واستدلوا بما ثبت عند أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد قوي كما قال الحافظ ابن حجر، وهو كما قال: " أن امرأة أتت النبي ﵌ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان – أي سواران – من ذهب، فقال: (أتؤدين زكاة هذا) قالت: لا يا رسول الله، قال: (أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار) فألقتهما وقالت: هما لله ورسوله " (١) ، والحديث من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي أحاديث يحتج بها.
وثبت - وهو شاهد له - عند أبي داود بإسناد حسن، ورواه الحاكم وصححه، وقال ابن دقيق العيد فيه: " إسناده على شرط مسلم " عن عائشة قالت: " دخل علي رسول الله ﵌ وعلى يدي فتخات من ورق – أي من فضة – فقال: (ما هذا يا عائشة؟) فقلت: صنعتهن أتزين بهن لك، فقال النبي ﵌: (أتؤدين زكاتهن؟) قالت: لا أو ما شاء الله - أي من اللفظ المقابل للفظة " ما شاء الله "، فقال: (هو حسبك من النار) (٢) .
стр. 1472
وروى أبو داود في سننه وهو شاهد لما تقدم عن عطاء عن أم سلمة قالت: " كنت ألبس أوضاحاً – أي خلخل (١) – من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: (ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز) (٢) ، وعطاء لم يسمع من أم سلمة، فالحديث فيه انقطاع، لكنه يصح شاهداً للحديثين المتقدمين. قالوا: فهذه أحاديث تدل على فرضية الزكاة في الحلي، قالوا: ويدل على هذا عمومات الأدلة الشرعية، كقوله ﵌: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها..) (٣) رواه مسلم، وقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله..﴾ (٤) وغير ذلك من العمومات.
стр. 1473
قالوا: وأما ما استدل به أهل القول الأول من حديث جابر، فالحديث إسناده ضعيف جداً، وإنما هو ثابت من قول جابر كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح (١) ، فهو قول موقوف على جابر، والقول الموقوف معارض بغيره من الأقوال الموقوفة كما تقدم من أثر عائشة وابن مسعود، فلا يحتج به، فآثار الصحابة إنما يحتج بها حيث لم يخالف بأقوال غيرهم، وقد خولف أثر جابر بأثر عائشة وابن مسعود، وحيث اختلفت أقوال الصحابة فالحجة فيما ورد عن النبي ﵌ كما تقدم. قالوا: وأما ما ذكرتموه من الحلي من الذهب والفضة المعد للاستعمال لا تجب فيه الزكاة لأنه ليس من الأموال النامية فأشبه متاع البيت، فهذا قياس مردود من وجهين:
الوجه الأول: أنه قياس مصادم للنصوص الشرعية، والقياس المصادم للنصوص الشرعية فاسد الاعتبار، فلا ينظر إليه. (٢)
стр. 1474
الوجه الثاني: أنه قياس مع الفارق، فقد قستم حلي الذهب والفضة على متاع البيت المعد للاستعمال، وبينهما عندكم فارق، والفارق عند الحنابلة وغيرهم فيهما هو أنهم أوجبوا الزكاة في الحلي المعد للنفقة والمعد للكراء، فلو أن امرأة عندها حلي تبيع منه للنفقة على نفسها، فإن الزكاة تجب عليها؛ لأنه ليس بمعد للاستعمال، وإنما هو معد للنفقة، وسيأتي دليلهم على هذا، ولذلك إن أعد للكراء، كأن يكون عند امرأة ذهباً قد أعدته كلها للكراء، أي للإجارة،فإن الزكاة تجب.
وأما متاع البيت المعد للنفقة أو الكراء، فإن الزكاة لا تجب فيه عندهم، فبين المسألتين فارق، والقياس مع الفارق لا يصح.
ومما يدل على هذا: أن الكنز من الذهب والفضة تجب فيه الزكاة بنص القرآن ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة..﴾ (١) ومعلوم أن الكنز ليس بمعد للنماء ومع ذلك فقد أوجب الله فيه الزكاة.
وأما المواشي المعدة للعمل، فإنها لا تجب فيها الزكاة، وهذا أصح قياساً على هذه المسألة، فإنه لو قيس قولهم على هذا لكان أقوى من القياس المتقدم مع ضعفه.
والفارق بين الحلي من الذهب والفضة وبين البقر والإبل العوامل حيث أنها لا تجب فيها الزكاة، الفارق: أن الذهب والفضة مادة الأثمان وبهما قيام المعايش، ولاشك أن اختيارها حلياً ثم لا تجب فيها الزكاة يخالف مقصود الشارع من بقائها أثماناً للأشياء، فحيث أنها بقيت هكذا حلياً بحيث أنها لا تقع فيها هذه الأحكام الشرعية من الزكاة فقد تكون مهرباً لكثير من الناس، فتكون أثمان الناس وقيمهم.
وعموماً فإن الأدلة الشرعية قد دلت على إيجاب الزكاة فيها فلا ينظر إلى الأدلة النظرية حيث خالفت الأدلة الأثرية.
стр. 1475
واعلم أننا قد أوجبنا – وهو الراجح في المسألتين – الزكاة في الحلي، فإن الحلي إنما تجب الزكاة فيه حيث كان ذهباً وفضة كما دلت عليه الأدلة المتقدمة،وعليه فيخرج عن الزكاة ما لو صنع فيه من الجوهر ونحوه، فإذا رصعت فيه جواهر أو لآلئ أو ماس أو نحو ذلك، فإنها تخرج من وزنه، فلا توزن؛ لأن الزكاة إنما تجب في الذهب والفضة، وأما سائر الحلي من غير الذهب والفضة، فإن الزكاة لا تجب فيها اتفاقاً. وكذلك المخالط للذهب والفضة، فإنه لا تجب فيه الزكاة.
وهناك قول ثالث في مسألة زكاة الحلي، وقد قواه ابن القيم، وهو مذهب بعض التابعين وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الحلي يجب فيها الزكاة أي العارية.. .. .. (١) أن يعيرها أن يزكيها. وهذا القول ضعيف؛ لأن الأدلة الشرعية المتقدمة فيها لفظ الزكاة، والزكاة إذا تلفظ بها الشارع فهي الزكاة الشرعية الحقيقية التي هي إخراج حق من المال لأهل الزكاة.
وما ذكروه من أن زكاتها عاريتها هذا مجاز، والألفاظ تحمل على حقائقها لا على مجازاتها إلا بدليل، ولا دليل شرعي يدل على ذلك. فأصح الأقوال وجوب الزكاة فيها.
قال: [وإن أعد للكرى أو للنفقة أو كان محرّماً ففيه الزكاة]
إذا كان عنده ذهب قد أعده للكراء كحلي النساء، فتجب الزكاة فيه، قالوا: لأن الأصل في الذهب والفضة وجوب الزكاة، وإنما استثنينا الحلي الملبوس لأدلة ثبتت عندنا، وحيث لم تثبت الأدلة في الكراء فإنا نبقى على الأصل من وجوب الزكاة في الذهب والفضة.
стр. 1476
وكذلك النفقة، فإن الأصل وجوب الزكاة في الذهب والفضة، ولا دليل على إسقاطها في النفقة بخلاف إسقاطها في الحلي، فعندهم ما يستدلون به على هذا، أما هنا فلا دليل عندهم. فعلى ذلك: بقوا على الزكاة فيها.
وكذلك إذا كان محرماً، كلبس الرجل للذهب المستقل، فإنه يزكيها، وكذلك المرأة إذا لبست حلياً فيها إسراف، فإنها تزكيها.
إذاً: ما لا يحل من الحلي تجب الزكاة فيه؛ قالوا: لأن الأصل هو وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وهذا الملبس غير مأذون فيه شرعاً؛ لأنه محرم، فلا يسقط الزكاة، فيبقى على الأصل من إيجاب الزكاة؛ لأن اللبس هنا غير مأذون فيه شرعاً، وحيث كان كذلك فإنا نبقى على الأصل، فلا يكون هذا الفعل المحرم مؤثراً في إسقاط الزكاة.
وعلى الترجيح المتقدم، فإنه لا إشكال في دخولها؛ لأنه إذا ثبتت في الذهب المستعمل فأولى منه ما أعد للكراء ونحوه، وإذا ثبتت في الحلي المباح فأولى منه إثباتها في الحلي المحرم.
والحمد لله رب العالمين.
باب زكاة العروض
الدرس السادس بعد المئتين
(يوم السبت: ٥ / ١ / ١٤١٦ هـ)
باب زكاة العروض
العروض: جمع عرض: وهو ما سوى الأثمان من الأموال، أي ما سوى الذهب والفضة من الجواهر والعقارات والثياب والأمتعة ونحو ذلك من الأموال.
