← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 8527

القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (119 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وليت شعري ماذا سيقول الكاتب وأسلافه أمام هذه النصوص الواضحة الجلية عن أهل السنة والجماعة في تقسيم التوحيد؟ هل سيقول عن هؤلاء الأئمة "إنهم تبعوا ابن تيمية في مذهبه الباطل"؟! كما قد قال مثل ذلك بعض الجهلة مثله وقد أورد عليه نص من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: "ابن تيمية وهابي"!! وما ولد ابن عبد الوهاب إلا من بعده بقرون، فالله المستعان. ٣ قال الكاتب ص ٣: "فاعلم أنَّ تقسيم التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاث تقسيم غير صحيح تكلم به بعض متأخري المصنفين منهم صاحب شرح العقيدة الطحاوية ابن أبي العزِّ المنسوب للحنفية خطأ الذي ردَّ على صاحب الكتاب الأصلي الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي رحمه الله تعالى أثناء شرحه على كتابه متن الطحاوية في التوحيد فزيف ابن أبي العزِّ بعض كلام أبي جعفر الطحاوي ﵀، وظهر بثوب الدعوة إلى مذهب السلف الصالح فخالف حقيقة صريح الكتاب والسنة والإجماع وعقيدة أهل السنة والجماعة الواردة في كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي ... ". وكرر مثل هذا الكلام ص: ٦، وص: ١٢، وص: ٤٥، وص: ٦٠، وكثيراً ما يكرر ما يذكره لأغراض لعل منها تسمين الكتاب ونفخه كيفما اتفق. وأقول: أولاً: أمَّا قول الكاتب عن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام بأنَّه تقسيم غير صحيح، فهذا كلام من يهرف بما لا يعرف، ويتكلم بما لا يعلم وهو من القول على الله بلا علم في أصلِ الأصول وأعظم الأركان توحيد الله، وصغار تلاميذ أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان يعلمون صحة هذا التقسيم وأدلته من الكتاب والسنة، وقد سبق أن أوردت شيئاً منها فيما تقدم، والكاتب فيما ذكر

стр. 37

يكشف عن قلة علمه وقصور فهمه في أظهر الأمور وأبينها. ثانياً: أما قوله: "تكلم به بعض متأخري المصنفين" فقد سبق نقض ذلك وبيان عدم صحته فيما تقدم، لكن أضيف هنا نصين آخرين لإمامين مشهورين الأول للإمام أبي حنيفة والثاني للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمهما الله، وفيهما ذكر أقسام التوحيد الثلاثة كقول أهل السنة والجماعة سواء. ١ قال الإمام أبو حنيفة (ت١٥٠هـ) في كتابه الفقه الأبسط (ص٥١) : "والله يدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأنَّ الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء". فقوله: "يدعى من أعلى لا من أسفل ..." فيه إثبات العلو لله، وهو من توحيد الأسماء والصفات، وفيه رد على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم من نفاة العلو. وقوله: "من وصف الربوبية" فيه إثبات توحيد الربوبية. وقوله: "والألوهية" فيه إثبات توحيد الألوهية. ٢ وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت٣٢١هـ) في مقدمة متنه في العقيدة المشهور بالطحاوية: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره ...". فقوله: "إن الله واحد لا شريك له" شامل لأقسام التوحيد الثلاثة، فهو سبحانه واحد لا شريك له في ربوبيته، وواحد لا شريك له في ألوهيته، وواحد لا شريك له في أسمائه وصفاته. وقوله: "ولا شي مثله" هذا من توحيد الأسماء والصفات. وقوله: "ولا شيء يعجزه" هذا من توحيد الربوبية.

стр. 38

وقوله: "ولا إله غيره" هذا من توحيد الألوهية. فهذه أقسام التوحيد الثلاثة صريحة واضحة في نصي هذين الإمامين رحمهما الله. وذكر الطحاوي في مقدمة متنه المذكور أنَّه مشتمل على: "بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصل الدين، ويدينون به رب العالمين". وقد قال الكاتب ص ١٢: "اعلم أنَّ متن الطحاوية وهو الكتاب الذي صنفه أبو جعفر الطحاوي ﵀ كتاب صحيح مستقيم من أحسن كتب العقيدة التي تمثل اعتقاد السلف الصالح، ولأنَّه أعني الطحاوي ذكر في مقدمة ذلك الكتاب أنَّه عقيدة الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁ وصاحبيه محمد بن الحسن والقاضي أبي يوسف رحمهما الله تعالى ...". فنقول له: إنَّ جميع هؤلاء الأئمة المذكورين قائلون بتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، موافقون لأهل السنة والجماعة فيه، فابن أبي العز ﵀ تبعٌ للجميع في ذلك، ولم يأت ببدع من الأمر كما زعمت وادَّعيت. فهؤلاء هم سلف ابن أبي العزِّ وأئمته في هذا التقسيم، فمن من السلف قال بإنكاره، سمهم لنا، ولن تجد أحداً من السلف ينكر هذا التقسيم ولو بحثت في كتب أهل العلم ما حييت، بل ستجد النصوص الكثيرة عنهم في ذكر هذا التقسيم اتباعاً للكتاب والسنة ولزوماً لما جاء فيهما، فهم يتبعون ولا يبتدعون، ويقتدون ولا يبتدون، ومخالفوهم هم أهل البدع والأهواء، المشاقون لله ولرسوله، المتبعون غير سبيل المؤمنين.

стр. 39

وأيضاً من العلماء الذين جاء عنهم ذكر هذه الأقسام الإمام ابن جرير الطبري (ت٣١٠هـ) في تفسيره في مواطن عديدة١، والقرطبي في تفسيره في مواطن عديدة٢، وابن حبان البستي (ت٣٥٤هـ) في مقدمة كتابه "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" حيث يقول: "الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، والعالم بتقلبها وأحوالها، المانِّ عليهم بتواتر آلائه، المتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي أنشأ الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وخلق البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بعزته إرادته ... ". فذكر الأقسام الثلاثة الألوهية والربوبية والأسماء والصفات. وابن أبي زيد القيرواني المالكي (ت٣٨٦هـ) في مقدمة عقيدته حيث قال: "من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان بأن الله إله واحد لا إله غيره، ولا شبيه له ولا نظير ولا ولد له ولا والد له، ولا صاحبة له ولا شريك له، ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء لا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون ... إلى أن قال: ... تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد أو يكون لأحد عنه غناً، خالقاً لكل شيء، ألا هو رب العباد ورب أعمالهم والمقدر لحركاتهم وآجالهم ...". فذكر الأقسام الثلاثة. وأبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي في مقدمة كتابه "سراج الملوك"

стр. 40

(١/٧) حيث قال: "وأشهد له بالربوبيَّة والوحدانية، وبما شهد به لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والنعوت الأوفى". فذكر الأقسام الثلاثة، والنقول في هذا كثيرة. ثالثاً: وأمَّا قول الكاتب عن ابن أبي العزِّ إنَّه منسوب للحنفية خطأ فقد قاله جزافاً دون بحث أو تحقيق كما هي عادته، إذ لو طالع كتب التراجم في ترجمة ابن أبي العز لوجدها مليئة بما يبين كذبه وجهله، ومما جاء في كتب التراجم ويدل على حنفية ابن أبي العز ما يلي: ١ كونه ينتمي لأسرة تتزعم المذهب الحنفي في دمشق فأبوه هو القاضي علاء الدين علي بن أبي العز الحنفي المتوفى سنة ٧٤٦هـ خطيب جامع الأمزم ونائب الحكم القاضي عماد الدين الطرسوسي، وجده هو القاضي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي العز أحد مشايخ الحنفية حكم نيابة نحواً من عشرين سنة وهو أول من خطب بجامع الأمزم ودرَّس بالمعظمية واليغمورية والقليجية، وأبو جده هو محمد بن أبي العز صالح بن أبي العز الأوزعي، وكان المدرس الرابع بالمرشدية، ومن أولاد عمومته القاضي صدر الدين سليمان بن أبي العز أحد من انتهت إليه رياسة المذهب الحنفي في زمانه، والمفتي محمد بن سليمان بن أبي العز كان من كبار الحنفية، وعلى بن يوسف بن محمد بن سليمان بن أبي العز كان فقيهاً حنفياً، فهو نشأ في كنف أسرة جميع أفرادها ينتحلون مذهب أبي حنيفة. ٢ كونه ولي التدريس بالمدارس الخاصة بالحنفيَّة، فقد درَّس بالقيمازية سنة (٧٤٨هـ) ودرَّس بالمدرسة الركنية سنة (٧٧٧هـ) ودرَّس بالعزية البرانية سنة (٧٨٤هـ) ودرَّس بالجوهرية، وجميع هذه من مدارس الحنفية.

