ في طلاق زوجته أو رد طلاقه إلى زوجته وهى بالغة فهل يصح ذلك أم لا؟
قال القاضي في الجامع الكبير ظاهر كلام أحمد أنه يصح فقال في رواية صالح في رجل قال لصبى طلق امرأتي فقال قد طلقتك ثلاثا لا يجوز عليها حتى يعقل الطلاق أرأيت لو كان لهذا الصبي امرأة فطلقها أكان يجوز طلاقه وهو لا يعقل فقيل له فان كان له زوجة وهى صبية فقالت له صير أمرى إلى فقال لها أمرك بيدك فقالت قد اخترت نفسي فقال ليس بشيء حتى يكون مثلها يعقل الطلاق. فقد شبه أحمد توكيل الغير له في زوجته بإيقاع طلاقه لنفسه واعتبر العقل في ذلك. وكذلك اعتبر العقل إذا رد الطلاق إلى زوجته وهى صغيرة وهذا يدل على أن التوكيل كالإيقاع.
واختار أبو بكر ورواه عن أحمد إذا وكل في طلاق امرأته لا يقع حتى تبلغ ولا يكون وليا حتى يبلغ المذهب على ما حكيا لان أبا بكر قال إذا طلق بنفسه صح طلاقه وكل من صح طلاقه صح أن يوكل ويتوكل فيه والتوكيل أوسع من الإيقاع وما روى عن أحمد محمول على قولنا بأنه لا يصح طلاقه.
وإذا قلنا بصحة طلاقه فهل يصح ظهاره وايلاؤه أم لا؟
الأكثر من أصحابنا على صحة ذلك وقال أبو محمد المقدسي والأقوى عندي أنه لا يصح من الصبي ظهار ولا ايلاء لأنه يمين مكفرة فلم تنعقد في حقه.
قلت: وحكى في المذهب في صحة انعقاد يمينه وجهين.
ومنها: إذا عقد لابن عشر سنين عقد نكاح وأتت امرأته بولد لستة أشهر فصاعدا فالمذهب يلحقه نسبه ولا يلحقه إذا كان سنه أقل من ذلك وقال القاضى يلحقه نسبه إذا أتت به لتسعة أعوام ونصف عام مدة الحمل.
وقيل لا يلحقه إلا إذا كان له اثنتا عشرة سنة.
стр. 35
واختار أبو بكر وابن عقيل لا يلحقه حتى يبلغ واختاره أبو الخطاب أيضا في تحريم الزانية وتحريم المصاهرة.
وعلى المذهب إذا قلنا يلحقه لا يصير بالغا ولا يتقرر مهر ولا يلزم عدة ولا رجعة إن شككنا في بلوغه.
ومنها: إذا بلغ الغلام سبع سنين وهو عاقل فعن أحمد أن أباه أحق به وعنه أمه والمذهب يخير بينهما.
وان بلغت الجارية سبعا فالمذهب أنها عند الأب وعن أحمد رواية أن الأم أحق بحضانتها حتى تحيض ذكرها ابن أبى موسى قال في الهدى١ هي الأشهر عن أحمد وأصح دليلا.
وقيل تخير وذكره في الهدى رواية عن أحمد وقال نص عليها.
ومنها: إذا قذف هل يجب الحد على قاذفه؟
في المسألة روايتان ذكرهما غير واحد أظهرهما يجب وقال أبو بكر عبد العزيز لا يختلف قول الإمام أحمد أنه يحد قاذفه إذا كان ابن عشر أو اثنتي عشرة سنة قال في الترغيب تفريعا على وجوب الحد لا يمكن مطالبته حتى يبلغ انتهى.
وضبطه طائفة من أصحابنا كصاحب الترغيب وغيره بإمكان الوطء فقط وضبطه السامرى وغيره في الغلام بعشر وفي الجارية بتسع.
وقريب من هذا إذا طلب الزوج زوجته وكانت ممن يوطأ مثلها ولزم التسليم إليه فما حد السن الذي يجب التسليم معه حده الإمام أحمد في رواية. عندى على طريقة أبى الحارث بتسع سنين وقال القاضى ليس هذا للتحديد وانما ذكره لأن الغالب أن ابنة تسع يتمكن من الاستمتاع بها.
وتقدم قول أبى المعالى في أول القاعدة في ابن أربع عشرة سنة إذا ترك
стр. 36
الصلاة أنه يعيد وهو محمول على البالغ بالسن أو الإنبات.