وهي في تعريف الفقهاء: ما أعد للبيع بقصد الربح من متاع أو غيره. فعروض التجارة هي الأموال سوى الأثمان التي قد أعدها صاحبها للبيع، أما إن كانت للقنية أي للاقتناء من ملبوسه أو مسكنه أو ما في بيته من أمتعة ونحو ذلك، فإنها قد أعدت للقنية لا للتجارة، فهي بإجماع العلماء لا تجب فيها الزكاة. فلا تجب الزكاة فيما اتخذ للقنية من دابة ومركب أو فراش أو نحو ذلك.
وتجب الزكاة في عروض التجارة بدلالة الكتاب والسنة والإجماع وآثار الصحابة.
стр. 1477
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (٢) فقوله ﴿أموالهم﴾ جمع مضاف فيفيد العموم أي خذ من كل أموالهم، والأمتعة والأثاث والعقارات التي أعدت للبيع أموال فتدخل في العموم.
وأما السنة، فقد ثبت عند الحاكم في مستدركه والدارقطني والبيهقي في سننيهما بإسناد جيد أن النبي ﵌ قال: (في الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البز صدقته) (٣) والبز: هو القماش الذي يباع، فأوجب النبي ﵌ في البز الصدقة، وضبطها الحاكم في مستدركه – وهو تصحيف – (وفي البر صدقته) (٤) ، لكن هذا تحريف وتصحيف كما صحح ذلك النووي وغيره، ولو كان الشارع يريد البر لقال: (وفي الحب صدقته) كما قال ﵌: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة) (٥) ، فهذا دليل على وجوب الزكاة في البز، ويلحق به غيره من أموال التجارة.
стр. 1478
وأما دليل الإجماع، فقد حكى غير واحد من أهل العلم، كابن المنذر وأبي عبيد القاسم بن سلام إجماع العلماء على وجوب الصدقة في الأموال التجارية.
أما دلالة أقاويل الصحابة، فقد صح ذلك عن عمر كما في البيهقي وغيره (١) ، وصح عن ابنه كما في البيهقي (٢) ، وصح عن ابن عباس كما في كتاب الأموال لأبي عبيد (٣) ، ولا يعلم لهم مخالف، فيكون قولهم إجماعاً وحجة.
- وذهب الظاهرية إلى أن الزكاة غير واجبة في عروض التجارة، واختار هذا القول الشوكاني في نيل الأوطار وغيره.
واستدلوا بالأصل، قالوا: الأصل براءة الذمة من الزكاة، فلا تجب الزكاة إلا بدليل، قالوا: ولا دليل يدل على ذلك.
وهذا ظاهر البطلان، فقد تقدمت الأدلة الدالة على وجوبها من عمومات النصوص الشرعية في القرآن ومن الحديث والمتقدم، وهم محجوجون بالإجماع الذي تقدم ذكره.
واستدلوا بقوله ﵌: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة) ، قالوا: وأنتم توجبون الزكاة فيما إذا بلغ الحب أربعة أوسق أو التمر، وقد أعد للتجارة. وهذا ظاهر، فإن الذين يوجبون الزكاة في العروض التجارية إذا كان عنده دكان فيه أربعة أوسق من الحب للبيع والتجارة، فإن الزكاة تجب فيها؛ لأنها عروض التجارة.
والجواب عن هذا أن يقال: إن هذا باب آخر، فقوله ﵌: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة) (٤) ، هذا في زكاة الحبوب والثمار التي تجب عند الحصاد ويراعى فيها عينها، وأما عروض التجارة فإن زكاتها زكاة حولية وتراعى فيها قيمتها، فهذا باب آخر.
стр. 1479
إذاً: ما عليه أهل العلم هو الذي دلت عليه الأدلة الشرعية، وأما ما ذهب إليه الظاهرية، فلا يلتفت إليه لمخالفته ما تقدم، ولمخالفته الإجماع. وباتفاق العلماء أن الزكاة تجب في عروض التجارة عند مضي الحول، لعموم الآثار المتقدمة: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (١) ، فإذا مضى الحول وجبت الزكاة.
قال: [إذا ملكها بفعله]
أي باختياره، كالخلع والصداق والهبة والوصية والشراء ونحو ذلك، فالمقصود أنه وقع التملك على هذا السلعة باختياره لا قهراً عنه، ليخرج من ذلك ما يتملكه العبد بالإرث، فإنه يتملكه قهراً لا اختياراً، بحيث أنه بمجرد ما يموت الميت وله مال فإن هذا الوارث يمتلك نصيبه بموته، وإن كان له أن يتنازل عنه، لكن المقصود أنه يدخل في ملكيته قهراً عنه فليس باختياره.
فذكر شرطاً، وهو أن يكون ملكية هذه السلعة بفعله واختياره لا قهراً. هذا هو الشرط الأول.
قال: [بنية التجارة]
هذا هو الشرط الثاني، وهو أن تكون بنية التجارة. فإن كانت بنية القنية فلا تجب فيها الزكاة، فلو اشترى أرضاً على أنه يريد أن يبنيها فيسكنها، فهذه قنية، أو اشترى ثياباً بنية أن يلبسها أو يهديها، فإن الزكاة لا تجب.
فالشرط الثاني: هو أن تكون بنية التجارة أي من وقت ملكيتها. وسيأتي الكلام على هذين الشرطين.
قال: [وبلغت قيمتها نصاباً]
وباتفاق العلماء أن نصابها نصاب الأثمان، أي نصاب الذهب والفضة، والشارع لم يضع لها نصاباً لكثرتها وانتشارها؛ ولأن الاعتبار فيها بقيمتها، فإنها تباع وتشترى بالأثمان، فكان نصابها نصاب الذهب والفضة، فإذا بلغت النصاب من الذهب والفضة فيجب فيها الزكاة.
إذاً: تنظر قيمتها، فإذا بلغت نصاباً وجبت فيها الزكاة. وعليه: فإذا كانت عنده أمتعة لا تباع إلا بمئة درهم أو عشرة دنانير، فإن الزكاة لا تجب عليه؛ لأنها لم تبلغ نصاباً، ولا خلاف بين العلماء في هذا.
стр. 1480
الشرط [الثالث] هذا من باب القياس الظاهر على الأثمان.
قال: [زكى قيمتها]
فإذا بلغت نصاباً، فإنها تزكى ويخرج زكاتها قيمة، فيكون المخرج القيمة لا العين. هذا هو المشهور عند الحنابلة. فإذا بلغت تجارته عشرين ديناراً فيجب عليه أن يتصدق بنصف دينار.
قالوا: لأن نصابها تعتبر فيه القيمة، فاعتبرت - أي القيمة - بالمخرج منها، فإنا إذا أردنا أن ننظر هل بلغت النصاب أم لم تبلغه فإنا ننظر على قيمتها، فإن بلغت القيمة النصاب أوجبنا الزكاة فيها، قالوا: وكذلك المخرج، فيجب أن يخرج القيمة، ولا يجوز له أن يخرجها من أعيان تجارته، فليس له أن يخرجها ثياباً أو نحو ذلك.
- وقال بعض الشافعية: بل تجب الزكاة في عينها، فعليه أن يخرج ربع العشر مما عنده من الأموال التي هي سوى الأثمان، فإذا كان عنده أقمشة فيخرج أقمشة ونحو ذلك.
قالوا: قياساً على سائر الأموال الزكوية، فكما أن الزروع تخرج زكاتها حباً والثمار يخرج زكاتها ثمراً والمواشي كذلك، فكذلك عروض التجارة.
ويمكن أن يجاب عليهم بالفارق، فيقال: الفارق بينهما أن المواشي نصابها مواشي والثمار نصابها ثمار، والزروع نصبها حبوب، وأما هنا فإن نصابها بالقيمة، فكان القدر المخرج منها أيضاً بالقيمة.
- وقال الأحناف، وهو اختيار شيخ الإسلام: يجوز أن يخرج قيمة ويجوز أن يخرج عيناً.
أما كونه يجوز له أن يخرجها من أعيان هذه الأموال؛ فلأن الزكاة في الأصل تجب من عين المال، لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ ، فالزكاة تؤخذ من المال.
وأما كونه يجوز أن يخرج قيمةً – ولم أره لشيخ الإسلام – فلعل ذلك بالنظر إلى نصابها، أو لأن المقصود منها القيمة.
وهذا هو الأرجح، فإن إخراجها من عين ماله جائز؛ وذلك لأن الأصل في الزكاة أن تخرج من عين المال، لأن المقصود منها المواساة، فلم يكلفها الغني من غير ماله.
стр. 1481
وإن أخرجها قيمة جاز ذلك؛ لأن هذه الأمتعة ونحوها المقصود منها القيمة، فإن أخرج القيمة أجزأه ذلك. هذا هو أرجح المذاهب، فيجوز إخراجها عيناً ونقداً.
واعلم أن أهل العلم قد اختلفوا في جواز إخراج القيمة في غير العروض من المواشي ونحوها، فهل يجوز أن يخرج عن الحب دراهم أو دنانير أو يخرج عن الإبل أو البقر أو الغنم دراهم أو دنانير، أو يجب أن يخرجها من عين ماله؟
- قال جمهور العلماء: يجب أن يخرجها من عين ماله؛ لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ . والنصوص الشرعية في هذا الباب كقوله: (في كل أربعين من الغنم شاة) ، ونحو ذلك من الأدلة الدالة على أن المخرج يكون من جنس المال.
