واستدلوا:بحديث أسماء – سيأتي ذكره – من أن الصحابة أفطروا قبل غروب الشمس في يوم غيم فلم يؤمره بالقضاء وكذلك القاعدة الشرعية أن الشارع لا يفرق بين الجاهل والناسي في فعل المحذورات والمفسدات وما ذكروه أصح. وأما حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) فليس صريحاً في أنهما لا يفطران بل المقصود من ذلك أن من فعل ذلك فإنه يفطر على أن هذه قضية عين لا تخالف بها القاعدة الشرعية المتقدمة وهي قاعدة الشربعه في إلحاق الجاهل بالناسي ويحتمل فيها أنه مراد النبي ﷺ مجرد الأخبار بأن من فعل ذلك فإنه يفطر بدليل تعميميه في الأخبار فيها الأخرى من قوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) فالأصح ما ذهب إليه أهل القول الثاني من أن الجاهل لا يفطر بذلك لأنه لم يتعمد المفسد فأشبه الناسي والمكره والحديث المتقدم دليل على ذلك، وهو قوله: (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والخطأ هو الجهل.
قال: (أو طار إلى حلقه ذباب أو غبار)
стр. 1612
أو دخان أو غير ذلك فإنه لا يفطر بذلك لأنه ليس بمتعمد لذلك ولا بمختار، والشرط في المفطرات أن تكون على هيئة الاختيار، فإن دخول الغبار لا يكون منه على هيئة القصد وهذا على القول بأن الغبار مفطر، وإلا فقد تقدم اختيار شيخ الإسلام بأن من سفا تراباً ونحوه فإنه لا يفطر بذلك لكن على المذهب من القول بأن الغبار ونحوه يفطر فإنه لا يقال بالفطر به حيث كان عن من غير تقصد ولا اختيار ومثل ذلك الدخان أو البخور فإنه إذا دخل من غير قصد فإنه – على المذهب – لا يفطر، لأنه دخل بغير اختياره أما لو دخل بتقصد منه فإنه يفطر بذلك في المشهور من المذهب وعليه يقاس الدخان المشهور عند الناس فإنه يخرج على المذهب من أنه مفطر من مفطرات الصيام والعمل على ما ذهب إليه الحنابلة فيما يشربه الناس من الدخان مما هو محرم في الشريعة وأما البخور فإن في النفس من ذلك شيئاً، وظاهر اختيار شيخ الإسلام في الفتاوى، ومقتضى السابق، أن شم البخور لا يفطر فإنه ليس بمأكول ولا بمشروب ولا بمعناهما – وهذا هو الأظهر – أما شم الروائح الطيبة من طيب ونحوه – من غير دخان يخرج معه – فإنه لا بأس به باتفاق العلماء.
قال: (أو فكر فأنزل)
إذا حدث منه تفكير موضع في ذهنه صوراً فوقع من ذلك إنزال فإنه لا يفطر بذلك.
стр. 1613
قالوا:لما روى البخاري أن النبي ﷺ قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) فحديث النفس معفو عنه وظاهر كلامهم الإطلاق وفي الإطلاق نظر، فإن الأظهر أنه إذا كان يستحضر الصور بقصد منه وتطلب مع علمه أن ذلك يورثه إنزالاً فالأظهر هو القول بأنه يفطر:وهذا هو اختيار ابن عقيل وأن كان اختياره على هيئة الإطلاق فإن ابن عقيل قال:أن من فكر فأنزل فإنه يفطر واستدل على ذلك بأن الفكر يأتي باستحضاره، وظاهر كلامه إذا لم يأت باستحضار منه بل كان عن غلبة فإنه لا يفطر بذلك وهذا هو الظاهر فإن هذا يشبه ما تقدم من تكرار النظر مع علمه أن ذلك يورثه إنزالاً أما إذا علم من نفسه ذلك واستدعى الفكر فإنه يفطر، لأنه تعاطى سبباً يورث مفسداً من مفسدات الصوم، تعاطاه باختيار منه فأسبه ذلك المباشرة والاستمناء اللذين يورثان إنزالاً.
قال: (أو احتلم)
فإنه لا يفطر وهذا بإجماع العلماء، والعلة:هي أن هذا الاحتلام لم يكن باختيار منه وينبغي أن يستثنى من ذلك ما لو سبقه فكر، ويعلم أنه إذا وقع منه فكر فبل النوم فإنه يسبب له في الغالب الاحتلام فإنه إذا أوقع ذلك باستحضار عن غلبة فأورثه ذلك احتلاماً وهو يعلم من حاله أن ذلك يحدث منه فإنه يفطر فيما يظهر لي – على ما تقدم في الفكر والنظر ونحو ذلك والله أعلم.
قال: (أو أصبح في فيه طعام فلفظه)
بمعنى:أصبح وفي فيه طعام – أي قد نزل من أسنانه أو نحو ذلك – فلفظه فإنه لا يفطر لأن هذا الطعام الذي قد وقع في فيه وإن كان منه ما تحلل أثناء نومه ودخل في جوفه فإن ذلك لم يكن باختيار منه ولا تقصد أما إذا أبقاه في فيه بعد استيقاظه من النوم ثم تحلل منه بعد ذلك فإن دخل إلى الخوف فإنه يفطر بذلك لأنه حينئذ يكون مختاراً ومتعمداً للفطر.
قال: (أو اغتسل أو تمضمض أو استنثر أو زاد على ثلاث)
стр. 1614
" اغتسل " يجوز الاغتسال في نهار رمضان ويستدل لذلك بما ثبت في الصحيحين عن عائشة وأم سلمه قالت: (إن كان النبي ﷺ ليصبح جنباً من غير احتلام ثم يغتسل وهو
صائم) ولو لم يكن الاغتسال جائزاً لما أمره رسول الله ﷺ إلى شروعه في الصوم ويدل عليه ما رواه أبو داود وأحمد بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (رأيت النبي ﷺ يسكب على رأسه الماء إما من الحر وإما من العطش وهو صائم) وفي البخاري معلقاً: (وبلَّ ابن عمر ثوباً فألقاه عليه وهو صائم) ومثل ذلك المضمضة، فدليلها:ما ثبت من سؤال عمر للنبي ﷺ عن القبلة للصائم فقال: (أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم فقال:لا بأس فقال النبي ﷺ :فمه) أي فلم يكن هذا السؤال فإن هذا قياس ظاهر، فالقبلة من مقدمات الجماع، والمضمضة مقدمة للشرب فالقياس بينهما ظاهر. وكذلك ما ثبت من مضمضة الصائم في الوضوء سواء كان الوضوء واجباً أو مستحباً، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو كانت المضمضة منهياً عنها لما أحدث في الصوم إلا للوضوء الواجب ولسنة النبي ﷺ ، وهذا لا خلاف بين أهل العلم وأما الاستنشاق فيستدل له بما تقدم، مع قوله ﷺ : (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) وهذا متضمن لجواز أصل الاستنشاق، وإن كانت المبالغة منهياً عنها وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. ولا بأس أن يدهن، فلو دهن على بطنه أو شعره أو نحو ذلك فلا بأس وأن كان لا يؤمن من تسرب شيء يسير من خلال مسافات اليدين لكن هذا مما عفي عنه، وليس بما تقدم عن الطعام والشراب وهذا مما اتفق عليه العلماء. وقد روى البخاري عن ابن مسعود قال: (إذا كان صوم أحدكم فليصبح دهيناً مترجلاً) .
стр. 1615
(أو زاد على الثلاث) في المضمضة والاستنشاق لا يؤثر ذلك في صومه وإن زاد على ثلاث وأما هل هو مشروع أم لا؟ فقد تقدم أن من زاد على الثلاث فقد أساء وظلم.
قال: (أو بالغ فدخل الماء حلقه لم يفسد)
إذا بالغ في الاستنشاق فدخل الماء إلى حلقه فإنه لا يفطر بذلك هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة والصحيح ما ذهب إليه جمهور وهو اختيار المجد ابن تيميه قالوا:يفطر بذلك، ذلك:لأنه بمبالغة بالاستنشاق فعل سبباً لدخول الماء إلى الحلق،، فوقع هذا الدخول بفعل هذا السبب الظاهر فيه فثبت الفطر ثم أنه لا يجوز له فعل ذلك وما ترتب على غير الماء دون فيه فليس بمضمون وتترتب عليه الأحكام الشرعية ثم هو وإن لم يتعمد دخول الماء إلى الحلق لكنه تعمد فعلاً هو سبب
ظاهر في دخول الماء إلى الحلق فكما لو استمنى أو باشر فأنزل، فهو وأن لم يقصد بهما نزول المني فإنه يفطر بذلك فكذلك هنا.
