Полный текст (1 779 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إجتمعت لرسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس في المسجد، فقال عتبة بن ربيعة لهم: دعوني حتى أقومَ إليه أُكلمه فإني عسى أن أكون أرفقَ به منكم، فقام عتبة حتى جلس إليه فقال: يا ابن أخي، أراكَ أوسطنا بيتاً، وأفضلنا مكاناً، وقد أدخلت على قومك ما لم يُدخل رجل على قومه مثله فإنْ كنت تطلب بهذا الحديث مالاً فذلك لك على قومك أنْ يُجمع لك حتى تكون أكثرنا مالاً. وإن كنت تطلب شَرَفاً فنحن نشرِّفك حتى لا يكون أحد من قومك أشرف منك ولا نقطع أمراً دونك. وإن كان هذا عن ملمَ يصيبك فلا تقدر على النزوع منه بذلنا لك خزائننا حتى نُعْذَر في طلب الطبِّ لذلك منك. وإن كنت تريد ملكاً ملَّكناك.
فقال رسول الله ﷺ «أَفرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم. قال: فقرأ عليه رسول الله ﷺ حم السَّجْدة، حتى مرَّ بالسجدة، فسجد رسول الله ﷺ وعتبة مُلْقٍ يده خَلْف ظهره حتى فرغ من قراءتها، ثم قام عتبة ما يدري ما يرجع به إلى نادي قومه، فلما رأوه مقبلاً قالوا: لقد رجع إليكم بوجه غير ما قام من عندكم، فجلس إليهم فقال: يا معشر قريش، قد كلمته بالذي أمرتموني به حتى إذ فرغت كلمني بكلام لا والله ما سمعت أذناي مثله قط وما دريت ما أقول له يا معشر قريش، فأطيعوني اليوم واعصوني فيما بعده واتركوا الرجل واعتزلوه، فوالله ما هو بتارك ما هو عليه، وخلُّوا بينه وبين سائر العرب، فإن يظهر عليكم يكن شرفه شرفكم وعزه عزكم، وإن يظهروا عليه تكونوا قد كُفيتموه بغيركم. قالوا: صبأت يا أبا الوليد. وهكذا ذكره ابن إسحاق بطوله كما ذكر في البداية، وأخرجه البيهقي أيضاً من حديث عمر مختصراً، قال ابن كثير في البداية: وهذا حديث غريب جداً من هذا الوجه.
стр. 37
إصراره ﷺ على الجهاد بما بعثه الله من الدعوة إلى الله
وأخرج البخاري عن المِسْور بن مَخْرَمة ومروان قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية - فذكر الحديث بطوله كما سيأتي في هذا الباب في الأخلاق المُفضية إلى هداية الناس، فيه: فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيل بن وَرْقاء الخُزاعي في نفر من قومه من خُزاعة - وكانوا عَيْبَةَ نصح رسول الله ﷺ من أهل تِهامة - فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ «إنا لم نجىء لقتال أحد، ولكنَّا جئنا معتمرين، وإن نَهكَتْهُم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا مادَدْتهم مدة ويخلُّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جَمُّوا، وإن هم أبَوا فوالذي نفسي بيده وقاتلنَّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذنَّ أمر الله» .
وعندي الطبراني عن المِسْور ومروان مرفوعاً: «يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، فماذا عليهم لو خلُّوا بيني وبين سائر العرب، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن الله أظهرني عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يقبلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أُجاهدهم على الذي بعثني الله حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة» كذا في كنز العمال.
وهكذا أخرجه ابن
стр. 38
إِسحاق من طريق الزُّهْري، وفي حديثه: «فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أُجاهد على هذا الذي بعثني الله به حتى يظهرَه الله أو تنفرد هذه السالفة» ، كذا في البداية.
أمره ﷺ علياً في غزوة خيبر بالدعوة إلى الإِسلام
وأخرج البخاري عن سهل بن سعد ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأُعطِيَنَّ هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسولَه ويحبه الله ورسولُه» قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيُّهم يُعطاها، فلما أصبح الناس غَدَوا على النبي ﷺ كلهم يرجو أن يُعطاها، فقال: «أين عليّ بن أبي طالب؟» فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسل إليه فأتى فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال رسول الله ﷺ «أنفُذ على رِسْلَك حتى تنزل بساحتهم، ثم أدعهُم إِلى الإسلام؛ وأخبرهم بما يجب عليهم من حقِّ الله تعالى فيه؛ فوالله لئن يهديَ الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم» . وأخرجه أيضاً مسلم نحوه.
صبره ﵇ في دعوة الحَكَم بن كَيْسان إلى الإِسلام
وأخرج ابن سعد عن المقداد بن عمرو قال: أنا أسرت الحَكَم بن كَيْسان، أراد أميرنا ضرب عنقه، فقلت: دَعْهُ نَقْدَمْ به على رسول الله ﷺ قدمنا، فجعل رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإِسلام فأطالَ، فقال عمر: علام تكلِّم هذا يا رسول الله؟ والله لا يسلم هذا «آخر الأبد، دَعْني أضربْ عنقه وَيَقْدَم
стр. 39
إلى أُمه الهاوية، فجعل النبي ﷺ لا يُقبل على عمر حتى أسلم الحكم، فقال عمر: فما هو إلا أن رأيته قد أسلم حتى أخذني ما تقدَّم وما تأخَّر، وقلت: كيف أردُّ على النبي ﷺ أمراً هو أعلم به مني؟ ثم أقول: إنما أردت بذلك النصيحة لله ولرسوله، فقال عمر: فأسلم والله فحسن إسلامه وجهد في الله حتى قتل شهيداً ببئر معونة ورسول الله ﷺ راضٍ عنه ودخل الجنان.
وعنده أيضاً عن الزهري قال: قال الحكم: وما الإِسلام؟ قال: «تعبد الله وحده لا شريك له وتشهد أن محمداً عبده ورسوله» ، فقال: قد أسلمت، فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه فقال: «لو أطعتكم فيه آنفاً فقتلتُه دخل النار» .
قصة إسلام وَحْشيّ بن حرب
وأخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ إِليّ وحشيِّ بن حرب قاتل حمزة يدعوه إلى الإِسلام، فأرسل إليه؛ يا محمد، كيف تدعوني وأنت عزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلقَ أثاماً، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مُهاناً؛ وأنا صنعت ذلك؟ فهل تجد لي من رخصة؟ فأنزل الله : ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ اللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (الفرقان: ٧٠) . فقال وحشي: يا محمد، هذا شرط شديد «إلا من تاب وآمن عمل عملاً صالحاً» فلعلِّي لا أقدر على هذا، فأنزل الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ (النساء: ٤٨) ، فقال وحشي: يا محمد، هذا أرى بعد مشيئة، فلا أدري هل يغفر لي أم لا فهل غير هذا؟ فأنزل الله : ﴿قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ
стр. 40
هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: ٥٣) ، قال وحشي: هذا نعم، فأسلم؛ فقال الناس: يا رسول الله، إنا أصبنا ما أصاب وحشي، قال: «هي للمسلمين عامّة» . قال الهيثمي: وفيه أبْينُ بن سفيان ضعَّفه الذهبي.
وعند البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنَوا فأكثروا، فأتوا محمداً ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسنٌ لو تخبرنا أنَّ لما عملنا كفارة، فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ الها ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذالِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ (الفرقان: ٦٨) ، ونزل: ﴿قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ . وأخرجه أيضاً مسلم وأبو داود والنِّسائي، كما في العيني وأخرجه البيهقي بنحوه.
بكاء فاطمة على تغير لونه ﷺ من أجل المجاهدة على ما بعثه الله
وأخرج الطبراني وأبو نُعيم في الحلية والحاكم عن أبي ثعلبة الخُشَني قل: قدم رسول الله ﷺ من غَزاة له، فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين وكان يعجبه إذا قدم من سفر أن يدخل المسجد فيصلي فيه ركعتين يُثَنِّي بفاطمة ثم أزواجه - فقدم من سفره مرة فأتى فاطمة فبدأ بها قبل بيوت أزواجه، فاستقبلته على باب البيت فاطمة فجعلت تقبل وجهه - وفي لفظ: فاه -
стр. 41
وعينيه وتبكي، فقال لها رسول الله ﷺ «ما يبكيك؟» قالت: أراك يا رسول الله، قد شحب لونك، واخلولقت ثيابك، فقال لها رسول الله ﷺ «يا فاطمة لا تبك فإنَّ الله بعث أباك بأمر لا يبقى على ظهر الأرض بيت مَدَر ولا وبر ولا شَعَر إلا أدخله الله به عزاً أو ذلاً حتى يبلغَ حيث يبلغ الليل» كذا في كنز العمال. وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه يزيد بن سِنان أبو فَرْوة وهو مقارب الحديث مع ضعف كثير - إنتهى، وقال الحاكم: هذا حدث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه، وتعقبه الذهبي فقال: يزيد بن سنان هو الرّهاوي ضعفَّه أحمد وغيره، وعُقْبة (أي شيخه) نَكِرة لا تعرف - إنتهى، وذكر عُقْبة في
стр. 42
اللسان فقال: قال البخاري في صحته نظر، وذكره ابن حِبَّان في الثقات. إنتهى.