- وقال الأحناف: يجوز أن يخرج بالقيمة؛ لأن المقصود منها هو القيمة، فله أن يخرج مكان الشاة ما يساويها من الدراهم والدنانير.
- واختار شيخ الإسلام، وهو رواية عن أحمد، قولاً بين هذين القولين، فقال: يجوز إخراج القيمة عند الحاجة، فإذا احتيج إلى إخراج الدراهم والدنانير عن الشياه أو عن البقر أو عن الإبل أو عن الحب أو التمر، فإن كانت مصلحة الغني في ذلك من غير ضرر على الفقير أو كانت مصلحة الفقير في ذلك من غير ضرر على الغني، فله أن يخرجها قيمة.
قال: لأن هذا هو المقصود من هذه الأشياء، فإن هذه الأشياء تباع وتشترى فلا فرق بين أن يخرج قيمة وبين أن يخرج على الصفة الواردة في الشريعة، وحيث أن الشارع قد نص عليها فلا يجوز لنا أن نخرج القيمة إلا عند الحاجة إليها، فإذا ثبتت المصلحة جاز لنا أن نخرجها.
стр. 1482
ودليل هذا من الآثار: ما رواه طاووس عن معاذ بن جبل أنه قال: " ائتوني بخميص أو لبيس – وهي.. ثياب – مكان [الشعير] والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي ﵌ بالمدينة " (١) ، وهذا الأثر يرويه طاووس عن معاذ وهو لم يسمع منه، لكنه أدرك حالة تلاميذ معاذ بن جبل في اليمن، وهو من أهل اليمن، وقد احتج بهذا الأثر البخاري في صحيحه، ومقاصد الشريعة تدل عليه.
فأصح الأقوال ما اختاره شيخ الإسلام، وهو رواية عن الإمام أحمد: أن إخراج القيمة لا يجوز إلا عند الحاجة إلى إخراجها، فإذا كانت مصلحة أحدهما في إخراجها قيمة من غير ضرر على الآخر فيجوز إخراج القيمة.
هذا في غير عروض التجارة، وأما عروض التجارة فإن الجواز مطلق عند الحاجة وغيرها في الأرجح كما تقدم.
قال: [فإن ملكها بإرث أو بفعله بغير نية التجارة ثم نواها لم تصر لها]
إن ملكها بإرث، فهو ملك بغير الفعل، فلو أن رجلاً توفي والده وترك له دكاناً إرثاً، فإنه لا تجب عليه الزكاة فيه، وإن أبقاه للتجارة؛ لأنه ملكه بغير اختياره.
هذا في الحقيقة ضعيف جداً، وهو المشهور عند الحنابلة.
- وعن الإمام أحمد وهو اختيار أبي بكر وابن عقيل وغيرهم: أن الزكاة تجب فيه؛ وذلك لأنه مال تجاري فيدخل في عموم الأدلة المتقدمة وهو مالك له، فلا فرق بين أن يملكه باختياره أو بغير اختياره، فقد دخل في ملكيته، وكونه يدخل باختياره أو بغير اختياره، فإن هذا لا أثر له في الحكم.
стр. 1483
ومثل هذا قوله: " أو بفعله بغير نية التجارة "، فلو أن رجلاً اشترى أرضاً وقد نواها قنية، ثم غير نيته إلى التجارة أو اشترى قماشاً بنية الهبة ثم نواه تجارة، قالوا: فلا تجب فيه الزكاة، فلابد أن تكون نية -للتجارة مقارنة للشراء أو عنده، فلابد أن تكون مقارنة للملك.
وهذا أيضاً ضعيف؛ لأنه متى نواه تجارة فإن المال أصبح مال تجارة، ولو كان ذلك بعد زمن من ملكيته، فإن كان نواه قنية ثم حولها إلى تجارة، فإنه بهذه النية أصبح مالاً تجارياً.
- وهذا كما تقدم رواية عن الإمام أحمد واختيار أبي بكر وابن عقيل وطائفة كثيرة من الحنابلة. وهذا هو القول الراجح؛ لأنه بالنية وإن كانت غير مقارنة للملك، فهذه النية انتقل إلى مال تجاري، وحيث كان مالاً تجارياً، فإن الزكاة تجب فيه لعمومات الأدلة الشرعية.
إذاً: هذان الشرطان فيهما نظر، بل متى ما كان المال ملكاً له وقد نوى فيه التجارة ومضى على نية التجارة حول، فإن الزكاة تجب فيه؛ لأنه مال تجاري فيدخل في عموم الأدلة الشرعية.
قال: [وتقوم عند الحول بالأحظ للفقراء من عين أو ورق]
رجل عنده قماش للبيع إن قومه بالدراهم ساوى مئتي درهم، وإن قومه بالدنانير ساوى خمسة عشر ديناراً، فإذا نظرنا إلى قيمته بالدراهم أوجبنا عليه الزكاة، وإذا نظرنا إلى قيمته بالدنانير لم نوجب عليه الزكاة، فما الحكم؟
تقوم بأحد النقدين، فإن بلغ نصاب الذهب أوجبنا الزكاة، وإن لم يبلغ نصاب الفضة، وإن بلغت نصاب الفضة أوجبنا الزكاة وإن لم تبلغ نصاب الذهب. وهذا هو المشهور عند الحنابلة.
قال: [ولا يعتبر ما اشتريت به]
فالمشهور في المذهب: بأنه لا يعتبر ما اشتُريت به، فلو اشتراها بفضة مثلاً فلا بأس أن يقوم بالذهب، إن كان هو الأحظ للفقير، وإن اشتراها بذهب فيجوز أن يقوم بالفضة إن كان هو الأحظ للفقراء، فلا يعتبر ما اشتريت به.
стр. 1484
- وعن الإمام أحمد، وهو قول الشافعية: أن الاعتبار بقيمته عند الشراء، فإذا اشتراها بذهب قومناها بالذهب، وإذا اشتراها بالفضة قومناها بالفضة.
فإذاً: إن كان اشتراها بالفضة فنصابها نصاب الفضة، وإن كان اشتراها بالذهب فنصابها نصاب الذهب؛ قالوا: لأن قيمتها عند شرائها ذهب أو فضة، فروعي ذلك عند إيجاب الزكاة فيها.
وهذا تعليل ضعيف؛ لأن الاعتبار إنما هو في الانتهاء وهو وقت وجوب الزكاة، فالنظر إلى قيمتها عند وجوب الزكاة وهي لها قيمة من الورق ولها قيمة من الذهب.
ولا أثر لقيمتها عند الشراء، بدليل أنه قد يشتريها بدينار وتساوي عشرة دنانير بعد حول، فالاعتبار إنما هو بقيمتها وقت إخراجها، وقيمتها هنا يمكن أن تكون بالذهب ويمكن أن تكون بالفضة، فتعليق الحكم بأحد النقدين بالنظر إلى قيمة الشراء هنا متعلق ضعيف؛ لأنه لا أثر له.
وأما دليل القول الأول وهو المشهور عند الحنابلة، قالوا: هو مال قد بلغ نصاباً زكوياً فوجبت فيه الزكاة، فهذه العروض قد بلغت النصاب وهو النصاب من الفضة أو بلغت النصاب الآخر وهو النصاب من الذهب، فوجبت فيه الزكاة من غير اشتراط أن يبلغ نصاباً في النقد الآخر.
فما دام أن الاعتبار هو بالقيمة وقد بلغت قيمتها أحد النصابين، فإن الزكاة حينئذ تجب؛ لبلوغ هذا المال النصاب الزكوي.
وهذا تعليل قوي؛ فإن هذا المال – وهو عروض التجارة – المعتبر فيه القيمة من غير تحديد بذهب ولا ورق، وقد بلغت هذه القيمة نصاباً زكوياً سواء كان من الورق أو من الفضة، فوجبت فيه الزكاة.
ولما فيه من مصلحة الفقير، لذا قال المؤلف هنا: " بالأحظ للفقراء "؛ لأن هذه الطريقة أحظ للفقراء.
قال: [وإن اشترى عرضاً بنصاب من أثمان أو عروض بنى على حوله]
стр. 1485
رجل عنده دراهم يبلغ النصاب مضى عليها ستة أشهر وهي عنده، فاشترى بها أقمشة للبيع والشراء، فحولها حول الدراهم، فيبني على حول الأثمان؛ لأن العروض والأثمان جنس واحد كما تقدم، لأن المقصود من العروض ثمنها، فكانت هي والأثمان جنس واحد، ولذا نصابها نصاب الأثمان، والقدر المخرج هو ربع العشر.
فعلى ذلك: رجل عنده مبلغ من المال ويبحث عن تجارة، فمضى على هذا المال عدة أشهر ثم اشترى به تجارة له، فإنه يبني على حول الأثمان.
