والخرص مصلحته ظاهرة، فإن الغني يحتاج إلى رطبه، ويحتاج إلى العنب من بستانه، فيحتاج إلى أن يأكل هو وأهل بيته، وأن يهدي وأن يتصدق، فإذا منعناه من ذلك حتى يجد الثمر ثم يجفف حتى يكون زبيباً أو تمراً فإن ذلك يفوت عليه الانتفاع بما يحب الانتفاع به من الرطب، وما يحب من إهدائه وصدقته ونحو ذلك، فلهذه المصلحة إذا بدأ صلاح الثمر يأتي الساعي فيقدره من غير أن يأخذ منه شيئاً، بل يقدر الرطب على رؤوس النخل ويقدر ما يجيء منه من تمر، ثم بعد ذلك ينتظر حتى يتم الجداد وحتى يتم الجفاف ثم تؤخذ بعد ذلك الزكاة؛ لأنه إذا لم يفعل هذا، فإن الغني يمنع من أن يتصرف بالرطب لئلا يتصرف بالمال قبل أخذ الزكاة منه، وفي ذلك تفويت لحاجته، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي قال: " غزونا مع النبي ﵌ في تبوك، فلما جاء مررنا بوادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي ﵌: (اخرصوا) فخرص النبي ﵌ عشرة أوسق " (١) ، فهذا في خرص النخيل.
стр. 1437
وأما في خرص العنب، فقد روى الخمسة - بإسناد فيه انقطاع - عن سعيد بن المسيب عن عتّاب بن أسيد – فالانقطاع بين أسيد (١) وعتاب، فإن سعيداً لم يسمع من عتاب، فهذا انقطاع يسير – قال: " أمرنا النبي ﵌ أن نخرص العنب كما يخرص النخل، ونخرج زكاته زبيباً " (٢) .
فهذا الحديث وإن كان فيه انقطاع، وهو يسير، فإن سعيد بن المسيب مراسيله عند أهل العلم أصح المراسيل، هذا إذا روى عن النبي ﵌، فكيف إذا رواها عن صحابي.
فلو قلنا بضعفه، فهو ضعف يسير ويجبره القياس الظاهر، وهو قياس العنب على النخيل، فإن المصلحة المتقدم ذكرها ثابتة في العنب كما هي ثابتة في الرطب، وإمكان الخرص ثابت في العنب كما هو ثاب في الرطب.
إذاً الخرص مشروع في الثمار.
وأما الحبوب، فإنه لا يشرع فيها، إذ لا فائدة منه، فليس بواردٍ عن صاحب الشريعة وليس بمعنى الوارد.
стр. 1438
إذا عُلم هذا، فاعلم أن الزكاة لا تخرج رطباً ولا تخرج عنباً، وإنما تخرج تمراً أو زبيباً، لا خلاف بين أهل العلم في هذا.
فإذا خرصها، فإنه لا يخرجها رطباً ولا عنباً، وإنما ينتظر حتى يتم الجذاذ ويجف الثمر ثم يؤدى بعد ذلك مرة أخرى إلى صاحب المال فتؤخذ زكاته زبيباً أو تمراً.
يدل على هذا ما ثبت في البخاري عن أبي هريرة قال: " كان النبي ﵌ يؤتى عند صِرام النخيل – أي عند جدادها – فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره حتى يصير عنده كَوْماً، قال: فجاء الحسن والحسين يلعبان بها، فأكل أحدهما منها تمرة، فنظر إليه النبي ﵌ وأخرجها من فيه، وقال: (أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمد) (١) . والشاهد هنا: أنه كان يؤتى بالتمر وهذا الإتيان كان على وجه الزكاة، بدليل قوله (فإن الصدقة لا تحل لآل محمد) .
إذاً المخرج هو التمر والزبيب، فلا يخرج رطباً ولا عنباً.
مسألة:
إذا اختلف الساعي – الخارص – وصاحب الثمر، اختلفوا في الخرص، فمثلاً: خُرصت من الساعي، فكان مقدارها عشرة أوسق، فلما تم جدادها وحصادها وجففت بعد ادعى صاحب الثمر أنها لتسعة أوسق وليست لعشرة أوسق، فإن قوله يصدق بلا يمين؛ فالناس لا يستحلفون في صدقاتهم، فهي حق لله ، واليمين إنما شرعت في حقوق الآدميين، هذا إن كان قوله محتملاً.
أما إن كان قوله لا يحتمل كأن يكون الساعي قدرها بخمسة أوسق وادعى صاحب المال أنها خمسة (٢) أوسق، والساعي من أهل الخبرة والمعرفة، فإن هذا احتمال بعيد ويتبين به كذب صاحب الثمر، فلا يقبل خبره.
стр. 1439
إذاً: إذا ادعى تغليط الساعي بأمر يدل على كذبه، فإن خبره لا يقبل ويُلزم بما قدره الساعي، وأما إذا كان بقدر يحتمل، فإن قوله يقبل بلا يمين.
مسألة:
وهي أنه يترك لصاحب الثمر الثلث أو الربع، فإن خرصت عشرة أوسق مثلاً، فإنه يترك له الثلث مثلاً، وهو ثلاثة أوسق وثلث أو الربع وهو وسقان ونصف. فإن صاحب الثمار يحتاج لشيء من الثمر في الأكل والإهداء والصدقة ونحو ذلك، فيترك له إما الثلث وإما الربع على حسب اجتهاد الساعي، فإذا رآه من الناس الذين تكثر هدياهم (١) ويكثر الإتيان إليهم، فيكثر الأكل من هذا الرطب عندهم، فإنه يترك له الثلث وإلا فإنه يقدر له الربع. هذا هو المشهور في مذهب أحمد وهو مذهب إسحاق.
واستدلوا بما رواه الخمسة إلا ابن ماجه عن سهل بن أبي حثمة قال: " أمرنا النبي ﵌ إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع " (٢)
لكن الحديث فيه جهالة التابعي الراوي عن سهل بن حثمة، وله شاهد عند أبي عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال عن مكحول مرسلاً، وثبت في مصنف بن أبي شيبة بإسناد صحيح: أن عمر بن الخطاب كان يبعث ابن أبي حثمة خارصاً، ويقول له: " إذا أتيت أهل البيت في حائطهم فلا تأخذ منهم قدر ما يأكلون " (٣) .
стр. 1440
وأما جمهور العلماء فإنهم لم يروا ذلك، بل رأوا أنه لا يترك لأهل البيت شيء؛ قالوا: لعموم الأدلة التي تقدم ذكرها، كقوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق) فدل هذا على أن من بلغ ماله خمسة أوسق فتجب عليه الزكاة.
والأظهر في الجملة ما ذهب إليه الحنابلة، فإن أدلتهم مخصصة لما تقدم، هذا أولاً.
ثانيا: لأن الزكاة إنما تتعلق به إذا كان تمراً أو زبيباً، فالتوسيق المتقدم إنما هو حيث كان تمراً وحيث كان زبيباً، وأما قبل ذلك فلا.
لكن ذهب ابن عقيل الحنبلي إلى قول – فيما يظهر لي أصح -، وإن كنا نقول بما ذهب إليه الحنابلة في الجملة أي من إخراج شيء من الرطب وشيء من العنب لصاحب.. البستان.
لكن تقديره بالربع والثلث هكذا مطلقاً فيه نظر.
بل الأظهر ما ذهب إليه ابن عقيل من الحنابلة، فإنه قال: يترك لهم بقدر ما يحتاجون إليه لأكلهم ولهديتهم بالمعروف سواء كان ربعاً أو ثلثاً أو أقل من ذلك ولو كان عشراً.
وهذا أمر ظاهر، فإن بعض الناس يملك بساتين كثيرة لا يحتاج حتى إلى عشرها أو أقل من عشرها. وقول عمر المتقدم يدل على هذا، فإنه قال: " إذا أتيت أهل بيت في حائطهم فلا تأخذ منهم قدر ما يأكلون "، فلم يقدره بالربع والثلث.
وأثر عمر ﵁ أصح من الأثرين المتقدمين عن النبي ﵌، ولأن الأصل وجوب الزكاة في المال.
