← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 8527

القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (119 стр.). Показаны 106–119 · переход к 111.

стр. 106

سَاقٍ﴾ ، فروي عن ابن عباس وطائفة أنَّ المراد به الشدة، إن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنَّهم عدوها في الصفات للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين. ولا ريب أنَّ ظاهر القرآن [لا] يدل على أنَّ هذه من الصفات فإنَّه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنَّه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل، إنَّما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف، ولكن كثير من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولاً له، ثم يريدون صرفه عنه، ويجعلون هذا تأويلاً، وهذا خطأ من وجهين كما قدمناه غير مرة"١. ٢٤ قال الكاتب ص ٤١: "أوَّل الإمام أحمد قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ ، أنه جاء ثوابه كما ثبت عنه بإسناد صحيح، انظر البداية والنهاية لابن كثير (١٠/٣٢٧") . قلت: هذا التأويل الذي ذكره الكاتب ثبوته عن الإمام أحمد محل بحث ونظر "بل الذي يعلم من حيث الجملة أنَّ الإمام أحمد والأئمة الكبار الذين لهم في الأمة لسان صدق عام لم يتنازعوا في شيء من هذا الباب"٢، وهو مخالف للنصوص الكثيرة المنقولة عنه ﵀ في منع التأويل ورده، ويكفيك في هذا كتابه "الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله".

стр. 107

وهذا القول المنقول عن الإمام أحمد رواه عنه حنبل في كتاب المحنة، وفي الإجابة عن هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الذي ذكره القاضي وغيره أنَّ حنبلاً نقله عن أحمد في كتاب المحنة أنَّه قال ذلك في المناظرة لهم يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله "تجيء البقرة وآل عمران" قالوا: والمجيء لا يكون إلا لمخلوق، فعارضهم أحمد بقوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ ، وقال: المراد بقوله "تجيء البقرة وآل عمران" ثوابهما، كما في قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ أمره وقدرته. وقد اختلف أصحاب أحمد فيما نقله حنبل، فإنَّه لا ريب خلاف النصوص المتواترة عن أحمد في منعه من تأويل هذا، وتأويل النزول، والاستواء ونحو ذلك من الأفعال. ولهم ثلاثة أقوال: قيل: إنَّ هذا غلط من حنبل، انفرد به دون الذين ذكروا عنه المناظرة مثل صالح وعبد الله والمروذي وغيرهم، فإنَّهم لم يذكروا هذا، وحنبل ينفرد بروايات يغلطه فيها طائفة كالخلال وصاحبه، قال أبو إسحاق بن شاقلا: هذا غلط من حنبل ولا شك فيه. وكذلك نقل عن مالك رواية أنَّه تأول "ينزل إلى السماء الدنيا" أنه ينزل أمره، لكن هذا من رواية حبيب كاتبه وهو كذَّاب باتفاقهم، وقد رويت من وجه آخر لكن الإسناد مجهول. والقول الثاني: قال طائفة من أصحاب أحمد: هذا قاله إلزاماً للخصم على مذهبه لأنَّهم في يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله "تأتي البقرة وآل عمران" أجابهم بأن معناه: يأتي ثواب البقرة وآل عمران كقوله: ﴿أَن يَّأْتِيَهُمُ اللهُ﴾ ١،

стр. 108

أي أمره وقدرته على تأويلهم، لا أنَّه يقول بذلك، فإنَّ مذهبه ترك التأويل. والقول الثالث: أنَّهم جعلوا هذا رواية عن أحمد، وقد يختلف كلام الأئمة في مسائل مثل هذه، لكن الصحيح المشهور عنه ردّ التأويل. وقد ذكر الروايتين ابن الزاغوني وغيره، وذكر أن ترك التأويل هي الرواية المشهورة المعمول عليها عند عامة المشايخ من أصحابنا"١. ٢٥ قال الكاتب ص ٤٢: "... يثبت [أي: ابن تيمية] لله سبحانه صفات بأحاديث موضوعة أو إسرائيليات من ذلك أنَّه أثبت أنَّ الله يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد"، وأحال في الهامش إلى كتاب موافقة صريح المعقول المطبوع على هامش منهاج السنة (٢/١٥١) . قلت: حاشا ابن تيمية وغيره من أهل السنة والجماعة أن يثبتوا شيئاً من العقيدة بأحاديث موضوعة أو إسرائيليات، بل هذا من دأب أهل البدع المخلطين المموهين. يقول إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ في كتابه العظيم التوحيد: "وقد أعلمت ما لا أحصي من مرة أني لا أستحل أن أمَوِّه على طلاب العلم بالاحتجاج بالخبر الواهي، وإني خائف من خالقي جل وعلا إذا موهت على طلاب العلم بالاحتجاج بالأخبار الواهية وإن كانت الأخبار حجة لمذهبي"٢. ويقول ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر الحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه من حديث عبد السلام بن صالح أنَّ النبي ﷺ قال: "الإيمان معرفة

