ـ وهذا في الحقيقة يورث الوسوسة ويورث سلس البول، وكما قال شيخ الإسلام ﵀ (بل يترك بطبيعته ويخرج بطبيعته ويقف بطبيعته، قال: وكما قيل هو كالضرع إن حلبته درّ وإن تركته قر) فرحمه الله وهذا هو الذي يقتضيه النظر الصحيح.
ـ فإن قيل: فما رواه أحمد وغيره أن النبي ﷺ قال: (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثاً) فنقول: هذا الحديث فيه علتان:
الأولى: أن روايه عن النبي ﷺ هو يزداد اليماني ولا تصح له صحبه، فالحديث مرسل.
الثانية: أن فيه زَمْعة بن صالح، وهو ضعيف، فالحديث لا يثبت عن النبي ﷺ .
إذن: عندهم أنه يمسح بذكره ثلاثاً وينتر من الداخل ثلاثاً، والحديث الوارد في ذلك ضعيف وما ذكره من الأوصاف كل ذلك لا أصل له، بل يورث الوسوسة وغيرها من الأمراض.
ـ فإن كان أصيب بشيء من الوسوسة وغيرها فيستحب له أن ينضح على ثوبه شيء من الماء.
ـ ويستحب له مطلقاً ـ أي سواء كان فيه وسوسة أم لا ـ أن ينضح على ذكره بعد بوله ماءً، فقد صح عن النبي ﷺ كما في أبي داود بإسناد صحيح أن النبي ﷺ (بال ثم نضح على ذكره) .
وأما الثوب: فلكي يدفع بذلك الوسوسة، وقد قال الموفق: (يستحب له أن ينضح على ذكره وعلى ثيابه ليرفع عن نفسه الوسوسة) .
* قوله: ((وتحوله من موضعه ليستنجي في غيره إن خاف تلوثاً)) :
يستحب له أن يتحول من موضعه الذي قضى منه حاجته إلى مكان غيره ليستنجي فيه.
فإذا أراد أن يستنجي ويزيل الخبث فعليه أن ينتقل إلى موضع آخر لئلا يتنجس بهذه النجاسة أو يقع شيء من الماء على النجاسة فيصيبه شيء من رشاش الماء المختلط بالنجاسة.
ـ وقد روى أهل السنن الأربعة أن النبي ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ـ أي مغتسله ـ ثم يغتسل فيه) وفي رواية: (فإن عامة الوسواس من ذلك) .
فإن ذان يورث الوسواس.
стр. 107
وكذلك هنا: فإنه إذا قضى حاجته انتقل للوضوء أو الغسل إلى موضع آخر لئلا بصيبه شيء من رشاش نجاسته.
ـ واعلم أن مما يستحب له أن يغطي رأسه وهي سنة بكرية ثابتة عن أبي بكر ﵁.
وروى ذلك البيهقي عن النبي ﷺ : (أنه كان إذا جامع أهله غطى رأسه وإذا دخل الخلاء غطى رأسه) .
واستنكره البيهقي، وهو كما قال. لكن قال: "وروى عن أبي بكر وهو صحيح عنه) وهو ثابت عن أبي بكر ﵁ أي من كونه مغطي رأسه عند قضاء الحاجة، وقد نص على استحبابه الموفق والنووي رحمهما الله.
فهذه من المستحبات والآداب التي يستحب للمسلم أن يتأدب بها.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثاني عشر.
* قال المصنف ﵀: ((ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا لحاجة)) :
يكره لقاضي الحاجة أن يدخل إلى موضع الحاجة بشيء من الأوراق أو شيء من الخواتيم أو بشيء من الدراهم أو الدنانير مما فيه ذكر الله تعالى ـ أي فيه ذكر اسمه .
قال: ((إلا لحاجة)) : لأن الحاجة تزيل الكراهية.
وأولى من ذلك أن يدخل بشيء فيه ذكر الله تعالى أصلاً كأن يدخل بأوراق فيها ـ إذا كان نحو ـ (سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر) أو شيء من كتب العلم.
وأولى من ذلك أن يكون دخوله إلى الخلاء بمصحف، بل قال صاحب الأنصاف من الحنابلة: " لا شك في تحريمه ـ أي الدخول بالمصحف إلى الخلاء ـ ولا يتوقف فيه عاقل ".
وتقييده بالحاجة فيه نظر، فإن ظاهره أنه لو أن هناك رجلاً غنياً ومعه مصحف ويخشى عليه السرقة فإنه يجوز له أن يدخل المصحف معه في بيت الخلاء مع أنه يمكنه أن يشتري غيره ـ للحاجة الثابتة هنا، فليس هنا ضرورة وإنما حاجة، فظاهر قوله أن ذلك جائز.
وفيه نظر، فالأظهر أنه لا يجوز ذلك مطلقاً إكراماً للقرآن وإبعاداً له عن مواضع القاذورات.
стр. 108
ـ أما إذا كانت أوراق فيها ذكر الله أصلاً، كأن تكون أوراق فيها الأذكار الصباحية والمسائية نحو ذلك من ذكر الله فيكره دخوله بها.
ويدل على ذلك ـ وسيأتي من الإستدلال على كراهيته أن يتلفظ في الخلاء بشيء من ذكر الله ـ وأولى منه ما كان مكتوباً لثبوته ولزوقه، فإن ما كان مكتوباً ثابت مستقر بخلاف التلفظ بذكر الله فإنه غالباً ما ينقطع.
ومما يدل على أن المكتوب أولى بالكراهية من المنطوق أن الشارع نهى المحدث حدثاً أصغر أو أكبر أن يمس المصحف ولم ينهه عن تلاوته بلسانه، وقد اتفق العلماء على هاتين المسألتين كليهما.
فكونه يكره أن يتلفظ بشيء من ذكر الله أولى منه أن يكون حاملا لشيء فيه ذكر الله.
ـ أما ما ذكره المؤلف فمراده: أن يدخل إلى الخلاء ومعه شيء فيه ذكر اسم الله كأن يدخل بورقة فيها إسم (عبد الله) أو نحو ذلك، من الأوراق التي ليس فيها أذكار وإنما تضمنت إسم الله .
فإن المذهب كراهية ذلك.
واستدلوا: بما رواه أهل السنن الأربعة من حديث همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ : (كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه) .
وفي المتفق عليه من حديث أنس بن مالك: (أن نقش خاتمه ﷺ ، محمد رسول الله) . لكن الحديث ـ أي حديث همام ـ ضعيف، فقد تفرد به هكذا همام، وفي حفظه شيء من الضعف.
وقد رواه الثقات عن الزهري عن زياد بن سعيد عن أنس ابن مالك أن النبي ﷺ (اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه) لذلك أعله أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم.
ـ وصححه الترمذي واستغربه، فلعل استغرابه لهذه العلة المتقدمة، وصححه المنذري وابن دقيق العيد.
والصواب تضعيفه للعلة المتقدمة، لذلك ضعفه ابن القيم في تهذيب السنن. فالحديث معلول.
стр. 109
فالثقات لم يأتوا لهذه اللفظة التي ذكرها همام، وإنما ذكروا أن النبي ﷺ إتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه، وليس في شيء من روايات حديث أنس، مطلقاً، أن النبي ﷺ كان يضعه إذا دخل الخلاء، هذا هو دليل الحنابلة على الكراهية.
ـ وهناك رواية عن الإمام أحمد: أن ذلك لا يكره، وهو الراجح.
ودليله: ما ثبت لنا عن النبي ﷺ (أنه كان له خاتم ونقشه محمد رسول الله) ، ولم يثبت لنا في حديث صحيح مطلقاً أنه كان يضعه إذا دخل الخلاء، ولو كان ثابتاً لنقل ذلك فعلى ذلك لا كراهية في ذلك.
ـ ومثل ذلك الدراهم التي فيها ذكر اسم من أسماء البشر فيها ذكر الله.
ـ أما إذا كان فيه لفظه: (لا إله إلا الله) فإنه يدخل في الباب المتقدم.
وعن الإمام أحمد، في كراهية الدراهم التي فيها ذكر الله، عنه قولان:
الكراهية، وعدمها.
والأظهر: الكراهية، إذا كانت فيها لفظة: (لا إله إلا الله) و (سبحان الله) ونحو ذلك من الألفاظ التي هي ذكر الله .
ـ أما إذا كان فيها لفظة: (عبد الله) ونحو ذلك؛ فإنه لا يكره لمجرد هذا اللفظ الذي لا يقصد منه ذكر الله، فليس المقصود منه إلا التسمية لهذا الشخص.
ـ ومع ذلك فإن الحاجة في الدخول بالدراهم إلى بيوت الخلاء ترفع كراهية ذلك.
فإذن: ـ أما المصحف فيحرم أن يدخل به.
ـ وأما الأوراق التي فيها ذكر الله ويكون الذكر فيها مقصوداً فإنه يكون مكروها.
ـ وأما إذا كان ذكر الله قد أتى عرضا ولم يكن مقصوداً بالذكر فإنه لا حرج في ذلك.
* قوله: ((ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض)) :
يكره له أن يرفع ثوبه قبل دنوه من الأرض هذا إذا أراد أن يبول قاعداً، والدليل على ذلك:
ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ (كان إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) رواه أبو داود، والترمذي من حديث الأعمش عن رجل عن ابن عمر، وهذا الرجل مبهم.
стр. 110
وفي البيهقي أنه القاسم بن محمد، فعلى ذلك الحديث صحيح.
ـ وهذا متفق عليه أي استحباب ذلك؛ لأن كشف العورة مكروه فقد قال ﷺ : (إحفظ عورتك إلا من زوجك وما ملكت يمينك) ، فقيل يا رسول الله: (أرأيت الرجل يكون في الخلاء فقال النبي ﷺ : (الله أحق أن يستحي منه) .
أما ما رواه الترمذي أن النبي ﷺ ، قال: (إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وعندما يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم) فإن الحديث فيه ليث بن أبي سُليم وهو ضعيف فالحديث ضعيف.
ما تقدم من كراهية رفع الثوب حتى يدنو من الأرض، هذا إذا كان يبول قاعداً.
مسألة: حكم البول قائماً:
ثبت في الصحيحين عن حذيفة أن النبي ﷺ (أتى سُباطة ـ أي زبالة ـ قوم فبالَ قائماً) .
وثبت في سنن النسائي من حديث عبد الرحمن بن حسنة أن النبي ﷺ : (بال قاعداً فقال بعض القوم انظروا يبول كما تبول النساء) ، ولعل القائلين كفار أو لعلهم مسلمين لم يذكروه على سبيل السخرية بل أرادوا الأخبار.
فهذه الأحاديث تدل على جواز ذلك.
ـ وقال بعض أهل العلم أن النبي ﷺ بال قائماً لجرحٍ كان في مأبضه ـ أي باطن ركبته ـ، وقد روى ذلك الحاكم أن النبي ﷺ : (بال قائماً لجرحٍ كان في مأبضه) لكن إسناده ضعيف.