فعلى ذلك: الأظهر ما اختاره ابن عقيل من الحنابلة، وأنه إذا وجب العنب أو الرطب، فإنه يخرج منه قدراً يحتاجه أهل البيت لأكلهم وهديتهم بالمعروف سواء كان ذلك بقدر الربع أو بقدر الثلث أو بقدر الخمس أو بقدر العشر أو أقل من ذلك، ثم الباقي ينظر فيه، فإن بلغ نصاباً وجبت فيه الزكاة، وإن لم تبلغ نصاباً فلا زكاة فيه.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثالث بعد المئتين
(يوم الأحد: ٢٨ / ١٢ / ١٤١٥هـ)
стр. 1441
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا أخذ من مِلْكه أو مواتٍ من العسل مئة وستين رطلاً عراقياً ففيه عشره]
هنا في زكاة العسل: قال ابن القيم: " ورأوا أن هذه الآثار يقوي بعضها بعضاً، وقد تعددت مخارجها، واختلفت طرقها، ومرسَلُها يُعضد بمسندها " (١)
جمهور العلماء لم يروا وجوب الزكاة في العسل؛ قالوا: لأن الأصل هو عدم وجوب الزكاة، ولا دليل على وجوبها، قالوا: ولم يصح حديث عن النبي ﵌ في هذا الباب.
وقال الحنابلة بوجوب الزكاة في العسل، وهو قول الأحناف، قال الترمذي: " وهو قول أكثر أهل العلم ".
стр. 1442
وأجابوا عن الجمهور: بثبوت الحديث فيه، وأنه قد ثبت عن النبي ﵌ في سنن أبي داود وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أنه أخذ في زكاة العسل العشر) (١)
стр. 1443
، قالوا: والحديث حسن، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أحاديث حسان.
قالوا: وفي مصنف عبد الرزاق أن عمر: أخذ في زكاة العسل في كل عشرة أفرق فرقاً واحداً " لكن إسناده منقطع، واحتج به أحمد، ورواه سعيد كما في المغني.
فجمهور العلماء لم يصححوا هذا الحديث، والأرجح تصحيحه، فعلى ذلك: تجب في العسل الزكاة، كما هو مذهب الحنابلة.
وقول المؤلف: " إذا أخذ من ملكه " أي من أرض مملوكة له، كأن يضع في أرض له منحلاً، فينتج هذا المنحل، فيجب عليه إن بلغ النصاب أن يزكيه أو كان ... ... ... (١) .
وإن كانت الأرض ليست مملوكة لصاحب الزرع، والثمر يتبع النخيل، فمالك النخيل هو الذي تجب عليه الزكاة، وإن كانت الأرض مستأجرة غير مملوكة له.
فالصحيح مذهب الحنابلة، للحديث المتقدم، وأن الزكاة تجب في العسل تبعاً للنخيل من غير نظر إلى الأرض أهي موات أم مملوكة. (٢)
[مئة وستين رطلاً عراقيا]
هذا هو نصاب العسل (١٦٠) رطلاً عراقياً، وقد تقدم أن هذا الوزن من الأوزنة القديمة، لكن يمكننا أن نعرف قدره بقياسه بالمقدار المتقدم.
وقد تقدم أن الثلاثمئة صاع نبوي يساوي ألفاً وستمئمة رطل عراقي، فعلى ذلك: مئة وستون رطلاً عراقياً يساوي ثلاثين صاعاً نبوياً، وتقدم أن الصاع النبوي يساوي أربعة أخماس الصاع الموجودة عندنا، فعلى ذلك تساوي الثلاثين صاعاً = أربعة وعشرين صاعاً من الآصع الموجودة عندنا. فعلى ذلك: إذا ملك أربعاً وعشرين صاعاً، والصاع كيلوان وأربعون جراماً، فنضرب كيلوين جراماً (٣) في أربع وعشرين صاعاً يكون نصاب العسل بالكليوجرامات. هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
стр. 1444
وقيل: إن نصاب العسل ألف رطل عراقي، وقدَّمه الموفق في الكافي، واحتمله في المغني. وهو الأرجح.
أما دليل الحنابلة: فهو ما تقدم من أثر عمر، فقد أخذ عمر من كل عشرة أفرق فرقاً واحداً، والفرق يساوي ثلاثة آصع، فعلى ذلك: من كل ثلاثين صاعاً ثلاثة آصع، والثلاثون صاعاً يساوي مئة وستون رطلاً كما تقدم.
وتقدم أن هذا الأثر إسناده منقطع.
وأما القول الثاني، فإن دليله ما في سنن أبي داود في بعض روايات حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المتقدم قال: (في كل عشر قربات قربة) (١) .
والقربة تساوي مئة رطل عراقي، فعلى ذلك: العشر قرب تساوي ألف رطل عراقي.
فالراجح هو هذا القول؛ لأن أثر عمر إسناده ضعيف، وأعلى منه وأصح هذا الأثر الوارد عن النبي ﵌ وهو مرفوع إليه وإسناده حسن.
فعلى ذلك الواجب في ألف رطل عراقي الزكاة، ويمكن معرفة قدر الألف رطل عراقي بمعرفة قدر المئة وستين رطلاً، فقد تقدم أنها تساوي ثلاثين صاعاً نبوياً، فيمكن معرفة الألف رطل بالآصع النبوية، ثم بالكيلوجرامات بحساب ما تقدم.
فالراجح أن في كل ألف رطل عراقي الزكاة.
والواجب فيه العشر، وقد تقدم هذا في الحديث المتقدم أن النبي ﵌: " أخذ في زكاة العسل العشر "، وفي حديث آخر: " في كل عشر قربات قربة ". فعلى ذلك: الواجب في ألف رطل عراقي مئة رطل.
قال: [والركاز: ما وجد من دفن الجاهلية، ففيه الخمس]
أي ما وجد من مدفونهم، من ركز الشيء إذا أخفاه، وسمي ركزاً لإخفائه.
والركاز باتفاق العلماء هو دفن الجاهلية، أو مدفون أهل الجاهلية.
ويعرف أنه دفن لأهل الجاهلية بكتابة أسمائهم عليه وصورهم وصور مصوراتهم ونحو ذلك.
فما يوجد من الأرض من الكنوز إن وجد فيه علامات الكفار من كتابة أسمائهم أو صورهم أو صور ملوكهم أو صور مصوراتهم فهو الركاز.
стр. 1445
أما إن وجدت فيه علامات المسلمين أو كان في البلاد الإسلامية وليس فيه علامة فليس بركاز.
فالركاز ما يكون من دفن أهل الجاهلية ويعرف بعلامات الكفار أو أن يكون مدفوناً في بلادهم وليست علامات.
أما إن كان مدفوناً في البلاد الإسلامية، وإن لم تكن عليه علامة فهو دفن المسلمين أو كان عليه علامة المسلمين فهو دفن لهم، فليس بركاز وإنما هو لقطة، وسيأتي - في هذا الدرس - الكلام عليها.
أما الركاز: وهو دفن أهل الجاهلية، فيجب فيه الخمس؛ لقوله ﵌: (في الركاز الخمس) (١) ، متفق عليه من حديث أبي هريرة.
وكل مدفون ثبتت فيه علامة الكفار فله أخذه ويمتلكه بذلك، وعليه فيه الخمس، سواء كانت الأرض مواتاً أو مملوكة له أو لغيره أو كانت في ديار الكفار، فلا نظر بالأرض هنا؛ لأن الركاز مودع فيها مخفي فيها، فليس منها، فلا يملك الركاز بملكية الأرض، فإذا وجده في أرض مملوكة لغيره فهو له، أو وجده في موات، فلا يقال إنه لبيت المال، بل متى ما وجده فإنه يمتلكه سواء كانت الأرض مواتاً أو كانت ليست أرضا للمسلمين. أو كانت الأرض مملوكة له أو لغيره؛ لأن هذا الركاز مخفي فيها مودع فيها، فليس من الأرض في شيء فلا يتبعها.
وهل الخمس مصرفه مصرف الزكاة أو مصرفه الفيء؟
جمهور العلماء على: أن مصرفه مصرف الفيء.
وقال الشافعية: مصرفه مصرف الزكاة.
أي هل تصرف الخمس كما يصرف خمس الفيء، فيصرف في مصالح المسلمين في بناء المساجد والقناطر ويدفع لبعض أعيان المسلمين تأليفاً أو نحو ذلك مما يكون فيه مصلحة، أم أنه مصرفه مصرف الزكاة، فلا يصرف إلا للأصناف الثمانية؟
قولان لأهل العلم، وتقدما.
стр. 1446
والقول الراجح هو مذهب جمهور العلماء، وأن مصرفه مصرف الفيء؛ وذلك لأنه مال كافر أُخذ في الإسلام، فأشبه الغنيمة، ولذا وجب فيه الخمس، كما يجب في الغنيمة.
فعلى ذلك يصرفه الإمام في مصالح المسلمين كما يصرف الفيء.
