Полный текст (1 779 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أبو الحَيْسم أنس بن رافع مكة - ومعه فتيةٌ من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن مُعاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج - سمع رسول الله ﷺ بهم، فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: «هل لكم إلى خير مما جئتم له؟» فقالوا: ما ذاك؟ قال: «أنا رسول الله بعثني الله إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، ونزَّل عليَّ الكتاب» . ثم ذكر الإِسلام، وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ - وكان غلاماً حَدَثاً -: أيْ قوم، هذا - والله - خير مما جئتم له. فأخذ أبو الحيسم أنس بن رافع حفنة من البطحاء وضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس وقام رسول الله ﷺ وانصرفوا إلى المدينة، فكانت وقعة «بُعاث» بين الأوس والخزرج، ثم لم يبث إياس بن معاذ أنْ هَلَك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني مَنْ حضره من قومي عند موته: أنَّهم لم يزالوا يسمعونه يهلِّل الله، ويكبِّره، ويسبِّحه، حتى مات، فما يشكُّون أنْ قد مات مسلماً، لقد كان استشعر الإِسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع؛ كذا في كنز العمال. وأخرجه أيضاً أحمد والطبراني، ورجاله ثقات، كما قال الهيثمي. وأسنده أيضاً ابن إسحاق في المغازي عن محمود بن لبيد بنحوه، رواه جماعة عن ابن إسحاق وهو من صحيح حديثه كما قال في
стр. 72
الإِصابة.
عرضه ت الدعوة على المجامع دعوته ﵇ لعشيرته الأقربين وبطون قريش عند نزول الآية
أخرح ابن سعد عن بن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاْقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) ؛ خرج النبي ﷺ حتى علا المَرْوة ثم قال: «يا آل فِهر» فجاءته قريش، فقال أبو لهب بن عبد المطلب: هذه فهر عندك فقُلْ. فقال «يا آل غالب» ، فرجع بنو محارب وبنو الحارث إبنا فهر، فقال: يا آل لؤي بن غالب» ، فرجع بنو تَيْم الأدرم بن غالب، فقال: يا آل كعب بن لؤي» ، فرجع بنو عامر بن لُؤي، فقال: «يا آل مُرَّة بن كعب» ، فرجع بنو عَدِيّ بن كعب وبنو سَهْم وبنو جُمَح بن عمر وبن هُصَيص بن كعب بن لؤي، فقال: «يا آل كلاب بن مرة» ، فرجع بنو مخزوم بن يقظة بن مُرَّة وبنو تَيْم بن مرة، فقال: «يا آل قصي» ، فرجع بنو زُهْرة بن كلاب، فقال: «يا آل عبد مناف» فرجع بنو عبد الدار بن قُصَي وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي وبنو عبد بن قصي. فقال أبو لهب: هذه بنو عبد مناف عندك فقل فقال رسول الله ﷺ «إنَّ الله أمرني أن أُنذر عشيرتي الأقربين وأنتُم الأقربون من قريش، وإِني لا أملك لكم من الله حظاً ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا: «لا إله إلا الله» فإِشهد بها لكم عند ربكم وتدين لكم العرب وتذلُّ لكم بها العجم» . فقال أبو لهب: تبّاً لك فلهذا دعوتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: ١) ، يقول: خَسرتْ يدا أبي لهب. كذا في الكنز.
стр. 73
وأخرج أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله: «وأنذر عشيرتك الأقربين» أتى النبي ﷺ الصَّفَا فصعد عليه، ثم نادى: «يا صباحاه» ، فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ «يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني كعب، أرأيتم لو أخبرتكم أنَّ خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟» قالوا: نعم، قال: «فإنِّي نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد» ، فقال أبو لهب: تبّاً لك سائر اليوم أما دعوتَنا إلا لهذا؟ وأنزل الله : ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ، وأخرجه الشيخان نحوه كافي البداية.
عرضه ﷺ الدعوة في مواسم الحج وعلى قبائل العرب عرضه ﵇ الدعوة على بني عامر وبني محارب
أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٠١) عن عبد الله بن كعب بن مالك ﵄ قال: أقام رسول الله ﷺ ثلاث سنين من نبوته مستخفياً، ثم أعلن في الرابعة، فدعا عشر سنين يوافي الموسم، يتَّبع الحاجَّ في منازلهم: بعُكاظ ومَجَنَّة، وذي المجاز، يدعوهم إلى أنْ يمنعوه حتى يبِّغَ رسالة ربه ولهم الجنّة، فلا يجد أحداً ينصره، حتى إنَّه يسأل عن القبائل ومنازلهم قبيلةً قبيلةً،
стр. 74
حتى انتهى إلى بني عامر بن صَعْصَعة فلم يلق من أحد من الأذى قط ما لقي منهم، حتى خرج من عنده وإنَّهم ليرمونه من ورائه، حتى انتهى إلى بني مُحارب بن خَصَفَة، فوجد فيهم شيخاً ابن مائة سنة وعشرين سنة، فكلَّمه رسول الله ﷺ ودعاه إلى الإِسلام وأنْ يمنعه حتى يبلِّغ رسالة ربه، فقال الشيخ: أيُّها الرجل، قومك أعلم بنبأك، والله لا يؤوب بك رجل إلى أهله إلا آب بشرِّ ما يؤوب به أهل الموسم، فأغنِ عنا نفسك، وإنَّ أبا لهب لقائم يسمع كلام المحاربي. ثم وقف أبو لهب على المحاربي فقال: لو كان أهل الموسم كلُّهم مثلك لترك هذا الدِينَ الذي هو عليه، إنَّه صابيءٌ كذابٌ. قال المحاربي: أنت - والله - أعرف به، هو ابنَ أخيك ولحمتك ثم قال المحاربي: لعلَّ به - يا أبا عتبة - لَمَمَاً؟ فإنَّ معنا رجلاً من الحي يهتدي لعلاجه. فلم يرجع أبو لهب بشيء، غير أنه إذا رآه وقف على حيَ من أحياء العرب صاحبه أبو لهب إنَّه صابىء كذاب؛ وفي إسناده الواقدي.
عرضه ﵇ الدعوة على بني عبس
وأخرج أبو نعيم (ص ١٠٢) أيضاً من طريق الواقدي عن عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسول الله ﷺ في منازلنا بمنى - ونحن نازلون بالجَمْرة الأولى التي تلي مسجد الخَيْف وهو على راحلته مُرْدِفاً خلفه زيد بن حارثة - فدعانا، فوالله ما استجبنا له ولا خير لنا، قال: وقد كنّا سمعنا به وبدعائه في الموسم، فوقف علينا يدعونا فلم نستجب له. وكان معنا مَيْسرة بن مسروق العبسي، فقال: أحلف بالله لو صدَّقنا هذا الرجل وحلمناه حتى نحُل به وسط رحالنا لكان الرأي، فأحلف بالله ليظهرنَّ أمره حتى يبلغ كلَّ مبلغ. فقال له القوم. دَعْنا عنك لا تعرِّضنا لما لا قِبَلَ لنا به، فطمع رسول الله ﷺ في مَيْسرة فكلَّمه. فقال مَيْسرة: ما أحسن كلامك وأنوره ولكنَّ قومي يخالفونني، وإنَّا
стр. 75
الرجل بقومه فإن لم يعضدوه فالعِداء أبعد.
فانصرف رسول الله ﷺ وخرج القوم صادرين إلى أهليهم. فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى فَدَك فإنَّ بها يهودَ نسائلهم عن هذا الرجل. فمالوا إلى يهود فأخرجوا سِفْراً لهم فوضعوه ثم درسوا ذكر رسول الله ﷺ النبي الأمي العربي، يركب الجمل، ويجتزىء بالكِسْرة وليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالجعد ولا بالسبط، في عينه حُمْرة، مُشَرَّب اللون. فإنْ كان هذا هو الذي دعاكم فأجيبوه وادخلوا في دينه، فإِنَّا نحسده فلا نتبعه، ولنا منه في مواطن بلاء عظيم ولا يبقى أحد من العرب إلا اتَّبعه أو قاتله، فكونوا ممّن يتّبعه. فقال مَيْسرة: يا قوم، إنّ هذا الأمر بيِّنٌ، قال القوم: نرجع إلى الموسم فنلقاه. فرجعوا إلى بلادهم وأبى ذلك عليهم رجالهم فلم يتبعه أحد منهم. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة وحجَّ حِجّة الوداع لقيه مَيْسرة فعرفه. فقال يا رسول الله، والله ما زلبت حريصاً على اتِّباعك من يوم أنختَ بنا حتى كان ما كان، وأبى الله إلا ما ترى من تأخير إسلامي، وقد مات عامة النَّفر الذين كانوا معي فأين مدخلهم يا نبي الله؟ فقال رسول الله ﷺ «كل من مات على غير دين الإِسلام فهو في النار» ، فقال: الحمد لله الذي أنقذني، فأسلم فحسن إسلامه، وكان له عند أبي بكر ﵁ مكان. وذكره في البداية عن الواقدي بإسناده مثله.
