← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

إذا ثبت رمضان برؤية رجل واحد، فيتم ثلاثين يوماً فهل يستقبل الغد على أنه فطر أم يتراءى الهلال فإن روى وإلا كان رمضان (لم يفطروا) لأنه يحتمل أن يكون قد أخطأ وهذا القول فيه نظر. والقول الثاني في مذهب الحنابلة أن ذلك يصح المسألة تبنى على المسألة السابقة، وهي مسألة خروجه بشاهدين، فإنه لا يخرج عندهم إلا شاهدين قالوا:فكذلك هنا فاتنا إن أخرجناه، كان ذلك بناء على شهادته لكن هذا النظر إنما يضعف لكوننا اعتمدنا على هذه الشهادة وبنينا عليها حكماً شرعياً فقويت فلا تكن شهادته هنا كشهادته ابتداءً، فشهادته ابتداءً ليست مساوية للشهادة التي اعتمدنا عليها متضمناً ثلاثين يوماً على ما تقدم من مذهب أبي ثور من قبول خبر الواحد فالأظهر ما ذهب إليه بعض الحنابلة أنه إذا اعتمد على شهادة رجل واحد في رمضان متضمناً ثلاثين يوماً فأننا ننتهي ونخرج من رمضان ويكون الغد هو أول يوم من شوال اعتماداً على رؤيته السابقة على أن الأصل في الشهر أن يكون تسعاً وعشرين، فقد قال ﷺ : (الشهر تسع وعشرون) متفق عليه، لأن هذه الشهادة قد قويت باعتمادنا عليها وبنائنا الحكم عليها فكانت أقوى من الشهادة الاثنين أنه فيما لو شهد ليلة الثلاثين أنه رأى الهلال وجوب، فإن هذه الشهادة الظنية أقوى، على ما تقدم من مذهب أبي ثور من قبول خبر الواحد وهنا على أقل تقدير هو خبر واحد – فالقول الثاني هو الراجح. قال: (أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا)

стр. 1577

هذا يبنى على القول المتقدم في المذهب:وهو أنه إذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان فيها غيم فإنهم يصومون ذلك اليوم احتياطاً فإذا كان ذلك، ويتم لهم ثلاثون يوماً في هذا اليوم الذي ابتدؤا به للاحتياط فإنهم لا يفطرون في يوم الثلاثين من رمضان، فإنه يحتمل أن يكون الغد من رمضان، وهذا ظاهر، فإنهم إنما دخلوا فيه احتياطاً وإلا فيحتمل أن يكون آخر شعبان وحينئذ – يكون رمضان ثلاثون يوماً من دون هذا اليوم، وهذا إنما دخلوا فيه احتياطاً على أن القول الراجح هو عدم جواز صوم ذلك اليوم – أي الثلاثين من شعبان. قال: (ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله .... صام) كأن يخبر رجل القاضي أنه رأى الهلال وهو صادق في قوله لكن رد قوله لمعنى أما أنه لم يثبت شهادته وكان في بلدة يشترط فيها شاهدان وقد رأى الهلال فيجب عليه أن يصوم اعتماداً على رؤيته، فإن رمضان ثابت بالرؤية. وذهب شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد:إلى أنه لا يصوم وذلك للحديث المتقدم: (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) وقد قال: (صوموا لرؤيته) فهذا الشهر ينبغي أن يجتمع عليه المسلمون لا أن ينفرد بعضهم عن بعض فيه. وهذا القول هو القول الراجح، فذلك لاجتماع الناس على الصوم لكن يستثنى من ذلك ما استثناه شيخ الإسلام وهو ما إذا كان في موضع ليس فيه غيره كأن يكون في بادية، فإذا رأى الهلال فإنه يصوم لأن هذا المعنى المانع من الصيام المتقدم وهو اجتماع الناس ليس بمتوفر فيه فهو منفرد عن عامة الناس، ويحتمل أن يكون قد رأوه فصاموا. قال: (أو رأى هلال شوال صام) . هذه عكس المسألة السابقة كأن يرى رجل هلال شوال ويرد قوله فيجب عليه أن يصوم وهاتان المسألتين – في الأصل – حكمهما واحد لكنهم فرقوا بينها احتياطاً للصوم. وهذا ظاهر لقوله ﷺ : (الصوم يوم تصومون) .

стр. 1578

إذن من رأى الهلال وحده فإنه يوافق الناس صياماً أو قطراً إلا أن يكون في موضع منفرداً فإنه يعتمد على رؤيته لعدم وجود المانع المتقدم. ونعود إلى المسألة الأولى وهي ما ذهب إليه الحنابلة من وجوب الصيام ليوم الثلاثين الذي تكون ليلة فيها غيم وقتر وهو يوم الشك الذي تقدم تحريمه. هنا عند الحنابلة مسائل فيه: المسألة الأولى:هم اعتبروه في الصيام احتياطاً لكن لا يبنى عليه أحكام أخرى. فلو أن هناك أصل لدين مثلاً أو تعليق بطلاق أو انتهاء عدة أو انتهاء إيلاء فلا ترتبط بهذا اليوم فلو أن رجلاً عليه دين مؤجل إلى أول رمضان، أو علق طلاقه بأول رمضان أو لها عدة تنتهي بأول رمضان، فإن هذه الأحكام لا تبنى على هذا اليوم لأنه إنما يصام عندهم من باب الاحتياط فلا يترتب عليه الأحكام المتقدم وهذا وما ذكروه لا يحتاج إليه في القول الراجح لأنا لا يعتبر هذا اليوم من رمضان لا احتياطاً ولا حقيقة. المسألة الثانية:هل يصلي التراويح في تلك الليلة أم لا؟ من أصح الوجهين في مذهب أحمد يشرع صلاة التراويح فيها وذلك احتياطاً لقيام رمضان. واعلم أن الإمام أحمد لم ينص على هذه المسألة – أي وجوب صوم هذا اليوم – بل لا يصح عنه شيء من ذلك بل الصحيح عنه هو عدم إيجاب صيام هذا اليوم وحينئذ فكما قال صاحب الفروع: (فيتوجه عدم نسبته هذا القول إلى الإمام أحمد) . والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يلزم الصوم لكل مسلم)

стр. 1579

فلا يصح الصوم من كافر وهو لازم لكل مسلم إجماعاً وأما الكافر فلا يصح منه بالإجماع، وذلك لأن الكافر لا نية له، والأعمال بالنيات والتعبد الذي هو أصل النية لا يصح منه، والأعمال كلها غير مقبولة منه، كما قال تعالى: ﴿وما منعهم أن يقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله﴾ الآية فأن أسلم الكافر في أثناء رمضان، فيجب أن يمسك ويتم الصوم اتفاقاً لأن الشهر ثابت وقد شهده فوجب عليه أن يصوم ولكن هل يجب عليه قضاء هذا اليوم؟ قولان لأهل العلم: المشهور في المذهب أنه يجب عليه القضاء. واستدلوا:بما روى أبو داود قال وأتت أسلم إلى النبي ﷺ فقال: (صمتم يومكم هذا فقالوا:لا، فقال:أتموا بقية يومكم واقضوه) . وذهب الأحناف وهو اختيار شيخ الإسلام لا يجب القضاء واستدلوا:بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ : (أرسل غداة عاشوراء إلى القرى التي حول المدينة من أصبح صائماً فليتم صومه ومن أصبح مفطراً فليتم بقية يومه) قالوا:فالنبي ﷺ لم يأمر بالقضاء مع الإمساك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قالوا:والقاعدة الشرعية أن الشرائع لا تجب إلا بعد العلم بها وهي قاعدة مطردة في مسائل الديانة كلها وهذا القول هو الراجح وأما ما استدل به الحنابلة فإسناده ضعيف، وقد ضعفه عبد الحق الأشبيلي وغيره. ومثل ذلك المسألة التي سيأتي ذكرها – وهي مسألة ثبوت البينة نهاراً قال: (مكلف) . المكلف هو البالغ العاقل، فقد قال ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم:الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق) ولكن هل يأمر الولي من تحت ولايته بالصيام إذا بلغ سبع سنين ويضرب إذا بلغ عشر سنين؟ الأظهر:نعم إن كان قادراً على ذلك، فإن الأمر بالصلاة تبنيه على الأمر بعدها من شعائر الإسلام لأن المقصود هو تعويده على العبادة وهذا يثبت في الصلاة وغيرها فيستحب للولي ذلك.

стр. 1580

قال: (قادر) ، فالعاجز عن القيام أو المريض مرضاً يرجى برؤه أو لا يرجى برؤه فهؤلاء لا يجب عليهم الصوم، لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ ؛ ولأن الشرائع لا تجيب إلا مع القدرة عليها، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. إذن:يجب الصوم على كل مسلم مكلف قادر. قال: (وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من كان في أثنائه أهلاً لوجوبه) . كأن يثبت للناس ضحى أن البارحة قد رؤى الهلال فاليوم من رمضان كأنهم يمسكون لأن الشهر قد ثبت فيجب الإمساك وهذا مما لا نزاع فيه فقد قال النبي ﷺ : (فإذا رأيتموه فصوموا) وقد رأوه شهدوا الشهر فوجب عليهم الإمساك ولكن هل يجب القضاء بذلك اليوم أم لا؟ ومثله الكافر إذا سلم والمجنون إذا أفاق والصبي إذا بلغ فهؤلاء يجب عليهم الإمساك لكن هل يجب لقضاء أم لا؟ هذه المسائل كلها لها حكم واحد، وهو نفس الحكم الذي تقدم البحث فيه في أول الدرس، وأن الراجح عدم وجوب القضاء لأن الشرائع لا تجب إلا بعد العلم بها وثبوت مخاطبة المكلف بها، وهو في اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ولذلك فإن يوم عاشوراء كان يوماً مفترضاً صومه قبل رمضان وقد أمر النبي ﷺ من أصبح صائماً أن يتم صومه ومن أصبح مفطراً أن يصوم بقية اليوم ولم يأمر النبي ﷺ بالقضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ثم أنه لا فائدة للمكلف من أمره بالإمساك حيث لا يجزئ عنه ثم يؤمر مرة أخرى بالقضاء، والتكاليف لا يجب تكرارها إلا ما دل الشرع عليه، لذا نهى الشارع عن أن يصلي الصلاة مرتين كما في حديث ابن عمر وغيره. قال: (وكذا حائض ونفساء طهرتا ومسافر قدم مفطراً ومريض برئ) .