فعلى ذلك لا بأس به ولا حرج ولا كراهية في ذلك.
ـ فإن قيل: قد ثبت عن عائشة ـ كما روى ذلك الترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم ـ أنها قالت: (من حدثكم أن رسول الله ﷺ كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) .
فالجواب: أنها حدثت بما علمت ورأت، وأخبر حذيفة بما رأى وعلم.
ومن حديث عائشة يُستفاد أن الأغلب في حاله أنه كان يبول قاعداً، لذا استنكرت ذلك أم المؤمنين عائشة وكانت من أعلم الناس بحاله ﷺ .
стр. 111
ـ فإن قيل: قد روى ابن ماجة أن النبي ﷺ قال لعمر: (يا عمر لا تبل قائماً) (١) ، وقد روى ابن ماجة من حديث جابر (أن النبي ﷺ نهى أن يبول الرجل قائماً) .
فالجواب: هذان حديثان ضعيفان لا يثبتان عن النبي ﷺ وقد قال ابن القيم: (لم يثبت عن النبي ﷺ حديث) أي في النهي عن ذلك.
وهذا هو المذهب أي عدم كراهية ذلك، إلا إذا خاف تلوثاً أو خاف ناظراً فإنه يكره لذلك.
ـ كما أنه يُستدل على جواز البول قائماً بالأصل؛ فإن الأصل في الأشياء الإباحة فالأصل في العادات الإباحة ما لم يأت دليل على التحريم أو الكراهية.
* قوله: ((وكلامه فيه)) :
أي يكره أن يتكلم في الخلاء، والكلام: منه ما يكون كلاماً فيه ذكر الله ومنه ما ليسن كذلك.
ـ أما إذا كان الكلام ذكراً لله فإنه مكروه كما ذكره المؤلف يدل على ذلك ما ثبت في مسلم من حديث ابن عمر: (أن رجلاً سلم على النبي ﷺ وهو يبول فلم يردّ عليه) ، وفي ابن ماجة بإسناد ضعيف: (فتيمم ثم ردّ عليه) (٢) .
وقد ثبت في سنن أبي داود وغيره بإسناد صحيح من حديث المهاجر ابن قُنفُذة ﵁ (أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يردّ عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه وقال: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) (٣) .
فهذه الأحاديث تدل على كراهية ذكر الله، والسلام من ذكر الله.
فإذن: يكره أن يذكر الله ومن ذلك السلام، فإن الله هو السلام ومنه السلام.
ـ فإن قيل: فإذا عطس أو سمع الأذان فماذا يفعل؟؟
فالجواب: أن في ذلك قولين لأهل العلم ـ هما روايتان عن الإمام أحمد.
١ـ القول الأول: أنه يذكر الله في قلبه وهو ضعيف، فإن الذكر القلبي فاقد للذكر اللساني، وإنما يحمد العاطس الله، ويجيب المؤذن بلسانه والقلب وهذا لم يذكر الله بلسانه.
стр. 112
٢ـ القول الثاني: أنه يذكر الله مخافته، كقراءته في الصلاة، بمعنى: يذكر الله بقلبه وبلسانه لكنه لا يرفع صوته بالذكر.
وهذا هو إختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا قول قوي.
ـ وأقوى منه أن يقال: له أن يذكر الله بعد خروجه من الخلاء، فإذا خرج حمد الله وأجاب المؤذن ويدل عليه حديث أبي داود المتقدم فإنه: أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه) (١) .
إذن: ردّ عليه النبي ﵇ بعد أن توضأ، فدل ذلك على أن النبي ﷺ لم يجبه لا في قلبه ولا مخافتة، وإنما أجابه بعد ذلك.
فكذلك إجابة المؤذن وحمد العاطس الله مثل رد السلام: بل ردّ السلام أعظم من ذلك فإنه واجب بخلاف حمد العاطس الله، وإجابة المؤذن فإنهما سنتان، فهذا القول هو الظاهر.
ـ أما الكلام بشيء آخر غير ذكر الله فلا يثبت حديث عن النبي ﷺ ينهي عنه.
وأما ما روى أبو داود من حديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير إلى أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك) (٢) .
فالحديث رواه عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير موصولاً ورواه الأوزاعي وغيره عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً، وهو الراجح كما قال ذلك أبو حاتم.
ورواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير فيها ضعف.
وقد رواه مرسلاً بغير ذكر الصحابي، فعلى ذلك الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي ﷺ .
وفيه ذكر كشف العورة وهي محرمة، فالحديث لا يدل على كراهية الحديث أبداً.
ولكن مع ذلك فإنه غير لائق من غير أن يكون ذلك مكروها في الشريعة.
أما إذا احتاج إليه فلا شك أنه لا يكون فيه كراهية.
إذن: مجرد الكلام الذي ليس فيه ذكر الله لا حرج فيه مطلقاً إلا أن تركه أولى مروءة لا شرعاً.
стр. 113
ولكن مع ذلك لا يكره ـ وإذا احتاج إليه فيزول المنع منه مطلقاً.
* قوله: ((وبوله في شق ونحوه)) :
الشق: هو المستدير.
وقوله: (ونحوه) : كأن يكون ذلك من سرب وهو ما يكون منه الدواب وهو المستطيل.
وذكر بعض أهل التاريخ أن سعد بن عبادة بال في جحر فخرّ ميتاً فسمعوا قائلاً يقول:
نحن قتلنا سيد ال ... خزرج سعد بن عبادة
رميناه بسهمين ... فلم يخطىء فؤاده
وهؤلاء ـ على هذه الرواية ـ الجِنّ.
لكن هذه الرواية ضعيفة لا تصح.
ـ مستنده من كره ذلك، حديث رواه أبو داود والنسائي وأحمد بإسناد صحيح ـ كما قال ذلك النووي من حديث قتادة عن عبد الله بن سَرْجِس أن النبيّ ﷺ : (نهى أن يبول الرجل في الجحر) (١) فقيل لعبادة: ما يكره من البول في الجحر، فقال: أنها مساكن الجن.
وقد ذكر حرب عن أحمد أن قتادة لم يسمع من عبد الله بن سرجس، فعلى ذلك يكون الحديث منقطع الإسناد.
وقد أثبت سماع قتادة من عبد الله بن سرجس، علي ابن المديني، ومن علم حجة على من لم يعلم.
فعلى ذلك قد ثبت سماعه كما ذكر ذلك ابن المديني وإنكار الإمام أحمد لذلك، يكون بناءاً على علمه وقد صححه ابن خزيمة وابن السكن، فالحديث إسناده صحيح.
وكراهية ذلك متفق عليها عند أهل العلم ـ كما حكى ذلك النووي.
* قوله: ((وَمَسّ فرجه بيمينه)) :
هذا كذلك من المكروهات باتفاق العلماء، يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لا يمسَّنَّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسَّح من الخَلاء بيمينه ولا يتنفَّس في الإناء) (٢) .
والشاهد قوله: (لا يمسَّن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول) .
ـ لكن المؤلف هنا قد أطلق فذكر أنه يكره أن يمس فرجه بيمينه، فظاهره أنه يكره له ذلك مطلقاً سواء كان في حال بوله أو بعدها أو قبلها، وإلى ذلك ذهب بعض أهل العلم.
стр. 114
قالوا: إذا كان النبي ﷺ قد نهى عن مس الذكر في حال البول مع كونه يحتاج إلى ذلك، فأولى من ذلك إذا كان بعد البول مع عدم الحاجة.
ـ والأظهر أن يقال: إنما يكره ذلك ـ أي مس الفرج باليمين ـ عند البول فقط للتقييد الذي تقدم.
ـ وقد ذكر شارح "المقنع" (إبن مفلح) ذكر أن هذا هو ظاهر الحديث، وحكى عن بعض أهل العلم أن صاحب "المقنع" إنما ترك ذلك ـ أي إنما ترك التقييد بقوله (وهو يبول) ، إنما ترك ذلك لوضوحه ـ وهكذا يقال في مختصره مؤلف الكتاب فإنه ترك ذلك لوضوحه.
ـ والذي يدل على صحة ذلك أن النبي ﷺ قال: (إنما هو بضعة منك) (١) ، كما في حديث طلق بن علي وهو حديث حسن.
فعلى ذلك مس الذكر باليمين لا كراهية فيه إلا إذا كان في حال البول.
ـ وذهب الظاهرية إلى تحريمه، وجمهور الفقهاء على كراهيته.
إذن: يكره له أن يمس ذكره بيمينه وهو يبول، أما إن لم يكن في حال البول فإنه لا حرج في ذلك لقول النبي ﷺ : (إنما هو بضعة منك) .
* قوله: ((واستجازه واستجماره بها)) : أي باليمين.
فيكره له أن يستنجى أو يستجمر بيمينه، ويدل عليه الحديث المتقدم من حديث أبي قتادة: (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) وبذلك قال جمهور الفقهاء، فكرهوا أن يستنجى بيمينه.
فإذن: يكره أن يمس ذكره بيمينه وهو يبول، وكذلك يكره أن يستنجى بيمينه.
ـ وفي قوله: (ومس فرجه) عموم، فيدخل فيه القبل والدبر فكل ذلك مكروه.
* قوله: ((واستقبال النيرين)) :
وهما الشمس والقمر ـ أي يكره إستقبال الشمس أو القمر عند قضاء الحاجة.
والدليل على ذلك:
قالوا: أن فيهما نور الله الذي يستضيء به الخلق.
فنقول: لازمه أيضاً أن ينهى كذلك عن استقبال النجوم، فحينئذ: لا يجوز له أن يقضي حاجته إلا في بين خلاء، أو ما هو أضيق من ذلك في الليل، لكونها فيها نور الله الذي تستهدي به العباد، وهي علة ضعيفة.
стр. 115
ـ وقالوا: فيها أسماء الله مكتوبة عليها.
والجواب: أنه لا دليل على ذلك، كيف والنبي ﷺ قال لأهل المدينة: (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) (١) قال ابن القيم: (ليس لهذه المسألة أصل) .
أما ما رواه الحكيم الترمذي أن النبي ﷺ : (نهى عن ذلك) فقال فيه النووي: باطل لا أصل له، وهو كما قال، فلا يثبت عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثالث عشر: الثلاثاء ٢٤/١٠/١٤١٤هـ.
قال المؤلف ﵀: ((ويحرم إستقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان)) :
يحرم على المسلم أن يستقبل القبلة أو يستدبرها بغائط أو بول ويستثنى من ذلك: البنيان، فإذا كان في كنيف أو مرحاض أو نحو ذلك من البيوت المبنية فإنه لا يحرم ذلك هذا هو مذهب جمهور الفقهاء.
واستدلوا ـ أولاً ـ على تحريم استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط والبول ـ بحديث أبي أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا)) .