حديث تميم الداريّ في انتشار دعوة الإِسلام
وأخرج أحمد والطبراني عن تميم الداريِّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليلُ والنهارُ، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر إِلا أدخله الله هذا الدين بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليل، غزّاً يعز الله به الإِسلام وأهله وذلا يذل الله به الكفر» ، وكان تميم الداري يقول: عرفت ذلك من أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعزّ، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذلَّ والصَّغَار والجزية. كذا في المجمع و. قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح. إنتهى. وأخرح الطبراني نحوه عن المقداد أيضاً.
حرص عمر على رجوع المرتدين إلى الإِسلام
وأخرج عبد الرزاق عن أنس ﵁ قال: بعثني أبو موسى بفتح تُسْتَر إلى عمر، فسأَلني عمر - وكان ستة نفر من بكر بن وائل قد ارتدا عن الإِسلام ولحقوا بالمشركين فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قلت: يا أمير المؤمنين، قوم قد ارتدُّوا عن الإِسلام ولحقوا بالمشركين ما سبيلهم إلا القتل، فقال عمر: لأن أكون أخذتُهم سِلْماً أحبّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء، قلت: يا أمير المؤمنين، وما كنت صانعاً بهم لو أخذتهم، قال
стр. 43
لي: كنت عارضاً عليهم الباب الذي خرجوا منه أن يدخلوا فيه، فإن فعلوا ذلك قبلت منهم وإلا استودعتهم السجن. كذا في الكنز. وأخرجه البيهقي أيضاً بمعناه.
وعند ملك والشافعي وعبد الرزاق وأبي عُبَيد في الغريب والبيهقي (ص ٢٠٧) عن عبد الرحمن القاريِّ قال: قدم على عمر بن الخطاب ﵁ رجل من قِبَل أبي موسى ﵁، فسأله عن الناس فأخبره، ثم قال: هل كان فيكم من مُغَرِّبَة خبر؟ فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال فما فعلتم به؟ قال: قرَّبناه فضربنا عنقه، قال عمر: فهلا حبستموه ثلاثاً، وأطعمتموه كل يوم رغيفاً، واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ اللهمَّ، إنِّي لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذا بلغني.
وعند مُسَدّد وابن عبد الحكم عن عمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جدِّه قال: كتب عمرو بن العاص ﵁ إلى عمر ﵁ يسأله عن رجل أسلم ثم كفر، ثم أسلم ثم كفر، حتى فعل ذلك مراراً، أَيَقبلُ منه الإِسلام؟ فكتب إليه عمر أن أقبل منه الإِسلام ما قبل الله منهم، أعرض عليه الإِسلام فإن قبل فاتركه وإلا فاضرب عنقه، كذا في الكنز.
стр. 44
بكاء عمر على مجاهدة راهب
وأخرج البيهقي وابن المنذر والحاكم عن أبي عمران الجوني قال: مرّ عمر ﵁ براهب فوقف ونودي بالراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطَّلَع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترْكِ الدنيا، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني، فقال عمر: قد علمت ولكني رحمته، ذكرت قول الله : ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ (الغاشية: ٣، ٤) رحمتُ نصبَه واجتهاده وهو في النار، كذا في كنز العمال.
الدعوة للأفراد والأشخاص دعوة النبي ﷺ وبي بكر ﵁
أخرج الحافظ أبو الحسن الأطرابلسي عن عائشة ﵂ قالت: خرج أبو بكر يريد رسول الله ﷺ وكان له صديقاً في الجاهلية - فلقيه فقال: يا أبا القاسم، فُقدْتَ من مجالس قومك واتَّهموك بالعيب لآبائها وأُمهاتها، فقال رسول الله ﷺ «إني رسول الله أدعوك إلى الله» ، فلما فرغ من كلامه أسلم أبو بكر، فانطلق عنه رسول الله ﷺ وما بين الأخشَبَيْن أحد أكثر سروراً منه بإسلام أبي بكر؛ مضى أبو بكر فراح لعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص فأسلموا، ثم جاء الغد بعثمان بن مظعون وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبي سَلَمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم، فأسلموا ﵃، كذا في البداية.
стр. 45
وذكر ابن إسحاق أن أبا بكر الصديق ﵁ لقي رسول الله ﷺ فقال: أحقٌ ما تقول قريش يا محمد من تَرْكِ آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آباءنا؟ فقال رسول الله ﷺ «بلى، إنِّي رسول الله ونبيُّه، بعثني لأُبلِّغ رسالته، وأدعوك إلى الله بالحق فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته» وقرأ عليه القرآن، فلم يقرَّ ولم ينكر، فأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدِّق. قال ابن إسحاق: حدَّثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحُصين التميمي أن رسول الله ﷺ قال: «ما دعوتُ أحداً إلى الإِسلام إِلا كانت عنده كَبْوة وتردّد ونظر إلا أبا بكر، ما عَكَم عنه حين ذكرته ولا تردد فيه» - عكم: أي تلبَّث.
وهذا الذي ذكره ابن إسحاق في قوله: «فلم يقر ولم ينكر» مُنْكَرٌ، فإن ابن إسحاق وغيره ذكروا أنه كان صاحب رسول الله ﷺ قبل لبَعْثة، كان يعلم من صدقه وأمانته وحسن سجيته وكرم أخلاقه ما يمنعه من الكذب على الخلق فكيف يكذب على الله؟ ولهذا بمجرد ما ذكر له أنَّ الله أرسله بادر إلى تصديق. ولم يتلعثم ولا عَكَم. وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي الدرداء ﵁ في حديث ما كان بين أبي بكر وعمر ﵄ في الخصومة وفيه: فقال رسول الله ﷺ «إِنَّ الله بعثني إليكم فقلتم: كذبتَ، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله؛ فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟» مرَّتين؛ فما أُوذي بعدها. وهذا كالنص على أنَّه أول من أسلم، كذا في البداية (٣٢٦ و ٢٧) .
دعوته ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁
أخرج الطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اللَّهمَّ أعزَّ الإِسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام» ،
стр. 46
فجعل الله دعوة رسوله ﷺ لعمر بن الخطاب، فبنى عليه الإِسلام وهدم به الأوثان. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير مجالِد بن سعيد وقد وُثِّق - انتهى. وعند الطبراني من حديث ثَوْبان - فذكر الحديث كما سيأتي في باب تحمّل الصحابة الشدائد في سعيد بن زيد وزوجته فاطمة أخت عمر، وفيه: وأخذ رسول الله ﷺ بضَبْعَيه وهزه وقال: «ما الذي تريد؟ وما الذي جئت؟» فقال له عمر: اعرض عليَّ الذي تدعو إليه، فقال: «تشهد أن لا أله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله» ، فأسلم عمر مكانه وقال: أخرج. وعند أبي نعيم في الحلية عن أَسْلَمَ قال: قال لنا عمر ﵁: أتحبُّون أن أعلمكم أول إسلامي؟ قلنا: نعم، قال: كنت من أشد الناس عداوة إلى رسول الله ﷺ قال: فأتيت النبي ﷺ في دار عند الصَّفا، أهدِه» ، قال: فقلت: أشد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّك رسول الله، قال: فكبَّر المسلمون تكبيرة سُمعت في طرق مكة - فذكر الحديث. وأخرجه البزار أيضاً بسياقٍ آخر كما سيأتي.
دعوته ﷺ لعثمان بن عفان ﵁
أخرج المدائني عن عمرو بن عثمان قال: قال عثمان دخلت على خالتي أعودها - أَرْوَى بنت عبد المطلب - فدخل رسول الله ﷺ فجعلت أنظر إليه - وقد ظهر من شأنه يومئذٍ شيء -، فأقبل عليَّ فقال: «مالك يا عثمان؟» قلت: أعجب منك ومن مكانك فينا وما يقال عليك، قال عثمان: فقال: «لا
стр. 47
إله إلا الله» - فالله يعلم لقد اقشعررت - ثم قال: «وفي السماءِ رزقُكم وما تُوعدونَ. فَوَرَبِّ السماءِ والأرضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مثلَ ما أنَّكُم تَنْطِقُونَ» ، ثم قام فخرج فخرجت خلفه فأسلمت، كذا في الإستيعاب.