وهل له أن يتصرف فيه بمصالح المسلمين أي وحده، أم لابد وأن يدفعه إلى الإمام؟
قولان لأهل العلم:
المشهور عند الحنابلة، وهو مذهب الأحناف: أنه له أن يتصرف به، فيعطيه أهله ممن يصح أن يصرف لهم الفيء، فيصرفه في مصالح المسلمين ونحو ذلك، وفيه أثر عن علي في البيهقي، لكن إسناده ضعيف.
وقال بعض الحنابلة، وهو مذهب أبا (١) ثور: أنه ليس له ذلك، بل يدفعه إلى الإمام، والإمام يصرفه في مصالح المسلمين، كما يصرف الفيء. وهذا القول هو الراجح؛ لأن الإمام هو الناظر في مصالح المسلمين، وما دام هو الناظر فيها، فإن التصرف لا يصح إلا منه.
فعلى ذلك: يجب دفعه للإمام ليصرفه في مصالح المسلمين كما يصرف الفيء، وأما أثر علي فإسناده ضعيف.
وقد اتفق العلماء على الواجب في الركاز يدفع بمجرد إخراجه، فإذا أخرجه وتمكن من الأداء أخرج، قياساً على الخراج من الأرض من الزروع والثمار. وهذا باتفاق العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإنه لا ينتظر حتى يحول عليه الحول، بل بمجرد إخراجه من الأرض يخرج خمسه؛ ولأنه كما تقدم ليس من باب الزكاة، ومضي الحول إنما هو في الأموال الزكوية، وأما هذا فهو يصرف مصارف الفيء، فليس إذاً من باب الزكاة، والحولية إنما هي شرط في الأموال الزكوية.
قال: [في قليله وكثيره]
стр. 1447
ليس له نصاب، فنصاب الذهب عشرون ديناراً، فإذا وجد كثيراً لا يصل إلى هذه القيمة فتجب عليه فيه الزكاة؛ لأن الحديث عام، فقد قال النبي ﵌: (وفي الركاز الخمس) (١) ، فهو عام في كل ركاز، قليلاً كان أو كثيراً؛ ولأنه كما تقدم ليس من الأموال الزكوية والأنصبة إنما تشرع فيها.
فعلى ذلك: القدر الذي يجده يخرج خمسه، سواء كانت تساوي نصاب الذهب والفضة أو لم تكن تساويهما، فتجب فيه الزكاة. هذا إذا كان من دفن الجاهلية.
أما إذا كان من دفن المسلمين، ويعرف ذلك إما بعلامات المسلمين أو لا تكون فيه علامات، لكن يوجد في البلاد الإسلامية، فهذا هو دفن المسلمين.
فلِما تقدم أن الركاز لا يتبع الأرض، فإذاً هو لا يتبع مالكها، بل يكون له حكم اللقطة، فتعرفه سنة، فإن جاء صاحبه وإلا ملكه، هذا إذا كان في أرض مملوكة، أما إذا وجده في موات من الأرض كفلاة، فهذا لا يمكن تعريفه، فإنه يكون عليه فيه الخمس، فيكون له حكم الركاز.
стр. 1448
ودليل هذا ما ما ثبت عند أحمد وسنن أبي داود والنسائي بإسناد حسن أن النبي ﵌ سئل عن اللقطة، فقال: (إن كانت في طريق مأتي وأرض عامرة فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا ملك، فإن لم تكن في طريق مأتي ولا قرية عامرة، ففيها وفي الركاز الخمس) (١) .
إذاً إن وجد دفناً عليه علامات المسلمين ولم يتمكن من معرفة أصحابه، أما إذا كانت العلامات تدل على أصحابه فهو ملك لهم، أما إذا لم يكن فيه علامات أو فيه علامات لا يهتدى بها إلى معرفة صاحبها، فإنه يعرفها سنة ثم يملكها إن كانت في أرض عامرة أو طريق مأتي. أما إذا كانت في موات من الأرض بحيث إنه يبعد معرفة صاحبها والوصول إليه، فإنه يمتلكها وعليه فيها الخمس، والخمس حكمه كالخمس المتقدم.
ولم يذكر المؤلف هنا زكاة المعادن وقد ذكرها الشراح فهذا موضعها:
والمعادن: جمع معدِن بكسر الدال من عدن أي أقام ومكث.
والمراد بالمعادن: ما يخرج من الأرض من ذهب أو فضة أو زئبق أو رصاص أو حديد أو غير ذلك مما يخرج من الأرض.
والمعادن تبع للأرض، لأنها مودعة فيها خلقة، فكانت تبعاً لها؛ لأن مالك الأرض يملكها ويملك قرارها.
стр. 1449
جماهير العلماء على وجوب الزكاة في المعادن في الجملة – أي فيه خلاف في أنواع المعادن التي تجب فيها الزكاة، لكنهم مجمعون على أصل هذه المسألة، وأن الزكاة ثابتة في المعادن.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ (١) فيدخل في عمومه المعادن، فإنها مما تخرج من الأرض. وفي الموطأ وسنن أبي داود بإسناد مرسل، وأصله عند أبي داود موصولاً، لكن الشاهد فيه هنا مرسل أن النبي ﵌ أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم " (٢) .
والأظهر أن هذا من قول الراوي، فلا يكون موصولاً ولا مرسلاً، وإنما الثابت عن النبي ﵌ هو إقطاعه لبلال بن الحارث المعادن القبلية، وأما قوله هنا: " فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم " فالظاهر أنه من قول بعض الرواة، وهو من حديث ربيعة الرأي عن بعض أشياخه عن غير واحد، فهو إذاً من قول بعض أهل المدينة، فهو قول ربيعة أو من روى عنه، فليس بمرسل ولا بموصول، لكن يمكن الاستدلال بالآية ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ ، والآية عامة فيدخل في عمومها المعادن.
وعليه العمل عند أهل العلم، فقد اتفقت المذاهب الأربعة كلها على القول بهذا، وأن الزكاة تؤخذ من المعادن في الجملة.
- وخالف في ذلك الظاهرية، فقالوا: لا تجب الزكاة فيها لعدم الدليل، والأصل هو عدم الوجوب.
لكن العمل بعموم الآية المتقدمة، وما تقدم من عمل أهل العلم.
وقد قال الراوي: " فتلك المعادن لا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم "، يمكن الاستدلال به بما يسمى بالاستصحاب المقلوب، وهو عكس الاستصحاب الذي يُعد من الأدلة الشرعية.
стр. 1450
وصفة الاستدلال بالاستصحاب المقلوب هنا أن يقال: إن ثبوت أخذ الزكاة فيه في عصر التابعين، فإننا نستصحب هذا الأخذ إلى عصر الصحابة إلى عصر النبي ﵌؛ لأن الأصل هو عدم التغير.
ولاشك أن هذا الاستصحاب فيه شيء من الضعف، لكنه يقوي ما تقدم.
فعلى ذلك جمهور العلماء وهو الأظهر أن الزكاة واجبة ففي المعادن.
وخصها الشافعية والمالكية بمعادن الذهب الفضة، أما غيرها من الجواهر والياقوت فلا زكاة فيها.
وقال الحنابلة بالعموم، وهو الراجح؛ لأن الآية عامة ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ ، فهو عام في كل معدن.
أما ما رواه البيهقي أن النبي ﵌ قال: (لا زكاة في الحجر) (١) ، فإن الحديث لا يصح عن النبي ﵌.
*
قال جمهور العلماء: ونصابه نصاب الذهب والفضة؛ وذلك لأن الشارع لم يحدد له نصاباً ولا قدراً مخرجاً، فحينئذ ننظر إلى قيمته كعروض التجارة، فإذا كانت قيمته تساوي عشرين ديناراً، كأن يخرج رصاصاً أو حديداً يساوي عشرين ديناراً، ففيها الزكاة، والقدر المخرج هو ربع الشعر.
إذاً ننظر إلى قيمتها؛ وذلك لأنها إنما يستفاد منها بالاستفادة من قيمتها، وهي تشبه عروض التجارة، وكما تقدم، فإن الشارع لم يحدد لها نصاباً، فيقدر النصاب بالذهب والفضة، فإذا بلغت قيمتها نصاب الذهب والفضة، ففيها الزكاة، والواجب فيها هو ربع العشر. (٢)
стр. 1451
الزكاة تخرج كما تخرج زكاة الركاز، فمجرد إخراج المعدن من الأرض تجب الزكاة فيه، قياساً على الزروع والثمار، فإنهما داخلان في عموم قوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ (١) ، فكما أن الزروع والثمار وهي المخرجة من الأرض تجب زكاتها بمجرد الحصول عليها والتمكن من الأداء، فكذلك في المعادن.
