مقدمة
...
القَوْلُ السَّدِيد في الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَنكَرَ تَقْسِيمَ التَّوْحِيد
تأليف: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم: فضيلة الشيخ العلاَّمة: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
الحمد لله رب العالمين يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ﴿وَقُلْ جَآءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ ١، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور وترك أمته على البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك.
وبعد: فمن حكمة الله أن يبتلي أهل الحق بأهل الباطل ليحصل الجهاد في سبيل الله بالسلاح وبالقلم واللسان دفاعاً عن الحقّ وردّاً للباطل: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ ٢.. وإنه في زماننا هذا خلوفٌ تهرف بما لا تعرف وتردد أقوال قوم أرادوا مقاومة الحقّ
стр. 2
وحجب الشمس فلم يستطيعوا وماتوا وغيظهم في صدورهم، فأراد هؤلاء الخلوف أن يعيدوا الكرَّة ليثأروا لسلفهم ويشفوا غيظهم ولكن أنَّى وهيهات وجند الحقّ لَهم بالمرصاد وأدلة الكتاب والسنة تدرأ في نحورهم، إنَّه لا بدَّ إن شاء الله أن يكون مصيرهم مثل مصير أسلافهم: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الأَخِرِينَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ١.
وإنَّ من هؤلاء المهزومين رجلاً يقال له: حسن بن علي السقاف صار يسوِّد الأوراق بترهاتٍ وأباطيلَ يريد بها ستر الحقِّ ونشرَ الباطل وإحياء سنَّة خصوم الحقّ، ومن ذلك ما لفَّقَه ضدَّ عقيدة التوحيد في أوراق سماها: (التنديد بمن عدَّد التوحيد. إبطال محاولة التثليث في التوحيد والعقيدة الإسلامية) وهكذا سجع كسجع الكهَّان، ولم يأت في أوراقه هذه إلا بما هو عار عليه، فلو سكت لكان خيراً له وأستر لجهله، ولكن يأبى الله إلا أن يفضح أهل الباطل وينصر أهل الحقّ ﴿يُرِيدُونَ أَن يُّطْفِئُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَي اللهُ إِلاَّ أَن يُّتِمَّ نُورَهُ﴾ ٢وليته اعتبر بمصارع أسلافه على أيدي أهل الحقّ فكفَّ عما باح به وبقي له اعتبار كما قال زهير في حكمته:
وكائن من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
ولقد تصدَّى له من جند الحقّ من فضح أباطيله ونقض أحابيله ألا وهو الدكتور: عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد فاستعرض أهمَّ ما في كتابه المذكور من الشبهات والترهات وردَّ عليها بالحجة والبرهان حتى تداعت للسقوط وهي تنادي على صاحبها بالجهل والعناد، وهكذا ما تقابل جند الحقّ مع جند
стр. 3
الباطل إلا وكانت الغلبة لجند الحقّ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ﴾ ١.
ولقد قرأت ردَّ الشيخ الدكتور عبد الرزاق في هذا الموضوع فوجدته والحمد لله ردّاً مسددّاً وافياً بالمقصود مدعوماً بالحجج المقنعة متبعاً في ذلك منهج السلف الصالح من أهل العلم والبصيرة، كما قال الإمام أحمد ﵀ في خطبته: الحمد لله الذي جعل في كلِّ زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يبصرون أهل العمى، ويحيون بكتاب الله الموتى، وينفون عن كتاب الله انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين..الخ ما قال ﵀. وهذا من رحمة الله، وتصديقاً لقول رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎ وهم على ذلك".
فجزى الله الدكتور على ما قام به من نصرة الحق وردّ الباطل خير الجزاء، وهدى الله كلَّ من ضلَّ عن الصواب إلى الرجوع إلى الحقِّ، وصلى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وآله وصحبه.
وكتبه
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان في ١٥/٣/١٤١٤هـ
стр. 4
قال: "وبإزاء هؤلاء المكفرين بالباطل أقوام لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد لا يبيِّنونه للناس بل يكتمونه، ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة، ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم، بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذمّاً مطلقاً، لا يفرقون فيه بين ما دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع وما يقوله أهل البدع والفرقة، أو يقرون الجميع على مذاهبهم المختلفة، كما يقرّ العلماء في مواضع الاجتهاد التي يسوغ فيها النزاع، وهذه الطريقة قد تغلب على كثير من المرجئة وبعض المتفقهة والمتصوفة والمتفلسفة، كما تغلب الأولى على كثير من أهل الأهواء والكلام، وكلا هاتين الطريقتين منحرفة خارجة عن الكتاب والسنة، وإنما الواجب بيان ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، وتبليغ ما جاءت به الرسل عن الله والوفاء بميثاق الله الذي أخذه على العلماء فيجب أن يعلم ما جاءت به الرسل ويؤمن به ويبلغه ويدعو إليه ويجاهد عليه، ويزن جميع ما خاض الناس فيه من أقوال وأعمال في الأصول والفروع الباطنة والظاهرة بكتاب الله وسنة رسوله غير متبعين لهوى من عادة أو مذهب أو طريقة أو رئاسة أو سلف ولا متبعين لظنٍّ من حديث ضعيف أو قياس فاسد سواء كان قياس شمول أو قياس تمثيل أو تقليد لمن لا يجب اتباع قوله وعمله، فإن الله ذمَّ في كتابه الذين يتبعون الظنَّ وما تهوى الأنفس ويتركون اتباع ما جاءهم من ربهم من الهدى"١ ا. هـ.
وما أشبه الليلة بالبارحة، ما أشبه أولئك الذين يتحدث شيخ الإسلام آنفاً عن طريقتهم بهؤلاء المعاصرين الداعين للسكوت عن أهل البدع والأهواء
стр. 5
والمقربين بين الطوائف على اختلاف مذاهبهم وتباين طرائقهم مع أهل السنة والجماعة.
شتان بين الحالتين فإن ترد ... جمعاً فما الضدان يجتمعان
شتان بين العسكرين فمن يكن ... متحيراً فلينظر الفئتان
وإنَّما الحق والواجب في ذلك هو لزوم الكتاب والسنة والتمسك بما جاء فيهما ونبذ ما سوى ذلك من باطل وضلال وانحراف كما سبق إيضاح ذلك وتقريره في كلام شيخ الإسلام المتقدم.
وعليه فإنَّ مؤلفات أهل السنة الكثيرة في الردّ على أهل البدع والأهواء المقصود منها النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وفيها دعوة للمردود عليه إلى محاسبة نفسه ووزن أقواله لعله يعود إلى رشده ويترك غيَّه وباطله، وفيها حماية للمجتمع المسلم من الباطل المبثوث في كتاب المبتدع المبطل الناشر للضلال.