стр. 41

٣ كونه ولي قضاء الحنفية، وذلك آخر سنة (٧٧٦هـ) نيابة عن ابن عمه نجم الدين الذي نقل إلى قضاء مصر في شهر محرم سنة (٧٧٧هـ) ثم إنَّ نجم الدين استعفى من القضاء بعد مائة يوم، فنقل إلى دمشق، وولى مكانه ابن أبي العز شارح الطحاوية قضاء الحنفية بمصر في جمادى الآخرة من هذه السنة فباشر القضاء نحو شهرين ثم استعفى فأعفي وعاد إلى دمشق على وظائفه في القيمازية والجوهرية والخطابة. ٤ من مؤلفاته "التنبيه على مشكلات الهداية" ذكره السخاوي وغيره، وكتاب الهداية من الكتب المعتمدة عند الحنفيَّة لمؤلفه علي بن أبي بكر الفرغاني المرغيناني الحنفي المتوفى سنة ٥٩٣هـ١. إلا أنه لم يكن متعصباً للمذهب، ومن مؤلفاته القيمة في ذلك كتابه "الاتباع" "وهو رد على الرسالة التي ألَّفها معاصره أكمل الدين محمد بن محمود بن أحمد الحنفي المتوفى سنة ٧٨٦هـ، ورجح فيه تقليد مذهب أبي حنيفة ﵀ وحض على ذلك وقد وجد فيها ابن أبي العز مواضع مشكلة فأحب أن ينبه عليها خوفاً من التفرق المنهي عنه واتباع الهوى المردي، وقد كان موفقاً كل التوفيق في هذا الرد، فإنه ﵀ نهج نهجاً علمياً ينبئ عن أدب جم، وقوة حجة، واتساع دائرة، وبراءة من التعصب المذموم، ورغبة ملحة في جمع القلوب، وإزالة العوائق"٢. والمقصود مما تقدم التنبيه على كذب الكاتب في دعواه أن ابن أبي العز منسوب إلى الحنفية خطأً.

стр. 42

رابعاً: وأما قول الكاتب عن ابن أبي العز إنه زيَّف كلام الإمام الطحاوي وظهر بثوب الدعوة إلى مذهب أهل السنة والجماعة. فهذا من البهت والكذب، يُقصد من ورائه تزهيد الناس في هذا الكتاب العظيم والمؤلف القيم الذي لا نظير له في بابه، والذي هو بحق يدل على غزارة علم مصنفه، وسعة اطلاعه وحسن وصفاء عقيدته، وسلامة سلوكه ومنهجه، وقد عمَّ بحمد الله نفعه، وذاع صيته، وعظمت فائدته، وانتفع به خلق لا يحصون، ولعل ذلك يرجع إلى نصح مؤلفه وحسن قصده والله أعلم. وقد سار في كتابه على نهج أهل السنة والجماعة ومشى على منوالهم، وأهل السنة والجماعة يعظمون الحق ويقدمونه على أقوال الرجال، ولا يقبلون من القول إلا ما وافق الكتاب والسنة وما سوى ذلك ردُّوه أيّاً كان قائله فالحق هو المعظَّم والمقدَّم عندهم "وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ". وعليه فابن أبي العز لم يخطئ الطحاوي ولم يزيف كلامه كما زعم الكاتب، وإنما ذكر الحق والصواب في أمور قليلة يرى أنَّ الطحاوي أخطأ فيها، وليس هو بالمعصوم فهو بشر يخطئ ويصيب، ومن ذلك تنبيهه على الحق والصواب في تعريف الإيمان، وكذلك تنبيهه على قول الطحاوي: "وأهله في أصله سواء" وغير ذلك في مسائل يسيرة، وهذا عند المصنفين من أهل العلم يعد منقبة لابن أبي العز حيث لم يتعصب لقول إمامه بل تحرَّى الحق وقرر الصواب وإن كان مخالفاً لقول إمامه، وهذا عين العدل والإنصاف. ٤ نقل الكاتب ص: ٦ عن ملا علي القاري في كتابه شرح الفقه الأكبر (ص١٧٢) أنه قال في شارح الطحاوية ابن أبي العز بأنه: "صاحب مذهب باطل، تابع لطائفة من المبتدعة".

стр. 43

قلت: أولاً: لم يقل شارح الفقه الأكبر ملا علي القاري هذا الذي ذكره الكاتب، بل إنني وجدته في شرحه للفقه الأكبر ينقل في مواطن كثيرة عنه، وانظر على سبيل المثال الصفحات التالية (٣٠، ٣٢، ٣٩، ٥٧، ٦٩، ١٣٠، ١٣٦، ١٤٠، ١٥٢، ١٥٧) من شرح الفقه الأكبر. لكن نظراً لكون ملا علي القاري سار في عقيدته على طريقة الماتريدية في نفي العلو لعلوق شبههم به، فخالف بذلك أهل السنة والجماعة المثبتين لعلو الله على خلقه، ولهم على ذلك مئات الأدلة من الكتاب والسنة والعقل والنظر السليم١ وليس هذا موضع بسطها، أقول: لما خالف القاري أهل السنة في ذلك قال معترضاً على شارح الطحاوية ابن أبي العز ما نصه "والحاصل أنَّ الشارح يقول بعلو المكان مع نفي التشبيه وتبع فيه طائفة من أهل البدعة". قلت: بل تبع في ذلك أهل السنة والجماعة قاطبة. ثم قال القاري بعد هذا بأسطر "... ومن الغريب أنَّه استدل على مذهبه الباطل (أي: في العلو) برفع الأيدي في الدعاء وهو مردود". قلت: بل هو عين الصواب كما لا يخفى على كل صاحب سنة، والباطلُ ما سوى ذلك وهو قول أهل البدع. وعلى كلٍّ فالكاتب لفقَّ من النصين المتقدمين كلاماً نسبه للقاري وهو أنَّه قال عن شارح الطحاوية بأنَّه "صاحب مذهب باطل، تابع لطائفة من

