* واعلم أن من تفرغ للعبادة وهو قوي مكتسب فإنه لا يعطى من الزكاة شيئاً؛ لعموم قوله ﷺ : (ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) وهو قوي مكتسب، والعبادة نفعها لازم به فلم يدفع له من الزكاة شيئاً بخلاف طالب العلم فإنه إن تفرغ للعلم وهو قوي مكتسب ولم يمكنه الجمع بين التكسب وطلب العلم فإن الزكاة تجوز له ويعطى منها لشراء كتب علم أو غيرها؛ وذلك لأنه قائم بمصلحة عامة من مصالح المسلمين والفرق بينه وبين العابد أن العابد قائم بنفع نفسه منفعة لازم له وأما طالب العلم فهو قائم بنفع متعد، فيجوز أن يأخذ منها طالب العلم وإن كان يمكنه التكسب إذا كان يشغله، وأما إن كان لا يشغله عن العلم ويمكنه الجمع بين العلم والتكسب فإنه لا يحل له أن يأخذ منها شيئاً؛ لأنه قوي مكتسب غني بقوته.
قال: (والثالث: العاملون عليها وهم جباتها وحفاظها)
وقسامها وكتبتها وغير ذلك، هؤلاء هم العاملون عليها، لقوله تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾ فجباة الزكاة: الذين يجمعونها من الأغنياء.
وحفاظها: الذين يحفوظنها في المستودعات وغيرها.
وقسامها: الذين يصرفونها إلى أهلها، هؤلاء يدفع لهم من الزكاة أجرة وعُمالة على عملهم لقوله: ﴿والعاملين عليها﴾ فتدفع إليهم وإن كانوا أغنياء، فلا يشترط أن يكون العامل فقيراً.
стр. 1542
ودليل هذا: ما ثبت في مسلم عن ابن الساعدي قال: عملت على الصدقة لعمر فلما فرغت منها وأديتها إليه قال: خذ هذه العُمالة فقلت: إنما عملت لله فأجري على الله فقال: خذ ما أعطيتك فإني عملت على عهد النبي ﷺ فقلت مثل ما قلت فقال لي النبي ﷺ : (إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فخذ فكل وتصدق) (١) وهذا الحديث يدل على أنها تدفع للعامل وإن كان غنياً، ويفيده أيضاً إطلاق الآية في قوله: ﴿والعاملين عليها﴾
وهل يشترط أن يكون العامل عليها مسلماً؟
قال جمهور العلماء باشتراطه واحتجوا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ فدلت هذه الآية على أن الولاية لا يعطي للكافر والعمل على الزكاة ولاية ولذا قال تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾ فأتى بلفظة " على " التي تفيد تضمن الولاية أي العاملون ولاية عليها وقد قال عمر: (لا تأمنوهم وقد خونهم الله) (٢) .
وعن الإمام أحمد وهو مذهب أكثر أصحابه: أن ذلك جائز فيجوز أن يتولاها الذمي؛ قالوا: لأنه يأخذها أجرة، لا زكاة.
والراجح هو القول الأول وأن ذلك لا يجوز لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ والعمل على الزكاة ولاية ولذا يتولاها في الغالب أشراف الناس فهو ولاية على الزكاة وتسليط على الغني لأخذ الزكاة فيها وصرف لها إلى المستحقين فهي ولاية، فلا يجوز أن يتولاها كافر لكن العمل على الزكاة في غير الولاية عليها كالرعاة لها والحاملين لها من منطقة إلى أخرى والحارس وغير ذلك يجوز أن يكونوا كفاراً؛ لأن هذه ليست من الولاية في شيء وإنما هي استئجار ويجوز أن يستأجر الكافر في مثل هذه الأعمال.
وهل يشترط أن يكون بالغاً؟
المشهور عند فقهاء الحنابلة وغيرهم: اشتراط أن يكون بالغاً.
стр. 1543
ووجه صاحب الفروع: جواز استعمال المميز العاقل الأمين، وهو كما قال؛ لحصول المقصود به. فإنه إن كان أميناً عاملاً فإن المقصود يحصل به كحصوله بالبالغ ويشترط أن يكون أميناً ليحفظ هذه الأموال التي يجمعها وليصرفها إلى مستحقيها.
إذن: يشترط أن يكون مسلماً أميناً عاقلاً، وهل يشترط أن يكون بالغاً الظاهر أنه لا يشترط،
فإنه إذا توفرت فيه الأمانة والعقل فإن المقصود يحصل وإن لم يكن بالغاً وإن كان البالغ أولى.
* ولا يجوز أن يتولاها أحد من ذوي القرابة للنبي ﷺ وهم بنو هاشم، يدل على هذا ما ثبت في مسلم أن بعض بني هاشم سأل النبي ﷺ العمل على الصدقة فقال النبي ﷺ : (أنها لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس) (١) لكن إن وضعهم الوالي جباة وأعطاهم من الفيء لا من الزكاة فإن هذا جائز، أما الزكاة فلا يعطون منها لهذا الحديث.
قال: (الرابع المؤلفة قلوبهم ممن يرجى إسلامه)
رجل كافر ونرجو إذا أعطيناه شيئاً من المال أسلم وترك دينه، فإنه يعطى من الزكاة، فقد ثبت في مسند أحمد: عن أنس أن النبي ﷺ : (وكان لا يسأل شيئاً على الإسلام إلا أعطاه، فسأله رجل فأعطاه شاءً كثيراً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة) .
قال: (أو كف شره)
رجل من أهل الشر كأن يكون من الكفار من يقطع الطرق على المسلمين أو من الدول الكبيرة من يخشى ضررها على المسلمين فيجوز أن تعطى من الزكاة، وذلك لكف الشر عن المسلمين فإنه كان لا يسأل شيئاً على الإسلام إلا أعطاه وهنا كذلك فإن هذا فيه حفظ للإسلام وأهله، فيجوز أن يعطي السيد من الكفار أو المسلمين ما يحفظ به شره.
فإذا خشي على قوم أو طائفة أن يمنعوا الزكاة فأعطى سيدهم مالاً لكي يجبرهم على إخراجها فلا بأس.
قال: (أو يرجى بعطيته قوة إيمانه)
стр. 1544
أي يرجى بإعطائه أن يحسن إسلامه، فكذلك وقد ثبت في الصحيحين أن علي بن أبي طالب: (بعث إلى النبي ﷺ بذَهبة (١) ِ في تربتها – أي من اليمن – فقسمها النبي ﷺ بين أربعة: الأقرع بن حابس وعُيينة بن حصين وعلقمة بن عُلاثة وزيد الخير، فغضبت قريش وقالت: يعطي صناديد نجد ولا يعطينا فقال النبي ﷺ : إنما فعلت ذلك لأتألفهم) (٢) فهذا فيه إعطاء السيد المطاع الذي يرجى تأليفه على الإسلام فهم كانوا ذوي إسلام
وإنما أعطوا من أجل أن يحسن إسلامهم، كذلك يجوز أن يعطي السيد المطاع لإسلام نظرائه في القبائل، فإنهم إذا رأوا ما يكرم به السيد المسلم كان ذلك أدعى لإسلامهم.
إذن: المؤلفة قلوبهم: هم من يرجى بإعطائهم نفع نفسه أو نفع غيره، وهم السادة المطاعون في أقوامهم أو من دونهم إذا وجدت هذه المصلحة.
فالسيد المطاع في قومه ونحوه سواء كان مسلماً أو كافراً إذا أعطى لجلب مصلحة أو دفع مضرة تأليفاً فإن ذلك جائز لا حرج فيه دل عليه عموم القرآن في قوله: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ ودلت عليه السنة النبوية.
إذن: من يرجى إسلامه وهو كافر أو يخشى شره وضرره فإنه يعطى من الزكاة، أو هو مسلم فيعطى ليتقوى إيمانه بذلك أو ليكون ذلك سبباً في إسلام نظيره أو لئلا يمنع قومه من أداء الزكاة أو ليجبر غنيهم على دفعها ونحو ذلك من المصالح الشرعية فإن ذلك جائز.
стр. 1545
وإعطاء المؤلفة قلوبهم توقف في عهد عمر وعثمان وعلي لقوة الإسلام وظهوره. واحتيج إليه في زمن النبي ﷺ وأبي بكر، وتوقفه في عهد الخلفاء الثلاثة لا يعني تركه، وإنما لزوال الحاجة الداعية إليه، فإذا تكررت الحاجة الداعية فإن هذا الحكم يثبت فهؤلاء أصناف أربعة وهؤلاء تدفع إليهم الزكاة تمليكاً ولذا ثبتت لألفاظهم " لام " التمليك فقال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ...﴾ قال: ﴿وفي الرقاب﴾ فالأصناف الأربعة الأخيرة لا تمتلكها فمتى زالت الحاجة الداعية إليها فإنها تعاد وترجع، أما هذه الأصناف الأربعة فإنهم يستحقونها وإن زال السبب.
فلو أن رجلاً فقيراً فدفعت إليه الزكاة ثم اغتنى بعد زمن يسير ولم يصبح محتاجاً إلى الزكاة، فإنه قد امتلكها بدفعها إليه قبل غناه، وكذلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها والمساكين يدفعها إليه قبل غناه وكذلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها والمساكين.
مسألة:
الفقير هل يعطى من الزكاة - هل يعطى - على حسب عرف الناس فيكون وسطاً بين الناس أم يعطى دون ذلك فيسكن السكن الرديء ويأكل الأكل الرديء ويشرب الشراب الرديء وهكذا؟
الظاهر أنه يعطى ما يكون به وسطاً؛ لأن النفقة في الأصل تكون بالمعروف فالنفقات الشرعية تكون بالمعروف كما في غير ما دليل يدل على ذلك، فما يكون في وسط الناس هو المعروف.
ولأن إعطائه الشيء الرديء قد تفوت به بعض مقاصد الشريعة من لجوئه إلى سرقة أو زنا أو نحو ذلك من الأشياء المحرمة التي في الحقيقة الزكاة تدفع مثل هذه الأشياء كما أن حقيقة المواساة تثبت بهذا.