ولم يبعد أحد شيوخنا المعاصرين إذ قال: "وكما أنَّه يوضع في زماننا أماكن للحجر الصحيّ لمن بهم أمراض معدية، فإنَّ أهل البدع والأهواء الداعين إلى باطلهم أولى بالحجر من أولئك؛ لأنَّ هؤلاء يمرضون القلوب ويفسدون الأديان، وأولئك يفسدون الأجسام ويمرضون الأبدان".
ولكن من لنا بمن يكمِّم أفواههم ويقطع ألسنتهم ويكسر أقلامهم كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ بصبيغ وكما فعل خالد القسري بالجعد فإلى الله المشتكى.
هذا وإنَّ من حاملي ألوية البدعة وأزمة الفتنة في زماننا شاباً جهميّاً معاصراً أخذ على عاتقه نشر الضلال والباطل والهجوم على أهل الحقّ والسنة وتمجيد
стр. 6
أهل الضلال والبدعة، وهو المدعو حسن بن علي السقاف، ولم أقف على شيء من كتبه ولله الحمد، إلا كتاباً واحداً بُليت بقراءته وهو كتاب: "التنديد بمن عدَّد التوحيد. إبطال محاولة التثليث في التوحيد والعقيدة الإسلامية". فهالني ما فيه إذ قد حكم على عامة المسلمين الموحدين لله في ربوبيته وأسمائه وصفاته وألوهيته بأنهم ثلثوا في عقيدتهم.
ومن المعلوم أن التثليث عقيدة نصرانية فاسدة حكم الله في القرآن على أهلها بالكفر، ولم أحسب أنَّ أحداً تبلغ به الجرأة أن يحكم بهذا الحكم أو يقرر هذا التقرير الباطل الجائر حتى وقفت على كلام هذا المسكين الهالك. وأقول ما قيل:
الله أخر موتتي فتأخرت ... حتى رأيت من الزمان عجائباً
هذا من عنوان الكتاب فحسب، أما مضمونه فقد اشتمل على عجائب وغرائب وطوام كثيرةٍ كل واحدة منها كافية في إخراج الرجل من دائرة العلماء بل ومن دائرة العقلاء فحسيبه الله على ما قدم، وعند الله تجتمع الخصوم. ومن قراءتي لكتابه كاملاً ظهر لي من حال الرجل ما يلي:
أولاً: كونه جهميًّا جلداً يرى أنَّ ربه لا يوصف بأنَّه خارج العالم ولا داخله وينسب ذلك زوراً وباطلاً إلى أهل السنة والجماعة.
ثانياً: وجدته محرِّفاً من الدرجة الأولى لأقوال أهل العلم ونصوصهم.
ثالثاً: وجدته كثير الكذب والتدليس والتلبيس.
رابعاً: ثم هو سليط اللسان، بذيء القول، يرمي أهل السنة بالعظائم، ومن أمثلة ذلك قوله عنهم: ص: ٦ "المتمسلفين" وص: ١٢ "أصحاب العقول ذات التفكير السطحي الضحل" وص: ١٧ "فخذ مجدك في التجسيم
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين المعتدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فإنَّ الرَّد على أهل البدع والدعاة إلى الأهواء، والتحذير من باطلهم، ونقض شبهاتهم وأضاليلهم، وإشهار عيوبهم ونقائصهم، وبيان أنَّهم على غير الحقّ والصواب أمرٌ متحتمٌ على أهل العلم وطلابه، ليُتقى شرُّ هؤلاء، وليَعلم القاصي والداني ضلالهم وانحرافهم وبعدهم عن الحقّ والرشاد، وهذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المأمور به شرعاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل وتارة بما دونه، كما قتل السلف جهمَ بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهم، ولو قدر أنَّه لا يستحق العقوبة أو لا يمكن عقوبته فلا بدَّ من بيان بدعته والتحذير منها، فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله"١.
وقال ﵀: "ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب
стр. 8
والسنَّة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإنَّ بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحبّ إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلَّى واعتكف فإنَّما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنَّما هو للمسلمين هذا أفضل. فبيَّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإنَّ هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً"١.
ورغم وضوح هذا المنهج وظهوره وكثرة عوائده وفوائده إلا أنَّه قد ظهرت في زماننا هذا من بعض الأفراد والجماعات مواقف مخذولة وآراء مرذولة تدعو بلا حياء إلى السكوت عن أهل البدع والأهواء وعدم التحذير منهم، وزعموا أن هذا هو المنهج الأقوم والطريق الأحكم، وقالوا: في هذا رأبٌ للصدع ولمٌّ للشمل وتوحيدٌ للصفّ وجمعٌ للكلمة.
وما من ريبٍ أنَّ هذا منهج باطل، أضراره كثيرة وأخطاره جسيمة على الإسلام والسنة، وفيه أعظم تمكين لأهل البدع والأهواء في نشر ضلالهم وباطلهم، وهو منهج منحرف عن الكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقد ذكر جماعةً من أهل البدع يعتقدون اعتقاداً هو ضلال يرونه هو الحقّ، ويرون كفر من خالفهم في ذلك،
стр. 9
يا ابن القيم" وص: ١٩ "وهو دليل قاطع عند أيّ قارئ لبيب على الوثنية التي يدعو إليها هؤلاء باسم توحيد الأسماء والصفات" وص: ٣٢ "المبتدعة الخراصون" وص: ٣٧ "المجسمة" وص:٤٠ "المجسمة المشبهة" وص: ٦٠ "وأن المراد منه عند هؤلاء المتمسلفين ما رأينا من التجسيم وإقامة الوثنية التي حاربها الإسلام وجاء بهدمها".
هكذا يقول، ولا ريب أنَّ من أكبر علامات أهل البدع الوقيعة في أهل السنة والأثر، قال إسحاق بن راهويه: علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أولعوا به من الكذب أنَّهم مشبهة، بل هم المعطلة، وكذلك قال خلق كثير من أئمة السلف: علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة١.