стр. 44

المبتدعة" وجعل الكلام بين قوسين مؤكداً أنَّ الكلام منقول من مصدره بالنص. وبالمقارنة بين ما نقله الكاتب هنا وبين ما ذكر القاري في كتابه شرح الفقه الأكبر يتبين أنَّ الكاتب ملفِّقٌ مزوِّرٌ إذ كلام القاري خاص بمسألة العلو وهو مخطئ في ذلك، والكلام الذي أورده الكاتب عام مطلق، وفرق بين الأمرين كما لا يخفى. ثانياً: ومِمَّا يدلك أنَّ الكاتب محرِّف مزوِّر أنَّه لما احتاج إلى كلام القاري في الرد على ابن أبي العز في مسألة العلو نقل كلام القاري المتقدم نصًّا دون تحريف، وذلك في صفحة ٦٠ من كتابه حيث قال: "وقال الإمام المحدث ملا على القاري في شرح الفقه الأكبر مشنِّعاً على ابن أبي العز هذا شارح الطحاوية ومشوِّهها ما نصه (ص:١٧٢) : "والحاصل أنَّ الشارح يقول بعلو المكان مع نفي التشبيه وتبع فيه طائفة من أهل البدع" ... الخ اه. فانظره. وقال العلامة القاري أيضاً صحيفة ١٧٢: "ومن الغريب أنه استدل على مذهبه الباطل برفع الأيدي في الدعاء إلى السماء" ا. هـ كلام الكاتب. فقارن بين نقل الكاتب هنا، وبين نقله المتقدم، والإحالة في النقلين إلى صفحة واحدة يظهر لك كذب الكاتب وتلفيقه وغشه وتزويره، وقد قيل: "إن كنت كذوباً فكن ذكوراً". ثالثاً: نقول للكاتب إنَّ ملا علي القاري الذي نقلت قدحه في ابن أبي العز هو نفسه يقول بتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام في كتابه الذي نقلت منه نفسه، ففي شرح الفقه الأكبر ص: (٩، ١٠) يقول ملا علي القاري ما نصه: "أقول: فابتداء كلامه في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية، وهو ما يجب على العبد أولاً من معرفة الله ، والحاصل

стр. 45

أنَّه يلزم من توحيد العبودية توحيد الربوبية دون العكس في القضية لقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ ١، وقوله حكاية عنهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ٢، بل غالب سور القرآن وآياته متضمنة لنوعي التوحيد، بل القرآن من أوله إلى آخره في بيانهما وتحقيق شأنهما، فإن القرآن إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوته إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن إكرامه لأهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في العقبى، فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب والسلاسل والأغلال فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كلّه في التوحيد وحقوق أهله وثنائهم، وفي شأن ذمِّ الشرك وعقوق أهله وجزائهم، ف ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توحيد، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ توحيد، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ توحيد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيد، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، ﴿صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّين﴾ الذين فارقوا التوحيد عناداً وجهلاً وإفساداً، وكذا السنة تأتي مبينة ومقررة لما دلَّ عليه القرآن، فلم يحوجنا ربنا إلى رأي فلان وذوق فلان ووجد فلان في أصول ديننا، ولذا نجد من خالف الكتاب والسنة

стр. 46

مختلفين مضطربين بل قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ ١، فلا نحتاج في تكمليه إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة ... " ا. هـ. وقول القاري: "بل غالب سور القرآن ... " إلى قوله: " ... الذين فارقوا التوحيد" منقول نصّاً من كتاب مدارج السالكين للإمام العلامة ابن القيم (٣/٤٥٠) وسبق أن نقلت نص كلام ابن القيم بتمامه من المدارج فيما تقدم. وعليه فنقول للكاتب هل ترى أيضاً أن ملا علي القاري "صاحب مذهب باطل تابع لطائفة من المبتدعة"؟! وهل يشمله تنديدك لأنَّه سار على نهج شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم في هذا التقسيم؟!. رابعاً: ولئن قلت جدلاً إنَّ الجميع قد تأثروا بهذه المدرسة (وأنعم بها من مدرسة) فما أنت قائل في الإمام أبي حنيفة وصاحبه القاضي أبي يوسف والإمام أبي جعفر الطحاوي ﵏. وقد نقلت نصوصهم فيما تقدم، وفيها ذكر أقسام التوحيد الثلاثة؟! وجميع هؤلاء من أئمة الحنفيَّة وقد قالوا بالحق ونطقوا بالصواب واعتمدوا في ذلك على الكتاب والسنة ولم يلتفتوا إلى "رأي فلان وذوق فلان ووجد فلان في أصول الدين". فما أنت قائل؟ خامساً: ونقول للكاتب أيضاً إنَّ المتكلمين الذين تعتزي إليهم وتنافح عنهم هم أنفسهم يقسمون التوحيد إلى ثلاثة أقسام. قال شيخ الإسلام: "فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته

стр. 47

لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له"١. وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام عنهم موجود في كتبهم، يقول الشهرستاني: "وأمَّا التوحيد فقد قال أهل السنة وجميع الصفاتية: إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له"٢. وتأمل كيف جعل هذه الأمور هي غاية التوحيد، وهذا من طريقة المتكلمين فهم يقررون العقائد الفاسدة والآراء الكاسدة ثم ينسبون ذلك إلى الحق والسنة، فمراده بأهل السنة الأشاعرة، إذ أهل السنة الذين هم أهلها وأحق بها لم يفه أحد منهم بهذا الكلام المذكور. وقال البيجوري وهو من المتكلمين: "ويجب في حقه تعالى الوحدانية في الذات وفي الصفات وفي الأفعال؛ ومعنى الوحدانية في الذات أنها ليست مركبة من أجزاء متعددة، ومعنى الوحدانية في الصفات أنه تعالى ليس له صفتان فأكثر من جنس واحد كقدرتين وهكذا، وليس لغيره صفة تشابه صفته تعالى، ومعنى الوحدانية في الأفعال أنَّه ليس لغيره فعل من الأفعال، وضدها التعدد"٣. ثم إنَّ تقسيم هؤلاء المذكور ينطوي على أمور باطلة كثيرة ليس هذا موضع بيانها، لكن منها على سبيل المثال:

стр. 48

١ إدخالهم نفي الصفات تحت قولهم "ولا شبيه له في صفاته" فصار عندهم مَن يقول: إنَّ لله علماً وقدرة، أو أنَّه يُرى في الآخرة، أو أنَّ القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، أو أنَّ له وجهاً وسمعاً وبصراً وغير ذلك من الصفات، مشبِّهاً ليس بِموحِّد!!. قال ابن عبد البَّر: "ويزعمون أنَّ من أقرَّ بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود"١. ٢ إدخالهم تحت قولهم: "هو واحد في ذاته لا قسيم له" نفي علو الله على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد، وغاية هذا التوحيد أنَّه ليس فوق العرش إلهٌ يُعبد ولا ربٌ يُصلى له ويسجد!! ٣ إهمالهم في هذا التقسيم لذكر توحيد الألوهية والدعوة إلى إخلاص الدين لله وإفراده وحده بجميع أنواع العبادة، الذي هو زبدة دعوة الرسل وروحها، فهذا النوع من التوحيد لا ذكر له عندهم البتة. ٤ أشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث وهو توحيد الأفعال، وهو أنَّ خالق العالم واحد، ويظنون أنَّ هذا التوحيد المطلوب، ومن المعلوم أنَّ المشركين لو أقروا بذلك كله لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن وقاتلهم عليه الرسول ﷺ ما لم يأتوا بتوحيد الألوهية هذا مع ما في تقسيمهم من أمور باطلة وعقائد منحرفة فاسدة سبق الإشارة إلى بعضها٢.

стр. 49

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود هنا أنَّ "التوحيد" الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله وهو المذكور في الكتاب والسنة وهو المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام ليس هو هذه الأمور الثلاثة التي ذكرها هؤلاء المتكلمون، وإن كان فيها ما هو داخل في التوحيد الذي جاء به الرسول، فهم مع زعمهم أنهم "الموحدون" ليس توحيدهم التوحيد الذي ذكر الله ورسوله؛ بل التوحيد الذي يدعون الاختصاص به باطل في الشرع والعقل واللغة؛ وذلك أنَّ توحيد الرسل والمؤمنين هو عبادة الله وحده، فمن عبد الله وحده لم يشرك به شيئاً فقد وحده، ومن عبد من دونه شيئاً من الأشياء فهو مشرك به ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان مع ذلك قائلاً بهذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد ..."١. فنقول للكاتب: هؤلاء من تدافع عنهم قد قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام بلا مستند من الشرع مع ما اشتمل عليه تقسيمهم من أمور باطلة سبق التنبيه على بعضها، فهل تعد تقسيمهم هذا تثليثاً في التوحيد كما عددت تقسيم أهل السنة والجماعة للتوحيد تثليثاً مع أنَّ أهل السنة والجماعة مستندهم في ذلك الشرع، وهؤلاء لا مستند لهم سوى الهوى والعقل؟ وهل يشملهم تنديدك؟ أم أنَّك تنطلق في أحكامك من الهوى المجرد والشنآن والجور. سادساً: نقول لهذا الكاتب إنَّ أساس شبهة منكري تقسيم التوحيد ومنهم هذا الكاتب هي عين شبهة منكري أسماء الله وصفاته كالجهمية وغيرهم، حيث يدَّعون أنَّه يلزم من إثبات الأسماء والصفات تعدد القدماء٢،