* تقدم أن الفقير يعطى زكاة سنة؛ لأنها لا تتكرر، فمثلاً يعطى رجل مئة ألف تكفيه سنة، أما إذا كانت تفيض على السنة فلا يجوز، وذلك لأن الكفاية محسوبة بالسنة فهو الآن فقير فإذا أعطيناه ما يكفيه أصبح غنياً، فإذا زدنا فكما لو أعطيناه وهو غني.
стр. 1546
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثالث عشر بعد المئتين
(يوم الاثنين: ١٤ / ١ / ١٤١٦هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الخامس: الرقاب)
لقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات ...﴾ إلى قوله: ﴿وفي الرقاب﴾ .
قال: (وهم المكاتبون)
وتقدم تعريف المكاتب.
والكتابة: اتفاق بين السيد ورقيقه بتحرير الرقيق مقابل أقساط معلومة يدفعها الرقيق لسيده حتى يتم فك رقبته من العبودية لسيده، فالمكاتب يجوز أن يعان على مكاتبته من الزكاة، فيعطى من الزكاة ما يتم به فكاك رقبته.
ومثل ذلك أيضاً: الرقيق غير المكاتب لعموم قوله: ﴿وفي الرقاب﴾ فالرقيق غير المكاتب يجوز أن يفك أسره من عبودية سيده بأن تحرر رقبته بالأموال الزكوية. فيدخل في قوله:
﴿وفي الرقاب﴾ الرقاب المكاتبة، والرقاب غير المكاتبة.
قال: (ويفك منها الأسير المسلم)
إذا وقع مسلم في الأسر تحت أيدي الكفار فيجوز أن يفدى من الزكاة، فيعطى الكفار من الزكاة ليفكوا أسره، وهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ ؛ لأنها رقبة مأسورة تحتاج إلى فك فدخلت في عموم قوله: ﴿وفي الرقاب﴾ .
وفي قوله: (المسلم) ما يدل على أن الرقبة إنما تفك إذا كانت مسلمة، وهذا ظاهر، فإن الزكاة إنما تختص بالمسلمين، إلا ما تقدم في المؤلفة قلوبهم فإنها إنما تدفع لكفار منهم لمصلحة المسلمين.
قال: (السادس: الغارم لإصلاح ذات البين ولو مع غنى أو لنفسه مع الفقر)
السادس: الغارم، وهو من عليه غُرم، والغرم هو الدين قال تعالى: ﴿والغارمين﴾
وقسم المؤلف الغارم إلى قسمين:
القسم الأول: الغارم لإصلاح ذات البين.
القسم الثاني: الغارم لنفسه.
стр. 1547
أما الغارم لإصلاح ذات البين، فهو الرجل يصلح بين طائفتين من الناس فيتحمل من أجل هذا الإصلاح أموالاً في ذمته كأن يقع شجار بين قبيلتين بينهم ديات فيتحمل هذه الديات لتزول ما بينهم من العداوة فهو المصلح ذات البين، فإنه يعطى من الزكاة؛ لدخوله في عموم قوله: ﴿والغارمين﴾
ولما ثبت في مسلم عن قبيصة قال: (أتيت النبي ﷺ وقد تحملت حمالة فسألته فيها فقال ﷺ : أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) (١)
قال: (ولو مع غنى)
فيعطى من الزكاة ولو كان غنياً، وقد تحملها ويمكنه أن يدفعها من ماله فإنه يعطى من الزكاة؛ وذلك لأن هذا الغرم لمصلحة عامة أشبه ما يعطى العامل الغني ومن يؤلفه قلبه، فإنه للمصلحة العامة يعطى مع الغنى فكذلك المصلح ذات البين ولإطلاق قوله تعالى: ﴿والغارمين﴾ فهي لفظة مطلقة غير مقيدة بالفقر أو بالعجز عن القضاء.
قال: (أو لنفسه)
عليه دين لمصلحة نفسه من مسكن أو منكح أو مطعم أو غير ذلك من الأمور المباحة له فإنه يعطى من الزكاة.
أما إن كانت أموراً محرمة فإن ذلك لا يجوز؛ لأن في ذلك تعاوناً على الإثم قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ (٢) وهذا تعاون على الإثم فلا يعطى من الزكاة.
لكن إن تاب فإنه يعطى من الزكاة لأنه غارم، وإنما منعنا من إعطائه لو لم يتب لما في ذلك من التعاون على الإثم أما وقد تاب إلى الله تعالى فإن هذا المعنى يزول.
ومثل ذلك إذا كانت الديون على أمور سرف فإن الزكاة لا تدفع إليه كمن يقترض لمفاخرة في منزل أو ملبس أو مشرب أو نحو ذلك من أمور التكاثر والترف فإنه لا يعان على ذلك لأنها أمور مرفوضة في الشريعة فلا يعان عليها لكن إن تاب إلى الله من ذلك أو ترك هذا فإنه يعاون لزوال المعنى المتقدم.
стр. 1548
إذن: من عليه دين لنفسه لأمور مباحة أو لأمور محرمة، لكن تاب منها فإنه يُعان من الصدقة.
وهنا اشترط الفقر فقال: (أو لنفسه مع الفقر) :
وهذا أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو اشتراط الفقر في المدين.
ولم أر دليلاً يدل عليه وفي اشتراطه نظر، فإن الآية القرآنية مطلقة وقد قال تعالى: ﴿والغارمين﴾ فظاهرها أن كل غارم يعطى من الزكاة وإن كان قادراً على التكسب والعمل وذلك؛ لأنه غارم والزكاة إنما أثبتت لهم – الزكاة - لمعنى الغرم لا لمعنى آخر سواه.
وإن كان مراد المؤلف هنا بقوله: مع الفقر، بأن يكون قادراً على دَيْنه من ماله، فهذا لا إشكال فيه، فلو كان عنده مال وهو قادر على قضاء الدين فلا يعطى من الزكاة بل يؤمر بقضاء الدين من ماله أما إن كان غنياً عنده ما يكفيه ويكفي عائلته لكن عليه ديون، فإنه يعطى من الزكاة لأنه غارم وقد قال تعالى: ﴿والغارمين﴾ .
إذن: الغارم لمصلحة نفسه يعطى من الزكاة مطلقاً سواء كان غنياً أو فقيراً ما دام غير قادر على قضاء دينه ولو كان عنده قدرة على التكسب والتحرف لقضاء الدين فإنه غارم فيعطى من الزكاة وإن كان عنده ما يكفيه ويكفي عائلته بالمعروف.
والغارم إنما يعطى من الزكاة لدفع غرمه لا للتمليك، فإنه لا يدفع له المال ليتملكه ويصرفه في أي مصرف شاء وإنما يدفع إليه ليقضي دينه منه.
ولذا فإن فضل منه شيء فيجب عليه رده. فلو أن رجلاً أعطي عشرة آلاف لقضاء دينه فذهب بها إلى الدائن فأعفاه عن بعضها فيجب عليه أن يرد هذا الباقي لأنه إنما دفع لمصلحة إزالة الغرم عنه، فليس له أن يتملكه وقد زال السبب الذي من أجله أعطي الزكاة.
стр. 1549
كذلك لا يشترط إذن الغارم في إعطاء الغريم حقه فلو أن رجلاً يطالب بمبلغ مالي لأحد من الناس فللقائم على مصلحة الزكاة – العامل عليها - ولصاحب المال أن يعطي الدائن مباشرة من غير إذن الغارم؛ وذلك لأن المقصود هو إزالة الغرم ولا يحتاج حينئذ إلى إذن الغارم؛ وذلك لأنه لا يمتلك هذا المال فلا يعطاه تمليكاً له وإنما يعطاه إزالة لغرمه وحيث كان كذلك فلصاحب المال أن يعطيه الغريم من غير إذن الغارم.
مسألة:
والصحيح من المذهب أن من أبرأ مدينه بنية الزكاة فإن ذلك لا يجزئه.
فلو أن رجلاً له على فلان عشرة آلاف فقال له: ذمتك بريئة من هذه العشرة آلاف ونوى ذلك زكاة، فإن ذلك لا يجزئه في الصحيح من المذهب.
- وقال بعض الحنابلة بالجواز، لأنها صدقة فإبراء ذمة المدين صدقة وحيث كانت صدقة فإن ذلك يجزئه عن زكاته بالنية.
والأظهر هو المذهب الأول؛ وذلك لما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب قال: (حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه " أي أضاعه من حملته عليه أي لم يقم برعايته " فأردت أن اشتريه منه وظننت أنه يبيعه لي برخص فسألت النبي ﷺ فقال: لا تشتر ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب يقيء فيعود في قيئه) (١) وهذا المعنى المستقبح يدل على تحريم العودة في الصدقة؛ لأن النبي ﷺ نهاه عن ذلك فقال: (لا تشتر) فدل على أن اشتراء الصدقة محرم، ودل هذا على ما نحن فيه من أن إعادة الصدقة إلى مصلحة نفسه ومنفعة نفسه فإن ذلك محرم وهو إذا أبرأ المدين من الدين فإنه قد أعاد الصدقة إلى نفسه فحرم ذلك. فالشارع نهى عن العود في الصدقة وفي إباحة ما تقدم، عودة في الصدقة.
стр. 1550
ومثل ذلك – أيضاً في الصحيح من المذهب، وخالف بعض الحنابلة أيضاً كالمخالفة في المسألة السابقة – في أنه لا يجوز أن له يعطي المدين له زكاته حيلة إلى العود.
فلو أن رجلاً يريد من رجل عشرة آلاف فليس له أن يدفعها له ويقول: هذه زكاة مالي حيلة لإعادتها إلى نفسه، سواء شرط هذا أو علم أن الغارم سيعيدها إليه، هذا أمر محرم.