إذاً: المعادن تجب فيها الزكاة، والزكاة تجب في كل معدن فيها، ونصابها والمخرج منها قدره قدر قيمتها من الذهب والفضة، ويخرج بمجرد الحصول عليها.
وهل تجب الزكاة في المخرج من البحر من اللؤلؤ والعنبر ونحو ذلك؟
قولان لأهل العلم:
١- القول الأول، وهو مذهب الجمهور، وهو المشهور عند الحنابلة: أنه لا تجب فيه الزكاة.
قالوا: لأن الأصل عدم وجوب الزكاة، ولا دليل على وجوب الزكاة فيما يخرج من البحر، ولأنه يوجد ملقياً على البحر في غالب أحواله، فأشبه ما يعثر عليه في الأرض من المباحات التى لا تجب فيها الزكاة.
٢- والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الزكاة تجب فيه قياساً على المخرج من الأرض، فكما أن المخرج من الأرض تجب فيه الزكاة، فكذلك المخرج من البحر. وهذا قياس ظاهر. والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
باب زكاة النقدين
الدرس الرابع بعد المئتين
(٢٩ / ١٢ / ١٤١٥ هـ)
باب زكاة النقدين
النقدان: مثنى نقد، وهو ضد النسيئة، بمعنى منقود أي معطى، فالنقد هو ضد النسيئة والتأخير، والأثمان تنقد نقداً، فليست محلاً للتأخير، فإذا دفع مثلاً مئة دينار، فإنه قد نقد الثمن أي دفعه حاضراً.
وهي من نقد الدرهم والدينار، أي نقد جيده من رديئه، أي ميز الطيب من الرديء.
والنقدان هما الذهب والفضة.
فهذا الباب في زكاة الذهب الفضة.
وقد أجمع العلماء على فرضية الزكاة فيهما – الذهب والفضة -، وهما النقدان، وهما أثمان الأشياء. وأما الحلي من الذهب والفضة فسيأتي الكلام عليها في الدرس القادم.
стр. 1452
قال المؤلف: [يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً]
المثقال: يساوي في أصح ما ظهر لي من الأقيسة أنه يساوي أربعة جرامات وربع الجرام، فعلى ذلك النصاب يساوي خمسة وثمانين جراماً، وهي ما يساوي عندنا نحو ثلاثة آلاف ريال. هذا نصاب الذهب.
يدل على ذلك:
أما على أن نصاب الذهب عشرون ديناراً وعلى أن القدر المخرج منه هو ربع العشر: ما روى أبو عبيد القاسم من سلام في كتابه الأموال عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري – وهو ثقة تابعي – أن في كتاب رسول الله ﵌ في الصدقة وكتاب عمر: أن الذهب لا يؤخذ منه شيء حتى يكون عشرين ديناراً، ففيه نصف دينار، وأن الورق – وهو الفضة – لا يؤخذ منه شيء حتى يكون مئتي درهم، فإذا بلغ مئتي درهم ففيه خمسة دراهم " (١)
وهذا الحديث مرسل، لكن له شاهد عند ابن ماجه من حديث عائشة وابن عمر (٢) ، والحديث سنده ضعيف، لكن يصح شاهداً، وله شاهد أيضاً عند أبي داود عن علي قال: قال رسول الله ﵌: (إذا كان لك مئتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) (٣)
، والحديث إسناده حسن، لكن الراجح وقفه على علي، ولا يعلم له مخالف.
стр. 1453
وقد عمل أهل العلم بهذه الآثار، فعليها العمل عند أهل العلم، فقد أجمعوا على فرضية الزكاة في الذهب والفضة، وأن الواجب فيها ربع العشر، وعامتهم على أن نصابها عشرون ديناراً.
إلا ما روي عن الحسن: أن نصاب الذهب أربعون ديناراً، وروي عنه موافقته أهل العلم، ولا دليل له على ذلك.
إذاً نصاب الذهب عشرون ديناراً، والواجب فيه ربع العشر.
قال: [وفي الفضة إذا بلغت مئتى درهم ربع العشر منهما]
فقد ثبت في البخاري من حديث أنس في كتاب أبي بكر في الصدقة، وفيه: " وفي الرِّقة – أي الفضة – إذا بلغت مئتي درهم ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومئة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها " (١) .
كما أن الآثار المتقدمة تدل على هذا، وقد أجمع أهل العلم عليه، وأن الواجب في مئتي درهم ربع العشر.
إذا علم هذا، فاعلم أن جماهير العلماء على أن المعتبر في زكاة النقدين هو الوزن.
وقد تقدم وزن الذهب وأنه يساوي عندنا فيما يظهر خمسةً وثمانين جراماً، وأما الفضة فإن مئتي درهم يساوي مئة وأربعين مثقالاً، والمثقال من الفضة يساوي جرامين وتسعمئة وخمساً وسبعين بالمئة، وعلى ذلك: نصابه بالجرامات يساوي خمسمئة وخمساً وتسعين جراماً.
فالمعتبر عند جماهير العلماء هو الوزن.
стр. 1454
فعليه عشرون ديناراً يساوي عشرين مثقالاً، ومئتي درهم يساوي مئة وأربعين مثقالاً، فإذا كانت العشرون ديناراً لا تساوي إلا عشرة مثاقيل، كأن يضرب الناس دنانير تسمى دنانير، لكن الدينار فيها لا يساوي إلا نصف مثقال، فلا تكون النصاب عشرين مثقالاً، بل يكون أربعين مثقالاً، لأن المعتبر هو الوزن، فلا ينظر إلى العدد، أما إذا ملك عشرين مثقالاً لكنها لا تساوي إلا عشرة مثاقيل أو لا تساوي إلا خمسة عشر مثقالاً فلا يجب فيها الزكاة، وكذلك في الفضة، فإن ملك مئتي درهم لكنها لا تساوي مئة وأربعين مثقالاً، فإن الزكاة لا تجب عليه.
واستدلوا بما ورد في أبي داود وغيره في قول النبي ﵌، والحديث حسن في زكاة الفضة قال: (إذا بلغت خمس أواق) (١) ، فذكر النبي ﵌ نصاباً له وزناً، فالأوقية وزن.
وقال شيخ الإسلام: بل المعتبر العدد من غير نظر إلى الوزن.
وعليه: ما نسميه نحن الريالات تقوم مقام الدراهم،.. .. .. (٢) فسيأتي الكلام على الأوراق النقدية، لكن لو ضربت دراهم سميت بريالات أو بغيرها من الأسماء ضربت من الفضة، والدرهم فيها لا يساوي وزناً الدرهم الذي كان على عهد رسول الله ﵌، لكنه يسمى درهماً، وكذلك في الدينار، كأن يضرب دينار لا يساوي إلا نصف مثقال، فإنه متى ما بلغ العدد المذكور، فإن الزكاة تجب فيه.
стр. 1455
واحتج ﵀ بأن الدراهم في عهد النبي ﵌ لم تكن ذات وزن واحد، بل كانت ذات أوزان مختلفة، فمنها ما وزنه ثمانية دوانق، ومنها ما وزنه أربعة دوانق، حتى كان عهد عبد الملك بن مروان فضرب الدرهم الإسلامي الذي يساوي ستة دوانق، قال: فلا يمكن أن يحكم على ما ورد عن النبي ﵌ بهذا الدرهم الحادث. فهذا درهم حادث، فهذه الأوزان إنما تعود إلى دراهم ودنانير فضربت في عهد عبد الملك بن مروان، فلا يحكم على القديم بما هو حادث.
فهو يرى أن الزكاة متعلقة بعدد الدراهم والدنانير من غير نظر إلى الوزن، واحتج بأن الدراهم والدنانير لم تكن في عهد النبي ﵌ ذات وزن واحد، بل لها أوزان مختلفة، فعلق النبي ﵌ الزكاة بعددها، وحيث كان كذلك، فإذا وجدت دنانير ودراهم، فإن الزكاة تجب فيها إذا بلغت العدد المتقدم، وإن كانت لا تساوي الوزن الذي تقدم.
وفيما ذكره شيخ الإسلام ﵀ نظر، فإنه لا يعقل أن تكون الدراهم أو الدنانير التي تتعلق بها قيم الأشياء وتتم بها الأنكحة في مهورها، والبيوع ونحو ذلك من الأحكام الشرعية لا يمكن أن تكون مختلفة الأوزان، وحيث كانت مختلفة في الواقع، فإنه لابد أن يكون هناك قدر هو المتعارف عليه، فإذا وجد دينار يساوي ضعف غيره من الدنانير، فإنه يحكم له بأنه بقيمة دينارين، فنحن وإن سلمنا لم تضرب في عهد النبي ﵌، والأمر كذلك، وإنما ضربت – كما تقدم - في عهد عبد الملك، فإنا لا نسلم أنها كانت مجهولة القدر، بل لها قدر ظاهر واضح بيّن، فهي قيم الأشياء وبها تتم أنكحة الناس وبيوعهم وحقوقهم (١) متعلقة بها، ونحو ذلك من الأحكام الشرعية التي تتعلق بالدرهم والدينار.