وبما ثبت في مسلم عن سلمان الفارسي قال: (نهانا النبي ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) (٢) ونحوه من حديث أبي هريرة في مسلم.
فهذه الأحاديث تدل على تحريم إستقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول.
ـ أما استثناء البنيان: فدليله ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: (رقيت على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ على حاجته يبول مستقبل الشام مستدبر الكعبة) (٣) .
стр. 116
وقد كان في بنيان، كما في رواية ابن خزيمة (محجوباً بلبن) (١) وروى الحكيم الترمذي وقال الحافظ إسناده صحيح: أنه كان في كنيف، وهذا هو المعهود عن النبي ﷺ بإنه كان يستتر غاية الإستتار، فكان ما وقع من رواية ابن عمر كان ذلك في بنيان.
ـ وقد ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد جيد، وهو من حديث محمد بن إسحاق وهو مدلس لكنه صرح بالتحديث في بعض روايات هذا الحديث، عن جابر قال: (نهانا النبي ﷺ أن نستقبل القبلة أو نستدبرها بفروجنا إذا نحن أهرقنا الماء ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة) (٢) ، والحديث اسناده جيد، وقد حسنه الترمذي، وصححه البخاري وابن خزيمة والحاكم وابن السكن فالحديث حسن وهو حجة.
قالوا: فهذان الحديثان يدلان على أن النبي ﷺ قد قضى حاجته مستقبل القبلة ومستدبرها وذلك إنما كان في البنيان.
ـ وقد روى مروان بن الأصفر عن ابن عمر: (أنه أناخ راحلته قِبَل الكعبة فجعل يبول، فقيل له: أليس قد نُهِيَ عن ذلك؟ فقال: إنما نهي عن ذلك إذا كنت في فضاء أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء فلا بأس) (٣) رواه أبو داود.
فهذه أدلة الجمهور في أن قضاء الحاجة قِبَل القبلة أو استدبارها محرم في غير البنيان أي في الفضاء، أما في البنيان أو إذا كان بينه وبين القبلة شيء ساتر كراحلة أو مركبة، فإنه لا حرج في ذلك ولا بأس، وهذا هو إختيار الإمام البخاري كما في صحيحه.
ـ وعن الإمام أحمد رواية أخرى ـ وذهب إليها بعض الفقهاء أن ذلك جائز مطلقاً في البنيان وغير البنيان.
ودليل ذلك حديث ابن عمر وأنه يدل على النسخ.
لكن هذا القول قول ضعيف؛ لأن القول بالنسخ صعب فلا يقال بالنسخ إلا مع عدم إمكان الجمع.
стр. 117
وقد تقدم كيف أن الجمهور قد جمعوا، وسيأتي كذلك موقف أهل القول الآخر من هذا الحديث فهذا القول هو أضعف الأقوال، وهو مروي عن الإمام أحمد وذهب إليه داود الظاهري.
ـ والقول الآخر: وهو كذلك رواية عن الإمام أحمد وذهب إليه بعض الفقهاء جواز استدبار الكعبة دون استقبالها.
وهؤلاء قد أخذوا بحديث ابن عمر في رؤيته النبي ﷺ وهو مستدبر الكعبة، ولم يأخذوا بحديث جابر لكونهم يضعفونه، ولكن تقدم تصحيح هذا الحديث.
ـ والقول الرابع: ذهب إليه أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد ذهبوا إلى أن ذلك محرم على الإطلاق ـ أي في البنيان وغيره ـ.
واستدلوا: بعمومات الأحاديث التي تقدم ذكرها كحديث أبي أيوب وأبي هريرة وسلمان ﵃، فهي أحاديث عامة في البنيان وغيره.
وهذا هو قول أبي أيوب الأنصاري، فقد قال بعد ما روى الحديث: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل الكعبة فننحرف ونستغفر الله) (١) .
فهذا هو مذهب أبي أيوب الأنصاري، فعلى ذلك مذهب ابن عمر مخالف لقول أبي أيوب.
ـ وما هو جوابهم على الأحاديث الفعلية المتقدمة؟؟
قالوا: أما فعل النبي ﷺ في رؤية ابن عمر له ورؤية جابر فإن هذا الفعل الذي فعله النبي ﷺ إنما يحكي حاله تلك فإن الفعل لا عموم له ولا صفة له وإنما هو حكاية حال فقط. لذا يحتمل فيه الخصوصية والنسيان وغير ذلك.
стр. 118
وإن كان على القول الصحيح أن احتمال الخصوصية هنا ضعيف؛ لأن الأصل عدمها وكذلك النسيان فإن الأصل عدمه، هذا في معارضة الفعل القول، فإنه: يجب الجمع بين أفعال النبي ﷺ وأقواله ـ هذا في الأصل ـ أما هنا ـ في هذه المسألة ـ فإن أفعال النبي ﷺ ـالتي تقدم ذكرها قد حدثت منه في غير محل التشريع وليست أفعالاً ظاهرة أمام أصحابه وإنما فعلها في محل لا يظن أنه يرى فيه، فهو ليس محل تشريع والنبي ﷺ يجوز عليه النسيان في غير الشريعة وكذلك يجوز عليه الخطأ في غير الشريعة.
فهو إنما يقضي حاجته مختفياً عن الناس حتى لا يراه أحد وكون هديه الصحابيين أطلعا عليه ﷺ فإن ذلك في غير محل التشريع، بخلاف الفعل الذي يكون ظاهراً، وقد قال تعالى: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)) (١) .
أما هذا الفعل فليس في محل التشريع لعدم ظهوره، ولما عرف من حاله من قضائه حاجته في غاية الإستتار والبعد عن الناس.
ـ ويدل على صحة هذا القول وأن هذه أفعال من النبي ﷺ في غير محل التشريع وأنها قد حدثت منه نسياناً، أن الفارق بين البنيان وغيره ـ في هذه المسألة ـ غير معتبر ذلك لأن النهي إنما هو لإكرام القبلة، ومعلوم أن الرجل عندما يقضي حاجته في فضاء، فإن بينه وبين القبلة جبالاً وأشجاراً وغيرها مما تكون حائلة بينه وبين القبلة، وكونه يقضي حاجته مستقبلاً القبلة في البنيان لا فرق ـ في الحقيقة ـ بين ذلك وبين قضائه في الفضاء الواسع، ولكن بينه وبين القبلة ولابد حوائل تمنع عيانه للكعبة.
стр. 119
ـ وقد قال النبي ﷺ كما روى ذلك أبو داود وابن خزيمة وصححه والحديث صحيح أن النبي ﷺ قال: (من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين عينيه) (١) ، فإذا كان هذا في التفل تجاه القبلة فأولى منه في الغائط والبول، ولم يفرق النبي ﷺ بين بنيان وغيره بل أطلق ذلك في هذا الحديث.
وفي حديث: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) (٢) .
فهذا القول هو القول الراجح، وهو إختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو قول ابن العربي من المالكية وأبي ثور من الشافعية وذهب إليه من الحنابلة أبو بكر ابن عبد العزيز وذهب إليه الشيخ محمد بن إبراهيم من المتأخرين وهذا هو القول الراجح فإن فعل النبي ﷺ المتقدم، فعل ليس في محل التشريع.
والتفريق بين البنيان وغيره غير منظور إليه هنا؛ لأن المقصود إنما هو إكرام القبلة والبول في البنيان يترتب عليه عدم إكرامها كترتبه في غير بنيان.
فإنه إذا قضى حاجته في الفضاء فإنه لابد أن يكون بينه وبين القبلة حوائل كثيرة من جبال ونحوها، فحينئذ لا فرق بين ذلك وبين البنيان.
ـ وفي قوله النبي ﷺ : (ولكن شرقوا أو غربوا) دليل لما ذهب إليه بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه لا يكفي الإنحراف اليسير خلافاً للمشهور عند الحنابلة من أنه يكفي الإنحراف اليسير.
والراجح عدم الإعتبار به، وأنه لابد وأن يشرق أو يغرب، فلا يكفي أن ينحرف يسيراً.
ويقاس كذلك على الصلاة فإن الرجل إذا انحرف عن القبلة شيئاً يسيراً فذلك لا يبطل صلاته، أما إذا كان كثيراً فإنه يبطلها، فإذا انحرف عن القبلة شيئاً يسيراً فذلك لا بأس به كما سيأتي وقد قال النبي ﷺ : (ما بين المشرق والمغرب قبلة) (٣) .
стр. 120
والواجب أن يشرق أو يغرب ولا يكفي أن ننحرف شيئاً يسيراً.
ـ وظاهر المذهب: في مسألة جواز البول والغائط مستقبلاً القبلة أو مستدبرها في البنيان ـ ظاهر المذهب أنه لا فرق بين أن يدنوا من السترة أو يبعد عنها.
وهذا على القول المرجوح، وإلا فالراجح ما تقدم من عدم الجواز مطلقاً.
ـ وهل يجوز الاستنجاء أو الإستجمار إلى القبلة؟؟
١ـ المشهور في مذهب الحنابلة أن ذلك مكروه، فيكره له أن يستنجي أو يستجمر قبل القبلة.
٢ـ وقيل ـ أي في المذهب ـ أنه لا يكره.
٣ـ وقال في "الإنصاف" ـ وهو من الحنابلة ـ: (ويتوجه التحريم) .
وهذا أظهر، فإن في إستنجائه واستجماره فيهما أعظم مما في التفل الذي تقدم تحريمه كما أنه قد يخرج منه شيء في حال إستنجائه أو استجماره، فالأظهر أن ذلك محرم لا يجوز.
* قوله: ((ولبثه فوق حاجته)) :
أي لا يحل له أن يلبث فوق حاجته، ودليل ذلك ما تقدم من النهي عن كشف العورة إلا لحاجة وأن ذلك محرم.
وقد تقدم ترجيح كراهية ذلك وأنه مكروه ليس بمحرم.
وقد قال ﷺ : (الله أحق أن يستحي منه) (١) .
فالأرجح أنه لا يحرم له كشف عورته ولكنه يكره إلا إذا كان هناك ناظر فإنه يحرم عليه كما تقدم.
وقالوا: إنه يورث بعض المرض.
والجواب على هذا: أنه إن ثبت ذلك فنعم، فقد قال ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) ، ومرجع ذلك إلى الطب، فإن ثبت في ذلك ضرر فإنه يحرم.
إذن: الراجح في هذه المسألة الكراهية لكونه كشف عورته من غير حاجة، وأما التحريم فلا، إلا إن ثبت ضرر طبي في ذلك فإنه يحرم لذلك.
* قوله: ((وبوله في ظل نافع وتحت شجرة عليها ثمرة)) :
لقوله ﷺ كما في مسلم: (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان، قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم) (٢) .
стр. 121
فهذا الحديث يدل على تحريم التخلي في طريق الناس أو ظلهم والمراد بالطريق: قارعة الطريق التي يطرقها الناس ويطؤونها بأقدامهم، أما الطرق المهجورة فليس لها ذلك الحكم.