عرضه ﵇ الدعوة على كِنْدة
وأخرج أبو نُعيم في الدلائل (ص ١٠٣) أيضاً من طريق الواقدي حدثني
стр. 76
محمد بن عبد الله بن كَثِير بن الصَّلْت عن ابن رومان وعبد الله بن أبي بكر وغيرهما ﵃ قالوا: جاء رسول الله ﷺ كِندة في منازلهم بعُكاظ، فلم يأتِ حيّاً من العرب كان ألين منهم، فلمَّا رأى لينهم وقوة جَبْههم له جعل يكلمهم ويقول «أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له، وأن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، فإنْ أظهرْ فأنتم بالخيار» . فقال عامتهم ما أحسن هذا القول ولكنَّا نعبد ما كان يعبد آباؤنا. قال أصغر القوم: يا قوم، اسبقوا إلى هذا الرجل قبل أن تُسبقوا إليه، فوالله إنَّ أهل الكتاب ليُحدِّثون أنَّ نبياً يخرج من الحَرَم قد أظلَّ زمانُه. وكان في القوم إنسان أعور فقال: أمسكوا عليَّ، أخرجته عشيرته وتؤونه؟ أنتم تحملون حرب العرب قاطبة؟ لا، م لا. فنصرف عنهم حزيناً، فانصرف القوم إلى قومهم فخبروهم. فقال رجل من اليهود: والله إنَّكم مخطئون بخطئكم، لو سبقتم إلى هذا الرجل لسدتُم العرب، ونحن نجد صفته في كتابنا. فوصفه القوم الذين رأَوه كل ذلك يصدقونه بما يصف من صفته، ثم قال: نجد مخرجه بمكة ودر هجرته يثرب. فأجمع القوم ليوافوه في الموسم قابل، فحبسهم سيد لهم عن حج تلك السنة فلم يوافِ أحد منهم. فمات اليهوديُّ فسُمِعَ عند موته يُصدِّق بمحمد ﷺ ويؤمن به.
عرضه ﵇ الدعوة على بني كعب
وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٠٠) عن عبد الرحمن العامري عن أشياخ من قومه قالوا: أتانا رسول الله ﷺ ونحن بسوق عُكاظ، فقال: «مِمَّن القوم؟» قلنا من بني عامر بن صَعْصَعة. قال: «من أيِّ بني عامر؟» قلنا: بنو كعب بن ربيعة. قال: «كيف المَنَعَةُ فيكم؟» قلنا: لا يُرام ما قِبَلنا، ولا يُصطلى بنارنا. قال: فقال لهم: «إنِّي رسول الله، فإنْ أتيتكم تمنعوني حتى أُبلِّغ رسالة ربي؟
стр. 77
ولم أُكره أحداً منكم على شيء» . قالوا: ومِنْ أيِّ قريش أنت؟ قال: «من بني عبد المطلب» . قالوا: فأين أنت من بني عبد مناف؟ قال: «هم أول من كذَّبني وطردني» . قالوا: ولكنَّا لا نطردك ولا نُؤمن بك، ونمنعك حتى تبلغ رسالة ربك. قال: فنزل إليهم والقوم يتسوقون إذ أتاهم بُجْرة بن قيس القُشَيري فقال، من هذا الذي أراه عندكم؟ أُنْكرُه. قالوا: محمد بن عبد الله القرشي. قال: مالكم وله؟ قالوا: زعم لنا أنَّه رسول الله، يطلب إلينا أنْ نمنعه حتى يبلِّغَ رسالة ربه. قال: فماذا رددتم عليه؟ قالوا: قلنا في الرَّحب والسَّعة، نُخرجكم إلى بلادنا ونمنعك مما نمنع به أنفسنا. قال بُجْرة: ما أعلم أحداً من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشرَّ من شيء ترجعون به. بدأتم لتنابذ الناس، وترميكم العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به، لو آنسوا منه خيراً لكانوا أسعد الناس به، تعمدون إلى رَهيق قوم قد طرده قومه وكذَّبوه فتؤوونه وتنصرونه، فبئس الرأي رأيتم ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال: ثُم فالحق بقومك، فوالله لولا أنَّك عند قومي لضربت عنقك. قال: فقام رسول الله ﷺ إلى ناقته فركبها، فغمز الخبيثُ بُجْرة شكلتها فقمصت برسول الله ﷺ فألقته. وعند بني عامر يومئذٍ ضُباعة بنت عامر بن قُرط - كانت من النسوة اللاتي أسلمن مع رسول الله ﷺ بمكة - جاءت زائرة إلى بني عمها، فقالت: يا آل عامر، - ولا
عامر لي
- أيُصنع هذا برسول الله ﷺ بين أظهركم لا يمنعه أحدٌ منكم؟ فقام ثلاثة نفر من بني عمِّها إلى بُجرة واثنين أعاناه، فأخذ كل رجل منهم رجلاً فجلد به الأرض، ثم جلس على صدره ثم علَوا وجوههم لطماً، فقال رسول الله ﷺ «اللَّهم بارك على هؤلاء، والعن هؤلاء» . قال: فأسلم الثلاثة الذين نصروه فقتلوا شهداء؛ وهلك الآخرون لعناً. واسم الإثنين اللَّذين نصرا بُجْرة ابن فِراس؛ حزن بن عبد الله، ومعاوية بن عبادة، وأما الثلاثة الذين نصروا رسول الله ﷺ فغِطريف، وغَطَفان، إبنا سهل، وعُروة بن عبد الله. وأخرجه الحافظ سعيد بن يحيى بن
стр. 78
سعيد الأموي في مغازيه عن أبيه به، كما في البداية.
وعند ابن إسحاق عن الزُّهْري أنَّه أتى بني عمر بن صَعْصَعة، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه. فقال له رجل منهم - يقال له بَحيرة ابن فراس -: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أَرأيت إنْ نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: «الأمر لله يضعه حيث يشاء» . قال: فقال له: أفنهدُف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك؛ فأبَوا عليه. فلما صَدَر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كان أدركه السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدَّثوه بما يكون في ذلك الموسم. فلما قدمونا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم فقالوا: جاءنا فتى من قريش ثم أحد بني عبد المطلب يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا. قال: فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلاف؟ هل لذُناباها من مطلب؟ والذي نفسُ فلان بيده ما تقوَّلها إسماعيلي قط، وإنَّها لحق فأين رأيكم كان عنكم؟. كذا في البداية.
وذكره الحافظ أبو نعيم (ص ١٠٠) عن ابن إسحاق عن الزُّهْري من قوله: فلما صدر الناس رجعت بنو عمر إلى شيخ لهم. إلى آخره.
وأخرج ابن إسحاق أيضاً عن الزهري: أنَّه ﵇ أتى كندة في
стр. 79
منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مُلَيح، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فأبَوا.
عرضه ﵇ الدعوة على بني كَلْب
وعن محمد بن عبد الرحمن بن حُصَين: أنَّه أتى كَلْباً في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنَّه ليقول: يا بني عبد الله، إنَّ الله قد أحسن إسم أبيكم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.
عرضه ﵇ الدعوة على بني حنيفة
وعن عبد الله بن كعب بن مالك ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ أتى بني حنيفة في منازلهم، فدعاهم إلى لله، وعرض عليهم نفسه، فلم يك أحدٌ من العرب أقبحَ رداً عليه منهم. كذا في البداية.
عرضه ﵇ الدعوة على بكر
وأخرج الحافظ أبو نُعَيم عن العباس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ «لا أرى لي عندك ولا عند أخيك مَنَعَة، فهل أنت مخرجي إلى السوق غداً حتى نقرَّ في منازل قبائل الناس» ، وكانت مجمع العرب. قال فقلت: هذه كِنْدة ولِفُّها وهي أفضل من يحج البيت من اليمن، وهذه منازل بكر بن وائل، وهذه منازل بني عامر بن صَعْصَعة، فاختر لنفسك؟ قال فبدأ بكِنْدة فأتاهم فقال: «مِمَّن القوم؟» قالوا: من أهل اليمن. قال: «من أيِّ اليمن؟» قالوا: من كِنْدة قال: «من أيِّ كِنْدة؟» قالوا: من بني عمرو بن معاوية، قال:
стр. 80
«فهل لكم إلى خير؟» قالوا: وما هو؟ قال: «تشهدون أنْ لا إله إلا الله، وتقيمون الصلاة، وتؤمنون بما جاء من عند الله» . قال عبد الله بن الأجلح: وحدَّثني أبي عن أشياخ قومه أنَّ كندة قالت له: إِن ظفرتَ تجعلْ لنا الملك من بعدك؟ فقال رسول الله ﷺ «إِنَّ الملك لله يجعله حيث يشاء» . فقالوا: لا حاجة لنا فيما جئتنا به. وقال الكلبي: فقالوا: أجئتنا لتصدَّنا عن آلهتنا وننابذ العرب، إلحق بقومك فلا حاجة لنا بك.