دعوته ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁
ذكر ابن إسحاق أنَّ علي بن أبي طالب ﵁ جاء وهما - أي النبي ﷺ وخديجة ﵂ يصلِّين، فقل علي: يا محمد، ما هذا؟ قال: «دين الله الذي اصطفَى لنفسه وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر اللات والعُزَّى» ، فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمراً حتى أُحدِّث به أبا طالب؛ فكره رسول الله ﷺ أن يفشيَ عليه سرَّه قبل أن يستعلن أمره، فقال له: يا علي، إذ لم تسلم فاكتم، فمكث عليٌّ تلك الليلة، ثم إنَّ الله أوقع في قلب عليَ الإِسلام فأصبح غادياً إلى رسول الله حتى جاءه، فقال: ماذا عرضت عليَّ يا محمد؟ فقال له رسول الله ﷺ «تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزَّى، وتبرأ من الأنداد» ، ففعل عليٌّ وأسلم، ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم عليٌّ إسلامَه ولم يظهره، كذا في البداية.
عند أحمد وغيره عن حَبَّة العُرَني قال: رأيت علياً يضحك على المنبر، ولم أره ضحك ضحكاً أكثر منه حتى بدت نواجذه، ثم قال: ذكرت قول أبي طالب، ظهر علينا أبو طالب وأنا مع رسول الله ﷺ ونحن نصلِّي ببطن نَخْلة فقال: ماذا تصنعان يا ابن أخي؟ فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإِسلام
стр. 48
فقال: ما بالذي تصنعان بأس ولكن لا تعلوني إستي أبداً، فضحك تعجباً لقول أبيه ثم قال: اللَّهمَّ لا أعترف عبداً من هذه الأمة عَبَدَكَ قبلي غير نبيك - ثلاث مرات - لقد صلّيت قبل أن يصلِّي الناس سبعاً. قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى باختصار، والبزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن. انتهى.
دعوته ﷺ لعمرو بن عَبَسة ﵁
أخرج أحمد عن شدّاد بن عبد الله قال: قال أبو أمامة: يا عمرو بن عَبَسَة، بأيِّ شيء تَدَّعي أنك رُبْعُ الإِسلام؟ قال: إني كنت في الجاهلية أرى الناس على ضلالة ولا أرى الأوثان شيئاً، ثم سمعت عن رجل يخبِّر أخباراً بمكَّة ويحدِّث أحاديث، فركبت راحلتي حتى قدمت مكة فإذا أنا برسول الله ﷺ مستَخْفِياً، وإذا قومه عليه جُرَآء، تلطَّفت له فدخلت عليه فقلت: ما أنت؟ قال «أنا نبي الله» ، فقلت: وما نبي الله؟ قال: «رسول الله» قال: قلت: آلله أرسلك؟ قال: «نعم» قلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: «بأن يوحَّد الله ولا يشرك به شيء، وكسر الأوثان، وصلة الرحم» ، فقلت له: من معك على هذا؟ قال: «حرٌّ وعبد» - أو عبد وحر - وإذا معه أبو بكر ابن أبي قُحافة وبلال مولى أبي بكر، قلت: إنِّي متبعك، قال: «إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ولكن إرجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فالحق بي» ، قال فرجعت إلى أهلي وقد أسلمت.
فخرج رسول الله ﷺ مهاجراً إلى المدينة، فعلت أتخبَّر الأخبار حتى جاءَ رَكَبَة من يثرب، فقلت: ما هذا المكِّي الذي أتاكم؟ قالوا: أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك وحِيل بينهم وبينه، وتركْنا الناسَ إليه سراعاً، قال عمرو بن
стр. 49
عبسة: فركبت راحلتي حتى قدمت عليه المدينة فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟ قال: «نعم، ألستَ أنت الذي أتيتني بمكة؟» قال قلت: بلى، فقلت: يا رسول الله، علمني ممَّا علمك الله وأجهل - فذكر الحديث بطوله. وهكذا أخرجه ابن سعد عن عمرو بن عبسة مطوّلاً، وأخرجه أيضاً أحمد عن أبي أُمامة عن عمرو بن عبسة - فذكر الحديث وفيه: قلت: بماذا أرسلك؟ فقال: «بأن تُوصل الأرحام، وتُحقَن الدماء، وتُؤمَن السبل، وتُكسر الأوثان، ويُعبد الله وحده لا يشرك به شيء» . قلت نِعْمَ ما أرسلك به وأُشهدُك أني قد آمنت بك وصدَّقتك، أفأمكث معك أم ما ترى؟ فقال: «قد ترى كراهة الناس لما جئتُ به فامكث في أهلك، فإذا سمعت بي قد خرجت مخرجي فائتني» . وأخرجه أيضاً مسلم والطبراني وأبو نُعيم كما في الإصابة وبن عبد البَرِّ في الإستيعاب من طريق أبي أُمامة بطوله، وأبو نُعيم في دلائل النبوة (ص ٨٦) .
دعوته ﷺ لخالد بن سعيد بن العاص ﵁
أخرج البَيْهقي عن جعفر بن محمد بن خالد بن الزُبير عن أبيه - أو عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان - قال: كان إسلام خالد بن سعيد ابن العاص قديماً وكان أول إخوته أسلم. وكان بَدْء إسلامه أنه رأى في المنام أنه وُقِفَ به على شفير النار ... فذكر من سَعَتها ما الله أعلم به - ويرى في النوم كأنَّ أباه يدفعه فيها، ويرى رسول الله ﷺ آخذاً بحَقْوَيه لئلا يقع، ففزع من
стр. 50
نومه فقال: أحلف بالله إنَّ هذه لرؤيا حق. فلقي أبا بكر بن أبي قحافة فذكر ذلك له، فقال: أُريد بك خيرٌ، هذا رسول الله ﷺ اتْبَعْهُ فإنك ستتبعه وتدخل معه في الإِسلام، والإِسلام يحجُزُك أن تدخل فيها، وأبوك واقع فيها، فلقي رسول الله ﷺ وهو بأجْياد، فقال: يا محمد، إلامَ تدعو؟ قال: «أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يضر ولا يبصر، ولا ينفع ولا يدري مَنْ عَبدَه ممن لا يعبده» . قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فسُرَّ رسول الله ﷺ بإِسلامه.
وتغيّب خالد وعلم أبوه بإسلامه، فأرسل في طلبه فأُتي به فأنَّبه وضربه بمَقْرعة في يده حتى كسرها على رأسه، وقال: والله لأمنعنَّك القوت، فقال خالد: إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به، وانصرف إلى رسول الله ﷺ فكان يلزمه ويكون معه؛ كذا في البداية. وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق الواقدي عن جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان - فذكره وفي حديثه: وأرسل أبوه في طلبه من بقي من ولده ممن لم يسلم ورافعاً مولاه فوجدوه، فأتوا به أباه - أبا أُحَيْحة - فأنَّبه وبكَّته وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه، ثم قال: أتبعتَ محمداً وأنت ترى خلافَه قومه وما جاء به من عيب آلهتهم وعيبهم من مضى من آبائهم؟ فقال خالد: قد صدق - والله - واتبعته، فغضب أبوه - أبو أحيحة - ونال منه وشتمه، ثم قال: إذهب يا لُكَعُ حيث شئت والله لأمنعنَّك القوت، قال خالد: فإن منعتني فإنَّ الله يرزقني ما أعيش به. فأخرجه وقال لبنيه: لا يكلّمه أحدُ منكم إلا صنعت به
стр. 51
ما صنعت به، فانصرف خالد إلى رسول الله ﷺ فكان يلزمه، ويكون معه. وأخرجه ابن سعد عن الواقدي عن جعفر بن محمد عن محمد بن عبد الله نحوه مطولاً. وهكذا ذكره في الإستيعاب من طريق الواقدي: وزاد: وتغيّب عن أبيه في نواحي مكَّة حتى خرج أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فكان خالد أول من هاجر إليه. وأخرج الحاكم أيضاً عن خالد بن سعيد أنَّ سعيد ابن العاص بن أمية مرض فقال: لئن رفعني الله من مرضي هذا لا يعبد إله ابن أبي كبشة ببطن مكة أبداً، فقال خالد بن سعيد عند ذلك: اللَّهمّ لا ترفعه، فتوفي في مرضه ذلك. وهكذا أخرجه ابن سعد.