стр. 1456
كما أن الشارع لا يمكن أن يجمع بين المختلفات، فيوجب في مئتي درهم الدرهم فيها قدر أربعة دوانق يوجب فيه الزكاة، ولا يوجب الزكاة مما يبلغ الدرهم فيها ثمانية دوانق حتى يبلغ هذا العدد، فإن المئة درهم مما يكون وزنه ثمانية دوانق تساوي مئتي درهم مما يكون وزن الواحد فيها أربعة دوانق، فكيف يفرق الشارع بينهما مع أنهما متساويان.
فالأظهر مذهب جمهور العلماء من اعتبار الوزن خلافاً لشيخ الإسلام.
وأما الأوراق النقدية المعاصرة، وهي ما تسمى " بنك نوت "، وتسمى بالأنواط في كلام الفقهاء المعاصرين.
وهي لغة: " بنك نوت " لغة فرنسية بمعنى الأوراق النقدية.
فهذه الأوراق اختلفت فيها أنظار الناس من الفقهاء المعاصرين:
فمنهم من قال: هي وثائق دين، يعني ليست أثماناً، وإنما هي وثيقة كما لو اقترضت من رجل مالاً فأعطيته ورقة فتثبت فيها هذا الحق الذي عليك، فهي وثيقة دين.
وهذا اعتماد على ما يكتب فيها من التزام مؤسسة النقد بدفع ما يقابلها من ذهب وفضة.
وهذا ضعيف، فإن هذه الكتابة المقصود منها توثيقها وإلا فإن صاحب الورق لا يعطي قيمتها من الذهب والفضة، لكن المقصود من هذه الكتابة هو توثيق هذه الأوراق وإعطائها قيمتها. وهذا القول فيه شدة، إذ يترتب عليه الأحكام الكثيرة من عدم جواز السلم فيها، ومن مسائل كثيرة تترتب على هذا، كما أنه لا يجوز شراء الذهب الخالص بها ولا شراء الفضة الخالصة بها؛ لأنها تعتبر ديون، فلا يجوز أن يشترى ذهباً فيها وإن دفعها، ولا فضة وإن دفع هذه الأوراق النقدية؛ لأنها ديون، والواجب أن يكون الشراء يداً بيد في الأموال الربوية، فهذا مع ضعفه فيه ضيق وشدة.
وأوسع المذاهب من قال: إنها عروض تجارة، وحجته: أنها مال مرغوب فيه، وليست بذهب ولا فضة، فأشبه العقارات وغيرها من العروض كالأقمشة وغيرها التي تباع وتشترى.
стр. 1457
وهذا أيضا ضعيف؛ لأن قيمتها في الحقيقة قيمة ثمنية، إذ لو أن السلطان أبطلها - أي أبطل التعامل بهذه الورق المعينة لم يبق لها قيمة مطلقاً. وهذا أوسع المذاهب.
ويترتب على هذا القول جواز الربا فيها بنوعيه، ربا الفضل وربا النسيئة؛ لأنها عروض تجارة، فكما لو استبدل أقمشة بأقمشة، فله أن يستبدل مئة ألف بخمسة آلاف، سواء كان ذلك حاضراً أو نسيئة؛ لأنها ليست بأثمان، بل هي عروض تجارة.
وقال بعض أهل العلم: بل هي بدل عن الذهب والفضة، فلها أحكام الذهب والفضة؛ لأنها – على رأي هذا القائل - لابد مقابلها في صندوق النقد ذهب وفضة، فتعطى حكمه.
وعليه: إذا كانت بدلاً من الذهب، فنصابها نصاب الذهب، سواء كانت.. ... (١) نحو ثلاثة آلاف ريال. وأما إن كانت بدلاً عن الفضة فنصابها نصاب الفضة، وهو نحو أربعمئة أو خمسمئة ريال، وربما زاد أو نقص. فهذا القول يقول هي بدل عن الذهب والفضة، والبدل له حكم المبدل منه، فعلى ذلك يعطى حكم الذهب والفضة. وعليه: فإنه يترتب على هذا أن الأوراق النقدية المختلفة التي تكون من بلاد مختلفة يقع الربا بينها، أي ربا الفضل وربا النسيئة؛ لأنها كلا من جنس واحد.
فمثلاً الدولارات والريالات، إن قلنا أن أصلها ذهب، فلا يجوز أن يعطيه دولارات بريالات متفاضلة؛ لأنها من جنس واحد، وهو الذهب.
وذهب بعض أهل العلم، وهو أصحها: أن الأوراق النقدية من الريالات والدولارات وغيرها أثمان مستقلة بنفسها.
стр. 1458
أما كونها أثمان، فهذا ظاهر؛ فإن لها قيمة الذهب والفضة تماماً في البيع والشراء ونحو ذلك، ولا فرق بينها وبين الذهب والفضة في التعامل القديم، بل قد طغى التعامل بها بظهور ووضوح على التعامل بالذهب والفضة، بل لا يكاد أن يتعامل الناس بالذهب والفضة، بل ربما لا يتعاملون بها على أنها أثمان، وإنما يتعاملون بالأوراق النقدية، فهي الأثمان، ففيها البيع والشراء، فقد أخذت مكان الذهب والفضة تماماً، حتى لا تسمع في القوانين عامة الشرعية وغيرها من لم يقبلها على أنها ثمن للأشياء.
وأما كونها مستقلة - أي مستقلة عن الذهب والفضة -؛ فلأن هذا هو الواقع، فإن الواقع أن رصيدها في بيت النقد ليس بذهب على الخصوص أو فضة على الخصوص، بل يجتمع فيه الذهب والفضة والمعادن والعقارات وغير ذلك من الأموال، فليس لها رصيد محدد من ذهب أو فضة حتى نجعلها بدلاً من أحدهما، بل رصيدها من أموال مختلفة، فقد يكون رصيدها من البترول أو من بعض المعادن الأخرى ومن الذهب والفضة ومن العقارات ونحو ذلك، وربما كان رصيدها الثقة الدولية التي تعطى لهذه الدولة. فعلى ذلك: أصبحت مستقلة بنفسها، وحيث كان كذلك،فإن كل ورقٍ نقدي لبلد جنس مختلف، فعليه: يجوز التفاضل بين الريالات والدولارات أو غيرها من الأموال.
وهذا لاشك أن فيه دفعاً لحاجة الناس ورفعاً للحرج عنهم مع المحافظة على الأحكام الشرعية من وجوب الزكاة وتحريم الربا ونحو ذلك، فيثبت الربا بنوعيه، ربا الفضل وربا النسيئة فيها، وتثبت الزكوات فيها، كما أن هذا في كل جنس منفرداً، وفيما بينها لا يثبت إلا ربا النسيئة الذي هو أقبح الربا وأعظمه.
فعلى ذلك: أصح الأقوال للمعاصرين في مسألة الأوراق النقدية أنها أجناس مختلفة، وهي أثمان مستقلة عن الذهب والفضة. وحينئذ يشكل علينا نصابها، فهل يكون نصابها نصاب الذهب أو يكون نصابها نصاب الفضة؟
стр. 1459
وحيث هي أثمان، فإن نصابها بالقياس الظاهر هو نصاب الأثمان، لكن هل يكون نصابها نصاب الذهب أو نصاب الفضة؟
فهل.. .. (١) الريالات خمسا وثمانين جراماً أوجبنا فيها الزكاة، أم أنها.. . . خمسمئة وخمس وتسعين جراماً من الفضة أوجبنا فيها الزكاة؟
ثلاثة أقوال أيضا للمعاصرين:
فمن المعاصرين من قال: نصابها نصاب الفضة؛ لأن نصاب الفضة مجمع عليه، ولأنه ثابت في البخاري، والأحاديث الواردة فيه أصح.
وقال بعضهم: إن الزكاة تجب إذا بلغ أدنى النصابين، فإذا ساوى الفضة وجبت فيه الزكاة، وإن لم يساو الذهب، فإن كان نصاب الذهب أقل من نصاب الفضة، فإذا بلغ نصاب الذهب وجبت فيه الزكاة، وإن لم يبلغ نصاب الفضة. وهذا أقوى في النظر؛ وذلك لأنها كليهما أثمان تجب فيه الزكاة، فإذا بلغ نصاب أحدهما، وجبت فيه الزكاة وإن لم يبلغ نصاب الآخر.