كذلك عروض التجارة: عنده عروض تجارة فاستبدلها بعروض أخرى، فمثلاً عنده أقمشة فباعها واشترى بها أطياباً، فإن هذه الأطياب لا يستأنف لها حول جديد، بل حولها حول ما قبلها من الأقمشة، لأنها ذات قيمة واحدة، فكما لو كانت أثماناً كلها، فهي جنس واحد.
قال: [وإن اشتراه بسائمة لم يبن]
عنده عروض فباعها بسائمة من الإبل والبقر والغنم، فإنه لا يبني على حول العروض، بل يستأنف حولاً جديداً.
أو بالعكس: عنده.. سائمة فباعها بعروض، فإنه لا يبني على حول السائمة؛ وذلك لأن الجنس مختلف، وتقدم الكلام على هذه المسألة، وأن الجنسين المختلفين لا يبنى حول أحدهما على الآخر.
مسألة:
إذا كان عنده إبل سائمة وقد أعدها للتجارة، فهل تزكى زكاة عروض، لأنها قد أعدت للتجارة أو تزكى زكاة سائمة؟
١- قال الحنابلة: تزكى زكاة عروض.
стр. 1486
وعللوا هذا بأن قالوا: إن الزكاة واجبة فيها وإن كانت سائمة حيث لم تبلغ نصاب السائمة، فلو أن عنده أربع من الإبل سائمة وقد نواها تجارة وتساوي عشرين ديناراً، فإن الزكاة تجب فيها. قالوا: فكما اعتبرناها عروضاً فأوجبنا فيها زكاة العروض وهي لم تبلغ نصاب السائمة، فكذلك إذا بلغت نصاب السائمة. فإذا كان عنده خمس من الإبل، فلا يخرج شاة بل ينظر إلى قيمة الإبل ويخرج ربع العشر. قالوا: ولأن هذا الأحظ للفقراء، وذلك لأنا إذا اعتبرناها عروضاً فلا وقص فيها، بل بحساب ذلك، فلو كان عنده سبع من الإبل، فزكاتها أكثر مما لو كان عنده خمس من الإبل، وإذا كان عنده ثمان من الإبل وقلنا: هي عروض تجارة، فزكاتها أكثر مما لو عنده خمس، وهكذا، فلا وقص فيها، بل تزيد بحساب ذلك , وهذا فيه مصلحة للفقير.
٢ - وقال الشافعية: بل تخرج زكاتها على أنها سائمة؛ قالوا: لأن الأدلة الدالة على فرضية الزكاة في السائمة أقوى من الأدلة الدالة على وجوبها في عروض التجارة.
لكن هذا ضعيف، فإن كون الأدلة على فرضية الزكاة في السائمة أصح من الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة لا ينافي صحة الأدلة الدالة على الزكاة في العروض.
وكونها أصح لا يعني ذلك أن يتغير الحكم مع ثبوت الأدلة على صحة زكاة العروض.
فالصحيح مذهب الحنابلة، وأنه إذا كانت عنده سائمة أعدها للتجارة فإنه يخرج زكاتها زكاة عروض، بدليل إنها إذا لم تبلغ نصاب السائمة وقيمتها تساوي نصاب الذهب أو الفضة، فإن الزكاة تجب فيها، فكذلك إذا بلغت النصاب؛ ولأن هذا هو الأحظ للفقراء لاعتبار حساب ذلك.
مسألة:
رجل عنده سائمة خمس من الإبل قد أعدها للتجارة، فلما مضى عليها ستة أشهر ألغى نية التجارة، وقال: بل هي سائمة، فهل يستأنف حولاً جديداً أم أنه يثبتها على أنها سائمة فتجب عليها الزكاة إذا مضى ستة أشهر – كما في المثال -.
стр. 1487
المشهور عند الحنابلة: أنه إذا ألغى هذه النية وأبطلها عن أن تكون تجارة، فلا زكاة عليه حتى يستأنف حولاً جديداً.
وعن إسحاق، وهو الأشبه – كما قال ذلك الموفق –: أنه يبني على الحول الأول. قالوا: لأن هذه الإبل وجبت فيها الزكاة لسببين: ١- أنها سائمة. ٢- أنها عروض تجارة. فإن ألغى كونها عروض تجارة، فإنه يبقى كونها سائمة، فهي سائمة ترعى، فيجب فيها الزكاة، وإنما أوجبنا فيها زكاة العروض؛ لأنها بنية التجارة، فإذا ألغى هذه النية فقد بقي كونها سائمة، فتجب فيها الزكاة. وهذا هو الأظهر.
فالأظهر أنه إذا كان عنده مال من الأموال التي تجب فيها الزكاة، كالسائمة، وقد نواها تجارة ثم ألغى هذه النية، فإن الزكاة تبقى على أنها سائمة، فلا يستأنف حولاً جديداً لدخولها في عموم الأدلة، كقوله ﵌: (في الغنم في سائمتها) وقوله: (في كل سائمة من الإبل..) (١) ، وحيث ألغى أحد سببي الزكاة وهو كونها عروض تجارة، فقد بقي السبب الآخر وهو كونها سائمة.
والحمد لله رب العالمين.
باب زكاة الفطر
الدرس السابع بعد المئتين
(٦ / ١ / ١٤١٦ هـ)
باب زكاة الفطر
الفطر: اسم مصدر من أفطر الصائم إفطاراً.
стр. 1488
وإضافة الزكاة أو الصدقة إلى الفطر من باب إضافة الشيء إلى سببه أي الصدقة أو الزكاة التي سببها الفطر أي الفطر في رمضان، ففي سنن أبي داود وابن ماجه بإسناد حسن أن النبي ﷺ : (فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمةً للمساكين) (١) الحديث.
قال: (تجب على كل مسلم)
فصدقة الفطر تجب على كل مسلم سواء كان ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً كبيراً أو صغيراً.
стр. 1489
ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) (١) .
إذن: هي فرض على كل مسلم ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً صغيراً أو كبيراً.
قال: (فَضُل له يومَ العيد وليلته صاعٌ عن قوته وقوت عياله)
فلا يشترط أن يكون غنياً، بل الشرط أن يكون الصاع فاضلاً عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه.
стр. 1490
يدل على هذا أن النبي ﷺ فرضها على العبد والعبد لا مال له، ويدل عليه أيضاً قول أبي هريرة الثابت عنه في مسند أحمد بإسناد صحيح قال: (زكاة الفطر على كل صغير وكبير ذكر أو أنثى فقير أو غني صاع من تمر أو نصف صاع من بر) (١) فإن كان عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه، فإن الزكاة تجب عليه، أما إن لم يكن عنده ما يفضل عن يوم العيد وليلته فلا تجب عليه الزكاة وذلك للحوق الضرر به وقد قال النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) (٢)
стр. 1491
وقال ﷺ : (أبدأ بنفسك) (١) فإذا فضل عن قوته وقوت عياله ومن ينفق عليهم من خدم أو بهيمة أو نحو ذلك فإن الزكاة تجب عليه.
قال: (وحوائجه الأصلية)
فإذا كانت له حوائج أصلية في مسكنه أو ملبسه أو مركبه من الحوائج الأصلية التي يحتاج إليها المسلم - فليست من الحوائج الفرعية - فإن الصدقة لا تجب عليه، فلا يلزم طالب علم أن يبيع شيئاً من كتبه التي يحتاج إليها من الكتب الأصلية ولا يلزم صاحب المنزل أن يبيع شيئاً من أثاث بيته ليشتري به هذا الصاع لأن هذه حوائج أصلية وإلزام المكلف ببيعها وإخراجها صدقة حرج والحرج مرفوع كما قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٢) أما إن كان عنده شيء من المتاع أو الأثاث أو نحوه من الحوائج غير الأصلية مما لا يحتاج إليه أصلاً فإنه يجب عليه أن يبيعه فيشتري به صاعاً فيتصدق به.
قال: (ولا يمنعها الدين إلا بطلبه)
تقدم أن المذهب وهو الراجح أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة والباطنة أما في زكاة الفطر فإنها لا يمنعها الدين، فالدين لا يمنع صدقة الفطر، قالوا: لأن صدقة الفطر لا تعلق لها بالمال بدليل وجوبها على الفقير ووجوبها على العبد فدل هذا على أنها لا تعلق لها بالمال فيجب وإن كان مديناً أي عليه دين بخلاف الزكاة فإنها متعلقة بالمال كما قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم﴾ (٣)
إذن: يجب عليه زكاة الفطر وإن كان مديناً لأنها لا تعلق لها بالمال بدليل وجوبها على العبد والفقير كما تقدم.
стр. 1492
لكن استثنى المؤلف فقال: (إلا بطلبه) أي إلا بطلب الدين، فإن كان الدين مطالباً به فإن الزكاة لا تجب؛ وذلك لأن الدين إذا طولب به وجب أداؤه كما سيأتي تقريره في بابه فكان مقدماً على الزكاة، لأن الزكاة إنما تجب من باب المواساة ولأن الدين حق آدمي محض فقدم على الزكاة.