стр. 109

بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان"، وفيه حجة لقول أهل السنة في الإيمان وردٌّ على المرجئة، يقول ابن القيم عند هذا الحديث: "في الحق ما يغني عن الباطل، ولو كنا ممن يحتج بالباطل ويستحله لروجنا هذا الحديث وذكرنا بعض من أثنى على عبد السلام، ولكن نعوذ بالله من هذه الطريقة، كما نعوذ به من طريقة تضعيف الحديث الثابت وتعليله إذا خالف قول إمام معين، وبالله التوفيق"١. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لا يرى جواز الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة فضلاً عن الأحاديث الموضوعة التي بهته الكاتب بالاحتجاج بها، يقول ﵀: "ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة"٢، ويقول: "والأحاديث التي تروى في هذا الباب وهو السؤال بنفس المخلوقين هي من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة، ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها"٣، وفي شأن الإسرائيليات يقول: " ... فأمَّا أن يثبت شرعاً لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم"٤. وأعود لكلام الكاتب السابق وهو قوله في شيخ الإسلام ﵀: "ويثبت لله سبحانه صفات بأحاديث موضوعة أو إسرائيليات من ذلك أنَّه أثبت أنَّ الله يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد".

стр. 110

فأقول: لقد اشتمل قول الكاتب هذا الذي لا يتجاوز سطرين على عدة كذبات على شيخ الإسلام وهذا بيانها: الأولى: قوله عن شيخ الإسلام إنَّه يثبت الصفات بالأحاديث الموضوعة والإسرائيليات، وهذا كذب ظاهر على شيخ الإسلام لا يخفى على كل طالب علم قرأ كتبه، وتحذيرُه ﵀ من الاستشهاد والاحتجاج بالأحاديث الموضوعة والإسرائيليات أشهر من أن يذكر، وقد قدمنا شيئاً من ذلك. فهاتان كذبتان على شيخ الإسلام: الأولى: زعمه أنَّ شيخ الإسلام يحتج في الصفات بالأحاديث الموضوعة. الثانية: زعمه أنَّه يحتج فيها بالإسرائيليات. الكذبة الثالثة: تمثيله لإثبات شيخ الإسلام الصفات بالأحاديث الموضوعة بما ذكره عنه "أنَّ الله يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد" فهذه الكلمة لم ترد في حديث وإنَّما وردت في أثر، وقد نصَّ شيخ الإسلام في الصفحة نفسها على أنَّه أثر، فهذه كذبة ثالثة على شيخ الإسلام. الرابعة: أنَّ الأثر المشار إليه ضعيف وليس موضوعاً كما يوهمه سياق الكاتب. الخامسة: أنَّ النص بتمامه الذي ورد فيه هذا الأثر ليس لشيخ الإسلام، بل جاء عنده ضمن نقل طويل عن كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد، وهو في الكتاب المذكور (ص: ٤٥) ، وهذا أمر أخفاه الكاتب، لأنَّه قصد بذلك التشنيع على شيخ الإسلام ابن تيمية، فهذه كذبة خامسة. السادسة: قوله عن شيخ الإسلام أنه أثبت من هذا النص أن الله يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد، فهذا كذب عليه؛ لأنه إنما أورد النص بتمامه للرد