فما حال إذاً من يجعلهم أهل عقائد وثنية!؟
خامساً: يمجد أهل البدع ويعظمهم ويكثر من الثناء عليهم ولاسيما إمامه وشيخه قائد التجهم في عصرنا محمد زاهد الكوثري بل هو من رائشي نبله والحاطبين في حبله والساعين في نصرته؛ ولهذا يكثر من النقل عنه فأحياناً يصرح باسمه كما في (ص: ٣٨، ٣٩) ، وأحياناً لا يصرح باسمه كما في (ص: ١١) فهو منقول من هامش السيف الصقيل للكوثري (ص: ٢٧) ، وكما في (ص: ١٤) فهو منقول من هامش السيف الصقيل للكوثري (ص:١١٥) ويصفه بالإمام المحدث.
سادساً: استخفافه ببعض الأحاديث كما في ص: ٥٥ حيث قال: "كما جاء في حديث الجارية الذي يتشدقون به"!!
стр. 10
لهذا وغيره رأيت من الواجب التنبيه على باطل هذا الكاتب وضلاله، والتحذير منه، وكشف بعض تلبيساته وتدليساته، وفضح كذبه وتزويره، ونقض شُبهه وأباطيله في كتابه المذكور، نصراً للحق وذبّاً عن السنَّة ودفاعاً عن علماء الأمة وردّاً للباطل وإزهاقاً له.
هذا دون تقص لكل ما فيه، ولو ناقشته على جميع ما اشتمل عليه كتابه من الظلم والخطأ والتعدي والجور والكذب والخلط والتلبيس والتدليس والتشنيع لطال الكلام، لكن التنبيه على قليل من ضلاله وباطله مرشدٌ إلى معرفة الكثير لمن له أدنى فهم وأقلّ علم، واللبيب تكفيه الإشارة، ولو أنَّ هذا الكاتب سكت ولم يكتب ما كتب واشتغل بتحصيل العلم الشرعي من مظانه من الكتاب والسنة لكان خيراً له وأقوم، ولأراح غيره، لكنه صار كمن يبحث عن حتفه بظلفه.
فكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراث تثيرها
فنسأل الله أن يهديه ويهدي ضال المسلمين، وأن يردهم إلى الحقّ ردّاً جميلاً، وأن يعيذنا من الأهواء المطغية والفتن المردية بمنه وكرمه.
وهذا أوان الشروع في المقصود.
стр. 11
القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد
...
١ قال الكاتب ص ٣: "فهذا جزء لطيف ومنار منيف أثبت فيه إبطال التثليث في تقسيم التوحيد إلى توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية وتوحيد أسماء وصفات ...".
قلت: إنَّ التثليث عقيدة نصرانية خبيثة تقوم على أساس جعل الآلهة ثلاثة وهم: الأب والابن وروح القدس، وقد كفَّرهم الله بها في محكم تنزيله حيث قال : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إَنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَنَّ الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١.
أما تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، أو إلى قسمين: توحيد معرفة وإثبات وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد إرادة وطلب وهو توحيد الألوهية، فهذه عقيدة المسلمين قاطبة، المؤمنين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ سوى المبتدعة الضُّلاَّل.
والمراد بتوحيد الربوبية: الاعتقاد الجازم بأنَّ الله وحده الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لشئون خلقه كلها لا شريك له في ذلك.
والمراد بتوحيد الألوهية: إفراد الله وحده بالخضوع والذل والمحبة والخشوع وسائر أنواع العبادة لا شريك له.
والمراد بتوحيد الأسماء والصفات: الإيمان الجازم بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، وإثباتها دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل.
стр. 12
ولكلِّ قسم من هذه الأقسام الثلاثة ضدٌّ؛ "فإذا عرفت أن توحيد الربوبية هو الإقرار بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور المتصرف في كل مخلوقاته لا شريك له في ملكه، فضد ذلك هو اعتقاد العبد وجود متصرف مع الله غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله . وإذا عرفت أنَّ توحيد الأسماء والصفات هو أن يدعى الله تعالى بما سمى به نفسه ويوصف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله محمد ﷺ وينفى عنه التشبيه والتمثيل، فضد ذلك شيئان ويعمهما اسم الإلحاد:
أحدهما: نفي ذلك عن الله وتعطيله عن صفات كماله ونعوت جلاله الثابتة بالكتاب والسنة.
ثانيهما: تشبيه صفات الله تعالى بصفات خلقه وقد قال تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ٢، وإذا عرفت أن توحيد الإلهية هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة ونفي العبادة عن كل ما سوى الله ﵎ فضد ذلك هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ، وهذا هو الغالب على عامة المشركين وفيه الخصومة بين جميع الرسل وأممها"٣.
وهذه الأقسام الثلاثة للتوحيد لها دلائل كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ
١ فمن أدلة توحيد الربوبية قول الله تعالى: ﴿الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ،
لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ ١، وغيرها من الآيات.
٣ ومن أدلة توحيد الأسماء والصفات قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ ٢، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٣، وقوله: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ ٤، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٥، وآخر سورة الحشر، وغيرها من الآيات.
ومن الآيات التي جمعت أقسام التوحيد الثلاثة قول الله ﵎ في سورة مريم: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٦.
يقول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن سعدي ﵀ مبيناً دلالة الآية على ذلك: "... اشتملت [أي الآية] على أصول عظيمة على توحيد الربوبية وأنَّه تعالى ربُّ كلِّ شيء وخالقُهُ ورازقُهُ ومدبِّرُه، وعلى توحيد الألوهية والعبادة وأنَّه تعالى الإله المعبود وعلى أنَّ ربوبيته موجبة لعبادته وتوحيده ولهذا أتى فيه بالفاء في قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ الدالة على السبب أي فكما أنَّه ربُّ كلِّ شيء فليكن هو المعبود حقّاً فاعبده ومنه: الاصطبار لعبادته تعالى وهو جهاد النفس
стр. 15
وتمرينها وحملها على عبادة الله تعالى فيدخل في هذا أعلى أنواع الصبر وهو الصبر على الواجبات والمستحبات والصبر عن المحرمات والمكروهات، بل يدخل في ذلك الصبر على البليات فإنَّ الصبر عليها وعدم تسخطها والرضى عن الله بها من أعظم العبادات الداخلة في قوله: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ ، واشتملت على أنَّ الله تعالى كامل الأسماء والصفات عظيم النعوت جليل القدر وليس له في ذلك شبيه ولا نظير ولا سمي، بل قد تفرَّد بالكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات"١.
وفي بيان دلالة القرآن على أنواع التوحيد يقول العلاَّمة ابن القيم بعد أن ذكر أنَّ كلَّ طائفة تسمي باطلهم توحيداً: "وأمَّا التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه، فوراء ذلك كله، وهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات وتوحيد في المطلب والقصد.
فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعلوّه فوق سمواته على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه. وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جدّ الإفصاح. كما في أول سورة الحديد وسورة طه وآخر سورة الحشر، وأول سورة تنزيل السجدة، وأول سورة آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها وغير ذلك.
النوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ ، وقوله: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ٢ الآية، وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها، وأول سورة يونس ووسطها وآخرها، وأول سورة
стр. 16
الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولاً كليّاً: إنَّ كلَّ آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه؛ فإنَّ القرآن إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كلِّ ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمرٌ ونهيٌ وإلزامٌ بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد١.
فالقرآن كلُّه في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم، ف ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾ توحيد، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توحيد، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ توحيد، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ توحيد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ توحيد، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيد، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، الذين أنعم الله عليهم، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّين﴾ الذين فارقوا التوحيد ... "٢.
стр. 17
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "وقد دلَّ استقراء القرآن العظيم على أنَّ توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فِطَرُ العقلاء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ ... ﴾ ١، وقال: ﴿قُلْ مَن يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَّمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُّدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ٢. وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَونُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣ تجاهلٌ من عارفٍ أنَّه عبدٌ مربوبٌ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلآءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ ... ﴾ ٤ الآية، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ ٥، وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٦، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جداً.
الثاني: توحيده جلَّ وعلا في عبادته. وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى "لا إله إلا الله" وهي متركبة من نفي وإثبات؛ فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت. ومعنى الإثبات منها: إفراد الله جلَّ وعلا وحده بجميع أنواع
стр. 18
العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام. وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم ﴿أَجَعَلَ الأَلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١.
ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ... ﴾ ٢ الآية، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣ الآية، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّه لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٥، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ٦، فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول: إنَّما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد؛ لشمول كلمة "لا إله إلا الله" لجميع ما جاء في الكتب؛ لأنَّها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده. فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب، والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة.
стр. 19
النوع الثالث: توحيده جلَّ وعلا في أسمائه وصفاته. وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين:
الأول: تنزيه الله جلَّ وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١.
والثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ أو وصفه به رسوله ﷺ على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ كما قال بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ : ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٢، مع قطع الطمع عن إدراك كيفيَّة الاتصاف، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ٣، وقد قدمنا هذا المبحث مستوفى موضحاً بالآيات القرآنية في سورة الأعراف.
ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جلَّ وعلا على وجوب توحيده في عبادته؛ ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبيَّة باستفهام التقرير. فإذا أقرُّوا بربوبيته احتج بها عليهم على أنَّه هو المستحق لأنْ يعبد وحده. ووبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنَّه هو الربّ وحده؛ لأنَّ من اعترف بأنَّه الرب وحده لزمه الاعتراف بأنَّه هو المستحق لأن يُعبد وحده.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَّمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ : فلما أقروا بربوبيته
стр. 20
وبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره بقوله: ﴿فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ .
ومنها قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ﴾ ، فلما اعترفوا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ، ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَيَقُولُونَ للهِ﴾ ، فلما أقرُّوا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ، ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ﴾ فلما أقرُّوا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ١.
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ﴾ ، فلما صح الاعتراف وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً﴾ ٢.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ ، فلما صحَّ إقرارهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ ، فلما صحَّ اعترافهم وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ ، فلما صحَّ إقرارهم وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلِ الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ
стр. 21
يَعْقِلُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ ، فلما صح اعترافهم وبخهم الله منكراً عليهم بقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿ءَآللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا﴾ ، ولا شك أنَّ الجواب الذي لا جواب لهم البتة غيره: هو أنَّ القادر على خلق السموات والأرض وما ذكر معها خير من جماد لا يقدر على شيء. فلما تعيَّن اعترافهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ، ثم قال تعالى: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً﴾ ، ولا شك أنَّ الجواب الذي لا جواب غيره كما قبله. فلما تعين اعترافهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ، ثم قال جلَّ وعلا: ﴿أَمَّن يُّجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ﴾ ، ولا شك أنَّ الجواب كما قبله. فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ، ثم قال تعالى: ﴿أَمَّن يَّهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُّرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ، ولا شك أنَّ الجواب كما قبله. فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، ثم قال جلَّ وعلا: ﴿أَمَّن يَّبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَّرْزُقُكُم مِّنَّ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ﴾ ، ولا شك أنَّ الجواب كما قبله. فلما تعين الاعتراف وبخهم منكراً عليهم بقوله:
стр. 22
﴿أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١، وقوله: ﴿اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَّفْعَلُ مِن ذَالِكُم مِّن شَيْءٍ﴾ ٢، ولا شك أنَّ الجواب الذي لا جواب لهم غيره هو: لا، أي ليس من شركائنا من يقدر على أن يفعل شيئاً من ذلك المذكور من الخلق والرزق والإماتة والإحياء. فلما تعين اعترافهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
والآيات بنحو هذا كثيرة جداً. ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع: أنَّ كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهاماتُ تقريرٍ، يراد منها أنَّهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار؛ لأنَّ المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ ٣، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ ٤ وإن زعم بعض العلماء أن هذا استفهام إنكار؛ لأنَّ استقراء القرآن دلَّ على أنَّ الاستفهام المتعلق بالربوبية استفهام تقرير وليس استفهام إنكار؛ لأنَّهم لا ينكرون الربوبية، كما رأيت كثرة الآيات الدالة عليه.
والكلام على أقسام التوحيد ستجده إن شاء الله في مواضع كثيرة من
هذا الكتاب المبارك، بحسب المناسبات في الآيات التي نتكلم على بيانها بآيات أخر"٥ اه كلامه ﵀.
стр. 23
وقد نقلت كلامه بطوله لأهميته، وقد نبَّه فيه ﵀ إلى أنَّ أقسام التوحيد الثلاثة مأخوذة بالاستقراء لنصوص القرآن الكريم، وبهذا يعلم أن هذا التقسيم من الحقائق الشرعية المستمدة من كتاب الله تعالى، وليس أمراً اصطلاحياً أنشأه بعض العلماء١.
стр. 24
قال الشيخ العلامة بكر أبو زيد حفظه الله: "هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن مندة وابن جرير الطبري وغيرهما، وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان في آخرين رحم الله الجميع، وهو استقراء تامٌّ لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كلِّ فنٍّ، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء"١.
وما يؤمن بالتوحيد من لم يؤمن بهذه الأقسام الثلاثة المستمدة من نصوص الشرع، إذ التوحيد المطلوب شرعاً هو الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ومن لم يأت بهذا جميعه فليس موحداً.