فانصرف من عندهم فأتى بكر بن وائل فقال: «مِمَّن القوم؟» قالوا: من بكر بن وائل. فقال: «من أيِّ بكر بن وائل؟» قالوا: من بني قيس بن ثعلبة. قال: «كيف العدد؟» قالوا: كثير مثل الثرى. قال: «فكيف المنعة؟» قالوا: لا مَنَعة، جاورنا فارس فنحن لا نمتنع منهم ولا نُجير عليهم. قال: «فتجعلون لله عليكم إنْ هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، وتستنكحوا نساءهم، وتستعبدوا أبناءهَم أنْ تسبِّحوا الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوه ثلاثاً وثلاثين، وتكبِّروه أربعاً وثلاثين» . قالوا: ومن أنت؟ قال: «أنا رسول الله» . ثم انطلق فلمّا ولَّى عنهم قال الكلبي: وكان عمَّه أبو لهب يتبعه فيقول للناس: لا تقبلوا قوله، ثم مرَّ أبو لهب فقالوا: هل تعرف هذا الرجل؟ قال: نعم هذا في الذروة منا، فعن أيِّ شأنه تسألون؟ فأخبروه بما دعاهم إليه وقالوا: زعم أنه «رسول الله» ، قال: ألا لا ترفعوا برأسه قولاً، فإنَّه مجنون يهذي من أُمِّ رأسه. قالوا: قد رأينا ذلك حين ذكر من أمر فارس ما ذكر. كذا في البداية.
عرضه ﵇ الدعوة على قبائل بمنى
وأخرج ابن إسخاق عن ربيعة بن عبَّاد ﵁ قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: «يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، آمركم أنْ تعبدوا الله ولا تشركوا
стр. 81
به شيئاً، وأن تخلعوا ما تعبدن من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي، وتصدِّقوا بي، وتمنعوني حتى أُبَيِّن عن الله ما بعثني به» . قال: وخلفه رجل أحول وضيء، له غديرتان، عليه حُلَّة عدنيّة. فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بني فلان، إِنَّ هذا إنما يدعوكم إلى أنْ تسلخوا اللات والعُزَّى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أُقيْش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه. قال: فقلت لأبي: يا أبت، من هذا الرجل الذي يتبعه ويردّ عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العُزَّى بن عبد المطلب أبو لهب. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً عبد الله بن أحمد والطبراني عن ربيعة بمعناه، قال الهيثمي. وفيه: حسين بن عبد الله بن عبيد الله وهو ضعيف ووثَّقه ابن مَعِين في رواية. انتهى. قلت: وفي رواية ابن إسحاق رجل لم يُسمَّ.
عرضه ﵇ الدعوة على الجماعة بمنى
وأخرج الطبراني عن مُدْرك قال: حججت مع أبي، فلما نزلنا منى
стр. 82
إذا نحن بجماعة فقلت لأبي: ما هذه الجماعة؟ قال: هذا الصابىء فإذا رسول الله ﷺ يقول: «يا أيُّها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا» . قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
وأخرج البخاري في التاريخ أبو زُرعة والبغوي وابن أبي عاصم والطبراني عن الحارث بن الحارث الغامدي ﵁ قال: قلت لأبي ونحن بمنى: ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء اجتمعوا على صابىء لهم. قال: فتشرَّفتُ، فإذا برسول الله ﷺ يدعو الناس إلى توحيد الله، وهم يردون عليه الحديث. كذا في الإِصابة.
وأخرج الواقدي عن حسانَ بن ثابت ﵁ قال: حججت والنبي ﷺ يدعو الناس إلى الإِسلام وأصحابه يعذّبون، فوقفت على عمرَ يعذب جارية بني عمرو بن المؤمَّل، ثم ثبت على زِنِّيرة فيفعل بها ذلك؛ كذا في الإِصابة.
عرضه ﵇ الدعوة على بني شَيْبان
وأخرج أبو نعيم في الدلائل (ص ٩٦) عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما أمر الله نبيه ﷺ أنْ يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منًى حتى دَفَعْنا إلى مجلس من مجالس
стр. 83
العرب، فتقدَّم أبو بكر فسلَّم - وكان أبو بكر مقدَّماً في كل حين وكان رجلاً نسّابه - فقال: ممَّن القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال: وأيُّ ربيعة أنتم؟ ... فذكر الحديث بطوله؛ وفيه قال: ثم انتهينا إلى مجلس عليه السكينةُ والوقارُ، وإِذا مشايخُ لهم أقدار وهيئات، فتقدَّم: أبو بكر فسلم - قال علي: وكان مقدَّماً في كل حين فقال لهم أبو بكر: ممَّن القوم؟ قالوا: نحن بنو شَيْبان بن ثعلبة. فالتفت إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأُمي ليس بعد هؤلاء من عزَ في قومه، وكان في القوم: مفروق بن عمرو، وهانىء بن قَبيصة، والمثنَّى بن حارثة، والنعمان بن شَريك. وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروق بن عمرو، وكان مفروق قد غلب عليهم بياناً ولساناً، وكانت له غديرتان تسقطان على صدره. وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال له: إنَّا لنزيد على الألف ولن يُغلب ألف من قلة. قال: فكيف المنعَة فيكم؟ قال: علينا الجُهد ولكل قوم جَدّ. قال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوِّكم؟ قال مفروق: إنَّا أشدُّ ما نكون غضباً حين نَلْقَى، وإِنَّا أشدُّ ما نكون لقاءً إذا غضبنا، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللِقَاح، والنصرُ من عند الله، يُديلنا مرة ويُديل علينا مرة؛ لعلك
أخو قريش؟ قال أبو بكر: إنْ كان بلغكم أنَّه رسول الله ﷺ فها هوذا. فقال مفروق: قد بلغنا أنَّهُ يذكر.
ثم التفت إلى رسول الله ﷺ فقال: إلامَ تدعو يا أخا قريش؟ فتقدّم رسول الله ﷺ فجلس، وقام أبو بكر يظلِّله بثوبه. فقال رسول الله ﷺ «أدعوكم إلى شهادة أنْ لا إله إلا الله وحده، وأني رسول الله، وأنْ تؤوني. تمنعوني، وتنصروني حتى أؤدي عن الله تعالى ما أمرني به، فإنَّ قريشاً قد تظاهرت على أمر الله، وكذَّبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد» . قال له: وإِلامَ تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ﷺ ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ
стр. 84
مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ - إلى قوله تعالى - ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذالِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: ١٥١ - ١٥٣) فقال له مفروق: وإلامَ تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ولو كن من كلامه م لعَرفناه، فتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإْحْسَانِ﴾ - إلى قوله تعالى - ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٩٠) . فقال له مفروق: دعوتَ - والله - يا قرشي إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفِك قوم كذَّبوك وظاهروا عليك.
وكأنه أحبَّ أنْ يَشركه في الكلام هانىء بن قبيصة فقال: وهذا هانىء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا. فقال له هانىء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وصدَّقت قولك، وإِني أرى أنَّ تركَنا ديننا واتِّباعنا إياك على دينك لمجلس جلستَه إلينا ليس له أول ولا آخر لم نتفكر في أمرك، وننظر في عاقبة ما تدعونا إليه - زلّةٌ في الرأي، وطَيْشة في العقل، وقلة نظر في العاقبة، وإِنَّما تكون الزلَّة مع العَجَلة، وإِنَّ مِنْ ورائنا قوماً نكره أنْ نعقد عليهم عقداً. ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر.
وكأنَّه أحب أنْ يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا. فقال المثنى: قد سمعت مقالتك، واستحسنت قولك يا أخا قريش، وأعجبني ما تكلمت به، والجواب هو جواب هانىء بن قبيصة، إِنَّما نزلنا بين صِيرَين: أحدهما اليمامة، والأخرى السَّماوة. فقال له رسول الله ﷺ وما هذان الصِّيران؟ فقال له: أما أحدهما فطُفوف البر وأرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى، وإِنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى أنْ
стр. 85
لا نُحدث حدثاً، ولا نؤويَ مُحدِثاً. ولعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه ممَّا تكرهه الملوك، فأمَّا ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وأما ما كان مما يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول. فإن أردت أن ننصرك مما يلي العرب فعَلْنا.