دعوته ﷺ لِضماد ﵁
أخرج مسلم والبيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: قدم ضِماد مكة - وهو رجل من أزْدِشَنوءَة - وكان يرقي من هذه الرياح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إنَّ محمداً مجنون فقال: أين هذا الرجل؟ لعلَّ الله أن يشفيَه على يديَّ، فلقيت محمداً فقلت: إني أرقي من هذه الرياح وإنَّ الله يشفي على يديَّ من شاء فهلمَّ؛ فقال محمد: «إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهدِه الله فلا مضلَّ له ومن يُضْلِلْ فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» - ثلاث مرات -، فقال: والله لقد سمعتُ قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، فهلُمَّ يدك
стр. 52
أبايِعْك على الإِسلام.
فبايعه رسولُ الله ﷺ فقال له: وعلى قومك، فقال: وعلى قومي. فبعث النبي ﷺ جيشاً فمرُّوا بقوم ضِمَاد، فقال: صاحب الجيش للسريَّة: هل أصبتم من هؤلاء القوم شيئاً؟ فقال رجل منهم: أصبت منهم مَطْهَرَة، فقال: ردَّها عليهم فإنهم قوم ضِمَاد. وفي رواية. فقال له ضماد: أعِدْ عليّ كلماتُك هؤلاء، فلقد بلغنَ قاموس البحر. كذا في البداية.
وأخرجه أيضاً النِّسائي والبَغَوي ومُسَدِّد في مسنده كما في الإِصابة. وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوّة (ص ٧٧) من طريق الواقدي قال: حدّثني محمد بن سُلَيط عن أبيه عن عبد الرحمن العدوي قال: قال ضِمَاد: قدمت مكة معتمراً فجلست مجلساً فيه أبو جهل وعتبة بن ربيعة وأُميّة بن خَلَف، فقال أبو جهل: هذا الرجل الذي فرَّق جماعتنا، وسفَّه أحلامنا، وأضلَّ من مات، منا، وعاب آلهتنا؛ فقال أُمية: الرجل مجنون غير شكَ. قال ضماد: فوقعتْ في نفسي كلمتُه وقلت: إني رجل أعالج من الريح، فقمت من ذلك المجلس وأطلب رسول الله ﷺ فلم أُصادفه ذلك اليوم حتى كان الغد، فجئته فوجدته جالساً خلف المَقَام يصلِّي، فجلست حتى فرغ ثم جلست إليه فقلت: يا ابن عبد المطلب، فأقبل عليّ فقال: ما تشاء؟ فقلت: إنِّي أعالج من الريح، فإن أحببت عالجتك ولا تُكبِرنَّ ما بك فقد عالجت من كان به أشدّ مما بك فبرأ، وسمعت قومك يذكرون فيك خصالاً سيئة: من تسفيه أحلامهم، وتفريق جماعتهم، وتضليل من مات منهم، وعيب آلهتهم، فقلت: ما فعل هذا إلا
стр. 53
رجل به جِنَّة.
فقال رسول الله ﷺ «الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضلَّ له ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله» . قال ضماد: فسمعت كلاماً لم أسمع كلاماً قطُّ أحسن منه فاستعدته الكلام فأعاد عليّ، فقلت: إلامَ تدعو؟ قال: «إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، وتخلع الأوثان من رقبتك، وتشهد أنِّي رسول الله» . فقلت: فماذا لي إن فعلت؟ قال: «لك الجنة» ، قلت: فإنِّي أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأخلع الأوثان من رقبتي وأبرأ منها، وأشهد أنَّك عبد الله ورسوله. فأقمت مع رسول الله ﷺ حتى عُلِّمت سوراً كثيرة من القرآن، ثم رجعت إلى قومي. قال عبد الله بن عبد الرحمن العدوي: فبعث رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب ﵁ في سريّة وأصابوا عشرين بعيراً بموضع واستاقوها، وبلغ عليَّ بن أبي طالب أنَّهم قوم ضِمَاد فقال: ردّوها إليهم، فرُدَّت.
دعوته ﷺ لُحُصَين والد عمران ﵄
أخرج بن خُزَيْمةَ عن عِمران بن خالد بن طُلَيق بن محمد بن عمران بن حصين قال: حدثني أبي عن أبيه عن حهد: أن قريشاً جاءت إلى الحُصَين - وكانت تعظِّمه - فقالوا له: كلِّم لنا هذا الرجل فإنَّه يذكر آلهتنا ويسبُّهم، فجاؤوا معه حتى جلسوا قريباً من باب النبي ﷺ فقال: «أوسعوا للشيخ - وعمران وأصحابه متوافرون - فقال حُصين: ما هذا الذي بلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا وتذكرهم، وقد كان أبوك حصينة وخيراً؟ فقال: «يا حُصَين، إنَّ أبي وأباك في
стр. 54
النار؛ يا حصين، كم تعبد من إله» ؟ قال: سبعاً في الأرض وواحداً في السماء، قال: «فإذا أصابك الضرّ من تدعو؟» قال: الذي في السماء، قال: «فيستجيب لك وحده وتشركهم معه، أَرضيته في الشكر أم تخاف أن يغلب عليك؟» قال: ولا واحدة من هاتين؛ قال: وعلمت أنِّي لم أكلم مثله، قال: «يا حُصَين، أسلم تسلم» ، قال: إنَّ لي قوماً وعشيرةً فماذا أقول؟ قال: «قل: اللَّهمَّ، أستهديك لأرشد أمري وزدني علماً ينفعني» فقالها حصين فلم يقم حتى أسلم. فقام إليه عِمْران فقبَّل رأسه ويديه ورجليه، فلما رأى ذلك النبي ﷺ بكى، وقال: «بكيت من صنيع عمران، دخل حصين وهو كافر فلم يقم إليه عمران ولم يلتفت ناحيته، فلمَّا أسلم قضَى حقَّه فدخلني من ذلك الرِّقَّة» . فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه: «قوموا فشيِّعوه إلى منزله» ، فلما خرج من سُدَّة الباب رأته قريش فقالوا: صبأ وتفرقوا عنه كذا في الإصابة.
دعوته ﷺ لرجل لم يسم
أخرج أحمد عن أبي تميمة الهجيمي عن رجل من قومه أنه أتى رسول الله ﷺ أو قال: شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله؟ - أو قال أنت محمد -؟ فقال: «نعم» ، قال: ما تدعو؟ قال: «أدعو الله وحده، مَنْ إذا كان لك ضُرٌّ فدعوته كشفه عنك، ومن إذا أصابك عام فدعوته أنبتَ لك، ومن إذا كنت في أرض قفر فأضللتَ فدعوته ردَّ عليك» . فأسلم الرجل ثم قال: أوصني يا رسول الله، فقال: «ولا تسبنَّ شيئاً» - أو قال: «أحداً» ، شكَّ الحكم - قال: فما سببتُ بعيراً ولا شاة منذ أوصاني رسول الله ﷺ قال
стр. 55
الهيثمي: وفيه الحكم بن فُضَيل وثَّقه أبو داود وغيره وضعَّفه أبو زُرعة وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ.
دعوته ﷺ لمعاوية بن حَيْدة ﵁
أخرج ابن عبد البَرّ في الإستيعاب - وصحّه - عن معاوية بن حَيْدة القُشَيري قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عدد الأنامل - وطبَّق بين كفَّيه إحداهما على الأخرى - أن لا آتيك ولا آتي دينك فقد أتيتك أمرأً لا أعقل شيئاً إلا ما علمني الله، وإنِّي أسألك بوجه الله العظيم بِم بعثك ربُّنا إلينا؟ قال: «بدين الإِسلام» ، قال: وما دين الإِسلام؟ قال: «أن تقول: أسلمت وجهي لله وتخلَّيت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وكلُّ مسلم على كلِّ مسلم محرّم، أخوان نصيران، لا يقبل الله ممَّن أشرك بعد ما أسلم عملاً حتى يفارق المشركين. ما لي أمسك بحُجَزِكم عن النَّار؟ ألا وإِنَّ ربي داعيّ وإِنَّه سائلي هل بلَّغت عبادي؟ فأقول: ربِّ قد بلَّغت. ألا فليبلِّغْ شاهُدكم غائِبَكم. ألا ثم إنَّكم تُدعَون مُفْدَمةً أفواهُكم بالفِدام، ثم إنَّ أول شيء ينبىء عن أحدكم لَفَخِذُه وكفُّه» . قال: قلت: يا رسول الله، هذا ديننا؟ قال: «هذا دينك وأينا تُحْسنْ يَكْفِك» - وذكر تمام الحديث.