ـ كما أن المراد بالظل، الظل الذي ينتفع به في الإستظلال وإلا فقد ثبت أن النبي ﷺ يقضي حاجته في جانبي النخل وهو ذو ظل، ولكنه ظل لا يحتاج إليه ولا ينتفع به.
إذن: المحرم إنما هو الظل الذي ننتفع به، ومثل ذلك المجلس المشمس فكل مجلس ينتفع به لا يحل قضاء الحاجة فيه.
ـ وقد روى أبو داود ـ والحديث حسن ـ أن النبي ﷺ قال: (اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد ـ أي التي يرد إليها الناس للشرب والسقي ـ وقارعة الطريق والظل) (١) والحديث حسن لشواهده.
وأما قوله: (وتحت شجرة عليها ثمرة) : فذلك لاحتياج الناس إلى هذه الثمرة فقد يحتاج الرجل إلى صعودها، وقد تسقط الثمرة فتتنجس بالنجاسة فيحرم ذلك.
فإذن: هذا من باب المعنى، وفي الحديث (لا ضرر ولا ضرار) وقال تعالى ((والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا)) (٢) .
وقد ورد هذا عند الطبراني أن النبي ﷺ : (نهى عن قضاء الحاجة تحت شجرة فيها ثمرة) (٣) لكن الحديث إسناده ضعيف جداً، ولكن دليله ما تقدم من ثبوت الضرر في ذلك والأذية.
وقد ثبت عند الطبراني في "الكبير" بإسناد حسن أن النبي ﷺ قال: (من آذى المسلمين في طرقهم فقد وجبت عليه لعنتهم) (٤) .
فالملاعن لكونها تسبب لعنة من الناس ولكونها تسبب قبول الله اللعنة من الناس.
(مسألة) :
حكم إستقبال بيت المقدس واستدباره في البول أو الغائط. هل يحرم ذلك أم لا؟؟
стр. 122
روى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ : (نهى عن إستقبال بيت المقدس بغائط أو بول) ، فالحديث فيه راو مجهول، فعلى ذلك الحديث ضعيف، فلا يكره ولا يحرم فعل ذلك وهو أحد القولين، وهو مذهب المالكية، وقال الشافعية يكره.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الرابع عشر: السبت ٢٨/١٠/١٤١٤هـ
قال المصنف ﵀: ((ويستجمر بحجر ثم يستنجى بالماء)) :
أي يجمع بين الإستجمار بالحجارة ونحوها وبين الاستنجاء بالماء وهذه إحدى صور إزالة الخبث وهي أفضلها بإجماع أهل العلم كما حكى ذلك العيني.
فقد اتفق أهل العلم بل أجمعوا على أن هذه الصفة هي أفضل الصفات؛ وذلك لأنها تجمع بين إزالة النجس عيناً بالحجارة وبين إزالته أثراً بالماء، فإن الحجارة إنما تزيل عين النجاسة ولا تزيل أثرها.
أما الاستنجاء بالماء فإنه يزيل النجاسة عيناً وأثراً، لكن ذلك يكون بإصابة اليد للخبث، فإذا اجتمعا ـ أي الإستجمار بالحجارة والاستنجاء بالماء، كانت هي الصفة الفضلى.
وهناك أدلة يستدل بها الفقهاء على هذه الصورة سوى الدليل المتقدم وهو تعليل.
ـ منها ما روى عن سعيد بن منصور ـ كما في المغني ـ عن عائشة قالت: (مُرْن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة بالماء من أثر الغائط والبول، فإني أستحييتهم، كان النبي ﷺ يفعله) (١) واحتج به الإمام أحمد.
ولكن سُنَنْ سعيد بن منصور ليست كلها مطبوعة، بل ولا كلها موجودة، فمنها ما هو مفقود، ومما هو مفقود جزء الطهارة، وهذا الحديث ثابت في سنن الترمذي والنسائي ومسند أحمد بإسناد صحيح من غير ذكر الحجارة، إنما فيه: (مُرْن أزواجكن أن سيتطيبوا ـ أي يستنجوا ـ بالماء، فإن النبي ﷺ كان يفعله) (٢) .
فهذا الحديث ليس فيه ذكر الجمع بينهما، وإنما ذكر الاستنجاء بالماء دون ذكر الإستجمار بالحجارة.
стр. 123
ـ ومنها: ما رواه البزار بإسناد ضعيف جداً، نزلت: ((فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)) ، نزلت في طائفة من الأنصار كانوا يتبعون الحجارة بالماء) .
والحديث إسناده ضعيف جداً.
ـ وفي الخمسة إلا النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (أنها نزلت ـ أي آية ((فيه رجال يحبون أن يتطهروا)) في أهل قباء كانوا يستنجون بالماء) (١) إسناده صحيح.
فإذن: نزلت في أهل قباء لكونهم يتطهرون بالاستنجاء بالماء وليس فيه إضافة الإستجمار بالحجارة. وهذا الحديث إسناده صحيح.
إذن: عندنا الإجماع لذلك المعنى المتقدم، وهو أنه يجمع بين ألا تمس يده القذر وبين أن يزول أثر النجاسة فلا يبقى للنجاسة عين ولا أثر، هذه هي الصورة الفضلى باتفاق أهل العلم بل حكى إجماعاً.
ـ ثم بعد ذلك الصورة الثانية: وهي الاستنجاء بالماء وهي أفضل من الإستجمار بالحجارة باتفاق أهل العلم.
ـ وقد كرهه ـ أي الإستجمار بالماء ـ طائفة من الصحابة والتابعين لكن السنة حجة عليهم.
فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: (كان النبي ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجى بالماء) (٢) .
وقد تقدم حديث عائشة وحديث أبي هريرة في نزول الآية: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) وهذه الصورة فيها إزالة الأثر والعين جميعاً.
وقد قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم يختارون الاستنجاء بالماء وإن كان الإستجمار يجزئ، واستحبوا الاستنجاء بالماء ورأوه أفضل) .
إذن: هذه الصورة العمل عليها عند أهل العلم على جوازها وعلى استحبابها بل على تفضيلها على الإستجمار بالحجارة.
ـ الصورة الثالثة: هي الإكتفاء بالحجارة ونحوها، وهذه الصورة ثابته صحيحه من فعل النبي ﷺ وقوله، وسيأتي أدلة ذلك عند ذكر بعض المسائل ـ إن شاء الله ـ. وقد أجمع أهل العلم على جوازها.
стр. 124
إذن: هذه الصورة كلها جائزة، وأفضلها أن تجمع بين الإستجمار بالحجارة والاستنجاء بالماء ثم بعد ذلك الإستجمار بالحجارة، وهذه الصور كلها جائزة وإن كان الإستجمار بالحجارة لا يزيل أثر النجاسة وإنما يزيل عينها، وهذا معفو عنه في الشريعة، أي بقاء أثرها معفو عنه في الشريعة.
* قوله: ((ويجزئه الإستجمار إن لم يتعد موضع العادة)) :
إذن: تقدم أن الإستجمار يجزئ لكن بقيد، وهو ألا يتعدى ـ أي لا يتجاوز ذلك موضع العادة.
فإذا تجاوز موضع العادة ـ أي موضع الأذى ـ فإنه لا يجزئه أن يكتفي بالإستجمار بالحجارة، بل لا بد أن يغسل هذا الزائد بالماء؛ لأن هذا الزائد قد تعدى موضع العادة، كأن يصيب ما حول قبله أو دبره شيئاً من النجاسة، فلا يجزئه الإستجمار بل لابد أنه يستنجى بالماء، وذلك: لأن الشارع إنما عفى عن بقاء الأثر ما دام في موضع العادة.
فإذا تعدى موضع العادة فإنه لابد من الاستنجاء بالماء إذ لا مشقة في ذلك، هذا هو المشهور في المذهب.
ـ وذهب بعض أهل العلم من الحنابلة ـ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ إلى أنه يجزئه الإستجمار بالحجارة وإن تعدى ذلك موضع العادة؛ لأن النبي ﷺ في إجازته الإستجمار بالحجارة لم يقيد ذلك.
والأظهر القول الأول لقوة دليله.
أما كون النبي ﷺ لم يقيد ذلك، فإن ذلك بناءاً على الأصل فإن الأصل بقاؤه في موضع العادة، وأما كونه يتعدى ذلك فله حكم آخر وهو اشتراط إزالته إزالة تامة حقيقية ـ أي عينه وأثره ـ وهذا هو الراجح.
* قوله: ((ويشترط للإستجمار بأحجار ونحوها أن يكون طاهراً منقياً غير عظم وروث وطعام ومحترم ومتصل بحيوان، ويشترط ثلاث مسحات منقية فأكثر ولو بحجر ذي شعب)) :
هذه شروط ما يستنجى به.
стр. 125
إذن: يجوز أن يستنجى بغير الحجارة، فليس الإستجمار خاصاً بالأحجار، فلوا استجمر بما يزيل الأذى عيناً أي جرماً وإن لم يزله أثراً كالأوراق في الجريد ونحوها فإنه يجوز ذلك، وظاهر المذهب أنه يجزئ، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، بل هو مذهب أكثر أهل العلم.
ـ وذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى أنه لا يجزئ إلا الحجارة؛ لأن الشارع خصص الحكم بذلك فلم تجزئ غيرها.
والراجح هو مذهب جمهور أهل العلم؛ لأن هذا من باب القياس، بل الأدلة الشرعية فيها إشارة إلى جوازه، فمن ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ : (نهى أن يستنجى برجيع أو عظم) (١) .
فإذا: استثنى ذلك النبي ﷺ فإن ذلك يدل على أن سواه جائز ولو لم يكن سوى الحجر جائزاً لما احتاج النبي ﷺ إلى أن يستثنيه، ونحوه ما ثبت في سنن أبي داود أن النبي ﷺ : (سئل عن الإستطابة ـ أي الاستنجاء، وسميت بذلك؛ لأنها تطيب البدن بإزالة الخبث عنه ـ فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع) (٢) .
فهنا استثنى النبي ﷺ الرجيع، وذلك لأن غيره جائز.
فإذن: الراجح هو ما ذهب إليه أكثر العلماء وهو الذي يدل عليه المعنى، فإن الشريعة قد أتت بالقياس الصحيح من إلحاق الشيء بنظيره، فإذا ثبت في شيء من الأشياء ما ثبت في الحجر من إزالة النجاسة عيناً وجرماً فإنه يصح ذلك وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
стр. 126
قوله: ((أن يكون طاهراً)) : إذن: النجس لا يحل أن يستنجى به ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين ـ وهو دليل على جواز الإستجمار ـ عن ابن مسعود قال: (أتى النبي ﷺ الغائط فأخبرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فوجدت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذا ركس) ، وفي رواية ابن ماجة: (هذا رجس) وفي الترمذي: (يعنى نجساً) (١) .