стр. 1581

فالحائض والنفساء إذا طهرتا أثناء نهار رمضان، أو مريض برئ وشفي أثناء النهار وكان مفطراً فيجب على هؤلاء كلهم القضاء إجماعاً، والأدلة دالة على ذلك، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) متفق عليه. وقال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخرى﴾ أي فأفطر فعدة من أيام أخر ولكن هل يجب الإمساك عليهم أم لا؟ المذهب أنهم يجب عليهم الإمساك لذا قال: (وكذا ...) لأن هذا من رمضان وقد زالت العلة عنهم. وذهب الشافعية إلى أن الإمساك ليس بواجب عليهم. قالوا:لأن الإمساك لا يجزئ عنهم، ولأنه لا دليل يدل على وجوب الإمساك عليهم، فقد أمروا بالقضاء ولم يؤمروا بالإمساك، وقد ثبت منهم الفطر في أول النهار فلا فائدة حينئذ من أمرهم بالإمساك في آخره إلا تكليف المكلف بأمر لا فائدة له منه - وهذا القول هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه – لكن استحب الشافعية له الإمساك لرفع التهمة عنه وهذا حسن لكن حيث كان ذلك، فإذا كانت التهمة متوجهة فنعم فيستحب له ألا يطعم أمام الناس أما إذا كان في بيته أو بين من يعلم عذره فإنه لا يتوجه استحباب ذلك لأن الاستحباب حكم شرعي والحكم الشرعي لا بد له من دليل ولا دليل على ذلك، والحكم يدور مع علته وجوداً أو عدماً فإذا كانت التهمة موجودة فيستحب الإمساك وإلا فلا. قال: (ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكيناً)

стр. 1582

هذا فيمن عذره لا يزول وهم الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة اللذان يشق عليهم الصيام، وكذلك المريض الذي لا يرجى برؤه كبعض الأمراض التي يشق على صاحبها الصوم مع كون هذا المرض في العادة المعروفة عند الأطباء عدم زواله فإن هؤلاء يفطرون ولا قضاء عليهم، لأنهم عاجزون عن الصيام أداءً وقضاء فلا قدرة لهم عليه لا أداءً ولا قضاءً، فحينئذ ينتقلون إلى أن يطعموا كل يوم مسكيناً مداً من حنطة أو أرز، أو نصف صاع من غيره أو خبزاً ولحماً أو غير ذلك من طعام الناس فقد ثبت في البخاري بإسناده إلى عطاء بن أبي رباح أنه سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ فقال: (ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً) وفي البخاري معلقاً:أن أنس بن مالك (أفطر لكبر عاماً أو عامين يطعم اللحم والخبز) . قال: (وسن لمريض يضره) . فيستحب للمريض الذي يضره الصوم، يستحب له الإفطار. والظاهر أن مراد المؤلف بقوله: (يضره) أي يلحق به الضرر، وحيث كان كذلك فإن هذا فيه نظر بل الظاهر وهو مذهب بعض الحنابلة أنه إذا كان يتضرر بالصوم فيجب عليه الفطر لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ وفي الحديث: (لا ضرر ولا ضرار) وقد أتت الشريعة بحفظ النفوس فكان ذلك واجباً عليه والدليل على أن المريض يجوز له الفطر، قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ والمريض الذي يباح له الفطر هو المريض الذي يشق عليه الصوم أي يلحقه كلف ومشقة، أو يترتب عليه زيادة في مرضه أو تأخر في البرؤ، فهؤلاء يجوز لهم أن يفطروا، وإلا فقد يكون واجباً عليهم كما تقدم حيث الحقه ضرراً في بدنه. وهل يجوز الفطر في الجهاد في سبيل الله عند وجود المشقة في غير السفر؟

стр. 1583

المشهور في المذهب أنه لا يجوز لهم ذلك بل يجب عليهم أن يصوموا إلا أن يكون مسافرين فتكون لهم رخصة السفر. واختار شيخ الإسلام وأفتى بذلك في عصره وقد فعله رحمه الله تعالى – جواز الفطر في الجهاد في سبيل الله – وذلك للمشقة وللقياس الظاهر – بل الأولى – على مسألة السفر والمرض ولحفظ الأديان الذي هو أعظم من حفظ الأبدان والأموال على ما في ذلك من حفظ أموال المسلمين ودمائهم، ففيه حفظ أديانهم وأموالهم وأعراضهم وأنفسهم فكان ذلك أولى من غيره بهذه الرخصة – وهذا القول هو الراجح وأنه يجوز لهم الفطر إذا احتاجوا لذلك ليتقووا على العدو، بل قد يكونوا مأمورين به. قال: (والمسافر يقصر) أي يستحب الفطر للمسافر الذي يصح منه القصر وقوله (لمسافر يقصر) يريد أن يبين أنه ليس لكل مسافر بل للمسافر الذي يجوز له القصر، وهو السفر الطويل في المذهب – وقد تقدم البحث في هذا فحيث ثبت السفر فإنه يسن له الفطر – هذا هو المشهور في المذهب – سواء شق ذلك عليهم أم لا. واستدلوا بأدلة منها: ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ : (كان في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فسأل عنه فقيل هو صائم فقال ليس من البر الصيام في السفر) ، وبما ثبت في مسلم عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال للنبي ﷺ : (إني أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح فقال: (هي رخصة من الله فمن أخذ بها فهو حسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه) ، فدل ذلك على أن الفطر هو الأحسن والأفضل فقد وصفه بهذا الوصف ونفى الجناح فحسب عن الصوم فدل على أن الأفضل هو الفطر ولقوله ﷺ : (إن الله يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتي عزائمه) كما في مسند أحمد وغيره. وذهب جمهور الفقهاء وهو وجه عند الحنابلة، أن المستحب له هو الصيام ألا أن يشق ذلك عليه واستدلوا:

стр. 1584

بما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحه) فهنا قد صام النبي ﷺ في السفر فدل على أنه هو الأفضل مع ما في ذلك من إبراء الذمة وإيقاع الصوم في وقت الفضيلة وهو رمضان. وذهب طائفة من العلماء من الصحابة والتابعين وهو اختيار ابن المنذر:إلى أن المستحب فيهما أيسرهما فأيسرهما هو أفضلهما. فإن كان صيامه في السفر مشقة عليه فالمستحب له الفطر، وأن لم يكن عليه مشقة فالمستحب له هو الصوم. واستدل:بما ثبت في الصحيحين:عن أنس بن مالك قال: (سافرنا مع النبي ﷺ ومنا الصائم ومنا المفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولم يعب المفطر على الصائم) ونحوه في مسلم أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري وفيه: (كانوا يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن) فإن هذه الرخصة شرعت دفعاً للمشقة المتوقعة في السفر فحيث لم تكن هناك مشقة فيرجح جانب الصيام لفعل النبي ﷺ وهذا هو أرجح الأقوال وأن الأرجح منها هو أيسرها. أما قوله ﷺ : (ليس من البر الصيام في السفر) فهو لوقوع تلك المشقة على ذلك الرجل الذي قد ظلل عليه فليس من البر والحالة هذه، أن يصوم في السفر حيث شق عليه مشقة عظيمة، وبمثل ذلك ليس من البر صومه بل هو عصيان، فقد ثبت في مسلم إن النبي ﷺ قيل له – وهو في سفر-

стр. 1585

أن بعض الناس قد شق عليهم وهم ينتظرون فيما فعلت، ﵊ فقيل له بعد ذلك: (أن بعض الناس قد صام فقال:أولئك العصاة، أولئك العصاة) فحيث كان فيه مشقة ظاهرة شديدة ومع ذلك صام لا سيما إذا كان ذلك مظنة للضرر فإنه يكون عاصياً وآثماً وليس من البر فعله. إذا كانت المشقة ظاهرة ويخشى الضرر فيجب عليه الفطر لحديث: (أولئك العصاة، أولئك العصاة) وأما إذا لم يكن كذلك فإن وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، وإن وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن. قال: (وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر فله الفطر) رجل نوى وهو مقيم الصوم، ثم أصبح فأراد السفر فهل يجوز له أثناء سفره ذلك الفطر أم لا؟ يجوز له ذلك، خلافاً لمن منعه من أهل العلم. ودليل ذلك:ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر قال: (خرجنا مع النبي ﷺ – أي من المدينة – عام الفتح إلى مكة حتى بلغ فدعا بإناء فيه ماء ثم رفعه إلى الناس ثم شرب) فدل هذا الحديث على أنه يجوز للمسافر أن يفطر في سفره وإن كان قد نوى الصوم في حضره. وهل يجوز له الفطر أثناء الإقامة إذا تجهز للسفر وغلب على ظنه الذهاب أم لا يجوز له ذلك كما أن القصر لا يجوز له إلا بعد خروجه من مدينة ومفارقته لخيام قومه أو عمران بلدته؟

