فبِنَفْيِ هذه الأمور بطلت دعوة غير الله، وقد نفيت نفياً مرتباً من الأعلى إلى ما دونه، وهي عامة في كلّ المدعوين من دون الله كما هو ظاهر من السياق الكريم، والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولكن يأبى دعاة الباطل وأنصار الضلال إلا الصدود عن الحق المبين إلى شبهات ما أنزل الله بها من سلطان، لا ينشأ عنها إلا الهضم لحق الربوبية، والتنقص لعظمة الألوهية، وسوء الظنّ بخالق هذه الأكوان.
٨ قال الكاتب ص٩: "ثالثاً: أنَّ أولئك الكفار اشتهر عنهم أنَّهم كانوا يعبدون الأصنام ويحجون لها ويتقربون إليها ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِءَالِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ ١، ﴿أَفَرَءَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ ٢، بل واشتهر عنهم أنَّهم كانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر، قال الله تعالى مخبراً لنا عنهم ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٣. بل قال للنبي ﷺ أحدهم ﴿مَن يُّحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ٤، فردَّ الله عليه: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٥، فهل يجوز لنا بعد هذا أن نصف من لا يقر بأنَّ الله خالق ومحيي بأنَّه موحد توحيد ربوبية، والله تعالى يقول عنه: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٦! ... ".
стр. 72
قلت: واشتهر عنهم أيضاً أنَّهم يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ، وقد سبق بيان تفسير هذه الآية بنقل كلام أهل العلم فيها حيث قال ابن كثير: "فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر الدنيا، فأمَّا المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به".
وسبق ذكر نصوص كثيرة من القرآن فيها دلالة على اعترافهم بأنَّ الخالق الرازق المدبر هو الله، وسبق ذكر تلبيتهم في الحج، وشيء من أشعارهم الدالة على اعترافهم بوجود الله.
وأمَّا البعث والمعاد فكان أكثرهم منكرين له غير مؤمنين به، وذِكْرُ هذا والرد عليهم فيه جاء في مواطن كثيرة من القرآن الكريم، لكنْ فرقٌ بين إنكارهم البعث والمعاد وبين إنكار وجود الله وأنَّه الخالق الرازق، فالأول ينكره المشركون، ولا يؤمنون به كما هو صريح نص القرآن الكريم، والثاني يؤمن به المشركون ولا ينكرونه كما هو صريح نص القرآن الكريم، والأدلة على هذا كثيرة وقد تقدم شيء منها، وقد تقدم في كلام ابن كثير ﵀ جمعه بين الأمرين: إثبات أنَّ المشركين يعترفون بوجود الله وأنَّه الخالق الرازق مع إثبات إنكارهم البعث والمعاد.
وعلى هذا فالاستدلال بالنصوص المثبتة لإنكار المشركين للبعث والمعاد على أنَّهم ينكرون وجود الخالق الرازق خلطٌ بيِّنٌ، وغلطٌ ظاهرٌ، إذ لا تلازم بين إنكار البعث وإنكار الربوبية.
ثم هنا أمر لا بد من تقريره وإيضاحه وهو أنَّ قول أهل العلم عن المشركين بأنَّهم يعترفون بتوحيد الربوبية ليس المراد به أنَّهم اعترفوا بهذا القسم من التوحيد على التمام والكمال، فهذا لا يقول به أحد من أهل العلم، وإنَّما
стр. 73
مرادهم تقرير ما ثبت في القرآن عن المشركين من اعترافهم بالخالق الرازق المدبر لشئون الخلق، فهذا من صفات الربوبية وخصائصها وقد آمن واعترف به المشركون، ثم هذا أيضاً ليس حكماً عاماً مطرداً على جميع المشركين إذ منهم من وجد عنده حتى الشرك في الربوبية، ومنهم من آمن ببعض خصائص الربوبية دون بعض، ومنهم من كان يؤمن إضافة إلى إيمانه بوجود الله الخالق الرازق بالمعاد وبعث الأبدان والحساب، كما قال زهير:
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم حساب أو يعجل فينقم
وبعضهم يؤمن إضافة إلى إيمانه بوجود الله الخالق الرازق بالقدر كما قال عنترة:
يا عبل أين من المنية مهرب ... إن كان ربي في السماء قضاها
ولهذا يقول المقريزي: " ... فأبان سبحانه بذلك أنَّ المشركين إنَّما كانوا يتوقفون في إثبات توحيد الإلهية لا توحيد الربوبية، على أنَّ منهم من أشرك في الربوبية كما يأتي بعد ذلك إن شاء الله"١.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود أنَّ كثيراً من أهل الشرك والضلال قد يضيف وجود بعض الممكنات أو حدوث بعض الحوادث إلى غير الله، وكل من قال هذا لزمه حدوث الحادث بلا سبب، وهم مع شركهم وما يلزمهم من نوع تعطيل في الربوبية لا يثبتون مع الله شريكاً مساوياً له في أفعاله ولا في صفاته"٢.
стр. 74
ثم أيضاً فإنَّ إيمان المشركين بربوبية الله لو كان كاملاً تامّاً فإنَّه لا ينفعهم ما لم يفردوا الله بالعبادة ويخلصوا الدين له ويذروا ما هم عليه من عبادة الأوثان، ولهذا فهم لا يخرجون بهذا الإيمان [أعني: الإيمان بربوبية الله] عن وصف الكفر والشرك ما لم يوحدوا الله بالعبادة.
قال شيخ الإسلام: "ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد ﷺ أولاً لم يكونوا يخالفونه في هذا [أي: توحيد الربوبية] ، بل كانوا يقرون بالقدر أيضاً، وهم مع هذا مشركون"١.
وقال أيضاً: "ومعلوم أن هذا٢ هو تحقيق ما أقرَّ به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد [أي: توحيد الربوبية] مسلماً فضلاً عن أن يكون وليّاً لله، أو من سادات الأولياء"٣.
ثم قال الكاتب ص١٠: "ولو كانوا يقرون أن الله الخالق لما قال الله لهم ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَي بَعْضٍ﴾ ٤، وعبَّر بالإله أيضاً ولم يعبِّر بالرب إشارة إلى أنَّهم لا يوحدون لا الرب ولا الإله، ولأنَّ الرب هو الإله، والإله هو الرب".
وكرر هذا ص ٣١ فقال: "فاتضح أنَّ الإله هو الرب، والرب هو الإله، ولا فرق".
وقد عمد إلى هذا ليثبت أنَّه لا فرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.
стр. 75
وقبل الرد عليه في هذا لا بد من تقرير قاعدة لإزالة لبس قد يقع وهي: أنَّ أسماء الله أعلامٌ وأوصافٌ١، فهي باعتبار دلالتها على الذات أعلامٌ، وباعتبار دلالتها على المعاني أوصافٌ، وهي بالاعتبار الأول مترادفةٌ؛ لدلالتها على مسمّى واحد وهو الله ، وبالاعتبار الثاني متباينةٌ؛ لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فالرب الخالق العليم السميع البصير الأحد الصمد كلها أسماءٌ لمسمّى واحدٍ وهو الله ، لكن معنى الرب غير معنى السميع، ومعنى السميع غير معنى البصير، ومعنى البصير غير معنى الأحد، وهذا أمرٌ ظاهرٌ لا خفاء فيه، وهو خلاف قول المعتزلة القائلين بأنَّ أسماء الله أعلامٌ محضةٌ لا تدل على معانٍ.
والكاتب حيث قال: "الإله هو الرب، والرب هو الإله" لم يقصد بهذا الترادف من حيث دلالةُ الاسمين على مسمّى واحدٍ وهو الله، وإنَّما قصد بقوله: "الإله هو الرب" أي: بمعنى الربّ، "والرب هو الإله" أي: بمعنى الإله كما هو ظاهر من سياقه.
ولا ريب أنَّ هذا جهلٌ مركبٌ إذ لم يميز بين معنى الإله ومعنى الرب، ولم يعنِّ نفسه بمطالعة كتب اللغة وكلام أهل العلم ليظهر له الفرق، وإنَّما كتب ما كتب من بنات رأسه ونسج خياله، وإلا فكُتب اللغة مطبقةٌ على أنَّ الرب بمعنى المالك الذي له الربوبية على جميع الخلق لا شريك له، وأمَّا الإله فهو المعبود، من التأله وهو التعبد.
فالرب هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها.
стр. 76
والإله هو الذي يؤله فيعبد محبةً وإنابةً وإجلالاً وإكراماً، والرب إذا ذكر وحده دخل فيه الإله، والإله إذا أفرد دخل فيه الرب، وإذا اجتمعا افترقا فصار لكل منهما معنى خاصٌ، وإذا افترقا اجتمعا.