وقال النسائي: (ركس أي طعام الجنّ) واستغربه الحافظ ابن حجر وهو كما قال: فإن لفظة: (ركس) معناها نجس، والأصل النجس أن يكون نجساً حسياً، ما لم يدل دليل على نقله عن ذلك.
وهذا يدل على أنه لابد أن يكون طاهراً ليس بنجس.
وقوله: ((منقية)) : فإن كان فيه رطوبة أو كان أملساً أو نحو ذلك كالزجاج أو حجر أملس أو أن يكون منه رطوبة لا يزيل الخبث فإنه لا يجزئه أن يستجمر به.
وقوله: ((غير عظم وروث)) : فالعظم والروث لا يجوز له أن يستجمر بهما.
ودليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن سلمان قال: (لقد نهانا النبي ﷺ أن نستنجى باليمين أو أن نستجمر بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستجمر برجيع أو عظم) (٢) .
وثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال للجنّ: (لكم كل عظم ذكر إسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة ـ أي روثه ـ علفت لدوابكم، ثم قال النبي ﷺ : فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم) .
وفي حديث رُوَيْفَع أن النبي ﷺ قال له: (أخبر الناس) الحديث، وفيه: (وأن من استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً برئ منه) (٣) والحديث رواه أبو داود وغيره.
فهذه الأحاديث تدل على تحريم الاستنجاء بالعظم والروث.
ـ فإذا استجمر بعظم أو روث فهل يجزئه ذلك؟؟
المشهور في مذهب الحنابلة أنه لا يجزئه ذلك.
стр. 127
واستدلوا بما روى الدارقطني، وقال: إسناده صحيح أن النبي ﷺ : نهى عن الإستجمار بالرجيع أو العظم، وقال: (إنهما لا يطهران) (١) وأعله ابن عدي.
ـ وذهب شيخ الإسلام إلى ثبوت الإجزاء لهذا الفعل وإن كان الفعل محرماً؛ لأن الخبث قد زال، والمقصود من النجاسة إزالتها فبأي طريق زالت فإن حكمها يذهب والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فمادام أن النجاسة قد ذهبت وإن كان باستعمال ما يحرم عليه استعماله فإنه يجزئه ذلك وهذا قول قوي.
قال الزركشي: (وهذا جيد لولا حديث الدارقطني) .
والذي يظهر قول شيخ الإسلام.
وأما الحديث فإنه يحمل على الغالب في العظم والروث.
فالغالب فيهما أنهما لا يطهران، فقال النبي ﷺ ذلك بناءاً على الغالب بينهما (هذا على التسليم بصحة إسناده) .
وأما إذا ثبت أنهما يطهران ويزيلان النجس فلا موجب لعدم الإجزاء.
فإذن: يحرم عليه ذلك لكنه يجزئه إن فعله على الإثم، أما إذا فعله ناسياً أو جاهلاً فإنه يرفع عنه الإثم مع ثبوت الأجزاء له.
وقوله: ((وطعام)) : وهذا من باب القياس، قالوا: فإذا كان طعام الجنّ ودوابهم يحرم الاستنجاء به، فأولى منه طعام الإنس، وطعام دوابهم فهو أولى منه بهذا الحكم.
وقوله: ((ومحترم)) : مثل كتب العلم، فإذا كان الشيء محترماً فلا يجوز الاستنجاء به، وهذا من تعظيم شعائر الله: ((ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)) (٢) والإستجمار بها إهانة لها، وهذه الإهانة محرمة، فلا يجوز إهانة ما يجب إحترامه.
وقوله: ((ومتصل بحيوان)) : قالوا: لو أن رجلا استنجى بصوف أو شيء من بدن حيوان، قالوا: فإن ذلك محرم، هذا هو المشهور في المذهب، وأن الإستجمار بشيء متصل بالحيوان محرم، وهذا هو مذهب الشافعية.
ـ وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا بأس في ذلك.
ولم يتبين لي دليل على تحريم ذلك.
стр. 128
فالأقوى هو القول بحله، كيف والرجل يستنجى بيده اليسرى وهي عضو متصل به فأولى منه أن يستنجى بمتصل بحيوان، والله أعلم.
وقوله: ((ويشترط ثلاث مسحات منقية فأكثر ولو بحجر ذي شعب)) :
يشترط أن يكون استنجاؤه بثلاث مسحات فإن كان بمسحتين أو يمسحه فلا يجزئه.
ـ ويشترط أن يكون بثلاثة أحجار، لما تقدم من حديث سلمان وفيه: (وأن يستنجى بأقل من ثلاث أحجار) : وهذا هو مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية، وهذا الذي يدل عليه هذا الحديث.
وكذلك يدل عليه ما ثبت في سنن أبي داود أن النبي ﷺ قال: (من ذهب إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزئه) (١) ، ومفهومه أنها إن قلت فإنها لا تجزئه.
ـ وذهب المالكية إلى جواز ذلك ـ أي أن تقل عن ثلاثة أحجار ـ إذا أنقت ـ فإذا أنقت ولو كان ذلك حجراً واحداً فإنها تجزئه.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من استجمر فليوتر) (٢) ، والوتر يطلق على الواحد.
وكذلك بما ثبت في البخاري من حديث ابن مسعود في اتيانه النبي ﷺ بحجرين وليس فيه إعادته ليأتيه حجر آخر.
ـ والإستدلال بهذين الحديثين على هذه المسألة ضعيف.
أما الحديث الأول: فإن لفظة الوتر مطلقة هنا، وقد أتانا حديث سلمان فقيده بإيجاب ثلاثة أحجار فموجب أن نقيده بثلاث.
ـ وأما حديث ابن مسعود، فهو وإن لم يأته بحجر ثالث لكن الأمر مازال متعلقاً بذمته، فقد أمره أن يأتيه بثلاثة أحجار فمازال الأمر متعلقاً بذمته.
وكونه لم يأت بها فهو لايزال مطالباً بإحضار ثالثة ثم إن قوله: (فالتمست الثالث فلم أجده) : فيه أنه لم يجد ذلك، فهو إن لم يجد ذلك، فإنه يكون معذوراً والراجح هو القول بوجوب الإستجمار ثلاثة أحجار فأكثر وهو مذهب الشافعية والحنابلة.
ـ وهل يشترط أن يكون كل حجر يعم المحل كله؟؟
стр. 129
ظاهر الحديث أنه لا يشترط ذلك مطلقاً، بل يستنجى بثلاثة أحجار لكل حجر جزءاً من المحل، فظاهر الحديث أنه لا يشترط أن يعمم المحل لكل حجر وهو قول في مذهب الحنابلة.
ـ والمشهور في المذهب أنه يشترط أن يعمم المحل بكل حجر وقد تقدم أن ظاهر الحديث إطلاق ذلك.
وقد روى الدارقطني، وقال: إسناده حسن أن النبي ﷺ قال: (أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار حجرين للصفحتين وحجرة للمَسْرَبَة) وهي محل الأذى.
لكن الحديث فيه أُبيِّ (١) بن العباس وهو ضعيف، فالأرجح: أنه لا يشترط ذلك.
وقوله: ((ولو بحجر ذي شعب)) : بمعنى: أتى بحجر ذي ثلاث شعب فإنه بجزئه ذلك، فكل شعبة تقوم مقام حجرة وهذا قياس واضح صحيح.
وقال هنا: (ولو) إشارة إلى خلاف في المذهب فهناك رواية عن الإمام أحمد أنه لا يجزئ ذلك بل لابد من ثلاثة أحجار لظاهر الحديث المتقدم.
والأظهر هو القول الأول لأن هذه الحجارة التي هي ذات ثلاث شعب بمقام ثلاثة أحجار فإنها تجزئه على الراجح.
* قوله: ((ويسن قطعه على وتر)) :
لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: (ومن استجمر فليوتر) .
* قوله: ((ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح)) :
يجب الاستنجاء لكل خارج عيني إلا الريح، قال الإمام أحمد: (الاستنجاء من الريح ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة وإنما فيه الوضوء) .
فليس من الريح إستنجاء، وإنما الاستنجاء من البول أو الغائط أو نحوهما مما قد يخرج من أحد السبيلين، وأما الريح فليس فيه استنجاء، وليس للإستنجاء به أصل في الكتاب والسنة.
وأما ما رواه الطبراني أن النبي ﷺ قال: (من استنجى من الريح فليس منا) (٢) ، فالحديث اسناده ضعيف جداً.
* قوله: ((ولا يصح قبله وضوء ولا تيمم)) :
هذه المسألة: فيها أنه لا يصح للشخص أن يتوضأ أو يتيمم ثم يستنجى.
стр. 130
ـ فإن قيل: هذه مسألة متكررة، فَلِمَا ذَكَرَهَا المؤلف؟؟ فالجواب: أنه يقع مثل هذا، بل قد ذهب بعض أهل العلم إلى صحته مع وجوده.
ـ فلوا أن رجلاً توضأ أو تيمم ثم بعد ذلك استنجى وأزال الخبث، فهل تجزئه ذلك؟؟
المشهور في المذهب أنه لا يجزئه، واستدلوا بقول النبي ﷺ حين أصابه المذي: (يغسل ذكره ويتوضأ) (١) رواه مسلم.
وفي رواية النسائي: (ثم يتوضأ) لكن هذه اللفظة اسنادها ضعيف منقطع.
ـ فإن قيل: ألا يستدل بالرواية المتقدمة.
فالجواب: لا يستدل بها، لأن لفظة (الواو) لا تفيد إلا الإشتراك: (يغسل ذكره ويتوضأ) .
بل قد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (توضأ وانضح فرجك) فقدم الوضوء هنا.
ـ فإن قيل: المشهور من فعله ﷺ ، أنه كان يستنجى ثم يتوضأ؟
فالجواب: قالوا: هذا فعل، والفعل لا يدل على الوجوب.
ـ وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وهو الراجح، فلو أنه استنجى بعد وضوئه أو تيممه لكان وضوؤه صحيحاً وعلى ذلك: إن هذا الفعل منه لا يعدو، إلا أن يكون إزالة للخبث، وإزالة الخبث ليست من شروط صحة الوضوء، فلو أن رجلا أصاب شيء من بدنه نجاسة في غير محل الأذى فتوضأ ثم قام بإزالته فوضوؤه صحيح.
فالمسألة لا تعدو إلا أن تكون إزالة أذى أما كونه يمس ذكره أولا، فهذه مسألة أخرى سيأتي تكريرها في بابها إن شاء الله؛ لأنه لا يشترط أن يكون مس ذكره فقد يكون استنجى بحجر أو خرقة أو نحوها.
وهذا القول هو الراجح لعدم الدليل المانع منه، وقد قال ﷺ فيمن أصابه المذي: (توضأ واغسل ذكرك) (٢) .
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الخامس عشر (الأحد) التاريخ ٢٩/١٠/١٤١٤هـ.