فإن المسألة السابقة محرمة وإذا شرط ذلك فإنه محرم وإذا أبرأه فإن ذلك محرم والحيلة إلى المحرم محرم، أما لو دفعها إليه فإن ذلك جائز كأن يراه محتاجاً إلى الصدقة فأعطاه الزكاة فإن ذلك جائز لا حرج فيه.
إذن: لا يحل له أن يبرأ ذمة المدين ولا أن يدفع إليه الزكاة حيلة لإعادتها لمنفعة نفسه، وفي هذا – كما تقدم – مصلحة كبيرة حفظاً للزكاة من عبث أصحاب الأموال لتبرئة ذمم المعسرين وغيرهم الذين قد تسقط عنهم الحقوق بالإعفاء أو غيره فتذهب زكوات كثيرة لنفع أصحاب الأموال.
مسألة:
هل يجوز أن تدفع الزكاة للغارم الميت أم هي مختصة بالغارم الحي؟
فلو أن رجلاً توفى وعليه دين فهل يجوز قضاء دين من الزكاة أم هو مختص بالحي؟
قولان لأهل العلم هما قولان في مذهب الحنابلة:
١- القول الأول: أن ذلك لا يجوز وهو مذهب جمهور العلماء.
قالوا: لأن الزكاة حينئذ قد دفعت إلى الغريم لا إلى الغارم، وقد قال تعالى: ﴿والغارمين﴾ وعندما ندفعها إلى الدائن فقد دفعناها إلى الغريم ولم ندفعها إلى الغارم.
٢- وقال المالكية، وهو قول في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام: أن ذلك جائز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والغارمين﴾ فيدخل في عمومها الغارم الميت.
قالوا: وأما تعليلكم فهو ضعيف فإن المقصود هو دفع الغرم سواء دفع المال إلى الغارم أو إلى الغريم، ولذا أجزنا – كما تقدم – دفعها إلى الغريم مباشرة بغير إذن الغارم، لأن دفعها إلى الغارم ليس بمقصود، بل المقصود هو إبراء ذمته من الدين سواء دفع هذا إلى الغريم أو الغارم.
стр. 1551
فعلى ذلك الراجح مذهب المالكية وهو قول في المذهب واختيار شيخ الإسلام أن الغارم الميت يجوز أن يبرأ ذمته من دينه بالزكاة.
قال: (السابع: في سبيل الله)
لقوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾
قال: (وهم الغزاة المتطوعة الذين لا ديوان لهم)
أي لا يعطون رواتب من الديوان أي من بيت المال أي من الفيء.
فإذا كان يعطى من الفيء فإنه لا يعطي من الزكاة أما إن لم يكن يعطى من الفيء أو كان يعطى من الديوان ما لا يكفيه فإنه حينئذ يعطى من الزكاة. يعطى – المجاهد – ما يكفيه لغزوته ذهاباً وإياباً وما يحتاج إليه من أدوات الحرب ومراكبه وما يحتاج إليه من الطعام وغيره، لقوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ يعني الجهاد هذا ولو كان غنياً، وذلك لما تقدم من التعليل السابق فإنه إنما يعطى للمصلحة العامة، ولأن الله أطلق فقال: ﴿وفي سبيل الله﴾ ولم يقيده بالفقراء.
ويعطى من يريد الجهاد في سبيل الله ما يكفيه لغزوته تلك وليس له أن يوفر من ذلك شيئاً، فإذا بقى معه شيء من المال فاض عن غزوته فإنه يجب عليه أن يخرجه زكاة أو أن يعيده إلى مصلحة الزكاة. - وأدخل الحنابلة الحج والعمرة الفرض، فقالوا: يجوز أن يأخذ الحاج والمعتمر من الزكاة ما يحج به ويعتمر.
- وفي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد: في فرض أو نفل، وهو ظاهر إطلاق بعض الحنابلة فيأخذ للحج والعمرة سواء كان فرضاً أو نفلاً.
стр. 1552
قالوا: ولما ثبت في أبي داود أن النبي ﷺ قال: لأم معقل، وكانت لم تحج واعتذرت بأنه ليس لها ما تركبه وأن زوجها قد أوصى بحمله في سبيل الله فقال لها النبي ﷺ : (فهلا حججتي منه فإن الحج في سبيل الله) (١) ، وبما صح عن ابن عمر – كما في كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام بإسناد صحيح أنه قال: (أما إن الحج في سبيل الله) (٢) فدل على دخول الحج والعمرة في حكمه – في عموم قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ .
- واختار الموفق وهو مذهب جمهور العلماء: أن الحاج والمعتمر لا يعطي شيئاً من الزكاة وإن كان الحج والعمرة فرضاً؛ لأن الحج والعمرة لا يجبان مع الفقر فإن الله قال: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ فهما لا يجبان عليه؛ لأنه فقير.
والأقوى ما ذهب إليه الحنابلة لقوة ما استدلوا به من دخولها في سبيل الله وإن كان فيما ذكره جمهور العلماء قوة على أن الجهاد في سبيل الله الكفائي وهو سنة غير فرض يعطى الغازي ما يكفيه لغزوته وإن كان ذلك مستحباً لا واجباً، لكن يظهر الفرق بينهما بأن الجهاد لمصلحة عامة ومصلحة متعدية، وأما الحج والعمرة فهو لمصلحة خاصة أو مصلحة قاصرة على صاحبها.
стр. 1553
ويدخل في سبيل الله طلب العلم، فيعطى طالب العلم الزكاة ما يكفيه لمؤنة نفسه، وما يكفيه لكتب العلم وغيرها مما يحتاج إليه في تعلمه ورحلته وغير ذلك، فهذا جائز لأن العلم في سبيل الله، فهو كالجهاد بل هو نوع من أنواع الجهاد وقد قال ﷺ : (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) (١) والعلم هو سبب الجهاد باللسان فلا قيام للجهاد باللسان إلا بالعلم وقد قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾ (٢) فالكتاب والميزان هو العلم والحديد هو أداة الجهاد في سبيل الله باليد.
فالعلم نصرة لله والجهاد في سبيله، وهو الجهاد الذي قام به النبي ﷺ في أكثر عمره بمكة فقد أقام ثلاث عشرة سنة يجاهد بالعلم والقرآن.
* وألحق الشيخ محمد بن إبراهيم، وأفتى به المجمع الفقهي على أن الدعوة إلى الله ومصالحها داخلة في هذا. وهو قول قوي؛ لأن الدعوة جهاد في سبيل الله فهي جهاد باللسان كما تقدم، فيجوز أن يعطى الدعاة المتفرغون للدعوة أن يعطوا من الزكاة.
قال: (الثامن: ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به)
أي المنقطع به سفره لقوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ أي ابن الطريق. وهو كما قال المؤلف: (المسافر المنقطع به سفره) .
قال: (دون المنشئ للسفر من بلده)
فالمنشئ للسفر من بلده ليس ابن سبيل، فلو أن رجلاً في بلده وبين أهله وعشيرته فليس ابن سبيل، وذلك لأنه [ليس] في سبيل، فليس في طريق.
لكن ابن السبيل هو من انقطع به في طريقه خارجاً عن بلده فإنه يُعطى من الزكاة وإن كان غنياً أي إن كان غنياً في بلده ما دام محتاجاً إلى الزكاة في سفره وهذا إذا كان السفر مباحاً.
стр. 1554
أما إذا كان السفر محرماً إلا أن يضطر إلى ذلك دفعاً للضرورة، أما إن أمكنه أن يقترض فإنه لا يعطى من الزكاة لما في ذلك من إعانته على المحرم إلا أن يظهر فيه التوبة فإنه يعطى.
أما من كان في سفر مباح فإنه يعطى من الزكاة وإن أمكنه الاقتراض في هذه البلدة فإنه يعطى من الزكاة كما هو أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو ظاهر إطلاق الآية الكريمة: ﴿وابن السبيل﴾ ظاهره وإن كان قادراً على الاقتراض فإن في طلب الاقتراض كلفة أو منة فلا يلزم به ويعطى من الزكاة.
قال: (فيعطى ما يوصله إلى بلده)
فيعطى المال الذي يحتاج إليه في طريقه من مركب، ومطعم ومشرب وغير ذلك مما يحتاج إليه فإنه يعطاه من الزكاة حتى يرجع إلى بلده.
كما أنه لو كان قاصداً بلداً من بلده فانقطع في الطريق بينهما فإنه يعطى ما يكفيه للذهاب إلى البلدة التي هو قاصد لها وما يكفيه للرجوع منها إلى بلده لأنه ابن سبيل فيعطى ما يكفيه حتى يرجع إلى بلده حيث ماله هناك.
فإن فضل منه شيء فيجب عليه الرد لأنه لا يعطاه تمليكاً له وإنما لزوال الحاجة التي هي سبب لإعطائه فمتى ما أن قضت الحاجة، وتوفر معه شيء فلا يجوز له أن يمسكه لنفسه بل يجب عليه أن يرده.
قال: (ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم)
وهذا ظاهر فإن الرجل الذي يعول عائلة لا يعطى ما يكفيه وحده بل يعطى ما يكفيه وما يكفي من يعول؛ لأنه كما أنّا نقصد دفع حاجته فكذلك نقصد دفع حاجة من يعول فيعطى لزوجته ولأولاده، لأن المقصود هو دفع حاجة الفقراء وهم فقراء، وهو وإن كان عائلاً لهم فهو عاجز عن القيام بالنفقة عليهم فيعطى هو من النفقة ما يكفيه وما يكفي من يعول.
قال: (ويجوز صرفها إلى صنف واحد)
تقدم البحث في هذا في أول هذا الباب.
قال: (ويسن إلى أقاربه الذي لا تلزمه مؤنتهم)
стр. 1555
فيسن له أن يدفع زكاة ماله إلى أقاربه؛ وذلك لأن إعطاء القريب الزكاة صدقة وصلة، وأما إعطاؤها للأجنبي فهي صدقة فحسب ولذا قال: النبي ﷺ – فيما رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح -: (الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذي القرابة اثنتان صدقة وصلة) (١) .