стр. 1586

المشهور عند أهل العلم فهو مذهب الجمهور:أنه لا يجوز له أن يفطر حتى يخرج من بلده أو أن نوى السفر وإن تأكد خروجه لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر﴾ فحيث كان على سفر فيجوز له الفطر، وأما إذا كان من بلدته لم يغادرها بعد فلا يجوز الفطر. وذهب إسحاق بن راهويه، وهو مذهب الحسن وعطاء من التابعين أنه يجوز له ذلك إذا تأكد عنده السفر. واستدلوا:بما رواه الترمذي وحسنه وذكر أن بعض أهل العلم عليه من حديث محمد بن كعب قال: (أتيتت أنس بن مالك وهو يريد السفر وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب سفره فدعا بطعام فأكل فقلت:سنة فقال سنة ثم ركب) فلم يركب إلا بعد أن طعم، وهذا الأثر إسناده حسن ولا مطعن فيه وهذا المذهب قوي فيما يظهر لي، مع أن الاحتياط أن يبقى على صومه حتى يخرج من بلدته. فإن قيل فما الفارق بينه وبين مسألة القصر؟ فالجواب:أن الفطر يستمر ولا فائدة من أمره بالإمساك ونحن نجيز له بعد زمن يسيرأن يفطر مادام أنه قد تأكد عنده إرادة السفر، بخلاف الصلاة فإنها تنتهي في الموضع الذي تقام فيه، فإذا صلاها في موضعه فإنها لا تستمر بعد ذلك. فالأرجح ما ذهب إليه هؤلاء مع أن الأحوط ألا يقع منه ذلك إلا بعد خروجه والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتاه فقط، وعلى ولديهما قضتا وأطعمنا لكل يوم مسكيناً)

стр. 1587

الحامل والمرضع يجوز لهما الفطر إذا خافتا على نفسيهما أو على ولديهما أو على نفسهما وولديهما جميعاً. ودليل ذلك:ما ثبت في الترمذي وحسنه، ورواه النسائي والحديث حسن كما قال الترمذي – عن رجل بن بني كعب، عن النبي ﷺ قال: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة ووضع عن الحامل والمرضع الصوم) وثبت في سنن أبي داود عن ابن عباس – بإسناد صحيح قال: (رخص للشيخ .... إلى أن قال:والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرنا وأطعمنا عن كل يوم مسكيناً) وقد أطلق الخوف هنا فيشمل الخوف عليها والخوف على الولد. والمذهب إن الخوف إن كان على النفس أو الولد مع النفس فإنها تقضي ولا تطعم قياساً على المريض الذي يرجى برؤه فإنه يقض ولا يطعم. أما إذا كان الخوف على الولد كما يقع هذا في الغالب من المرضع وقد يقع للحامل فإنها تفطر وسبب لإفطارها هو الخوف على ولدها فهو خوف على الغير فإنها حينئذ تجمع بين القضاء والإطعام. أما القضاء فلأنها مادرة عليه فأشبهت المريض الذي يرجى برؤه وقد قال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ . وأما الإطعام فللحديث (أثر بن عباس) المتقدم وهو قوله: (أفطرنا وأطعمنا عن كل يوم مسكيناً) – هذا هو مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور العلماء – وذهب إسحاق وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد وعطاء وعكرمة ٠ إلى أن المرضع والحامل إذا أفطرتا فلا يجب عليه إلا الإطعام ولا يجب عليهما القضاء مطلقاً سواء كان الخوف على النفس أو الولد أو عليهما معاً.

стр. 1588

واستدلوا:بما ثبت في الحديث المتقدم فإنه قال النبي ﷺ : (ووضع عن الحامل والمرضع الصوم) فقد وضعه الله عنهما ولا دليل على أيجابه عليهما، فقد وضعه الله لهما كما وضع الركعتين في الرباعية عن المسافر، وحيث أن الله وضعها ولا دليل يدل على إثباتهما وفي الحديث المتقدم فإنه ﷺ قال: (أفطرنا وأطعمنا عن كل يوم مسكيناً) ولم يذكر قضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وقد ثبت في الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عمر وابن عباس ﵄ قالا: (الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي) وصح عن ابن عمر أيضاً ما هو صريح في المسألة، حيث روى معمر في جامعه كما ذكر ذلك ابن عبد البر في الاستذكار والإسناد صحيح عن ابن عمر أنه:قال: (الحامل إذا خشيت على نفسها تفطر وتطعم ولا قضاء عليها) ولم أر أثراً عن أصحاب النبي ﷺ يخالف ما ثبت عن ابن عمر وابن عباس ﵄ والقاعدة عند الحنابلة في فعل هذه المسألة:أن يقال:هو قول هذين الصحابيين اللذين لم يعلم لهما مخالف فيكون حجة - وهذا القول هو الراجح - فإن النبي ﷺ أخبر عن الله أنه وضع الصيام عنهما ولا دليل يوجب القضاء عليهما ثم أيضاً:إن مما يتبين في مسألة الصيام أنه لا يجب الجمع بين القضاء ولا طعام بل الله جعل الإطعام نائباً عن القضاء، كما في قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقون فدية طعام مسكين﴾ أي على الذين لا يرغبون بالصيام وهم يطيقونه عليهم فدية، وهذا الحكم منسوخ في الأصل لكن هذه الآية بقيت محكمة في الإطعام للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة والحبلى والمرضع كما تقدم في أثر ابن عباس ﵁ وهنا فروع على هذه المسألة: ١- الفرع الأول:عند قوله: (وأطعمنا) هذا من باب وإلا فإن الإطعام واجب على من يجب عليه نفقة الجنين أو الولد لأنها إنما أفطرت لمصلحة الجنين، وهذا هو المشهور في مذهب أحمد.

стр. 1589

٢- الفرع الثاني:قال الحنابلة:هذا الحكم حيث لم نجد الأم ظئراً – أي مستأجرة – تقوم بإرضاع الطفل ويتقبل الطفل الرضاع منها، (ومثل هذا ما هو عندنا في هذا العصر من الحليب الصناعي) فحيث أمكنها ذلك فلا يجوز لها الفطر وفيما قالوا نظر، فإن مصلحة الطفل إنما تكون في رضاعة من ثدي أمه حيث أمكن ذلك، ومراعاة مصلحة الطفل أولى من عدم مراعاتها وقد ثبت الرخصة مطلقاً. ٣- الفرع الثالث:أن الظئر – وهي المستأجرة للإرضاع – أنها تلحق بالأم لكن ذلك بشرط أن يكون الطفل محتاجاً إلى إرضاعها، أو أن تكون هي محتاجة إلى الإرضاع لأخذ الأجرة عليها أما أن لم يكن ذلك فلا يجوز لها أن تفطر – وهذا أمر ظاهر. ٤- الفرع الرابع:هل يقاس على هذه المسألة ما إذا أراد أن ينقذ غريقاً أو نحوه من هلكة؟ الجواب:نعم، فإنه يفطر أن احتاج لذلك دفعاً للضرر عن الغير وهذا ظاهر ولكن:هل يقاس على هذه المسألة في الفدية؟ والحنابلة يرون أن عليه القضاء، ولكن هل عليه الفدية أم لا؟ وجهان في مذهب أحمد:اختار ابن رجب في قواعده القول بوجوب الفدية وما ذكره ظاهر ذلك لأن القياس وأضح على الحامل والمرضع اللتين يخافان على ولديهما فإنه لم يفطر لمصلحة نفسه بل أفطر لمصلحة غيره فأشبه الحامل والمرضع اللتين تفطران لمصلحة ولديهما. وحينئذ:فالأظهر والله أعلم أنه لا يجب عليه إلا الفدية ولا يجب عليه القضاء كما تقدم في الحامل والمرضع. قال: (ومن نوى الصوم ثم جن أو أغمى عليه جميع النهار ولم يفق جزءاً منه لم يصح صومه لا إن نام جميع النهار، ويلزم المغمي عليه القضاء فقط) هنا ثلاث مسائل:

стр. 1590

المسألة الأولى:في حكم النائم في نهار رمضان، أجمع أهل العلم على أن النوم لا أثر له في الصوم، فإنه لو نوى ثم نام النهار كله فإنه لا يؤثر في صومه، وهذا بإجماع أهل العلم كما تقدم؛ لعدم المانع من التكليف، ولثبوت الحس، فإن الإحساس يثبت في النوم، لذا قال هنا (لا إن نام جميع النهار) . المسألة الثانية:في حكم المغمي عليه له حالتان: الحالة الأولى:أن يغمي عليه النهار كله. فقال الحنابلة:لا يصح صومه لأن الصوم يشترط فيه إمساك مع نية، وهذا لا يثبت إليه الإمساك، فلا يقال أنه مدرك الطعام والشراب، وقد قال ﷺ في الحديث القدسي: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) متفق عليه، فلا يضاف إليه أنه لم يأكل ولم يشرب وأن كان في الحقيقة ممسكاً من الأكل والشرب، فإنه بمعنى زائل العقل. قالوا:ويجب عليه القضاء، أما ما ذكروه من عدم صحة الصيام فهذا ظاهر لدليلهم المتقدم. أما وجوب القضاء عليه فهذا المشهور في المذهب والراجح هو قول ابن شريح من الشافعية أن القضاء لا يجب على المغمي عليه وقد تقد البحث في هذه المسألة في المغمي عليه عن الصلاة وأنه لا يجب عليه قضاء الصلاة وتقدم الاستدلال عنها. وكذلك يقال هنا:أن الأمر بالقضاء غير ثابت هنا فيحتاج إلى أمر جديد بالقضاء، ومن هنا أمر النبي ﷺ النائم بالقضاء لأن القاعدة الأصولية وهي قاعدة دلت عليها الأدلة الشرعية تقول:أن القضاء يحتاج إلى أمر وهنا كذلك فإن هذا المغمي عليه ليس يثبت دليل يدل على وجوب القضاء عليه فإنه في حكم المجنون، وإن كان المغمي ليس في حكمه في كون ذلك معيباً أو ليس بمصيب، لكن في حكمه في مسألة زوال العقل فليس هو بحكم النائم بل بحكم المجنون ولا يلحق النائم للفارق بينهما، فإن النائم فيه شيء من الحس بخلاف المغمى عليه، وكذلك فالإغماء غير معتاد بخلاف النوم فإنه معتاد. إذن الصحيح:أنه لا يجب عليه القضاء.