والقول الثالث: أن الواجب فيه نصاب الذهب؛ قالوا: لأن نصاب الفضة يسير لا يقارن بالأنصبة الواردة في الشرع في أربعين شاة أو خمس من الإبل وغيرها مما ورد في الشريعة من أنصبة الأموال. فإن نصاب الريالات السعودية لو حددناه بنصاب الفضة فإنه يساوي خمسمئة ريال، وهذه لا تساوي شاة واحدة، فيبعد أن يوجب الشارع في مثل هذا المبلغ الزكاة، فإن في ذلك إجحافاً بصاحب المال.
وأما الذهب، فإنه يصل كما تقدم إلى ثلاثة آلاف، وهذا يقرب أن يكون نصاباً يعرف به الغني.
وهذا القول فيما يظهر لي أقوى هذه الأقوال؛ لأنه ليس فيه إجحاف بصاحب المال، ولأن الشرع لا يعلق الزكاة بمثل هذا المبلغ اليسير، فإن الشاة كانت تساوي الدرهم ونحوه، فمئتا درهم تأتي بها مئة شاة ومئتى شاة، وأما هنا،فإنه بالنظر إلى نصاب الفضة لا تساوي الريالات إلا الشيء اليسير من الأموال. فالأظهر هو تقويمها بنصاب الذهب. كما أن الذهب أقوى في الثمنية من الفضة.
стр. 1460
فأظهر الأقوال أن يقدر بالريالات بالذهب، وأحوطها هو القول الثاني، وهو أنها إذا ساوت أدنى النصابين من الذهب والفضة فإن الزكاة تجب فيها. الله أعلم.
قال: [ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب]
هذا المشهور عند الحنابلة، وهو مذهب جمهور العلماء، قالوا: لأن الذهب والفضة المقصود منهما واحد، فهما أثمان الأشياء وقيمها، فعلى ذلك: إن ملك نقداً من الذهب، ونقداً من الفضة، بحيث إن كل واحد من النقدين لا يبلغ نصاباً، وبمجموعهما يبلغان النصاب، فإن الزكاة تجب عليه، وهي ربع العشر.
- وقال الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد (١) : إنه لا يضم بعضهما إلى بعض؛ لأن كلاًّ منهما جنس مختلف عن الآخر، كالإبل والبقر والغنم، فكل منها جنس يختلف عن الآخر، فلم يضم بعضها إلى بعض لاختلاف جنسيهما.
والأظهر ما تقدم، وهو القول الأول، فإن جنسيهما وإن اختلفا، فهما بمعنى الجنس الواحد، فهما قيم الأشياء، فعلى ذلك: الأظهر مذهب الجمهور أن الذهب والفضة يضم بعضها إلى بعض.
وهذه مسألة غير واقعة لنا في الأزمنة المعاصرة إلا أن يقال هذا على القول الذي تقدم اختياره، وهو في الأوراق النقدية المختلفة، كأن يكون يملك دولارات وريالات، وقلنا إن كلا منهما جنس مجرد عن الآخر، فإنه يضم بعضها إلى بعض كما يضم الذهب والفضة.
فإذا ضم بعضها إلى بعض، فهل يكون هذا بالأجزاء أم بالقيمة؟
قال جمهور العلماء: يكون هذا بالأجزاء.
وصورة هذا: إذا ملك نصف نصاب الذهب وهو عشرة الدنانير، وملك نصف نصاب الفضة وهو مئة درهم، فإن الزكاة تجب عليه، فقد ملك نصفاً من هذا، ونصفاً من هذا، فيتم النصاب.
كذلك إذا ملك ثلثاً من نصاب الفضة، وثلثين من نصاب الذهب أو العكس، فإن هذه الأثلاث تجتمع فتكون نصاباً. هذا إذا قلنا:إنها تضم بالأجزاء.
стр. 1461
أما إذا قلنا: إنها تضم بالقيمة، فإذا ملك عشرة دنانير وملك خمسين درهماً وهي تساوي ربع نصاب الفضة، وهذه الخمسون درهماً تساوي عشرة دنانير، لأن قيمة الذهب والفضة تختلف باختلاف الأزمان ونحو ذلك، بل قد يكون في الزمن الواحد بل بالأيام يحصل اختلاف في قيمة الذهب والفضة، فمثلاً إذا كان يملك خمسين درهماً ويساوي عشرة دنانير، وعنده عشرة دنانير، فهذه عشرون ديناراً، فتجب عليه الزكاة.
وقال أبو حنيفة: إن الضم يكون بالقيمة، وخالفه فيه صاحباه فوافقوا جمهور العلماء.
فجمهور العلماء على أن الضم يكون بالأجزاء، فإذا ملك نصفاً من هذا ونصفاً من هذا وجبت عليه الزكاة، فلو ملك عشرة دنانير ومئة درهم، وهذه المئة درهم لا تساوي إلا ثمانية دراهم، فإنه تجب عليه الزكاة.
أما أهل القول الأول، فقالوا: إنا لا ننظر إلى القيمة إذا كانا منفردين، فكذلك إذا ضم بعضها إلى بعض.
فعندما يملك عشرين ديناراً وهذه العشرون لا تساوي إلا مئة درهم، فإن الزكاة تجب عليه اتفاقاً، فلم ننظر إلى القيمة، وكذلك من ملك مئتي درهم، فإن الزكاة تجب عليه وإن لم تساو إلا عشرة دنانير، قالوا: فلم ننظر في القيمة وهما منفردان، فكذلك لا ننظر فيها وقد ضم بعضا إلى بعض. هذا هو مذهب الجمهور.
وأما القول الثاني، وهو الاعتبار بالقيمة، فقالوا: إن هذه العشرة دنانير لا تساوي إلا خمسين درهماً، فحينئذ يكون ماله بمجموعه لا يساوي نصاباً، وهذا فيما يظهر لي أقوى.
стр. 1462
وذلك لأن كوننا ننظر إليهما منفردين لأنهما مال واحد أوجب الشارع فيه الزكاة، وأما هنا فإنهما لم يبلغا نصاباً شرعياً، وإنما بجموعهما قد بلغاه بالقيمة، فحيث كان ذلك فقد وجبت الزكاة. وحيث لم يكن مجموعهما يصل إلى قيمة ما تجب فيه الزكاة فإن الزكاة لا تجب فيهما، ولا شك بالفارق بين ما إذا كانا منفردين وما إذا كانا مضمومين: بأنهما إذا كانا منفردين فقد بلغا النصاب الشرعي، وأما إذا كانا غير منفردين فإن كلاًّ منهما لم يبلغ النصاب الشرعي، وحيث لم يبلغ النصاب الشرعي، فإنا حينئذ نعلق الحكم بقيمته؛ لأن الشارع لا يفرق بين المتماثلات، فحيث كان عنده من الدراهم والدنانير ما يساوي مئة درهم أو عنده من الدراهم والدنانير ما يساوي عشرين ديناراً، فإن الزكاة تجب عليه، لأنه كما لو كان عنده عشرون ديناراً.
فالذي يظهر لي وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة من الاعتبار بالقيمة هنا لا بالأجزاء. والله أعلم.
قال: [وتضم قيمة العروض إلى كلٍ منهما]
رجل عنده دكان وعنده دراهم قد حال عليها الحول، فهذه الدراهم التي حال عليها الحول لا يبلغ نصاباً وبضمها إلى قيمة العروض يكون مجموعها نصاباً، فإن قيمة العروض تضم إليها، سواء كانت دراهم أو دنانير، وهذا ظاهر؛ لأنه تقدم أن العروض تجب الزكاة في قيمتها، وقيمتها دراهم أو دنانير، فعلى ذلك: تضم.
فإذا كان عنده دكان فقومه بدراهم، وعنده دراهم قد حال عليها الحول، وإذا أفرد كلاً منهما لم يتم نصاباً، فإنه يضم بعضها إلى بعض، ويجب عليه ربع العشر؛ لأن العروض من جنس الدراهم والدنانير، لأن النظر في قيمتها لا في أعيانها. والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الخامس بعد المئتين
(يوم الثلاثاء: ١ / ١ / ١٤١٦ هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويباح للذكر من الفضة الخاتم]
стр. 1463
لما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: " اتخذ النبي ﵌ خاتماً من فضة " (١) . فخاتم الفضة جائز لثبوته عن النبي ﵌.