فهذا هو
стр. 56
الحديث الصحيح بالإِسناد الثابت المعروف، وإنما هو لمعاوية بن حيدة لا لحكيم أبي معاوية، وقد أخرج قبله حديث حكيم هذا أنه قال: يا رسول الله؟ ربنا بِمَ أرسلك؟ قال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وكلُّ مسلم على كلِّ مسلم محرَّم، هذا دينك وأينما تكن يكفك» ، هكذا ذكره ابن أبي خيثمة، وعلى هذا الإِسناد عوَّل فيه وهو إسناد ضعيف، كذا في الإستيعاب. وقال الحافظ في الإِصابة: ولكن يحتمل أن يكون هذا آخر ولا بُعد في أن يتوارد إثنان على سؤال واحد، ولا سيما مع تباين المخرِّج، وقد ذكره ابن أبي عاصم في الوحدان، وأخرج الحديث عن عبد الوهاب بن نجدة وهو الحوطي شيخ ابن أبي خيثة فيه. انتهى.
دعوته ﷺ لعديِّ بن حاتم ﵁
أخرج أحمد عن عديِّ بن حاتم قال: لمَّا بلغني خروج رسول الله ﷺ كرهت خروجه كراهية شديدة، فخرجت حتى وقعت ناحية الروم - وفي رواية:
стр. 57
حتى قدمت على قيصر - قال: فكرهت مكاني ذلك أشدّ من كراهتي لخروجه، قال: قلت: والله لولا أتيت هذا الرجل فإن كان كاذباً لم يضرني وإن كان صادقاً علمت، قال: فقدت فأتيته. فلما قدمت قال الناس: عديُّ بن حاتم، عدي بن حاتم قال: فدخلت على رسول الله ﷺ فقال لي: «يا عديُّ بن حاتم، أسلم تسلم - ثلاثاً - قال: قلت: إنِّي على دين. قال: «أنا أعلم بدينك منك» فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: نعم، ألستَ من الرَّكوسِيَّة وأنت تأكل مِرْباع قومك؟» قلت: بلى، قال: «هذا لا يحل لك في دينك» ، قال: فلم يَعْدُ أن قالها فتواضعتُ لها، فقال: أما إنِّي أعلم الذي يمنعك من الإِسلام. تقول: إنَّما أتَّبعه ضَعَفَةُ الناس ومن لا قوة لهم وقد رمتهم العرب. أتعرفُ الحيرة؟» قلت: لم أرها وقد سمعت بها. قال: «فوالذي نفسي بيده ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظَّعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وَلَيُفْتَحَنَّ كنوز كسرى بن هُرْمُز» ، قال: قلت: كسرى بن هُرْمُز؟ قال: «نعم كسرى بن هرمز، ولَيُبذَلَنَّ المال حتى لا يقبله أحد» .
قال عديُّ بن حاتم: فهذه الظعينة تأتي من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكونَّن الثالثة، لأن رسول الله ﷺ قد قالها، كذا في البداية وأخرجه البغوي أيضاً في معجمه بمعناه، كما في الإِصابة.
وأخرج أحمد أيضاً عن عديِّ بن حاتم، قال: جاءت خيل رسول الله ﷺ وأنا بعقرب فأخذوا عمَّتي وناساً فلما أتَوا بهم رسول الله ﷺ قال: فصُفُّوا
стр. 58
له. قالت: يا رسول الله، بانَ الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خِدْمة، فَمُنَّ عليَّ مَنَّ الله عليك، فقال: «ومن وافدك؟» قالت: عديُّ بن حاتم، قال: «الذي فرَّ من الله ورسوله؟» قالت: فَمُنَّ عليَّ، فلما رجعَ ورجُلٌ إلى جنبه نرى أنه علي - قال: سَلِيه حُمْلاناً، قال: فسألتْه فأمَر لها. قال عديّ: فأتتني فقالت: لقد فعلتَ فعلةً ما كان أبوك يفعلها وقالت: إِيته راغباً أو راهباً، فقد أتاه فلان فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه، قال: فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان - أو صبي -، فذكر قربهم منه -، فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر. فقال له: «يا عديُّ بن حاتم، ما أفرَّك؟ أفرَّك أن يقال: لا إله إلا الله فهل من إله إلا الله؟. ما أفرك؟ أفرك أن يقال: الله أكبر. فهل شيء هو أكبر من الله ؟» قال: فأَسلمت فرأيت وجهه استبشر وقال: «إِنَّ المغضوب عليهم اليهود، وإنَّ الضالين النَّصارى.
قال: ثم سألوه: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فلكم أيُّها الناس أن ترضخوا من الفضل، ارتضخ امرؤ بصاع، ببعض صاع، بقبضة، ببعض قبضة» - قال شعبة: «وأكثر علمي أنه قال «بتمرة، بشقِّ تمرة» وإنَّ أحدكم لاقى الله فقائل ما أقول: ألم أجعلك سميعاً بصيراً؟ ألم أجعل لك مالاً وولداً؟ فماذا قدَّمت؟ فينظر من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، فلا يجد شيئاً، فما يتَّقي النار إلا بوجهه، فاتقوا النَّار ولو بشقِّ تمرة، فإِن لم
стр. 59
تجدوه فبكلمة ليِّنة، إني لا أخشى عليكم الفاقة؛ لينصرنَّكم الله وليعطينَّكم - أو ليفتحنَّ عليكم - حتى تسير الظَّعينة بين الحيرة ويثرب، أو أكثر. ما تخاف السَرَق على ظعينتها» . وقد رواه الترمذي وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك. وأخرج البيهقي شيئاً منه من آخره، وهكذا أخرجه البخاري مختصراً كما في البداية.
دعوته ﷺ لذي الجَوْشَن الضبابي ﵁
أخرج الطبراني عن ذي الجَوْشَن الضبابي قال: أتيت النبي ﷺ بعد أن فرغ من أهل بدر بابن فرس لي يقال لها «القَرْحاء» ، فقلت: يا محمد، قد جئتك بابن القرحاء لتتخذه، قال: «لا حاجة لي فيه وإن أردتَ أقيضك بها المختار من دروع بدر فعلتُ» . فقلت: ما كنت لأقيضه اليوم بغُرة، قال: «لا حاجة لي فيه» ثم قال: «يا ذا الجوشن، ألا تسلم فتكون من أول أهل هذا الأمر؟» فقالت: لا، قال: «لم؟» قال: قلتُ رأيتُ قومك قد وَلِعوا بك. قال: «فكيف بلغك عن مصارعهم ببدر؟» قلت: قد بلغني، قال: «فإنا نُهدي لك» ، قلت: إِن تغلب على الكعبة وتقطنها، قال: «لعلك إن عشت ترى ذلك، ثم قال: «يا بلال، خذ حقيبة الرجل فزوده من العجوة» ، فلما أدبرت قال: «أما إِنَّه من خير فرسان بني عامر» . قال: فوالله إنِّي بأهلي بالغور إذ أقبل راكب، فقلت: ما فعل الناس؟ قال: والله قد غلب محمد على الكعبة وقطنها، فقلت:
стр. 60
هَبِلَتْني أمي ولو أسلمت يومئذٍ ثم أسأله الحير لأقطعنيها.
وفي رواية: فقال له النبي ﷺ «ما يمنعك من ذلك؟» قال: رأيت قومك قد كذَّبوك وأخرجوك وقاتلوك فانظر ماذا تصنع؟ فإن ظهرتَ عليهم آمنت بك واتبعتك، وإن ظهروا عليك لم أتبعك. قال الهيثمي: رواه عبد الله بن أحمد وأبوه - ولم يسق المتن - والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح، وروى أبو داود بعضه. انتهى.
دعوته ﷺ لبشير بن الخَصَاصِيَة ﵁
أخرج ابن عساكر عن بشير بن الخَصاصِيَة قال: أتيت رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام، ثم قال لي: «ما اسمك؟» قلت: نذير، قال: «بل أنت بشير» فأنزلني بالصُّفَّة، فكان إذا أتته هديّة أشركنا فيها وإذا أتته صدقة صرفها إلينا، فخرج ذات ليلة فتبعته فأتى البقيع فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنَّا بكم لاحقون، وإنَّا لله وإِنَّا إِليه راجعون. لقد أصبتم خيراً بجيلاً، وسبقتم
стр. 61
شرّاً طويلاً» . ثم التفت إليَّ فقال: «من هذا؟» فقلت: بشير، فقال: «أما ترضَى أن أخذ الله سمعَك وقلبَك وبصرك إِلى الإِسلام من بين ربيعة الفَرَس الذين يقولون: أن لولاهم لائتفكت الأرض بأهلها» ، قلت: بلى، يا رسول الله، قال: «ما جاء بك؟» قلت: خفتُ أن تُنكب أو تصيبك هامةٌ من هوامِّ الأرض. وعنده أيضاً والطبراني والبيهقي: «يا بشير، ألا تحمد الله الذي أخذ بناصيتك إلى الإِسلام من بين ربيعة؛ قوم يرَون أن لولاهم لائتفكتِ الأرضُ بمن عليها» . كذا في المنتخب.