قال شيخ الإسلام: "المقصود هنا بيان حال العبد المحض لله الذي يعبده ويستعينه فيعمل له ويستعينه ويحقق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية، وإن كانت الإلهية تتضمن الربوبية، والربوبية تستلزم الإلهية، فإنَّ أحدهما إذا تضمن الآخر عند الانفراد لم يمنع أن يختص بمعناه عند الاقتران كما في قوله ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ ، وفي قوله: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالِمِينَ﴾ ، فجمع بين الاسمين اسم الإله واسم الرب فإنَّ الإله هو المعبود الذي يستحق أن يعبد، والرب هو الذي يربي عبده فيدبره.
ولهذا كانت العبادة متعلقةً باسمه الله، والسؤال متعلقاً باسمه الرب، فإنَّ العبادة هي الغاية التي لها خلق الخلق، والإلهية هي الغاية، والربوبية تتضمن خلق الخلق وإنشاءهم فهو متضمن ابتداء حالهم، والمصلي إذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فبدأ بالمقصود الذي هو الغاية على الوسيلة التي هي البداية، فالعبادة غاية مقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، تلك حكمة وهذا سبب"١.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "فاعلم أنَّ الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان؛ كما في قوله: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ ، وكما يقال رب العالمين، وإله المرسلين، وعند الإفراد يجتمعان،
стр. 77
كما في قول القائل: من ربك. مثاله الفقير والمسكين نوعان في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ١، ونوع واحد في قوله: "افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم"، إذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر: من ربك؟ معناه من إلهك؛ لأنَّ الربوبية التي أقرَّ بها المشركون ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: ﴿الذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَّقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ ٢، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ ٣، وقوله: ﴿إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ٤ فالربوبية في هذا هي الألوهية، ليست قسيمةً لها كما تكون قسيمةً لها عند الاقتران، فينبغي التفطن لهذه المسألة"٥.
ثم قال الكاتب ص٣١ عقب كلامه السابق: "وبالجملة فقد أومأ القرآن الكريم والسنة المستفيضة إلى تلازم توحيد الربوبية والألوهية، وإنَّ ذلك مما قرره رب العالمين، واكتفى سبحانه من عباده بأحدهما عن صاحبه لوجود هذا التلازم، وكذلك اكتفى به الملائكة المقربون عند السؤال، وفهم الناس هذا التلازم حتى الفراعنة الكافرون بداهة، ولم يقل أحد من السلف ولا من الصحابة ولا من التابعين بالفرق وأنَّ هناك توحيد ألوهية يغاير توحيد الربوبية ولم ينقل ذلك التفريق عن واحد منهم فضلاً عن نقله من الكتاب
стр. 78
أو السنة، حتى ابتدع وتكلم بذلك بعض أهل القرن الثامن الهجري، ولا عبرة بذلك قطعاً فما هذا الهذيان بهذا التقسيم الذي يفتريه أولئك المبتدعة الخراصون!! ... ".
قلت: قوله بالتلازم بين الاسمين معناه اعترافه أنَّهما ليسا شيئاً واحداً فقد تناقض في كلامه؛ لأنَّه يقرر كما سبق أنَّ توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية، وفي الوقت نفسه يقرر أنَّهما متلازمان، والتلازم لا يقال بين الشيء ونفسه، وإنَّما يقال بين الشيء وغيره، وعلى كلٍّ فقد سبق أن رددت عليه في غلطه وجهله هذا بما يكفي من الأدلة وأقوال أهل العلم أهل السنة والجماعة، لكن أسأل الكاتب هنا من هم المبتدعة الخراصون الذين يهذون بهذا التقسيم؟
أهم الإمامُ أبو حنيفة، والقاضي أبو يوسف، والطحاوي، وابن جرير الطبري، وابن بطة، وابن مندة، وأبو إسماعيل التيمي، وابن حبان، وابن أبي زيد القيرواني، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والذهبي، والصنعاني، والشوكاني، والمقريزي، وابن أبي العز، ومحمد بن عبد الوهاب، وجميع تلاميذهم، وملا علي القاري؟!
فجميع هؤلاء وغيرهم من أهل العلم قائلون بهذا التقسيم، وهو صريح كتاب الله كما أسلفنا، وهو قول أهل السنة والجماعة قاطبة، فمن أهل الهذيان الذين يهرفون بما لا يعرفون المبتدعة الخراصون؟! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.
٩ قال الكاتب ص١٠: "رابعاً: ابن تيمية الذي اخترع تقسيم التوحيد إلى ألوهية وربوبية يقول: إنَّ المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية دون توحيد الألوهية وأنَّ المسلمين الذين يخالفونه في آرائه كذلك وحدوا ربوبية ولم يوحدوا ألوهية، فهو يكفرهم بذلك، وهذا مراده من التقسيم".
стр. 79
وقال قبل هذا ص ٦: "والهدف من هذا التقسيم عند من قال به هو تشبيه المؤمنين الذين لا يسيرون على منهج المتمسلفين بالكفار، بل تكفيرهم بدعوى أنَّهم وحدوا توحيد ربوبية كسائر الكفار، ولم يوحّدوا توحيد ألوهية، وهو توحيد العبادة بزعمهم، وبذلك كفَّروا المتوسلين بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو بالأولياء وكفَّروا أيضاً كثيراً ممن يخالفهم في أمور كثيرة يرون الصواب أو الحق على خلافها، وكل ذلك سببه ذلك الحراني".
قلت: قد ذكرت فيما سبق ما يدل على كذب الكاتب في دعواه أنَّ هذا التقسيم من اختراع شيخ الإسلام ابن تيمية، ونقلت بعض النقول عن أهل العلم من أهل السنة والجماعة الدالة على أنَّ هذا القول هو قول أهل السنة والجماعة قبل ابن تيمية وبعده وفي زمانه، وذكرت من الأدلة على صحة هذا التقسيم ما يكفي ولله الحمد.
وأمَّا رمي الكاتب لشيخ الإسلام ابن تيمية بأنَّه يكفِّر المسلمين فهذا ناتج عن حقده على شيخ الإسلام ابن تيمية، ولهذا تجده يتباكى لتسميته بشيخ الإسلام، ويظهر الضجر من ذلك، بل ويدعو النائم ليستيقظ وأولي البصر أن يتدبر في هذه "العظيمة"!!.
فيقول ص ٢٠: "حيثما ذكر [أي: الشيخ الدويش] ابن تيمية وصفه بشيخ الإسلام دون باقي العلماء، فليتدبر أولو الأبصار وليستيقظ النائمون"!!
مع أنَّ هذا كذب على الشيخ الدويش ﵀، ففي كتابه المورد الزلال الذي يعنيه الكاتب قد ذكر غير ابن تيمية بوصف شيخ الإسلام وبوصف الإمام، وبوصف إمام الأئمة، في مواضع عديدة كما يعلم ذلك من قرأ كتابه كاملاً.
وعلى كلٍّ فابن تيمية ﵀ كان من أورع الناس في مسألة التكفير
стр. 80
وأكثرهم نهياً عنه، وله فيها ضوابط وقواعد مستمدة من كتاب الله تعالى، ولم يكن يكفِّر أحداً بهواه كما هو شأن المبتدعة الضلال، بل يكفِّر من كفَّره الكتاب والسنة.
قال ﵀: "هذا مع أنِّي دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني أنِّي من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معيَّن إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنَّه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً أخرى وعاصياً أخرى، وإنِّي أقرر أنَّ الله قد غفر لهذه الأمة خطأها وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية.
وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية..
وكنت أبين لهم أنَّما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حقٌّ، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهي مسألة الوعيد فإنَّ نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله: ﴿إِنَّ الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ ١ الآية وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا فله كذا فإنَّ هذه مطلقة عامة.
وهي بمنزلة قول من قال من السلف من قال كذا فهو كذا. ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة.
стр. 81
والتكفير هو من الوعيد. فإنَّه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول ﷺ لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً.
وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: "إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم، فو الله لإن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين.
ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له".
فهذا رجل شكَّ في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنَّه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول ﷺ أولى بالمغفرة من مثل هذا"١.
فانظر إلى شدة تحريه ودقة كلامه في هذه المسألة، وشدة ورعه وعدله فيها، والنقول عنه في مثل ما تقدم كثيرة جداً يعلمها من يطالع كتبه ومؤلفاته، ولولا خشية الإطالة لنقلت منها الكثير. ومع ذلك لم يسلم ﵀ من هذا الكاتب وأمثاله ممن يلمزونه بأنَّه يكفِّر المسلمين، وأحسب أنَّ الأمر من قبيل ما قيل: "رمتني بدائها وانسلت" إذ أهل البدع هم المتسرعون في التكفير، وهم
стр. 82
الذين يكفرون بأهوائهم، وما كلام الكوثري شيخ هذا الكاتب في تكفير شيخ الإسلام وغيره من أهل السنة عنك ببعيد.