وأما تقييده بقوله: (لا تلزم مؤنتهم) فيأتي هذا وأنه من تلزمه مؤنتهم لا يجوز أن يعطيهم من الزكاة شيئاً بل يجب عليه أن ينفق عليهم من غير الزكاة. أما إن كان لا يلزمه مؤنتهم فالأفضل دفع الزكاة لهم ولذا إن أخر زكاة ماله لإعطائها قريب وكان التأخير يسير فهو جائز له كما تقدم.
فإن إعطاء القريب أفضل من إعطاء البعيد؛ لما في ذلك من الصلة المأمور بها وهي أيضاً صدقة، فتفضل على الصدقة على البعيد بكونها صلة. والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الرابع عشر بعد المئتين
(يوم الثلاثاء: ١٥ / ١ / ١٤١٦ هـ)
فصل
(ولا تدفع إلى هاشمي)
الهاشمي: هو نسبة إلى هاشم بن عبد المطلب جد النبي ﷺ فالهاشميون هو بنو هاشم بن عبد المطلب القرشي فالزكاة لا تدفع إلى هاشمي فمن ثبت نسبه إلى بني هاشم ذكراً كان أو أنثى فلا تحل له الزكاة.
ودليل هذا ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال لبعض بني هاشم: (إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس) (٢) فالصدقة لا تنبغي لآل محمد، وهم بنو هاشم وهذا باتفاق العلماء، وأن الهاشميين لا تحل لهم الصدقة.
стр. 1556
وظاهر كلام الفقهاء أنها لا تحل لهم مطلقاً سواء أعطوا من الخمس أو لا، فإن لقرابة النبي ﷺ وهم بنو هاشم لهم حق في الفيء فلهم خمس الخمس فظاهر كلام الفقهاء أن الزكاة لا تحل لهم وإن لم يعطوا نصيبهم من الخمس.
واختار شيخ الإسلام وهو وجه عند بعض الشافعية واختاره بعض الحنابلة: أن الصدقة تدفع إليهم إن لم يعطوا من الخمس لحاجتهم إلى ذلك.
وفي هذا نظر، فإن الحديث المتقدم عام وأن الصدقة لا تحل لهم مطلقاً وكونهم يمنعون من حقهم من الخمس لا يجعل ما حرم عليهم حلالاً، فإن الصدقة محرمة عليهم لا تحل لهم وكونهم يمنعون من الخمس لا يعني ذلك أن يباح لهم أخذ الزكاة.
وموالي بني هاشم ليس لهم في الخمس شيء ومع ذلك فإن الصدقة لا تحل لهم بنص النبي ﷺ .
فعلى ذلك الأظهر ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن الصدقة محرمة عليهم وإن لم يعطوا من الخمس شيئاً.
وظاهر كلام المؤلف أيضاً وهو ظاهر كلام الفقهاء أن الصدقة لا تحل لهم وإن كانت من بعضهم، فلا تحل صدقة الهاشمي للهاشمي، فليس للهاشمي أن يدفع زكاته إلى هاشمي وليس للهاشمي أن يقبلها خلافاً لشيخ الإسلام، فإنه رأى جواز ذلك لهم، وفي ذلك نظر، فإن الحديث عام، وكما أن الصدقة أوساخ للناس فهي أوساخ لأموال بني هاشم.
وأما ما رواه الحاكم من أن النبي ﷺ سأله العباس فقال: (هل تحل صدقة بعضنا لبعض) فقال له النبي ﷺ : (نعم) (١) فالحديث إسناده لا يصح.
فعلى ذلك الظاهر ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن الزكاة لا تحل لبني هاشم أعطوا من الخمس أم لم يعطوا ولا تحل لهم أيضاً وإن كانت من بني هاشم.
стр. 1557
أما صدقة التطوع فإنها تحل لهم وحكى صاحب الفروع ذلك إجماعاً، وذلك لأن العلة الثابتة في صدقة المال الواجبة ليست ثابتة في صدقته التطوعية فإن صدقة التطوع ليست من أوساخ الناس بدليل أن من تصدق ولم يزك فإن ماله لا يتطهر، فهي وإن كانت مطهرة لصاحبها من الإثم لكنها ليست بوسخ المال هذا هو مذهب جماهير العلماء وحكاه صاحب الفروع إجماعاً.
إلا ما قاله الشوكاني من أن صدقة التطوع محرمة.. (١) أيضاً؛ وذلك لأنها من أوساخ الناس أيضاً.
وفي هذا نظر فإن صدقة التطوع ليست بأوساخ الناس كما تقدم بدليل أنها لا تطهر المال حتى تخرج زكاته.
فالصحيح مذهب جماهير العلماء من أن صدقة التطوع تحل لهم وهو الذي تقتضيه المصلحة فإنهم قد يمنعون من الخمس وعندما يمنعون من الصدقة التطوعية مع منعهم من زكاة المال لا شك أنه يلحقهم ذلك حرجاً عظيماً وقد أتت الشريعة بنفي الحرج ورفعه.
قال: (أو مطلبي)
المطلبي: نسبة إلى المطلب بن عبد مناف أخي هاشم بن عبد مناف، فلعبد مناف: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس.
فلا تحل الزكاة لبني هاشم ولا تحل أيضاً لبني أخيه المطلب أما بنو عبد شمس وبنو نوفل فإنها تحل لهم اتفاقاً – هذا ما ذكره المؤلف وهو مذهب الشافعي.
стр. 1558
واستدلوا: بما ثبت في مسلم: أن جبير بن مطعم – وهو من بني نوفل ابن عبد مناف قال: (مشيت أنا وعثمان بن عفان " وهو من بني عبد شمس ابن عبد مناف " إلى النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله إنك قد أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة) (١) أي بمنزلة واحدة منك فجبير من بني نوفل بن عبد مناف وعثمان من بني عبد شمس فهم بمنزلة واحدة من بني المطلب أي تخصيصك لبني هاشم هذا لا غرابة فيه فأنت من بني هاشم، لكن إعطاءك لبني المطلب ونحن وهم بمنزلة واحدة منك هذا أوجد عندنا شيئاً من الاستغراب فنحن نطالب بذلك لما في ذلك من الشرف والمنزلة فقال النبي ﷺ : (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد) وذلك لأن بني المطلب كانت لهم نصرة عظيمة لبني هاشم في الجاهلية والإسلام، فإنهم قد نصروهم في الشعب وغيره.
بخلاف بني عمهم من عبد شمس ونوفل فإنهم قد خذلوهم في الشعب وفي غيره ولذا لهذه النصرة العظيمة راعى النبي ﷺ حق بني المطلب فأعطاهم من الخمس الذي هو لذي القربى قالوا: فكما لبني المطلب في الخمس فليس لهم نصيب من الزكاة فلا تحل لهم الزكاة.
وقال جمهور العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد واختار هذا القول شيخ الإسلام: أن بني المطلب تحل لهم الزكاة.
واستدل بعمومات الأدلة الشرعية الدالة على إعطائها للفقير والمسكين وغيرهم ممن تقدم ذكرهم من الأصناف وبنو المطلب يدخلون في هذه العمومات ولا دليل على استثنائهم فقد صحت الأدلة باستثناء آله وهم بنو هاشم ولم يصح دليل على استثناء بني المطلب.
стр. 1559
قالوا: وأما قوله: (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد) فإن هذا في الخمس لمقتضى النصرة التي قاموا بها لبني هاشم أما الزكاة فإنه لا معنى لاختصاصهم عن بني عبد شمس وبني نوفل، هذا هو القول الراجح وأن بني المطلب تحل لهم الزكاة.
قال: (ومواليهما)
أي موالي بني هاشم وموالي بني المطلب
لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح عن أبي رافع – وهو مولى النبي ﷺ فهو من موالي بني هاشم قال: (بعث النبي ﷺ على الصدقة رجلاً من بني مخزوم) وهذا يدل على أن سائر فروع قريش من بني مخزوم وغيرهم تحل لهم الزكاة فإنه قد جعله عاملاً على الصدقة فقال: (اصحبني حتى تنال منها) أي من الزكاة على العمل فسألت النبي ﷺ : (فقال: لا، مولى القوم من أنفسهم وإنها لا تحل لنا الصدقة) (١) فدل على أن مولى القوم - أي عتيقهم - أنه من أنفسهم فمولى بني هاشم من أنفسهم فلا تحل لهم الزكاة.
وقد تقدم أن ذوي قرابته لا يحل لهم العمل على الصدقة بأجرة، أما إذا كان من الفيء فإن ذلك لا بأس به.
стр. 1560
واعلم أن ما تقدم من منع بني هاشم ومواليهم من الصدقة إنما هو ما كان لمصلحة أنفسهم أما ما يدفع إليهم للمصلحة العامة كأن يكون أحدهم غازياً أو مصلحاً ذات البين أو مؤلفاً قلبه فإنه يعطى من الزكاة إذ لا فرق بين بني هاشم وغيرهم في هذا، وهو إنما يعطي حينئذ للمصلحة العامة، والمصلحة العامة المقصود إيجادها سواء كانت لهاشمي أو غيره فالمنع المتقدم حيث كان لمصلحة نفسه في عمل على الصدقة أو كان فقيراً أو مسكيناً أو غارماً لمصلحة نفسه، وأما إن كان غارماً لمصلحة غيره كالمصلح ذات البين أو كان مؤلفاً قلبه على الإسلام أو كان في سبيل الله غازياً فإن الصدقة تدفع إليه.
قال: (ولا إلى فقيرة تحت غني منفق)
إذا كانت الزوجة فقيرة لا مال لها لكن زوجها غني ينفق عليها، فلا تحل لها الزكاة لاستغنائها بزوجها وكذلك الولد الذي لا مال له ولا عمل ووالده ينفق عليه فلا تحل له الزكاة لاستغنائه بنفقة والده وهكذا.