إذن: زكاة الفطر لا يمنعها الدين إلا إذا طالب الدائن به فإن الدين يمنع الزكاة لأنه حينئذ يكون أهم؛ إذ هو من حقوق الآدميين المحضة ولأن الزكاة مبناها على المواساة وحقوق الآدميين مبناها على المشاحة، والزكاة مبنية على المواساة فلم يكلفها المسلم مع وجود من يطالبه.
قال: (فيخرج عن نفسه وعن مسلم يمونه)
فتجب صدقة الفطر عن النفس وتجب عمن يمونه.
أما وجوبها عن النفس فقد تقدم قول ابن عمر: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين) (١) .
وتجب على من يمونه – أي على من ينفق عليه –، فعلى من ينفق الصدقة، فإذا كان له ولد وزوجة ورقيق فيجب عليه أن يتصدق عنهم صدقة الفطر كما يجب عليه أن ينفق عنهم.
стр. 1493
ودليل هذا: أن رسول الله ﷺ فرضها على العبد، والعبد لا مال له فدل على أنها تجب على سيده وهو المنفق عليه، وفرضها على الصغير، والصغير ينفق عليه ولا مال له في الغالب فدل على أنها تجب على من ينفق عليه، أما إذا كان الصغير ذا مال وهو اليتيم الذي له إرث فإن الصدقة تجب في ماله ويخرجها وليه عنه ويدل على أن الزكاة – زكاة الفطر – تجب على من يمونه ما ثبت في الدارقطني عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر على العبد والحر والصغير والكبير ممن تمونون) (١) وإسناده ضعيف لكن له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن وهو ثابت من فعل ابن عمر كما في ابن أبي شيبة بإسناد صحيح.
فعلى ذلك تجب صدقة الفطر تبعاً للنفقة، فتجب صدقة الفطر على من وجبت عليه النفقة.
فعليه كما ينفق على ولده وزوجه وربما كان ينفق على والده ووالدته وربما كان ينفق على رقيق أو على أخ أو نحوه فيجب عليه - تبعاً للنفقة - أن يخرج عنهم صدقة الفطر للحديث المتقدم.
قال: (ولو شهر رمضان)
إذا مان (٢) مسلماً يعني أنفق عليه ولو كان ذلك في شهر رمضان.
مثال: رجل - تبرعاً منه - جَمَع فقراء فأنفق عليهم في شهر رمضان من باب التبرع، فتبعاً لذلك تجب عليه صدقة الفطر.
стр. 1494
هذا هو المشهور عند الحنابلة وأن من أنفق على فقير في شهر رمضان فتجب عليه صدقته وإن كان ذلك تبرعاً للحديث المتقدم: (عمن تمونون) قالوا: وهو هنا يمونه وينفق عليه.
واختار الموفق وأبو الخطاب من الحنابلة وهو مذهب أكثر الفقهاء: أن الصدقة لا تجب عليه؛ قالوا: لأن النفقة هنا من باب التبرع وأما النفقة المذكورة في الحديث فإنها النفقة الحقيقية التي تجب على المسلم في ولده ونحوهم. أما هنا فهي نفقة على وجه التبرع فلا يدخل في هذا الحديث، وهذا هو الظاهر، وذلك لأن هذه النفقة منه على وجه التبرع لا على وجه الإيجاب، فليس فيها حقيقة النفقة بل هي من جنس الصدقات التطوعية فالراجح ما ذهب إليه أكثر الفقهاء وصححه الموفق وهو قول أبي الخطاب من كبار الحنابلة.
قال: (فإن عجز عن البعض بدأ بنفسه)
فإذا كان لا يفضل عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه وعن حوائجه الأصلية ولا يفضل إلا صاع، فالواجب عليه أن يبدأ بنفسه، لقوله ﷺ : (أبدأ بنفسك) (١) .
وحينئذ يسقط عنه عن زوجه وولده ومن يمون فإن لم يكن عنده إلا صاع فإنه يبدأ بنفسه.
قال: (فامرأته)
قالوا: لأن الصدقة تبع للنفقة، ونفقة المرأة من باب المعاوضة وتثبت في عسر الزوج ويسره فكانت أقوى من نفقة الولد والرقيق وغيرهما، وحيث أن النفقة هنا قوية، فالصدقة تبع لها فكما أن الزوجة مقدمة في النفقة على غيرها فإنها تقدم في صدقة الفطر.
وجمهور العلماء يقولون بأن زكاة الفطر تجب على الزوج عن زوجته، مطلقاً وإن كانت زوجته ذات يسار وقدرة وغنى فإن الصدقة تجب على الزوج.
واستدلوا: بما تقدم في قوله ﷺ : (عمن تمونون) .
- وذهب الأحناف: إلى أن صدقة الفطر لا تجب على الزوج عن زوجته، وإنما تجب على الزوجة في مالها.
стр. 1495
واستدلوا: بقول ابن عمر: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر على الذكر والأنثى) (١) .
فدل على أنها مفروضة عليها، فهي مفروضة على الأنثى وحينئذ فتجب عليها في مالها وهذا القول – فيما يظهر لي – أصح؛ وذلك لأن الحديث أصح مما تقدم، فالحديث الأول إنما يصح بشواهده وطرقه، وهذا الحديث أصح منه وأظهر فإنه قال: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر على الذكر والأنثى " فهي فرض على المرأة في مالها ولأن الأصل في الزكاة وجوبها في المال.
فالأصح أن الزوج لا تجب عليه صدقة الفطر عن زوجته وإنما تخرجها من مالها، هذا إذا كانت قادرة، وأما إذا لم تكن قادرة فإنه يتوجه القول الأول؛ وذلك لأنه ينفق عليها والصدقة تبع للنفقة كما تقدم.
قال: (فرقيقه)
قالوا: لأن النفقة على الرقيق تجب في العسر واليسر لكنها دون النفقة على المرأة لأن النفقة على المرأة من باب المعاوضة أما النفقة على العبد فإنها للملكية لا للمعاوضة، فكانت النفقة على الزوجة أولى، لكن النفقة على الرقيق أولى من النفقة على القريب من الأب والولد والأم لأن النفقة على الأقارب تجب في اليسر دون العسر وأما النفقة على الرقيق فإنها تجب في عسر السيد ويسره بحيث إنه إذا كان معسراً فإنه يؤمر ببيعه حتى لا يتضرر العبد بذلك.
قال: (فأمه فأبيه) .
تُقدّم الأم على الأب؛ قالوا: لأن الأم أولى بالبر من الأب كما في الحديث: (من أبر؟ فقال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك) (٢)
فهنا أمر النبي ﷺ بتقديم بر الأم على بر الأب قالوا: فكذلك تقدم على الأب في صدقة الفطر.
قال: (فولده)
стр. 1496
قالوا: لأن الولد تجب النفقة عليه في الجملة وتجب في اليسر دون العسر وحق الوالدين مقدم على حق الولد هذا هو المشهور في المذهب.
قال: (فأقرب في ميراث)
فالأقرب فالأقرب، فالجد الأدنى يقدم على الجد الأعلى، فالجد مقدم على أب الجد وهكذا (الأقربون أولى بالمعروف) .
وفي تقديم المؤلف الزوجة على الولد نظر، فقد قال بعض الحنابلة بتقديم الولد على الزوجة، ودليله ما ثبت في أبي داود والنسائي بإسناد صحيح أن رجلاً قال: (يا رسول الله عندي دينار؟ فقال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر؟ قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر؟ قال: تصدق به على زوجك قال: عندي آخر؟ قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر قال: أنت أبصر به) (١) فقدم النبي ﷺ الولد على الزوجة وقدم الزوجة على الرقيق، فالأظهر هو تقديم الولد على الزوجة والرقيق لهذا الحديث الثابت بإسناد صحيح.
стр. 1497
والأظهر – أيضاً – تقديم الأب على الأم؛ وذلك لأن صدقة الفطر مال وقد قال ﷺ : (أنت ومالك لأبيك) (١) فدل هذا على أن المال الوالد أحق به من الوالدة (٢) .
وفي تقديم الرقيق على الأب والأم نظر ظاهر أيضاً حتى في النفقة فإن كون الرقيق يجب النفقة عليه في العسر واليسر ليس معنى ذلك أن يقدم على الأب والأم في النفقة وإنما معنى ذلك أنه إذا أيسر أبقاه في ذمته وفي ملكيته وأنفق عليه، وإن أعسر وعجز عن الإنفاق عليه فإنه يعتقه أو يبيعه ليُنفق عليه وليس معنى ذلك أن تقدم نفقته وهو رقيق مملوك له أجنبي عنه على نفقة الأم والأب اللذين حقهما بعد حق الله ورسوله.
فإذن: فيما ذكره الحنابلة في هذا الباب من التقديم فيه نظر، فتقديم الزوجة على الولد، والرقيق على الولد فيه نظر كما تقدم، وتقديم الأم على الأب فيه نظر أيضاً، وتقديم الرقيق على الأب والأم فيه نظر.