فالكوثري الذي يطيب للكاتب وصفه ب (الإمام المحدث عليه الرحمة والرضوان) بينما هو في الواقع المبتدع الضال عليه من الله ما يستحق، يقول في ابن تيمية ﵀: "صار كفره مجمعاً عليه" ويقول: "وقع الاتفاق على تضليله وتبديعه وزندقته" ويقول: "ليس من الفرق الثلاث والسبعين"١.
ويقول في ابن القيم: "كافر أو حمار"، "حمار أو تيس" "الملحد" "الخبيث" "الملعون" "بلغ في كفره مبلغاً لا يجوز السكوت عليه"٢.
ولو أخذت أنقل أقوال الكوثري وطعونه ولعنه وتكفيره لهذين الإمامين وغيرهما من أئمة المسلمين لاستغرق النقل عشرات الصفحات، وحسبك أنَّك لا تكاد تقرأ صفحة من كتابه تبديد الظلام إلا وجدتَها منتنةً من كثرة ما فيها من سبٍّ ولعنٍ وتكفيرٍ لأئمة الهدى وأعلام السلف وعلماء السنة.
فمن الذي يكفِّر المسلمين وعلماءهم أيها الكاتب المفتون ﴿نَبِّئونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣، وأمَّا تكفير من جحد توحيد الإلهية فليس محل نزاع، لأنَّه دين المشركين كما ذكره الله عنهم في القرآن: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُواءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ ٤ وغير ذلك من الآيات.
стр. 83
والكاتب بقوله فيما سبق "والهدف من هذا التقسيم ... الخ" كشف عن مقصوده ومراده بإنكار تقسيم التوحيد، وهو الدفاع عن الذين يتعلقون بالأنبياء والأولياء بدعائهم وطلبهم باسم التوسل، وقد مرَّ معنا قوله: "إنَّ مجرد النداء أو الاستغاثة أو الاستعانة أو الخوف أو الرجاء أو التوسل أو التذلل لا يسمَّى عبادة" وقوله: "وإنَّما يكون الدعاء عبادة إذا كان لله أو لمن يعتقد الداعي أنَّ للمدعو صفة من صفات الربوبية"، وانظر بسط الأجوبة في ردِّ شُبَهِ هؤلاء وكشف ضلالهم في كتاب "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" لشيخ الإسلام ابن تيمية وكتاب "كشف الشبهات" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيرهما من كتب أهل العلم.
١٠ قال الكاتب ص ١٤: "وابن تيمية يقول كما هو ثابت عنه في كتبه وكما هو مشهور: "لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه" فنقول له: إذا كنت لا تصف الله إلا بما وصف به نفسه فلماذا تثبت استقرار الله تعالى عمَّا تقول على ظهر بعوضة وتُجوِّزه، هل هذا هو توحيد الأسماء والصفات أيها الشيخ الحراني؟! وهل هذا مما وصف الله به نفسه؟!.
قال ابن تيمية في كتابه "التأسيس في رد أساس التقديس" (١/٥٦٨) : "ولو قد شاء الله لاستقر على ظهر بعوضةٍ فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم" ا. هـ.
فهل من التوحيد الخالص أيها الشيخ الحراني ويا من تتعصبون لآرائه الشاذة أن تجوزوا استقرار رب العالمين سبحانه وتعالى عما تصفون على ظهر ذبابة أو بعوضة؟! ولقد استحيى عُباد الأوثان والمشركون أن يصفوا آلهتهم بذلك!! ".
وأعاد مثل هذا الكلام ص: ٤٣.
стр. 84
قلت: هذا الذي ذكره الكاتب ونسبه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد نسبه من قبله لشيخ الإسلام شيخُه الأول الكوثري١ فأخذه هذا التلميذ عنه وورثه منه، وهو في الحقيقة توارث للكذب والإفك على أئمة المسلمين وعلماء السنة إذ لم يقل شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك، وإنَّما وردت هذه العبارة ضمن كلام طويل نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام الحافظ أبي سعيد الدارمي في مناقشته وردوده على بشر المريسيّ العنيد الذي زعم أنَّ الله ليس فوق العرش بقياس فاسد ذكره حيث قاس الله بالعرش ومقداره ووزنه.
وأنا أنقل هنا كلام الدارمي بطوله ليعلم تمويه الكاتب وشيخه وكذبهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسيّ وصاحبه: وأعجب من هذا قياسك الله بقياس العرش ومقداره ووزنه من صغير أو كبير، وزعمت كالصبيان العميان إنَّ الله أكبر من العرش أو أصغر منه أو مثله، فإن كان الله أصغر فقد صيَّرتم العرش أعظم منه، وإن كان أكبر من العرش فقد ادعيتم فيه فضلاً عن العرش، وإن كان مثله فإنَّه إذا ضمَّ إلى العرش السماوات والأرض كانت أكبر، مع خرافات تكلم بها، وترهات يلعب بها، وضلالات يضل بها، ولو كان من يعلم لله لقطع قشرة لسانه، والخيبة لقومٍ هذا فقيههم والمنظور إليه مع التميز كله وهذا النظر، وكل هذه الجهالات والضلالات. فيقال لهذا البقباق النفاج: إنَّ الله أعظم من كلِّ شيء وأكبر من كلِّ خلق، ولم يحمله العرش عظماً ولا قوة، ولا حملة العرش
стр. 85
حملوه بقوتهم ولا استقلوا بعرشه ولكنهم حملوه بقدرته١.
وقد بلغنا أنَّهم حين حملوا العرش وفوقه الجبَّار في عزته وبهائه ضعفوا عن حمله واستكانوا وجثوا على ركبهم حتى لقنوا: "لا حول ولا قوة إلا بالله" فاستقلوا به بقدرة الله وإرادته ولولا ذلك ما استقل به العرش ولا الحملة ولا السموات والأرض ولا من فيهنَّ، ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض، وكيف تنكر أيها النفاج أنَّ عرشه يقله والعرش أكبر من السموات السبع والأرضين السبع، ولو كان العرش في السماوات والأرضين ما وسعته، ولكنه فوق السماء السابعة.
فكيف تنكر هذا وأنت تزعم أنَّ الله في الأرض في جميع أمكنتها والأرض دون العرش في العظمة والسعة، فكيف تقله الأرض في دعواك ولا يقله العرش الذي هو أعظم منها وأوسع، وأدخل هذا القياس الذي أدخلت علينا في عظم العرش وصغره وكبره على نفسك وعلى أصحابك في الأرض وصغرها حتى تستدل على جهلك وتفطن لما يورد عليك حصائد لسانك، فإنَّك لا تحتج بشيء إلا هو راجع عليك وآخذ بحلقك".
وهذا النص موجود بتمامه في ردّ الإمام الدارمي على بشر المريسي صفحة (٨٥، ٨٦) ، وقد أشار محقق كتاب نقض التأسيس في الهامش إلى مكان النص من كتاب الدارمي. ومع هذا لم يتورع هذا الكاتب ومن قبله شيخه الكوثري
١ فهو سبحانه يمسك السموات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، وهو الغني عما سواه، وما سواه مفتقر إليه من كافة الوجوه، فهو غني عن العرش وما دونه، والخلق كلهم محتاجون إليه ﵎.
стр. 86
من نسبة هذا الكلام لشيخ الإسلام على وجه مبتور مختزل مظهرين الشناعة عليه، فجمعا بين الكذب والتزوير.
وقد علم مما تقدم ما يلي:
١ أن النصَّ المذكور ليس من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية كما زعمه الكاتب ومن قبله شيخه الكوثري، وظهر كذبهما عليه ﵀.
٢ أنَّ الكاتب وشيخه ذكرا النص مختزلاً، ولم يذكراه بتمامه ليتبين مراد الإمام الدارمي ﵀ منه.
٣ تبيَّن أنَّ الكلام جاء في مقام مناظرة وإلزام للخصم، وليس في مقام تقرير وتأصيل عقيدة، ومن المعلوم المتقرر أنَّ عقيدة العالم لا تؤخذ من مناظرته، إذ يذكر العالم في مناظرته أموراً لا يقصد منها إلا قطع المخاصم وإفساد حجته.