стр. 1591

الحالة الثانية أن يفيق جزءاً من النهار كأن يفيق قبل غروب الشمس فهل يصح صومه أم لا أ – قال الحنابلة:يصح صومه لثبوت شيء من الإمساك له فإنه يصدق عليه أنه ترك الطعام والشراب تلك اللحظة التي أما قدمتها. ب – قال الشافعية:لا بد أن يكون هذا أي الإفاقة في أول النهار. ج – قال المالكية:يشترط مع كونه يفيق أول النهار ألا يكون إغماؤه في أكثر النهار وحددوه بالنصف فأقل، فلو أغمى عليه إلى غروب الشمس وقد أفاق أول النهار فإنه يصح منه صومه والذي يظهر لي والله أعلم أنه أن أفاق جزءاً من النهار سواء كان ذلك في أوله أو آخره فإنه لا يجزئ عنه الصوم وذلك لثبوت زوال العقل في الأجزاء الأخرى من النهار، فلا يصدق عليه أنه ممسك فإن الإمساك في الصوم إنما يكون من أوله إلى آخره، فإنما يجب الإمساك بنية من أول النهار إلى آخره وهذا قد تخللت صيامه أوقاتاً زال عقله فلم يصح أن يكون في ذلك الجزء لو كان يسيراً ممسكاً – هذا هو الأظهر – وحينئذ نقول:إن أفاق فإنه يمسك ويجزئ ذلك عنه وإن كان لا يعتد بإمساكه المتقدم لكنه معذور فيه كما لو أفاق المجنون في منتصف النهار مثلاً فإنه يمسك بقية اليوم وأجزأئه صومه. فلو أن رجلاً أفاق أول النهار ثم أغمى عليه قبيل غروب الشمس فإنه على الأقوال المتقدمة يصح صومه وحيث قلنا:أن صيامه لا يصح فإننا نقول:أنه يمسك في ذلك الوقت ولا يأكل ولا يشرب حتى تغرب الشمس ويجزئه ذلك. ٣ - المسألة الثالثة:حكم المجنون. فإذا جن النهار كله فإنه كالمغمي عليه ولا شك، وهذا الاختلاف بين أهل العلم فيه وأن صومه لا يصح بزوال العقل وهل يجب عليه القضاء أم لا؟

стр. 1592

جمهور أهل العلم أنه لا قضاء عليه وهو القول الراجح، عن دليل ظاهر فإن التكليف مرفوع عنه لحديث: (رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم المجنون حتى يفيق) فإن أفاق جزءاً من النهار، فقال الحنابلة:يصح صومه ودليلهم ما تقدم من أنه صح أنه ممسك وفي هذه الجزء وتقدم الجواب على هذا وأن الواجب هو الإمساك من أول النهار إلى آخره لا الاكتفاء بجزء منه. وذهب الشافعية وهو قول المجد بن تيميه:أنه لا يصح صومه ولو كان الجنون قليلاً، لأن هذا الزمن اليسير الذي جن فيه ثبت زوال عقله فيه، وزوال العقل مانع من الصوم كما لو أن المرأة حاضت في آخر النهار فإنه يفسد صومها، فكذلك إذا جن في أي ساعة من النهار فإنه لا صوم عليه ولا قضاء أما كونه لا صيام له فلأنه وجد فيه مانع من الصوم وهو زوال العقل وأما كونه لا قضاء عليه فلأنه لا تكليف عليه والحالة هذه لكن يمسك إذا أفاق بقية يومه، ولو أكل أو شرب قبل ذلك كما تقدم الكلام عليه. قال المؤلف: (ويلزم المغمي عليه القضاء فقط) فقط على أي لا يجب ذلك على المجنون. قال: (ويجب تعيين النية) يجب على من أراد الصوم أن يعين النية فينوي كون صومه عن رمضان أو عن كفارة أو عن نذر أو نفل أو نحو ذلك. فلو أنه قال:أصوم غداً بنية صوم مطلق ولم ينو كونه من رمضان فإنه لا يجزئ عنه، لقوله ﷺ : (وإنما لكل امرئ ما نوى) . قال: (من الليل لصوم كل يوم واجب) فيجب أن يكون ذلك من الليل أي جزء منه سواء كان ذلك بعد غروب الشمس أو منتصف الليل أو قبيل الفجر ينوي الصوم غداً وظاهره أنه لو نوى من النهار فإنه لا يجزئ عنه، فلو أن رجلاً في النهار نوى أن يصوم ثم نام إلى أذان الفجر فإنه لا يصح صومه لأنه لم ينو الصوم من الليل بل نواه من النهار والأظهر أنه إذا نوى في النهار ولم ينو القطع بل استصبحت النية ليلاً فلم ينو

стр. 1593

الفسخ فإن ذلك لا يؤثر في نيته فإن النية قد ثبتت ولم يقع فسخ لها فتصح ولا يؤثر ذلك في صيامه فيجب تبيت النية من الليل، فمن لم ينو إلا نهاراً فلا يجزئ ذلك عنه كأن يؤذن عليه الفجر ولم ينو بعد فإنه لا صيام له، فالواجب أن تغطي النية النهار كله. ودليل ذلك ما ثبت في أبي داود وغيره والحديث صحيح من حديث حفصة أن رسول الله ﷺ قال: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) . قال: (لا نية الفريضة) فعندما ينوي أنه سيصوم غداً من رمضان فإنه يجزئ عنه ذلك وليس لا بد وأن ينوي أن يكون فرضه، فإنه بمجرد أن ينوي نحو ذلك اليوم من رمضان فيتضمن لنيته الفريضة وعندما ينوي أن يصوم في يوم الاثنين فإن هذه النية متضمنة لمعنى التطوع والتنفل. واعلم أنه لا بد من الجزم بالنية أما أن لم يخرج بها تردد، فقال:أني صائم غداً إن شاء الله فإنه لا يجزئ عنه إن كان هذا الاستثناء لنية التردد، أما إذا كان بنية فلا حرج لحديث: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صوم له) " أي من لم يعزم ويجزم والأعمال لا تصح إلا بنية جازمة: (إنما الأعمال بالنيات) . قال: (ويصح النفل نيته من النهار قبل الزوال وبعده) فالنفل لا يشترط فيه تبييت النية من الليل بل يجوز أن تكون النية نهاراً وهو مذهب جمهور العلماء. واستدلوا بما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: (دخل علينا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال:هل عندكم شيء فقلنا:لا فقال:فإني أذن صائم، ثم أتانا يوماً أخر فقلنا:أهدى إلينا حسيس فقال:أرينه فلقد أصبحت صائماً فأكل) رواه مسلم، والشاهد قوله: (فإني أذن صائم) فإنه ﷺ قد أصبح مفطراً ثم سأل عن الطعام فلم يجده فصام. وقال المالكية وهو مذهب الظاهرية:لا يجوز أن ينوي نهاراً فرضاً كان أو نفلاً.

стр. 1594

واستدلوا:بعموم حديث: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) قالوا:فهو حديث عام يشمل الفرض والنفل. قالوا:وأما حديث عائشة فيحتمل أن يكون النبي ﷺ نوى من الليل الصوم ثم أتى أهله وسألهم عن الطعام ونوى أنه أن وجد طعاماً عندهم أفطر وإلا بقى على صومه وما ذكروه يخالف ظاهر الحديث، فإن ظاهره أنه قد نوى الصوم حينئذ فإنه قال: (فإني أذن صائم) بخلاف قوله في الفقرة الثانية: (فإني أصبحت صائماً) ولأن النظر يؤيد ذلك، فإن قاعدة الشريعة الترغيب في التنفل من هو للمسافر أن يصلي على راحلته النفل ولم يشترط للتنفل الصيام في الصلاة وهنا الصوم كذلك فإن الرجل قد ينوي الصيام أثناء النهار وهو أول النهار ممسك لم يطعم ثم ينوي أن يصوم فللرغبة في الصيام جاز له الصوم. فأن قيل:وهل يجوز ذلك في النية في الصلاة النافلة؟ فالجواب:أن الصيام تمتد وفيه بخلاف الصلاة فإنها يقصر وفيها ولا مشقة ولا حاجة إلى أن يقال:أن ينوي أثناء الصلاة بل لا معنى لذلك. فالراجح مذهب جمهور أهل العلم. وهنا فرعان: الفرع الأول:يجوز أن ينويه قبل الزوال أو بعده كما ذكر المؤلف وهذا هو المشهور في المذهب وهو من مفردات المذهب وذهب الجمهور إلى أنه إنما يجوز ذلك قبل الزوال لا بعده واستدل الحنابلة بقولهم:بالمعنى المتقدم، ولأنه حيث جازت النية في جزء من النهار فإنها يجوز في أجزاء أخر فحيث جازت في أوله فإنها تجوز في آخره. وقال الجمهور من الشافعية والأحناف:لا يجوز لأنه ذهب معظم الوقت ومن هنا فإن الصلاة إذا فات ركوعها لم تدرك ركعتها بفوات معظمها فكذلك هنا.

стр. 1595

قالوا:ولأن الوارد في الحديث المتقدم إنما كان في الغداء والغداء إنما يكون قبل الزوال والأفعال لا عموم بها. ولا شك في قوة هذا القول، لكن مع ذلك الأظهر ما تقدم فتحاً لهذا الباب وهو باب الترغيب في النافلة، فإن الشارع أجازه للترغيب بالنفل، والإكثار منه وحيث كان ممسكاً من طلوع الفجر إلى بعد زوال الشمس فإنه لا مانع من أن يعمل بإمساكه ويؤخر بقدر صومه وحيث جاز فعله قبل الزوال فإنه يجوز بعده. الفرع الثاني:أن الإمام أحمد نص على أنه إنما يثاب على الوقت على الذي أمسك فيه عن الطعام والشراب بنية الصوم هذا في الأصل وإلا فقد ينال من الثواب بفضل الله وكرمه أكثر من ذلك وذلك لأنه في أول النهار قد أمسك بغير نية التقرب، وقد قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) وهذا عمل لم ينوه فلم يثبت عليه وهو اختيار شيخ الإسلام واستظهره صاحب الفروع. قال: (ولو نوى إن كان غداً من رمضان فهو فرض لم يجزئه) رجل في ليلة الثلاثين من شعبان أمسك عن الطعام والشراب بنية أنه كان غداً من رمضان فهو فرض، وإن لم يكن من رمضان فأنا متنفل، فنيته واقع فيها تردد فلا يجزئ وذلك لوقوع التردد فقد تردد هل هو صوم فرض أو نفل، والواجب في النية الجزم بالفرض أو النفل.