стр. 50

حتى إن جهماً شيخ القوم نقل عنه أنَّه قال: "لو قلت إنَّ لله تسعة وتسعين اسماً لعبدت تسعة وتسعين إلهاً"١. قال ابن القيم ﵀ في الجواب على هذه الشبهة: "فانظر إلى هذا التدليس والتلبيس الذي يُوهم السامع أنَّهم أثبتوا قدماء مع الله تعالى، إنَّما أثبتوا قديماً واحداً بصفاته، وصفاتُه داخلةٌ في مسمى اسمه، كما أنَّهم إنَّما أثبتوا إلهاً واحداً ولَم يجعلوا كلَّ صفةٍ من صفاته إلهاً، بل هو الإله الواحد بجميع أسمائه وصفاته، وهذا بعينه متلقى من عُبَّاد الأصنام المشركين بالله تعالى المُكذِّبين لرسوله حيث قالوا: يدعو محمدٌ إلى إله واحد، ثم يقول: يا الله يا سميع يا بصير، فيدعو آلهةً متعدِّدة، فأنزل الله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ ٢، فأيُّ اسمٍ دعوتموه به فإنَّما دَعَوْتُم المُسمَّى بذلك الاسم، فأخبر سبحانه أنَّه إله واحدٌ وإن تعدَّدت أسماؤه الحُسنى المشتقَّة من صفاته، ولهذا كانت حسنى ... "٣. وعلى كلٍّ فلا نعلم فرقاً بين قول جهم هذا، وبين قول تلاميذه من الجهمية المعاصرين الذين يزعمون أنَّه يلزم من إثبات الألوهية والربوبية والأسماء والصفات التعدد في التوحيد، فالشبهة واحدة، والتآخي ظاهر. ٥ قال الكاتب ص ٦: "ولا بد أن نبطل هذا التقسيم للتوحيد في هذه المقدمة الصغيرة المتواضعة باختصار تلخيصاً للبحث الذي تحويه هذه الرسالة التي سنسلك فيها طريقة خير الكلام ما قلَّ ودلَّ فنقول وبالله تعالى التوفيق".

стр. 51

قلت: بنى الكاتب إنكاره لتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام على أمور أربعة ذكرها في أوائل رسالته تلو كلامه المتقدم١، وكل أمر من هذه الأمور التي ذكر ينم عن جهل الكاتب وقلة علمه وقصور فهمه لنصوص الشرع في أعظم الأمور وأهمها وأجلِّها قدراً وهو توحيد الله. ولئن كان الجهل قد بلغ بالكاتب هذا المبلغ في هذا الباب العظيم والركن المتين الذي لا يجهله صبية المسلمين فكيف الحال به إذن في أمور الدين الأخرى ومسائله العديدة؟! وقد قال أهل العلم: "إنَّما يؤتى الرجل من سوء فهمه أو من سوء قصده أو من كليهما، فإذا اجتمعا كمل نصيبه من الضلال"٢. وسوء فهم هذا الرجل ظاهر من كتابه بلا امتراء، وأما سوء قصده فإن ما اشتمل عليه كتابه من الكذب والغش والتدليس والتزوير على أهل العلم وغير ذلك أكبر مؤشرات إلى سوء القصد وأوضح دلالات عليه، والله من وراء كلِّ قائلٍ وقصده. ٦ قال الكاتب ص ٦: "أولاً: لا يعرف في الشرع إطلاق اسم موحد على من كفر ولو بجزء من العقيدة الإسلامية وذلك بنص الكتاب والسنة، بل لا يجوز أن نقوِّل الشرع ما لم يقل ولم يَرِد، فلا يحل لنا أن نطلق على من كان يقر بوجود الله ويدرك أنَّه هو الإله المستحق للعبادة دون أن يذعن ويدخل في هذا الدين بأنَّه موحد. بل نطلق عليه أنَّه كافر، بدليل قول الله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٣.

стр. 52

فقد وصفهم الله تعالى بالكذب والكفر، بل وصفهم بصيغة مبالغة وهي (كفَّار) كما تقول: ضارب وضرَّاب. فكيف يقال إنَّهم موحدون توحيد ربوبية والله تعالى وصفهم بالكفر صراحة؟ !! ". قلت: لم يصف أحد من أهل العلم من جاء بتوحيد الربوبية بأنَّه موحد هكذا على الإطلاق، وإنَّما يُوصف بالموحد عندهم من جاء بالتوحيد بأقسامه الثلاثة. وإنَّما يأتي في كلام أهل العلم عمن أثبت ربوبية الله وأنَّه وحده الخالق الرازق المالك المدبر لا شريك له ثم لم يفرده بالعبادة بأنَّه مقر بتوحيد الربوبية أو معترف بتوحيد الربوبية أو نحو ذلك، ولا يرون أنَّ هذا ينجيه من عذاب الله أو يخرجه من وصف الكفر. قال شيخ الإسلام: "فأمَّا توحيد الربوبية الذي أقرَّ به الخلق وقرَّره أهل الكلام فلا يكفي وحده، بل هو من الحجة عليهم"١. وقال ابن القيم: "وأمَّا توحيد الربوبية الذي أقرَّ به المسلم والكافر وقرره أهل الكلام في كتبهم فلا يكفي وحده، بل هو الحجة عليهم كما بين ذلك سبحانه في كتابه في عدة مواضع ..."٢. وقال الصنعاني في مقدمة كتابه تطهير الاعتقاد: "الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يفردوه بتوحيد العبادة كل الإفراد، فلا يتخذون له ندّاً ولا يدعون معه أحداً ولا يتوكلون إلا عليه ... ".

стр. 53

وقول أهل العلم هذا أعني وصفهم لمن أثبت ربوبية الله وأنَّه الخالق الرزاق ... الخ بأنَّه مقر بتوحيد الربوبية وإن كان مشركاً في العبادة قولٌ مطابق لما جاء في القرآن الكريم. قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١. قال ابن عباس: "أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنَّه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أنَّ الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه"٢. وقال قتادة: "أي تعلمون أنَّ الله خلقكم وخلق السموات والأرض ثم تجعلون له أنداداً٣". وقال ابن جرير " ... ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها٤ أنَّها كانت تقر بالوحدانية غير أنَّها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها فقال جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ ٥، وقال: ﴿قُلْ مَن يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَّمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ٦"٧.