باب: السواك وسنن الوضوء:
стр. 131
السواك: هو العود الذي يدلك في الفم ويحرك فيه ليطهره ويطلق أيضاً على الفعل أي الدَّلك والتحريك ويسمى سواكاً فيطلق على الأداة التي يستاك بها، ويطلق على التسوك فكلاهما سواك.
وهو من التحرك والاضطراب، يقال: جاءت الإبل بساوك هزلاً: إذا اضطربت أعناقها من هزالها أي من ضعفها.
ـ أما الوُضوء: فهو بالضم، الفعل، وبالفتح: الماء المتوضىء به وهذا في لغة العرب: النظافة والحسن، يقال: وجه وضيء: أي حسن نظيف.
أما اصطلاحاً: فهو غسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة.
ـ قال المصنف ﵀: ((السواك بعود لين منق غير مضرٍ لا يتفتت لا بأصبع أو خرقة، مسنون)) :
فالسواك مسنون بما يكون متصفاً بالشروط التي ذكرها المؤلف فهو مسنون باتفاق العلماء.
وهو أن يسوك بعود لين غير خشن يضر بلثته، وليس كذلك بمضر، ولا يتفتت وهو منقٍ مطهر منظف فما كان على هذه الصفة فإنه يسن أن يستاك به.
كعود الأراك والعرجون وعود الزيتون ونحو ذلك.
ـ قد ثبت في البخاري معلقاً مجزوماً به ووصله أحمد والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) .
ـ وأفضله كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم من بعض الحنابلة وبعض الشافعية وبعض المالكية، أفضلة الأراك، ويدل على ذلك:
ما ثبت في مسند أحمد بإسناد جيد من حديث ابن مسعود قال: (كنت أجتبي للنبي ﷺ سواكاً من أراك) .
وثبت عند الطبراني وقال الهيثمي اسناده حسن في حديث وفد عبد القيس قال الراوي: فزودنا رسول الله ﷺ بالأراك نستاك به) فهذا أفضل أنواع الأعواد التي يستاك بها.
فإذن: السواك في كل عود منق لا يتفتت ولا يضر، مشروع مستحب.
ـ أما إذا كان من الأعواد الضارة كعود الريحان ونحوه فإنه ليس بمشروع لكونه مضراً وفي الحديث (لا ضرر ولا ضرار) .
стр. 132
قوله: ((لا بأصبع أو خرقه)) : هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الشافعية وأن السواك بالأصابع والخرق والمناديل ونحوها لا يجزئه؛ لأن الثابت إنما هو السواك بعود ونحوه؛ لأنه لا يحصل في السواك بالأصابع ما يحصل بالسواك بالأعواد من الإنقاء.
ـ وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد ـ إلى أنه يجزئ ذلك، واستدلوا:
بما روى البييهقي أن النبي ﷺ قال: (يجزئ من الساك الأصابع) لكن الحديث إسناده ضعيف وقد ضعفه البيهقي، فالحديث ضعيف.
واستدلوا: بما رواه أحمد أن علي بن أبي طالب توضأ وفيه: أنه تمضمض وأدخل بعض أصابعه في فيه، إلى أن قال: (رأيت النبي ﷺ يفعل ذلك) .
وفيه أنه أدخل أصابعه في فيه أي يستاك.
لكن الحديث فيه مختار بن نافع الكوفي وهو ضعيف. فعلى ذلك الحديث ضعيف.
ـ وصحح الموفق ﵀ أنه يحصل له من الفضيلة والسنة بقدر ما يحصل له من الأنقاء وهذا قوي.
ـ وقال بعض الحنابلة: إنما يجزئ عنه إن لم يجد عوداً وهذا قوي. فإن لم يجد عوداً فإن مالا يدرك كله لا يترك كله.
فإنه إن لم يجد سواكا فإنه يستاك بأصبع أو نحوها ويحصل له من الثواب بقدر ما يحصل له من الإنقاء.
قوله: ((كل وقت)) :
لعمومات الأدلة كما تقدم في قوله ﷺ (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) ، وهذا عام في كل وقت، وقد ثبت في البخاري أن النبي ﷺ قال: (أكثرت عليكم بالسواك) أي أن النبي ﷺ أكثر على أصحابه من الحث والترغيب في فعل السواك وهذا يدل على تأكيد استحبابه.
قوله: ((لغير صائم بعد الزوال)) :
هذا هو المشهور في المذهب وأن السواك مكروه للصائم بعد الزوال فإنه لا يكره، وهذا هو مذهب الشافعية.
واستدلوا:
стр. 133
ـ بما روى البيهقي أن النبي ﷺ قال: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي) (١) قالوا: والعشي يكون من بعد زوال الشمس، والحديث اسناده ضعيف.
ـ وأصح منه ثبوتاً ما في الصحيحين أن النبي ﷺ ـقال: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) (٢) .
قالوا: فإذا استاك بالعشي ـ وغالباً ما تطهر هذه الرائحة التي هي أطيب عند الله من ريح المسك، غالباً ما تطهر بعد زوال الشمس، فيكره السواك بعد الزوال لأنه سبب لإزالتها.
ـ وذهب أكثر أهل العلم وهو مذهب الأحناف والمالكية ورواية عن الإمام أحمد واختاره كثير من الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، واستظهره في الفروع، وقواه صاحب الشرح الكبير.
ورأوا أنه ليس بمكروه بل هو مستحب مشروع في كل وقت.
واستدلوا: بما روى أبو داود والترمذي وقال الحافظ إسناده صحيح عن عامر بن ربيعة قال: (رأيت النبي ﷺ مالا أحصي يستاك وهو صائم) (٣) .
لكن الحديث ليس إسناده بصحيح خلافاً لما قال الحافظ فإن فيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف فالحديث إسناده ضعيف.
وأصح منه استدلالاً: استدلالهم بالعمومات الدالة على عموم فضل السواك من غير أن يستثنى من ذلك شيء، كما تقدم في قوله ﷺ : (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) (٤) .
أما الجواب على أدلة أهل القول الأول:
ـ أما حديث: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي) فقد تقدم أن الحديث ضعيف.
ـ أما حديث: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) .
فالجواب عنه: أن الحديث ليس فيه أنه لا يستاك وأنه يدع هذه الرائحة الكريهة، وإنما فيه الترغيب بالصوم وأن هذه الرائحة الكريهة التي يكرهها المسلم أطيب عند الله من ريح المسك.
стр. 134
وقد روى الطبراني بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن غنم قال: قلت لمعاذ بن جبل: أستاك وأنا صائم قال: نعم، فقلت أي النهار، فقال: غدوة وعشياً، فقلت: إن الناس يكروهون الإستياك في العشي، ويقولون: قال رسول الله ﷺ : (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) فقال: سبحان الله ((وهي هنا للعجب)) إنما أَمَرَهُم بالسواك وليس بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمداً، ليس في هذا من الخير شيء إنما إنما هو شيء) .
ـ ثم إن هذه الرائحة إنما تخرج من المعدة، وغاية السواك أن يطهر الفم، فهو مطهر للفم، وأما هذه الرائحة فإنها مخرجها من الجوف على أن هذا ليس فيه إلا استحباب الصوم والترغيب فيه وأن الرائحة التي تخرج أطيب عند الله من ريح المسك وليس في الحديث الترغيب في تركها، هذا هو القول الراجح.
قوله: ((متأكد عند صلاة وانتباه وتغير فم)) :
والسواك مستحب مشروع لكنه يتأكد في مواضع فيكون السواك منها آكد استحباباً فمن ذلك:
(عند الصلاة) : كما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وفي الحديث الحسن لشواهده، وقد جوده غير واحد من أهل العلم، وقد رواه الحاكم وابن خزيمة أن النبي ﷺ قال: (صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك) (١) .
وظاهر هذه الأحاديث أنه يتأكد استحبابه صلاة الفرض والنفل.
قوله: (وانتباه) : أي الإنتباه من النوم سواء كان نوم ليل أو نوم نهار.
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة أن النبي ﷺ : كان إذا قام من الليل "أي من النوم" يشوص "أي يدلك" فاه بالسواك) (٢) .
قوله: (وتغير فم) : أي تغير رائحة الفم إلى الكراهية سواء كان بسبب سكوت أو من طعام أو من شراب أو جوع ونحو ذلك لقوله ﷺ : (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) .
стр. 135
فهذا الفم الذي أصيب بشيء من كراهية الرائحة بسبب جوع أو أكل أو نحوه يستحب له أن يدلكه بالسواك ليطهره.
ـ ويستحب ـ ولم يذكره المؤلف ـ عند دخول المنزل لما ثبت في مسلم عن عائشة: أنها سئلت بأي شيء كان النبي ﷺ يبدأ إذا دخل المنزل قالت: بالسواك (١) .
ـ وهل يقاس عليه دخول المسجد؟.
صرح بذلك بعض الحنابلة ـ وأنه يستحب له ـ من باب القياس أن يستاك عند دخول المسجد.
وعللوا ذلك: بأن علة استحبابه عند دخول المنزل كون النبي ﷺ يصلي النافلة فيه، فكذلك في المسجد فإنه سيدخل ويصلي فيه النافلة أو تحية المسجد أو الفريضة وفي هذا نظر، فإن عائشة لم تستثن حالة عن حالة ولم يكن كل دخول النبي ﷺ بعد صلاة يصلي نفلها ـ ثم إن هناك علة قوية ـ أقوى من هذه العلة فيما يظهر أو تنازعها في القوة ـ وهي أن يكون ذلك من حسن معاشرته ﵊ لأهله كالتطيب ونحوه فيكون هذا من تطهير الفم، وهي علة قوية.
فحينئذ لا يصح هذا القياس.
ولم يصح عن النبي ﷺ ولا فيما أعلم عن أحد من أصحابه الإستياك عند دخول المسجد.
ولكنه إذا استاك للصلاة فنعم، فإنه حينئذ يدخل في عموم الحديث المتقدم (عند كل صلاة) .
ـ وسيأتي تأكد استحبابه عند الوضوء.
ـ ويتأكد السواك عند قراءة القرآن، لما روى البزار بإسناد جيد أن النبي ﷺ قال: (طهروا أفواهكم للقرآن) (٢) ، فيستحب له أن يطهر فمه لقراءة القرآن.
ـ وإن قيل: إنه يستحب لذكر الله والدعاء فهو حسن، لقوله ﷺ (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) ومن الطهارة السواك، كما قال ﷺ : (السواك مطهرة للفم) .
قوله: ((ويستاك عرضاً مبتدئاً بجانبه الأيمن)) :
هذه صفة الإستياك وكيفيته. وهي أن يستاك عرضاً
стр. 136
ودليل ذلك، ما رواه الطبراني أن النبي ﷺ : (كان يستاك عرضا) (١) لكن الحديث إسناده ضعيف.