وأما إذا قذف أو قتل لم يقم عليه الحد ولم يجب عليه القصاص ولم أر خلافا في ذلك بين الأصحاب ولا عن الإمام أحمد ولا يتخرج وجوب ذلك على تكليفه لأن الحدود تدرأ بالشبهات والصغر شبهة وأكثر الناس على عدم تكليفه فيكون اختلافهم شبهة مانعه من وجوب القصاص والحد ولأن الحد والقصاص حق على البدن وبدن الصبى يضعف عن ذلك.
ومنها: إسلامه وردته فظاهر المذهب صحتهما وعن الإمام أحمد رواية لا يصحان وعنه يصح إسلامه دون ردته.
قال في المحرر ويحال بينه وبين الكفار على الروايات كلها وإذا صححنا ردته لا يقتل حتى يستتاب بعد بلوغه.
وضبطه طائفة من الأصحاب من يصح إسلامه وردته بعقله وطائفة حكت روايتين إحداهما سبع سنين والأخرى عشر سنين.
ومنها: لو تنازع شخصان صبيا مميزا في يديهما فقال إني حر ولم تقم بينة برقه فالمذهب الصحيح أن القول قوله.
ومنها: أمانة الكافر هل تصح أم لا في المسألة روايات.
ومنها: حيث حكمنا بإسلام الطفل بإسلام أحد أبويه أو تسببه منفردا عنهما أو موتهما أو أحدهما في دار الإسلام على رواية فهل المميز كالبالغ لا يحكم بإسلامه حتى يسلم بنفسه أو هو كالطفل المنصوص عن أحمد هو كالطفل ولنا قول هو كالبالغ.
ومنها: شهادته وأصح الروايات عنه أنها لا تقبل وروى. عنه تقبل وقال في رواية ابن هانئ تقبل شهادة ابن عشر وروى عنه تقبل في الجراح والقتل خاصة إذا أدوها وأشهدوا على شهادتهم قبل تفرقهم ولا يؤثر رجوعهم بعد ذلك ذكره القاضى في الجامع.
ولنا قول تقبل شهادته على مثله وسأل عبد الله أباه١ عن شهادة الصبيان
стр. 37
فقال على رضى الله عنه أجاز شهادة بعضهم على بعض.
تنبيه:
ذكر القاضى أن الخلاف عند الأصحاب في الشهادة على الجراح الموجبة للقصاص فأما الشهادة بالمال فلا تقبل قال أبو العباس هذا عجب من القاضى فإن الصبيان لا قود بينهم وانما الشهادة بما يوجب المال.
ومنها: إقراره والمنصوص عن أحمد أنه يصح إقراره في قدر ما أذن له فيه دون ما زاد ومنع في الانتصار عدم صحة إقراره ثم سلمه لعدم مصلحته فيه وأطلق في الروضة صحة إقرار المميز قال ابن عقيل في إقراره روايتان أصحهما يصح نص عليه إذا أقر قدر إذنه وحمل القاضى إطلاق ما نقله الاثرم أنه لا يصح حتى يبلغ على غير المأذون قال الازجى ولا يمتنع أن يكون في المسألة روايتان الصحة وعدمها.
وحكى لنا قول أنه يصح إقراره في الشيء اليسير دون الكثير وذكر الآدمى١ البغدادى أن السفيه والمميز إن أقرا بحد أو قود أو نسب أو طلاق لزم وان أقرا بمال أخذ بعد الحجر وهذا غلط وانما هذا الحكم في السفيه لا في الصبى والله أعلم.
стр. 38
القاعدة ٣
لا تكليف على الناسى حال نسيانه واختاره الجوينى١ وأبو محمد المقدسي ومن الناس من قال: هو مكلف.
قلت: يحمل قول من قال: ليس بمكلف حال نسيانه على أنه إثم عليه في تلك الحال في فعل أو ترك وأن الخطاب لم يتوجه إليه وما ثبت له من الأحكام المعلقة به فبدليل خارج ويحتمل قول من قال هو مكلف على أن الخطاب توجه إليه وتناوله وتأخر الفعل إلى حال ذكره وامتنع تأثيمه لعدم ترك قصده لهذا.
ولنا خلاف في المعذور إذا قضى ما فاته هل هو بأمر جديد أم بالأمر السابق؟ وينبني على ذلك هل يكون أداء أو قضاء؟ إن قلنا: بأمر جديد فيكون أداء وان قلنا بالأمر الأول فيكون قضاء.