فقال رسول الله ﷺ «ما أسأتم الردَّ إذْ أفصحتم بالصدق، إِنه لا يقوم بدين الله إلا مَنْ حاطه من جميع جوانبه» . ثم نهضت قابضاً على يد أبي بكر، ثم دفعنا إِلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ قال علي ﵁: وكان صدُقاً صُبُراً - رضوان الله عليهم أجمعين -. كذا في دلائل النبوة لأبي نُعيم. وقال في البداية: رواه أبو نُعيم والحاكم والبيهقي، والسِّياق لأبي نُعيم - فذكر الحديث وفيه بعد قوله: «إنَّه لا يقوم بدين الله إلا مَنْ حاطه من جميع جوانبه» ثم قال رسول الله ﷺ «أرأيتم؟ إِن لم تلبثوا إلا يسيراً حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم، ويُفرشَكم بناتِهم، أتسبِّحون الله وتقدِّسونه؟» فقال له النعمان بن شريك: اللَّهمَّ وإِنَّ ذلك لك يا أخا قريش، فتلا رسول الله ﷺ ﴿ياأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ (الأحزاب: ٤٥، ٤٦) ثم نهض رسول الله ﷺ قابضاً على يدي أبي بكر ﵁. قال علي ﵁: ثم التفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: «يا عليٌّ أيّةُ أخلاقٍ للعرب كانت في الجاهلية - ما أشرفها؟ - بها يتحاجزون في الحياة الدنيا» . قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج؛ فما نهضنا حتى بايعوا النبي ﷺ قال علي: وكانوا صُدَقاء صُبَراء، فسُرَّ رسول الله ﷺ من معرفة أبي بكر بأنسابهم. قال فلم يلبث رسول الله ﷺ إِلا يسيراً حتى خرج إلى أصحابه فقال لهم: «احمدوا الله كثيراً» فقد ظفرت اليوم بناء ربيعة
стр. 86
بأهل فارس، قتلوا ملوكهم، واستباحوا عسكره، وبي نُصروا» . قال ابن كثير في البداية: هذا حديث غريب جداً، كتبناه لما فيه من دلائل النبوة، ومحاسن
الأخلاق، ومكارم الشِّيَم، وفصاحة العرب .
وقد ورد هذا من طريق أخرى وفيه أنَّهم لما تحاربوا هُمْ وفارس والتقَوْا معهم بقُراقِر - مكان قريب من الفرات - جعلوا شعارهم إسم محمد ﷺ فنُصروا على فارس بذلك، وقد دخلوا بعد ذلك في الإِسلام. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أخرج الحاكم وأبو نُعيم والبيهقي في الدلائل بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄: حدثني علي بن أبي طالب ﵁، فذكر شيئاً من هذا الحديث.
عرضه ﵇ الدعوة على الأوس والخزرج
وأخرج أبو نُعيم في الدلائل (ص ١٠٥) من طريق الواقدي عن إسحاق بن حباب عن يحيى بن يعلى قال: قال علي بن أبي طالب ﵁ يوماً - وهو يذكر الأنصار وفضلهم وسابقتهم - ثم قال: إنّه ليس بمؤمن من لم يحبَّ الأنصار ويعرف لهم حقوقهم، هم - والله - ربَّوا الإِسلام كما يُربى الفَلُوُّ في غنائهم بأسيافهم وطول ألسنتهم وسخاء أنفسهم. لقد كان رسول الله ﷺ يخرج في المواسم فيدعو القبائل، ما أحدٌ من الناس يستجيب له ويقبل منه دعاءه. فقد كان يأتي القبائل بمجنَّة وعُكاظ وبمنى حتى يستقبل القبائل يعود إليهم سنة بعد سنة، حتى إنَّ القبائل منهم من قال: ما آن لك أنْ تيأس منا؟ من طول ما يعرض نفسه عليهم، حتى أراد الله ما أراد بهذا الحيِّ من الأنصار
стр. 87
فأعرض عليهم الإِسلام، فاستجابوا وأسرعوا وآوَوا ونصروا وواسوا - فجزاهم الله خيراً - قدمنا عليهم، فنزلنا معهم في منازلهم، ولقد تشاحُّوا فينا، حتى إن كانوا ليقترعون علينا، ثم كنَّا في أموالهم أحقَّ بها منهم طيبة بذلك أنفسهم؛ ثم بذلوا مهج أنفسهم دون نبيهم ﷺ وعليهم أجمعين.
وأخرج أبو نُعيم أيضاً في الدلائل (ص ١٠٥) عن أمِّ سعد بنت سعد بن الربيع ﵄ قالت: أقام رسول الله ﷺ بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله يؤُذى ويُشتم، حتى أراد الله بهذا الحيِّ من الأنصار ما أراد من الكرامة، فانتهى رسول الله ﷺ إلى نفر منهم عند العقبة وهم يحلِقون رؤوسهم. قلت: من هم يا أمَّه؟ قالت: ستة نفر أو سبعة، منهم من بني النجار ثلاثة: أسعد بن زُرارة وابنا عفراء، ولم تُسمِّ لي من بقي. قالت: فجلس رسول الله ﷺ إليهم، فدعاهم إلى الله ، فقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله، وفوافَوا قابل وهي العقبة الأولى؛ ثم كانت العقبة الآخرة. قلت لأمِّ سعد: وكم كان رسول الله ﷺ أقام بمكة؟ قالت: أما سمعت قول أبي صِرْمَة قيسِ بن أبي أنس؟ قلت: لا أدري ما قال، فأنشدتني قوله:
ثَوَى في قريشٍ بِضْعَ عشْرَة حَجَّة
يُذكِّرُ لو لاقَى صديقاً مواتيا
وذكر الأبيات كما سيأتي في باب النُصرة من حديث ابن عباس ﵄.
وأخرج أبو نُعيم أيضاً في الدلائل (ص ١٠٥) عن عقيل بن أبي طالب ﵁، والزُّهري ﵁ قال: لمَّا اشتد المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 88
قال لعمِّه العباس بن عبد المطلب ﵁: «يا عم، إنَّ الله ناصر دينه بقوم يهون عليهم رَغْمُ قريش عزاً في ذات الله تعالى فامضِ بي إلى عُكاظ، فأرني منازل أحياء العرب حتى أدعوهم إلى الله ، لأأن يمنعوني ويؤووني حتى أُبلِّغ عن الله ما أرسلني به» ، قال: فقال العباس: يا ابن أخي، إمضِ إلى عُكاظ فأنا ماضٍ معك حتى أدلَّك على منازل الأحياء. فبدأ رسول الله ﷺ بثَقيف، ثم استقرى القبائل في سنّته. فلما كان العام المقبل - وذلك حين أمر الله تعالى أن يعلن الدعاء - لقي الستة نفرٍ الخزرجيين والأوسيين: أسعد بن زُرارة، وأبو الهيثم بن التَّيِّهان، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، والنعمان بن حارثة، وعُبادة بن الصامت. فلقيهم النبي ﷺ في أيام مِنًى عنه جَمرة العقَبَة ليلاً، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله ، وإلى عبادته، والموازرة على دينه الذي بعث به أنبياءه ورسله، فسألوه أنْ يَعرِض عليهم ما أُوحي إليه، فقرأ رسول الله ﷺ سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَاذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاْصْنَامَ﴾ (إبراهيم: ٣٥) . - إلى آخر السورة، فرقَّ القوم وأخبتوا حين سمعوا وأجابوه.