стр. 1596

قالوا:أما أن قال:إن كان غداً من رمضان فأنا صائم وإن لم يكن من رمضان فأنا مفطر، قالوا:فإنه يصح حينئذ لأنه علق صومه بأصل لم يثبت لنا زواله، فإنه علق ذلك بثبوت رمضان غداً ولم يثبت زوال هذا الأصل فكان صومه صحيحاً، فهو جازم نية الصوم على نية الفرض واختار شيخ الإسلام في الصورة الأولى الإجزاء أيضاً لأن النية تتبع العلم، فهو لا يعلم أن غداً رمضان والنية تتبع العلم، فعلمه متردد هل غداً من رمضان أو لا فنيته جاز أن يقع فيها التردد لأن هذا هو قدرته فهو لم يعلم إلا ذلك على أن الأصل في هذه المسائل ما تقدم وأنه لا يجوز له الصوم فإذا ثبتت النية أثناء النهار فإنه يمسك ولا حرج عليه ولا قضاء. قال: (ومن نوى الإفطار أفطر) . فمن نوى الإفطار فإنه يفطر وإن لم يأكل وليس المراد بقوله:" أفطر " أنه بمعنى الأكل والشارب، بل مراده أنه كما لو لم ينو الصوم. بمعنى:رجل صائم ثم نوى أن يفطر فإنه يكون بحكم المفطرين لأنه قد قطع النية، والنية شرط أن تغطي العمل كله وقد قطعها، فحينئذ فسد صومه لبطلان نيته وهذا باتفاق العلماء وهي مسألة ظاهرة، لأن الواجب هو النية في اليوم كله، وحيث نوى الفطر فإنه يكون مفطراً. وإنما قلنا:أنه يكون في حكم المفطر، لا في حكم من أكل أو شرب لأن هنا فرقاً بين المسألتين، ويتصور ذلك بأن يقال:رجل ممسك عن الطعام والشراب بنية التقرب إلى الله إلى أذان الظهر ثم نوى الفطر، فإنه أن لم يأكل ولم يشرب يجوز له أن ينوي مرة أخرى التنفل لأنه لم يقع منه أكل ولا شرب فهو ممسك. أما لو قلنا:أنه بمعنى أكل أو شرب فإنه لا يجوز له أن ينوي حينئذ ففرق بين قولنا:أفطر بمعنى أكل أو شرب وقولنا:أفطر بمعنى أصبح لا نية له فهو كما لو لم ينو. فإن تردد في القطع فما الحكم؟ قولان في مذهب أحمد:

стр. 1597

أرجحهما أنه لا ينقطع صومه بل يكون في حكم الصائمين لا المفطرين، لأن هذا التردد لم يؤثر في نيته الأصلية فهو مازال ناوياً الصوم أم لا يقطعه فلم تتأثر نيته بذلك. ويصح أن يستدل لذلك بقوله النبي الله عليه وسلم: (أن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) . مسألة: المشهور في مذهب الحنابلة أنه يجب أن ينوى صوم كل يوم من رمضان بعينه. وذهب المالكية فصوروا به عن الإمام أحمد إلى أنه يجزئه أن ينوي من أول الشهر بنية صيام رمضان، فيجزئه عن الشهر كله ما لم تفسخ هذه النية. وهذا هو الأظهر لثبوت النية له، فلم يقسمها ولم يقطعها. مسألة: الإطعام للحامل والكبير ونحو ذلك ففيه مسألتان: المسألة الأولى:قدر الإطعام. فقد ورد في البيهقي والدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عمر في المرأة الحامل تخاف على ولدها قال: (تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من حنطة) وقال ابن عباس في الدارقطني بإسناد صحيح: (إذا عجز الشيخ الكبير عن الصيام أفطر وأطعم مكان كل يوم مداً مداً) أي من حنطة وثبوت عنه نصف الصاع فما دونه. والحنطة يقوم مقامها الأرز الجيد، أما إذا كان رديئاً فإنه لا يكفي إلا نصف الصاع. ويجزئ أيضاً أن يصنع طعام يكفي مسكيناً أي يشبعه، فقد ثبت في الدارقطني بإسناد صحيح: (أن أنس بن مالك ضعف عن الصوم عاماً فصنع جفنة ثريد ودعا إليها ثلاثين مسكيناً فأتبعهم) . المسألة الثانية:إذا عجز عن الإطعام فهل يتعلق ذلك في ذمته أم لا يسقط عنه؟ قولان لأهل العلم:١- المشهور في المذهب أنه يتعلق في ذمته فإذا قدر فيجب عليه أن يبرأها بالإطعام. ٢ – واختار ابن عقيل من الحنابلة وهو الوجه الثاني في المذهب أنه يسقط عنه، وهو الراجح لأن النبي ﷺ لم يأمر من جامع امرأته في نهار رمضان بالكفارة إذا قدر عليها بل

стр. 1598

سقطها عنه وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، على أن الشارع متشوق إلى عدم تعليق الذمة بخلاف حقوق الآدمي، أما هذه فهي حقوق الله فاسقطها سبحانه. والحمد لله رب العالمين. باب:ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة قال المؤلف رحمه -الله تعالى-: (من أكل أو شرب أو اسقط أو احتقن أو اكتحل بما يصل إلى حلقه أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان غير إحليله ... ) هنا يذكر المؤلف مفسدات الصوم: المفسد الأول فيها:هو الأكل والشرب وقد أجمع أهل العلم على أن من أكل أو شرب فإن صومه يفسد بذلك، يدل على ذلك قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) وبحديث: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) ويثبت الإفساد بقليل والطعام والشراب، فلو ابتلع شيئاً من أسنانه، أو ابتلع قدر الخردلة من طعام فابتلعها فإنه يفطر بذلك. وهل يفطر بابتلاعه ما ليس بطعام كأن يبتلع حصاه أو خيطاً أو يسف تراباً أو نحوه؟ قال جمهور العلماء:يفطر بذلك واختار شيخ الإسلام أنه لا يفطر بذلك وهو مذهب الحسن ابن صالح. واستدل شيخ الإسلام بأن ذلك لا يصدق عليه أنه أكل، فالأكل إنما يكون للمطعوم الذي يحصل الغذاء به، أما لو ابتلع شيئاً ليس بغذاء كحصاه ونحوها فإنه لا يفطر لأنه قد بلع ما ليس بمطعوم، وهذا القول أظهر، لأن الله إنما حرم الأكل والشرب، وليس هذا من الأكل والشرب. إذن:لا يفطر إلا بابتلاع ما يحصل به الغذاء، أما لو ابتلع ما لا يحصل به الغذاء فإنه لا يفطر بذلك وقد تقدم أن من ابتلع ما بين أسنانه فإنه يفطر أما ما يجري مع الريق مما يكون بين الأسنان ثم يجري طبيعة مع الريق، فقد أجمع أهل العلم على أنه لا تثبت به الفطر، لكن أن يطلب ابتلاعه فإنه يحصل على الفطر لأنه يصدق عليه أنه أكل وإن كان ذلك شيئاً يسيراً إذا ثبت ذلك فاعلم أن ما دلت عليه الأدلة هو أن طريق الأكل أو الشرب وهو الفم والأنف.

стр. 1599

أم الفم فهذا أمر ظاهر، وأما الأنف فهو قوله ﷺ فيما رواه أبو داود وغيره -: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فدل ذلك، خلافاً للظاهر - على أن الأنف منفذ للشراب، وهو ظاهر فيما يقع في هذه الأزمان فيما يقع من إدخال الطعام إلى الأنف للمرضى أما غيرها المنافذ فقد قعد فقهاء الحنابلة قاعدة واسعة في هذا الباب فقالوا:كل ما يصل إلى جوفه أو إلى مجوف في بدنه كالدماغ والحلق – فما يصل إلى المعدة فإنه يثبت به الفطر وعليه:فإذا وضع قطرة في أذنيه أو اسقط في أنفه فإنه يفطر بذلك، والحقنة في الدبر يفطر بها، والدواء الذي يوضع على " وهي الجرح الذي يصل إلى الجوف أو المأمومة " فكل ذلك يفطر ولذا قال المؤلف هنا: (أو اسقط " أي يكون بالأنف " أو احتقن في الدبر أو اكتحل فالعين منفذة للطعام بما يصل إلى حلقه) فإذا اكتحل ولم يصل ذلك إلى الحلق فلا يكون ذلك قد وصل إلى الجوف ومثل ذلك القطرة التي تكون في الأذن فإن المراد ما يصل إلى دماغه لأن التجويف إنما هو في الدماغ لا في الأذنين. (أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان غير إحليله)