فكل من ينفق عليه فلا تحل له الزكاة لوجود من ينفق عليه واستغنائه بذلك.
قال: (ولا إلى فرعه وأصله)
لا تحل الزكاة إلى الفروع، والفروع هم أولاده وإن نزلوا أي أولاده الذكور وأولاده الإناث، وأولاد الذكور وأولاد الإناث وإن نزلوا، الوارث منهم وغير الوارث فبنت البنت لا تحل لها منه الزكاة وإن كانت غير وارثة وغير منفق عليها.
وكذلك الأصول، والأصول هم الوالدان وإن علوا، أمه وأبوها وأمها وإن علوا، وأبوه وأبو أبيه وأم أبيه وهكذا وإن علوا الوارث منهم وغير الوارث.
وقد أجمع العلماء على أن الولد والوالد والزوجة لا تحل لهم الزكاة، حكى إجماعهم ابن المنذر وغيره.
وظاهر كلام الفقهاء أن الصدقة لا تحل للأصول ولا الفروع مطلقاً، وجبت النفقة عليهم للإرث أم لم تجب وسواء كان قادراً على النفقة عليهم أو غير قادر عليها.
стр. 1561
فمثلاً: رجل عنده بنات ابنته لا تحل لهن الزكاة منه وإن كان غير قادر على الإنفاق عليهن كأن يكون عنده من يعول.
وظاهر كلامهم أيضاً: أنه ولو لم تجب عليه النفقة فإنه لا يجب أن ينفق على بنات بناته أو أبنائهن لعدم الإرث كما لا يجب على أبي أمه لعدم الإرث، هذا ظاهر كلامهم.
- واختار شيخ الإسلام: أن الزكاة حينئذ تحل، وهو رواية عن الإمام أحمد.
قال ﵀: إن كان غير قادر على الإنفاق على أصوله وفروعه كأن يكون عنده أبوه وأمه وهو غير قادر على الإنفاق عليهم مع وجود أولاده وزوجته ومن ينفق عليهم.
أو كان قادراً على الإنفاق لكن النفقة لا تجب عليه في الأصل وإنما أوجبت عليه باضطرارهم إلى ذلك فأولاد البنت لا تجب عليهم النفقة في الأصل، لكن إذا اضطروا إلى نفقة جدهم من أمهم فإن الراجح أنه يلزم بالإنفاق لكن النفقة في الأصل لا تجب فاختار شيخ الإسلام أنه حينئذ يحل له دفع الزكاة لهم قال: لأن المانع من إجزاء الزكاة دفعاً لهم هو خوف تهربه من النفقة الواجبة عليه وهنا لا نفقة فحيث كان غير قادر على الإنفاق فلا نفقة، فإن لم يعطهم من الزكاة بقوا لا منفق عليهم.
وإذا كان لا يجب عليه الإنفاق عليهم فكذلك فإنه حينئذ يصرف الصدقة إلى البعيد وهؤلاء أقرب إليه ولا يجب عليه أن ينفق عليهم.
وهذا القول الراجح وأن من عنده أحد من أصوله أو فروعه وهو غير قادر على الإنفاق عليه – فعنده رأس مال تجب فيه الزكاة لكن ما يأتيه من هذا المال لا يكفي إنفاقه على نفسه وولده وزوجه ووالديه، فيحتاج حينئذ إلى أن يدفع إلى والديه الزكاة وينفق عليهم منها فإن ذلك جائز.
وكذلك [من] لا يجب عليه أن ينفق عليهم في الأصل كغير الورثة من أصوله وفروعه. هذا هو الراجح؛ لأن المانع من صحة دفع الزكاة لهم هو وجوب الإنفاق وهنا لا تجب النفقة فصحت الزكاة حينئذ ولدخولهم في عمومات الأدلة الشرعية، ولا مانع يمنع من صحة الزكاة لهم.
стр. 1562
أما الحواشي: فاتفق الفقهاء على أن ذوي الأرحام وهم غير الورثة – يصح أن يعطوا من الزكاة كبنت الأخ وبنت الأخت أو العمة أو الخالة يصح أن يعطوا من الزكاة لأنهم غير وارثين فلا تجب عليهم النفقة حينئذ. هذا في حكم الحواشي من غير الورثة.
أما الحواشي من الورثة كالأخ وابن الأخ والعم فاختلف أهل العلم في صحة دفع الزكاة لهم على قولين:
القول الأول: أن الزكاة لا تصح لهم، وهو المذهب وهو قول الشافعية.
قالوا: لأن النفقة تجب عليهم فإذا أعطاهم من الزكاة كان ذلك تهرباً من النفقة الواجبة عليهم.
٢- وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن الزكاة يجوز دفعها إليهم، وذلك لأن النفقة لا تجب لهم أصلاً فلا يجب على الأخ أن ينفق على أخيه أو ابن أخيه ولا على عمه فلا تجب النفقة عليهم أصلاً وإنما يوجب عند الضرورة فإذا اضطروا إلى نفقته أوجبناها في الضرورة وهنا - وهم يمكن أن يأخذوا من الزكاة – فلا ضرورة فالنفقة لا تجب عليهم أصلاً إلا إذا وقعت الضرورة والحاجة الماسة إلى ذلك وحيث كانوا يمكن أن يأخذوا من الزكاة فلا ضرورة، وهي الرواية الظاهرة عن الإمام أحمد كما قال ذلك الموفق. وهذا القول هو الراجح وهو مقتضى كلام شيخ الإسلام المتقدم.
واعلم أن ما تقدم في النفقة التي يحتاج إليها من طعام وشراب ونحو ذلك.
أما الدين:
فإن أصح قولي العلماء في هذه المسألة وهو أصح الوجهين في مذهب الإمام وهو اختيار شيخ الإسلام أن الدين يجوز أن يقضيه من زكاته وإن كان يجب أن ينفق.
стр. 1563
فالوالد يجوز أن يقضي دين ولده، وذلك لأن قضاء الدين ليس من النفقة الواجبة على المنفق، فالواجب عليه أن ينفق عليه ما يحتاج إليه في طعامه وشرابه وسكناه ونحو ذلك وفي ملبسه ومنكحه وغير ذلك، وأما قضاء الدين فلا يدخل في باب النفقات ولذا صرح فقهاء الحنابلة بأنه يجوز أن يعطي الوالد ولده مالاً يغزو به أو غير ذلك من المصالح العامة وذلك لأنها لا تدخل في النفقة والعلة المتقدمة أن الزكاة إنما تمنع تهرباً من النفقة وهنا لا نفقة واجبة.
فعلى ذلك الراجح أنه يجوز للوالد أن يقضي دين ولده أو دين زوجته أو غير ذلك ممن ينفق عليهم؛ لأن ذلك غير داخل في النفقة الواجبة لكن إذا كان الدين بسبب إهماله في النفقة، كأن يكون على الابن دين في نكاحه أو في مسكنه وهو محتاج إلى نفقة والده، أو يكون على الزوجة دين بسبب عدم قيام الزوج بالنفقة فإن قضاء دينها من الزكاة لا يجوز؛ لأنه يجب عليه أن ينفق وهذا داخل في النفقة لكن الدين الخارج عن النفقة هو الذي يجوز أن يقضيه من الزكاة.
قال: (ولا إلى عبد)
لاستغنائه بنفقة سيده، فإن السيد يجب أن ينفق على عبده.
قال: (وزوج)
هذا أحد القولين في المذهب، وأن الزوجة لا يحل لها أن تعطي زوجها زكاتها سواء كانت من حلي على القول بالزكاة به أو غير ذلك.
стр. 1564
والقول الثاني في المذهب: أن الزكاة يجوز أن يعطي الزوج من الزوجة، وهذا هو القول الراجح؛ وذلك لأن الزوجة لا تنفق على زوجها فلا معنى لمنعها من إعطائه زكاتها والزوج داخل في العمومات التي فيها أصناف من تحل له الزكاة كما تقدم فهو إن كان فقيراً أو مسكيناً فهو داخل في عموم قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ وقد ثبت في البخاري عن أبي سعيد: أن زينب امرأة ابن مسعود أتت النبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله إنك قد أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم فقال: صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم) (١) .
فلها أن تتصدق على زوجها ولها أن تتصدق على ولدها؛ لأنها لا يجب عليها أن تنفق على ولدها وإنما يجب ذلك على الوالد.
قال: (وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلاً أو بالعكس لم يجزئه)
رجل أخذ زكاة ماله فأعطاها هاشمياً أو غنياً أو نحو ذلك وهو يعتقد ذلك ويعلم أن هذا ليس من أهل الزكاة فلا يجزئه وإن ثبت له بعد ذلك خطأ ظنه.
فمثلاً: أعطاها غنياً وهو يعلم أنه غني فبان فقيراً فلا يجزئه هذه الزكاة؛ وذلك لأن من شرط الزكاة النية وهنا النية غير جازمة لأنه أعطاها من يعتقده ليس أهلاً وحينئذ لم ينوها زكاة؛ لأن الزكاة إنما تدفع للأصناف الثمانية كما لو صلى صلاة بظن أن الوقت لم يدخل فتبين دخوله فإنها لا تجزئه كما تقدم، فكذلك هنا.
(أو بالعكس)
رجل أعطى زكاته من يظن أنه من أهل الزكاة، كأن يرى رجل فظن أنه ليس من بني هاشم أو نحو ذلك فأعطاه الزكاة ثم بان بعد ذلك على خلاف هذا، فإنها لا تجزئه.
قالوا: لأن الذمة لا تبرأ إلا بدفعها إلى أهلها وقد ثبت أن هذا ليس من أهلها.
وقال بعض الحنابلة: بل تجزئ عنه قياساً على الغني.
стр. 1565
فالمسألة هنا – فيما سوى الغني – كأن يدفعها إلى هاشمي أو إلى عبد أو إلى وارث يظنه بخلاف ذلك ممن هم من أهل الزكاة ثم تبين له أنه هاشمي أو عبد أو وارث – فهنا قالوا: لا يجزئ.