وبهذا تعلم أنَّ قول الكاتب " فهل من التوحيد الخالص أيها الشيخ الحراني ويا من تتعصبون لآرائه الشاذة أن تجوزوا استقرار رب العالمين سبحانه وتعالى عما تصفون على ظهر ذبابة أو بعوضة" ما هو إلا تهويش من غشوم جهول، لا مستند له إلا الكذب والتزوير وسوء الظنِّ، فالله حسيبه وحسيب شيخه من قبله، ولهما من الله ما يستحقان.
١١ قال الكاتب ص١٥: "وهل من توحيد الأسماء والصفات إثبات الحركة لله تعالى كما يقول ابن تيمية في كتابه "موافقة صريح المعقول" (٢/٤) على هامش منهاج السنة وقد نسب ذلك لأهل الحديث والسلف زوراً؟!!
وأين وصف الله تعالى نفسه في كتابه بلفظ الحركة؟! ".
стр. 87
قلت: ليس في الصفحة المشار إليها شيء مما ذكره الكاتب، ولم يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتبه إثبات الحركة لله، ولم ينسب ذلك لأهل الحديث والسلف كما ادعى ذلك الكاتب كذباً وزوراً، فحار الكذب عليه ورجع إليه.
أمَّا شيخ الإسلام ابن تيمية فقوله في هذه الألفاظ التي لم ترد في الكتاب أو السنة معلوم ظاهر، وقد أوضحه ﵀ في مواطن عديدة من مؤلفاته.
ومن ذلك قوله ﵀: "والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص، فيثبت ما أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته وينفى ما نفاه الله ورسوله كما نفاه ... "١.
١٢ قال الكاتب ص١٥: "وابن تيمية يقول في كتاب التأسيس (١/١٠١) : "وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنَّه ليس بجسم وأنَّ صفاته ليست أجساماً وأعراضاً" ا. هـ".
قلت: ليس هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وإنَّما هو قول متكلمة أهل الإثبات القائلين بأنَّ الله جسم لا كالأجسام حكاه عنهم شيخ الإسلام في معرض ذكره الأقوال في لفظ الجسم وغيره من الألفاظ الاصطلاحية، قال ﵀: "ثم المتكلمون من أهل الإثبات لما ناظروا المعتزلة تنازعوا في الألفاظ الاصطلاحية فقال قوم: ... إلى أن قال: قالوا: وهذا مِمَّا لا يمكن النزاع فيه إذا فهم المعنى المراد بذلك، لكن أي محذور في ذلك، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنَّه ليس
стр. 88
بجسم وأنَّ صفاته ليست أجساماً وأعراضاً؟! فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل جهلٌ وضلالٌ، قال: وكذلك فالعقل ... ".
فهو هنا ﵀ يحكي قول هؤلاء، فجاء هذا الكاتب واقتطع من هذا النص بعضه ونسبه لشيخ الإسلام ابن تيمية كذباً وزوراً، فنعوذ بالله من هذه الصفاقة في الكذب والوقاحة في الغش والتزوير، ونسأله العفو والعافية.
أمَّا معتقد شيخ الإسلام في لفظ الجسم فقد أوضحه ﵀ قبل الكلام الذي نقله الكاتب بخمسة عشر سطراً فقط!!
قال ﵀ (١/١٠٠) : "وتحرير الأمر أن يقال: الوجه السابع والسبعون: أنَّ لفظ الجسم والعرض والمتحيز ونحو ذلك ألفاظ اصطلاحية، وقد قدمنا غير مرَّة أنَّ السلف والأئمة لم يتكلموا في ذلك في حق الله لا بنفي ولا بإثبات، بل بدَّعوا أهل الكلام بذلك وذموهم غاية الذم ... ".
فهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وقوله في هذه المسألة، ومع هذا أهمله الكاتب وتركه، وتجاوزه إلى كلام في الموضع نفسه ليس له ونسبه إليه، وحقّاً لا ينقضي العجب من هذه الجرأة السافرة على الكذب والخيانة والغش والتدليس والتزوير، ثم مع احتراف الكاتب لهذه الأمور يرمي بكل وقاحة في كتابه السلفيين بأنَّهم محرفون محترفون١!!.
فمن المحرف المحترف إن كنت ذا عقل؟!
стр. 89
١٣ قال الكاتب ص ١٦،١٧: عن ابن القيم: "ويثبت في كتابه الصواعق المرسلة أنَّ لله ساقين، وأنَّه إذا لم يذكر الله في كتابه إلا ساقاً واحدة فهذا لا ينفي أنَّه ليس له ساق أخرى فيقول ما نصه: "هب أنَّه سبحانه أخبر أنَّه يكشف عن ساق واحدة هي صفة، فمن أين في ظاهر القرآن أنَّه ليس له سبحانه إلا تلك الصفة الواحدة؟ وأنت لو سمعت قائلاً يقول: كشفت عن عيني وأبديت عن ركبتي وعن ساقي هل يفهم منه أنَّه ليس إلا ذلك الواحد فقط" ا. هـ.
فانظر إلى هذا التجسيم الصريح وإلى هذا الهراء والهذيان ... إلى أن قال: فخذ مجدك في التجسيم يا ابن القيم!! ولا يهمنك المعارضون من أهل السنة الذين تلقبهم بالجهمية والمعطلة!! ".
قلت:
أولاً: لكلام ابن القيّم تتمة مهمة أهملها الكاتب لحاجة في نفسه، يقول ابن القيم تلو ما وقف عنده الكاتب في النقل عنه "... فلو قال ذلك أحد لم يكن هذا ظاهر كلامه، فكيف يكون ظاهر أفصح الكلام وأبينه ذلك" وهذه التتمة موضحة لمراد ابن القيم من قوله، وقد حذفها الكاتب ليوهم القارئَ أنَّ ابن القيم مجسِّم وحاشاه.
ومراد ابن القيّم من كلامه ظاهر، حيث يقصد أن الله خاطبنا في كتابه بكلام عربيٍّ بيِّن يفهم حسبما تقتضيه لغة العرب التي خوطبنا في القرآن بها.
ثانياً: ذكر ابن القيم ﵀ هذا الكلام ضمن أحد عشر وجهاً ردَّ بها على الجهميّ القائل: "ورد في القرآن ذكر الوجه والأعين والعين الواحدة وذكر الجنب الواحد وذكر الساق الواحد وذكر الأيدي وذكر اليدين واليد
стр. 90
الواحدة، فلو أخذنا بالظاهر لزمنا إثبات شخص له وجه، وعلى ذلك الوجه أعين وله جنب واحد، وعليه أيد كثيرة، وله ساق واحد ولا نرى في الدنيا شخصاً أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة.
قال السنيّ المعظم حرمات الله تعالى: قد ادعيت أيها الجهمي أنَّ ظاهر القرآن الذي هو حجة الله على عباده، والذي هو خير الكلام وأصدقه وأحسنه وأفصحه، وهو الذي هدى الله به عباده وجعله شفاء لما في الصدور وهدىً ورحمة للمؤمنين، ولم ينزل كتاباً من السماء أهدى منه ولا أحسن ولا أكمل، فانتهكت حرمته وعظمته ونسبته إلى أقبح النقص والعيب ... ".
ثم ذكر ﵀ أحد عشر وجهاً عظيمة في الرد على هذا الجهميّ الخبيث، فجاء هذا الكاتب إلى أحد هذه الأوجه وأخذ بعضه وشنع على ابن القيم به منحازاً إلى صف الجهمية منتصراً لهم.
وأقول له: لو أكملت نصرتك لهم بذكر بقية الوجوه التي أوردها ابن القيم وناقشتها وجهاً وجهاً إن كنت تقدر.
١٤ قال الكاتب ص١٧: "وابن القيم متعصب لذلك وسائر على قاعدة شيخه الحراني التي أسسها له في كتابه التأسيس (١/١٠٩) حيث قال هناك: "وإذا كان كذلك فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين".ا. هـ".
قلت: لم ينته كلام شيخ الإسلام ابن تيمية كما زعمت أيُّها الملبس بل قال بعده مباشرة " ... ولكن تكلم طائفة من السلف مثل عبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية ونعيم بن حماد وغيرهم بذم المشبهة، وبينوا المشبهة الذين ذموهم أنَّهم يمثلون صفات الله بصفات خلقه".
стр. 91
وكتب ابن تيمية ﵀ مملوءة بذم المشبهة الممثلة، ومع ذلك يأبى هذا المبطل إلا رميه بالتشبيه والتمثيل.
ورحم الله الإمام ابن القيم إذ يقول: "ونعلم قبل المطالبة أنَّ كلَّ الجهميين على وجه الأرض لو اجتمعوا لما أجابوا عنه بغير المكابرة والتشنيع على أهل الإثبات بالتجسيم والسبِّ هذه وظيفة كل مبطل قامت عليه حجة الله تعالى"١.