وذهب المالكية والأحناف:إلى أنه أن استنشق ولم يبالغ فنزل الماء إلى الحلق فإنه يفطر بذلك وهذا ضعيف، فإنه قد فعل أمراً جائزاً ليس سبباً ظاهر لدخول الماء إلى الحلق فدخول الماء لم يكن عن تقصد منه ولا اختيار فلا يفطر به.
إذن:إذا استنشق فإنه لا يفطر إلا بأمر.
أن يكون قد بالغ في الاستنشاق.
أن يصل إلى الحلق شيء من الماء وينزل منه إلى المعدة ومعلوم أنه لا يتيقن وصول ذلك إلى المعدة لكن وصوله إلى الحلق مظنة وصوله إلى المعدة، ولأنه لا يتم الشعور بنزول الماء اليسير إلى المعدة.
قال: (ومن أكل شاكاً في طلوع الفجر صح صومه)
رجل ظن أن الوقت لا زال ليلاً أو تيقن ذلك فأكل، ثم يثبت تبين أنه كان في نهار – فذلك لا يؤثر في صومه. وذلك لأن الأصل هو بقاء الليل، وليس المقصود من ذلك ألا يفعل الأسباب التي يتوصل بها إلى معرفة الوقت من نظر إلى ساعة أو الجو في الخارج أو نحو ذلك، بل المقصود أنه بقدر استطاعته لم يتبين له خروج الليل وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء.
стр. 1616
قال: (لا إن أكل شاكاً في غروب الشمس أو معتقد أنه ليل فبان نهاراً)
هذه مسألة بعكس المسألة المتقدمة فهو في النهار، فالنهار هو المتيقن ثم شك هل غربت الشمس أم لا، فأكل أو شرب فإنه يفطر بذلك لأن الأصل هو بقاء النهار فلا يتزحزح عن هذا الأصل إلا بثبوت غروب الشمس لكن أن ظن غروبها ولم يتمكن أن يتيقن غروبها كأن يكون أعمى أو في موضع ليس أمامه إلا الاجتهاد كأن يكون سجيناً ولم يمكنه السؤال، أو أن يكون الجو غيماً فظن أن الشمس غربت فأفطر فإنه لا يؤثر على ذلك شيئاً إذا بان أنها لم تغرب وذلك للعمل بغلبة الظن، فإنه من المتقرر في قواعد الشريعة أن العمل بغلبة الظن صحيح ما لم يمكنه العلم " التيقن "، وهو قد علم بقدرته واستطاعته ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وقوله: (أو معتقداً أنه ليل فبان نهار)
هذا مخالف لما تقدم تقريره من أنه إذا غلب على ظنه غروب الشمس ولم يمكنه العلم فإنه يصح صومه، لكن المذهب أنه يجب على الفقهاء وهو مذهب جمهور العلماء. وهذه مسألة الجاهل في الوقت:فهو جاهل في الوقت ظن أن الشمس قد غربت ولم يمكنه التيقن لوجود غيم فأمطر ثم تبين له بعد ذلك أن الشمس لم تغرب فقد انجلى الغين وطلعت الشمس، فيجب عليه القضاء – وهذا مذهب جمهور العلماء. واختار شيخ الإسلام وهو مذهب إسحاق ومجاهد والحسن كما تقدم:ذهبوا إلى أنه لا يفطر بذلك.
стр. 1617
واستدلوا:بحديث أسماء بنت أبي بكر قالت: (أفطرنا يوماً من رمضان في غيم على عهد النبي ﷺ ثم طلعت الشمس) فسئل هشام " وهو راوي الحديث عن أمه عن أسماء " سئل: (أقضوا فقال " بدُ من قضاء " أي لابد من القضاء) ، وهذا ليس من روايته بل من رأيه، بدليل ما ذكره البخاري في صحيحه قال: (قال معمر:سألت هشام أقضوا أم لا؟ فقال:لا أدري) فدل على أنه ليس عنده رواية ونقل في هذا الباب بل قال ذلك عن اجتهاده وحينئذ فإن هذا الحديث ليس فيه أن النبي ﷺ ﷺ أمرهم بالقضاء، ولو كان ثمت أمر من النبي ﷺ لكان أولى بالنقل من مجرد فعلهم، فأسماء ﵂ لو كان عندها أن النبي ﷺ قد أمر بالقضاء، لكان أخبارها بذلك أولى من أن تخبر عن فطرهم في يوم غيم ثم طلعت الشمس فإن هذا خبر يقع في عصرهم وفي غيره، وحيث لم تخبر أن النبي ﷺ أمر بالقضاء مع أن الهمة متوافرة لنقله فذلك يدل على عدم ثبوته عن النبي ﷺ ولأنه جاهل في الوقت فأشبه الجاهل في الحكم، فإنه قد فعل المفطر من غير تعمد منه، بل هو قد ظن تمام صومه فأفطر، وقد اتقى الله ما استطاع لكن إذا طلعت الشمس فيجب عليه الإمساك، لثبوت اليوم ولقوله ﷺ في الناسي إذا أكل قال: (فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) .
مسألة:من فعل مفطراً عمداً كالاستيقاء عمداً ونحو ذلك، فهل يمسك بقية يومه أم لا؟ (انظر لزاماً الدرس التالي فإنه – حفظه الله – قد رجح وجوب الإمساك عليه) يجب عليه القضاء كما هو مذهب جمهور العلماء.
стр. 1618
الظاهر:أنه لا يجب عليه الإمساك لأن القاعدة عدم الجمع بين القضاء والإمساك ففيه نوع عذاب، فلا يظهر أنه يؤمر بالإمساك بل قد يكون إمساكه وهو فعل هذا المفطر متعمداً يكون مخففاً للمعصية في نفسه، وحيث لم يؤمر بالإمساك فإن ذلك أعظم في نفسه وأردع من أن يتعاطى شيئاً من المفطرات، لكن مع ذلك لا يجوز له أن يأكل علانية لئلا يتهم في دينه. (انظر الدرس الذي بعده فقد رجح خلاف ذلك) .
مسألة:
رجل يأكل أو شرب ناسياً أو جاهلاً فهل تبين له ذلك أم يترك ويقال:قد أطعمه الله وسقاه؟
وجهان في مذهب الإمام أحمد:
الوجه الأول:أنه يترك فإن هذا رزق من الله ساقه إليه فلا يمنع منه.
الوجه الثاني:أنه ينكر وهذا أظهر، لوجوب إنكار المنكر، ومعلوم أن من تعاطى محرماً وهو يظنه حلالاً فهو رزق قد ساقه الله إليه لأنه جاهل بالحكم الشرعي ومع ذلك لا شك أنه تبين له أنه حرام فهذا واجبنا من الإنكار على أنه لا يقطع أن يكون ناسياً فقد يكون فعله متعمداً ولا شك من وجوب الإنكار على المتعمد.
فأصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو وجوب الإنكار عليه.
والحمد لله رب العالمين.
فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن جامع في نهار رمضان ..... فعليه القضاء والكفارة)
стр. 1619
لقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ فهذا يدل أن الجماع نهار رمضان مفسد للصوم، وهذا بإجماع العلماء سواء كان الجماع فيه إنزال أو لم يكن إنزال، وقد قال الله تعالى:في الحديث القدسي: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) شهوته أي الجماع ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال:يا رسول الله هلكت وفي رواية: (احترقت) فقال:وما أهلكك فقال:وقعت على امرأتي في رمضان فقال النبي ﷺ :هل تجد ما تعتق رقبة فقال:لا قال:فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين فقال:لا فقال:وهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً قال:لا، ثم جلس الرجل ثم أتى النبي ﷺ بعرق من تمر فقال:تصدق بهذا فقال:وعلى أفقر منا يا رسول الله، فو الله ما بين أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال:أطعمه أهلك) .
قال: (في قبل)
أي في قبل لامرأة سواء كانت أجنيه عنه أو زوجة له أما الزوجة فقد تقدم الحديث المتفق عليه وأم الأجنبية فهي أولى لأن ذلك محرم، ولأن هذا الجماع المحرم فيه ما في الجماع المباح من شهوة، فلا فارق بينهما، بل هو أولى تحريم الشارع له.
قالوا:ولو كان في بهيمة لأنه وطء مفسد للصوم وقال أبو الخطاب من الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد أنه يفسد الصوم لكن لا يجب فيه الكفارة – وهذا أظهر، لأنه قياس مع الفارق، فإن هذا جماع قد أباحه الله تعالى، وهو موافق لطبيعة الإنسان مما جعله الله محلاً للحرث والنسل والشهوة، وأما هذا فهو شذوذ وليس بمساو للجماع الذي يكون للآدمية، فمع إفساد للصوم فإنه لا يوجب الكفارة.