بل إنَّ كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" التي هي أصل الدين وأساسه قد دلت على أقسام التوحيد الثلاثة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وشهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات، وهي الأصول الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأصول الثلاثة تدور عليها أديان الرسل وما أنزل إليهم، وهي الأصول الكبار التي دلت عليها وشهدت بها العقول والفطر".
وأما وجه دلالة هذه الكلمة العظيمة على أقسام التوحيد الثلاثة فظاهر تماماً لمن تأملها: فقد دلت على إثبات العبادة لله ونفيها عمن سواه، كما دلت أيضاً على توحيد الربوبية فإنَّ العاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، ودلت على توحيد
стр. 25
الأسماء والصفات فإنَّ مسلوب الأسماء والصفات ليس بشيء بل هو عدم محض، كما قال بعض العلماء: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والموحد يعبد إله الأرض والسماء١.
إذا تبين هذا وتقرر فليعلم أنَّ جعل الكاتب في كلامه المتقدم وفي طرَّة كتابه هذا من قبيل التثليث في التوحيد والعقيدة الإسلامية قولٌ في غاية الخبث والضلال والانحراف، حيث جعل العقيدة المستمدة من الكتاب والسنة مثل عقيدة النصارى المنحرفة الضالة. وقائل هذه المقالة الجائرة حقيق بأن يقطع لسانه ويكسر بنانه ويستتاب من مقالته هذه الشوهاء وضلالته العمياء. ثم ماذا سيقول الكاتب عن الآيات التي دلت على تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أنواع وتحدثت عن كل نوع على حدة. هل سيقول إنَّها دلت على التثليث. أو سيضيف إليها قيودات واستدراكات من عنده. ثم ماذا على من استدل بالقرآن في تقسيم التوحيد؟ لا ينكر هذا الأصل العظيم الثابت في القرآن والسنة إلا ضال منحرف.
٢ قال الكاتب ص ٣: " ... وخصوصاً أنَّ هذا التقسيم لايعرف عند السلف البتة وإنما اخترع هذا التقسيم وانتشر بعد القرن السابع الهجري".
وقال ص ٦: "ولم يذكر الله تعالى في كتابه ولا النبي ﷺ في سنته١ أنَّ التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء
стр. 26
وصفات، بل لم ينطق بهذا التقسيم أحد من الصحابة بل ولا أحد من التابعين، بل ولا أحد من السلف الصالح رضي الله عن الجميع بل إنَّ هذا التقسيم بدعة خلفية مذمومة حدثت في القرن الثامن الهجري، أي بعد زمن النبي ﷺ بنحو ثمانمائة سنة ولم يقل بهذا التقسيم أحد من قبل ... ".
وقال ص ١٠: "ابن تيمية الذي اخترع تقسيم التوحيد إلى ألوهية وربوبية..".
قلت: أما الأدلة من الكتاب والسنة على هذا التقسيم فهي كثيرة لا تحصر يعرفها من لديه أدنى إلمام بنصوص الكتاب والسنة، بل إن من يحفظ فاتحة الكتاب١ وسورة الناس يجد فيهما ما يشفي ويكفي من وضوح دلالة ونصوع برهان على هذا التقسيم، بل هو أكبر الحقائق الشرعية المقررة في الكتاب والسنة، وقد تقدم قريباً شيء من أدلة القرآن الكريم على هذا التقسيم، وهذا لا يكابر فيه إلا ضالٌّ منحرفٌ لوضوحه وجلائه.
وأما قول الكاتب إنَّ هذا التقسيم اخترعه ابن تيمية، ولم يقل به أحد من السلف الصالح، ولم يوجد إلا في القرن الثامن الهجري فهذا دليل على قصور علمه وقلة خبرته ومعرفته بكتب السلف الصالح إذ هي مليئة بالتصريح تارة والإشارة تارة إلى هذه الأقسام، ولو ذهبت أنقل كل ما أعلمه من أقوالهم في ذلك لطال المقام، لكن حسبي أن أورد هنا بعض النقول ونزراً يسيراً من النصوص المشتملة على ذكر أقسام التوحيد الثلاثة لبعض الأئمة الذين كانوا قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ليظهر كذب الكاتب وليبين جهله.
стр. 27
النص الأول: للإمام أبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري المتوفى سنة ٣٨٧هـ.
فقد قال ﵀ في كتابه "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة" ما نصه: " ... وذلك أنَّ أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مبايناً لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعاً.
والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مبايناً بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.
والثالث: أن يعتقده موصوفاً بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفاً بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه.
إذ قد علمنا أنَّ كثيراً ممن يقر به ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته فيكون إلحاده في صفاته قادحاً في توحيده.
ولأنَّا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاث والإيمان بها.
فأمَّا دعاؤه إياهم إلى الإقرار بربانيته ووحدانيته فلسنا نذكر هذا هاهنا لطوله وسعة الكلام فيه، ولأنَّ الجهمي يدعي لنفسه الإقرار بهما وإن كان جحده للصفات قد أبطل دعواه لهما ... "١.
ثم أخذ يورد ما يدل على بطلان قول الجهمية في نفي الصفات. فهذا نص
стр. 28
في غاية الوضوح في ذكر أقسام التوحيد الثلاثة.
وتأمل قول ابن بطة: "لأنَّ الجهمي يدعي لنفسه الإقرار بهما ... " أي الربوبية والألوهية وإنما جحد توحيد الأسماء والصفات خلاف هذا المبطل الذي جحد وأنكر تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام وجعله من قبيل التثليث في العقيدة الإسلامية فكان بذلك الجهمية دونه في الضلال.
وتأمل قول ابن بطة: "ولأنَّا نجد الله قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاثة والإيمان بها" ففيه أبلغ رد على الكاتب في قوله: "ولم يذكر الله في كتابه ولا النبي ﷺ في سنته أنَّ التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام ... ".
وتأمل قوله في بداية كلامه: "وذلك أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء ... " فنص ﵀ على أنَّ أقسام التوحيد الثلاثة هي أصل الإيمان الذي يجب على الخلق اعتقاده مع إثبات الإيمان بالله، ومعنى ذلك أنَّه لا إيمان لمن لم يأت بهذه الأمور الثلاثة ولا توحيد، إذ الإيمان والتوحيد هو إفراد الله وحده بهذه الأمور الثلاثة فمن لم يأت بتوحيد الربوبية فهو معطِّل للخالق مشرك في ربوبية الله، ومن لم يأت بتوحيد الألوهية فهو مشرك في ألوهية الله وعبادته كالمشركين عبدة الأصنام، ومن لم يأت بتوحيد الأسماء والصفات فهو كافر ملحد في أسماء الله وصفاته.