قلت: صدقت رحمك الله فلم نجدهم يفعلون غير هذا، وما هذا الكاتب إلا شاهد من مئات الشواهد على ما تقول.
١٥ قال الكاتب ص١٧: "وقد أثبت ابن القيم أيضاً جنباً لله تعالى عما يقول!! واستنبط ذلك من قوله تعالى ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ﴾ ٢ ففي الصواعق المرسلة (١/٢٥٠) ومختصر الصواعق للموصلي (١/٣٣) ما نصه: "هب أنَّ القرآن دلَّ على إثبات جنب هو صفة، فمن أين لك ظاهره أو باطنه على أنَّه جنب واحد وشقٌّ واحد؟ ومعلوم أنَّ إطلاق مثل هذا لا يدل على أنَّه شق واحد، كما قال النبي ﷺ لعمران بن حصين "صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب" وهذا لا يدل على أنَّه ليس للمرء إلا جنب واحد" ا. هـ.
قلت: وهل يصح قياس الله بعمران بن حصين وتشبيهه به؟! وهل يقول أحد من الموحدين أنَّ لله جنباً؟!.
والله ما الإتيان بمثل هذا الكلام إلا رجوع للوثنية الأولى ف ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ !!!! ".
стр. 92
قلت: ما أعظم جرأتك على التدليس والتلبيس والكذب، فإنَّ ابن القيم ﵀ أجل قدراً وأرفع مكانة وأنبل منزلة من هذا الذي بهته به.
قال ﵀: "السادس: أن يقال: من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد هو صفة لله؟ ومن المعلوم أن هذا لا يثبته أحد من بني آدم، وأعظم الناس إثباتاً للصفات هم أهل السنة والحديث لايثبتون أنَّ لله تعالى جنباً واحداً ولا ساقاً واحداً.
قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي: وادعاء المعارض زوراً على قوم أنَّهم يقولون في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ﴾ ، أنَّهم يعنون بذلك الجنب هو العضو، وليس ذلك على ما يتوهمونه.
قال الدارمي: فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك، فإن كنت صادقاً في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله،
وإلاَّ فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك، إنَّما تفسيرها عندهم: تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله واختاروا عليها الكفر والسخرية، فمن أنبأك أنَّهم قالوا: جنب من الجنوب؟ فإنَّه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلاً عن علمائهم. وقد قال أبو بكر الصديق ﵁: "الكذب مجانب للإيمان"، وقال ابن مسعود ﵁: "لا يجوز من الكذب جدٌّ ولا هزلٌ"، وقال الشعبي: "من كان كذَّاباً فهو منافق"، والتفريط فعل أو ترك فعل، وهذا لا يكون قائماً بذات الله لا بجنب ولا غيره بل يكون منفصلا١ عن الله تعالى، وهو معلوم بالحس والمشاهدة".
стр. 93
ثم قال ابن القيم "السابع: أن يقال: هب أنَّ القرآن دلَّ على إثبات جنب هو صفة ... " على وجه المجادلة للخصم والإلزام في مقام المناظرة. والكاتب اكتفى بنقل كلام ابن القيم هذا وترك ما قبله مما يوضح مراده ويبيّن مقصوده.
قلت: فيالله ما أعظم تشابه قلوب القوم وتعانق أهوائهم فالدارمي ﵀ يقول للجهمي المعارض الذي ادعى على قوم أنَّهم يفسرون ﴿فِي جَنبِ اللهِ﴾ بالجنب الذي هو العضو، يقول له: ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك فإن كنت صادقاً في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني آدم، وإلا فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك، ثم ينقل معنى الآية عند أهل العلم بأنَّ المراد: ما فرطوا في الإيمان والفضائل، ويقول: لايجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلاً عن علمائهم، ثم يورد آثاراً عن السلف في التحذير من الكذب، وأنَّه مجانب للإيمان، وأنَّه صفة المنافقين، ولا يجوز منه جد ولا هزل، كل ذلك ذكره الدارمي ونقله ابن القيم بتمامه معتقداً له مستشهداً به وهو في نفس الصحيفة التي نقل منها الكاتب، فيتعامى عن ذلك كله، ويدعي أن ابن القيم يثبت الجنب صفة لله ويرجع بالأمة إلى الوثنية الأولى.
فنقول له مثل ما قاله الإمام الدارمي لسلفه: ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك فإنَّ معنى قوله: ﴿فِي جَنبِ اللهِ﴾ ، أي: في دين الله أو في حق الله، وهذا معنى لا يجهله كثير من عوام المسلمين فضلاً عن الإمام العلامة المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى.
ونقول للكاتب: ألم يردعك عن الكذب ما قرأته في الصحيفة نفسها: من قول أبي بكر ﵁: "الكذب مجانب للإيمان"، وقول ابن مسعود ﵁: "لا يجوز من الكذب جدٌّ ولا هزلٌ"، وقول الشعبي: "من كان كذَّاباً فهو منافق"، ألم يردعك ذلك كله عن الكذب فإنَّ فيه أعظم رادع، أم أنَّ الطبع غالب.
стр. 94
١٦ قال الكاتب ص١٨: "وإمام ابن تيمية وقدوته في هذه الطامات هو أبو يعلى الحنبلي الذي كان يقول:"ألزموني ما شئتم إلا اللحية والعورة" أي في صفات الله تعالى!! كما نقل ذلك ابن العربي المالكي في كتابه العواصم (٢/٢٨٣) وهذا هو توحيد الأسماء والصفات الذي يريدونه والذي يحاولون إثباته".
قلت: حسيبك الله على ما تقول، فشيخ الإسلام ﵀ يقول في هذا الذي بهته به ورميته به ما نصه: "وقد صنف القاضي أبو يعلى كتابه في إبطال التأويل ردّاً لكتاب ابن فورك، وهو وإن كان أسند الأحاديث التي ذكرها وذكر من رواها ففيها عدة أحاديث موضوعة كحديث الرؤية عياناً ليلة المعراج ونحوه وفيها أشياء عن بعض السلف رواها بعض الناس مرفوعة، كحديث قعود الرسول ﷺ على العرش رواه بعض الناس من طرق كثيرة مرفوعة وهي كلها موضوعة، وإنَّما الثابت أنَّه عن مجاهد وغيره من السلف، وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه، ويتلقونه بالقبول.
وقد يقال: إنَّ مثل هذا لا يقال إلا توقيفاً، لكن لا بد من الفرق بين ما ثبت من ألفاظ الرسول وما ثبت من كلام غيره، سواء كان من المقبول أو المردود.
ولهذا وغيره تكلم رزق الله التميمي وغيره من أصحاب أحمد في تصنيف القاضي أبي يعلى لهذا الكتاب بكلام غليظ وشنع عليه أعداؤه بأشياء هو منها بريء كما ذكر هو ذلك في آخر الكتاب.
وما نقله عنه أبو بكر ابن العربي في العواصم كذب عليه عن مجهول لم يذكره أبو بكر، وهو من الكذب عليه، مع أنَّ هؤلاء وإن كانوا نقلوا عنه ما هو كذب عليه ففي كلامه ما هو مردود نقلاً وتوجيهاً، وفي كلامه من
стр. 95
التناقض من جنس ما يوجد في كلام الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي المعالي وأمثالهم ممن يوافق النفاة على نفيهم، ويشارك أهل الإثبات على وجه يقول الجمهور: إنَّه جمع بين النقيضين"١.
قلت: وبهذا النقل يتبين كذب الكاتب وبهته وافتراؤه على شيخ الإسلام ﵀، والأمر لا يحتاج إلى إيضاح فشيخ الإسلام ابن تيمية لم يوافق أبا يعلى في كلِّ ما قال وبيَّن كذب ما نقله ابن العربي ولم يكن أبو يعلى إماماً لشيخ الإسلام كما قال الكاتب.
وأمَّا القاضي أبو يعلي ﵀ فقد قال في آخر كتابه "إبطال التأويلات" في دفاعه عن نفسه ما رمي به من تجسيم وتشبيه وغير ذلك ما نصه: " ... ثم لم يكفهم ما أضافوه إلينا من الكذب والبهتان، حتى رمونا بالتجسيم والتشبيه والكفر لأجل ما رويناه من الصفات التي جاء بها القرآن والأخبار، والله تعالى يقول: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَّعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَي صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، فكيف يجوز أن نكفر ونحن نحتج بكتاب الله وسنة رسول الله، ولكن نعتصم بالله كما أمرنا الله تعالى لنهتدي إلى الصراط المستقيم، ومع هذا فلم يخل الله جل ثناؤه كل عالم في عصره من جاهل يبغي عليه بحسده وشره ليبلو بذلك شكره وصبره، ويعظم بذلك ثوابه وأجره. وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ
стр. 96
الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذِينَ أَشْرَكُوا أَذًي كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِندِ أَنفُسِهِمْ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ ٣، وقال النبي ﷺ : "لو أنَّ مؤمناً على قصبة في البحر لقيَّض الله له منافقاً يؤذيه"، وقال الشاعر:
وإذا أتتك مذمَّتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأنِّي فاضل
وقال رجل لأحمد بن حنبل ﵀ يا أبا عبد الله: قالوا: إنَّ عندك كتاب زندقة، فقال: لا يحرز المؤمنَ إلا قبرُه ... ".