قال: (أو دبر)
إذا جامع الرجل زوجته في دبرها فقد فسد صومه ويجب عليه الكفارة في المشهور من مذهب أحمد ومذهب الشافعي ومالك.
стр. 1620
قالوا:لأنه وطء محرم مفسد للصوم فأشبه الجماع من القبل وذهب الأحناف ووجه ذلك صاحب الفروع إلى أنه وأن أفسد الصوم فإنه لا يوجب الكفارة. قالوا:لثبوت الفارق بين الجماع من الدبر والجماع من القبل في أحكام كثيرة فمن ذلك:ثبوت الإحصان فهو في الجماع من الدبر وهو ثابت في الجماع من القبل، ولأن الشهوة لا تتم به وإنما هو على وجه الشذوذ بمخالفة الفطرة – وهذا القول أظهر – فهو مفسد للصوم لكنه لا يوجب الكفارة للفارق بينه وبين الجماع من القبل، فليس بمنصوص عليه، وليس بمعنى المنصوص والأصل هو عدم وجوب الكفارة فلم يثبت بدليل من كتاب الله أو سنة نبيه أو قياس، وهنا لم يثبت في الكتاب والسنة وليس القياس صحيحاً لوجود الفارق بينهما. والله أعلم.
قال: (فعليه القضاء)
هذا هو المشهور عن الحنابلة وغيرهم من أهل العلم أن من جامع في نهار رمضان فإنه يجب عليه القضاء وقد ورد مصرحاً به في رواية أبي داود في حديث المجامع امرأته في نهار رمضان وفيه أن النبي ﷺ قال: (صم يوماً مكانه) والحديث قد صححه الحافظ ابن حجر – وسيأتي البحث في هذه المسألة – عند الكلام على القضاء فيمن فعل مفطراً عمداً بلا عذر وقد ذهب جماهير العلماء إلى وجوب القضاء عليه، وقد ورد هنا هذا الحديث الذي له طرق كثيرة يشد بعضها بعضاً، وقد صححه الحافظ.
قال: (والكفارة)
ودليل وجوبها الحديث المتفق عليه المتقدم، فقد أوجب ﷺ على المجامع في نهار رمضان الكفارة وهي عتق رقبه فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
قال: (وإن جامع دون الفرج فأنزل)
إذا باشر الرجل امرأته وأنزل، فلا يجب عليه الكفارة، كما أنه قد فعل مفسداً من مفسدات الصوم فمع فعل هذه المفسد ويجب عليه القضاء في مذهب الجمهور فإن الكفارة لا تجب عليه.
стр. 1621
قالوا:لأن الوارد إنما هو فيمن جامع امرأته من فرجها ولا نص من كتاب ولا سنة ولا قياس يدل على أن المباشرة لامرأته المنزل يجب عليه الكفارة، فإن هناك فارقاً بين الجماع وبين المباشرة
وأن كان فيها إنزال فإن الجماع أبلغ فيها وأتم في الشهوة، ولذلك وجبت الكفارة بمجرد الجماع وأن لم ينزل بخلاف المباشرة فإنها بالاتفاق لا تجب الكفارة مع عدم الإنزال بل لا يفطر الصائم كما تقدم، وحيث ثبت الفارق فلا يصح القياس وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو أن المباشر إذا أنزل فإنه يفسد صومه ولا تجب عليه الكفارة لأن الشارع لم ينص على ذلك ولأن ذلك ليس بمعنى المنصوص والأصل هو عدم الكفارة إلا بدليل أو بتعليل صحيح.
قال: (أو كانت المرأة معذورة)
بأن كانت ناسية أو جاهلة أو مكرهة فلا يجب عليها الكفارة لأن الشارع قد عذر بالنسيان والإكراه وظاهره أن الرجل يجب عليه وأن كان معذوراً، فلو أن رجلاً جامع امرأته في نهار رمضان ناسياً ومكرهاً أو جاهلاً فإن الكفارة تثبت عليه – وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة – ففرقوا بين الآكل والشارب، وبين المجامع أن المجامع في نهار رمضان يثبت عليه الكفارة ويبطل صومه وإن كان ناسياً أو مكرهاً. وأما الآكل أو الشارب فإذا كان ناسياً أو مكرهاً فلا يجب عليه قضاء ولا كفارة، وأما الجهل فقد تقدم البحث فيه وإن الحنابلة لا يرون العذر بالجهل بالآكل والشرب، فأولى من ذلك ألا يرونه في الجماع.
стр. 1622
واستدلوا بحديث المجامع المتقدم فيه أن النبي ﷺ أمره بالكفارة، وأمره بالقضاء في رواية أبي داود المتقدمة ولم يستفصل النبي ﷺ أهو ناسي أم ذاكر أهو مكره أم لا، أهو جاهل أم عالم وترك الاستفصال في مقام الاحتمال لترك منزلة العموم في المقال – وهذا ضعيف – ولذا ذهب جمهور العلماء إلى العذر بالنسيان والإكراه في هذا الباب وأما الجهل فكما تقدم ترجيح المسألة لشيخ الإسلام وهن كذلك ولذا يرى شيخ الإسلام يرى العذر في هذه المسألة بالجهل والنسيان والإكراه.
قالوا:لأن قصة الرجل المتقدمة – قوله: (هلكت) ونحو ذلك يدل على أنه لم يقع ذلك منه على سبيل النسيان أو إكراه أو جهل وإنما وقع ذلك على سبيل العلم والاختيار وإلا لما قال ذلك.
قالوا:ولأن الأصل هو عدم النسيان وعدم الإكراه وعدم الجهل فالأصل في الفاعل للشيء أن يكون قد فعله عن علو واختيار وذكر فالحكم قد أنزل على الأصل، ويؤيد هذا ما تقدم من سياق الحديث وأن ظاهر ذلك أنه فعله مختاراً ذاكراً وما ذكروه هو الأرجح، ودليلهم بعد أن أجابوا عن
دليل الحنابلة دليلهم القياس، قياس المجامع على الآكل والشارب مع عدم تعمد واختيار والمفسد وما ذهب إليه جمهور العلماء واختيار شيخ الإسلام أصح في هذه المسألة وقوله: (أو كانت المرأة معذورة) ظاهره أنها أن لم تكن معذورة بأن كانت مختارة لذلك، فإنه يجب عليها الكفارة كما تجب على الزوج – هذا هو ظاهر قول المؤلف وهو المشهور في مذهب أحمد وهو قول جمهور العلماء -.
قالوا:لأن الأصل أن ما ثبت في حق الرجل فهو ثابت في حق النساء وكلهم مكلفون بحدود الشريعة من حدود أو كفارات أو أحكام أو غير ذلك، ولأن الكفارات لا يتشارك فيها، فإن الكفارة تتوجه إلى شخص ما من غير أن يكون فيها شيء من التشارك والتداخل.
وذهب الشافعي في أحد قوليه وهو رواية عن الإمام أحمد أن الواجب عليها كفارة واحدة.
стр. 1623
واستدل:بأن النبي ﷺ – في حديث المجامع امرأته – لم يأمره أن يأمر زوجته أن تكفر قالوا:فدل ذلك على أنه لا يكون ذلك عليها – وهذا الاستدلال ضعيف النظر فإن السؤال إنما صدر عن السؤال في نفسه فليس من الواجب أن يجاب فمن لم يصدر السؤال عنه، وفي حكم النبي ﷺ إشارة إلى إثبات ذلك للمرأة لما تقدم من اشتراك النساء مع الرجال في الأحكام الشرعية من حدود ونحو ذلك فإن هذا مقرر معلوم عن الصحابة. والسؤال إنما صدر من الرجل فليس واجباً من البيان أن يذكر حكم المرأة حينئذ – على احتمال أن تكون المرأة معذورة كأن تكون قد طهرت من حيضها فجامعها أو مكرهة ونحو ذلك.
قال: (أو جامع من نوى الصوم في سفره أفطر ولا كفارة)
رجل مسافر فجامع امرأته في السفر، فإنه يكون بذلك مفطراً ولا كفارة عليه كما لو أكل أو شرب وهذا ظاهر فيما لو فعل ذلك بغير نية الفطر كأن يكون جاهلاً بجواز الفطر في السفر فجامع امرأته لا يظن إلا أنه قد خالف أمر الله معتقداً أنه فاعل مفسداً من مفسدات الصوم فهنا لا يتوجه القول بما ذكر المؤلف هنا، بل الأظهر أنه يجب عليه الكفارة – ذلك لأنه لا فرق بين الصوم في السفر والصوم في الحضر إلا بجواز الفطر، وأما أن فرق بينهما بما يترتب على فعل المفطرات فلا، وهذا رواية عن الإمام، وصاحب الفروع أي أنه عليه الكفارة.