стр. 54

وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ ١. قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: "يقول تعالى ذكره: وما يقر أكثر هؤلاء الذين وصف صفتهم بقوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّنْءَآيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُم عَنْهَا مُّعْرِضُونَ﴾ ٢ بالله أنَّه خالقه ورازقه وخالق كل شيء إلا وهم به مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام واتخاذهم من دونه أرباباً وزعمهم أنَّ له ولداً تعالى الله عما يقولون وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ... ". فروى عن ابن عباس أنَّه قال: "من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء، ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله وهم مشركون". وعن عكرمة أنَّه قال: "تسألهم من خلقهم ومن خلق السموات والأرض فيقولون الله فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره". وعن مجاهد قال: "إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره". وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: "ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أنَّ الله ربه، وأنَّ الله خالقه ورازقه وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣، قد عرف أنَّهم يعبدون رب العالمين

стр. 55

مع ما يعبدون، قال: فليس أحد يشرك إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك، المشركون كانوا يقولون هذا"١. ومِمَّا يدل على ما ذكره ابن زيد ﵀ لفظةُ (شريك) في تلبيتهم فالشريك هو المساوي، والمشركون يؤمنون بأنَّ الله هو الخالق الرازق المالك ويعبدونه، ويعبدون معه غيره فهذا شركهم كما في تلبيتهم التي أورد نصها ابن زيد ﵀. قال الصنعاني ﵀: "ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى"٢. قلت: هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ باللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ ٣ عند أهل العلم من الصحابة والتابعين وأتباعهم، أما الكاتب فقد حرَّف هذه الآية تحريفاً مشيناً وغيَّر معناها المراد حسب هواه وبدعته. فقال ص ٣٥: "وأمَّا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ باللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ ، فمعناه: وما يؤمن أكثرهم بالله في إقرارهم بوجود الخالق عند إقامة الحجة والبرهان عليهم تكذبه قلوبهم ويكذبه واقعهم، فإيمانهم أمامكم عند إقامة الحجة والبرهان على وجود الله تعالى بألسنتهم غير معتبر ولا مقبول عند الله تعالى ... ". قلت: فهذا تحريف سمج وتأويل باطل لهذه الآية الكريمة مخالف لما أجمع عليه المفسرون الذين نقلنا كلام بعضهم قريباً، ترده نصوص كثيرة في كتاب

стр. 56

الله فيها الإخبار عن اعتراف المشركين بوجود الله وأنَّه الخالق الرازق المدبر وقد تقدم شيء منها، ويرده تفسير الصحابة والتابعين لهذه الآية وقد تقدم. والذي حمل الكاتب إلى تأويل هذه الآية هذا التأويل الباطل، هو اعتقاده أنَّ المشركين لم يكونوا يقرون بوجود الله أصلاً، وقد صرح الكاتب بذلك في مواضع من كتابه، ومن ذلك قوله ص ٣٣: "لأنهم [أي المشركون] ما كانوا يقرون بوجود الخالق خلافاً لمن زعم أنَّهم كانوا موحدين توحيد ربوبية ... ". وحسبك بمثل هذا الكلام دلالة على إغراق الرجل في العمى والجهل، إذ الكتاب العزيز مليء بالنصوص الدالة على اعتراف المشركين بربوبية الله وإيمانهم بها وأنَّه الخالق الرازق المدبر، فكيف بوجوده، ومع ذلك يقرر الكاتب هذا التقرير الفاسد. وقد أورد ابن القيم ﵀ عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ١، أنَّه قال: "يريد عدلوا بي من خلقي الحجارة والأصنام بعد أن أقرّوا بنعمتي وربوبيتي"٢. ومن أمثلة اعتراف المشركين بربوبية الله غير ما تقدم: قول زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة: فلا تكتمنَّ الله ما في نفوسكم ... ليخفى فمهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم حساب أو يعجل فينقم

стр. 57

قال ابن كثير وقد أورد هذين البيتين: "فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع وعلمه بالجزئيات وبالمعاد وبالجزاء وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة"١. قال ابن جرير: "وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهلاء: ألا ضربت تلك الفتاة هجينها ... ألا قضب الرحمن ربي يمينها وقال سلامة بن جندل الطهوي: عجلتم علينا عجلتينا عليكم ... وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق"٢. والشواهد على هذا كثيرة، ومع ذلك فهم مشركون لأنهم يعبدون مع الله غيره. ويقول الكاتب ص ١٠ في إنكار اعتراف المشركين بوجود الله: "بل بلغ من كفرهم ما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه العزيز إذ قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ ٣، فهل هؤلاء يقولون بوجود الرحمن الرحيم؟!! ". قلت: وهذا الكاتب يكتب حسب هواه دون رجوع إلى كلام أهل العلم أو استفادة من تفسيرهم وهذا من أسباب ضلاله وانحرافه. يقول ابن جرير في تفسيره: "وقد زعم بعض أهل الغبا أنَّ العرب كانت لا تعرف الرحمن، ولم يكن ذلك في لغتها، ولذلك قال المشركون للنبي ﷺ وما

стр. 58

الرحمن، أنسجد لما تأمرنا؟ إنكاراً منهم لهذا الاسم، كأنَّه كان محالاً عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته أو كأنَّه لم يتل من كتاب قول ﴿الذِينَءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ يعني محمداً، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ﴾ ١، وهم مع ذلك به مكذبون ولنبوته جاحدون فيعلم بذلك أنَّهم قد كانوا يدافعون حقيقة ما قد ثبت عندهم صحته واستحكمت لديهم معرفته ... "٢، ثم أورد البيتين السابقين. وقال ابن كثير: "وقد زعم بعضهم أنَّ العرب لا تعرف الرحمن حتى ردَّ الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ ٣، ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله ﷺ لعليٍّ: اكتب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، فقالوا: "لا نعرف الرحمن ولا الرحيم"، رواه البخاري، وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ ٤. والظاهر أنَّ إنكارهم هذا إنما هو جحود وعناد وتعنت في كفرهم، فإنَّه قد وجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن..."٥. قلت: والكاتب ليس ينكر معرفة المشركين ب "الرحمن" فيكون من

стр. 59

أولئك الذين وصفهم ابن جرير بالغباء، وإنَّما ينكر ما هو أعظم من ذلك وهو اعترافهم بوجود الله أصلاً فكذب القرآن والواقع، ولست أدري إذاً بما يوصف. ٧ قال الكاتب ص ٧: "ثانياً: هؤلاء الكفار الذي كانوا يقولون فيما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ ١ والذين يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ٢، ما كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وما كانوا يقرون بوجود الله، ولذلك أدلة سأوردها الآن إن شاء الله تعالى، وإنما قالوا ذلك عند محاججة النبي ﷺ ومجادلته إياهم التي تثبت وجود الله تعالى وتبطل إلهية ما يعبدون من دونه ... ". قلت: هذه مكابرة من الكاتب، ودعوى لا خطام لها ولا زمام، وقد ذكرت فيما سبق من الأدلة وأقوال أهل العلم ما يكفي في بيان كذب دعواه، لكن أذكر هنا تفسير أهل العلم للآيتين اللتين ذكرهما الكاتب آنفاً، ثم تعسف في فهمهما فقال: "إنما قالوا ذلك عند محاججة النبي ﷺ ومجادلته إياهم ... "، أي: أنَّهم لا يعترفون بوجود الله وإنَّما قالوا ذلك محاججة ومجادلة!!. يقول ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣ الآيات: "يقول تعالى مقرراً أنَّه لا إله إلا هو، لأنَّ المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون أنَّه المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر وتسخير

стр. 60

الليل والنهار، وأنَّه الخالق الرازق لعباده، ومقدر آجالهم واختلافها واختلاف أرزاقهم ففاوت بينهم فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يصلح كلا منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر. فذكر أنَّه المستبد بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها. فإذا كان الأمر كذلك فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنَّه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيراً ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية، وقد كان المشركون يعترفون بذلك كما كانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك"١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الربوبية فكانوا مقرين بها، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ ٢، وقال: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٣، وما اعتقد أحد منهم قط أنَّ الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدبره، وإنَّما كان شركهم كما ذكرنا اتخذوا من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله"٤. وقال المقريزي: "ولا ريب أنَّ توحيد الربوبية لم ينكره المشركون بل أقروا بأنَّه سبحانه وحده خالقهم وخالق السموات والأرض، والقائم بمصالح العالم كله، وإنَّما أنكروا توحيد الإلهية والمحبة"٥.