وقال بعض الحنابلة: بل تجزئ قياساً على الغني.
فالغني – عند الحنابلة - إن أعطى من الزكاة ظناً أنه فقير فثبت غناه، فإن الزكاة تجزئ.
واستدلوا: بقوله ﷺ : (إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) (١) قالوا: فهذا يدل على أنها إن أعطيت الغني بظن أنه فقير فإنها تجزئ وإن تبين أنه غني بعد ذلك.
وقال بعض الحنابلة: بل لا يجزئ أيضاً إن دفعت إلى الغني ظناً أنه فقير وتبين غناه، لأنها لم تدفع إلى أهلها فلم تبرأ بها الذمة. (٢)
إذن: المشهور عند الحنابلة: أنها إذا دفعت إلى من ليس أهلاً لها سوى الغني فإنها لا تجزئ، وإن دفعت إلى الغني فإنها تجزئ.
قالوا: وإنما فرقنا بين الغني وغيره لخفاء الغني وظهور غيره، فإن النسب ظاهر والعبودية ظاهرة، والإرث ظاهر وأما الغنى فإنه يخفى غالباً.
وقال بعض الحنابلة: بل لا تجزئ مطلقاً.
وقال بعضهم بل تجزئ مطلقاً.
فعندنا ثلاثة أقوال للحنابلة.
والذي يظهر: أنه إن اجتهد وتحرى فأعطاها من يظنه أهلاً بعد التحري والاجتهاد فإنها تجزئ؛ لأنه قد فعل ما يجب عليه وقد قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٣) وقال ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٤) وقال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ (٥) وقد قام بوسعه وطاقته وقدرته فسقط عنه الواجب فبرأت بها الذمة – وهذا مطلقاً في الغني وغيره.
стр. 1566
أما إذا لم يتحر ولم يجتهد فإن ذمته لا تبرأ لأنه مأمور بإعطائها أهلها، وهو لم يعطهم إياه، فلا تجزئه إلا أن يعطيها أهلها وحينئذ فيجب عليه الرجوع أو أن يخرجها من ماله.
فإذن يجب عليه الرجوع على من أعطاها إياه؛ لأنها لا تحل له ويحكم له القاضي بذلك لأنه أخذ مال بغير حق فيحل له الرجوع بل حتى إذا دفعها إلى من ليس بمستحق وثبت أنه غير مستحق فمع القول بالإبراء – حيث اجتهد وتحرى – فإن الرجوع واجب لإعطائها أهلها فهي محض حق الفقير وقد صرفت إلى الغني فوجب حينئذ الرجوع.
قال: (وصدقة التطوع مستحبة)
إجماعاً والأدلة من القرآن والسنة ظاهرة في هذا.
قال: (وفي رمضان أفضل)
لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ : (كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) (١) ويتوجه أن تكون الصدقة في عشر ذي الحجة أفضل لصريح قوله ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر) (٢) والصدقة من ذلك.
قال: (وأوقات الحاجات أفضل)
فعندما يصاب الناس بحاجة وفقر ومسغبة فإن الصدقة حينئذ أفضل، فهي أفضل منها في الأزمنة الفاضلة وذلك لتعلقها بالمحتاج نفسه.
стр. 1567
فإن الصدقة في الأزمنة الفاضلة متعلقة بالزمان، وأما في أوقات الحاجات فهي متعلقة بالمحتاج نفسه فكانت أفضل، فالصدقة في أوقات الحاجات أفضل من الصدقة في رمضان وفي عشر ذي الحجة وفي غير ذلك وقد قال تعالى: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة﴾ (١) أي في حاجة وفقر.
قال: (وتسن بالفاضل عن كفايته ومن يمون)
فيسن له أن يتصدق بما يفضل عن حاجته هو وحاجة من يمون، لما ثبت في البخاري أن النبي ﷺ قال: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول) (٢) أي أفضل الصدقة ما كان زائداً على حاجتك وحاجة من تمون، وقد تقدم أن الغنى هو الكفاية، فما فضل عن الكفاية فهو خير الصدقة.
أما أن يتصدق بما يلحقه أو يلحق من يمون ضرراً فإن ذلك محرم.
ولذا قال المؤلف: (ويأثم بما ينقصها)
أي بما ينقص المؤنة، أي مؤنته ومؤنة من ينفق عليهم.
فإذا تصدق وأضر بنفسه وبمن ينفق عليهم فإن ذلك محرم لما ثبت في المسند وسنن أبي داود أن النبي ﷺ قال: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) (٣) وقال ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) (٤) .
لكن يستثنى من ذلك: من كان من أهل اليقين والصبر وكانت أيضاً عائلته على هذه الصفة، فإنه وإن أنفق ماله كله مع رجاء رزق الله ورجاء الخير فإن ذلك لا حرج فيه، فقد ثبت في مسند أحمد وأبي داود والترمذي بإسناد صحيح: أن أبا بكر: (أتى بماله كله للنبي ﷺ وقال له: ما أبقيت لأهلك فقال: أبقيت لهم الله ورسوله) (٥) فهذا يدل على جواز ذلك.
стр. 1568
واعلم أن السنة في الصدقة الإسرار قال تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ (١) .
وقد ثبت في أبي داود بإسناد جيد أن النبي ﷺ قال: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة) (٢) .
وقد ثبتت الأدلة بفضيلة الإسرار بالقرآن أي بين الناس وأن المصلي يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن كما ثبت هذا في مسند أحمد وغيره بإسناد صحيح (٣) .
وقد قال ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) (٤) .
لكن إن اقتضت المصلحة الجهر فهو مستحب كأن يأمن على نفسه من الرياء ويأمن على الفقير من ظهور حاجته إلى الناس ونحو ذلك ويكون في ذلك مصلحة الاقتداء ونحوه فإن ذلك يكون أفضل.
وقد قال النبي ﷺ – كما في الصحيح – فيمن تصدق أمام الناس وكان قدوة في ذلك: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) (٥) .
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
والحمد لله رب العالمين.
تم بحمد الله تعالى شرح كتاب الزكاة من زاد المستقنع، لفضيلة الشيخ: حمد بن عبد الله الحمد، حفظه الله تعالى ونفع به. (٦)
стр. 1569
كتاب الصيام
الصيام لغة:الإمساك، وفيه قوله تعالى عن مريم:
(إني نذرت للرحمن صوما) ً أي إمساكاً عن الكلام.
اصطلاحاً:التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس وقد دل على فرضيته الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب:فقوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)
أما السنة:فمنها قوله ﷺ : (بني الإسلام على خمس، وذكر منها:صيام رمضان) وأما الإجماع:فقد أجمعت الأمة على فرضيته، وعلى تكفير جاحده، وقد أجمع أهل السير على أن الصيام فُرض في السنة الثانية من الهجرة – وعليه فيكون النبي ﷺ قد صام تسع رمضانات.
واعلم أنه لا بأس أن يقول:جاء رمضان أو دخل رمضان خلافاً لمن منع ذلك من أهل العلم.
وأما ما رواه البيهقي أن النبي ﷺ قال: (لا تقولوا جاء رمضان، فإنه اسم من أسماء الله تعالى) فالحديث لا يثبت عن النبي ﷺ ، ففيه أبو مَعْشر وهو ضعيف وقد ثبت عن النبي ﷺ إطلاق ذلك، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ...) الحديث.
ورمضان مشتق من الرمَضَ، رمض يرمض رمضاً وهو شدة الحر وإنما سمي رمضان بهذا الاسم لأنه وافق شدة حر فسمي بذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يجب صوم رمضان برؤية هلاله)
فإذا رؤي الهلال ففرض على المسلمين أن يصوموا، وهي مسألة إجماعية، وقد قال تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ، وقال ﷺ (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) متفق عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين)
стр. 1570
الثلاثين، يحتمل أن تكون من شعبان، وتحتمل أن تكون من رمضان، فيقال:ليلة الثلاثين من باب الظن وإلا فيحتمل أن تكون من رمضان. فإذا كانت ليلة الثلاثين ولم يروا الهلال وليس هناك مانع يمنع الرؤية من سحاب أو غبار، فإنهم يصبحون مفطرين وهذا باتفاق أهل العلم.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا أن يكون يصوم صوماً فليصمه) وقد قال الحنابلة وهو – أي يوم الثلاثين – يوم الشك الذي قال فيه عمار ابن ياسر – كما رواه أهل السنن والبخاري معلق والحديث إسناده صحيح -: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصا أبا القاسم ﷺ – هذا المذهب، والراجح أن يوم الشك يوم الثلاثين إذا كان في ليلته غيم أو قتر -.
إذن يحرم صيام يوم الشك ويكره له أن يتقدمه بيوم.
وهل يكره له أن يصوم إذا انتصف شعبان؟
روى أحمد والترمذي وأبو داود – والحديث أعله أحمد وابن مهدي – عن أبي هريرة قال وقال رسول الله ﷺ : (إذا كانت النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتى يكون رمضان) لكن هذا الحديث مع أن سنده صحيح، فقد أعله أنكره الإمام أحمد وابن مهدي، بل حكى ابن حجر أن جمهور العلماء على تضعيفه. وقد أنكره لمخالفته ما ثبت في الصحيح من حديث عائشة – وسيأتي ذكره: (أن النبي ﷺ : كان يصوم شعبان كله إلا قليلاً) وجمع الموفق ابن قدامه بين الحديثين، بأن حديث النهي فيه نهي من لم يصم النصف الأول من شعبان أن يصوم نصفه الثاني درءاً لذريعة إرادة الإلحاق بالفريضة احتياطاً وهو جمع قوي، لكن ينكر عليه قوله: (فأمسكوا عن الصيام) فظاهره الإمساك مطلقاً سواء صام نصفه الأول أو لا. فعلى ذلك ما قاله أهل العلم من نكارة هذا الحديث أولى.
قال: (وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه)
" غيم " أي سحاب.
" قتر " أي غبار.