* وهل يقدم الولد على الوالدين أو يقدم الوالدان على الولد؟
وجهان في مذهب الحنابلة:
الوجه الأول: ما ذكره المؤلف هنا من تقديم الوالدين على الولد.
والوجه الثاني: وهو تقديم الولد على الوالد.
والظاهر تقديم الوالدين على الولد، لأن هذا من باب المواساة والصدقة وليس من باب الحاجة، وحيث كان الأمر كذلك فإن الوالد أولى بتطييب خاطره وإدخال السرور في نفسه وإسقاط الواجب الشرعي عنه من الولد.
فالأرجح هو تقديم الوالدين على الولد، بل أيضاً على تقديمهما على الزوجة هو الأظهر؛ وذلك لما تقدم من أن الراجح أن صدقة الفطر واجبة في مال الزوجة – هذا أولاً.
стр. 1498
وثانياً: لأن المسألة وإن كانت تبعاً للنفقة فهي تبع لها في الجملة لا في التفصيل، فتقديم الزوجة في النفقة على الوالدين لو سلم بها، على ما فيها من النظر لا تعني تقديمها عليهما في صدقة الفطر، فإن صدقة الفطر باب مواساة، وأما النفقة فهي باب حاجة، على أن الأظهر هو تقديم الوالدين على الزوجة في النفقة وإنما وجبت النفقة على المرأة في العسر واليسر كالرقيق فيما تقدم بحيث إنه ينفق عليها في يسره، فإن أعسر فإما أن ينفق عليها وإما أن يطلقها.
فعلى ذلك: الأظهر أنه يبدأ بنفسه ثم بوالديه ثم بولده ثم بزوجته ثم بخادمه ثم الأقرب فالأقرب ممن ينفق عليه من ورثته.
قال: (والعبد بين شركاءَ عليهم صاعٌ)
إذا كان العبد مملوكاً لأكثر من شخص، فإن هذا الصاع يجب عليهم بقدر ملكيتهم فإن اشترك في العبد اثنان لكل منهما النصف فإن على كل منهما نصف صاع، فإن اشترك فيه ثلاثة لكل منهم الثلث فعلى كل واحد منهم ثلث الصاع وهكذا.
فإذن: يجمع الصاع من الشركاء في العبد بقدر ملكيتهم فيه؛ لأن الصدقة تبع للنفقة والنفقة مشتركة على هذا القدر فكذلك صدقة الفطر.
قال: (ويستحب عن الجنين)
فيستحب صدقة الفطر عن الجنين
وقد أجمع أهل العلم على أن صدقة الفطر لا تجب عن الجنين حكى ذلك ابن المنذر.
واستحب الإمام أحمد صدقة الفطر عن الجنين واستدل بأثر عن عثمان رواه ابن أبي شيبة لكن إسناده منقطع.
стр. 1499
لكن ثبت في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي قلابة وهو من كبار التابعين قال: (كانت تعجبهم - أي السلف من الصحابة والتابعين - صدقة الفطر عن الصغير والكبير حتى الحمل في بطن أمه) (١) فإن تصدق عن الجنين فهو حسن من غير إيجاب؛ لأن النبي ﷺ شرعها عن الصغير والكبير، والجنين لا يصدق عليه أنه صغير، فالصغير هو المولود وهذا ليس بمولود لكن إن فعل فهو حسن لما تقدم من أثر أبي قلابة.
قال: (ولا تجب لناشز)
المرأة الناشز هي المرأة التي خرجت عن طاعة زوجها بغير حق شرعي.
فلا تجب لها النفقة وبالتالي فلا تجب صدقة الفطر عنها كما تقدم من أن صدقة الفطر تبع للنفقة لقوله: (عمن تمونون) والمرأة الناشز لا ينفق عليها فكذلك لا يتصدق عنها لأن صدقة الفطر تبع للنفقة.
والحمد لله رب العالمين
الدرس الثامن بعد المئتين
(يوم الاثنين: ٧ / ١ / ١٤١٦هـ)
قال المؤلف ﵀: (ومن لزمت غيرَه فطرتُهُ فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأته)
لا خلاف بين العلماء في أن من وجبت عليه صدقة الفطر عن غيره فأستأذن الغيرُ - من تجب عليه النفقة، استأذنه - في أن يخرج عن نفسه صدقتها فلا خلاف بين العلماء في جواز ذلك وإجزائه.
فلو أن ولداً ينفق عليه والده فأستأذن والده أن يتصدق عن نفسه صدقة الفطر. وكذلك الزوجة إذا قلنا بوجوب الصدقة على زوجها عنها فإذا استأذنت زوجها أن تخرج الصدقة عن نفسها من مالها فإن ذلك يجزئ.
* ولا خلاف بين العلماء في أنه إذا أخرج عن غيره ممن يجب عليه أن يخرج عن نفسه بغير إذنه فإنه لا يجزئه:
فلو أن رجلاً أخرج عن آخر صدقة الفطر وهذا الآخر تجب عليه بنفسه فأخرجها عنه بغير إذنه فإنها لا تجزئ.
стр. 1500
- واختلفوا فيما إذا أخرج عن نفسه صدقة الفطر وهي تجب على غيره بغير إذنه، وهي المسألة التي ذكرها المؤلف هنا.
فمثلاً: إذا أخرج الولد صدقة الفطر عن نفسه وهي تجب على والده بغير إذن والده، أو أخرجت الزوجة صدقة الفطر عن نفسها – على مذهب الجمهور – وهي واجبة على زوجها بغير إذنه، فهل يجزئه ذلك؟
قال المؤلف يجزئه؛ وذلك لأنها واجبة عليه في الأصل وإنما أوجبت على الغير تحملاً، لأنه مظنة ألا يقدر عليها بنفسه فالصغير مظنة ألا يقدر عليها بنفسه والعبد لا مال له، وهكذا سائر من ينفق عليه فهو مظنة ألا يقدر على إخراج صدقة الفطر عن نفسه.
ولذا أوجبت على من ينفق عليه فهي في الأصل واجبة عليه لكن لعدم قدرته عليها في الغالب وجبت على غيره فحيث قدر فتصدق عن نفسه ولو لم يأذن له من وجبت عليه فإن ذلك يجزئ عنه هذا هو المشهور في المذهب وهو الوجه الأول.
٢- والوجه الثاني: أنه لا يجزئ؛ قالوا: كما لو أخرج عن غيره صدقته ممن تجب عليه بنفسه بغير إذنه فقاسوها على ما إذا أخرج صدقة الغير وهذا الغير ممن يجب عليه أن يخرج صدقة نفسه.
وهذا قياس مع الفارق – كما تقدم – والفارق بينهما: أنها في الأصل واجبة عليه وإنما وجبت على غيره من باب التحمل، وأما في المسألة الثانية فهي واجبة عليه مطلقاً فهي طهرة لصومه وواجبة عليه، وأما الأول فهي طهرة له وهي واجبة على غيره ففرق بينهما.
فأصح الوجهين ما ذكره المؤلف هنا، من أن من وجبت صدقته على غيره فأخرجها عن نفسه من غير إذن من وجبت عليه فإن ذلك يجزئ عنه.
قال: (وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر)
فتتعلق بذمة المسلم إذا غربت الشمس من آخر يوم من أيام رمضان؛ وذلك لأنها صدقة سببها الفطر والفطر يحصل بغروب الشمس من آخر يوم من أيام رمضان – هذا مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور –.
стр. 1501
- وقال الأحناف: بل وقت وجوبها طلوع فجر يوم العيد عيد الفطر؛ لأنه به يثبت الفطر حقيقة، فإن الليل ليس محلاً للصوم.
والأظهر ما ذهب إليه الجمهور من أنه بغروب الشمس تتعلق الفطرة بالذمة؛ وذلك لأنها طهرة للصوم، والصوم ينتهي بغروب الشمس، ولأن ليلة العيد ليست من شهر رمضان، وهي متعلقة بشهر رمضان.
فقال المؤلف – مرتباً على هذه المسألة -:
(فمن أسلم بعده)
أي أسلم بعد غروب الشمس، فلم يدرك شيئاً من النهار يؤمر بإمساكه، فإنه لا صدقة عليه فلا تتعلق بذمته لأنها تجب بغروب الشمس وهو لم تغرب عليه الشمس وهو ممن يمكن أن تتعلق بذمته.
قال: (أو ملك عبداً)
تقدم أن السيد يجب أن يخرج صدقة الفطر عن عبده، لكن إن اشتراه بعد غروب الشمس فلا يجب عليه أن يتصدق عنه، وإنما يجب هذا على سيده الأول إن كان تحت مسلم قبل غروب الشمس.
قال: (أو تزوج أو ولد له)
إذا تزوج – وقلنا أن الصدقة تجب على الزوجة (١) عن زوجته – إذا تزوج بعد غروب الشمس فلا يجب عليه عنها وكذلك إذا أتاه ولد فلا يجب عليه عنه صدقة الفطر، وإنما يدخل في الصدقة على الجنين وهي مستحبة كما تقدم، فهذه المسائل مترتبة على هذه المسألة وهي مسألة تعلق الذمة بوجوب الفطرة إذا غربت الشمس.