فكيف يقول مسلم عاقل إنَّ هذه الأمور لا أصل لها ولا أساس، ولا وجود لها في الكتاب والسنة، فاللهم غفراً.
النص الثاني: للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن يحيى بن مندة المتوفى سنة ٣٩٥هـ.
ففي كتابه "كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على
стр. 29
الاتفاق والتفرد" ذكر أقسام التوحيد واستعرض كثيراً من أدلتها في الكتاب والسنة بشرح وبسط لا مزيد عليه.
فمن الأبواب التي عقدها وهي متعلقة بتوحيد الربوبية ما يلي:
١ ذِكْرُ ما وصف الله به نفسه ودلَّ على وحدانيته وأنَّه أحدٌ صمدٌ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
٢ ذكر معرفة بدء الخلق.
٣ ذكر ما يدل على أنَّ خلق العرش تقدم على خلق الأشياء.
٤ ذكر ما يدل على أنَّ الله قدر مقادير كل شيء قبل خلق الخلق.
٥ ذكر ما يستدل به أولو الألباب من الآيات الواضحة التي جعلها الله دليلاً لعباده من خلقه على معرفته ووحدانيته من انتظام صنعته وبدائع حكمته في خلق السموات والأرض ...
٦ ذكر ما بدأ الله من الآيات الواضحة الدالة على وحدانيته.
٧ ذكر الآيات المتفقة المنتظمة الدالة على توحيد الله في صفة خلق السموات التي ذكرها في كتابه وبينها على لسان رسوله ﷺ تنبيهاً لخلقه١. ثم ذكر أبواباً أخرى.
ومن الأبواب التي عقدها وهي متعلقة بتوحيد الألوهية ما يلي:
١ ذكر معرفة أسماء الله الحسنة التي تسمى بها وأظهرها لعباده للمعرفة والدعاء والذكر.
стр. 30
٢ ذكر معرفة اسم الله الأكبر الذي تسمى به وشرفه على الأذكار كلها.
وذكر تحت هذا الباب ما يلي:
أقول النبي ﷺ : "أمرت أن أدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله".
ب قول النبي ﷺ : "بني الإسلام على شهادة أن لا إله إلا الله".
ج قول النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت".
د قول النبي ﷺ لرجل: "قل ربي الله ثم استقم".
هـ قول النبي ﷺ لرجل: "الله يمنعني منك".
وقول النبي ﷺ "من كان حالفاً فليحلف بالله ومن حلف بغير الله فقد أشرك".
ز قول النبي ﷺ : "اذكروا الله على جميع الأمور"، قال تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ ١.
وذكر أموراً أخرى كثيرة متعلقة بتوحيد الألوهية.
ومن الأبواب التي عقدها وهي متعلقة بتوحيد الأسماء والصفات ما يلي:
ذكر معرفة صفات الله التي وصف بها نفسه وأنزل بها كتابه وأخبر بها الرسول ﷺ على سبيل الوصف لربه مبيناً ذلك لأمته.
وذكر أبواباً أخرى كثيرة في توحيد الأسماء والصفات٢، وكان قبل هذا
стр. 31
ذكر جملة كبيرة من أسماء الله الحسنى١.
قال شيخنا الدكتور علي بن ناصر فقيهي في مقدمة تحقيقه لكتاب ابن مندة المتقدم: "ومؤلف هذا الكتاب عاش في القرن الرابع الهجري (٣١٠-٣٩٥هـ) وقد اشتمل كتابه على أقسام التوحيد التي ورد ذكرها في كتاب الله تعالى توحيد الربوبية توحيد الألوهية توحيد الأسماء والصفات فبدأ بقسم الوحدانية في الربوبية مستدلاً به على توحيد الله في الألوهية، ثم ذكر عنواناً لتوحيد الأسماء ومنه دخل في توحيد الألوهية وذلك من الفصل الثاني والأربعين إلى الفصل الخمسين، ثم عاد لتكميل أسماء الله تعالى، ثم اتبعه بتوحيد الصفات حيث بحثه مستقلاً عن أسماء الله ، ثم عاد إلى توحيد الربوبية بالتصريح بذلك في آخر الكتاب ولم يخرج في استدلاله على ذلك عن كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ وأقوال السلف كما يجد ذلك القارئ في الكتاب.
وهذا التقسيم الذي شمله هذا الكتاب، ردٌّ على أبي حامد بن مرزوق الذي يقول في كتابه المسمى "التوسل بالنبي وجهالة الوهابيين": إنَّ تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والقول بأنَّ المشركين كانوا مؤمنين بالأول دون الثاني ولم يدخلهم في الإسلام أنَّ ذلك بدعة ابتدعها ابن تيمية وقلده فيها محمد بن عبد الوهاب ... "٢.
قلت: فلعل الكاتب تلقف فريته هذه من أبي حامد بن مرزوق، ونقلها عنه، فإنَّ أهل الأهواء يتوارثون بدعهم، كما يتوارث أهل السنة الحقَّ من
стр. 32
مشكاة النبوة، ولكن فرق بين الإرثين:
شتان بين الوارثين وبين مو ... رثيهما وسهام ذي سهمان ١
النص الثالث: لإمام قبل هذين الإمامين وهو الإمام القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الكوفي صاحب أبي حنيفة المتوفى سنة ١٨٢هـ.
فقد قال ابن مندة في كتابه التوحيد: أخبرنا محمد بن أبي جعفر السرخسي ثنا محمد بن سلمة البلخي ثنا بشر بن الوليد القاضي عن أبي يوسف القاضي أنَّه قال: "ليس التوحيد بالقياس ألم تسمع إلى قول الله في الآيات التي يصف بها نفسه أنَّه عالم قادر قوي مالك ولم يقل: إني عالم قادر لعلةِ كذا أقدر، بسبب كذا أعلم، وبهذا المعنى أملك، فلذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف إلا بأسمائه، ولا يوصف إلا بصفاته، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ وَالذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢ الآية، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ ٣، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ التِّي تَجْرِي فِي البَحْرِ﴾ ٤ الآية.