وذكر القاضي كلاماً طويلاً ثم قال: " ... فمن روى عنَّا خلاف ذلك أو أضاف إلينا سواه أو نحلنا في ذلك قولاً غيره فهو كاذب مفتري متخرص معتدي يبوء بسخط الله وعليه غضب الله ولعنته في الدارين ... "٤.
١٧ قال الكاتب ص ١٩: " (تنبيه مهم جداً) ومِمَّا يدل على أنَّ هؤلاء المتسلفين أتباع ابن تيمية وابن القيم مجسمة أيضاً يسيرون على نفس نهج شيخهما، مؤلفاتهم المطبوعة والتي تثبت ذلك، منها كتاب طبع حديثاً لمتسلف وهابي يدعى (عبد الله بن محمد الدويش) اسم الكتاب (المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال) يسفه فيه الشيخ (سيد قطب) ويصفه
стр. 97
بالابتداع وأنَّه جهمي أشعري معتزلي وإليك بعض ما يقول هذا المتمسلف:
١ يقول ص: ١٠ ما نصه: "فقد عاب سيد قطب قول أهل السنة والجماعة، وهذا هو مسلك أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وسيجيء من كلامه ما يبين أنَّه سلك مسلكهم" ا. هـ".
قلت: نص كلام الشيخ العلامة عبد الله الدويش ﵀ هو قوله بعد أن ذكر تفسير أهل السنة للاستواء بالعلو والارتفاع " ... فمن ردَّ هذا أو عابه فقد عاب قول أهل السنة والجماعة وهذا هو دأب أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وغيرهم. وسيجيء من كلامه ما يبين أنَّه سلك مسلكهم".
فحذف الكاتب أول كلام الشيخ وهو عام كما ترى ثم أضاف إليه من كيسه بين شرطتين سيد قطب إمعاناً منه في التحريف، وهذا كذب فاضح، ففرق بين نص الشيخ الدويش ﵀، وبين النص الذي أورده هذا المزور.
وسيد قطب ﵀ له في كتابه الظلال أمور عديدة متعلقة بالصفات وغيرها خالف فيها منهج أهل السنة والجماعة وسلك فيها طريقة المتكلِّمين، وقد نبَّه على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم العلامة الدويش ﵀ في كتابه "المورد ... " الذي شرق منه هذا الكاتب وغيره.
بل إنَّ سيد قطب ﵀ قد أقرَّ على نفسه بأنَّه قد وقع في مثل هذه الأخطاء، وسلك مسالك المتكلِّمين في كتابه الظلال وغيره من كتبه، ووعد بإعادة النَّظر فيها وتدارك ذلك في الطبعات الأخرى، إلاَّ أنَّه ﵀ مات ولَم يتيسَّر له ذلك.
ففي ظلال القرآن (٦/٣٧٣١) انتقد سيد قطب طريقة مَن يريدون فهم
стр. 98
القرآن على ضوء مقررات تصورية أو عقلية أو شعورية سابقة كما هو الشأن عند أئمة الكلام الباطل ثم "يؤولون نصوصه هذه لتُوائم مقررات سابقة في عقولهم، وتصورات سابقة في أذهانهم لما ينبغي أن تكون عليه حقائق الوجود"، ثم علَّق على هذا في الهامش بقوله:
"وما أبرئ نفسي أنَّني فيما سبق من مؤلفاتي وفي الأجزاء الأولى من هذه الظلال قد انسقت إلى شيء من هذا، وأرجو أن أتداركه في الطبعة الثانية إذا وفَّق الله، وما أقرره هنا هو ما أعتقده الحقَّ بهداية من الله". اه.
فنسأل الله أن يغفر لسيد قطب أخطاءَه التي أقرَّ بها ووعد بتلافيها، وأن يهدي أتباعَه للبُعد عنها والحذر من الوقوع فيها، إنَّه سميعٌ مجيب.
وعلى كلٍّ فسيد قطب ﵀ أقرَّ على نفسه بهذه الأخطاء ووعد خيراً، والعلماء الناصحون حذَّروا الناسَ من هذه الأخطاء وأرادوا بذلك خيراً، وأمَّا هذا الدَّعِي وأمثاله فلم ينصحوا لا لسيد قطب ﵀ ولا لعموم المسلمين، والله وحده المستعان لا شريك له.
١٨ قال الكاتب ص ١٩،٢٠: "٢ - ويقول ص: (١٩) [أي الدويش] ما نصه: "وأقول: قوله سيد قطب في التوجه إلى الله الذي لا يتحيز في مكان هذا قول أهل البدع كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وأما أهل السنة والجماعة فلا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه ... ". ثم قال بعد ذلك بخمسة أسطر في نفس الصحيفة ذامّاً أهل البدع بنظره ما نصه: "ومقصودهم بها نفي الصفات كالجسم والتحيز ... " ا. هـ فهو يرى تبعاً لابن تيمية وابن القيم أنَّ من صفات الله تعالى الجسم والتحيز، وأنَّ الشيخ سيد قطب والأشاعرة الذين ينزهون الله عن التحيز والمكان ويقولون ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
стр. 99
الْبَصِيرُ﴾ ١، مبتدعة جهميون، فالله حسيبه وحسيب هذه الطائفة".
قلت: لقد بتر الكاتب كلام الشيخ العلامة الدويش ﵀ وهذا من عادة أهل البدع والأهواء ليتوصل من ذلك إلى تقرير أنَّ الشيخ يثبت الجسم والحيز لله ويعدها من صفاته، والشيخ ﵀ لم يقل ذلك ولا يقصده بل ولا يقول به كما يعلم ذلك من قراءة كلامه بتمامه.
ونص كلامه ﵀ هو: "أقول: قوله في التوجه إلى الله الذي لا يتحيز في مكان هذا قول أهل البدع كالجهمية والمعتزلة وأما أهل السنة والجماعة فلا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه وبما وصفه رسوله ﷺ لا يتجاوزون القرآن والحديث فيثبون علو الرب واستواءه على عرشه كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، وأما أهل البدع فلا يثبتون ما ورد أو يثبتون بعض الصفات دون بعض، ويبتدعون ألفاظاً موهمة يظن الظانّ أنَّهم ينزهون الرب بها عن النقائص والعيوب ومقصودهم بها نفي الصفات كالجسم والتحيز والجوهر والعرض، قال شيخ الإسلام تقي الدين بعد كلام له في الردِّ على من قال إنَّه ليس بجسم ولا بجوهر ولا عرض قال ﵀: فهذه الألفاظ لا يطلق إثباتها ولا نفيها كلفظ الجوهر والجسم والحيز ونحو ذلك من الألفاظ ... ".
هذا نص كلام الشيخ ﵀، ومن يقرأ كلامه يعلم أنَّ مراده بذكر الجسم والحيز والعرض التمثيل للألفاظ الموهمة التي يظن الظانّ أنَّ أهل البدع يقصدون بنفيها تنزيه الله عن النقائص والعيوب، فجاء هذا المزور وبتر كلام
стр. 100
الشيخ وأخذ آخره ليوهم القارئ أنَّ الشيخ يمثل بالجسم والجوهر لصفات الله الثابتة له، ولهذا قال المزور بعد هذا النقل المبتور: "فهو يرى تبعاً لابن تيمية وابن القيم أنَّ من صفات الله تعالى الجسم والحيز".
مع أنَّ الشيخ الدويش ﵀ كما تقدم نقل تلو النص الذي ذكره الكاتب عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنَّ هذه الألفاظ لا يطلق إثباتها ولا نفيها على الله، وهذا هو معتقد شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أئمة أهل السنة في مثل هذه الألفاظ الموهمة، لا يرون إطلاق إثباتها ولا إطلاق نفيها لكونها لم ترد ولكونها محتملة.
ورغم وقوف الكاتب على ذلك إلا أنَّه لم يرض لنفسه غير الكذب والتزوير.