قال: (وأن جامع في يومين أو كرر في يوم ولم يكفر فكفارة ثانية) .
إذا كرر الجماع فله حالتان، ولكل حالة صورتان.
الحالة الأولى:أن يكون الجماع في يومين فأكثر بمعنى يجامعها في اليوم ثم يجامعها في اليوم الآخر وهكذا.
الحالة الثانية:أن يكون الجماع في يوم واحد.
وأما الصورتان فيهما.
أ – أن يكون الجماع الثاني بعد الكفارة من الجماع الأول سواء.
ب- يوم واحد أو يومين فتكون الصور أربع صور.
стр. 1624
أما الصورة الأولى:وهي أن يجامع في يوم واحد يكرر جماعه لامرأته من غير أن يكفر فإن عليه كفارة واحدة لا خلاف بين أهل العلم في ذلك – وهذا ظاهر فإن اليوم المفسد يوم واحد، فهو إنما انتهك حرمة هذا اليوم فكان الواحد عليه كفارة واحدة.
أما الصورة الثانية:أن يجامع امرأته في يوم ثم يكفر ثم يجامعها في يوم أخر، فهنا أيضاً لا إشكال ولا خلاف بين أهل العلم بأنه يجب عليه في هذا اليوم الثاني كفارة أخرى لأن كل يوم عبادة مستقلة بنفسها وقد سبق لليوم الأول كفارة وكان الواجب لليوم الثاني كفارته.
والصورة الثالثة:أن يجامعها في يوم من أيام رمضان ولم يكفر ثم يجامعها في يوم أخر فهل يكتفي بكفارة واحدة؟
جمهور العلماء أنه لا يكفي بكفارة واحدة وهذا الظاهر لأن كل من هذين اليومين عبادة مستقلة قد انتهكت حرمته من هذا المجامع بالجماع فوجب عليه الكفارة.
أما الصورة الرابعة:فهي أن يجامع المرأة ثم يكفر في أول النهار ثم يقع فيه جماع في آخر النهار. فهذا اختلف فيه أهل العلم على قولين:
المشهور في المذهب أنه يجب عليه كفارة ثانية.
قالوا:لأنه يجب عليه الإمساك بعد جماعه الأول وحيث وجب عليه الإمساك فكان فعله هذا محرماً فأشبه الجماع الأول فيجب فيه كفارة أخرى. فهم قد استدلوا بالإمساك على وجوب الكفارة
стр. 1625
وقال جمهور العلماء بل لا يجب عليه كفارة أخرى ذلك لأن اليوم المتبقي وإن كان واجباً فيه الإمساك عليه ليس كأول اليوم الذي وقع فيه الجماع الأول فإن بينهما فارقاً والفارق أن الجماع الأول افسد الصوم وأما الجماع الثاني فإنه ليس هو المفسد للصوم لأنه إنما يجب عليه الإمساك مع وجوب القضاء فهذا الصوم ليس كالصوم المتقدم المقر به الذي لا يجب فيه قضاء وما ذهب إليه جمهور العلماء أصح لأن القياس مع الفارق ليس بصحيح فالقياس هنا مع الفارق، فهما مشتركان بالتحريم لكنهما ليس بدرجة واحدة، فالجماع الثاني جماع ليس بمفسد للصوم والأول مفسد له.
مسألة:
ما ذكره الفقهاء من أن من جامع امرأته يجب عليه الإمساك هذا هو مذهب جمهور العلماء، وذكر الموفق وأنه لا خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة إلا ما حكى عن عطاء في مسألة يمكن تخريج هذه المسألة عليها، وذكر أنه قول شاذ لا يخرج عليه لكن ذكر بعض الحنابلة رواية عن الإمام أحمد في هذه المسألة وهذه المسألة هي أن من أفطر في رمضان فيجب عليه الإمساك.
قال الموفق بغير خلاف بين أهل العلم إلا ما يثبت إلى عطاء في مسألة يمكن أن تخرج هذه المسألة عليها ... وذكر بعض الحنابلة عن الإمام أحمد رواية أن من أفطر بلا عذر فإنه لا يجب عليه الإمساك وما ذكره جمهور العلماء يتوجه فيما يظهر لي، ذلك لأن هذا اليوم واجب عليه أن يمسكه من أوله إلى آخره، وحيث فعل ذلك في أوله فإنه ليس بمعذور في آخره وإن كان الصوم فاسداً ويجب عليه القضاء.
إذن:من أفطر فلا عذر فيجب عليه الإمساك بالاتفاق إلا ما حكى عن الإمام أحمد في رواية عنه ذكرها بعض الحنابلة، وأيضاً تخرج هذه المسألة على قول عطاء كما تقدم.
إذن:الرجل إذا جامع في أول النهار فكفر فيجب عليه الإمساك بعد ذلك فإن جامع مرة أخرى فلا كفارة عليه - كما تقدم -.
قال: (وكذلك من لزمه الإمساك إذا جامع)
стр. 1626
رجل يجب عليه أن يمسك فجامع فيجب عليه الكفارة إذا قامت النية نهاراً فيجب الإمساك، ويجب القضاء - في المشهور من المذهب – وتقدم أن القضاء ليس بواجب في الأصح فإذا جامع فيجب عليه الكفارة أما على ما ذكره الحنابلة فهو مخرج على المسألة السابقة وأما على الراجح فإنه لا
إشكال في هذا فإنه يوم يعيد به ولا قضاء منه فأشبه اليوم الذي قد ثبت بنية ليلاً لكن ظاهر كلام المؤلف أن الرجل إذا قدم من سفر مفطراً فجامع امرأته فإنه يجب عليه الكفارة وهذا ضعيف وقد نص الإمام أحمد على أن هذا لا يجب عليه الكفارة خلافاً لما ذكره المؤلف هنا على أنه قد تقدم أنه لا يجب عليه الإمساك لأنه قد أفطر في أول النهار معذوراً فلا يجب عليه الإمساك في يومه – وحيث جامع فلا يؤثر ذلك في صومه. فإطلاق المؤلف فيه نظر. أما إذا كان يجب عليه الإمساك حيث أفطر في أول النهار فلا عذر أو يثبت النية نهاراً فهذا لا إشكال فيه كما تقدم وإنما الإشكال حيث كان مفطراً في أول النهار ثم جامع في آخره وقد زال عنه العذر فإن هذا ضعيف لأن الإمساك لا يجب في الأصح، وإن قلنا بوجوبه فإنه مع وجوب القضاء مثلاً يشبه اليوم الذي لا يجب القضاء فيه وهو معتد به.
قال: (ومن جامع وهو معافى ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط)
رجل جامع امرأته في أول النهار وهو مكلف ثم كان فيه إن زال تكليفه أما بأنه بجنون أو وقع وطرأ له عذر كالسفر فهل يثبت عليه الكفارة؟
قال المؤلف هنا:يجب عليه الكفارة ولم تسقط – وهذا ظاهر بأن الكفارة قد استقرت في ذمته وقد يؤخر شرطها فهو مكلف فرض عليه الصوم محرم عليه الجماع مفسد لصومه فتعلقت الكفارة في ذمته وتعلق به الإثم وأما كونه مسافر بعد ذلك أو يصاب بمرض فإن ذلك قد طرأ وحيث كان طارئاً فإنه لا يؤثر على ما ثبت أصلاً.
стр. 1627
فالعبرة إذن:أنه أثناء الفعل، فإن كان مكلفاً مقيماً فإن جامع فعليه الكفارة والآثم فإن طرأ عليه العذر بعد ذلك فلا يؤثر فقد استقرت الكفارة في ذمته.
قال: (ولا يجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان)
رجل جامع امرأته في صيام نذر واجب، أو في صيام قضاء لرمضان أو في صوم تطوع فلا يجب الكفارة وذلك لأن النص إنما ورد في الجماع في رمضان، فلا يقاس عليه الجماع للفارق فإن المعنى الثابت في رمضان والحرمة الثابتة فيه ليس كالثابتة في غيره، فكونه يفطر في يوم صامه بعذر ليس ذلك متشبهاً لكونه مفطر في نهار رمضان الذي هو الأصل في الصيام – وهذا مذهب جمهور العلماء لأن انفي إنما ورد بالجماع في نهار رمضان وغيره ليس بمعناه.
قال: (وهي عتق رقبه) .
عتق رقبه مؤمنة سليمة من العيوب للحديث المتقدم:وهو قوله ﷺ : (هل ما تعتق رقبه) وقد مثبت في القرآن في باب أخر بعتق رقبه مؤمنة.