قال أبو يوسف: لم يقل الله: انظر كيف أنا العالم وكيف أنا القادر وكيف أنا الخالق، ولكن قال: انظر كيف خلقت ثم قال: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ
стр. 33
يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ١، وقال: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ٢ أي: تعلم أن هذه الأشياء لها ربٌّ يقلبها ويبديها ويعيدها وأنك مكون ولك من كونك. وإنما دل الله خلقه بخلقه ليعرفوا أنَّ لهم رباً يعبدوه ويطيعوه ويوحدوه، ليعلموا أنه مكونهم، لا هم كانوا، ثم تسمى فقال: أنا الرحمن وأنا الرحيم وأنا الخالق وأنا القادر وأنا المالك، أي: هذا الذي كونكم يسمى المالك القادر الله الرحمن الرحيم بها يوصف.
ثم قال أبو يوسف: يُعرف الله بآياته وبخلقه ويوصف بصفاته ويسمَّى بأسمائه كما وصف في كتابه، وبما أدَّى إلى الخلق رسوله.
ثم قال أبو يوسف: إن الله خلقك وجعل فيك آلات وجوارح عجز بعض جوارحك عن بعض وهو ينقلك من حال إلى حال لتعرف أنَّ لك رباً وجعل فيك نفسك عليك حجة بمعرفته تتعرف بخلقه، ثم وصف نفسه فقال: أنا الرب وأنا الرحمن وأنا الله وأنا القادر وأنا المالك فهو يوصف بصفاته ويسمى بأسمائه، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ ٣، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ٤، وقال: ﴿لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥، فقد أمرنا الله أن نوحده، وليس
стр. 34
التوحيد بالقياس؛ لأنَّ القياس يكون في شيء له شبه ومثل، فالله تعالى وتقدس لا شبه له ولا مثل له تبارك الله أحسن الخالقين.
ثم قال: وكيف يدرك التوحيد بالقياس وهو خالق الخلق بخلاف الخلق ليس كمثله شيء ﵎. وقد أمرك الله أن تؤمن بكلِّ ما أتى به نبيه ﷺ فقال: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١، فقد أمرك الله بأن تكون تابعاً سامعاً مطيعاً ولو يوسّع على الأمة التماس التوحيد وابتغاء الإيمان برأيه وقياسه وهواه إذاً لضلوا، ألم تسمع إلى قول الله : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ ٢، فافهم ما فسر به ذلك"٣.
ورواه أيضاً الإمام الحافظ قوام السنة أبو القاسم إسماعيل التيمي الأصبهاني المتوفى سنة ٥٣٥هـ في كتابه "الحجة في بيان المحجة وشرح التوحيد ومذهب أهل السنة" ولأهميته عنده خصه بفصل مستقل فقال: "فصل في النهي عن طلب كيفية صفات الله " وذكره بإسناده من طريق السرخسي به٤.
وأثر أبي يوسف هذا الذي رواه هذان الإمامان عظيم القدر مشتمل على أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.
стр. 35
قال شيخنا الدكتور علي فقيهي في التعليق على هذا الأثر: " ... وقد ذكر أبو يوسف كلاماً نفيساً في باب التوحيد هو ظاهر في توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات. فذكر أنَّ التوحيد لا يكون بالقياس، مبيناً أنَّ القياس لا يكون إلا إذا وجدت علة حيث قال: ألم تسمع إلى قول الله في الآيات التي يصف بها نفسه أنَّه عالم قادر قوي ولم يقل إني قادر عالم لعلة كذا، أو أقدر بسبب كذا، قال: ولذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف الله إلا بأسمائه، ولا يوصف إلا بصفاته، ثم ذكر أدلة ذلك، ثم قال: لم يقل الله انظر كيف أنا العالم وكيف أنا القادر، وإنما قال: انظر كيف خلقت ... الخ إنما ذكره ﵀ لا يحتاج لبيان فراجعه تجد فيه الردَّ على الملحدين في الربوبية وفي الأسماء والصفات مستدلاً بذلك على توحيد العبادة والطاعة لله وحده"١.
قلت: فهذه ثلاثة نصوص عن ثلاثة أئمة ماتوا قبل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله٢، الأولان منهم ماتا في القرن الرابع الهجري والثالث وهو أبو يوسف مات في القرن الثاني الهجري، وروى أثره التيمي وقد مات في القرن السادس وهي مشتملة على أقسام التوحيد الثلاثة بغاية الجلاء والوضوح فعلى مرِّ القرون أهل السنة والجماعة متتابعون على هذا التقسيم ليس بينهم خلاف فيه، ولا ينكر ذلك إلا مبتدع ضال منحرف.
стр. 36
وليت شعري ماذا سيقول الكاتب وأسلافه أمام هذه النصوص الواضحة الجلية عن أهل السنة والجماعة في تقسيم التوحيد؟ هل سيقول عن هؤلاء الأئمة "إنهم تبعوا ابن تيمية في مذهبه الباطل"؟! كما قد قال مثل ذلك بعض الجهلة مثله وقد أورد عليه نص من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: "ابن تيمية وهابي"!! وما ولد ابن عبد الوهاب إلا من بعده بقرون، فالله المستعان.
٣ قال الكاتب ص ٣: "فاعلم أنَّ تقسيم التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاث تقسيم غير صحيح تكلم به بعض متأخري المصنفين منهم صاحب شرح العقيدة الطحاوية ابن أبي العزِّ المنسوب للحنفية خطأ الذي ردَّ على صاحب الكتاب الأصلي الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي رحمه الله تعالى أثناء شرحه على كتابه متن الطحاوية في التوحيد فزيف ابن أبي العزِّ بعض كلام أبي جعفر الطحاوي ﵀، وظهر بثوب الدعوة إلى مذهب السلف الصالح فخالف حقيقة صريح الكتاب والسنة والإجماع وعقيدة أهل السنة والجماعة الواردة في كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي ... ".
وكرر مثل هذا الكلام ص: ٦، وص: ١٢، وص: ٤٥، وص: ٦٠، وكثيراً ما يكرر ما يذكره لأغراض لعل منها تسمين الكتاب ونفخه كيفما اتفق.
وأقول:
أولاً: أمَّا قول الكاتب عن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام بأنَّه تقسيم غير صحيح، فهذا كلام من يهرف بما لا يعرف، ويتكلم بما لا يعلم وهو من القول على الله بلا علم في أصلِ الأصول وأعظم الأركان توحيد الله، وصغار تلاميذ أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان يعلمون صحة هذا التقسيم وأدلته من الكتاب والسنة، وقد سبق أن أوردت شيئاً منها فيما تقدم، والكاتب فيما ذكر
стр. 37
يكشف عن قلة علمه وقصور فهمه في أظهر الأمور وأبينها.