قال: [وقبيعة السيف]
هي ظرف مقبض اليد منه، فيجوز أن يكون من فضة؛ ودليل هذا ما ثبت في مسند أحمد وأبي داود والترمذي بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك قال: " كانت قبيعة سيف النبي ﵌ فضةً " (٢) .
قال: [وحلية المِنْطَقة]
المنطقة: تقدم أنها ما يشد به الوسْط، وهو من ملبوس الرجال سابقاً، فإذا وضع في أطرافه شيء من فضة، فحليت بالفضة فلا بأس.
стр. 1464
وذكر الحنابلة في ذلك آثاراً عن الصحابة لم أقف على عزوها، ولم يعزوها، والقياس يدل على جوازه، وأظهر منه ما سيأتي من إباحة الفضة للرجال مطلقاً مما هو اختيار شيخ الإسلام. قالوا: ومثل ذلك رأس المكحلة وحلية الدرع وحلية المغفر أو أن يضع شيء في النصل أو نحو ذلك، فكل هذا جائز لا بأس به من باب القياس على الحلية التي توضع في السيف التي تقدم ثبوت فعلها عن النبي ﵌.
وما سوى ذلك فهو محرم. هذا هو المذهب.
قال صاحب الفروع: " ولم أجدهم يحتجون على تحريم لبس الفضة على الرجال، ولا أعرف على تحريم لبس الفضة على الرجال نصاً عن أحمد ".
- وهناك قول في المذهب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو القول الثاني في المسألة، وقد قواه صاحب الفروع: وهو أي لبس الفضة للرجال جائز مطلقاً؛ وذلك لأن الأصل في الأشياء الإباحة كما قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ (١) ، ومن ذلك الفضة، فالفضة مما خلقه الله لنا، فهو جائز لنا، ولا دليل يحرمه، وقد دلت الأدلة على جوازه للنساء، وهو بإجماع العلماء جائز لهن، والأصل أن ما جاز للنساء فهو جائز للرجال كما أن ما جاز للرجال فهو جائز للنساء إلا بدليل يدل على التخصيص ولا دليل يدل على ذلك. هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وأن لباس الفضة جائز مطلقاً للرجال.
وأما كون الآنية محرمة منه، فإن باب اللباس أوسع من باب الآنية، بدليل أن الآنية محرمة على النساء كما تقدم، فالنساء لا يجوز لهن أن يشربن في آنية الذهب والفضة ويجوز لهن أن يلبسن الذهب والفضة، فباب اللباس أوسع من باب الآنية.
стр. 1465
فلبس الفضة للرجال جائز مطلقاً على الراجح إلا أن يدل دليل على التحريم، كأن يكون اللبس فيه تشبه بالنساء، فقد دلت الأدلة الشرعية على تحريم تشبه الرجال بالنساء، فلا يجوز أن يلبس سواراً أو غير ذلك، لكن إن لبسه لبساً يختص بالرجال فلا بأس بذلك.
ومما يدل على الفرق بين الذهب والفضة أن خاتم الفضة جائز لثبوته عن النبي ﵌ وخاتم الذهب محرم عن النبي ﵌ نصاً في الصحيحين كما سيأتي. ففرق بين الذهب والفضة.
قال: [ومن الذهب قبيعة السيف]
يجوز له أن يحلي قبيعة (١) سيفه بالذهب، فهذا جائز، وقد حكاه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب، والوارد عن عمر كما في الطحاوي (٢) وغيره بإسناد جيد أن سيفه كان محلاًّ بفضة، وهو الأليق به من الاقتداء بالنبي ﵌، فإن سيفه كان محلاً بفضة، فالأظهر ضعف هذا الأثر، ولم أقف على سند له ينظر فيه، والمحفوظ عن عمر ما تقدم من أن سيفه كان محلاً بفضة. ورواه الترمذي عن النبي ﵌ مرفوعاً لكن بإسناد لا يصح.
إذاً قالوا: قبيعة السيف يجوز أن تكون من ذهب، واستدلوا بما حكاه الإمام أحمد فقال: " روي عن عمر " وتقدم أن المحفوظ فيما وردت به الآثار التي يقف الناظر على سندها إنما ما تقدم من أن سيفه كان محلاً بفضة، لكن سيأتي الدليل على جواز ذلك.
قال: [وما دعت إليه ضرورة كأنف ونحوه]
стр. 1466
يجوز أن يضع من الذهب ما يضطر إليه من أنف أو أسنان أو نحو ذلك. هذا جائز للضرورة. فقد روى أبو داود بإسناده الذي لا بأس به، فالسند لا بأس به إن شاء الله، ويشهد له عمل أهل العلم، فإنه لا خلاف بين العلماء في جواز اتخاذ ما يضطر إليه من أنف أو سن أو نحو ذلك من الذهب، فما يضطر إليه أن يتخذ من ذهب فهو جائز باتفاق العلماء، ويدل عليه أصول الشريعة من أن المحرمات يذهب تحريمها بالاضطرار إليها، فلا تحريم مع ضرورة، فقد روى أبو داود في سننه بإسناد لا بأس به عن عرفجة بن أسعد ﵁ أنه أصيب أنفه يوم الكُلاَب في الجاهلية، فاتخذ أنفاً من فضة، فأنتن، فأمره النبي ﵌ أن يتخذه من الذهب " (١) ، ولا خلاف بين العلماء في هذه المسألة.
стр. 1467
نعود إلى ما تقدم من الاستدلال على جواز قبيعة السيف، دليله ما رواه النسائي وغيره بإسناد صحيح: أن النبي ﵌ نهى عن الذهب إلا مقطعاً " (١) ، وهو اختيار شيخ الإسلام (٢) ، وهو قول أبي بكر من الحنابلة: أن الذهب اليسير التابع لغيره جائز،وهو الذهب المقطع. فإذا اتخذ في شيء من ملبوساته ذهباً يسيراً، فإن ذلك جائز؛ لأن الذهب هنا مقطع، فالذهب المقطع جائز، كأن يحلي الدرع بشيء يسير من ذهب أو يحلي المنطقة بشيء يسير من ذهب أو أن يضع في خاتمه فصاً من ذهب، فإن هذا جائز. وهذا خلاف المشهور في المذهب،فإن المشهور في المذهب جوازه في قبيعة السيف فحسب.
- واختار شيخ الإسلام، وهو قول في المذهب: جوازه مطلقاً إن كان تابعاً لغيره، وهو يسير.
أما إن كان ليس تابعاً لغيره، بل هو لباس مستقل، كالخاتم وغيره، فإن الأدلة دلت على تحريمه، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﵌ رأى خاتم ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه، وقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده) (٣) .
(٤)
قال: [ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه ولو كثر]
стр. 1468
النساء يباح لهن أن يلبسن من الذهب والفضة ما جرت عادتهن به من قرط أو فتخات أو أسورة أو سلاسل أو غير ذلك محلقاً أو غير محلق، يجوز لهن أن يلبسن ما جرت عادتهن بلبسه من الذهب والفضة.
وذلك لقول النبي ﵌ فيما تقدم تخريجه، وهو في بعض السنن أنه قال في الذهب والحرير: (هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثهم) (١) . فالذهب مباح للنساء مطلقاً.
وقيده المؤلف هنا بما جرت عادتهن، لا بما جرت عادة الرجال به، فما عادة الرجال به فلا يجوز لما فيه من التشبه.
إذاً ما جرت عادتهن بلبسه، وهذا يختلف باختلاف الأزمان والبلدان، فإن ذلك جائز لهن ولو كثر.
стр. 1469
وقوله: " ولو كثر "، " لو " إشارة إلى خلاف في المذهب، فقد قال ابن حامد من الحنابلة، وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه إن بلغ ألف مثقال فإنه يحرم،وهذا القول ضعيف؛ لأنه تحديد بلا دليل، بل يجوز للنساء أن يلبسن ما شئن، فإن الأدلة مطلقة، لكن بشرط ألا يكون فيه إسراف ولا مخيلة، وقد يكون الإسراف أو المخيلة في أقل من هذا العدد المذكور، وقد لا يكون فيه، بل في أكثر منه، فمتى ما وقع الإسراف أو المخيلة فإنه لا يجوز.
فقد قال النبي ﵌ فيما رواه أحمد والنسائي بإسناد جيد: (كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا بغير إسراف ولا مخيلة) (١) . إذاً لا يحدد ذلك بقدر، إذ لا دليل على التحديد، وإنما ينهى فيه الإسراف أو المخيلة، فإنه محرم لما تقدم.