قال: (فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين)
فإن لم يجد مالا يشتري به رقبه فإنه يصوم شهرين متتابعين.
قال: (فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً)
فإن لم يستطع الصيام فإنه يطعم ستين مسكيناً، كل مسكين مداً من حنطة أو نصف صاع من غيره، أو يصنع طعاماً فيطعمه لهم وهذه الواجبات إنما هي على الترتيب على التخيير، فإذا قدر على العتق فلا يجوز له الصيام، وإذا عجز عن العتق وقدر على الصيام فلا يجوز له الإطعام، وذلك لأن النبي ﷺ قدر فيها على المجامع امرأته – كما تقدم في الحديث المتفق عليه – وهو مذهب جمهور العلماء.
قال: (فإن لم يجد سقطت)
فإن لم يجد مالاً يعتق به رقبه ولم يجد مالاً يطعم به ستين مسكيناً فإن الكفارة تسقط عنه مع عدم استطاعته لصيام شهرين متتابعين، فإذا عجز عن الكفارة كلها فإنها تسقط عنه ولا تتعلق بذمته إلى ألقى خلافاً للمسألة المتقدمة في الكفارة عن الحامل والمرضع.
стр. 1628
قالوا:لأن النبي ﷺ لم يعلقها في ذمة المجامع فلم يقل له:يجب عليك أن تفعل شيئاً من هذا الثلاث على الترتيب حيث استطعت وحيث لم يبين له النبي ﷺ ذلك فإنه يدل على عدم الإيجاب لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وعن الإمام أحمد أنها لا تسقط قياساً على سائر الكفارات كما تقدم في كفارة المرضع والحامل.
والصحيح:أن سائر الكفارات تسقط كهذه الكفارة حيث عجز عنها.
والحمد لله رب العالمين.
----------- الدروس ١٦٠، ١٦١، ١٦٢ غير موجودة -----------------
تقدم أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المساجد وإن أصح أقوال العلماء في هذه المسألة صحة الاعتكاف في كل مسجد جماعة.
واعلم أن كل موضع يثبت أنه من المسجد فيصح الاعتكاف به كسطح المسجد ومنارته ورحبته وغير ذلك مما يتصل بالمسجد مما هو يتبع له والمشهور في المذهب أن المرأة إذا حاضت فيجوز لها أن تعتكف في رحبته وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز لها ذلك بل تخرج من المسجد إلى بيتها، وهذا هو الأصح وذلك لأن رحبة المسجد منه، والحائض لا يجوز لها المكث في المسجد.
أما المستحاضة فإنه يجوز لها الاعتكاف كالصلاة.
أما الحائض، فإذا حاضت فيجب خروجها من المسجد لقوله ﷺ : (ويعتزل الحيَّض المسجد) ويدخل في ذلك كل ما يتصل بالمسجد من سطح ورحبة ومنارة وغرف تفتح أبوابها إلى المسجد ونحو ذلك مما هو من المسجد.
قال: (ومن ينو زمناً معيناً دخل معتكفه قبل الليلة الأولى وخرج بعد آخره)
هذه مسألة في النذر في باب الاعتكاف، من نذر نذراً معيناً فإنه يجب عليه أن يدخل من أوله ويخرج من آخره.
فإذا نذر أن يعتكف شهر رمضان فيجب عليه أن يدخل قبيل غروب الشمس من الليلة الأولى من رمضان، ويخرج إذا غربت الشمس من اليوم الأخير من شهر رمضان.
стр. 1629
ومن نذر أن يعتكف نهاراً فيجب أن يدخل قبل طلوع الفجر الصادق ويخرج إذا غربت الشمس وذلك لأن الواجب عليه بالنذر أن يوقعه على من نذره، ولا شك أن الليلة تدخل في اليوم، فأول ليلة من رمضان داخلة في الشهر – بخلاف ليلة العيد فليست من شهر رمضان – وهذا باتفاق العلماء.
أما إن كان الاعتكاف تطوعاً فهنا روايتان عن الإمام أحمد في أول وقته:
الرواية الأولى:أنه يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين أي يدخل في آخر نهار عشرين.
قالوا لأن الاعتكاف إنما هو للعشر الليالي، بدليل أن الروايات عن النبي ﷺ تقول:اعتكف العشر.
القول الثاني:أنه لا يدخل إلا بعد صلاة الفجر، وهو قول إسحاق والليث والأوزاعي وابن المنذر، واستدلوا:
بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ : (كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه) من حديث عائشة.
قالوا:وإنما كان النبي ﷺ يعتكف تطوعاً فكان إذا صلى الصبح دخل معتكفه.
وظاهر هذه الرواية أن ذلك من صبيحة إحدى وعشرين.
لكن قال القاضي من الحنابلة:ويحتمل أن يكون يوم عشرين أي في صبيحة يوم عشرين – وهذا في نظري – أصح.
ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (اعتكفت مع النبي ﷺ العشر الأوسط من رمضان، وهكذا كان النبي ﷺ يعتكف أولاً العشر الأوسط يلتمس ليلة القدر حتى تبين له أنها من العشر الأواخر)
فخرجنا صبيحة عشرين فخطبنا النبي ﷺ صبيحة عشرين فقال: (إني أريت ليلة القدر وإني أنسيتها ... ...) الحديث وفيه أن النبي ﷺ قال:من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، قال أبو سعيد: (فدخل الناس في المسجد)
стр. 1630
وظاهر ذلك أن دخولهم كان صبيحة عشرين لما خطبهم النبي ﷺ وهذا هو الأليق لتدخل ليلة إحدى وعشرين، فإن ليلة إحدى وعشرين التي هي مقصودة في الاعتكاف – لا تدخل في اعتكافه – ولا يصح حينئذٍ أن يكون اعتكف العشر الأواخر لأنه لم يعتكف الليلة الأولى.
فعلى ذلك تكون المسألة:يجوز له أن يعتكف قبل غروب الشمس، فيدخل ليلة إحدى وعشرين في اعتكافه، فإن اعتكف بعد صلاة الصبح من يوم عشرين فهو أفضل، وذلك ليتهيأ للاعتكاف لقيام هذه الليلة التي هي من ليالي العشر ويحتمل أن تكون ليلة القدر كما تقدم في حديث أبي سعيد المتفق عليه – هذا هو الراجح – أن المستحب له أن يدخل صبيحة عشرين كما عليه حديث أبي سعيد وذكره القاضي احتمالاً، فإن لم يدخل إلا قبيل غروب الشمس فلا بأس، أما إن لم يدخل إلا صبيحة إحدى وعشرين فإن ليلة إحدى وعشرين لا تدخل في اعتكافه وإن كان اعتكافه صحيحاً لما بعدها من الليالي لكن ليلة إحدى وعشرين لا تكون من اعتكافه.
قال: (ولم يخرج المعتكف إلا لما لابد منه)
لحاجة الإنسان من بول أو غائط، طعاماً يطعمه في المسجد أو من يحضر له الطعام فيخرج ليطعم في بيته، أو أن يحتاج إلى الخروج من المسجد لمرض أو أن يتعين عليه الشهادة في ذلك اليوم لإنقاذ مسلم من هلكة أو لأداء صلاة الجمعة وكل ذلك مما لان كله منه، أي كل واجب وما لا يمكن له أن يستغني عنه من طعام وشراب وحاجة ونحو ذلك فإنه يخرج – هذا ما لم يكن هناك مبدوحة – وذلك أما إذا كانت هناك مبدوحة كأن يؤتى بالطعام إليه في المسجد، أو يكون في نواحي المسجد ما يقضي فيه حاجته أو أن يكون غيره يشهد لحق هذا المسلم أو من ينقذ الغريق غيره أو من يقوم بأمر الجنائز غيره ونحو ذلك فإنه لا يجوز له الخروج.
ودليل ذلك:ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي ﷺ : (كان إذا اعتكف يبدي له رأسه فترجله ولم يكن يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)
стр. 1631
وتقدم حديثها الذي تقدم ترجيح وقفه، وفيه: (ولا يخرج إلا لما لابد له منه) مما لابد له منه فيجوز أن يخرج له وهذا بإجماع العلماء السنة تدل على ذلك فقد تقدم أن النبي ﷺ كان يخرج لحاجة الإنسان.
أما إذا كان الأمر منه بدّ وله مندوحة عنه فإنه إن خرج له بطل اعتكافه، كأن يخرج إلى البيت لطعام وهو يمكن أن يحضر له في المسجد أو خرج لمبيت فإنه يبطل اعتكافه.