١٩ قال الكاتب ص ٣٣: "... لذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١، معناه كما قال القرطبي في التفسير (١٣/١٦١) : "أي كيف يكفرون بتوحيدي وينقلبون عن عبادتي، معناه: أنَّهم يقولون ذلك بألسنتهم فقط عند إقامة الحجج عليهم وهم في الحقيقة لا يقولون بذلك" ... ".
قلت: لما لم يجد الكاتب أحداً من أهل العلم يوافقه في قوله: إنَّ المشركين لا يؤمنون بوجود الله، وأنَّهم إنَّما قالوا ذلك عند إقامة الحجج عليهم وهم في الحقيقة لا يقولون بذلك، لما لم يجد أحداً يوافقه في ذلك اضطر إلى التزوير.
فقال: كما قال القرطبي في التفسير (١٣/١٦١) : "أي كيف يكفرون بتوحيدي وينقلبون عن عبادتي، معناه: أنَّهم يقولون ذلك بألسنتهم فقط عند
стр. 101
إقامة الحجج عليهم وهم في الحقيقة لا يقولون بذلك".
فجعل من قوله "أي كيف يكفرون ... "، إلى قوله: " ... لا يقولون بذلك" بين علامتي التنصيص ليوهم أنَّ الجميع من قول القرطبي، بينما كلام القرطبي في الحقيقة ينتهي عند قوله: " ... عن عبادتي"، والباقي من كلام الكاتب، وزور مع هذا تزويراً آخر فحذف كلاماً للقرطبي قبل هذا فيه التنصيص على اعتراف المشركين بأنَّ الله تعالى "خالق هذه الأشياء".
بل إنَّ القرطبي يصرح بالفرق بين الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية فقد نقل عنه صاحب تيسير العزيز الحميد أنَّه قال: "أصل الشرك المحرم اعتقاد شريك لله تعالى في الإلهية وهو الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إنَّ موجوداً ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلهاً"١.
٢٠ قال الكاتب ص ٣٧: "اعلم يرحمك الله تعالى أنَّ أهل السنة والجماعة بما فيهم الأشاعرة والماتريدية يثبتون لله من الصفات ما أثبت لنفسه، وما يشوشه المجسمة عليهم من أنهم معطلة وجهمية تشويش فارغ لا قيمة له بعد التمحيص العلمي والتدقيق".
قلت: مراده بالمجسمة أهل السنة والجماعة، فهم الذين يرمون الأشاعرة والماتريدية وغيرهم من أهل الكلام بأنهم معطلة فيما ينكرونه من صفات الله تعالى.
стр. 102
فالأشاعرة وكذا الماتريدية ينفون عن الله كثيراً من صفات كماله الثابتة في الكتاب والسنة مثل الاستواء والنزول والمجيء والغضب والرضا ... وغيرها فهذه صفات أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ ، ونفاها هؤلاء عنه، خلافاً لما ادعاه الكاتب أنَّهم يثبتون لله من الصفات ما أثبت لنفسه.
وجَعْلُ الكاتبِ الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة، غلط ظاهر إذ هم من أهل البدع والأهواء، وأمَّا أهل السنة والجماعة فهم المتمسكون بها والدائرون معها نفياً وإثباتاً.
فإنَّ المراد بالسنة الطريقة المحمدية التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام وتابعوهم بإحسان قبل ظهور البدع وفشوها، فمن تأثر بشيء من الأهواء واستمسك بها لم يصح إطلاق هذا اللقب الجليل عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأئمة السنة ليسوا مثل أئمة البدعة، فإنَّ أئمة السنة تضاف السنة إليهم لأنَّهم مظاهر بهم ظهرت، وأئمة البدعة تضاف إليهم لأنَّهم مصادر عنهم صدرت ... "١.
وبهذا يعلم من هم أهل السنة ومن أهل البدعة.
٢١ قال الكاتب ص ٣٨: "والضحك كذلك لا يليق أن يطلق حقيقة على الله، وإنما يطلق على سبيل المجاز، وتأويله عند أهل العلم الرضا أو الرحمة، فإذا ورد في حديث أنَّ الله يضحك إلى فلان فالمراد به أنَّه يرضى عنه ويرحمه، وهكذا".
قلت: شيخ الكاتب في هذا التأويل الباطل هو بشر بن غياث المريسي،
стр. 103
وقد نقض أقواله الإمامُ الدارمي في رده الشهير عليه، ولهذا فإني أقتصر هنا على ذكر ردِّ الإمام الدارمي على بشر المريسي في هذه المسألة ليكون الرد على الشيخ ردّاً على التلميذ.
قال الدارمي ﵀: "فادعى المعارض في تفسيره أن ضحك الرب رضاه ورحمته ... وذكر أموراً ثم قال: وأمَّا قولك إنَّ ضحكه رضاه ورحمته فقد صدقت في بعض، لأنَّه لا يضحك لأحد إلا عن رضى، فيجتمع منه الضحك والرضا، ولا يصرفه إلا عن عدو، وأنت تنفي الضحك عن الله وتثبت له الرضا وحده ... إلى أن قال: وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو يعلى أخبرنا يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس عن أبي رزين العقيلي عن رسول الله ﷺ قال: "ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَره. قال أبو رزين: أيضحك الرب يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً".
فهذا حديثك أيها المعارض الذي رويته وثبتَّه وفسرته، وأقررت أنَّ النبي ﷺ قد قاله، ففي نفس حديثك هذا ما ينقض دعواك وهو قول أبي رزين للنبي ﷺ "أيضحك الرب؟ " ولو كان تفسير الضحك الرضى والرحمة والصفح عن الذنوب فقط كان أبو رزين في دعواك إذن جاهلاً أن لا يعلم أنَّ ربه يرحم ويرضى ويغفر الذنوب؟ بل هو كافر في دعواك، إذ لم يعرف الله بالرضى والرحمة والمغفرة. وقد قرأ القرآن وسمع ما ذكر الله فيه من رحمته ومغفرته وصفحه عن الذنوب ما كان له فيه مندوحة عن سؤال النبي ﷺ : أيغفر ربنا ويرحم؟ إنَّما سأله عما لا يعلم لا عن علم ما علم وآمن به قبل. وقرأ القرآن فوجد فيه ذكره ولم يجد فيه ذكر الضحك. فلما أخبره النبي ﷺ أنَّه يضحك قال: "لن نعدم من رب يضحك خيراً" ولو كان على تأويلك لاستحال أن
стр. 104
يقول أبو رزين للنبي ﷺ : لن نعدم من رب يرحم ويرضى ويغفر خيراً. لما أنَّه قد آمن وقرأ قبل في كتابه: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فاعقله. وما أراك تعقله"١.
قلت: ولست أدري أيضاً هل التلميذ يعقله أولا؟ وما أراه يعقله.
٢٢ قال الكاتب ص ٣٨: "روى الإمام البيهقي في كتاب الأسماء والصفات (ص: ٢٩٨) أنَّ الإمام البخاري رحمه الله تعالى أوَّل الضحك بالرحمة، وهذا نهج السلف والمحدثين، والبخاري بلا شك من أئمة المحدثين، ومن أهل القرون الثلاث، قرون السلف المشهود لها بالخيرية".
قلت: حاشاهم، فتأويل النصوص وصرفها عن ظواهرها ليس من نهجهم، بل هم يمرون النصوص كما جاءت ولا يحرفون ولا يمثلون ولا يعطلون ولا يكيفون.
وهذا الذي ذكره البيهقي أنَّ البخاري أوَّل الضحك بالرحمة، لا وجود له في نسخ صحيح البخاري الموجودة بين أيدينا، والحديث الذي ذكر البيهقي أنَّ البخاري أوَّل عنده الضحك بالرحمة مُخرج في صحيح البخاري في موضعين منه، ولم يذكر عند شيء منهما هذا التأويل الباطل، وقد نص الحافظ في الفتح (٨/٦٣٢) على عدم وجود هذا التأويل في النسخ التي اطلع عليها من صحيح البخاري وهو من هو في العناية بالصحيح وسعة الاطلاع على نسخه، فقال ﵀: "ولم أر ذلك في النسخ التي وقعت لنا من البخاري".
وعليه فلا عبرة بذكر بعض المؤولة هذا القول منسوباً للبخاري ﵀، ولا عبرة بالدعاوى إذا لم يقم عليها بينات.
стр. 105
٢٣ قال الكاتب ص ٤٠: "والصواب أنَّ السلف بما فيهم الصحابة والتابعون كانوا يؤولون كثيراً من الألفاظ التي لا يراد منها إثبات صفات لله تعالى، وتفسير الإمام الحافظ ابن جرير السلفي (توفي ٣١٠هـ) أكبر برهان على ذلك فقد أورد الحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره وروى بأسانيده عن سيدنا ابن عباس تأويل (الساق) الواردة في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ ١ بالشدة؛ لأنَّ العرب تقول: كشفت الحرب عن ساقها أي اشتدت".