قال: (وقبله تلزم)
إذا أسلم قبل غروب الشمس أو اشترى عبداً قبل غروب الشمس أو تزوج قبل غروب الشمس أو ولد له قبل غروب الشمس فإن الصدقة تجب؛ لأنه قد ملك هذا العبد وقد ولد له هذا الولد في وقت تعلق وجوب صدقة الفطر في ذمته.
- وقال الحنابلة: إن كان معسراً عند غروب الشمس فغربت عليه الشمس وهو معسر ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت ما (٢) ينفق عليه فإن الصدقة تسقط عنه وإن قدر عليها قبل خروج وقتها.
стр. 1502
- وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام: أن الصدقة تجب عليه إذا أيسر بعد ذلك لأنه قادر على الأداء في الوقت فكونه عاجزاً في أول الوقت لا ينفي عنه الوجوب ما دام قادراً على أدائها في وقتها كما أن المتمتع إذا عجز عن الهدي ثم قدر عليه في يوم النحر وما بعده من أيام التشريق فإنه يجب عليه لقدرته على الأداء في الوقت – هذا القول هو الراجح.
قال: (ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط)
يجوز إخراج صدقة الفطر قبل العيد بيومين.
هذا هو المشهور عند الحنابلة.
وقال الأحناف: يجوز إخراجها من أول السنة.
وقال الشافعية: يجوز من أول شهر رمضان.
وهما قولان ضعيفان؛ لأن هذه الصدقة متعلقة بالفطر فهي صدقة الفطر وقد سماها الشارع كما تقدم بزكاة الفطر فهي زكاة سببها الفطر فهي متعلقة به فلم تثبت قبله.
- وقال المالكية: يجزئ قبل ثلاثة أيام، واستدلوا بما ثبت في الموطأ بإسناد صحيح أن ابن عمر: كان يعطي زكاة الفطر ممن يجمع عنده قبل يومين أو ثلاثة (١) .
قالوا: فهذا فعل صحابي ولا يعلم له مخالف فيدل على جواز إعطائها قبل يومين أو ثلاثة فإذا دفعها في اليوم السابع والعشرين من رمضان وكان شهر رمضان تاماً فإنها تجزئ وهو رواية عن الإمام أحمد.
والمشهور عند الحنابلة ما ذكره المؤلف وأنها لا تجزئ إلا قبل يوم أو يومين فقط فإن دفعها في يوم الثلاثين أجزأ أو في يوم تسع وعشرين أجزأ إن كان الشهر كاملاً وإن كان ناقصاً يجزئ في يوم ثمان وعشرين.
стр. 1503
واستدلوا: بما ثبت في البخاري من قول ابن عمر – وهو راوي حديث صدقة الفطر قال: (وكانوا يعطون " أي الصحابة " صدقة الفطر قبل يوم أو يومين) (١)
- وذهب الظاهرية: إلى أنه لا يجزئ إلا أن يخرجها قبل صلاة العيد أما إذا أخرجها في ليلة العيد فإنها لا تجزئه.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وفيه: (وأمر بها أن تخرج قبل الصلاة) (٢) قالوا: فأمْر النبي ﷺ هنا في هذا الحديث دليل على أنها لا تجزئ ليلة العيد أو قبل العيد بيوم أو يومين أو ثلاثة وذلك؛ لأن إخراجها في ليلة العيد أو قبله ليس على أمر النبي ﷺ وكل عمل ليس على هديه وأمره فهو رد.
ويجاب عن أثر ابن عمر المتقدم: بأنها لم تكن تدفع إلى الفقراء قبل يوم أو يومين وإنما كانت تجمع عند العمال الذين كانوا يجمعون الصدقات فيخرجها المسلم قبل يوم أو يومين أو ثلاثة يخرجها إلى العامل الذي يجمع الصدقة ثم تخرج قبل صلاة العيد.
ودليل هذا: ما ثبت عند ابن خزيمة: أن أيوب السختياني قال: (قلت لنافع: متى كان ابن عمر يخرج زكاته؟ يعني زكاة الفطر، فقال: كان يخرجها إذا قعد العامل، قلت متى يقعد العامل؟ قال: قبل [الفطر] بيوم أو يومين) (٣) فدل على أن ابن عمر إنما كان يخرجها إلى العامل فلا يكون هذا دليلاً – وإن كان فيه استثناء – يدل على جواز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين.
стр. 1504
وما ذهب إليه الظاهرية – فيما يظهر لي – قوي وأن إخراجها لا يجزئ إلا قبل صلاة العيد، فإذا دخل يوم العيد وذلك بصلاة الفجر فإن الصدقة تجزئ. أما جمعها عند العمال الذين يجمعون الصدقات كما يقع عندنا هنا في الجمعيات الخيرية أو بعض المتبرعين الذين يجمعون صدقات الفطر ثم يوزعونها بأنفسهم، فإنه يجوز أن يعطوا الصدقة قبل يوم أو يومين، والله أعلم.
قال: (ويوم العيد قبل الصلاة أفضل)
إذا أخرجها يوم العيد قبل الصلاة فهو الأفضل.
قالوا: لأن النبي ﷺ أمر بذلك فقال ابن عمر: (وأمر بها أن تخرج قبل الصلاة) وهذا يدل على أن الحنابلة وغيرهم ممن ذهب إلى هذا المذهب - واستدل بهذا الحديث - يرى أن هذه الجملة تدل على أن الإخراج المقصود فيها هو الإخراج في يوم العيد قبل الصلاة لا قبله (١) فالمستحب عند الحنابلة أن يخرجها قبل الصلاة وتقدم أنه هو الواجب.
قال: (وتكره في باقيه)
إذا أخرجها بعد صلاة العيد أو بعد صلاة الظهر أو بعد صلاة العصر من يوم العيد ما لم تغرب الشمس فإن هذا الفعل منه مكروه لكن الزكاة تجزئ عنه هذا هو المشهور عند الحنابلة.
وعن الإمام أحمد: أنه يحرم.
وقال الظاهرية، وهو قول الشوكاني: لا يجزئ فإن أخرجها بعد صلاة العيد فإنها لا تجزئ. وهذا هو ما دل عليه قول النبي ﷺ الثابت في سنن أبي داود وغيره بإسناد حسن من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ : (فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) (٢) فهذا دليل ظاهر فيما ذهب إليه الظاهرية من أن الزكاة لا تجزئ، لأنه قال: (فهي زكاة مقبولة) ومفهومه أنها إن أخرجت بعد الصلاة فهي ليست زكاة مقبولة وإنما هي صدقة من الصدقات.
стр. 1505
فالراجح أنه إن أخرجها بعد الصلاة لعذر أو لغير عذر فإنها لا تجزئ عنه زكاة وإنما هي صدقة من الصدقات فإن كان معذوراً فلا شيء عليه، وأما إن كان غير معذور فإنه آثم لتركه الواجب في وقته.
قال: (ويقضيها بعد يومه آثماً)
أي بعد يوم العيد كأن يخرجها في ليلة الثاني من شوال أو في اليوم الثاني أو الثالث من شهر شوال فإنها تجزئ عنه لكنه آثم فهي زكاة مقبولة لكنه آثم لتأخير الواجب عن وقته.
والصحيح أنها لا تجزئ عنه – أيضاً كما تقدم – بل هنا أولى فلا يجزئ عنه وهو آثم إن لم يكن معذوراً أما إن كان معذوراً فلا شيء عليه.
إذن: المشهور عند الحنابلة أن إخراجها يجزئ قبل يوم أو يومين وأن السنة أن تخرج قبل الصلاة وأنها إن أخرجت بعد الصلاة في يوم العيد فهي زكاة مقبولة لكنها مكروهة وأما إن أخرجها بعد يوم العيد فهو آثم.
والراجح: ما تقدم وأن الواجب عليه أن يخرجها قبل الصلاة فإن أخرجها بعد الصلاة فلا تجزئ عنه سواء كان هذا في يوم العيد أو بعده وإنما هي صدقة من الصدقات.
فإن قيل: لم فرق الحنابلة في هذا؟
فالجواب: لعلهم فرقوا من باب ما ورد في الدارقطني لكن إسناده ضعيف أن النبي ﷺ قال: (أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم) (١) أو كما روى، فكأنها عندهم في يوم العيد آكد من غيره.
والحديث وإن كان ضعيفاً لكن المعنى يدل عليه، فإن زكاة الفطر إنما تؤدى يوم العيد لهذا القصد.
فلا يشكل على الفقير طعمته في يوم هو عيد من أعياد المسلمين وهو يوم فطر من رمضان، فيُغنى عن المسألة في هذا اليوم، فالتفريق من هذا الباب.