فإن كان الاعتكاف نذراً فإنه يفسد اعتكافه فيجب عليه القضاء \ن وإن كان تطوعاً فإنه يستأنفه بنيةٍ جديدة ويفوته من الأجر بقدر ما خرجه وقد تقدم أن الاعتكاف يثبت مسماه ولو لساعة من ليل أو بنهار.
أما إذا كان الاعتكاف نذراً فخرج لما له بد فإنه يفسد اعتكافه لأن هذا منهي عنه في الاعتكاف مفسد له، بدليل ما تقدم من قول عائشة: (إلا لما لابدّ له منه) ومفهوم المخالفة فيه أنه خرج لما له منه بدّ فإنه يبطل اعتكافه.
قال: (ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة)
لقول عائشة في الأثر المتقدم فيما يكون من السنة على المعتكف قالت: (ولا يعود مريضاً) ومثل ذلك شهادة الجنازة ونحو ذلك من الأفعال الصالحة، فهي وإن كانت أفعالاً صالحة لكن فعلها خارج المسجد يبطل الاعتكاف لأن الاعتكاف حقيقته لزوم المسجد وحيث خرج منه بلا ضرورة
فإن ذلك يبطل اعتكافه ولو كان هذا الخروج مستحباً، بل ولو كان خروجه أفضل من اعتكافه وكما تقدم، فإن كان الاعتكاف نذراً فيجب عليه القضاء، وإن كان تطوعاً فإنه يستأنف نيته.
قال: (إلا أن يشترطه)
أي من نذر الاعتكاف أو أراد أن يتطوع به، فنوى المتطوع في قلبه أو تلفظ بالنذر فقال:" لله عليَّ أن أعتكف عشرة أيام بشرط أن أخرج لعيادة المريض أو اتباع الجنائز أو نحو ذلك من الشروط "
فهل يجزئ ذلك ويصح الاشتراط؟
قال الحنابلة يصح الاشتراط، وقيل ذلك في الاعتكاف التطوعي فلو اشترط عيادة المريض ونحو ذلك فإنه يصح.
стр. 1632
قالوا:مثل ذلك:لو اشترط ما له منه بدّ وليس قربة كأن يشترط مبيتاً في بيته أو يشترط أن يطعم في بيته ثم يعود إلى المسجد فإذا اشترط ما له منه بدّ مما يحتاجه ولا ينافي الاعتكاف كتجارة أو نحو ذلك فإن هذا الاشتراط لا يجوز لأنه ينافي الاعتكاف.
وخالف من الحنابلة ابن عقيل والمجد بن تيمية، وهو رواية عن الإمام أحمد في مسألة اشتراط ما له منه بدّ مما ليس قربة، كأن يشترط طعاماً أو مبيتاً في البيت.
قالوا:إن اشترط ذلك فإنه لا يصح وأولى منه قالوا:شرط لخروج لتجارة ونحوها، قالوا:لأن ذلك ينافي الاعتكاف فإنه خرج من المعتكف على غير ولغير عيادة أو شهادة لأن العبادة في الأصل لا تنافي الاعتكاف فكلاهما عبادة لله .
قالوا:بخلاف هذا الأمر الدنيوي الذي له منه بدّ ومع ذلك اشترطه فإن ذلك ينافي الاعتكاف فلا يصح ذلك.
وذهب الإمام مالك إلى أن الاشتراط من أصله لا يصح، لأن حقيقة الاعتكاف هي لزوم الشيء ولا اشتراط فيه يقتضي الخروج من هذا الالتزام في هذا الموضع، فحينئذٍ لا يصح الاشتراط مطلقاً والذي يظهر لي في هذه المسألة:
أما إن طرأ له طارئ من مرض أو خوف أو نحو ذلك فإنه لا يعتكف كأن ينذر رجل أن يعتكف شهراً في المسجد الحرام إلا أن يعوقني مرض أو يحدث خوف على الناس فإن هذا الاشتراط يصح لقوله
стр. 1633
صلى الله عليه وسلم بضُاعة بنت الزبير قال لها: (اشترطي على ربك فإن لك على ربك ما استثنى) أما أن اشترط أمر من الأمور التي تنافي الاعتكاف منافاة ظاهرة كما يكون ذلك في أمور التجارة ونحو ذلك، فإن القول بعدم جواز الاشتراط ظاهر كما تقدم، ولعله اتفاق بين أهل العلم فلم أر فيه بينهم اختلافاً. وأما اشتراط القربة أو ماله منه بد كميت ونحو ذلك فالذي يظهر لي جوازه أيضاً وذلك لأن غاية الأمر في الناذر أن نذره وقع على هذه مثلاً (نذر أن اعتكف لله اليوم تاماً سوى ما بين الظهر والعصر، ومثل هذا ليس بمؤثر، لاسيما على القول بصحة الاعتكاف ولو ساعة فإن نيته أو لفظه في النذر لم يدخل فيه ما بين الظهر والعصر ويصح الاكتفاء بالنذر ما قبل الظهر وتصح أيضاً ما بعد العصر، فغاية الأمر في نذره أنه كأنه يقول:نذرت لله أن اعتكف من هذا اليوم سوى كذا وكذا وهذا ليس بمؤثر فيه ومثل ذلك التطوع بل أولى منه. فالذي يظهر لي والله أعلم صحة الاشتراط مطلقاً كما ذهب إليه الحنابلة إذ لا دليل يمنع من ذلك، والاعتكاف مسماه الساعة ونحوها بنية الاعتكاف، ومثل هذا يثبت فيه هذا المعنى فلا يظهر لي مانع بل لو رأيت خلافاً بين أهل العلم فيما لو اشترط خروجاً لتجارة ونحوها فلا يظهر لي أن هناك فارق، وأنه لا بأس له أن يشترط تجارة أو عملاً أو وظيفة أو نحو ذلك يخرج إليها، وذلك أن هذه الأعمال وأن نافت الاعتكاف منافاة ظاهرة في المسجد لأن المسجد ليس محلاً للتكسب والعمل ومن هنا أجمع العلماء على تحريم التكسب والتجارة للمعتكف في المسجد فإنها ليست منافية بخروجه من المسجد وهو بمجرد خروجه يكون قد انقطع اعتكافه.
قال: (وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه)
стр. 1634
لا يجوز بإجماع العلماء الجماع للمعتكف، فإن فعل فسد اعتكافه قال تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ وفي أثر عائشة المتقدم: (ولا يمس امرأة ولا يباشرها) ومثل ذلك لو باشرها بإنزال فإنه بمعنى الجماع في إفساد الاعتكاف كما هو في معناه في إفساد الصوم وبه تكون الشهوة تامة ولكن اختلف أهل العلم فيما يفعله المعتكف فيما هو محرم عليه كأن يقبل امرأة أو يباشرها بلا إنزال، فإن هذا يحرم على المعتكف.
واستدلوا:بأثر عائشة وفيه: (ولا يمس امرأة ولا يباشرها) وإذا فسر المس بالجماع فإن المباشرة هي ما دونه، وإذا فسرت المباشرة بالجماع فإن المس فيما دونه لأن الأصل في العطف
هو التقارب وأن كان كلاهما يطلق على الجماع، كما أنه يطلق على مادون الجماع، فلما جمع بينهماهنا، دل على أن المراد الجماع ومقدماته أي لا يجوز للمعتكف أن يجامع ولا أن يفعل ما هو من مقدماته من جماع أو قبلة أو نحو ذلك. واختلف أهل العلم هل يفسد ذلك الاعتكاف أم لا؟
القول الأول:وهو مذهب الحنابلة والأحناف وأحد القولين في مذهب التناقض أنه لا يفسده.
القول الثاني وهو مذهب مالك والقول الآخر للشافعي أنه لا يفسده.
أما أهل القول الأول:فقالوا:نحن لم نقل بالإفساد به قياساً على عدم الإفساد به في الصوم، فإنه يباشر ويقبل وهو صائم فكذلك المعتكف.
وأما أهل القول الثاني فقالوا:يفسد صيامه لأنه قد فعل أمراً محرماً في الاعتكاف كما لو جامع أو أنزل.