стр. 1571
فإذا كانت ليلة الثلاثين وكان في السماء غيم أو قتر يمنع من رؤية الهلال، فيحتمل أن يكون الهلال موجوداً، فظاهر المذهب يجب صومه احتياطاً للعبادة.
واستدلوا:بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له) أي ضيقوا عليه، كما قال تعالى: (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أي يضيق، ومعلوم أن الشهر إما ثلاثون، وإما تسع وعشرون، فالتضييق عليه بأن يجعل تسعاً وعشرين: وهو قول راوي الحديث، ففي أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر: (أنه كان إذا حال دون قنطره " أي قنطر الهلال " سحاب أو قتر أصبح صائماً)
وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الصيام لا يجب، وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وابن عقيل وأبو الخطاب وصاحب الفروع وصاحب الإنصاف وغيرهم قالوا:لأن النبي ﷺ قال في الحديث المتفق عليه: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له) وفي رواية مسلم: (فاقدروا له ثلاثين) أي احسبوا له ثلاثين وفي رواية للبخاري: (فأكملوا العدة ثلاثين) وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) ونحوه في مسلم وفي أبي داود وابن خزيمة بإسناد صحيح عن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره " أي يتكلف في معرفة دخول الشهر من ذلك " فيصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام) وأما ما استدل به أهل القول الأول أما قوله: (فاقدروا له) فإنها قد فسرتها الرواية الأخرى في الصحيح: (فاقدروا له ثلاثين) وغيرها فثبت أن المراد احسبوا له، وليس المراد ضيقوا عليه.
стр. 1572
وأما فعل ابن عمر فإن هذا رأي من خالف روايته، والعبرة بما روى لا بما رأى، والأحاديث ظاهرة في ذلك، بل هو يوم الشك الذي قال فيه عمار: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ؛ لأن حقيقة الشك ثابتة فيه فلا يدري أهو من رمضان أم من غيره. والراجح هو عدم وجوب صومه – كما هو مذهب الجمهور لكن هل يباح صومه أم يستحب أم يكره أم يحرم؟
أربعة أقوال للحنابلة القائلين بعدم الوجوب:
الاستحباب وكان قول شيخ الإسلام وقد حكى صاحب الاختيارات عنه أنه قال بعد ذلك.
إلى القول بعدم الاستحباب.
٣ - ٤- الثالث والرابع:النهي وهو قول أبي الخطاب وابن عقيل وهل النهي للكراهية أم للتحريم؟
والراجح من هذه الأقوال الأربعة تحريم ذلك لحديث عمار.
وظاهر المذهب – كما تقدم – أنه يجب صومه، فإذا ثبت أنه من رمضان فإنه يجزئ، لأنهم صاموه بنية الاحتياط لكن الراجح تحريم صومه – كما تقدم -.
قال: (وإن رؤى نهاراً فهو لليلة المقبلة)
فإذا رأى الناس الهلال نهاراً فإنه يكون لليلة المقبلة سواء كان ذلك – أي الرؤية – قبل الزوال أم بعده أما إذا كانت الرؤية بعد الزوال فلا نزاع بين العلماء في ذلك وأنه يكون لليلة المقبلة وأما إذا كانت رويته قبل الزوال، فعن الإمام أحمد أنه يكون لليلة الماضية، فعليه فإذا كان ذلك فإنهم يمسكون عن الطعام والشراب ويكون اليوم الأول من رمضان ومرجع ذلك إلى أهل الخبرة بالأهلة قال: (وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم)
فإذا رؤى الهلال في بلدة من البلاد الإسلامية لزم جميع البلاد الصيام. هذا هو المشهور في مذهب أحمد ومذهب مالك.
واستدلوا:بقوله ﷺ : (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) .
стр. 1573
قالوا:هذا خطاب عام للأمة، فظاهر ذلك العموم لسائر البلدان ولما ثبت في الترمذي بإسناد حسن أن النبي ﷺ قال: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) . قالوا:فقوله الصوم " يدل على أن الأمة يجتمعون على الصيام فصومهم واحد وفطرهم واحد، وإجماعهم واحد. وذهب إسحاق وغيره إلى أن لكل بلدة من البلاد رؤيتها.
واستدلوا:بما ثبت في مسلم عن كُريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: (فقدمت الشام على معاوية فقضيت حاجتي واستهل رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في أخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال:متى رأيتم الهلال فقلت:ليلة الجمعة، قال:أن رأيته قلت:نعم ورآه الناس فصاموا وصام معاوية، قال:لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه قال:قلت أو لا تكتفي برؤية معاوية وأصحابه فقال: (لا هكذا أمرنا النبي ﷺ
وذهب الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام إلى أن لكل بلد رؤيتها. إلا إذا تحدث المطالع " أي مطالع القمر " فإذا المطالع فإنه إذا رؤى في بلدة لزم الأخر الصيام كما يقع هذا في البلدان المتقاربة كالبصرة والكوفة قالوا ولأنه متى رؤى في بلدة فيعلم أنه يرى في البلدة الأخرى لإيجاد المطلع، وقد منع من رؤيته غيم أو قتر أو إهمال " ونحو ذلك " وإلا فالأصل أنه يرى وهذا قول ظاهر، فإن اتخاذ المطالع معترف به في هذه المسألة عند أهل المعرفة فإنهم يقطعون أنه إذا روى في البلد فإنه يرى في البلدة الأخرى التي توافقها في مطلعها. وأما إذا اختلفت المطالع فلكل بلد رؤيتها لحديث كريب عن ابن عباس.
стр. 1574
وهذا القول أصح من القول الذي قبله وتبقى الخلاف بينه وبين القول الأول، فيجتب عن حديث: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) فأن المقصود بذلك أهل البلد ومن وافقهم في الرؤية أما إذا كانت المطالع مختلفة والهلال يرى في بلد الليلة ولا يرى في الأخرى إلا والحي - فهذا بذلك، فلا يحكم عليها بحكم واحد.
وأما حديث: (صومكم يوم تصومون) فإنه إنما يراد به أهل البلد الواحد لئلا يختلفوا واختلافهم يؤدي إلى اختلاف قلوبهم فيكون بعضهم صائم وبعضهم مفطر. وهذه المسألة مسألة اجتهاد – فإذا قال الحاكم فيها بأي قول وجب على أهل ذلك البلد أن يعملوا بحكمه.
فإذن الظاهر:أن لكل بلد رؤيتها إلا إذا اتحدت المطالع.
قال: (ويصام برؤية عدل ولو أنثى)
لأنه خبر ديني، والقاعدة في الأخبار الدينية أنها يقبل فيها خبر الواحد كالأحاديث النبوية ولا يشترط أن يكون المخبر ذكراً أو حراً بل لو كان أنثى أو عبد قبل لأنه خبر ديني فإذا أخبر عدل أنه رأى الهلال فإنه يحكم بقوله ويصوم الناس ولو كان المخبر أنثى لأن ذلك خبر ديني بخلاف باب الشهادة فإنها تتعلق بأموال الناس أما الخبر الديني فالتهمة منه بعيدة ومما يدل على ذلك ما روى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: (تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه) وذهب الأحناف والمالكية إلى
أنه لا يقبل إلا برؤية رجلين واستدلوا:بما روى النسائي أن النبي ﷺ قال: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) إلى أن قال: (فإن شهد شاهدان فصوموا وافطروا)
قالوا:فعلق النبي ﷺ الفطر والصوم برؤيته من اثنين، فلا يثبت دخول الشهر إلا برؤيتهما.
وهذا القول أضعف من الذي قبله، وذلك لثبوت الحديث المتقدم وهو المنطوق وما في هذا الحديث مفهوم، فإن مفهومه أنه لم يكن شاهدين فلا يثبت، والمنطوق مقدم على المفهوم.
стр. 1575
إذن:هلال رمضان يثبت برؤية واحد أما هلال شوال وهو الذي يثبت برؤيته خروج رمضان فقد اتفقوا العلماء – سوى أبي ثور – إلى أنه لابد لثبوته من رؤية اثنين، فلا يثبت برؤية الواحد.
واستدلوا:بحديث النسائي: (فإن شهد شاهدان فصوموا وافطروا) قالوا:حديث ابن عمر إنما يخصص دخول رمضان فيبقى خروجه على اشتراط الشاهدين ومع قوة ما ذهب إليه الجمهور – وإن ما ذهب – إليه أبو ثور قول قوي، فإن القاعدة هي قبول خبر الواحد في الأخبار الدينية مطلقاً وأما قوله: (فإن شهد شاهدان فصوموا وافطروا) فإنه يقال فيه ما قيل في المسألة السابقة، والذي يخرج هذه المسألة هو القياس الصحيح والدخول في قواعد الشريعة من أن خبر الواحد مقبول في الأخبار الدينية، فهنا بخبر الواحد يخبر عن النبي ﷺ تقطع به الأيدي وتراق به الدماء – وهو خبر واحد وواجب علينا قبوله فأولى من ذلك هذا.
فعلى ذلك يكون قوله: (فإن شهد شاهدان) على وجه الكمال والاستحباب ومع ذلك فإن العمل على ما ذهب إليه جمهور العلماء احتياطاً للصوم فلا يخرج عنه إلا بشهادة اثنين وإلا فما ذهب إليه أبو ثور وقال إليه الشوكاني في نيل الأوطار قول قوي والله اعلم.