стр. 111

على من ينكر أنَّ الله يتكلم كيف شاء، وهذا الأمر قد دلت عليه نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، ولهذا قال شيخ الإسلام عقبه: "فقد ذكر أحمد في هذا الكلام أنَّ الله يتكلم كيف شاء، وذكر ما استشهد به من الأثر أن الله كلم موسى عيه السلام ... الخ". قلت: فهذه ست كذبات وقع فيها الكاتب في هذا الكلام الذي لا يتجاوز سطرين، ولو محص هذا الكلام أكثر قد يتبين فيه كذبات أخر؟ ! وإذا كان في هذين السطرين بلغ به الكذب هذا المبلغ فما بالك إذاً بكتابه كاملاً الذي يحوي ستين صفحة في كل صفحة عشرون سطراً تقريباً؟!! وأقول للكاتب: حسيبك الله ترمي غيرك بالكذب وأنت فارس ميدانه، وابن بجدته؟!! ٢٦ قال الكاتب ص ٤٤: "وتتميماً للبحث لا بد من أن نتكلم عن أصل أكبر فرقة قديمة من فرق المجسمة هي الكرامية وبيان بعض آرائها في الصفات التي توافق ما يدعو إليه ابن تيمية وأتباعه، وخصوصاً أنَّ ابن تيمية يثني عليها في منهاج السنة (١/١٨١) ويعتبرها من أكابر نظار المسلمين". قلت: عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية التي يشير إليها الكاتب، هي قول ابن تيمية ﵀ في منهاج السنة (١/١٨١) : "ومنهم من قال بل لا يزال قابلاً للانقسام [أي: الجوهر الفرد] إلى أن يصغر فيستحيل مع تمييز بعضه عن بعض كما قال ذلك من قال من الكرامية وغيرهم من نظار المسلمين، وهو قول من قاله من أساطين الفلاسفة مع قول بعضهم إنَّه مركب من المادة والصورة، وبعض المصنفين في الكلام يجعل إثبات الجوهر الفرد هو قول المسلمين وأنَّ نفيه هو قول الملحدين، وهذا لأنَّ هؤلاء لم يعرفوا من الأقوال المنسوبة إلى المسلمين إلا ما وجدوه في كتب شيوخهم أهل الكلام المحدث في الدين الذي ذمَّه

стр. 112

السلف والأئمة، كقول أبي يوسف من طلب العلم بالكلام تزندق. وقول الشافعي: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. وكقول أحمد بن حنبل: علماء الكلام زنادقة. وقوله: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح. وأمثال ذلك. وإلا فالقول بأنَّ الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة قول لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين لا من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمة المعروفين". قلت: فتأمل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بتمامه، ثم انظر ما فهمه هذا الكاتب منه، تجد أنَّه اجتمع له في ذلك سوء الفهم مع سوء القصد، فشيخ الإسلام ابن تيمية لم يثن في هذا النص على الكرامية بل قرن قولهم بقول الفلاسفة، ونقل آثاراً في ذم الكلام وأهله، وبيَّن أنَّ القول الذي قالوه لا يعرف عند أحد من أئمة المسلمين لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من بعدهم من الأئمة المعروفين. وعلى العموم فموقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الكرامية معروف قد بينه في غير موضع من كتبه، فيذكر عنهم أنَّهم وافقوا أهل الحديث في أمور وخالفوهم في أمور أخرى، فهم يحمدون فيما وافقوا فيه الحق ويذمون فيما فارقوا فيه الحق. ٢٧ قال الكاتب في هامش ص ٥١: "بل صرح بذلك أي بصفة السكوت ابن تيمية إمامه" انظر الموافقة على هامش منهاجه (٢/٣٨) . وكان الكاتب قبل ذلك ذكر في المتن أنَّ ابن أبي العز يفهم من كلامه

стр. 113

ذلك!! حيث قال: "وهو المفهوم من كلام فضيلة الشارح! ومن اللازم القريب لكلامه"!!. قلت: لم يصرح شيخ الإسلام ابن تيمية بذلك كما ادعى الكاتب، والموضع المشار إليه جاء ضمن نقل مطول أورده شيخ الإسلام وهو لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام في كتابه مناقب أحمد بن حنبل. فقول الكاتب "بل صرح بذلك ... الخ" كذب صراح على شيخ الإسلام وقد نقل شيخ الإسلام في كتابه المذكور بعد صفحات قليلة من هذا الموضع عن أبي النصر السجزي أنَّه قال: "ومنع كثير من أهل العلم إطلاق السكوت عليه، ومن أهل الأثر من جوز إطلاق السكوت عليه لوروده في الحديث وقال معناه: تركه التوبيخ والتقرير والمحاسبة اليوم، وسيأتي يوم يقرر فيه ويحاسب ويوبخ فذلك الترك معنى السكوت، قال والأصل الذي يجب أن يعلم أنَّ اتفاق جميع التسميات لا يوجب اتفاق المسمين بها"١. ٢٨ قال الكاتب في هامش ص ٥٢: " ... فشرح العقيدة الطحاوية هي تلخيص ل "منهاج السنة" ول "موافقة صريح المعقول" للشيخ الحراني!! ولذلك يركزون عليها ويحرصون على نشرها".