دعوته ﷺ لرجل لم يسم
أخرج أبو يَعْلى عن حرب بن سُريج قال: حدثني رجل من بلْعَدَوِيَّة، قال: حدثني جدِّي قال: انطلقت إلى المدينة فنزلت عند الوادي، فإذا رجلان بينهما عنز واحدة وإِذا المشتري يقول للبائع؛ أحسن مبايعتي، قال: فقلت في نفسي: هذا الهاشمي الذي قد أضلَّ الناس أهو هو؟ قال: فنظرت فإذا رجل حسن الجسم عظيم الجبهة، دقيق الأنف، دقيق الحاجبين، وإذا من ثُعْرة نحره إلى سُرّته مثل الخيط الأسود شعر أسود، وإِذ هو بين طِمْرين قال: فدنا منا فقال: السلام عليكم، فرددنا عليه، فلم ألبث أن دعا المشتري فقال: يا رسول الله، قل له: يحسن مبايعتي، فمدَّ يده وقال: «أموالكم تملكون، إنِّي أرجو أن ألقى الله يوم القيامة لا يطلبني أحد منكم بشيء ظلمته في مال ولا في دم ولا عرض إلا بحقه. رحم الله أمرأ سهل البيع، سهل الشراء، سهل الأخذ، سهل العطاء، سهل القضاء، سهل التقاضي» ، ثم مضى.
стр. 62
فقلت: والله لأقضينَّ هذا فإنه حسن القول، فتبعته فقلت: يا محمد، فالتفت إليَّ بجميعه فقال: «ما تشاء؟» فقلت: أنت الذي أضللتَ الناس وأهلكتَهم وصدَدتهم عمَّا كان يعبد آباؤهم؟ قال: «ذاك الله» . قال: ما تدعو إليه؟ قال: «أدو عباد الله إلى الله» قال: قلت: ما تقول؟ قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي محمد رسول الله، وتؤمن بما أنزله عليَّ، وتفكر باللات والعُزَّى، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة» . قال: قلت: وما الزكاة؟ قال: «يردّ غنينا على فقيرنا» ؛ قال: قلت: نِعمَ الشيء تدعو إليه. قال: فلقد كان وما في الأرض أحد يتنفس أبغض إليّ منه، فما برح حتى كان أحب إليّ من ولدي ووالديَّ ومن الناس أجمعين. قال: فقلت: قد عرفتُ؛ قال «قد عرفتَ؟» قلت نعم؛ قال: «تشهد أن لا إِله إِلا الله وأنِّي محمد رسول الله، وتؤمن بما أُنزل عليّ» ، قال: قلت: نعم، يا رسول الله، إنِّي أرد ماءً عليه كثير من الناس فأدعوهم إلى ما دعوتني إليه، فإنِّي أرجو أن يتَّبعوك، قال: نعم، فادعهم» ؛ فأسلم أهل ذلك الماء رجالهم ونساؤهم، فمسح رسول الله ﷺ رأسه. قال الهيثمي وفيه: راوٍ لم يسمَّ، وبقية رجاله وُثِّقوا. انتهى.
وأخرج أحمد عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ دخل على رجل من بني النجار يعوده، فقال له رسول الله ﷺ «يا خال، قل: (لا إله إلا الله) » ، فقال: خالٌ أنا أو عمٌّ؟ فقال النبي ﷺ «لا، بل خال» ؛ فقال: قل: (لا إله إلا الله) » ، قال: هو خيرٌ لي؟ قال: «نعم» . قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
стр. 63
وأخرج البخاري وأبو داود عن أنس ﵁ أن غلاماً من اليهود كان يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه يعوده، ففقعد عند رأسه فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطِعْ أبا القاسم؛ فأسلم. فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار» . كذا في جمع الفوائد.
وأخرج أحمد وأبو يعلى عن أنس أنَّ النبي ﷺ قال لرجل: «أسلم تسلم» ، قال: إني أجدني كارهاً، قال: «إن كنت كارهاً» . قال الهيثمي: رجالهما رجال الصحيح.
دعوته ﷺ لأبي قحافة ﵁
أخرج الطبراني عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما كان يوم الفتح قال رسول الله ﷺ لأبي قُحافة: «أسلم تسلم» . قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. انتهى. وعند ابن سعد: عن أسماء قالت: لما دخل رسول الله ﷺ مكة واطمأنَّ وجلس في المسجد أتاه أبو بكر بأبي قحافة، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «يا أبا بكر، ألا تركتَ الشيخ حتى أكون أنا الذي أمشي إليه؟» قال يا رسول الله، هو أحقُّ أن يمشي إِليك من أن تمشي إليه. فأجلسه رسول الله ﷺ بين يديه ووضع يده على قلبه ثم قال: «يا أبا قحافة، أسلم تسلم» ؛ قال: فأسلم
стр. 64
وشهد شهادة الحق. قال: وأُدخل عليه ورأسه لحيته كأنَّهما ثُغامة، فقالت: غيِّروا هذا الشيب وجنِّبوه السواد» .
دعوته ﷺ لأفراد المشركين ممَّن لم سلم دعوته ﵇ لأبي جهل
أخرج البيهقي عن الميغرة بن شعبة قال: إِنَّ أول يوم عرفت فيه رسول الله ﷺ أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لأبي جهل: «يا أبا الحَكَم، هَلُمَّ إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله» ، فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت مُنتهٍ عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أنَّك قد بلّغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت، وفوالله لو أنِّي أعلم أنَّ ما تقول حقٌّ لاتبعتك.
فانصرف رسول الله ﷺ وأقبل عليَّ فقال: والله إني لأعلم أنّ ما يقول حقٌّ، ولكن يمنعني شيء: أنَّ بني قُصَيّ قالوا: فينا الحجابة فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا السِّقاية، فقلنا نعم؛ ثمَّ قالوا: فينا النَّدوة، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللِّواء فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكَّت الرُّكَب قالوا: منا نبي، والله لا أفعل. كذا في البداية.
وأخرجه أيضاً بن أبي شيبة بنحوه، كما في الكنز وفي حديثه: «يا أبا الحَكَم هَلُمَّ إلى الله وإلى رسوله وإلى كتابه، أدعوك إلى الله» .
دعوته ﵇ للوليد بن الغيرة
وأخرج إسحاق بن راهَوَيْه عن ابن عباس ﵄ أنَّ الوليد بن
стр. 65
المغيرة جاء إلى رسول الله ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رَقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عمّ، إنَّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً، قال: لِمَ؟ قال: ليعطوكَهُ، فإنَّك أتيت محمداً لتعرِضَ ما قِبَلَه، قال: قد عَلِمت قريش أني من أكثرها مالاً. قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنَّك مُنكر له، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه لا بقصيده من لا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إنَّ لقوله الذي يقول حلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّه لمثمرٌ أعلاه، مُغْدِقٌ أسفله، وإنه لَيَعلُو ولا يُعلى، وإنه ليحطِم ما تحته. قال: لا رضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: قف عني حتى أفكر فيه، فلما فكَّر قال: إنْ هذا إلا سحر يُؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت: «ذَرْني ومَنْ خَلَقْتُ وحيداً. وجعلتُ له مالاً ممدوداً. وبنين شهوداً» - الآيات. هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن محمد الصنعاني بمكة عن إسحاق. وقد رواه حمَّاد بن زيد عن أيوب عن عِكرمة - مرسلاً - فيه أنّه قرأ عليه: «إنَّ الله يأمرُ بالعدلِ والإِحسانِ وإيتاءِ ذي القُربَى، وينهى عن الفَحْشاءِ والمنكرِ والبَغْي، يَعِظُكُم لعلَّكُم تَذكَّرون» . كذا في البداية. وأخرجه ابن جرير عن عكرمة كما في التفسير لابن كثير.