والحمد لله رب العالمين
الدرس التاسع بعد المئتين
(يوم الثلاثاء: ٨ / ١ / ١٤١٦ هـ)
فصل
قال: (ويجب صاعٌ من برٍ أو شعير أو دقيقهما أو سويقهما أو تمر أو زبيب أو أقط)
" صاع من بر " وهو الحنطة أو القمح.
стр. 1506
" أو دقيقهما " الدقيق هو الطحين.
" أو سويقهما " السويق هو ما يطحن من الشعير والبر بعد أن يحمَّص " أي يوضع على النار قليلاً.
" أو أقط " وهو ما نسميه بالبقل.
فهذه الخمس يجب منها صاع صدقة الفطر.
ودليل هذا: ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (كنا نعطيها زمن النبي ﷺ صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من أقط) (١) فقد ذكر في هذا الحديث أربعة، وكذلك الحنطة بإجماع الصحابة وسيأتي ما يدل عليه.
إذن: تخرج من هذه الأصناف الخمسة.
والقدر الواجب ما ذكره المؤلف وهو الصاع، وهو الصاع النبوي وتقدم أنه يساوي أربعة أخماس الصاع المعاصر.
وكلام المؤلف يدل على أن القدر الواجب في البر هو الصاع كغيره وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
قالوا: لأن النبي ﷺ أوجبه – أي الصاع – في هذه الأصناف المختلفة فهي ذوات قيم مختلفة ومع ذلك فقد أوجب الشارع فيها كلها صاعاً فالبر كذلك.
- وذهب الأحناف: إلى أن نصف الصاع من الحنطة يجزئ فإذا أخرج مُدَّيْن من حنطة – أي نصف صاع – فإنه يجزئه ذلك.
واستدلوا:
стр. 1507
بما روى أبو داود في مراسيله بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب - ومراسيله أصح المراسيل عند أهل العلم – قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر مدين من حنطة) (١) أي نصف صاع فإن الصاع أربعة أمداد، وله شاهد عند النسائي من حديث ابن عباس، وشاهد ثالث عند الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وشاهد رابع من حديث عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله – الشك في الرواية - في سنن أبي داود (٢) ، فهذه شواهد تدل على صحة الحديث، فثبت ذلك عن النبي ﷺ وهو مذهب جمهور الصحابة، فقد رواه ابن المنذر: عن عثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة وجابر وعبد الله بن الزبير وأسماء بنت أبي بكر قال الحافظ ابن حجر: " بأسانيد صحيحة " (٣) .
وهو ثابت عن عائشة كما هو ثابت عند ابن حزم.
стр. 1508
ورواه ابن حزم أيضاً عن أبي بكر وعمر وابن مسعود لكن بأسانيد ضعيفة فهو قول جمهور الصحابة ولا يعلم لهم مخالف إلا ما كان من أبي سعيد الخدري والمخالفة أيضاً ليست صريحة، ففي الصحيحين: (لما جاء معاوية وجاءت سمراء الشام " أي الحنطة " قال معاوية " (إني أرى مداً من هذه يعدل مدين من شعير) فهو قول معاوية أيضاً، فقال أبو سعيد الخدري: (أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن النبي ﷺ .
وعند أبي داود: (لا أخرجه أبداً إلا صاعاً) فهذا قول أبي سعيد، فإن كان صريحاً فالمخالف له جمهور الصحابة، وهو ما تقدم أيضاً ثابت عن النبي ﷺ .
ويحتمل أن يكون هذا فعل منه من باب الاحتياط، ولا شك أن من أخرج أكثر من الواجب عليه فإنه يجزئه وله أجر كما قال النبي ﷺ – فيما تقدم – فيمن أراد أن يخرج ناقة فتية سمينة فقال النبي ﷺ : (فإن تطوعت قبلناه منك وآجرك الله عليه) (١) .
إذن: ما ذهب إليه الأحناف هو القول الراجح وهو اختيار ابن المنذر وهو من كبار المجتهدين وهو منسوب إلى الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام وهذا هو القول الراجح.
ومثل البر الأرز، فإنه يجزئه أن يخرج نصف الصاع منه إن كان من أطيب أنواع الأرز أما إن كان من النوع الرديء الذي يساوي قيمة الشعير ونحوه فإنه لا يجزئه إلا أن يخرج صاعاً لكن الأحوط وهو الآجر أن يخرج صاعاً.
قال: (فإن عَدِم الخمسةَ أجزأ كل حب وثمر يُقتات)
إذا عدم هذه الخمسة المذكورة فإنه يجزئه كل حب كالذرة مثلاً أو ثمر - يشبه أن يكون هذا التين ونحوه إن يبس (٢) - يقتات أي يطعم، وتقدم الكلام على القوت.
إذن: إذا عدم هذه الخمسة فيجزئه كل نوع من أنواع الحبوب أو الثمار التي تقتات أي التي تطعم وتدخر.
стр. 1509
- وظاهر كلام المؤلف أنها إذا لم تعدم فلا يجزئه ذلك وأن الحكم مخصوص بهذه الأصناف الخمسة وهذا هو المشهور في المذهب فلو أخرج ذرة أو غيرها من الأطعمة التي تقتات،فإنه لا يجزئه. وأنه إذا أخرج شيئاً من الأصناف الخمسة وإن كان لا يقتات كالشعير في وقتنا أو الأقط فإنه يجزئه هذا هو المشهور عند الحنابلة.
واستدلوا بالحديث المتقدم الذي فيه ذكر الأصناف الخمسة وهو حديث أبي سعيد.
- وذهب جمهور أهل العلم: إلى أن المجزئ ما كان من قوت البلد سواء كان من هذه الأصناف المذكورة أم لم يكن، بل إذا أخرج شيئاً من هذه الأشياء المذكورة وليس قوتاً كالأقط أو الشعير مثلاً عندنا، فإنه لا يجزئه ذلك.
فالمجزئ هو إخراج طعام من طعام البلد وقوته سواء كان من هذه الأصناف الخمسة أم لم يكن منه، وأما ما ليس من قوت البلد فإنه لا يجزئه وإن كان من الأصناف الخمسة المذكورة في الحديث.
فعلى هذا القول: إخراج الشعير في وقتنا لا يجزئ، وإخراج الأقط لا يجزئ.
واستدلوا: بما ثبت في سنن أبي داود وتقدم، من قول الصحابي وهو ابن عباس: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين) فصدقة الفطر إنما شرعت طعمة للمساكين فدل على أن ما كان من طعام البلدة وقوتهم فإنه يجزئ وأن ما لم يكن من طعامهم فإنه لا يجزئه.
قالوا: وإنما ذكر النبي ﷺ الأصناف الخمسة لأنها كانت قوت البلد، فقد ثبت في البخاري وغيره أن أبا سعيد قال: (وكان طعامنا يومئذ الشعير والزبيب والتمر والأقط) فهو طعامهم ولذا أمرهم النبي ﷺ بإخراجه. وهذا القول هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.
قال: (ولا معيبٌ)
стр. 1510
فلا يجزئ إخراج المعيب كأن يكون مبلولاً بالماء أو مسوساً أو أن يكون متغيراً طعمه لقدمه كما يقع هذا في التمر وبعض الأطعمة فيتغير طعمها لقدمها فإنها لا تجزئ لقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه﴾ (١) فلا يجزئ أن يخرج من خبيث طعامه وما كان معيباً فهو من خبيث الطعام فلا يجوز إخراجه.
أما إن كان قديماً لكن طعمه لم يتغير وكان الطعام الجديد أحب إلى الناس – وهذا يختلف باختلاف الأطعمة فالتمر مثلاً الجديد أفضل من القديم، بخلاف بعض الأطعمة كالأرز فإن منها ما إذا طالت مدته كان أفضل فالمقصود من ذلك أن الجديد إذا كان أحب إلى الفقير فهو أولى وأفضل في الصدقة، مع أنه يجزئه أن يخرج القديم الطيب.
قال: (ولا خبزٌ)
الخبز ما يصنع من الطحين أي من القمح فلا يجزئ لأنه لا يُدّخر وما ذكر من الأطعمة مما يدخر.
- واختار ابن عقيل من الحنابلة إجزاءه، ووجه هذا القول الزركشي من الحنابلة فاختار أنه يجزئ إخراج الخبز.
وعلى ذلك الأرز المطبوخ يجزئه، وهذا إذا كان الطحين أو الأرز الذي صنع منه الطعام - إذا كان يعدل القدر الواجب إخراجه وهذه المسألة وهي مسألة ثابتة أيضاً في الطحين وفي الدقيق والسويق الذي تقدم ذكره، فلابد أن يكون الطحين أو السويق لابد أن يكون بوزن الصاع من الشعير والصاع من البر وهنا كذلك فإن الطحين الذي يصنع منه الخبز أو الأرز المطبوخ على القول بإجزائه لابد أن يكون قبل الطبخ أو قبل الخبز لابد وأن يكون صاعاً، على القول بأنه لا يجزئه إلا صاع، أو نصف صاع على القول الآخر.