стр. 114

قلت: يقول الكاتب ذلك لامتلائه غلاًّ وحقداً وغيظاً على هذين الإمامين اللذين أحيا الله بهما الدين ونصر بهما السنة وقمع بهما دابر المفسدين. وقول الكاتب عن شرح العقيدة الطحاوية بأنَّه تلخيص لمنهاج السنة ولموافقة صريح المعقول جهل من الكاتب وكذب يعلمه كل من يقرأ الكتب الثلاثة المذكورة. وابن أبي العز ينقل في كتابه عن كتب كثيرة عن الصحيحين والسنن والمسانيد وعن غيرها من كتب أهل السنة والجماعة مرتباً شرحه حسب ترتيب المتن المشروح. ٢٩ قال الكاتب ص ٥٨: " ... ولذلك صرح أهل السنة والجماعة بأن الله سبحانه لا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله ... ". قلت: حاشا أهل السنة والجماعة من ذلك، وحاشاهم أن يكون الباطل معتقدهم والضلال قولهم. وهذه دعوى يدعيها أهل البدع عامة في القديم والحديث، يقررون العقائد المنحرفة والآراء الزائفة والنحل الباطلة ثم ينسبون ذلك كذباً وزوراً إلى أهل السنة والجماعة. قال أبو المظفر السمعاني فيما نقله عنه التيمي في الحجة (٢/٢٢٣-٢٢٥) : "إنَّ كل فريق من المبتدعة إنَّما يدعي أنَّ الذي يعتقده هو ما كان عليه رسول الله ﷺ ؛ لأنَّهم كلهم مدعون شريعة الإسلام ملتزمون في الظاهر شعائرها، يرون أنَّ ما جاء به محمد ﷺ [هو الحق] غير أنَّ الطرق تفرقت بهم بعد ذلك، وأحدثوا في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فزعم كل فريق أنَّه هو المتمسك بشريعة الإسلام، وأنَّ الحق الذي قام به رسول الله ﷺ هو الذي

стр. 115

يعتقده وينتحله، غير أنَّ الله أبى أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث والآثار؛ لأنَّهم أخذوا دينهم، وعقائدهم خلفاً عن سلف وقرناً عن قرن، إلى أن انتهوا إلى التابعين، وأخذه التابعون من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأخذه أصحاب رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ ، ولا طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله ﷺ الناس من الدين المستقيم، والصراط القويم، إلا هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث، وأما سائر الفرق فطلبوا الدين لا بطريقه؛ لأنَّهم رجعوا إلى معقولهم وخواطرهم وآرائهم، فطلبوا الدين من قبله، فإذا سمعوا شيئاً من الكتاب والسنة عرضوه على معيار عقولهم فإن استقام قبلوه، وإن لم يستقم في ميزان عقولهم ردوه، فإن اضطروا إلى قبوله حرَّفوه بالتأويلات البعيدة والمعاني المستكرهة، فحادوا عن الحق وزاغوا عنه ونبذوا الدين وراء ظهورهم وجعلوا السنة تحت أقدامهم تعالى الله عما يصفون. وأمَّا أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة إمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما وقع لهما من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسنة فإن وجدوه موافقاً لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجدوه مخالفاً لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإنَّ الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل، وهذا معنى قول أبي سليمان الداراني وهو واحد زمانه في المعرفة: ما حدثتني نفسي بشيء إلا طلبت منها شاهدين من الكتاب والسنة، فإن أتى بهما وإلا رددته في نحره، أو كلام هذا معناه. ومما يدل على أنَّ أهل الحديث هم على الحق أنَّك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار وسكون كل واحد منهم قطراً من الأقطار، وجدتهم