стр. 61

وقال الإمام الصنعاني: "الأصل الرابع: أنَّ المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون أنَّ الله خالقهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ ١، وأنَّه هو الذي خلق السموات والأرض ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٢، وأنَّه الرزاق الذي يخرج الحيَّ من الميت، ويخرج الميت من الحيّ، وأنَّه الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وأنَّه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة ﴿قُلْ مَن يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَّمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُّدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ٣، ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٤ ... "٥. فهذا بعض كلام أهل العلم في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ونحوها من الآيات، وفيه أبلغ رد على الكاتب في دعواه أنَّهم إنَّما ذكروا ذلك على سبيل المحاججة. وأما قوله تعالى: ﴿وَالذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ

стр. 62

لِيُقَرِّبُونَا إِلَي اللهِ زُلْفَى﴾ ١، فيقول ابن كثير في معنى هذه الآية: "ثم أخبر تعالى عن عبَّاد الأصنام من المشركين أنَّهم يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ، أي: إنَّما يحملهم على عبادتهم لهم أنَّهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر الدنيا، فأمَّا المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به، قال قتادة والسديّ ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: ﴿إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ، أي: ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منزلة. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك تملك وما ملك" ٢. قلت: ففي هذا أبلغ ردٍّ على الكاتب في دعواه أنَّ المشركين لم يكونوا مقرين بأنَّ الخالق الرازق هو الله. ثم إنَّه لم يذكر دليلاً على دعواه هذه إلا قوله: " ... ولو كانوا مقرين بأنَّ الله هو خالق السموات والأرض وما فيهنَّ لما ذكر لهم تلك الآيات الآمرة بالتفكر في الإبل كيف خلقت وفي الجبال كيف نصبت وفي الأرض كيف سطحت وفي السماء كيف رفعت". قلت: وجواب هذا أنَّ المقصود بذلك هو التفكر الحامل على إفراده بالعبادة لا على إثبات الخالق لأنَّ هذا معلوم لهم ولأنَّه لا يكفي، وقد تقدم في كلام ابن كثير ﵀ قوله: "فإذا كان الأمر كذلك [أي: أن الله الخالق

стр. 63

الرازق المدبر] فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنَّه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيراً ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية" وهو كثير في القرآن كما ذكر ابن كثير ﵀، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ١، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ وَالذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢، أي: فلا تجعلوا شركاء مع الله في العبادة وأنتم تعلمون أنَّه لا خالق لكم غير الله، وقد مضى تفسير ابن عباس وغيره للآية بهذا. فتذكير الله في القرآن بآياته وأمره بتدبرها له دلالته، إذ هذا النظر والتدبر مستلزم إفراده بالعبادة وإخلاص الدين له لمن عقل، فكما أنَّه لا شريك له في الملك والخلق وهذا متقرر عند كل أحد إلا من شاء الله فكذلك لا شريك له في الطاعة والعبادة. قال شيخ الإسلام: " ... ولهذا إنما بُعث الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، الذي هو المقصود المستلزم للإقرار بالربوبية، وقد أخبر عنهم أنَّهم ﴿لَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ ٣، وأنَّهم إذا مسَّهم الضر ضلَّ من يدعون إلا إيَّاه، وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَل دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤، فأخبر أنَّهم مقرون بربوبيته وأنَّهم مخلصون له الدين

стр. 64

إذا مسَّهم الضر، في دعائهم واستعانتهم ثم يعرضون عن عبادته في حال حصول أغراضهم ... "١. ثم قال الكاتب بعد كلامه المتقدم: "فقولهم عند سؤال النبي لهم وقت إلزامهم الحجة في المناظرة: من خلق السموات والأرض؟! فيقولن الله، وقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ما هو إلا كذبٌ وكفرٌ بنص القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى في آخر الآية ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٢ كما قال سبحانه: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ ٣ ... ". قلت: وهذا خلط عجيب وجهل مركَّب؛ إذ عدَّ اعتراف المشركين بوجود الله نوعاً من الكفر بينما هو من التوحيد الواجب، وقد سَمَّاه الله إيماناً فقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ باللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٤، لكن لم يك ينفعهم ولم يخرجهم من وصف الكفر لكونهم عبدوا مع الله غيره لهذا يقول شيخ الإسلام: " ... فلا ريب أنَّه [أي: اعتراف المشركين بأنَّ الخالق الله] من التوحيد الواجب، وهو الإقرار بأنَّ خالق العالم واحد، لكنه هو بعض الواجب، وليس هو الواجب الذي به يخرج الإنسان من الإشراك إلى التوحيد، بل المشركون الذين سماهم الله ورسوله مشركين، وأخبرت الرسل أنَّ الله لا يغفر لهم، كانوا مقرين بأنَّ الله خالق كلِّ شيء فهذا أصل عظيم يجب على كل أحد أن يعرفه، فإنَّه يُعرف به التوحيد الذي هو رأس الدين وأصله"٥.

стр. 65

فاعتراف المشركين بأنَّ الله الخالق الرازق المدبر كلّ ذلك من الإيمان المأمور به شرعاً إلا أنَّه لا ينفعهم ما لم يأتوا معه بلازمه توحيد الإلهية، ولذا وصفوا في القرآن والسنة بأنَّهم كفَّار مشركون فوصفهم بالكفر في القرآن ليس لإقرارهم بربوبية الله كما فهم الكاتب وإنَّما هو لشركهم في عبادة الله وعدم إخلاصهم الدين له، "مع أنَّ الشرك في الربوبية لازم لهم في جهة إشراكهم في الإلهية وكذا في الأسماء والصفات، إذ أنواع التوحيد متلازمة لا ينفك نوع منها عن الآخر، وهكذا أضدادها فمن ضاد نوعاً من أنواع التوحيد بشيء من الشرك فقد أشرك في الباقي، مثال ذلك في هذا الزمن عبَّاد القبور إذا قال أحدهم: يا شيخ فلان لذلك المقبور أغثني أو افعل لي كذا ونحو ذلك يناديه من مسافة بعيدة وهو مع ذلك تحت التراب وقد صار تراباً. فدعاؤه إيَّاه عبادة صرفها له من دون الله لأنَّ الدعاء مخ العبادة، فهذا شرك في الإلهية، وسؤاله إياه تلك الحاجة من جلب خير أو دفع ضر أو رد غائب أو شفاء مريض أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله معتقداً أنَّه قادر على ذلك هذا شرك في الربوبية حيث اعتقد أنَّه متصرف مع الله تعالى في ملكوته. ثم إنَّه لم يدعه هذا الدعاء إلا مع اعتقاده أنَّه يسمعه على البعد والقرب في أيّ وقت كان وفي أيّ مكان ويصرحون بذلك، وهذا شرك في الأسماء والصفات حيث أثبت له سمعاً محيطاً بجميع المسموعات لا يحجبه قرب ولا بعد، فاستلزم هذا الشرك في الإلهية الشرك في الربوبية والأسماء والصفات"١. ثمَّ إنَّ الكاتب بل والمتكلمين عموماً لا يولون توحيد الإلهية الذي أنكره المشركون أيّ اهتمام، وإن تكلموا فيه تكلموا بجهل، وأدخلوا فيه ما هو نقيضه وضده.