ـ وله شاهد من مراسيل عطاء، وهو مرسل، وفيه راوٍ مجهول فيكون ضعيفاً جداً فلا يصلح شاهداً.
ـ إذن لم يثبت ذلك في السُّنَّة الصحيحة، وقد ضعف هذا الحديث النووي وابن الصلاح والضياء.
ـ وقال بعض أهل العلم: أنه يستاك طولا ـ هكذا قال بعض الحنابلة.
ـ وذكر بعضهم أن أهل الطب يستحبون ذلك ـ أي السواك طولاً.
والقائلون عرضاً ذكروا أن الإستياك طولاً أضر على اللثة وعللوا استحباب الإستياك عرضاً بأنه أبعد عن مضرة اللثة وأبعد عن فساد الأسنان.
فعلى ذلك لا يثبت شيء من السنة لا في الإستياك عرضاً ولا في الأستياك طولاً ومرجع ذلك إلى الطب أو إلى الإختيار، فإذا ثبت أن الأبعد له عن الضرر أن يستاك طولاً أو عرضاً فإنه يفضل ذلك.
قوله: ((مبتدأ بجانب فمه الأيمن)) :
وذلك لما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كان النبي ﵊ يعجبه التيمن أو التيامن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله) (٢) ، وفي أبي داود (وسواكه) ، فهذا الحديث صريح في مشروعية البداءة بالجانب الأيمن قبل الأيسر عند الإستياك.
ـ وهل المستحب أن يكون الإستياك باليد اليمنى أم باليسرى؟
نص الإمام أحمد على استحباب ذلك باليد اليسرى، وقال شيخ الإسلام: (ولا أعلم أحداً من الأئمة خالف في ذلك إلا المجد) يعني المجد ابن تيمية هو جده وهو من كبار الحنابلة وهو صاحب المنتقى وهو كبار الفقهاء، وكان يستحب أن يستاك بيده اليمنى، ويستدل: بحديث عائشة المتقدم.
والإستدلال بحديث عائشة فيه نظر، فإنما هو دليل على البداءة بالجهة اليمنى.
وأما هنا فإن الباب آخر والبحث هنا آخر، فالبحث في الأداة التي يتطهر بها.
стр. 137
وعليه ما ذهب إليه عامة أهل العلم: أن السواك من باب التطهر لقوله (مطهرة للفم) هذا هو الغالب فيه وإلا فقد يكون لمجرد مرضاة الرب .
لكن الأصل فيه أن يكون مطهرة للفم، وما كان هذا بابه فإنه مستحب باليد اليسرى، كما أن النبي ﷺ كان يستنشق باليد اليسرى كما ثبت في النسائي بإسناد صحيح، وكذلك هنا فإنه يستحب أن يستاك باليداليسرى؛ لأن ذلك من باب التطهر أو من باب إزالة الأذى وإماطته.
أما حديث التيامن فإنما ذلك دليل على استحباب البداءة بالجهة اليمنى قبل الجهة اليسرى.
روى ابن أبي شيبة ـ ولم أقف على اسناده ـ أن عبادة بن الصامت وأصحاب النبي ﷺ كانوا يروحون والسواك على آذانهم) (١) .
وفيه حديث ضعيف عن البيهقي أن النبي ﷺ كان يضعه على أذنه كما يوضع القلم) (٢) .
والحمد لله رب العالمين.
الدرس السادس عشر ... ...الإثنين...٣٠/١٠/١٤١٤هـ
قال المصنف ﵀: ((ويدهن غباً ويكتحل وتراً)) :
غباً: أي يوماً يدهن، ويوماً لا يدهن.
ودليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد وسنن النسائي والترمذي وأبي داود بإسناد صحيح أن النبي ﷺ : (نهى عن الترجل إلا غباً) (٣) .
والترجل هو: تسريح الشعر مع دهنه، فهو منهي عنه إلا يوماً بعد يوم.
ـ وهل ذلك مستحب أم لا؟
ظاهر هذه اللفظه من المؤلف: أن ذلك مستحب، ويدل على استحبابه ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن أن النبي ﷺ قال: (من كان له شعر فليكرمه) (٤) ، وهذا عام في شعر الرأس وشعر اللحية.
ولكنه لا يستحب إلا غباً للحديث المتقدم.
ـ فإن قيل: أو ليس المقصود إزالة شعث الرأس، وإذا كان الأمر كذلك فلو أنه ترجل بماء ونحوه غير الدهن فهل يكون مستحباً كذلك أو لا؟.
стр. 138
الجواب: الصحيح أنه يكون مستحباً كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ذكر شيخ الإسلام أنه يفعل ما هو الأصلح لبدنه، وذلك أن النبي ﷺ إذا فعل فعلاً معيناً لمعنى مقصود، وكان هذا المعنى المقصود يثبت بهذا الفعل وغيره، فإن كل فعل يثبت فيه هذا المعنى الخاص فإنه مستحب.
وهنا: الادهان، هل المقصود الادهان ذاته أم المقصود إكرام الرأس؟
الجواب: أن المقصود إكرام الرأس، فإذا ثبت إكرامه بغير الادهان بإنه يكون مستحباً كالادهان تماماً.
وقد ثبت من حديث رجل من الصحابة قال: (نهى النبي ﷺ أن يمتشط أحدنا في كل يوم) (١) فهذا أمر مكروه، وذلك لأن الشارع ينهى عن كثير من الأرفاه وكثير من التنعم.
وقد روى أبو داود بإسناد صحيح أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى فضالة بن عبيد بمصر ثم قال له: (أما إني لم آتك زائراً ولكني سمعت أنا وأنت حديثاً من النبي ﷺ فرجوت أن يكون عندك منه علم، فقال له: ما هو، قال: (كذا وكذا) "إذن أخبره بهذا الحديث" قال: فمالي أراك شعثاً وأنت أمير الأرض فقال: إن النبي ﷺ كان ينهانا عن كثير من الإرفاه "أي كثير من التنعم" قال: فما لي لا أرى عليك حذاء، فقال: كان النبي ﷺ يأمرنا أن نحتفي أحيانا) (٢) .
ـ إذن هذا الحديث يدل على كراهية كثير الإرفاه وفي أبي داود أن النبي ﷺ قال: (إن البذاذة من الإيمان) (٣) : أي ترك كثير من التنعم في الثوب والبدن وهو البذاذة أنه من الإيمان.
стр. 139
فإذن: يستحب له أن يدهن غباً، ويكره له أن يدهن كل يوم، ولكن إذا كان كثير الشعر بحيث يكون فيه شعث كثير جداً، فحينئذ تزول الكراهية، وقد روى النسائي بإسناد صحيح أن أبا قتادة الإنصاري: كان له جُمَّة "أي شعر كثير يضرب على كتفه" فأمره النبي ﷺ أن يحسن إليه) (١) .
ـ وهنا عند هذه الفقرة التي ذكرها المؤلف مباحث:
[المبحث الأول] : هل السنة إتخاذ الشعر أم حلقه؟
قال الإمام أحمد: (إتخاذ الشعر سنة ولو قدرنا عليه لفعلنا، ولكن له كلفة ومؤؤنه) أي يحتاج إلى كلفة من مشط وترجيل ودهان ونحو ذلك.
وأما الدليل على سنيته: فهو أنه فعل النبي ﷺ فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ ـكان له شعر يضرب على منكبه) (٢) .
وثبت في مسلم أن النبي ﷺ كان له شعر إلى شحمة أذنه) (٣) يعني: كان أحياناً إلى منكبه، وأحياناً إلى شحمة أذنه، إذا أخذ منه في حج أو عمره.
ـ ومن أبقاه فعليه أن يكرمه فيكون له كلفة ومؤونة كما قال الإمام أحمد.
ـ أما حلق الرأس فقد أجمع العلماء على إباحته، كما قال ذلك: ابن عبد البر ﵀
لكن هل يكره له حلقه أم لا؟.
نص الإمام أحمد على كراهية حلقه، وقال: (كانوا يكرهونه) أي كان السلف.
وفي رواية عنه أن تركه أفضل، فيكون حلقه غير مكروه.
وقد ذكر النبي ﷺ في صفة الخوارج أن سيماهم التحليق، وهذا لا يقتضي التحريم؛ لأن ليس كل تشبه محرم.
فالأظهر: أن تركه أولى إلا في حج أو عمرة.
[المبحث الثاني] : إذا اتخذ شَعْراً فهل يسدله سدلاً أم يفرقه فرقاً؟
السدل هو أن ترسل الشعر من غير أن تفرقه، والفرق: هو أن تجعل الشعر على صفقتين، صفقه بيمينه وصفقه شماله، فيظهر أصل الرأس.
والجواب:
стр. 140
أن كلا الفعلين فعله النبي ﷺ أي السدل والفرق، لكن الأول وهو السدل قد تركه لكونه قد نسخ فعله، فقد ثبت في الصحيحين: (كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم ـ أي يرسلونها ـ وكان المشركون ـ أي من العرب ـ يفرقون رؤوسهم وكان النبي ﷺ يحب أن يوافق أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل النبي ﷺ ناصيته ثم فرق بعدُ) (١) .
وفي رواية: (ثم أمر بالفرق ففرق) .
وقد اتفق أهل العلم على استحباب ذلك.
فإذا: فرقه فهل يجعله دؤابتين أو عقيصتين؟
قال الإمام أحمد: (وأبو عبيدة له عقيصتان وعثمان له عقيصتان) أي يجعله عقيصين وهذا كان فعل العرب.
إذن: والمستحب أن يفرق رأسه لفعل النبي ﷺ وأنه أمر بذلك.
ـ ولكن اتخاذ الشعر إن كان فيه فتنة فإنه لا يجوز ذلك سداً للذريعة.
ـ هذا في شعر الرأس وإدهانه ومثل ذلك شعر اللحية، وقد أمر النبي ﷺ بإعفاء اللحية، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) (٢) .
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (خالفوا المشركين وفِّروا الحى وأحفوا الشوارب) (٣) .
وفي مسلم: (أرخوا اللحى) .
واللحية: الشعر النابت على الخدين والذقن) . كما ذكر ذلك صاحب لسان العرب وغيره.
ـ الأحاديث المتقدمة تدل على وجوب إعفائها، وقد صرح بتحريم حلقها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، ويدل على ذلك الأحاديث السابقة، وقد قال ﷺ :: (من تشبه بقوم فهو منهم) ، والأصل في التشبه التحريم، وقد قال ﷺ : (خالفوا المشركين) .
ـ وهل يجوز له أن يأخذ منها ما فوق القبضة؟
ثبت ذلك من فعل ابن عمر في الحج والعمرة، فقد روى البخاري أن ابن عمر: (كان إذا حج أو اعتمر قبض لحيته، فما فضل أخذه) (٤) .
стр. 141
ونص الإمام أحمد على جواز ذلك، وكذلك نص عليه الشافعي إذا كان في حج أو عمره.
ـ وكره ذلك الحسن وقتادة.