فمرَّ العباس بن عبد المطلب وهو يكلِّمهم ويكلِّمونه، فعرف صوت النبي ﷺ فقال: ابن أخي، من هؤلاء الذين عندك؟ قال: يا عمّ، سكان يثرب: الأوس والخزرج قد دعوتهم ما دعوت إليه مَنْ قبلَهم من الأحياء فأجابوني وصدقوني، وذكروا أنَّهم يخرجونني إلى بلادهم. فنزل العباس بن عبد المطلب وعقل راحلته ثم قال لهم: يا معشر الأوس والخزرج، هذا ابن أخي - وهو أحبُّ الناس إِليّ - فإن كنتم صدَّقتموه وآمنتم به وأردتم إِخراجه معكم فإني أريد أن آخذ عليكم موثقاً تطمئنُ به نفسي ولا تخذلوه ولا تغرُّوه فإنَّ جيرانكم اليهودُ، واليهودُ له عدوٌ، ولا آمن مكرهم عليه. فقال أسعد بن زرارة - وشقَّ عليه قول
стр. 89
العباس حين اتَّهم عليه سعداً وأصحابه - قال: يا رسول الله إئذن لنا فلنجبْهُ غير مُخُشِنين بصدرك ولا متعرِّضين لشيء مما تكره إلا تصديقاً لإِجابتنا إيام، وإيماناً بك. فقال رسول الله ﷺ «أجيبوه غيرع مُتَّهمين» . فقال أسعد بن زُرارة - وأقبل على رسول الله ﷺ بوجهه - فقال: يا رسول الله، إنَّ لكل دعوة سبيلاً، إنْ لينٌ وإنْ شدةٌ، وقد دعوتَ اليوم إلى دعوة متجهِّمة للناس متوعِّرة عليهم، دعوتنا إلى ترك ديننا واتباعك على دينك وتلك رتبة صعبة فأجبناك إلى ذلك، ودعوتنا إلى قطع ما بيننا وبين الناس من الجوار والأرحام القريب والبعيد وتلك رتبة صعبة فأجبناك إلى ذلك، ودعوتنا ونحن جماعة في دار عز ومَنَعَة لا يطمع فيها أحد أن يرأس علينا رجل من غيرنا قد أفرده قومه وأسلمه أعمامه وتلك رتبة صعبة فأجبناك إلى ذلك، وكل هؤلاء الرتب مكروهة عند الناس إلا من عزم الله على رشده والتمس الخير في عواقبها وقد أجبناك إلى ذلك بألسنتنا وصدورنا، وأيدينا، إيماناً بما جئت به، وتصديقاً بمعرفة ثبتت في قلوبنا، نبايعك على ذلك ونبايع ربَّنا وربَّك، يد الله فوق أيدينا، ودماؤنا دون دمك، وأيدينا دون يدك،
نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا، فإنْ نفي بذلك فلِلَّهِ نَفي، وإنْ نغدر فبالله نغدر ونحن به أشقياء، هذا الصدق منا يا رسول الله: والله المستعان.
ثم أقبل على العباس بن عبد المطلب بوجهه فقال: وأما أنت أيُّها المعترض لنا بالقول دون النبي ﷺ والله أعلم ما أردت بذلك؟ - ذكرت أنَّه ابنُ أخيك وأحبُّ الناس إليك، فنحن قد قطعنا القريب إِلينا والبعيد وذا الرحم، ونشهد أنه رسول الله، الله أرسله من عنده، ليس بكذاب، وأنَّ ما جاء به لا يشبه كلام البشر، وأما ما ذكرت أنَّك لا تطمئن إلينا في أمره حتى تأخذ مواثيقنا فهذه خصلة لا نردّها على أحد أرادها لرسول الله ﷺ فخذ ما شئت، ثم التفت إِلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، خذ لنفسك ما شئت، واشترط لربك ما شئت. فذكر الحديث بطوله في بَيْعهم.
وستأتي أحاديث البَيْعة في البيعة على النُّصْرة، وأحاديث الباب في باب النُّصْرة في ابتداء أمر الأنصار إن شاء الله تعالى.
стр. 90
عرضه ﷺ الدعوة في السوق عرضه ﵇ الدعوة في سوق ذي المجاز
أخرج أحمد عن ربيعة بن عبَّاد من بني الدِّيل - وكان جاهلياً فأسلم - قال: رأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المَجاز وهو يقول: «يا أيَّها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا» ، والناس مجتمعون عليه، وراءه رجل وضيء الوجه، أحول، ذو غديرتين يقول: إِنَّه صابىء كاذب، يتَّبعه حيث ذهب، سألت عنه فقالوا: هذا عمُّه أبو لهب. وأخرجه البيهقي بنحوه كذا في البداية وقال الهيثمي: رواه أحمد وابنه والطبراني في الكبير بنحوه والأوسط باختصار بأسانيد، وأحد أسانيد عبد الله بن أحمد ثقات الرجال. انتهى. وعَزَاه الحافظ في الفتح إلى البيهقي وأحمد، وقال: صحَّحه ابن حبان. انتهى. قال الهيثمي: وفي رواية: ورسول الله ﷺ يفرّ منه وهو يتبعه. وفي رواية: والناس منقصفون عليه، فما رأيت أحداً يقول شيئاً وهو لا يسكت. انتهى. وقد تقدم له طريق في عرضه ﷺ الدعوة على القبائل.
وأخرج الطبراني عن طارق بن عبد الله قال: إنِّي بسوق ذي المجاز إذْ مرّ رجل شاب عليه حُلَّة من برد أحمر وهو يقول: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تُفِلحوا» ، ورجل خلفه قد أدمى عرقوبيه وساقيه يقول: يا أيُّها الناس، إنَّه كذاب فلا تطيعوه. فقلت: من هذا؟ قال: غلام بني هاشم الذي يزعم أنَّه «رسول الله» وهذا عمه عبد العُزَّى. فذكر الحديث. قال الهيثمي وفيه: أبو حباب الكلبي وهو مدلِّس، وقد وثَّقه ابن حِبَّان، وبقية رجاله رجال الصحيح. انتهى.
وأخرج أحمد عن رجل من بني مالك بن كِنانة قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز يتخلَّلها يقول: «يا أيها الناس، قولوا: لا
стр. 91
إله إلا الله تفلحوا» .
قال: وأبو جهل يَحثي عليه التراب ويقول: لا يُغوينَّكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللات والعُزَّى؛ وا يلتفت إليه رسول الله ﷺ قلت: انْعَتْ لنا رسول الله ﷺ قال: بين بُردين أحمرين، مربوعٌ، كثير اللحم، حسن الوجه، شديد سواد الشَّعر، أبيض شديد البياض، سابغ الشَّعَر. قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. انتهى. وأخرجه البيهقي أيضاً بمعناه إلا أنه لم يذكر نعته ﷺ كما في البداية، وقال: كذا قال في هذا السياق أبو جهل. وقد يكون وهماً، ويحتمل أن يكون تارة يكون ذا وتارة يكون ذا، وأنهما كانا يتناوبان على أذاته ﷺ انتهى. وقد تقدَّم عرضه ﷺ الدعوة في سوق عكاظ في عرضه الدعو على القبائل.
стр. 92
عرضه ﷺ الدعوة على عشيرته الأقربين ما قاله ﵇ لفاطمة وصفيّة وغيرهما
وأخرج أحمد عن عائشة ﵂ قالت: لمّا نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاْقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) قام رسول الله ﷺ فقال: «يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم» . إنفرد بإخراجه مسلم.
جمعه ﵇ عشيرته وأهل بيته على الطعام للدعوة إلى الله
وأخرج أحمد أيضاً عن علي ﵁ قال: لمّا نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاْقْرَبِينَ﴾ جمع النبي ﷺ من أهل بيته فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا. قال: وقال لهم: «من يضمن عني دَيْني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، يكون خليفتي في أهلي؟» فقال رجل: يا رسول الله، أنت كنت بحراً من يقوم بهذا؟ قال: ثم قال الآخر - ثلاثاً - قال: فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي ﵁: أنا.
وأخرج أحمد أيضاً عن علي ﵁ قال: جمع رسول الله ﷺ أو دعا رسول الله ﷺ بني عبد المطلب وهم رَهْط، وكلُّهم يأكل الجَذَعة ويشرب الفَرَق. فصنع لهم مدّاً من طعام فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام كما
стр. 93
هو كأنه لم يُمسّ. ثم دعا بغُمَر فشربوا حتى روُوا وبقي الشراب كأنه لم يُمسّ أو لم يُشرب، وقال: «يا بني عبد المطلب، إني بُعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامّة فقد رأيتم من هذه الآية ما أيتم، فأيُّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟» فلم يقم إليه أحد. قال: فقمت إليه - وكنت أصغر القوم - قال: فقال: إجلس، ثم قال - ثلاث مرات - كل ذلك أقوم إليه فيقول: إجلس، حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي. كذا في التفسير لابن كثير.