стр. 66

وعلى سبيل المثال يقول الكاتب ص٢٥: "وأمَّا الدعاء فليس جميعه عبادة إلا إذا دعونا من نعتقد فيه صفات الربوبية أو صفة واحد منها". ويقول ص ٢٦: "وإنما يكون الدعاء عبادة إذا كان لله أو لمن يعتقد الداعي أن للمدعوّ صفة من صفات الربوبية". ويقول ص ٢٧: "فاتضح أنَّ مجرد النداء أو الاستغاثة أو الاستعانة أو الخوف أو الرجاء أو التوسل أو التذلل لا يسمى عبادة". ويقول ص ٢٨: "وملخص ما مرَّ أنَّ العبادة في اللغة هي مطلق الطاعة والخضوع لأيّ أحد كان بخلاف العبادة في اصطلاح الشرع فهي غاية التذلل والخضوع لمن يعتقد الخاضع له بعض صفات الربوبية، فإذا فهمت ذلك علمت يقيناً أنَّ من أطاع أحداً وخضع له لا لاعتقاده أنَّ له بعض صفات الربوبية لا يسمى عابداً له شرعاً ... ". وعلى هذا النهج ذكر أموراً كثيرة. ومن يوازن بين أقوال الكاتب هذه وبين قول الخميني داعية الرفض في كتابه "كشف الأسرار" (ص:٤٩) حيث قال: "وبعد أن تبين أنَّ الشرك هو طلب الشيء من غير رب العالمين على أساس كونه إلهاً فإنَّ ما دون ذلك ليس بالشرك، ولا فرق في ذلك بين حيٍّ وميِّت، فطلب الحاجة من الحجر أو الصخر ليس شركاً ... " يجد أنَّ القولين كما قال الشاعر: رضيعي لبان ثدي أمٍّ تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق وأقول: يالله للعجب لا يكون صرف العبادة لغير الله شركاً حتى يعتقد العابد فيمن عبده أنَّ له شيئاً من صفات الربوبية، وأمَّا من دعا غير الله أو استغاث بغير الله أو استعان بغير الله أو رجا غير الله أو خاف غير الله من قبر أو

стр. 67

شجر أو حجر فإنَّ ذلك لا يكون شركاً ما لم يعتقد العابد فيها أنَّ لها شيئاً من صفات الربوبية، وعلى هذا فقول النبي ﷺ : "من مات وهو يدعو من دون الله ندّاً دخل النَّار" ينقصه هذا القيد "وهو أن يعتقد في المدعو شيئاً من صفات الربوبية"!!. وهل أهل العلم من الصحابة والتابعين وأتباعهم لم يفطنوا لهذا القيد ولا عرفوه حتى جاء هذا الكاتب وأمثاله في القرن الرابع عشر فنبهوا عليه "لقد جئتم ببدعة ظلماً، أو فقتم أصحاب محمد علماً"! فسبحان الله هدى من شاء إلى الحق بفضله وخذل من شاء من الخلق بعدله، له الحكمة البالغة. وعلى كلٍّ فهذه الدعوى التي ادَّعاها الكاتب وانتصر لها هي دعوى كاذبة مناقضة لأصول الدين ومخالفة لأسسه وقواعده، ومضادة لأدلة الكتاب والسنَّة؛ فإنَّ نصوص القرآن الكريم المشتملة على الدعوة إلى إخلاص الدين لله وإفراده وحده بجميع أنواع العبادة وهي كثيرة جداً فيها أبلغ رد على الكاتب في دعواه المتقدمة. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُّحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالذِينَءَامَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِ﴾ ١. ففي هذه الآية "يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا أنداداً، أي: أمثالاً ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضدَّ له ولا ندَّ له، ولا شريك معه، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أيّ الذنب

стр. 68

أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك ". وقوله: ﴿وَالذِينَءَامَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِ﴾ ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئاً، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجأون في جميع أمورهم إليه"١. فالعبادة بأنواعها حقٌّ خالصٌ لله لا يجوز صرفها لغيره سواء اعتقد العابدُ في معبوده أنَّه ربٌّ أو لم يعتقد، وهذا أمرٌ معلومٌ من الدين بالضرورة. قال شيخ الإسلام: "فإنَّ المسلمين متفقون على ما علموه بالاضطرار من دين الإسلام أنَّ العبد لا يجوز أن يعبد ولا يدعو ولايستغيث ولا يتوكل إلا على الله، وأنَّ من عبد ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو دعاه أو استغاث به فهو مشرك، فلا يجوز عند أحد من المسلمين أن يقول القائل يا جبرائيل أو يا ميكائيل أو يا إبراهيم أو يا موسى أو يا رسول الله اغفر لي أو ارحمني أو ارزقني أو انصرني أو أغثني أو أجرني من عدوي أو نحو ذلك، بل هذا كله من خصائص الإلهية وهذه مسألة شريفة معروفة قد بينها العلماء ... "٢. وأمَّا القيد الذي وضعه الكاتب فلا أصل له ولا أساس، فإنَّ المشركين زمن النبي ﷺ لم يكونوا يعتقدون في آلهتهم أنَّها تخلق أو ترزق أو تحيي أو تميت أو تدبر الأمر، بل كانوا يعتقدون أنَّ ذلك من خصائص الله كما سبق إيراد النصوص بذلك، وإنَّما كان شركهم في دعوتها وعبادتها من دون الله بحجة أنَّها تقربهم إلى الله زلفى. قال شيخ الإسلام: "وكانوا [أي: المشركون] معترفين بأنَّ آلهتهم لم

стр. 69

تشارك الله في خلق السماوات والأرض، ولا خلق شيء، بل كانوا يتخذونهم شفعاء ووسائط. كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلآءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ ١ ... "٢، وذكر نصوصاً أخرى. يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ﵏ في إبطال هذه الشبهة: "والشرك جعل شريكٍ لله تعالى فيما يستحقه، ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة، كالحب، والخضوع، والتعظيم، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والنسك، والطاعة، ونحو ذلك من العبادات. فمتى أشرك مع الله غيره في شيء من ذلك فهو مشرك بربه قد عدل به سواه وجعل له ندّاً من خلقه، ولا يشترط في ذلك أن يعتقد له شركة في الربوبية، أو استقلالاً بشيء منها. والعجب كل العجب أنَّ مثل هؤلاء يقرؤون كتاب الله، ويتعبدون بتلاوته، وربما عرفوا شيئاً من قواعد العربية، وهم في هذا الباب من أضلِّ خلق الله وأبعدهم عن فهم وحيه وتنزيله"٣. وبهذا يعلم فساد قول الكاتب، وأنَّه فتحٌ لباب الشرك على مصراعيه عياذاً بالله من سخطه وأليم عقابه. ولست هنا بصدد جمع النصوص الواردة في الكتاب والسنة، المبطلة للشرك بجميع أنواعه، سواءً في الدعاء أو في غيره، وليس في شيء منها ذكرٌ لهذا القيد الذي أورده الكاتب، لكن لا بأس من إيراد دليل واحد منها وصفه بعض

стр. 70

محققي أهل العلم بأنَّ فيه قطعاً لشجرة الشرك من عروقها، ألا وهو قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١، ففي هذا النص الكريم اجتثاث لشجرة الشرك، وقطع لها من أصولها، وإبطال لكل أساس يتعلق به من يدعون غير الله، إذ من يدعو غير الله أياً كان هذا الغير سواء كان ملَكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو وليّاً، أو شجراً، أو حجراً، أو غير ذلك مطالَبٌ أن يثبت فيمن يدعوه أحد أمور أربعة فإن أثبتها أو شيئاً منها وهيهات حُقَّ له دعاؤه، وإلا فدعاؤه باطل وضلال، وهي شروط مهمة لا بدَّ من توفرها في المدعو حتى يقدر على إجابة من دعاه: الأول: الملك، فنفاه الله بقوله: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ . الثاني: إذا لم يكن مالكاً فيكون شريكاً للمالك، فنفاه بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾ . الثالث: إذا لم يكن مالكاً ولا شريكاً للمالك، فيكون عوناً ووزيراً له، فنفاه بقوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ . الرابع: إذا لم يكن مالكاً ولا شريكاً للمالك ولا عوناً، فيكون شفيعاً، فنفى الشفاعة عنده إلا بإذنه، فهو الذي يأذن للشافع ابتداء فيشفع٢.