стр. 66
دعوته ﷺ الإثنين دعوته ﵇ لأبي سفيان وهند
أخرج ابن عساكر عن معاوية ﵁ قال: خرج أبو سفيان إلى بادية له مردفاً هنداً، وخرجت أسير أمامهما وأنا غلام على حمارة لي إذ سمعنا رسول الله ﷺ فقال أبو سفيان: أنزل يا معاوية حتى يركب محمد، فنزلت عن الحمارة وركبها رسول الله ﷺ فسار أمامنا هنيهة، ثم التفت إِلينا فقال: «يا أبا سفيان بن حرب، ويا هند بنت عُتبة، والله لتموتنَّن ثم لتبعثنَّ، ثم ليدخلنَّ المحسن الجنة والمسيء النار، وأنا أقول لكم بحقَ وإنَّكم لأولُ من أُنذرتم» ، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿حم تَنزِيلٌ مّنَ الرحمن الرَّحِيمِ﴾ (فصلت: ١، ٢) - حتى بلغ - قالتا أَتَيْنا طائعين» ، فقال له أبو سفيان: أفَرَغْت يا محمد؟ قال: نعم، ونزل رسول الله ﷺ عن الحمارة وركبتها، وأقبلت هند على أبي سفيان فقالت: ألهذا الساحر أنزلتَ إبني؟ قال: لا والله ما هو بساحر، ولا كذَّاب؛ كذا في الكنز.
وأخرجه الطبراني أيضاً مثله. قال الهيثمي: حُمَيد بن مُنْهب لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
دعوته ﵇ لعثان وطلحة
وأخرج ابن سعد عن يزيد بن رومان قال: خرج عثمان بن عفان وطلحة بن عُبيد الله ﵄ على إثر الزبير بن العوام ﵁، فدخلا على رسول الله ﷺ فعرض عليهما الإسلام، وقرأ عليهما القرآن،
стр. 67
وأنبأهما بحقوق الإِسلام، ووعدهما الكرامة من الله. فآمَنَا وصدّقا، فقال عثمان يا رسول الله، قدمتُ حديثاً من الشام، فلما كنا بين مَعَان والزرقاء فنحن كالنيام إِذا منادٍ ينادينا أيُّها النيام. هُبوا فإن أحمدَ قد خرج بمكة، فقدنا فسمعنا بك. وكان إسلام عثمان قديمً قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم.
دعوته ﵇ لعمار وصهيب
وأخرج ابن سعد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار قال: قال عمار بن ياسر ﵁: لقيت صهيب بن سنان ﵁ على باب دار الأرقم ورسول الله فيها فقلت له: ما تريد، قال لي: ما تريد أنت، فقلت: أردت أن أدخل على محمد فأسمعَ كلامه، قال: وأنا أريد ذلك، فدخلنا عليه فعرض علينا الإِسلام فأسلمنا، ثم مكثنا يومنا على ذلك حتى أمسينا، ثم خرجنا ونحن مُسْتَخْفُون؛ فكان إِسلام عمار وصهيب بعد بضعة وثلاثين رجلاً. ﵃.
دعوته ﵇ وسعد بن زُرَارة وذَكْوان بن عبد قيس
وأخرج ابن سعد عن خُبَيب بن عبد الرحمن قال: خرج أسعد بن زُرَارة وذَكْوان بن عبد قيس إلى مكة يتنافران إلى عُتبة بن ربيعة، فسمعا برسول الله ﷺ فأتياه، فعرض ﵉ وقرأ عليهما القرآن، فأسلما ولم يقربا عتبة بن ربيعة، ورجعا إلى المدينة؛ فكانا أول من قدم بالإِسلام بالدينة.
عرضه ﷺ الدعوة على الجماعة مخاصمة رؤساء قريش النبي ﷺ في دعوته لهم وما أجابهم
стр. 68
أخرح بن جرير عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلاً من بني عبد الدار، وأبا البَخْتري أخا بني الأسد، والأسود بن عبد المطَّلب بن أسد، وزَمْعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أُمية، وأميةَ بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيها ومُنَبَّها ابني الحجَّاج السَّهُمِيَيْن، اجتمعوا - أو من اجتمع منهم - بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلِّموه وخاصموه حتى تُعذروا فيه، فبعثوا إليه أنَّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلِّموك، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعاً وهو يظنُّ أنَّه قد بَدَا في أمره بَدَاء - وكان عليهم حرصاً يحب رُشدهم ويَعزُّ عليه عَنَتُهم - حتى جلس إليهم. فقالوا: يا محمد، إنَّا قد بعثنا إليك لنُعذِر فيك، وإِنَّا - والله - ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمتَ الآباء، وعبتَ الدين، وسفَّهت الأحلام، وشتمتَ الآلهة، وفرّقتَ الجماعة، فما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك. فإنْ كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً. وإنْ كنت إنَّما تطلب الشرف فينا سوَّدْناك علينا. وإنْ كنت تريد ملكاً ملَّكناك علينا. وإِن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رَئِيَّاً تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمُون التابع من الجنِّ «الرَئيّ» - فربما كان ذلك، وبذلنا أموالنا في طلب الطبِّ حتى نبرئك منه أو نُعذر فيك.
فقال رسول الله ﷺ «ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكنَّ الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليَّ كتاباً، وأمرني أنْ أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلَّغتكم رسالاتِ ربي،
стр. 69
ونصحتُ لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظُّكم من الدنيا والآخرة، وإنْ تردُّوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» - أو كما قال رسول الله ﷺ
فقالوا: يا محمد، فإنْ كنت غير قابل منَّا ما عرضنا عليك فقد علمتَ أنه ليس أحدٌ من الناس أضيقَ بلاداً، ولا أقلَّ مالاً، ولا أشد عيشاً منا؛ فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فلْيُسيِّر عنا هذه الجبال التي قد ضيَّقت علينا، وليبسط لنا بلادَنا، وليُفَجِّر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعثْ لنا من مضى من آبائنا، وليكنْ فيمن يبعث لنا منهم قصيُّ بن كلاب فإنه كان شيخاً صدوقاً؛ فنسألهم عمَّا تقول أحقٌ هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك وصدَّقوك صدَّقناك، وعرفنا به منزلتك عند الله وأنَّه بعثك رسولاً كما تقول. فقال لهم رسول الله ﷺ «ما بهذا بعثت، إِنَّما جئتكم من عند الله با بعثني به، فقد بلغتكم ما أُرسلت به إِليكم؛ فإن تقبلوه فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» .
قالوا فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فسَلْ ربك أن يبعث مَلَكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جناتٍ وكنوزاً وقصرواً من ذهب وفضة، ويغنيك به عما نراك تبتغي - فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه - حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم. فقال لهم رسول الله ﷺ «ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربَّه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكنَّ الله بعثني بشيراً ونذيراً؛ فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإنْ تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» .
قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أنَّ ربك إن شاء فعل ذلك، فإنَّا لن نُؤمن لك إلا أن تفعل. فقال لهم رسول الله ﷺ «ذلك إلى الله إنْ شاء فعل بكم ذلك» . فقالوا: يا محمد، أمَا علم ربك أنَّا سنجلس معك ونسألك عمَّا سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب؟ فيقدم إليك ويعلمك ما تُرجعنا به، ويخبرك
стр. 70
ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنَّه إنَّما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له «الرحمن» وإِنَّا - والله - لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمد أَما الله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تُهلكنا، وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً.
فلما قالوا ذلك قام رسول الله ﷺ عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطَّلب - فقال: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منه، ثم سألوك لأنفسهم أُموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أنْ تُعجِّل لهم ما تُخوِّفهم به من العذاب؛ فالله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سُلَّماً، ثم ترقى به وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بصحيفة منشورة ومعك أربعةٌ من الملائكة يشهدون لك أنَّك كما تقول، وايْمُ الله لو فعلتَ ذلك لظننتُ أنِّي لا أُصدقك. ثم انصرف عن رسول الله ﷺ وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزيناً أسفاً لما فاتَه ممَّا كان طمع فيه من قومه حين دَعوه، ولمَا رأى من مباعدتهم إيَّاه. وهكذا رواه زياد بن عبد الله البَكَّائي عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس ﵄ فذكر مثله سواء؛ كذا في التفسير لابن كثير والبداية.