وأخرج البزّار عن علي ﵁ قال: لمّا نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاْقْرَبِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ «يا علي، إصنع رِجل شاة بصاع من طعم، واجمع لي بني هاشم» - وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، أبو أربعون غير رجل - قال: فدعا رسول الله ﷺ بالطعام، فوضعه بينه. فأكلوا حتى شبعوا، وإِنَّ منهم من يأكل الجذعة بإدامها؛ ثم تناول القدح فشربوا منه حتى رُووا - يعني من اللَّبن -، فقال بعضهم: ما رأينا كالسِّحر - يروون أنه أبو لهب الذي قاله - فقال: «يا علي، إصنع رجل شاة بصاع من طعام، وأعدد قَعْباً من لبن. قال: ففعلت. فأكلوا كما أكلوا في اليوم الأول، وشربوا كما شربوا في المرة الأولى، وفضل كما فضل في المرة الأولى. فقال: ما رأينا كاليوم في السحر. فقال: «يا علي، إصنع رجل شاة بصاع من طعام، وأعدد قعباً من لبن» ففعلت. فقال: «يا علي إجمع لي بني هاشم» ، فجمعتهم فأكلوا وشربوا، فبدرهم رسول الله ﷺ فقال: «أيكم يقضي عني دَيْني؟» قال: فسكتُّ وسكت القوم. فأعاد رسول الله ﷺ المنطق، فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: «أنت يا علي، أنت يا علي» قال الهيثمي: رواه البزَّار واللفظ له؛ وأحمد باختصار، والطبراني في الأوسط باختصار أيضاً،
стр. 94
ورجال أحمد وأحد إسنادي البزّار رجال الصحيح غير شَرِيكٍ، وهو ثقة. انتهى.
وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم بمعناه وفي حديثه: فقال: «أيُّكم يقضي عني دَيْني، ويكون خليفتي في أهلي؟» قال: فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله. قال: وسكتُّ أنا لسنِّ العباس، ثم قاله مرة أُخرى فسكت العباس، فلمَّا رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول الله، قال: وإِنِّي يومئذٍ لأسوأهم هيئة، وإِني لأعمش العينين، ضخم البطن، خَمْش الساقين. كذا في التفسير لابن كثير. وأخرجه البيهقي في الدلائل وابن جرير بأبسط من هذا السياق بزيادات أُخر بإسناد ضعيف، كما في التفسير لابن كثير؛ والبداية. وقد تقدّم الحديث بسياق آخر عن ابن عباس ﵄ في عرض الدعوة على المجامع (ص ٩٠) .
عرضه ﷺ الدعوة في السفر دعوته ﵇ في سفر الهجرة
أخرج أحمد عن ابن سعد ﵄ وسعد الذي دل رسول الله ﷺ على طريق رَكوبَة - قال ابن سعد: حدَّثني أبي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 95
أتاهم ومعه أبو بكر ﵁ وكانت لأبي بكر عندنا بنت مسترضعة، وكان رسول الله ﷺ أراد الإختصار في الطريق إِلى المدينة - فقال له سعد: هذا الغائر من رَكوبة وبه لِصَّان من أسلَم يقال لهما: المُهانان، فإن شئت أخذنا عليهما. فقال رسول الله ﷺ «خُذْ بنا عليهما» . قال سعد: فخرجنا حتى أشرفنا إِذا أحدهما يقول لصاحبه: هذا اليماني: فدعاهما رسول الله ﷺ فعرض عليهما الإِسلام، فأسلما. ثم سألهما عن أسمائهما فقالا: نحن المهانان. فقال: «بل أنتما المكرمان» . وأمرهما أن يَقدَما عليه المدينة. فذكر الحديث. قال الهيثمي:: رواه عبد الله بن أحمد. وابن سعد اسمه: عبد الله، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
دعوته ﵇ للأعرابي في سفر
وأخرج الحاكم أبو عبد الله النَّيْسابوري عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأقبل أعرابي، فلما دنا منه قال له رسول الله ﷺ «أين تريد؟» قال: إلى أهلي، قال: «هل لك إلى خير؟» قال: ما هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله» . قال: هل من شاهد على ما تقول قال: «هذه الشجرة» . فدعاها رسول الله ﷺ وهي على شاطىء الوادي، فأقبلت تَخُذُّ الأرض خذَّاً فقامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثاً فشهدت أنه كما قال. ثم إنها رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابي إلى قومه فقال: إِن يتَّبعوني أتيتك بهم وإِلا رجعت إليك وكنت معك. وهذا إسناد جيِّد ولم يُخرِّجوه ولا رواه الإِمام أحمد. كذا في البداية. وقال
стр. 96
الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، ورواه أبو يَعْلى أيضاً والبزار. انتهى.
دعوته ﵇ لبُرَيدة بن الحُصَيب ومن معه في سفر الهجرة
وأخرج ابن سعد عن عاصم الأسلمي قال: لمّا هجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة فانتهى إلى الغَمِيم أتاه بُرَيْدة ابن الحُصيْب، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإِسلام فأسلم هو ومن معه - وكانوا زُهاء ثمانين بيتاً -، فصلّى رسول الله ﷺ العشاء فصلَّوا خلفه.
مشيه ﷺ على القدمين للدعوة خروجه ﵇ ماشياً إلى الطائف
أخرج الطبراني عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: لمَّا توفي أبو طالب خرج النبي ﷺ إلى الطائف ماشياً على قدميه يدعوهم إلى الإِسلام، فلم يجيبوه، فانصرف، فأتى ظلَّ شجرة فصلَّى ركعتين ثم قال: «اللَّهم إنِّي أشكو إِليك ضعف قوتي، وهواني على الناس، أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، إلى مَنْ تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إِلى قريب ملَّكتَه أمري؟ إِن لم تكن غضبان عليّ فلا أُبالي، غير أن عافيتك أوسع لي. أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصَلُح عليه أمر الدنيا والآخرة - أن ينزل بي
стр. 97
غضبُك، أو يحل بي سخطُك، لك العُتَبى حتى ترضى لا قوة إِلا بالله» . قال الهيثمي وفيه: ابن إِسحاق وهو مدلِّس ثقة، وبقية رجاله ثقات. انتهى. وسيأتي الحديث من طريق الزُّهري وغيره مطوّلاً في تحمُّل الشدائد والأذايا في الدعوة إلى الله.
الدعوة إلى الله تعالى في القتال ما قاتل ﵇ قوماً حتى دعاهم
أخرج عبد الرزاق عن ابن عباس ﵄: ما قاتل رسول الله ﷺ قوماً حتى دعاهم. وكذلك رواه الحاكم في المستدرك وقال: حديث صحيح الإِسناد ولم يخرِّجاه؛ ورواه أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه. كذا في نصب الراية. وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يَعْلى والطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح. إنتهى. وأخرجه أيضاً ابن النجار كما في كنز العمال؛ والبيهقي في سننه.
стр. 98
أمره ﵇ البعوث بتأليف الناس ودعوتهم
وأخرج بن مَنْده وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عائذ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث بَعْثاً قال: «تألَّفوا الناس ولا تُغيروا عليهم حتى تدعوهم فما على الأرض من أهل بيتِ مر ولا وَبَر إلا تأتوني بهم مسلمين أحبّ إليّ من أن تأتوني بنسائهم وأولادهم وتقتلوا رجالهم» . كذا في الكنز. وأخرجه أيضاً ابن شاهين والبغوي كما في الإِصابة، والترمذي.
أمره ﵇ أمير السرية بالدعوة
وأخرج أبو داود (ص ٣٥٨) واللفظ له: ومسلم وابن ماجه (ص ٢١٠) والبيهقي عن بُرَيدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميراً على سَرِيّة أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصّة نفسه وبمن معه من المسلمين خيراً، وقال: «إذ لقيت عدوِّك من المشركين فادعهم إلى أحد ثلاث خصال - أو خلال - فأيتها أجابوك إليها فأقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإِسلام، فإن أجابوا فأقبل منهم وكف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أنَّ لهم ما
стр. 99
للمهاجرين، فإن أبَوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنَّهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي كان يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبَوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فأقبل منهم وكف عنهم، فإن أبَا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تُنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم، فإنَّكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم اقضوا فيهم بعدُ ما شئتم» . قال الترمذي: حديث بريدة حديث حسن صحيح. وأخرجه أيضا أحمد، والشافعي، والدارمي، والطحاوي، وابن حِبّان، وابن الجارود، وابن أبي شيبة وغيرهم كما في كنز العمال.
أمره ﵇ علياً بأن لا يقاتل قوماً حتى يدعوهم إلى الإِسلام
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ إلى قوم يقاتلهم، ثم بعد إليه رجلاً فقال: «لا تدعه من خلفه وقل له: لا تقاتلهم حتى تدعوهم» . قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عثمان ابن يحيى القرقساني وهو
стр. 100
ثقة اهـ.