стр. 116

في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد ونقلهم واحد، لا ترى بينهم اختلافاً ولا تفرقاً في شيء ما وإن قلَّ، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنَّه جاء من قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ ٢. وأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع رأيتهم متفرقين مختلفين أو شيعاً وأحزاباً لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدِّع بعضهم بعضاً، بل يرتقون إلى التكفير يكفر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره، تراهم أبداً في تنازع وتباغض واختلاف، تنقضي أعمارهم ولم تتفق كلماتهم ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ ٣ ... ". قلت: وقد نقلت هذا النص على طوله ليعلم طالب الحق من هم أهل السنة والجماعة وما هو نعتهم وما حليتهم، وليعلم من هم أهل البدعة وما هو نعتهم وصفتهم ليميز الخبيث من الطيب، والباطل من الحق، والغث من السمين فإنَّ الأدعياء كثيرون. وليس أحد من أهل الأهواء والبدع يقول قولاً أو يرى رأياً إلا ويدعي أنَّه هو الحق الذي جاء به رسول الله ﷺ ومن ذلك قول الكاتب المتقدم:

стр. 117

" ... ولذلك صرح أهل السنة والجماعة بأنَّ الله سبحانه لا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله ... " ١. فنقول له: سمِّ لنا مَن صرح بذلك من أهل السنة والجماعة فكتبهم موجودة وأقوالهم محفوظة وآثارهم منشورة، إذ لم يصرح بما ذكرت إلا الجهمية المعطلة أتباع الجهم بن صفوان الذين تتابعت أقوال أهل السنة والجماعة في تبديعهم وتضليلهم. أمَّا أهل السنة والجماعة فقد صرحوا بما ثبت في الكتاب والسنة من علو الله على خلقه، وفوقيته، واستوائه على عرشه، وأنَّه في السماء ونحو ذلك مما ورد في الكتاب والسنة. والذي ذكره الكاتب ومن قبله جهم ومن تبعه أمرٌ لا يجوز وصف الله به، إذ من قال إنَّ ربه ليس فوق ولا تحت ولا عن يمين العالم ولا عن شماله ولا داخله ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه فقد وصفه بالعدم بل ليس هناك وصف للعدم أبلغ من هذا الوصف الذي وصف به هؤلاء الجهمية ربهم، ومن هنا قال من قال من أهل السنة "والمعطل يعبد عدماً". قال الذهبي ﵀: " ... إنَّ من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم،

стр. 118

كما نقل عن حماد بن زيد أنَّه قال: "مثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة، قيل: لها سعف؟ قالوا: لا، قيل: فلها كرب؟ قالوا: لا، قيل: لها رطب وقنو؟ قالوا: لا، قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا، قيل: فما في داركم نخلة". قلت: القائل الذهبي كذلك هؤلاء النفاة قالوا: إلهنا الله تعالى، هو لا في زمان ولا في مكان، ولا يُرى ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يرضى، ولا يغضب، ولا يريد، ولا , ولا ... وقالوا: سبحان المنزه عن الصفات! بل نقول: سبحان الله العلي العظيم السميع البصير المريد، الذي كلَّم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلاً، ويُرى في الآخرة، المتصف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، المنزَّه عن سمات المخلوقين، وعن جحد الجاحدين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١"٢ ا. هـ ٣٠ ذكر الكاتب في نهاية كتابه: مؤلفاته المطبوعة والمخطوطة فبلغ عدَّة ما ذكره "ثلاثة وخمسين كتاباً" ثم قال بعد سردها: "وهناك مؤلفات ورسائل لم تكمل بعد نذكر أسماءها في المطبوعات الجديدة إن شاء الله تعالى". قلت: لئن كانت هذه الكتب المذكورة منسوجة على منوال هذا الكتاب مبنية على ما بني عليه من الكذب والغش والتدليس والتزوير والقول بلا علم والظلم والجور وغمط الحقوق والتعالم، وأحسبها كذلك ف"كل إناء بالذي فيه ينضح" "وكل ينفق مما عنده" فيا هول مصيبة الكاتب ويا عظم محنته.

стр. 119

والله يقول: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ١. هذا إن كان هو مؤلف هذه الكتب؛ إذ يذكر بعض طلبة العلم الثقات أنه لا يحسن التأليف والكتابة ولا يصمد عند البحث والمناقشة لقصور علمه وقلة فهمه، فإن كان الأمر كذلك فإنَّ المصيبة عليه أعظم إذ كيف رضي بأن يجعل اسمه مطيةً لتلك النفايات. نسأل الله السلامة والعافية في الدين والدنيا، وأن يعيذنا والمسلمين من غوائل البدع وشرور أهلها بمنه وكرمه. وكان الفراغ من كتابة هذا الردّ صبيحة يوم الخميس الموافق للرابع والعشرين من شهر صفر سنة أربع عشرة وأربعمائة وألف للهجرة. والحمد لله وحده لا شريك له، وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.