دعوته ﷺ لأبي الحَيْسم وفتية من بني عبد الأشهل
وأخرج أبو نُعيم عن محمود بن لبيد أخي بني الأشهل قال: لمَّا قدم
стр. 71
أبو الحَيْسم أنس بن رافع مكة - ومعه فتيةٌ من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن مُعاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج - سمع رسول الله ﷺ بهم، فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: «هل لكم إلى خير مما جئتم له؟» فقالوا: ما ذاك؟ قال: «أنا رسول الله بعثني الله إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، ونزَّل عليَّ الكتاب» . ثم ذكر الإِسلام، وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ - وكان غلاماً حَدَثاً -: أيْ قوم، هذا - والله - خير مما جئتم له. فأخذ أبو الحيسم أنس بن رافع حفنة من البطحاء وضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس وقام رسول الله ﷺ وانصرفوا إلى المدينة، فكانت وقعة «بُعاث» بين الأوس والخزرج، ثم لم يبث إياس بن معاذ أنْ هَلَك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني مَنْ حضره من قومي عند موته: أنَّهم لم يزالوا يسمعونه يهلِّل الله، ويكبِّره، ويسبِّحه، حتى مات، فما يشكُّون أنْ قد مات مسلماً، لقد كان استشعر الإِسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع؛ كذا في كنز العمال. وأخرجه أيضاً أحمد والطبراني، ورجاله ثقات، كما قال الهيثمي. وأسنده أيضاً ابن إسحاق في المغازي عن محمود بن لبيد بنحوه، رواه جماعة عن ابن إسحاق وهو من صحيح حديثه كما قال في
стр. 72
الإِصابة.
عرضه ت الدعوة على المجامع دعوته ﵇ لعشيرته الأقربين وبطون قريش عند نزول الآية
أخرح ابن سعد عن بن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاْقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) ؛ خرج النبي ﷺ حتى علا المَرْوة ثم قال: «يا آل فِهر» فجاءته قريش، فقال أبو لهب بن عبد المطلب: هذه فهر عندك فقُلْ. فقال «يا آل غالب» ، فرجع بنو محارب وبنو الحارث إبنا فهر، فقال: يا آل لؤي بن غالب» ، فرجع بنو تَيْم الأدرم بن غالب، فقال: يا آل كعب بن لؤي» ، فرجع بنو عامر بن لُؤي، فقال: «يا آل مُرَّة بن كعب» ، فرجع بنو عَدِيّ بن كعب وبنو سَهْم وبنو جُمَح بن عمر وبن هُصَيص بن كعب بن لؤي، فقال: «يا آل كلاب بن مرة» ، فرجع بنو مخزوم بن يقظة بن مُرَّة وبنو تَيْم بن مرة، فقال: «يا آل قصي» ، فرجع بنو زُهْرة بن كلاب، فقال: «يا آل عبد مناف» فرجع بنو عبد الدار بن قُصَي وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي وبنو عبد بن قصي. فقال أبو لهب: هذه بنو عبد مناف عندك فقل فقال رسول الله ﷺ «إنَّ الله أمرني أن أُنذر عشيرتي الأقربين وأنتُم الأقربون من قريش، وإِني لا أملك لكم من الله حظاً ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا: «لا إله إلا الله» فإِشهد بها لكم عند ربكم وتدين لكم العرب وتذلُّ لكم بها العجم» . فقال أبو لهب: تبّاً لك فلهذا دعوتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: ١) ، يقول: خَسرتْ يدا أبي لهب. كذا في الكنز.
стр. 73
وأخرج أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله: «وأنذر عشيرتك الأقربين» أتى النبي ﷺ الصَّفَا فصعد عليه، ثم نادى: «يا صباحاه» ، فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ «يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني كعب، أرأيتم لو أخبرتكم أنَّ خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟» قالوا: نعم، قال: «فإنِّي نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد» ، فقال أبو لهب: تبّاً لك سائر اليوم أما دعوتَنا إلا لهذا؟ وأنزل الله : ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ، وأخرجه الشيخان نحوه كافي البداية.
عرضه ﷺ الدعوة في مواسم الحج وعلى قبائل العرب عرضه ﵇ الدعوة على بني عامر وبني محارب
أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٠١) عن عبد الله بن كعب بن مالك ﵄ قال: أقام رسول الله ﷺ ثلاث سنين من نبوته مستخفياً، ثم أعلن في الرابعة، فدعا عشر سنين يوافي الموسم، يتَّبع الحاجَّ في منازلهم: بعُكاظ ومَجَنَّة، وذي المجاز، يدعوهم إلى أنْ يمنعوه حتى يبِّغَ رسالة ربه ولهم الجنّة، فلا يجد أحداً ينصره، حتى إنَّه يسأل عن القبائل ومنازلهم قبيلةً قبيلةً،
стр. 74
حتى انتهى إلى بني عامر بن صَعْصَعة فلم يلق من أحد من الأذى قط ما لقي منهم، حتى خرج من عنده وإنَّهم ليرمونه من ورائه، حتى انتهى إلى بني مُحارب بن خَصَفَة، فوجد فيهم شيخاً ابن مائة سنة وعشرين سنة، فكلَّمه رسول الله ﷺ ودعاه إلى الإِسلام وأنْ يمنعه حتى يبلِّغ رسالة ربه، فقال الشيخ: أيُّها الرجل، قومك أعلم بنبأك، والله لا يؤوب بك رجل إلى أهله إلا آب بشرِّ ما يؤوب به أهل الموسم، فأغنِ عنا نفسك، وإنَّ أبا لهب لقائم يسمع كلام المحاربي. ثم وقف أبو لهب على المحاربي فقال: لو كان أهل الموسم كلُّهم مثلك لترك هذا الدِينَ الذي هو عليه، إنَّه صابيءٌ كذابٌ. قال المحاربي: أنت - والله - أعرف به، هو ابنَ أخيك ولحمتك ثم قال المحاربي: لعلَّ به - يا أبا عتبة - لَمَمَاً؟ فإنَّ معنا رجلاً من الحي يهتدي لعلاجه. فلم يرجع أبو لهب بشيء، غير أنه إذا رآه وقف على حيَ من أحياء العرب صاحبه أبو لهب إنَّه صابىء كذاب؛ وفي إسناده الواقدي.
عرضه ﵇ الدعوة على بني عبس
وأخرج أبو نعيم (ص ١٠٢) أيضاً من طريق الواقدي عن عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسول الله ﷺ في منازلنا بمنى - ونحن نازلون بالجَمْرة الأولى التي تلي مسجد الخَيْف وهو على راحلته مُرْدِفاً خلفه زيد بن حارثة - فدعانا، فوالله ما استجبنا له ولا خير لنا، قال: وقد كنّا سمعنا به وبدعائه في الموسم، فوقف علينا يدعونا فلم نستجب له. وكان معنا مَيْسرة بن مسروق العبسي، فقال: أحلف بالله لو صدَّقنا هذا الرجل وحلمناه حتى نحُل به وسط رحالنا لكان الرأي، فأحلف بالله ليظهرنَّ أمره حتى يبلغ كلَّ مبلغ. فقال له القوم. دَعْنا عنك لا تعرِّضنا لما لا قِبَلَ لنا به، فطمع رسول الله ﷺ في مَيْسرة فكلَّمه. فقال مَيْسرة: ما أحسن كلامك وأنوره ولكنَّ قومي يخالفونني، وإنَّا
стр. 75
الرجل بقومه فإن لم يعضدوه فالعِداء أبعد.
فانصرف رسول الله ﷺ وخرج القوم صادرين إلى أهليهم. فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى فَدَك فإنَّ بها يهودَ نسائلهم عن هذا الرجل. فمالوا إلى يهود فأخرجوا سِفْراً لهم فوضعوه ثم درسوا ذكر رسول الله ﷺ النبي الأمي العربي، يركب الجمل، ويجتزىء بالكِسْرة وليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالجعد ولا بالسبط، في عينه حُمْرة، مُشَرَّب اللون. فإنْ كان هذا هو الذي دعاكم فأجيبوه وادخلوا في دينه، فإِنَّا نحسده فلا نتبعه، ولنا منه في مواطن بلاء عظيم ولا يبقى أحد من العرب إلا اتَّبعه أو قاتله، فكونوا ممّن يتّبعه. فقال مَيْسرة: يا قوم، إنّ هذا الأمر بيِّنٌ، قال القوم: نرجع إلى الموسم فنلقاه. فرجعوا إلى بلادهم وأبى ذلك عليهم رجالهم فلم يتبعه أحد منهم. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة وحجَّ حِجّة الوداع لقيه مَيْسرة فعرفه. فقال يا رسول الله، والله ما زلبت حريصاً على اتِّباعك من يوم أنختَ بنا حتى كان ما كان، وأبى الله إلا ما ترى من تأخير إسلامي، وقد مات عامة النَّفر الذين كانوا معي فأين مدخلهم يا نبي الله؟ فقال رسول الله ﷺ «كل من مات على غير دين الإِسلام فهو في النار» ، فقال: الحمد لله الذي أنقذني، فأسلم فحسن إسلامه، وكان له عند أبي بكر ﵁ مكان. وذكره في البداية عن الواقدي بإسناده مثله.
عرضه ﵇ الدعوة على كِنْدة
وأخرج أبو نُعيم في الدلائل (ص ١٠٣) أيضاً من طريق الواقدي حدثني
следующие страницы →