وأخرج ابن راهَوِيه عن علي ﵁ أن النبي ﷺ بعثه وجهاً ثم قال لرجل: «الحق ولا تَدْعُه من خلفه، فقل: إن النبي ﷺ يأمرك أن تنتظره، وقل له: لا تقاتل قوماً حتى تدعوهم» . كذا في كنز العمال. وعند عبد الرزاق عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال له حين بعثه: «لا تقاتل قوماً حتى تدعوهم» ؛ كذا في نصب الراية. وقد تقدَّم (ص ٦٢) في حديث سهل بن سعد ﵁ عند البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال لعلي ﵁ يوم خيبر: «أنفُذ على رِسْلِك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإِسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقِّ الله تعالى فيه، فوالله، لأن يهديَ الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لم حُمْر النَّعَم» .
أمره ﵇ فروة القطيعي بالدعوة في القتال
وأخرج بن سعد، وأحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، والطبراني، والحاكم عن فروة بن مُسَيك القطيعي ﵁ قال: أتيت رسول
стр. 101
الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ فقال: «بلى» ؛ ثم بدا لي فقلت: يا رسول الله، لا، بل هم أهل سبأ، هم أعزُّ وأشدُّ قوة. فأمرني رسول الله ﷺ وأذن لي في قتال سبأ. فلما خرجت من عنده أنزل الله في سبأ ما أنزل. فقال رسول الله ﷺ «ما فعل القطيعي؟» فأرسل إلى منزلي فوجدني قد سرت فردَّني. فلما أتيت رسول الله ﷺ وجدته قاعداً وحوله أصحابه فقال: «أدعُ القوم، فمن أجاب منهم فأقبل ومن أبى فلا تعجل عليه حتى يُحدَث إليّ» . فقال رجل من القوم يا رسول الله، ما سبأ أرض أو إمرأة؟ قال: «ليست بأرض ولا إمرأة، ولكن رجل ولد عشرة من العرب. فأما ستة فتيامنوا وأما أربعة فتشاءموا. فأما الذين تشاءموا: فلَخْم، وجُذام، وغسّان، وعمِلة، وأما الذين تيامنوا: فالأزْد، كِنْدة، وحِمْيَر، والأشعريون، والأنْمار، ومَذْحج» . فقال: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: «هم الذين منهم: خَثْعَم، وبَجِيلة» . كذا في كنز العمال.
وعند أحمد أيضاً وعبد بن حُمَيد عن فروة ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أقاتل بمُقبل قومي مُدبرهم؟ قال رسول الله ﷺ «نعم، فقاتلْ بمقبل قومك مدبرهم، فلما ولَّيت دعاني فقال: لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإِسلام» . فقلت: يا رسول الله، أرأيت بسبأ؟ أوادٍ هو أم جبل أو ما هو؟ قال: «لا، بل هو رجل من العرب وُلد له عشرة» - فذكر الحديث. وهذا إِسناد حسن وإن كان فيه أبو حباب الكلبي وقد تكلَّموا فيه،
стр. 102
لكن رواه ابن جرير عن أبي كريب عن العبقري عن أسباط - ابن نصر عن يحيى بن هانيء المرادي عن عمه أو عن أبيه - شك أسبط - قال: قدم فروة بن مُسَيك على رسول الله ﷺ فذكره؛ كذا في التفسير لابن كثير.
أمره ﵇ خالد بن سعيد بالدعوة حين بعثه إلى اليمن
وأخرج الطبراني عن خالد بن سعيد ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال: «من لقيت من العرب فسمعت فيهم الأذن فلا تعرِض لهم، ومن لم تسمع فيهم الأذان فادعهُم إلى الإِسلام» . قال الهيثمي وفيه: يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني وهو ضعيف.
ردَّه ﵇ الذين سبُوا في القتال بغير الدعوة إلى مأمنهم
وأخرج البيهقي عن أُبي بن كعب ﵁ قال: أَتِيَ رسول الله ﷺ بأسارى من اللات والعزَّى، قال: فقال رسول الله ﷺ «هل دعوتموهم إلى الإِسلام؟» فقالوا: لا. فقال لهم: هل دعوكم إلى الإِسلام؟» فقالوا: لا. قال: «خلُّوا سبيلهم حتى يبلغوا مأمنهم» ثم قرأ رسول الله ﷺ هاتين الآيتين:
стр. 103
﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ اللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً﴾ (الأحزاب: ٤٦/ ٤٧) . ﴿قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَاذَا الْقُرْءانُ لاِنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءالِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ اله واحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ١٩) إلى آخر الآية. قال البيهقي: رَوْح بن مسافر ضعيف. وعند الحارث من طريق الواقدي كما في الكنز، قال: بعث النبي ﷺ إلى اللات والعزَّى بَعْثاً، فأغاروا على حيَ من العرب فسبَوا مقاتلتهم وذريتهم، فقالوا يا رسول الله أغاروا علينا بغير دُعَاء، فسأل النبي ﷺ أهل السَّرِيَة فصدَّقوهم. قال النبي ﷺ «ردّوهم إلى مأمنهم ثم ادعوهم» .
إرساله ﷺ الأفراد للدعوة إلى الله وإلى رسوله بعثه ﵇ مصعباً إلى المدينة
أخرج أبو نعيم في الحلية عن عُروة بن الزبير ﵄: أنَّ الأنصار لما سمعوا من رسول الله ﷺ قوله، وأيقنوا واطمأنَّت أنفسهم إلى دعوته، فصدَّقوه وآمنوا به - كانوا من أسباب الخير، وواعدوه الموسم من العام القابل فرجعوا إلى قومهم - بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن أبعث إلينا رجلاً من قِبَلِك فيدعو الناس إلى كتاب الله فإنه أدنى أن يُتبع. فبعث إليهم رسول الله ﷺ مُصْعَب بن عُمير ﵁ أخا بني عبد الدار، فنزل في بني غَنْم على أسعد بن زُرارة يحدِّثهم ويقصُّ عليهم القرآن. فلم يزل مصعب عند سعد بن معاذ يدعو ويهدي الله على يديه حتى قلّ دار مندور الأنصار إلا أسلم فيه ناس ولا محالة، وأسلم أشرافهم، وأسلم عمرو بن الجَموح، وكُسرت أصنامهم، ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله ﷺ وكان يُدعى المُقرىء.
стр. 104
وأخرجه الطبراني عن عروة ﵁ طوَّلاً، فذكر عرضه ﷺ الدعوة على الأنصار كما سيأتي في ابتداء أمر الأنصار ﵃ وفيه: فرجعوا إلى قومهم فدعَوْهم سرّاً، وأخبروهم برسول الله ﷺ والذي بعثه الله به (ودعا عليه بالقرآن) حتى قلّ دار من دور الأنصار إِلا أسلم فيها ناس لا محالة. ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن أبعث إِلينا رجلاً من قِبَلك، فيدعو الناس بكتاب الله، فإنَّه أدنى أن يُتبع. فبعث إليهم رسول الله ﷺ مُصْعب بن عمر أخا بني عبد الدار. فنزل في بني غَنْم على أسعد بن زرارة، فجعل يدعو الناس، ويفشو الإِسلام، ويكثر أهله، وهم في ذلك مستخْفون، بدعائهم. ثم ذكر دعوة مصعب لسعد بن معاذ وإسلامه وإسلام بني عبد الأشهل كما سيأتي في دعوة مصعب. ثم قال: ثم إِنَّ بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير واشتدوا على أسعد بن زرارة، فانتقل مصعب بن عمير إلى سعد بن معاذ، فلم يزل يدعو ويهدي (الله) على يديه حتى قلّ دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة، وأسلم أشرافهم، وأسلم عمرو بن الجموح، وكُسرت أصنامهم. فكان المسلمون أعزَّ أهلها، وصلح أمرهم. ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله ﷺ وكان يُدعى المُقرىء. قال الهيثمي وفيه: ابن لَهيعة وفيه ضعف، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات. انتهى.
وهكذا أخرجه أبو نُعيم في الدلائل (ص ١٠٨) بطوله، وقد أخرجه أبو نُعيم في
стр. 105
الحلية عن الزُّهري بمعنى حديث عروة عنده مختصراً، وفي حديثه: أنهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ مُعاذ بن عَفْراء ورافع بن مالك أنِ أبعث إلينا رجلاً من قِبَلكَ فليدُع الناس بكتاب الله، فإنه قَمِنَّ - أي حقيق - أن يُتبع. فبعث إليهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير ﵁ فذكر مثله.