стр. 1600

فلو وضع دواء على جائفة أو مأمومة فوصل ذلك إلى الجوف فإنه يفطر بذلك، غير الأحليل " وهو الذكر " وذلك لأن الذكر لا يصل منه عندهم إلى المعدة شيء وقد نازعهم بعض أهل العلم في بعض أهل هذه المسائل أو كلها – سوى ما تقدم الإجماع عليه – إلا أن الظاهرية قد نازعوا في الأنف، والحديث حجة عليهم كما تقدم ونازعوا في غير الأكل أيضاً، فإنهم قد خصوا الطعام والشراب بما يصل من الفم لا غير. ونازع الشافعية والحنابلة بما يكون في العين من كحل ونحوه فإذا اكتحل فالمشهور عند الشافعية أنه لا يفطر بذلك وقد نازع الإمام مالك الحنابلة فيما يوضع في الأذنين فإنه عنده أن لم يصل إلى الحلق فإنه لا يفطر به وإن وصل إلى الدماغ وأطلق الليث والأوزعي الخلاف في ذلك وقالوا:بل الأذن ليست منفذاً مطلقاً ونازع في الحقنة الظاهرية وشيخ الإسلام، وقالوا أنها ليست مفطرة، لأنها أشبه بشم ما يكون سهلاً والظاهر أن الحقنة كانت توضع عندهم للإسهال، أما إذا كان ذلك للطعام والشراب فهي مفطرة ونازع الإمام مالك الحنابلة فيما يوضع على الجائفة أو المأمومة فقال لا يفطر. أما شيخ الإسلام فهو مذهب الظاهرية سوى ما تقدم من استثناء الأنف، فرأى شيخ الإسلام:أنه لا يقع الفطر إلا بوصول شيء إلى المعدة على سبيل التغذية، أو يصل إلى الدم بحيث يكون مغذياً للبدن. فإذا وصل الدواء إلى الجوف عن طريق الجائفة أو المأمومة فإنه لا يفطر لأنه ليس من سببها فالغذاء، والكحل ليس من باب الغذاء وما يوضع في الأذن ليس من باب الغذاء فقاعدة شيخ الإسلام:أن ما وصل إلى جوف الآدمي على سبيل الغذاء فإنه يحصل به الفطر – وما ذكره هو الظاهر فإن الله إنما نهى عن الأكل والشرب وهما اللذان يحصل بهما الغذاء للآدمي، ويقاس عليهما كل ما يحصل به الغذاء، ومن

стр. 1601

ذلك ما يقع في هذه الأزمنة من الإبر المغذية أو المحاليل المغذية التي توضع في الوريد أو غيره فإنه تحصل بها الغذاء وعليه فإن الإبر التي ليست مغذية بل للدواء ولا يحصل بها غذاء بقول الطبيب الثقة فإنها لا تفطر. فعليه:إذا وصل الغذاء إلى البدن من منفذ الأنف أو الفم أو جرح شيء من البدن فأدخل الغذاء من خلاله فإن ذلك يفطر أما مجرد دخول شيء من الأدوية أو شيء مما يوضع في الأذن أو العين وليس ذلك على سبيل التغذية فإنه لا دليل تدل على الفطر به. ومسألة – أي مسألة مفسدات الصوم – مسألة كبيرة واجب بيانها من الشرع ولم يثبت في الكتاب والسنة ما تبين أن ما ذكره هؤلاء الفقهاء وغيرهم أنه من المفطرات ولا شك أنها من المسائل التي يحتاج إلى بيانها فإنها متعلقة بفريضة من فرائض الله تعالى. ثم أن الله قد خاطب العرب بالآية المتقدمة فحينئذ لا يكون مفطراً إلا ما هو أكل أو شرب في عرفهم وليس أكثر ما ذكر مما تقدم في عرفهم من الأكل والشرب. قال: (أو استقاء) أي طلب خروج القيء فحصل له ذلك فإنه يفطر بذلك أما إذا خرج القيء فيه من غير استدعاء ولا بطلب فإنه لا يفطر بذلك بالاتفاق أما أن يطلبه واستدعاه فإنه يفطر عند جماهير العلماء وذهب طائفة من الصحابة وهو مذهب ابن عباس وابن مسعود وعكرمة ووجهه صاحب الفروع وهو رواية عن الإمام مالك اختارها بعض أصحابه إلى إخراج القيء ليس بمفطر مطلقاً سواء تطلبه أم لا. استدل أهل القول الأول بما روى أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث عيس بن أيوب عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فليقض) وهذا الحديث إسناده صحيح في الظاهر، ورجاله رجال الصحيح. واستدل أهل القول الثاني:بالأصل، وأن الأصل أن خروج القيء سواء كان بتطلب أم لم يكن ليس بمفطر وضعفوا هذا الحديث، وقد ضعفه الإمام أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم.

стр. 1602

قال البخاري: (لا أراه محفوظاً) وكذا قال غيره. ولم يتبين لي ما هو طعن هؤلاء الأئمة في هذا الحديث إلا ما ذكره الترمذي من تفرد عيس بن أيوب وهو ثقة من رجال الصحيحين، لكنه لم يتفرد بهذا الحديث بل تابعه حفص بن غياث كما في سنن ابن ماجة وهو من رجال الصحيحين أيضاً، ثم أنه لو تفرد به لقيل وقال عيس بن أيوب: (زعم أهل البصرة أن هشاماً قد أوهم وهذا هو الطعن الثاني، وهذا المطعن مجرد دعوى فإن الأصل هو عدم وهمه، ولم يتبين لنا سند أخر يثبت به الوقف أو نحو ذلك في هذا الحديث المرفوع وقد صححه طائفة من المتقدمين، والمشهور عند المتأخرين هو تصحيح وإن كان ما تقدم من أقوال الأئمة الكبار يجعل في النفس شيئاً من هذا الحكم المبني على هذا الحديث المتكلم فيه لكن لم يتبين للطعن فالأظهر البقاء على تصحيحه لا سيما وأن العمل عليه أهل العلم كما قال الترمذي ﵀، فإنه لما ذكر ما تقدم من تفرد عيس بن أيوب قال: (والعمل عليه عند أهل العلم) وهذا القول هو الأظهر فمن استقاء فليقض كما هو مذهب جماهير العلماء وهل للقي مدد محدد؟ المشهور في المذهب:أن خروج القيء بالتطلب مطلقاً يفطر سواء كان قليلاً أو كثيراً، وسوء خرج طعامه الذي في معدته أو شيئاً من الدم أو البلغم أو أو نحو ذلك فأي شيء يخرج من جوفه بسبب تطلبه لإخراج القيء يفطر بذلك. وعن الإمام أحمد وهو قول ابن عقيل من الحنابلة أنه لا يفطر إلا ملء الفم. والقول الأول أظهر لظاهر الحديث، فإن ظاهره أنه متى ما خرج ما يصح أن يكون ميئاً فإنه يفطر بذلك ولعل العلة من ذلك والله أعلم – خلافاً لما أنكر شيخ الإسلام هذا التعليل – وقد نص على هذا التعليل ابن عبد البر وغيره الأظهر أن خروج الطعام من المعدة إلى الحلق مظنة رجوع شيء منه إليه، وهذا فيه معنى الأكل والشرب والله أعلم. قال: (أو استمنى أو باشر فأمنى أو أمذى)

стр. 1603

إذا استمنى أو باشر أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى فإنه يفطر بذلك والمراد بالمباشرة هي ما دون الجماع أما لو باشر أو قبل أو استمنى ثم لم يحصل منه مني ولا مذي فإنه لا يفطر بذلك وهذا بالاتفاق ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أمللكم لأرَبه) أي حاجته، وتصح " الإرْبه " أي عضوه أما أن حصل مع الاستمناء أو المباشرة أو القبلة أو اللمس حصل مني فإنه يفطر عند جمهور العلماء حتى قال الموفق " خلاف بعلمه " وذلك لأن خروج المني تتم به الشهوة، وقد قال الله تعالى فيما يرويه عنه النبي ﷺ : (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) فالشهوة قد امتنع عنها الصائم فهي مما يمسك عنه وحيث خرج المني باستدعاء فإن الشهوة قد وقعت تامة له فكان ذلك من مفسدات صومه خلافاً للظاهرية القائلين:بأنه لا يفطر إلا بالجماع فلو أمنى باستمناء أو مباشرة فلا يفطر بذلك. والراجح ما تقدم وهو مذهب عامة العلماء أما كون المني مفطراً بخروجه بسبب القبلة واللمس فهذا هو مذهب جمهور العلماء كما تقدم.

стр. 1604

أما قولهم أن خروج المني بالاستمناء والمباشرة يفطر الصائم فإن هذا ظاهر لأن الاستمناء والمباشرة سبب ظاهر لخروج المني بخلاف القبلة واللمس فإن الأصل عدم خروج المني بهما إلا على هيئة نادرة، فوقوع الصائم بإخراج الشهوة بسببهما ليس طبيعاً بل هو واقع على سبيل الندرة فمتى حصل ذلك فلا ينبغي القول بالفطر، لأن القبلة واللمس ليسا سبباً ظاهر في خروج المني، فهو لم يكن مقتصداً لخروجه بل قد خرج بغير قصد فيه، وقال إلى هذا القول صاحب الفروع وهو القول الظاهر وذلك لأن الشهوة وأن كانت قد وقعت عليه لم يكن ذلك بقصد منه، فإنهما ليسا سبباً لخروج المني في العادة أما لو علم من نفسه خروج المني بسبب القبلة أو اللمس ثم فعل ذلك، فإن موافقة الجمهور تكون ظاهراً فعلى ذلك يفطر لأنه قد أخرج شهوته بسبب قد تقصده. قال: (أو أمذى) كان يباشر أو يستمنى أو يقبل أو يلمس فيمذى فإنه بفطر هذا مذهب أحمد ومذهب مالك وذهب الشافعية والأحناف إلى أنه لا يفطر بذلك أما دليل أهل القول الأول فهو القياس على المني، فقاسوا خروج المذي على خروج المني وأما أهل القول الثاني فقالوا:هذا قياس مع الفارق، مفرق بين المذي والمني، فليس المذي كالمني، وما المذي إلا جزء من الشهوة بل هو دليل على الشهوة وتقدم لها وليس هو الشهوة نفسها وهو اختيار شيخ الإسلام. واستدلوا:بالأصل، فإن الأصل ألا يكون ذلك مفطراً ولا دليل يدل على الفطر به – وهذا القول هو الراجح. إذن:من باشر أو استمنى أو قبل أو لمس فأمذى فإنه لا يفطر بذلك لأن الأصل بقاء الصوم وصحته لا أبطاله ولا دليل على أبطاله:وقد استظهر هذا القول صاحب الفروع وصوبه في الإنصاف. قال: (أو كرر النظر فأنزل) أي أنزل منياً.