стр. 1635
قالوا:وأما قياسهم فهو قياس مع الفارق، والفارق ظاهر، فإن قياس عدم إفساده في الاعتكاف على عدم إفساده في الصوم قياس مع الفارق وهو قياس لما به الله على ما أباحه الله فإنه قد حرم على المعتكف أن يباشر أو يقبل فمادون الإنزال والجماع وأما الصائم فلم يحرم عليه ذلك، وكونه لا يفسد الصوم فلا يعني بذلك أنه لا يفسد الاعتكاف، فإنه مباح للصائم وأما المعتكف محرم عليه ذلك ولم يتبين لي في هذه المسألة شيء، فإن ما ذكره المالكية قوي والرد على ما ذهب إليه الحنابلة وغيرهم قوي أيضاً لكن لم أر دليلاً يدل على أن ذلك مفسد حيث قياسهم على المجامع قياس مع الفارق، فإن كوننا نقيس المباشر والمقبل على المجامع الذي تمت له شهوته، وهذا غاية فعله أنه فعل مقدمات الجماع وما يكون ذريعة إلى الاعتكاف فإن هذا أيضاً قياس مع الفارق، فكلا القولين قد أوقع قياساً مع الفارق فيبقى على الأصل من أن الاعتكاف لا يفسد بذلك، إلا أن يأتي برهان قوي يدل على ذلك وهذا نوع ترحيم في هذه المسألة، وهو أننا نعود إلى الأصل، فالأصل أن الاعتكاف صحيح ولم يأت من أفسده بحجة وأن كان قد أجاب عن حجة لم تفسده سوى الأصل فإن الأصل وإن لم يستدل به هؤلاء فهو دليل قوي لهم، فهذه المسألة الذي يظهر لي البقاء على الأصل فيها وهو صحة الاعتكاف والاعتداء به حتى تبين لنا صحة دليل الإبطال.
قال: (ويستحب اشتغاله بالقرب)
стр. 1636
فيستحب أن يشتغل بالأعمال الصالحة – باتفاق العلماء – من ذكر ودعاء وقراءة للقرآن وغير ذلك من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله ، وهذا هو مقصود الاعتكاف فليس مقصود الاعتكاف أن يحبس الرجل نفسه في موضع وإنما المقصود من ذلك هو حبس النفس في هذا الموضع للإقبال على الله بالعبادة لا سيما قراءة القرآن فهي مستحبة في هذا الشهر، وهي كذلك من أفضل ما يتقرب به العبد، وإن كان اعتكافه في غير شهر رمضان، ويشتغل بذكر ودعاء فإن اشتغل بقراءة علم وحفظه ونحو ذلك فهو حسن أيضاً لكن ينبغي أن يكون له النصيب الوافر والحظ الكبير من الأعمال التي يتقرب بها لله من العبادات اللازمة التي ينتفع بها.
قال: (واجتناب ما لا يعنيه)
لأنه يشغله عن المقصود، وقد قال النبي ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه) ولا شك أنه يصد التقرب إلى الله بالعمل الصالح.
تقدم أنه مما لابد له منه الخروج لأداء صلاة الجمعة، فإذا حضرت الجمعة وهو في مسجد آخر من المساجد التي لا تقام فيها جمعة، فهل له أن يتعجل إليها أم لا؟
نص الإمام أحمد على أن له أن يتعجل إليها.
وقال بعض الحنابلة بل الأولى له أن يتعجل لأن الخروج يكون بقدر الحاجة فحينئذٍ يخرج قبيل أدائها.
وهذا الدليل من حيث الأصل له حظ من النظر ظاهر، لكن لما كان الموضع الذي يريد الذهاب إليه موضع في الحكم كالمسجد الذي هو فيه فإنه حينئذٍ لا معنى من كون ذلك خلاف الأولى، فهو إنما يذهب من مسجد إلى مسجد آخر.
ومن هنا أجاز الحنابلة وغيرهم له أن ينتقل إليه، فإذا ذهب من مسجده إلى المسجد الجامع فأحب أن يقيم فيه فلا بأس.
قالوا:لأن المسجد لا يتعين بتعينه فكذلك هنا ولأن المقصود يحصل منه، بل يحصل فيه ما هو أعظم مما لو رجع واحتاج إلى الخروج مرة أخرى، إلا أن تكون مصلحة في مسجده الأول – فإنه حينئذٍ – يعود إليه.
أما إن أتمه في المسجد الجامع فإنه لا بأس بذلك ولا حرج.
стр. 1637
مسألة:
متى يخرج من الاعتكاف؟
١- قال الحنابلة:يستحب له أن يمكث ليلة العيد في المعتكف، وهو مذهب الأحناف. لما روى سعيد ابن منصور عن إبراهيم النخعي أنه قال:كانوا يستحبون ذلك.
٢ -القول الثاني:وهو مذهب المالكية والشافعية قالوا:بل يكون بانقضاء المدة.
والذي يظهر لي أنه يخرج صبيحة ثلاثين، والدليل على ذلك ما تقدم من حديث أبي سعيد عندما اعتكف العشر الأوسط وفيه أنهم خرجوا صبيحة عشرين.
وصبيحة عشرين تقابلها ليلة ثلاثين فيمن اعتكف العشر الأواخر.
والحمد لله رب العالمين
انتهى كتاب الصيام
стр. 1638
كتاب المناسك .
المناسك: جمع منسَك ويصح: منسِك بكسر السين وهما لغتان مشهورتان.
والقراءة المشهورة لقوله تعالى: ﴿ولكل أمة جعلنا منسَكاً﴾ (١) هي بفتح السين، وقرئ بكسرها وهي من نسك وتنسك أي تَعبد، ويقال: ناسك أي عابد، وأطلقت في الغالب في الشرع على متعبدات الحج فيقال لها مناسك كما أن الغالب أن يسمى الحج نسكاً، كما أن الصلاة والزكاة نسكٌ وهكذا سائر العبادات لكن الغالب أن يطلق النسك ويراد به الحج.
قال: (الحج والعمرة)
الحَج: بفتح الحاء وكسرها، وهما قراءتان سبعيتان في قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حَِج البيت﴾ (٢) . والحج لغة: القصد، وفي الاصطلاح: قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص. " هكذا يعرفه الفقهاء "، ومعرفة حقيقة الحج تتبين وتتضح بمعرفة أحكامه ومسائله.
والعمرة في اللغة: الزيارة.
واصطلاحاً: زيارة مكة على وجه مخصوص، وكذلك فالعمرة حقيقتها الشرعية تتضح وتتبين في معرفة مسائلها وأحكامها.
قال: (واجبان)
стр. 1639
أما الحج فهو فرض بالإجماع، قال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس – وذكر فيها – حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً) (١) وقد قال عمر – كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح: (من أطاق الحج فلم يحج فسواء مات يهودياً أو نصرانياً) (٢) والأثر إليه إسناده صحيح وهذا من باب الترهيب وإلا فإن من ترك الحج على وجه التكاسل فإنه لا يكفر باتفاق العلماء إلا ما روى عن بعض السلف من تكفيرهم له، والصحيح المشهور الذي تدل عليه الأدلة الشرعية أنه لا يكفر إلا تارك الصلاة، وتقدم في حكم تارك الصلاة، وإنما يكفر من جحد وجوبه وأنكره سواء فعله أم لم يفعله وأثر عمر الذي تقدم رواه الترمذي مرفوعاً إلى النبي ﷺ بلفظ: (من ملك زاداً وراحلة فلم يحج فلا عليه مات يهودياً أو نصرانياً) (٣) لكن الحديث لا يصح مرفوعاً وإنما يصح موقوفاً على عمر.
стр. 1640
والعمرة واجبة في المشهور من مذهب الحنابلة ومذهب الشافعية سواء كانت العمرة منفردة أو كانت مع حجة سواء كان الحج تمتعاً أو قراناً. ويدل على ذلك قوله ﷺ – في مسلم -: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) (١) وثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال لعائشة – وكانت قد حجت قارنة كما هو مشهور في حجتها قال لها: (قد حللت من حجك وعمرتك) (٢) وأما إذنه لها بأن تعتمر من التنعيم فذلك تطيباً لخاطرها وليس ذلك من باب عدم إجزاء القران عن العمرة كيف وقد صرح – النبي ﷺ – بقوله: (قد حللت من حجك وعمرتك) فسألته ذلك وأعمرها أخوها عبد الرحمن وسيأتي ذكر الحديث إن شاء الله. ونص الإمام أحمد – وهو قول ابن عباس كما في مصنف ابن أبي شيبة وقول عطاء وطاووس (٣) – إلى أن وجوب العمرة إنما هو على الآفاقيين، أما أهل مكة فلا تجب عليهم العمرة وجزم شيخ الإسلام (٤) بأن أهل مكة من الصحابة لم يكونوا يعتمرون وأن ذلك لو كان ثابتاً منهم لنقل إلينا فإن الهمم تتوافر لنقل مثل ذلك. والمعنى يدل على ذلك فإن العمرة هي الزيارة، والزيارة إنما تكون لمن ليس من أهل المحل، وأهل مكة هم أهل المحل، وأهل الحرم فلم تشرع لهم العمرة ولم تجب عليهم كما أنهم يقومون بالطواف، والطواف بالبيت هو ركن العمرة الأعظم وإن كان ظاهر قول المؤلف وهو مذهب القاضي من الحنابلة (٥) وغيره أن الوجوب عام في الآفاقيين والمكيين لكن الصحيح ما تقدم وهو نص الإمام أحمد واختاره الموفق وشيخ الإسلام وغيرهم، على ما سيأتي من النقل عن شيخ الإسلام أنه لا يرى الوجوب.