بعثه ﵇ أبا أمامة إلى قومه باهلة
أَخرج الطبراني عن أبي أمامة ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله ، وأعرض عليهم شرائع الإِسلام، فأتيتهم وقد سقَوا إبلهم وحلبوها وشربوا، فلما رأوني قالوا: مرحباً بالصُّدَيّ ابن عَجْلان. قالوا: بلغنا أنك صبوت إلى هذا الرجل. قلت: لا، ولكن آمنت بالله ورسوله، وبعثني رسول الله ﷺ إليكم أعرض عليكم الإِسلام وشرائعه. فبينا نحن كذلك إذ جاؤوا بقصعتهم فوضعوها واجتمعوا حولها فأكلوا بها. قالوا: هَلُم يا صُديّ، قلت ويحكم إنما أتيتكم من عند من يُحرِّم هذا عليكم إلا ما ذكَّيتُم كما أنزل الله. قالوا: وما قال؟ قلت: نزلت هذه الآية: «حُرِّمت عليكم الميتةُ والدَّمُ ولحمُ الخنزير - إلى قوله - وأن تستقسموا بالأزلام» ، فجعلت أدعوهم إلى الإِسلام ويأبَون. قلت لهم: ويحكم، إيتوني بشَرْبة من ماء فإنِّي شديد العطش، قال: وعليَّ عِمامةٌ. قالوا: لا. ولكن ندعك تموت عطشاً. قال: فاعتممت وضربت برأسي في العمامة ونمت في الرمضاء في حرَ شديد، فأتاني آتٍ في منامي بقدح زجاج لم يَرَ الناس أحسن منه، وفيه شراب لم يَرَ الناس آلف منه، فأمكنني منها فشربتها، فحيث فرغت من شرابي إستيقظت، ولا والله ما عطشت لا عرفت عطشاً بعد تيك الشربة. قال
стр. 106
الهيثمي وفيه: بشير بن شريح وهو ضعيف - اهـ. وأخرجه ابن عساكر أيضاً بطوله مثله كما في كنز العمال. وأخرجه أبو يعلى مختصراً وزاد في آخره: ثم قال لهم رجل منهم: أتاكم رجل من سَرَاة قومكم فلم تتحفوه؟ فأتَوني بلبن. فقلت: لا حاجة لي به، وأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم. ورواه البيهقي في الدلائل وزاد فيه: أنه أرسله إلى قومه باهلة، كذا في الإِصابة. وأخرجه الطبراني بإسنادين؛ وإسناد الأولى حسن، فيها: أبو غالب وقد وُثِّق - انتهى. وأخرجه الحاكم في المستدرك. وقال الذهبي: وصدقة ضعِّفه ابن
مَعِين.
بعثه ﵇ رجلاً إلى بني سعد
وأخرج ابن أبي عاصم عن الأحنف بن قيس ﵁ قال: بينما أنا أطوف بالبيت في زمن عثمان ﵁ إِذ أخذ رجل من بني ليث بيدي، فقال: أَلا أُبشِّرك؟ قلت: بلى.
قال: أتذكر إذ بعثني رسول الله ﷺ إلى قومك
стр. 107
فجعلت أعرض عليهم الإِسلام وأدعوهم إليه فقلتَ أنت: إنك لتدعونا إلى خير وتأمر به، وإنه ليدعو إِلى الخير؟ فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «اللهم إغفر للأحنف» . فكان الأحنف يقول: فما شيء من عملي أرْجَى عندي من ذلك - يعني دعوة النبي ﷺ تفرَّد به علي بن زيد وفيه ضعف، كذا في الإِصابة. وأخرجه الحاكم في المستدرك بنحوه.
وأخرجه أيضاً أحمد والطبراني وفي حديثهما: إذ بعثني رسول الله ﷺ إلى قومك من بني سعد أدعوهم إلى الإِسلام فقلتَ: والله، ما قال إلا خيراً. - أو لا أسمع إلا حسناً - فإني رجعت وأخبرت النبي ﷺ مقالتك، فقال: «اللَّهم أغفر للأحنف. قال: فما أنا لشيء أرْجَى مني لها. قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير علي بن زيد وهو حسن الحديث.
بعثه ﵇ رجلاً إلى رجل من عظاء الجاهلية
وأخرج أبو يَعْلَى عن أنس ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ رجلاً من أصحابه إلى رجل من عظماء الجاهلية يدعوه إلى الله ﵎، فقال: إيش ربُّك الذي تدعوني؟ من حديد هو؟ من نحاس هو؟ من فضّة هو؟ من ذهب هو؟ فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأرسله إليه الثالثة، فقال مثل ذلك.
стр. 108
فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ ﴿إن الله ﵎ قد أنزل على صاحبك صاعقة فأحرقته﴾ فنزلت هذه الآية: ﴿وَيُسَبّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلْائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِى اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (الرعد: ١٣) . قال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزَّار بنحوه إلا أنه قال: إلى رجل من فراعنه العرب، وقال الصحابي فيه: يا رسول الله، إِنَّه أعتَى من ذلك. وقال: فرجع إليه الثالث. قال: فأعاد عليه ذلك الكلام. فبينا هو يكلمه إذ بعث الله سحابةً حِيَالَ رأسه، فرعدت، فوقعت منها صاعقة فذهبت بقِحف رأسه. وبنحو هذا رواه الطبراني في الأوسط، وقال: فرعدت وأبرقت. ورجال البزَّار رجال الصحيح، غير ديلم بن غزوان وهو ثقة. وفي رجال أبي يَعْلَى والطبراني: علي بن أبي شارة، وهو ضعيف - انتهى. وقد تقدّم حديث خالد بن سعيد ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال: من لقيت من العرب فسمعت فيهم الأذان فلا تعرِض لهم، ومن لم تسمع فيهم الأذان فادعهُم إلى الإِسلام -. في الدعوة إلى الله تعالى في القتال (ص ١١٥) ، وسيأتي بَعْثُه ﷺ عمرو بن مرّة الجُهَني إلى قومه.
стр. 109
إرساله ﷺ السرايا للدعوة إلى الله تعالى بعثه ﵇ عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل للدعوة
أخرج الدارقطني عن ابن عمر ﵄ قال: دعا النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف ﵁، فقال: «تجهَّز فإنِّي باعثك في سريّة» - فذكر الحديث، وفيه: فخرج عبد الرحمن حتى لحق بأصحابه فسار حتى قدم دومة الجندل. فلما دخلها دعاهم إلى الإِسلام ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصْبَغ بن عمرو الكلبي ﵁ وكان نصرانياً وكان رأسَهم. فكتب عبد الرحمن - مع رجل من جهينة، يقال له: رافع بن مَكِيث - إلى النبي ﷺ يخبره، فكتب إليه النبي ﷺ أن تزوَّج ابنة الأصبغ، فتزوَّجها؛ وهي تُماضِر التي ولدت له بعد ذلك أبا سَلمَة بن عبد الرحمن. كذا في الإِصابة.
بعثه ﵇ عمرو بن العاص إلى بَلِيّ يستنفرهم إلى الإِسلام
وأخرج ابن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن التميمي ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الإِسلام، وذلك أن أُم العاص بن وائل كانت من بني بَلِيَّ، فبعثه رسول الله ﷺ إليهم يتألّفهم بذلك، حتى إِذا كان على ماء بأرض جُذام يقال له السلاسل - وبه سُمِّيت تلك الغزوة ذات السلاسل - قال: فلمَّا كان عليه وخاف؛ بعث إلى رسول الله ﷺ يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر، وعمر ﵄ فذكر الحديث كما سيأتي في باب الإِمارة. كذا في البداية.
стр. 110
بعثه ﵇ خالد بن الوليد إلى اليمن
وأخرج البيهقي عن البَرَاء ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإِسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالدِ بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإِسلام فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله ﷺ بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالداً إِلا رجلاً كان ممَّن مع خالد فأحب أن يَعِقِب مع علي فليَعقبْ معه. قال البراء: فكنت فيمن عَقَب مع علي. فلما دَنوْنا من القوم خرجوا إِلينا، ثم تقدَّم فصلَّى بنا علي، ثم صفَّنا صفاً واحداً ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همْدان جميعاً، فكتب علي إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم. فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرّ ساجداً ثم رفع رأسه فقال: «السلام على هَمْدان. السلام على هَمْدان» . ورواه البخاري مختصراً. كذا في البداية.
بعثه ﵇ خالد بن الوليد إلى نجران
وذكر ابن إسحاق: أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد ﵁ إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوَهم إلى الإِسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثاً، فإن استجابوا فأقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالدٌ حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإِسلام ويقولون: «أيها الناس، أسلموا تسلموا» فأسلم الناس؛ ودخلوا فيما دُعُوا إِليه. فأقام فيهم خالد يعلمهم الإِسلام كتابَ الله وسنّة نبيه ﷺ كما أمره رسول الله ﷺ إن هم أسلموا ولم يقاتلوا. ثم كتب خالد بن الوليد ﵁ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
следующие страницы →