стр. 1605

رجل كرر النظر إلى امرأة فأنزل منياً فإنه يفطر بذلك قياساً على القبلة واللمس ونحوها. وذهب الشافعية والأحناف إلى أنه لا يفطر بذلك:إبقاء على الأصل، فالأصل صحة الصوم وبقاؤه ولا دليل على الإفطار. قالوا:وقياساً على الفكر، فإنه لو فكر فأنزل فإنه بالاتفاق لا يفطر، والقياس أقرب من القياس المتقدم على أن تكرر النظر في الحقيقة – ليس سبباً ظاهراً في الإنزال كما تقدم بيانه فإن تكرار النظر لا يقع به في الأصل الإنزال فلو وقع الإنزال حينئذ فإنه لا يقع باختيار من المكلف أما لو علم من نفسه أنه بتكرار النظر يثبت فيه الإنزال فحينئذ نقول به لأنه أشبه الاستمناء فقد طلب خروج المني بهذا الفعل وعلم من نفسه خروجه وهذا نادر ولم يذكر المذي:فالمشهور عند الحنابلة في هذه المسألة أنه لو كرر النظر فأمذى فإنه لا يفطر بذلك، وذلك لمشقة التحرز من ذلك، وللفارق بين المني والمذي وهذا فيه تناقض. قال: (أو حجم أو احتجم وظهر دم) . إذا حجم أو احتجم فظهر الدم فإنه يفطر بذلك، فالحاجم والمحجوم يفطران. ودليل ذلك:ما رواه الخمسة إلا الترمذي من حديث شداد بن أوس أن النبي ﷺ قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) والحديث إسناده صحيح. ويرى شيخ الإسلام هذا القول، ويرى أن الحاجم إنما يفطر حيث كان بمعنى أداة الحجامة بقية فتكون ذلك مظنة لدخول شيء من الدم – ولو كان دلك من نجاره – إلى حلقه فيفطر بذلك، وحينئذ فرأى شيخ الإسلام أنه لو لم تكن ذلك بمعنى أداة الحجامة فإنه لا يفطر. خلافاً الحنابلة في المشهور عندهم من أنه يفطر، وأن ذلك تعبدي والأظهر ما ذهب إليه شيخ الإسلام لأن الأصل في الأحكام أن تكون أحكاماً تعليلية لا تعبديه. وهل يلحق بذلك الفصد أم لا؟ قولان في مذهب الإمام أحمد. اختار شيخ الإسلام أنه ثبت الفطر بالقصد وذلك لثبوت خروج الدم به، فالمعنى ثابت في الفصد كما هو ثابت في الحجامة.

стр. 1606

وحينئذ يلحق أي طريقة في إخراج الدم كما يقع ذلك في التحاليل الطبية التي يقع بها إخراج الدم فإنها تكون مفطرة هذا مذهب الحنابلة – أي كون الحجامة مفطرة – وهو مذهب أكثر أهل الحديث – كما قال ذلك شيخ الإسلام، وهو اختياره واختيار تلميذه ابن القيم. وذهب جمهور العلماء إلى أن الحجامة لا تفطر. واستدلوا:بما ثبت في البخاري من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ : (احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم) . قالوا:ويوافقه أنه مذهب رواية، فقد ثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال: (الفطر فيما يدخل لا فيما يخرج) .

стр. 1607

قالوا:والجواب عما استدل به الحنابلة أن الحديث الذي استدلوا به منسوخ بحديثنا، ودليل النسخ الآثار الواردة في هذا الباب فمن ذلك:ما ثبت في سنن الدارقطني بإسناد قوي عن أنس بن مالك قال: (أول ما كرهت الحجامة أن جعفر بن أبي طالب احتجم فمرَّ به النبي ﷺ فقال:أفطر هذان ثم رخص النبي ﷺ بعد في الحجامة للصائم) وروى الدارقطني والطبراني في معجمه الأوسط بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: (رخص النبي ﷺ في القبلة للصائم وفي الحجامة) ومعلوم أن لفظ الرخصة لا يطلق إلا عزيمة، وقد كانت العزيمة في الفطر بالحجامة ثم رخص بعد بالحجامة. وثبت في أبي داود بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحاب) فكانت العلة هي الإبقاء على الأصحاب لأن إخراج الدم مضعف لليدين ثم بعد ذلك رخص بالحجامة وثبت في البخاري عن أنس أنه قيل له: (أكنتم) ومثل هذا السؤال يكون الجواب عنه عن مذهب الصحابة عامة وإن كان الصحابة مختلفون في هذا، لكن هذا يدل على أن جمهورهم على هذا القول: (أكنتم تكرهون الحجامة للصائم فقال:لا إلا من أجل الضعف) وفي ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أصحاب النبي ﷺ : (إنما نهى النبي ﷺ عن الحجامة وكرها للضعف) قالوا:وهذه الأحاديث تدل على النسخ. وقابلهم أهل القول الأول بأن حديثنا ناسخ لحديثكم وهو قول النبي ﷺ .

стр. 1608

قالوا:لأن حديثنا ناقل عن الأصل، ما فعله النبي ﷺ وأنه احتجم وهو صائم فإنه متفق على الأصل، والقاعدة أن الناقل مقدم على المبقي على الأصل وهي قاعدة ترجح في باب النسخ. لكن يجاب عن هذا بأن ما تقدم من الآثار تدل على عكس هذا القول وأن حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) منسوخ لفعل النبي ﷺ وأجاب الجمهور عن الاستدلال بحديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) بأن المراد يؤول أمرهما إلى الفطر فإن ذلك مضعف للمحتجم ومظنة لدخول شيء من الدم إلى الحاجم فيؤول أمرهما إلى الفطر – وهذا ظاهر للجمه بينهما لكن ينكر عليه الآثار والأحاديث المتقدمة فإن ظاهرها أن إفطار الحاجم والمحجوم كان عزيمة على الوجه المتقدم إلا أن يقال إنه كان منهياً عنه وإن لم يكن مفطراً والحاصل:أن مذهب جمهور الفقهاء هو القول الراجح في هذه المسألة. فأن قيل:قد أعل بعض العلماء الحديث الذي رواه البخاري في صحيحيه، فقد أنكر الإمام أحمد – كما أعله شيخ الإسلام وغيره – لفظة (وهو صائم) وأتت (وهو محرم) . فالجواب:أن الإمام أحمد كما فرد ذلك صاحب القيم قد ساق طرفاً ليس فيها طريق البخاري وأنكر هذه اللفظة في هذه الطرق.

стр. 1609

أما الطريق الذي خرجه البخاري في صحيحيه فإن الإمام أحمد لم يتعرضى له بإنكار ثم أن السند ظاهره الصحيح وقد قال ابن حجر: (والحديث لا مدفع فيه ولا اختلاف في ثبوته وصحته) فعلى ذلك جماهير العلماء على تصحيح هذا الحديث والحديث من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس وقد اختلف فيه على أيوب فرواه وهيب وعبد الوارث موصولاً " أي عكرمة عن ابن عباس ورواه ابن عُلَّبة ومعمر عن أيوب عن عكرمة مرسلاً واختلف على حماد بن زيد بالإرسال الوصل، ومثل هذا لا يؤثر في الحديث بل يكون ثابتاً موصولاً ومرسلاً، فإنه حيث تساوى الواصل والمرسل فإنه لا يقال بترجيح شيء من قوليهما على أن للحديث شواهد تثبت صحته، كيف وقد أخرجه البخاري في صحيحيه الذي تلقته الأمة بالقبول وأحاديث البخاري لا يقال بتعليل شيء منها إلا إذا كانت البينة ظاهرة في ذلك. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (عامداً ذاكراً لصومه فسد لا ناسياً أو مكرهاً) . ما تقدم من المفطرات – سوى الجماع فسيأتي البحث فيه – مما تقدم من المفطرات وهي الأكل والشرب والاستقاء والاحتجام هذه المفطرات " في فعلها ناسياً ومكرهاً فإنه لا يفطر، بل لابد أن يفعلها ذاكراً عامداً. عامداً:يقابله مكرهاً، وذاكراً مقابله ناسياً فلابد أن يكون عامداً أي غير مكره، ذاكراً أي غير ناس فإن كان ناسياً أو مكرهاً لم يفطر بذلك.

стр. 1610

ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) وفي الحاكم بإسناد صحيح: (من أفطر ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة) ودليل المكره الحديث الصحيح: (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فمن أفطر مكرهاً فليتم صومه فإن صومه صحيح، فإنما أطعمه الله وسقاه. ولم يستثن المؤلف ﵀ الجاهل، لأن الجاهل في مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور يفطر أن أكل أو شرب أو فعل مضطراً جاهلاً – والمراد الجاهل بالحكم -. واستدلوا:بقوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) لما مر على الرجلين وأحدهما يحتجم والأخر محتجم، قالوا فدل على أنه لا يعذر بالجهل وذهب أبو الخطاب من الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام وهو مذهب إسحاق ومجاهد والحسن وهو مذهب طائفة من السلف والخلف قالوا:هو معذور بالجهل، قياساً للجاهل على الناس، فكما أن الناسي لم يتعمد المفسد للصوم فكذلك الجاهل فإنه لم يتعمده إذا لا تعمد إلا بعلم وإن كان تعمد الفعل. واستدلوا:بما ثبت في الصحيحين أن عدي بن حاتم لما نزلت: ﴿فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ قال عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض – فوضعتهما تحت وسادي فجعلت أنظر في الليل فلا يتبين ذلك لي قال:فغدوت إلى النبي ﷺ فقال: (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) وفي رواية: (إن وسادك إذاً إذا وسع المشرق والمغرب) فالمراد بذلك:بياض المشرق وسواده، وبياض المغرب وسواده أي سواد الليل وبياض النهار، فلم يأمره النبي ﷺ بالقضاء وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