قال: (فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً فلم ير الهلال، لم يفطروا)
стр. 1576
إذا ثبت رمضان برؤية رجل واحد، فيتم ثلاثين يوماً فهل يستقبل الغد على أنه فطر أم يتراءى الهلال فإن روى وإلا كان رمضان (لم يفطروا) لأنه يحتمل أن يكون قد أخطأ وهذا القول فيه نظر. والقول الثاني في مذهب الحنابلة أن ذلك يصح المسألة تبنى على المسألة السابقة، وهي مسألة خروجه بشاهدين، فإنه لا يخرج عندهم إلا شاهدين قالوا:فكذلك هنا فاتنا إن أخرجناه، كان ذلك بناء على شهادته لكن هذا النظر إنما يضعف لكوننا اعتمدنا على هذه الشهادة وبنينا عليها حكماً شرعياً فقويت فلا تكن شهادته هنا كشهادته ابتداءً، فشهادته ابتداءً ليست مساوية للشهادة التي اعتمدنا عليها متضمناً ثلاثين يوماً على ما تقدم من مذهب أبي ثور من قبول خبر الواحد فالأظهر ما ذهب إليه بعض الحنابلة أنه إذا اعتمد على شهادة رجل واحد في رمضان متضمناً
ثلاثين يوماً فأننا ننتهي ونخرج من رمضان ويكون الغد هو أول يوم من شوال اعتماداً على رؤيته السابقة على أن الأصل في الشهر أن يكون تسعاً وعشرين، فقد قال ﷺ : (الشهر تسع وعشرون) متفق عليه، لأن هذه الشهادة قد قويت باعتمادنا عليها وبنائنا الحكم عليها فكانت أقوى من الشهادة الاثنين أنه فيما لو شهد ليلة الثلاثين أنه رأى الهلال وجوب، فإن هذه الشهادة الظنية أقوى، على ما تقدم من مذهب أبي ثور من قبول خبر الواحد وهنا على أقل تقدير هو خبر واحد – فالقول الثاني هو الراجح.
قال: (أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا)
стр. 1577
هذا يبنى على القول المتقدم في المذهب:وهو أنه إذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان فيها غيم فإنهم يصومون ذلك اليوم احتياطاً فإذا كان ذلك، ويتم لهم ثلاثون يوماً في هذا اليوم الذي ابتدؤا به للاحتياط فإنهم لا يفطرون في يوم الثلاثين من رمضان، فإنه يحتمل أن يكون الغد من رمضان، وهذا ظاهر، فإنهم إنما دخلوا فيه احتياطاً وإلا فيحتمل أن يكون آخر شعبان وحينئذ – يكون رمضان ثلاثون يوماً من دون هذا اليوم، وهذا إنما دخلوا فيه احتياطاً على أن القول الراجح هو عدم جواز صوم ذلك اليوم – أي الثلاثين من شعبان.
قال: (ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله .... صام)
كأن يخبر رجل القاضي أنه رأى الهلال وهو صادق في قوله لكن رد قوله لمعنى أما أنه لم يثبت شهادته وكان في بلدة يشترط فيها شاهدان وقد رأى الهلال فيجب عليه أن يصوم اعتماداً على رؤيته، فإن رمضان ثابت بالرؤية. وذهب شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد:إلى أنه لا يصوم وذلك للحديث المتقدم: (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) وقد قال: (صوموا لرؤيته) فهذا الشهر ينبغي أن يجتمع عليه المسلمون لا أن ينفرد بعضهم عن بعض فيه.
وهذا القول هو القول الراجح، فذلك لاجتماع الناس على الصوم لكن يستثنى من ذلك ما استثناه شيخ الإسلام وهو ما إذا كان في موضع ليس فيه غيره كأن يكون في بادية، فإذا رأى الهلال فإنه يصوم لأن هذا المعنى المانع من الصيام المتقدم وهو اجتماع الناس ليس بمتوفر فيه فهو منفرد عن عامة الناس، ويحتمل أن يكون قد رأوه فصاموا.
قال: (أو رأى هلال شوال صام) .
هذه عكس المسألة السابقة كأن يرى رجل هلال شوال ويرد قوله فيجب عليه أن يصوم وهاتان المسألتين – في الأصل – حكمهما واحد لكنهم فرقوا بينها احتياطاً للصوم. وهذا ظاهر لقوله ﷺ : (الصوم يوم تصومون) .
стр. 1578
إذن من رأى الهلال وحده فإنه يوافق الناس صياماً أو قطراً إلا أن يكون في موضع منفرداً فإنه يعتمد على رؤيته لعدم وجود المانع المتقدم. ونعود إلى المسألة الأولى وهي ما ذهب إليه الحنابلة من وجوب الصيام ليوم الثلاثين الذي تكون ليلة فيها غيم وقتر وهو يوم الشك الذي تقدم تحريمه.
هنا عند الحنابلة مسائل فيه:
المسألة الأولى:هم اعتبروه في الصيام احتياطاً لكن لا يبنى عليه أحكام أخرى. فلو أن هناك أصل لدين مثلاً أو تعليق بطلاق أو انتهاء عدة أو انتهاء إيلاء فلا ترتبط بهذا اليوم فلو أن رجلاً عليه دين مؤجل إلى أول رمضان، أو علق طلاقه بأول رمضان أو لها عدة تنتهي بأول رمضان، فإن هذه الأحكام لا تبنى على هذا اليوم لأنه إنما يصام عندهم من باب الاحتياط فلا يترتب عليه الأحكام المتقدم وهذا وما ذكروه لا يحتاج إليه في القول الراجح لأنا لا يعتبر هذا اليوم من رمضان لا احتياطاً ولا حقيقة.
المسألة الثانية:هل يصلي التراويح في تلك الليلة أم لا؟
من أصح الوجهين في مذهب أحمد يشرع صلاة التراويح فيها وذلك احتياطاً لقيام رمضان.
واعلم أن الإمام أحمد لم ينص على هذه المسألة – أي وجوب صوم هذا اليوم – بل لا يصح عنه شيء من ذلك بل الصحيح عنه هو عدم إيجاب صيام هذا اليوم وحينئذ فكما قال صاحب الفروع: (فيتوجه عدم نسبته هذا القول إلى الإمام أحمد) .
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يلزم الصوم لكل مسلم)
стр. 1579
فلا يصح الصوم من كافر وهو لازم لكل مسلم إجماعاً وأما الكافر فلا يصح منه بالإجماع، وذلك لأن الكافر لا نية له، والأعمال بالنيات والتعبد الذي هو أصل النية لا يصح منه، والأعمال كلها غير مقبولة منه، كما قال تعالى: ﴿وما منعهم أن يقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله﴾ الآية فأن أسلم الكافر في أثناء رمضان، فيجب أن يمسك ويتم الصوم اتفاقاً لأن الشهر ثابت وقد شهده فوجب عليه أن يصوم ولكن هل يجب عليه قضاء هذا اليوم؟
قولان لأهل العلم:
المشهور في المذهب أنه يجب عليه القضاء.
واستدلوا:بما روى أبو داود قال وأتت أسلم إلى النبي ﷺ فقال: (صمتم يومكم هذا فقالوا:لا، فقال:أتموا بقية يومكم واقضوه) .
وذهب الأحناف وهو اختيار شيخ الإسلام لا يجب القضاء
واستدلوا:بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ : (أرسل غداة عاشوراء إلى القرى التي حول المدينة من أصبح صائماً فليتم صومه ومن أصبح مفطراً فليتم بقية يومه)
قالوا:فالنبي ﷺ لم يأمر بالقضاء مع الإمساك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قالوا:والقاعدة الشرعية أن الشرائع لا تجب إلا بعد العلم بها وهي قاعدة مطردة في مسائل الديانة كلها وهذا القول هو الراجح وأما ما استدل به الحنابلة فإسناده ضعيف، وقد ضعفه عبد الحق الأشبيلي وغيره. ومثل ذلك المسألة التي سيأتي ذكرها – وهي مسألة ثبوت البينة نهاراً قال: (مكلف) .
المكلف هو البالغ العاقل، فقد قال ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم:الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق) ولكن هل يأمر الولي من تحت ولايته بالصيام إذا بلغ سبع سنين ويضرب إذا بلغ عشر سنين؟
الأظهر:نعم إن كان قادراً على ذلك، فإن الأمر بالصلاة تبنيه على الأمر بعدها من شعائر الإسلام لأن المقصود هو تعويده على العبادة وهذا يثبت في الصلاة وغيرها فيستحب للولي ذلك.
стр. 1580
قال: (قادر) ، فالعاجز عن القيام أو المريض مرضاً يرجى برؤه أو لا يرجى برؤه فهؤلاء لا يجب عليهم الصوم، لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ ؛ ولأن الشرائع لا تجيب إلا مع القدرة عليها، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
إذن:يجب الصوم على كل مسلم مكلف قادر.
قال: (وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من كان في أثنائه أهلاً لوجوبه) .
كأن يثبت للناس ضحى أن البارحة قد رؤى الهلال فاليوم من رمضان كأنهم يمسكون لأن الشهر قد ثبت فيجب الإمساك وهذا مما لا نزاع فيه فقد قال النبي ﷺ : (فإذا رأيتموه فصوموا) وقد رأوه شهدوا الشهر فوجب عليهم الإمساك ولكن هل يجب القضاء بذلك اليوم أم لا؟ ومثله الكافر إذا سلم والمجنون إذا أفاق والصبي إذا بلغ فهؤلاء يجب عليهم الإمساك لكن هل يجب لقضاء أم لا؟
هذه المسائل كلها لها حكم واحد، وهو نفس الحكم الذي تقدم البحث فيه في أول الدرس، وأن الراجح عدم وجوب القضاء لأن الشرائع لا تجب إلا بعد العلم بها وثبوت مخاطبة المكلف بها، وهو في اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ولذلك فإن يوم عاشوراء كان يوماً مفترضاً صومه قبل رمضان وقد أمر النبي ﷺ من أصبح صائماً أن يتم صومه ومن أصبح مفطراً أن يصوم بقية اليوم ولم يأمر النبي ﷺ بالقضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ثم أنه لا فائدة للمكلف من أمره بالإمساك حيث لا يجزئ عنه ثم يؤمر مرة أخرى بالقضاء، والتكاليف لا يجب تكرارها إلا ما دل الشرع عليه، لذا نهى الشارع عن أن يصلي الصلاة مرتين كما في حديث ابن عمر وغيره.
قال: (وكذا حائض ونفساء طهرتا ومسافر قدم مفطراً ومريض برئ) .