إذا تقرر هذا فههنا مسائل تتعلق بالناسى.
منها: إذا نسى الماء وتيمم فإنه يلزمه الإعادة إذا بان له الخطأ على أصح الروايتين كما لو نسى الرقبة٢ وكفر بالصوم وخرج فيها بعض المتأخرين رواية من مسألة الماء.
ومنها: إذا جامع زوجته الحائض ناسيا الحيض وقلنا يلزم الذاكر كفارة فهل تلزم الناسى في المسألة روايتان وقيل وجهان.
ومنها: إذا قلنا لمس الذكر على المذهب ينقض الوضوء إذا كان عامدا
стр. 39
فهل ينقض وضوء الناسى في المسألة روايتان.
ومنها: إذا أوجبنا الترتيب والموالاة في الوضوء كما هو الصحيح فهل يسقط بالنسيان المذهب لا يسقط وقيل يسقط الترتيب فقط.
ومنها: إذا نسى الصلاة فإنه يلزمه قضاؤها لا نعلم فيه خلافا.
ومنها: لو نسى الركوع والسجود والطهارة فإنها لا تجزئه الصلاة ذكره القاضي محل وفاق. ولو نسي السترة لم تجزئه الصلاة. ذكره أبو البركات في موضع محل وفاق.
ومنها: لو نسى وصلى في ثوب حرير أو مغصوب ثم علم صحت صلاته ذكره القاضى وصاحب المحرر إجماعا لزوال علة الفساد وهى اللبس المحرم وحكى عن أحمد رواية لا تصح.
ومنها: إذا صلى وعليه نجاسة علمها قبل الصلاة ثم نسيها وصلى وفرغت الصلاة فهل يلزمه اعادة أم لا؟
في المسألة روايتان ذكرهما طائفة من الأصحاب وذكر القاضى في المجرد وابن عقيل والآمدي أن الناسي تلزمه الإعادة رواية واحدة لتفريطه وانما الروايات في الجاهل فأما الناسى فليس عنه نص فلذلك اختلفت الطريقتان.
ومنها: إذا تكلم في الصلاة ناسيا حكى ابن تميم ثلاث روايات ثالثتها لا تبطل إن كان لمصلحة وقال نص عليه في رواية جماعة.
والكلام غير المبطل ما كان يسيرا فإن كثر فوجهان حكاهما ابن تميم وحكى غيره روايتين وعدم الإبطال اختيار القاضى وغيره.
ومنها: إذا نسى وأكل أو شرب في الصلاة وكان يسيرا فهل تبطل صلاته أم لا؟
في المسألة روايتان ظاهر المذهب أنها لا تبطل وجزم به غير واحد وان كان كثيرا جزم غير واحد بالبطلان كالشيخ أبى محمد وابن تميم وغيرهما وظاهر كلام صاحب المستوعب والتلخيص أنها لا تبطل وإذا
стр. 40
قلنا بالبطلان فلا فرق بين الفرض والنقل على الصحيح.
ومنها: لو أكل أو شرب المكلف بالصوم في نهار رمضان ناسيا فالمذهب المنصوص عن أحمد لا يفطر نقله الجماعة عنه وقال في الرعاية لا قضاء في الأصح.
ولا يفطر بالاحتجام ناسيا على الصحيح من المذهب ونقله الفضل بن زياد عن أحمد, وعنه يفطر اختاره في التذكرة لظاهر الخبر ولتذكره النسيان فيها ولا يفطر بالاستقاء ناسيا على الصحيح من القولين واختار ابن عقيل الفطر.
ويفطر ويكفر بالجماع ناسيا نقله الجماعة عن الإمام أحمد واختاره الأصحاب. وعنه لا يكفر واختاره أبو عبد الله بن بطة١ وعنه لا يقضى اختاره الآجرى٢ وأبو محمد الجوزي وأبو العباس.
ومنها: العمل المستكثر من غير جنس الصلاة إذا فعله ناسيا هل تبطل صلاته أم لا؟
في المسألة طريقان:
أحدهما القطع بالإبطال.
والثانى في المسألة روايتان واختار صاحب المحرر عدم الإبطال.
وهل الكثير في العرف أو الثلاث أو ما ظن أن فاعله ليس في صلاة فيه أوجه.
ومنها: إذا جامع الحاج ناسيا قبل التحلل الأول فسد نسكه هذا المذهب عند الأصحاب ونقله الجماعة عن الإمام أحمد وفي الفصول رواية لا يفدى اختارها أبو العباس.