ثانياً: أما قوله: "تكلم به بعض متأخري المصنفين" فقد سبق نقض ذلك وبيان عدم صحته فيما تقدم، لكن أضيف هنا نصين آخرين لإمامين مشهورين الأول للإمام أبي حنيفة والثاني للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمهما الله، وفيهما ذكر أقسام التوحيد الثلاثة كقول أهل السنة والجماعة سواء.
١ قال الإمام أبو حنيفة (ت١٥٠هـ) في كتابه الفقه الأبسط (ص٥١) : "والله يدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأنَّ الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء".
فقوله: "يدعى من أعلى لا من أسفل ..." فيه إثبات العلو لله، وهو من توحيد الأسماء والصفات، وفيه رد على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم من نفاة العلو.
وقوله: "من وصف الربوبية" فيه إثبات توحيد الربوبية.
وقوله: "والألوهية" فيه إثبات توحيد الألوهية.
٢ وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت٣٢١هـ) في مقدمة متنه في العقيدة المشهور بالطحاوية: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره ...".
فقوله: "إن الله واحد لا شريك له" شامل لأقسام التوحيد الثلاثة، فهو سبحانه واحد لا شريك له في ربوبيته، وواحد لا شريك له في ألوهيته، وواحد لا شريك له في أسمائه وصفاته.
وقوله: "ولا شي مثله" هذا من توحيد الأسماء والصفات.
وقوله: "ولا شيء يعجزه" هذا من توحيد الربوبية.
стр. 38
وقوله: "ولا إله غيره" هذا من توحيد الألوهية.
فهذه أقسام التوحيد الثلاثة صريحة واضحة في نصي هذين الإمامين رحمهما الله.
وذكر الطحاوي في مقدمة متنه المذكور أنَّه مشتمل على: "بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصل الدين، ويدينون به رب العالمين".
وقد قال الكاتب ص ١٢: "اعلم أنَّ متن الطحاوية وهو الكتاب الذي صنفه أبو جعفر الطحاوي ﵀ كتاب صحيح مستقيم من أحسن كتب العقيدة التي تمثل اعتقاد السلف الصالح، ولأنَّه أعني الطحاوي ذكر في مقدمة ذلك الكتاب أنَّه عقيدة الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁ وصاحبيه محمد بن الحسن والقاضي أبي يوسف رحمهما الله تعالى ...".
فنقول له: إنَّ جميع هؤلاء الأئمة المذكورين قائلون بتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، موافقون لأهل السنة والجماعة فيه، فابن أبي العز ﵀ تبعٌ للجميع في ذلك، ولم يأت ببدع من الأمر كما زعمت وادَّعيت. فهؤلاء هم سلف ابن أبي العزِّ وأئمته في هذا التقسيم، فمن من السلف قال بإنكاره، سمهم لنا، ولن تجد أحداً من السلف ينكر هذا التقسيم ولو بحثت في كتب أهل العلم ما حييت، بل ستجد النصوص الكثيرة عنهم في ذكر هذا التقسيم اتباعاً للكتاب والسنة ولزوماً لما جاء فيهما، فهم يتبعون ولا يبتدعون، ويقتدون ولا يبتدون، ومخالفوهم هم أهل البدع والأهواء، المشاقون لله ولرسوله، المتبعون غير سبيل المؤمنين.
стр. 39
وأيضاً من العلماء الذين جاء عنهم ذكر هذه الأقسام الإمام ابن جرير الطبري (ت٣١٠هـ) في تفسيره في مواطن عديدة١، والقرطبي في تفسيره في مواطن عديدة٢، وابن حبان البستي (ت٣٥٤هـ) في مقدمة كتابه "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" حيث يقول: "الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، والعالم بتقلبها وأحوالها، المانِّ عليهم بتواتر آلائه، المتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي أنشأ الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وخلق البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بعزته إرادته ... ".
فذكر الأقسام الثلاثة الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.
وابن أبي زيد القيرواني المالكي (ت٣٨٦هـ) في مقدمة عقيدته حيث قال: "من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان بأن الله إله واحد لا إله غيره، ولا شبيه له ولا نظير ولا ولد له ولا والد له، ولا صاحبة له ولا شريك له، ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء لا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون ... إلى أن قال: ... تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد أو يكون لأحد عنه غناً، خالقاً لكل شيء، ألا هو رب العباد ورب أعمالهم والمقدر لحركاتهم وآجالهم ...".
فذكر الأقسام الثلاثة.
وأبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي في مقدمة كتابه "سراج الملوك"
стр. 40
(١/٧) حيث قال: "وأشهد له بالربوبيَّة والوحدانية، وبما شهد به لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والنعوت الأوفى".
فذكر الأقسام الثلاثة، والنقول في هذا كثيرة.
ثالثاً: وأمَّا قول الكاتب عن ابن أبي العزِّ إنَّه منسوب للحنفية خطأ فقد قاله جزافاً دون بحث أو تحقيق كما هي عادته، إذ لو طالع كتب التراجم في ترجمة ابن أبي العز لوجدها مليئة بما يبين كذبه وجهله، ومما جاء في كتب التراجم ويدل على حنفية ابن أبي العز ما يلي:
١ كونه ينتمي لأسرة تتزعم المذهب الحنفي في دمشق فأبوه هو القاضي علاء الدين علي بن أبي العز الحنفي المتوفى سنة ٧٤٦هـ خطيب جامع الأمزم ونائب الحكم القاضي عماد الدين الطرسوسي، وجده هو القاضي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي العز أحد مشايخ الحنفية حكم نيابة نحواً من عشرين سنة وهو أول من خطب بجامع الأمزم ودرَّس بالمعظمية واليغمورية والقليجية، وأبو جده هو محمد بن أبي العز صالح بن أبي العز الأوزعي، وكان المدرس الرابع بالمرشدية، ومن أولاد عمومته القاضي صدر الدين سليمان بن أبي العز أحد من انتهت إليه رياسة المذهب الحنفي في زمانه، والمفتي محمد بن سليمان بن أبي العز كان من كبار الحنفية، وعلى بن يوسف بن محمد بن سليمان بن أبي العز كان فقيهاً حنفياً، فهو نشأ في كنف أسرة جميع أفرادها ينتحلون مذهب أبي حنيفة.
٢ كونه ولي التدريس بالمدارس الخاصة بالحنفيَّة، فقد درَّس بالقيمازية سنة (٧٤٨هـ) ودرَّس بالمدرسة الركنية سنة (٧٧٧هـ) ودرَّس بالعزية البرانية سنة (٧٨٤هـ) ودرَّس بالجوهرية، وجميع هذه من مدارس الحنفية.