стр. 1611

واستدلوا:بحديث أسماء – سيأتي ذكره – من أن الصحابة أفطروا قبل غروب الشمس في يوم غيم فلم يؤمره بالقضاء وكذلك القاعدة الشرعية أن الشارع لا يفرق بين الجاهل والناسي في فعل المحذورات والمفسدات وما ذكروه أصح. وأما حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) فليس صريحاً في أنهما لا يفطران بل المقصود من ذلك أن من فعل ذلك فإنه يفطر على أن هذه قضية عين لا تخالف بها القاعدة الشرعية المتقدمة وهي قاعدة الشربعه في إلحاق الجاهل بالناسي ويحتمل فيها أنه مراد النبي ﷺ مجرد الأخبار بأن من فعل ذلك فإنه يفطر بدليل تعميميه في الأخبار فيها الأخرى من قوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) فالأصح ما ذهب إليه أهل القول الثاني من أن الجاهل لا يفطر بذلك لأنه لم يتعمد المفسد فأشبه الناسي والمكره والحديث المتقدم دليل على ذلك، وهو قوله: (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والخطأ هو الجهل. قال: (أو طار إلى حلقه ذباب أو غبار)

стр. 1612

أو دخان أو غير ذلك فإنه لا يفطر بذلك لأنه ليس بمتعمد لذلك ولا بمختار، والشرط في المفطرات أن تكون على هيئة الاختيار، فإن دخول الغبار لا يكون منه على هيئة القصد وهذا على القول بأن الغبار مفطر، وإلا فقد تقدم اختيار شيخ الإسلام بأن من سفا تراباً ونحوه فإنه لا يفطر بذلك لكن على المذهب من القول بأن الغبار ونحوه يفطر فإنه لا يقال بالفطر به حيث كان عن من غير تقصد ولا اختيار ومثل ذلك الدخان أو البخور فإنه إذا دخل من غير قصد فإنه – على المذهب – لا يفطر، لأنه دخل بغير اختياره أما لو دخل بتقصد منه فإنه يفطر بذلك في المشهور من المذهب وعليه يقاس الدخان المشهور عند الناس فإنه يخرج على المذهب من أنه مفطر من مفطرات الصيام والعمل على ما ذهب إليه الحنابلة فيما يشربه الناس من الدخان مما هو محرم في الشريعة وأما البخور فإن في النفس من ذلك شيئاً، وظاهر اختيار شيخ الإسلام في الفتاوى، ومقتضى السابق، أن شم البخور لا يفطر فإنه ليس بمأكول ولا بمشروب ولا بمعناهما – وهذا هو الأظهر – أما شم الروائح الطيبة من طيب ونحوه – من غير دخان يخرج معه – فإنه لا بأس به باتفاق العلماء. قال: (أو فكر فأنزل) إذا حدث منه تفكير موضع في ذهنه صوراً فوقع من ذلك إنزال فإنه لا يفطر بذلك.

стр. 1613

قالوا:لما روى البخاري أن النبي ﷺ قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) فحديث النفس معفو عنه وظاهر كلامهم الإطلاق وفي الإطلاق نظر، فإن الأظهر أنه إذا كان يستحضر الصور بقصد منه وتطلب مع علمه أن ذلك يورثه إنزالاً فالأظهر هو القول بأنه يفطر:وهذا هو اختيار ابن عقيل وأن كان اختياره على هيئة الإطلاق فإن ابن عقيل قال:أن من فكر فأنزل فإنه يفطر واستدل على ذلك بأن الفكر يأتي باستحضاره، وظاهر كلامه إذا لم يأت باستحضار منه بل كان عن غلبة فإنه لا يفطر بذلك وهذا هو الظاهر فإن هذا يشبه ما تقدم من تكرار النظر مع علمه أن ذلك يورثه إنزالاً أما إذا علم من نفسه ذلك واستدعى الفكر فإنه يفطر، لأنه تعاطى سبباً يورث مفسداً من مفسدات الصوم، تعاطاه باختيار منه فأسبه ذلك المباشرة والاستمناء اللذين يورثان إنزالاً. قال: (أو احتلم) فإنه لا يفطر وهذا بإجماع العلماء، والعلة:هي أن هذا الاحتلام لم يكن باختيار منه وينبغي أن يستثنى من ذلك ما لو سبقه فكر، ويعلم أنه إذا وقع منه فكر فبل النوم فإنه يسبب له في الغالب الاحتلام فإنه إذا أوقع ذلك باستحضار عن غلبة فأورثه ذلك احتلاماً وهو يعلم من حاله أن ذلك يحدث منه فإنه يفطر فيما يظهر لي – على ما تقدم في الفكر والنظر ونحو ذلك والله أعلم. قال: (أو أصبح في فيه طعام فلفظه) بمعنى:أصبح وفي فيه طعام – أي قد نزل من أسنانه أو نحو ذلك – فلفظه فإنه لا يفطر لأن هذا الطعام الذي قد وقع في فيه وإن كان منه ما تحلل أثناء نومه ودخل في جوفه فإن ذلك لم يكن باختيار منه ولا تقصد أما إذا أبقاه في فيه بعد استيقاظه من النوم ثم تحلل منه بعد ذلك فإن دخل إلى الخوف فإنه يفطر بذلك لأنه حينئذ يكون مختاراً ومتعمداً للفطر. قال: (أو اغتسل أو تمضمض أو استنثر أو زاد على ثلاث)

стр. 1614

" اغتسل " يجوز الاغتسال في نهار رمضان ويستدل لذلك بما ثبت في الصحيحين عن عائشة وأم سلمه قالت: (إن كان النبي ﷺ ليصبح جنباً من غير احتلام ثم يغتسل وهو صائم) ولو لم يكن الاغتسال جائزاً لما أمره رسول الله ﷺ إلى شروعه في الصوم ويدل عليه ما رواه أبو داود وأحمد بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (رأيت النبي ﷺ يسكب على رأسه الماء إما من الحر وإما من العطش وهو صائم) وفي البخاري معلقاً: (وبلَّ ابن عمر ثوباً فألقاه عليه وهو صائم) ومثل ذلك المضمضة، فدليلها:ما ثبت من سؤال عمر للنبي ﷺ عن القبلة للصائم فقال: (أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم فقال:لا بأس فقال النبي ﷺ :فمه) أي فلم يكن هذا السؤال فإن هذا قياس ظاهر، فالقبلة من مقدمات الجماع، والمضمضة مقدمة للشرب فالقياس بينهما ظاهر. وكذلك ما ثبت من مضمضة الصائم في الوضوء سواء كان الوضوء واجباً أو مستحباً، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو كانت المضمضة منهياً عنها لما أحدث في الصوم إلا للوضوء الواجب ولسنة النبي ﷺ ، وهذا لا خلاف بين أهل العلم وأما الاستنشاق فيستدل له بما تقدم، مع قوله ﷺ : (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) وهذا متضمن لجواز أصل الاستنشاق، وإن كانت المبالغة منهياً عنها وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. ولا بأس أن يدهن، فلو دهن على بطنه أو شعره أو نحو ذلك فلا بأس وأن كان لا يؤمن من تسرب شيء يسير من خلال مسافات اليدين لكن هذا مما عفي عنه، وليس بما تقدم عن الطعام والشراب وهذا مما اتفق عليه العلماء. وقد روى البخاري عن ابن مسعود قال: (إذا كان صوم أحدكم فليصبح دهيناً مترجلاً) .

стр. 1615

(أو زاد على الثلاث) في المضمضة والاستنشاق لا يؤثر ذلك في صومه وإن زاد على ثلاث وأما هل هو مشروع أم لا؟ فقد تقدم أن من زاد على الثلاث فقد أساء وظلم. قال: (أو بالغ فدخل الماء حلقه لم يفسد) إذا بالغ في الاستنشاق فدخل الماء إلى حلقه فإنه لا يفطر بذلك هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة والصحيح ما ذهب إليه جمهور وهو اختيار المجد ابن تيميه قالوا:يفطر بذلك، ذلك:لأنه بمبالغة بالاستنشاق فعل سبباً لدخول الماء إلى الحلق،، فوقع هذا الدخول بفعل هذا السبب الظاهر فيه فثبت الفطر ثم أنه لا يجوز له فعل ذلك وما ترتب على غير الماء دون فيه فليس بمضمون وتترتب عليه الأحكام الشرعية ثم هو وإن لم يتعمد دخول الماء إلى الحلق لكنه تعمد فعلاً هو سبب ظاهر في دخول الماء إلى الحلق فكما لو استمنى أو باشر فأنزل، فهو وأن لم يقصد بهما نزول المني فإنه يفطر بذلك فكذلك هنا. وذهب المالكية والأحناف:إلى أنه أن استنشق ولم يبالغ فنزل الماء إلى الحلق فإنه يفطر بذلك وهذا ضعيف، فإنه قد فعل أمراً جائزاً ليس سبباً ظاهر لدخول الماء إلى الحلق فدخول الماء لم يكن عن تقصد منه ولا اختيار فلا يفطر به. إذن:إذا استنشق فإنه لا يفطر إلا بأمر. أن يكون قد بالغ في الاستنشاق. أن يصل إلى الحلق شيء من الماء وينزل منه إلى المعدة ومعلوم أنه لا يتيقن وصول ذلك إلى المعدة لكن وصوله إلى الحلق مظنة وصوله إلى المعدة، ولأنه لا يتم الشعور بنزول الماء اليسير إلى المعدة. قال: (ومن أكل شاكاً في طلوع الفجر صح صومه) رجل ظن أن الوقت لا زال ليلاً أو تيقن ذلك فأكل، ثم يثبت تبين أنه كان في نهار – فذلك لا يؤثر في صومه. وذلك لأن الأصل هو بقاء الليل، وليس المقصود من ذلك ألا يفعل الأسباب التي يتوصل بها إلى معرفة الوقت من نظر إلى ساعة أو الجو في الخارج أو نحو ذلك، بل المقصود أنه بقدر استطاعته لم يتبين له خروج الليل وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء.
следующие страницы →