стр. 71

فبِنَفْيِ هذه الأمور بطلت دعوة غير الله، وقد نفيت نفياً مرتباً من الأعلى إلى ما دونه، وهي عامة في كلّ المدعوين من دون الله كما هو ظاهر من السياق الكريم، والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولكن يأبى دعاة الباطل وأنصار الضلال إلا الصدود عن الحق المبين إلى شبهات ما أنزل الله بها من سلطان، لا ينشأ عنها إلا الهضم لحق الربوبية، والتنقص لعظمة الألوهية، وسوء الظنّ بخالق هذه الأكوان. ٨ قال الكاتب ص٩: "ثالثاً: أنَّ أولئك الكفار اشتهر عنهم أنَّهم كانوا يعبدون الأصنام ويحجون لها ويتقربون إليها ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِءَالِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ ١، ﴿أَفَرَءَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ ٢، بل واشتهر عنهم أنَّهم كانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر، قال الله تعالى مخبراً لنا عنهم ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٣. بل قال للنبي ﷺ أحدهم ﴿مَن يُّحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ٤، فردَّ الله عليه: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٥، فهل يجوز لنا بعد هذا أن نصف من لا يقر بأنَّ الله خالق ومحيي بأنَّه موحد توحيد ربوبية، والله تعالى يقول عنه: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٦! ... ".

стр. 72

قلت: واشتهر عنهم أيضاً أنَّهم يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ، وقد سبق بيان تفسير هذه الآية بنقل كلام أهل العلم فيها حيث قال ابن كثير: "فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر الدنيا، فأمَّا المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به". وسبق ذكر نصوص كثيرة من القرآن فيها دلالة على اعترافهم بأنَّ الخالق الرازق المدبر هو الله، وسبق ذكر تلبيتهم في الحج، وشيء من أشعارهم الدالة على اعترافهم بوجود الله. وأمَّا البعث والمعاد فكان أكثرهم منكرين له غير مؤمنين به، وذِكْرُ هذا والرد عليهم فيه جاء في مواطن كثيرة من القرآن الكريم، لكنْ فرقٌ بين إنكارهم البعث والمعاد وبين إنكار وجود الله وأنَّه الخالق الرازق، فالأول ينكره المشركون، ولا يؤمنون به كما هو صريح نص القرآن الكريم، والثاني يؤمن به المشركون ولا ينكرونه كما هو صريح نص القرآن الكريم، والأدلة على هذا كثيرة وقد تقدم شيء منها، وقد تقدم في كلام ابن كثير ﵀ جمعه بين الأمرين: إثبات أنَّ المشركين يعترفون بوجود الله وأنَّه الخالق الرازق مع إثبات إنكارهم البعث والمعاد. وعلى هذا فالاستدلال بالنصوص المثبتة لإنكار المشركين للبعث والمعاد على أنَّهم ينكرون وجود الخالق الرازق خلطٌ بيِّنٌ، وغلطٌ ظاهرٌ، إذ لا تلازم بين إنكار البعث وإنكار الربوبية. ثم هنا أمر لا بد من تقريره وإيضاحه وهو أنَّ قول أهل العلم عن المشركين بأنَّهم يعترفون بتوحيد الربوبية ليس المراد به أنَّهم اعترفوا بهذا القسم من التوحيد على التمام والكمال، فهذا لا يقول به أحد من أهل العلم، وإنَّما

стр. 73

مرادهم تقرير ما ثبت في القرآن عن المشركين من اعترافهم بالخالق الرازق المدبر لشئون الخلق، فهذا من صفات الربوبية وخصائصها وقد آمن واعترف به المشركون، ثم هذا أيضاً ليس حكماً عاماً مطرداً على جميع المشركين إذ منهم من وجد عنده حتى الشرك في الربوبية، ومنهم من آمن ببعض خصائص الربوبية دون بعض، ومنهم من كان يؤمن إضافة إلى إيمانه بوجود الله الخالق الرازق بالمعاد وبعث الأبدان والحساب، كما قال زهير: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم حساب أو يعجل فينقم وبعضهم يؤمن إضافة إلى إيمانه بوجود الله الخالق الرازق بالقدر كما قال عنترة: يا عبل أين من المنية مهرب ... إن كان ربي في السماء قضاها ولهذا يقول المقريزي: " ... فأبان سبحانه بذلك أنَّ المشركين إنَّما كانوا يتوقفون في إثبات توحيد الإلهية لا توحيد الربوبية، على أنَّ منهم من أشرك في الربوبية كما يأتي بعد ذلك إن شاء الله"١. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود أنَّ كثيراً من أهل الشرك والضلال قد يضيف وجود بعض الممكنات أو حدوث بعض الحوادث إلى غير الله، وكل من قال هذا لزمه حدوث الحادث بلا سبب، وهم مع شركهم وما يلزمهم من نوع تعطيل في الربوبية لا يثبتون مع الله شريكاً مساوياً له في أفعاله ولا في صفاته"٢.

стр. 74

ثم أيضاً فإنَّ إيمان المشركين بربوبية الله لو كان كاملاً تامّاً فإنَّه لا ينفعهم ما لم يفردوا الله بالعبادة ويخلصوا الدين له ويذروا ما هم عليه من عبادة الأوثان، ولهذا فهم لا يخرجون بهذا الإيمان [أعني: الإيمان بربوبية الله] عن وصف الكفر والشرك ما لم يوحدوا الله بالعبادة. قال شيخ الإسلام: "ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد ﷺ أولاً لم يكونوا يخالفونه في هذا [أي: توحيد الربوبية] ، بل كانوا يقرون بالقدر أيضاً، وهم مع هذا مشركون"١. وقال أيضاً: "ومعلوم أن هذا٢ هو تحقيق ما أقرَّ به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد [أي: توحيد الربوبية] مسلماً فضلاً عن أن يكون وليّاً لله، أو من سادات الأولياء"٣. ثم قال الكاتب ص١٠: "ولو كانوا يقرون أن الله الخالق لما قال الله لهم ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَي بَعْضٍ﴾ ٤، وعبَّر بالإله أيضاً ولم يعبِّر بالرب إشارة إلى أنَّهم لا يوحدون لا الرب ولا الإله، ولأنَّ الرب هو الإله، والإله هو الرب". وكرر هذا ص ٣١ فقال: "فاتضح أنَّ الإله هو الرب، والرب هو الإله، ولا فرق". وقد عمد إلى هذا ليثبت أنَّه لا فرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.

стр. 75

وقبل الرد عليه في هذا لا بد من تقرير قاعدة لإزالة لبس قد يقع وهي: أنَّ أسماء الله أعلامٌ وأوصافٌ١، فهي باعتبار دلالتها على الذات أعلامٌ، وباعتبار دلالتها على المعاني أوصافٌ، وهي بالاعتبار الأول مترادفةٌ؛ لدلالتها على مسمّى واحد وهو الله ، وبالاعتبار الثاني متباينةٌ؛ لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فالرب الخالق العليم السميع البصير الأحد الصمد كلها أسماءٌ لمسمّى واحدٍ وهو الله ، لكن معنى الرب غير معنى السميع، ومعنى السميع غير معنى البصير، ومعنى البصير غير معنى الأحد، وهذا أمرٌ ظاهرٌ لا خفاء فيه، وهو خلاف قول المعتزلة القائلين بأنَّ أسماء الله أعلامٌ محضةٌ لا تدل على معانٍ. والكاتب حيث قال: "الإله هو الرب، والرب هو الإله" لم يقصد بهذا الترادف من حيث دلالةُ الاسمين على مسمّى واحدٍ وهو الله، وإنَّما قصد بقوله: "الإله هو الرب" أي: بمعنى الربّ، "والرب هو الإله" أي: بمعنى الإله كما هو ظاهر من سياقه. ولا ريب أنَّ هذا جهلٌ مركبٌ إذ لم يميز بين معنى الإله ومعنى الرب، ولم يعنِّ نفسه بمطالعة كتب اللغة وكلام أهل العلم ليظهر له الفرق، وإنَّما كتب ما كتب من بنات رأسه ونسج خياله، وإلا فكُتب اللغة مطبقةٌ على أنَّ الرب بمعنى المالك الذي له الربوبية على جميع الخلق لا شريك له، وأمَّا الإله فهو المعبود، من التأله وهو التعبد. فالرب هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها.
следующие страницы →