قلت: قول الكاتب عن الصحابة والتابعين أنَّهم يؤولون كذبٌ عليهم، وتقوُّلٌ عليهم بلا علم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأمَّا الذي أقوله الآن وأكتبه وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي وإنما أقوله في كثير من المجالس إنَّ جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها.
وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنَّه تأول شيئاً من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أنَّ ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله، وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير.
وتمام هذا أنِّي لم أجدهم تنازعوا إلاَّ في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن
стр. 106
سَاقٍ﴾ ، فروي عن ابن عباس وطائفة أنَّ المراد به الشدة، إن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنَّهم عدوها في الصفات للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين.
ولا ريب أنَّ ظاهر القرآن [لا] يدل على أنَّ هذه من الصفات فإنَّه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنَّه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل، إنَّما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف، ولكن كثير من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولاً له، ثم يريدون صرفه عنه، ويجعلون هذا تأويلاً، وهذا خطأ من وجهين كما قدمناه غير مرة"١.
٢٤ قال الكاتب ص ٤١: "أوَّل الإمام أحمد قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ ، أنه جاء ثوابه كما ثبت عنه بإسناد صحيح، انظر البداية والنهاية لابن كثير (١٠/٣٢٧") .
قلت: هذا التأويل الذي ذكره الكاتب ثبوته عن الإمام أحمد محل بحث ونظر "بل الذي يعلم من حيث الجملة أنَّ الإمام أحمد والأئمة الكبار الذين لهم في الأمة لسان صدق عام لم يتنازعوا في شيء من هذا الباب"٢، وهو مخالف للنصوص الكثيرة المنقولة عنه ﵀ في منع التأويل ورده، ويكفيك في هذا كتابه "الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله".
стр. 107
وهذا القول المنقول عن الإمام أحمد رواه عنه حنبل في كتاب المحنة، وفي الإجابة عن هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الذي ذكره القاضي وغيره أنَّ حنبلاً نقله عن أحمد في كتاب المحنة أنَّه قال ذلك في المناظرة لهم يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله "تجيء البقرة وآل عمران" قالوا: والمجيء لا يكون إلا لمخلوق، فعارضهم أحمد بقوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ ، وقال: المراد بقوله "تجيء البقرة وآل عمران" ثوابهما، كما في قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ أمره وقدرته.
وقد اختلف أصحاب أحمد فيما نقله حنبل، فإنَّه لا ريب خلاف النصوص المتواترة عن أحمد في منعه من تأويل هذا، وتأويل النزول، والاستواء ونحو ذلك من الأفعال.
ولهم ثلاثة أقوال: قيل: إنَّ هذا غلط من حنبل، انفرد به دون الذين ذكروا عنه المناظرة مثل صالح وعبد الله والمروذي وغيرهم، فإنَّهم لم يذكروا هذا، وحنبل ينفرد بروايات يغلطه فيها طائفة كالخلال وصاحبه، قال أبو إسحاق بن شاقلا: هذا غلط من حنبل ولا شك فيه.
وكذلك نقل عن مالك رواية أنَّه تأول "ينزل إلى السماء الدنيا" أنه ينزل أمره، لكن هذا من رواية حبيب كاتبه وهو كذَّاب باتفاقهم، وقد رويت من وجه آخر لكن الإسناد مجهول.
والقول الثاني: قال طائفة من أصحاب أحمد: هذا قاله إلزاماً للخصم على مذهبه لأنَّهم في يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله "تأتي البقرة وآل عمران" أجابهم بأن معناه: يأتي ثواب البقرة وآل عمران كقوله: ﴿أَن يَّأْتِيَهُمُ اللهُ﴾ ١،
стр. 108
أي أمره وقدرته على تأويلهم، لا أنَّه يقول بذلك، فإنَّ مذهبه ترك التأويل.
والقول الثالث: أنَّهم جعلوا هذا رواية عن أحمد، وقد يختلف كلام الأئمة في مسائل مثل هذه، لكن الصحيح المشهور عنه ردّ التأويل.
وقد ذكر الروايتين ابن الزاغوني وغيره، وذكر أن ترك التأويل هي الرواية المشهورة المعمول عليها عند عامة المشايخ من أصحابنا"١.
٢٥ قال الكاتب ص ٤٢: "... يثبت [أي: ابن تيمية] لله سبحانه صفات بأحاديث موضوعة أو إسرائيليات من ذلك أنَّه أثبت أنَّ الله يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد"، وأحال في الهامش إلى كتاب موافقة صريح المعقول المطبوع على هامش منهاج السنة (٢/١٥١) .
قلت: حاشا ابن تيمية وغيره من أهل السنة والجماعة أن يثبتوا شيئاً من العقيدة بأحاديث موضوعة أو إسرائيليات، بل هذا من دأب أهل البدع المخلطين المموهين.
يقول إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ في كتابه العظيم التوحيد: "وقد أعلمت ما لا أحصي من مرة أني لا أستحل أن أمَوِّه على طلاب العلم بالاحتجاج بالخبر الواهي، وإني خائف من خالقي جل وعلا إذا موهت على طلاب العلم بالاحتجاج بالأخبار الواهية وإن كانت الأخبار حجة لمذهبي"٢.
ويقول ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر الحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه من حديث عبد السلام بن صالح أنَّ النبي ﷺ قال: "الإيمان معرفة
стр. 109
بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان"، وفيه حجة لقول أهل السنة في الإيمان وردٌّ على المرجئة، يقول ابن القيم عند هذا الحديث: "في الحق ما يغني عن الباطل، ولو كنا ممن يحتج بالباطل ويستحله لروجنا هذا الحديث وذكرنا بعض من أثنى على عبد السلام، ولكن نعوذ بالله من هذه الطريقة، كما نعوذ به من طريقة تضعيف الحديث الثابت وتعليله إذا خالف قول إمام معين، وبالله التوفيق"١.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لا يرى جواز الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة فضلاً عن الأحاديث الموضوعة التي بهته الكاتب بالاحتجاج بها، يقول ﵀: "ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة"٢، ويقول: "والأحاديث التي تروى في هذا الباب وهو السؤال بنفس المخلوقين هي من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة، ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها"٣، وفي شأن الإسرائيليات يقول: " ... فأمَّا أن يثبت شرعاً لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم"٤.
وأعود لكلام الكاتب السابق وهو قوله في شيخ الإسلام ﵀: "ويثبت لله سبحانه صفات بأحاديث موضوعة أو إسرائيليات من ذلك أنَّه أثبت أنَّ الله يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد".
стр. 110
فأقول: لقد اشتمل قول الكاتب هذا الذي لا يتجاوز سطرين على عدة كذبات على شيخ الإسلام وهذا بيانها:
الأولى: قوله عن شيخ الإسلام إنَّه يثبت الصفات بالأحاديث الموضوعة والإسرائيليات، وهذا كذب ظاهر على شيخ الإسلام لا يخفى على كل طالب علم قرأ كتبه، وتحذيرُه ﵀ من الاستشهاد والاحتجاج بالأحاديث الموضوعة والإسرائيليات أشهر من أن يذكر، وقد قدمنا شيئاً من ذلك. فهاتان كذبتان على شيخ الإسلام:
الأولى: زعمه أنَّ شيخ الإسلام يحتج في الصفات بالأحاديث الموضوعة.
الثانية: زعمه أنَّه يحتج فيها بالإسرائيليات.
الكذبة الثالثة: تمثيله لإثبات شيخ الإسلام الصفات بالأحاديث الموضوعة بما ذكره عنه "أنَّ الله يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد" فهذه الكلمة لم ترد في حديث وإنَّما وردت في أثر، وقد نصَّ شيخ الإسلام في الصفحة نفسها على أنَّه أثر، فهذه كذبة ثالثة على شيخ الإسلام.
الرابعة: أنَّ الأثر المشار إليه ضعيف وليس موضوعاً كما يوهمه سياق الكاتب.
الخامسة: أنَّ النص بتمامه الذي ورد فيه هذا الأثر ليس لشيخ الإسلام، بل جاء عنده ضمن نقل طويل عن كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد، وهو في الكتاب المذكور (ص: ٤٥) ، وهذا أمر أخفاه الكاتب، لأنَّه قصد بذلك التشنيع على شيخ الإسلام ابن تيمية، فهذه كذبة خامسة.
السادسة: قوله عن شيخ الإسلام أنه أثبت من هذا النص أن الله يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد، فهذا كذب عليه؛ لأنه إنما أورد النص بتمامه للرد