فإذن: ذهب بعض أهل العلم إلى النهي عن ذلك، وبعضهم ذهب إلى جوازه.
ـ أما القائلون بجوازه، فقد استدلوا بفعل ابن عمر.
ـ وأما القائلون بالنهي عنه فاستدلوا بعمومات النصوص المتقدمة: (أرخوا اللحى) (واعفوا اللحى) وغيرها.
وكونه يأخذ شيئاً منها وإن كان فاضلاً عن القبضة، فإن ظاهر الحديث وجوب إعفائها وهو فعل النبي ﵊، فقد ثبت في البخاري أن خباب بن الأرتّ سئل فقيل له: (أكان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر، فقال: نعم، فقيل له: بم كنتم تعرفون ذلك، فقال: باضطراب لحيته.
فالنبي ﷺ لم يثبت أنه يأخذ من لحيته شيء بل كان يدعها عرضاً وطولاً.
أما ما روى الترمذي أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته عرضاً وطولاً) (١) فالحديث منكر لا يصح، قد استنكره البخاري وغيره.
ـ والأظهر من القول بالمنع منه، وذلك لأن النبي ﵊، أمر بإعفائها وإرجائها وأخذ شيء منها ينافي ذلك. والعمل برواية الصحابي لا برأيه إذا خالف رأيه روايته.
فابن عمر وإن كان من رواة الأحاديث في إعفاء اللحية لكن رأيه خالف روايته، لأن النبي ﵊ أمر بإعفائها وتركها مطلقاً وهذا ينافي ذلك. فالأظهر هو القول بالمنع.
ـ أما الشوارب فيجب ـ على الراجح ـ قص شيء منها بإحفائها وجزها وإنهاكها، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أحفوا الشوارب) (٢) وفي رواية: (جزوا الشوارب) وفي رواية: (أنهكوا الشوارب) وهو أن يبالغ في قصها.
ـ وجمهور أهل العلم على سنيته، وقد قال النووي: (متفق على استحبابه) .
وقد صرح الحنابلة بتأكد سنيته.
ـ والأظهر التحريم؛ لأن الأمر للوجوب.
стр. 142
ـ وأصرح منه ما في الترمذي وصححه وهو كما قال أن النبي ﷺ قال: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا) (١) .
وقد قال صاحب الفروع: (وهذه الصفة تقتضي ـ عند أصحابنا ـ التحريم) ؛ لأنه قال: (ليس منا) .
وهذا هو مذهب الظاهرية ـ وهو الراجح ـ وهو أن قص الشارب وإحفاءه واجب، ومن لم يفعله فليس منا: أي ليس على هدينا وطريقتنا. ويقتضي ذلك تحريمه وهو مذهب الظاهرية، والأدلة الشرعية عليه.
قوله: ((ويكتحل وتَراً)) :
أي يسن له أن يكتحل وتراً.
ويسن أن يكون ذلك بالإثمد، والإثمد: نوع من أنواع الكحل، وقد ثبت في ابن ماجة بإسناد جيد أن النبي ﷺ قال: (عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر) (٢) أي شعر العينين.
وأما الإكتحال بغيره مما هو من باب الزينة، فإن كان للنساء فذلك جائز.
وأما للرجال فهو محل توقف، وقد توقف فيه شيخ الإسلام. وذكر أنه يقوي جوازه فيمن كان كبير السن يبعد ذلك عن الفتنة، بخلاف الشاب، ومثل ذلك محل توقف؛ لأنه زينة وهو مختص بالنساء.
ومن لم يكن كبير السن وهو ليس محل فتنة فهو محل توقف.
والذي ينبغي أن يكون التوقف كذلك في كبار السن، لأن التوقف عام. إلا أن التحريم يقوي في الشاب لما في ذلك من الفتنة، والعلم عند الله.
وقوله: ((وتراً)) : استدلوا عليه بما رواه أحمد وأبو داود أن النبي ﷺ قال: (من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) (٣) لكن الحديث فيه جهالة، فهو ضعيف. فعلى ذلك يكتحل بما يكون مناسباً لعينه بالإثمد من غير أن يكون ذلك محدداً بوتر، إلا أن يكون مناسباً.
قوله: ((وتجب التسمية في الوضوء مع الذكر)) :
أي: يجب على من أراد أن يتوضأ وكذلك من أراد الغسل أو التيمم يجب عليه أن يقول: (بسم الله) ولكن ذلك ـ أي الوجوب ـ مع الذكر، أما إن نسي فلا حرج عليه.
стр. 143
ـ أما الدليل على وجوب التسمية: فهو ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) (١) .
وهذا الحديث في إسناده ضعف، لكن له شواهد كثيرة يرتقي إلى درجة الحسن.
وقد قال العيني: (روى هذا الحديث من طريق أحد عشر صحابياً) وقال ابن أبي شيبة: (ثبت لنا أن النبي ﷺ قاله) أي من كثرة طرقه.
وقد حسنه العراقي وابن الصلاح وابن كثير وابن حجر والمنذري، ومن المحدثين المعاصرين الشيخ الألباني ﵀ فالحديث حسن.
ـ أما سقوط التسمية بالنسيان: فاستدلوا بقول النبي ﷺ : (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٢) .
١ـ هذا هو مذهب الحنابلة في المشهور عندهم: أن التسمية واجبة عند الوضوء ونحوه من الغسل والتيمم مع الذكر، فلو ترك التسمية عمداً بطل وضوؤه.
٢ـ وذهب جمهور الفقهاء وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه أن التسمية سنة.
وأجابوا: عن الحديث بأنه ضعيف لا يثبت، قال الإمام أحمد: (لا أعلم فيها إسناداً جيداً) أي التسمية.
وكلامه ﵀ إنما هو في الأسانيد بمفردها، أي في كل إسناد بمفرده، أما الأسانيد بمجموعها فإنها ترتقي إلى درجة الحسن.
قالوا: وإن ثبت الحديث فإن قوله: (لا وضوء) يؤول بأن (لا وضوء كامل) ، فليس وضوءاً باطلاً، بل هو صحيح لكنه ليس بكامل بل هو ناقص لتركه السنة.
وهذا القول ضعيف؛ لأن الأصل حمل الكلام على حقيقته، فيقال: (لا وضوء موجود) ثم (لا وضوء صحيح) وهي المرتبة الثانية ثم (لا وضوء كامل) وهي المرتبة الثالثة.
стр. 144
و (لا وضوء موجود) : هذا لا يمكن أن يقال به؛ لأن الوضوء قد وجد دون التسمية، فننتقل إلى المرتبة الثانية (لا وضوء صحيح) ثم (لا وضوء كامل) ولا يجوز أن ننصرف عن مرتبة إلا إذا امتنعت المرتبة التي قبلها فنقول ـ حينئذ ـ (لا وضوء صحيح) كما هو ظاهر اللفظة أي لا وضوء صحيح شرعي.
٣ـ وذهب الإمام أحمد في رواية عنه واختارها أبو الخطاب من الحنابلة والمجد بن تيمية وابن عبد القوي إلى أن التسمية فرض عند الذكر والنسيان.
فلو تركها ناسياً فإن وضوءه باطل ـ وهذا هو أصح الأقوال ـ وذلك لصحة الحديث الوارد في ذلك، وظاهره أنه لا وضوء صحيح مطلقاً سواء كان ذاكراً أو ناسياً.
ـ أما حديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ٠٠٠٠) الحديث، فإن ذلك لا يكون في ترك الواجبات، فإن من ترك واجباً فإنه لايزال مطالباً بفعله، فإذا فعله برأت ذمته.
ويكون ـ حينئذ ـ مغفوراً له غير آثم بسبب نسيانه، أما كونه لا يجب عليه أن يفعل فلا.
فلوا أن رجلاً صلى بلا وضوء ناسياً، فإنه لا يأثم لكنه يجب عليه أن يعيد الصلاة، وهو معذور لنسيانه، فلا تبرأ ذمته حتى يفعله.
وهذا القول هو أرجح الأقوال، وأن من ترك التسمية ذاكراً أو ناسياً فوضوءه باطل.
فإن كان فعل ذلك في مرات سابقة فإنه لا يجب عليه الإعادة للمشقة.
لكن إذا كان الوقت مازال حاضراً فإنه يعيد الوضوء والصلاة وكذلك التيمم والغسل ـ وهذا هو مذهب الظاهرية، (ثم رجح الشيخ وفقه الله قول الجمهور بالاستحباب) .
ـ قال الإمام مالك: (حلق الشارب بدعه) ، وهذا إذا كان على وجه العبادة ـ أما إذا كان على غير وجه العبادة فإنه محرم للأمر بإحفائه؛ ولأنه من التشبه بالأعاجم.
ـ ذهب بعض الحنابلة إلى أنه إن كانت اللحية على صورة قبيحة قد يستهزأ به من أجلها فإنه يجوز تسويتها وهذا حسن لا بأس به، لأنه نادر، أما إذا كان تهذيباً فإن ذلك لا يجوز.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس السابع عشر ... يوم الثلاثاء: ١/١١/١٤١٤هـ
стр. 145
قال المؤلف ﵀: ((ويجب الختان ما لم يخف على نفسه)) :
الختان: من أمور الفطرة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (الفطرة خمس: الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط) (١) .
وهذه اللفظة: (من الفطرة) لا تفيد وجوباً ولا استحباباً أي بالتنصيص.
وإنما تفيد أن هذا مشروع فقد يكون من الواجب وقد يكون من المستحب.
الختان: هو فعل الخاتن، وهو ما يسمى عندنا بـ: (الطهارة) : وهو قطع الجلدة فوق الحشفه.
ما حكمه؟.
قال المؤلف: (ويجب الختان) : وظاهره مطلقاً للذكر والأنثى وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
فجمهور أهل العلم قالو: إن الختان واجب للذكر والأنثى واستدلوا: بما ثبت في مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، أن النبي ﷺ قال لمن أسلم: (ألق عنك شعر الكفر ثم اختتن) (٢) فهذا أمر والأمر ظاهره الوجوب.
ـ ولأن في ذلك كشف عورة، ولا يجوز كشفها إلا إذا كان الفعل واجباً.
ـ وعن الإمام أحمد رواية: أنه واجب في الرجال دون النساء.
ـ ومذهب أبي حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه سنة مطلقاً للرجال والنساء، ودليل من قال بسنيته مطلقاً، وهو كذلك دليل من قال بوجوبه على الرجال دون النساء: ما رواه أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال: (الختان سنة للرجال مكرمة للنساء) (٣) .
أما من قال بأنه سنة مطلقاً ـ أي لرجال والنساء ـ فإنه رأى أن لفظة (سُنَّة) ترادف الاستحباب.
ـ وأما من استثنى النساء عن السنية وأثبت الحكم للرجال، فإنه رأى أن لفظة: (سُنَّه) لا تفيد الاستحباب،وأن لفظة (مكرمة) تفيد الاستحباب.