قال: [ولا زكاة في حليهما]
أي في حلي الذكر والأنثى، فإذا كان عند الرجل خواتم من فضة وله قبيعة سيف من فضة يبلغان نصاباً، فتجب (٢) عليه الزكاة فيه، وكذلك المرأة إذا كان فيها لبس من فضة أو لبس من ذهب بلغ النصاب.
فقوله: " حليهما " أي الذكر والأنثى أي فيما يجوز لهما من الحلي.
قال: [المعد للاستعمال أو العارية]
أي لاستعمال مالكه وهو الملبوس، أم كان معداً للعاريَّة. فإن كان قد أعد للاستعمال أو العارية، فلا زكاة فيه. هذا هو المشهور عند الحنابلة، وهو مذهب المالكية والشافعية، وأن الحلي لا زكاة فيه سواء كان معداً للاستعمال أو معداً للعارية.
стр. 1470
واستدلوا بما روى جابر أن النبي ﵌ قال: (ليس في الحلي زكاة) (١) .
قالوا: ولأن الحلي المعدة للاستعمال أو العارية ليس محلاً للنماء، والزكاة إنما تجب في الأموال النامية، وهذا ليس بمال نام، بل يستعمل ويعار، وحينئذ فليس قابلاً للنماء، قالوا: فأشبه متاع البيت، فأثاث البيت لا زكاة فيه، فكذلك حليهما المعد للاستعمال والعارية، وهو مذهب الشافعي.
- وذهب الأحناف، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب طائفة كثيرة من التابعين، فهو مذهب ابن المسيب ومجاهد وابن سيرين وعطاء، وهو مذهب ابن مسعود وعائشة كما في البيهقي بإسناد حسن: أن الزكاة تجب في الحلي المعد للاستعمال (٢) .
стр. 1471
واستدلوا بما ثبت عند أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد قوي كما قال الحافظ ابن حجر، وهو كما قال: " أن امرأة أتت النبي ﵌ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان – أي سواران – من ذهب، فقال: (أتؤدين زكاة هذا) قالت: لا يا رسول الله، قال: (أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار) فألقتهما وقالت: هما لله ورسوله " (١) ، والحديث من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي أحاديث يحتج بها.
وثبت - وهو شاهد له - عند أبي داود بإسناد حسن، ورواه الحاكم وصححه، وقال ابن دقيق العيد فيه: " إسناده على شرط مسلم " عن عائشة قالت: " دخل علي رسول الله ﵌ وعلى يدي فتخات من ورق – أي من فضة – فقال: (ما هذا يا عائشة؟) فقلت: صنعتهن أتزين بهن لك، فقال النبي ﵌: (أتؤدين زكاتهن؟) قالت: لا أو ما شاء الله - أي من اللفظ المقابل للفظة " ما شاء الله "، فقال: (هو حسبك من النار) (٢) .
стр. 1472
وروى أبو داود في سننه وهو شاهد لما تقدم عن عطاء عن أم سلمة قالت: " كنت ألبس أوضاحاً – أي خلخل (١) – من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: (ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز) (٢) ، وعطاء لم يسمع من أم سلمة، فالحديث فيه انقطاع، لكنه يصح شاهداً للحديثين المتقدمين. قالوا: فهذه أحاديث تدل على فرضية الزكاة في الحلي، قالوا: ويدل على هذا عمومات الأدلة الشرعية، كقوله ﵌: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها..) (٣) رواه مسلم، وقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله..﴾ (٤) وغير ذلك من العمومات.
стр. 1473
قالوا: وأما ما استدل به أهل القول الأول من حديث جابر، فالحديث إسناده ضعيف جداً، وإنما هو ثابت من قول جابر كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح (١) ، فهو قول موقوف على جابر، والقول الموقوف معارض بغيره من الأقوال الموقوفة كما تقدم من أثر عائشة وابن مسعود، فلا يحتج به، فآثار الصحابة إنما يحتج بها حيث لم يخالف بأقوال غيرهم، وقد خولف أثر جابر بأثر عائشة وابن مسعود، وحيث اختلفت أقوال الصحابة فالحجة فيما ورد عن النبي ﵌ كما تقدم. قالوا: وأما ما ذكرتموه من الحلي من الذهب والفضة المعد للاستعمال لا تجب فيه الزكاة لأنه ليس من الأموال النامية فأشبه متاع البيت، فهذا قياس مردود من وجهين:
الوجه الأول: أنه قياس مصادم للنصوص الشرعية، والقياس المصادم للنصوص الشرعية فاسد الاعتبار، فلا ينظر إليه. (٢)
стр. 1474
الوجه الثاني: أنه قياس مع الفارق، فقد قستم حلي الذهب والفضة على متاع البيت المعد للاستعمال، وبينهما عندكم فارق، والفارق عند الحنابلة وغيرهم فيهما هو أنهم أوجبوا الزكاة في الحلي المعد للنفقة والمعد للكراء، فلو أن امرأة عندها حلي تبيع منه للنفقة على نفسها، فإن الزكاة تجب عليها؛ لأنه ليس بمعد للاستعمال، وإنما هو معد للنفقة، وسيأتي دليلهم على هذا، ولذلك إن أعد للكراء، كأن يكون عند امرأة ذهباً قد أعدته كلها للكراء، أي للإجارة،فإن الزكاة تجب.
وأما متاع البيت المعد للنفقة أو الكراء، فإن الزكاة لا تجب فيه عندهم، فبين المسألتين فارق، والقياس مع الفارق لا يصح.
ومما يدل على هذا: أن الكنز من الذهب والفضة تجب فيه الزكاة بنص القرآن ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة..﴾ (١) ومعلوم أن الكنز ليس بمعد للنماء ومع ذلك فقد أوجب الله فيه الزكاة.
وأما المواشي المعدة للعمل، فإنها لا تجب فيها الزكاة، وهذا أصح قياساً على هذه المسألة، فإنه لو قيس قولهم على هذا لكان أقوى من القياس المتقدم مع ضعفه.
والفارق بين الحلي من الذهب والفضة وبين البقر والإبل العوامل حيث أنها لا تجب فيها الزكاة، الفارق: أن الذهب والفضة مادة الأثمان وبهما قيام المعايش، ولاشك أن اختيارها حلياً ثم لا تجب فيها الزكاة يخالف مقصود الشارع من بقائها أثماناً للأشياء، فحيث أنها بقيت هكذا حلياً بحيث أنها لا تقع فيها هذه الأحكام الشرعية من الزكاة فقد تكون مهرباً لكثير من الناس، فتكون أثمان الناس وقيمهم.
وعموماً فإن الأدلة الشرعية قد دلت على إيجاب الزكاة فيها فلا ينظر إلى الأدلة النظرية حيث خالفت الأدلة الأثرية.
стр. 1475
واعلم أننا قد أوجبنا – وهو الراجح في المسألتين – الزكاة في الحلي، فإن الحلي إنما تجب الزكاة فيه حيث كان ذهباً وفضة كما دلت عليه الأدلة المتقدمة،وعليه فيخرج عن الزكاة ما لو صنع فيه من الجوهر ونحوه، فإذا رصعت فيه جواهر أو لآلئ أو ماس أو نحو ذلك، فإنها تخرج من وزنه، فلا توزن؛ لأن الزكاة إنما تجب في الذهب والفضة، وأما سائر الحلي من غير الذهب والفضة، فإن الزكاة لا تجب فيها اتفاقاً. وكذلك المخالط للذهب والفضة، فإنه لا تجب فيه الزكاة.
وهناك قول ثالث في مسألة زكاة الحلي، وقد قواه ابن القيم، وهو مذهب بعض التابعين وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الحلي يجب فيها الزكاة أي العارية.. .. .. (١) أن يعيرها أن يزكيها. وهذا القول ضعيف؛ لأن الأدلة الشرعية المتقدمة فيها لفظ الزكاة، والزكاة إذا تلفظ بها الشارع فهي الزكاة الشرعية الحقيقية التي هي إخراج حق من المال لأهل الزكاة.
وما ذكروه من أن زكاتها عاريتها هذا مجاز، والألفاظ تحمل على حقائقها لا على مجازاتها إلا بدليل، ولا دليل شرعي يدل على ذلك. فأصح الأقوال وجوب الزكاة فيها.
قال: [وإن أعد للكرى أو للنفقة أو كان محرّماً ففيه الزكاة]
إذا كان عنده ذهب قد أعده للكراء كحلي النساء، فتجب الزكاة فيه، قالوا: لأن الأصل في الذهب والفضة وجوب الزكاة، وإنما استثنينا الحلي الملبوس لأدلة ثبتت عندنا، وحيث لم تثبت الأدلة في الكراء فإنا نبقى على الأصل من وجوب الزكاة في الذهب والفضة.