стр. 1641
فالمشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية وهو وجوب العمرة واستدلوا بأدلة منها:
١- ما ثبت في مسند أحمد وسنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن عائشة أنها قالت: (يا رسول الله على النساء جهاد؟ فقال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) (١) ولفظة " على " تفيد الوجوب كما هو مقرر في أصول الفقه أي أيجب على النساء الجهاد.
٢- ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح عن أبي رَزين العُقيلى أنه قال: (يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن؟ فقال النبي ﷺ : حج عن أبيك واعتمر) (٢) وإن كان الأمر ليس للوجوب هنا، لأنه أمر بعد سؤال لكن نفي الوجوب إنما يتوجه إلى السائل فلا يجب على السائل أن يعتمر عن أبيه ولا أن يحج وإنما ذلك على وجه الاستحباب كما هو معلوم، لكن يدل ذلك على إدخال العمرة في حكم الحج، فإن هذا السائل قد سأل عن والده الكبير الذي عجز عن أداء فريضة الله فهل يجزئ عنه أن يقوم هو عنه بهذه الفريضة فأجابه – ﷺ بأمره له أن يحج عن أبيه وأن يعتمر، فيكون ذلك بياناً للفريضة الواجبة عليه.
стр. 1642
٣-وبما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن الصُبي بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب: (إني كنت أعرابياً نصرانياً فأسلمت فرأيت الحج والعمرة مكتوبين علي – وفي رواية: (مفروضين علي) – فأهللت بهما معاً فقال له: (هديت لسنة نبيك ﷺ (١) فقد أقره عمر على قوله: (مكتوبين علي) وبين أن ذلك سنة النبي ﷺ فيكون ذلك مرفوعاً وفيه – أيضاً – دليل على المسألة السابقة وأن من اعتمر مع حجه قارناً أو متمتعاً فإن ذلك يجزئه فهذا السائل رأى أن العمرة والحج مكتوبان عليه فأهل بهما معاً ورأى أنه بهذا الإهلال يجزئ ذلك عن حجه وعمرته جميعاً فقال له: (هديت لسنة نبيك ﷺ .
واستدلوا: برواية لابن خزيمة في حديث جبريل الطويل الذي سأل فيه النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان – وفيه: (وأن تحج وتعتمر) (٢) وإسناده صحيح ولا يقال هنا – فيما يظهر لي – بالشذوذ، وذلك لأن هذه اللفظة تكون تفسيرية للحج المذكور في اللفظة المتفق عليها وقد قال النبي ﷺ : (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) (٣) هذا مذهب الحنابلة والشافعية وهو مذهب أكثر العلماء واختاره البخاري في صحيحه وإسحاق وداود وغيرهم.
стр. 1643
وذهب المالكية والأحناف إلى عدم وجوب العمرة واستدلوا: بالحديث المتفق عليه من حديث طلحة في سؤال الأعرابي للنبي ﷺ عن شرائع الإسلام، وذكر فيها الحج فقال: (هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع) قالوا: فهذا يدل على أن ما سوى المذكور في هذا الحديث تطوع وليس بفريضة ومن ذلك العمرة فإنها ليست بمذكورة.
واستدلوا: بما روى الترمذي أن النبي ﷺ قيل له: (يا رسول الله: العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا وأن تعتمر خير لك) (١) .
وقد أجاب أهل القول الأول قالوا: أما الحديث الثاني فإسناده ضعيف فإن فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف الحديث.
وأما الحديث الأول: قالوا: العمرة داخلة في الحج لحديث: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) (٢) فعدم ذكر النبي ﷺ لها في حديث الأعرابي لا يدل على عدم وجوبها.
ولا يظهر لي على القول بوجوب التمتع كما سيأتي تقريره إن شاء الله (٣) – أي إشكال في ذلك، فإن الراجح مذهب ابن عباس وأن التمتع واجب، وحيث قلنا بوجوب التمتع فإنه لا إشكال في هذا الحديث؛ لأن التمتع فيه عمرة وكما تقدم فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، هذا الجواب الأول وهو جواب ظاهر بين.
والجواب الثاني: أن يقال: إن أحاديثنا التي استدللنا بها أحاديث صريحة صحيحة تدل على وجوب العمرة وأما هذا الحديث فليس بصريح، فإنه من دلالة المفهوم وحديثنا دلالته دلالة منطوق، ودلالة المنطوق مرجحة على دلالة المفهوم.
стр. 1644
فعلى ذلك الراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول. واختار شيخ الإسلام القول الثاني وهو عدم الوجوب والصحيح ما تقدم – وهو القول الأول إلا ما تقدم من استثناء المكيين.
إذن العمرة واجبة على الآفاقيين.
قال: (على المسلم)
أما الكافر بالإجماع على أنه لا يجب عليه الحج، وهذا من حيث الأداء، أما من حيث العقوبة فإنه يعاقب عليها فإنهم مخاطبون بفروع الشريعة فيؤاخذون عليها أما في الدنيا فلا يصح منهم أداؤها، وقد قال تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا إنهم كفروا بالله وبرسوله﴾ (١) فلكفرهم بالله ورسوله لم تقبل نفقاتهم والنفقة أولى بالقبول لأنها من باب النفع المتعدي فهي أولى من العبادات اللازمة ومع ذلك لم تقبل فغيرها من العبادات اللازمة أولى بعدم القبول وقد أجمع أهل العلم على أن الوجوب مختص بالمسلم على أنه يؤاخذ - أي الكافر – يوم القيامة على تركه لفروع الدين.
قال: (الحر) .
أما العبد فلا يجب عليه الحج – وهذا باتفاق العلماء – ويدل عليه ما رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي والحديث إسناده صحيح – ورجح بعض العلماء وقفه والصحيح ثبوته رفعاً ووقفاً عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى) (٢) فدل على أن حجته حيث كان رقيقاً لا تجزئ عن حجة الإسلام وحينئذ فلا تجب ولأن العبد متعلق بحق سيده، ولا شك أن الحج يطول زمانه لاسيما في الأزمنة المتقدمة فيفوت بذلك شيء كثير من حق سيده على أنه يحتاج إلى مال، والرقيق لا مال له، وتكليف السيد بأن يدفع له مالاً يحج به، فيه تكليف للسيد بما فيه مشقة ولا نفع له بذلك.
стр. 1645
قال: (المكلف)
أي البالغ العاقل، وقد تقدم الحديث الدال على ذلك: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى) وقول النبي ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة – وذكر منهم – الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق) (١)
قال: (القادر) .
القادر بماله وبدنه – وسيأتي شيء من التفصيل في هذا في موضع آخر إن شاء الله – ودليل أصل هذه المسألة قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ فدل على أن من لم يستطع إليه سبيلاً فإن الحج غير واجب عليه والأدلة العامة أيضاً تدل على ذلك كقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ (٢) ولا خلاف بين أهل العلم في هذه الشروط كما قرر ذلك الموفق في المغني وهذا الوجوب شامل للمسلم سواء كان ذكراً أم أنثى.
قال: (في عمره مرة)
فلا يجب الحج وكذلك العمرة إلا مرة واحدة في العمر؛ لما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي وأصله في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلتها لوجبت الحج مرة فما زاد فهو تطوع) (٣) ولفظه في مسلم: (لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) الحديث. فإذا حج مرة واحدة وقد توفرت فيه شروط صحة الحج على وجه الفرضية فإنه يجزئ عنه ذلك – وكذلك العمرة -.
قال: (على الفور)
فالحج يجب على الفور، فإذا بلغ فيجب عليه أن يحج فليس له أن يؤخر الحج إلا ألا يكون قادراً – هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة –
стр. 1646
واستدلوا: بما روى أبو داود من حديث ابن عباس، وفيه راوٍ ضعيف، لكن ورد من طريق آخر يتقوى به الحديث فيثبت حسنه، فالحديث وارد عند أبي داود من طريقه إلى ابن عباس وعند أحمد من طريق آخر يثبت بذلك حسن الحديث أن النبي ﷺ قال: (من أراد الحج فليتعجل) (١) ، وثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (من كُسر أو عَرَج فقد حلَّ وعليه الحج من قابل) (٢) فمن حصل له شيء من الإحصار بأن حصل له كسر أو عرج فقد حل وسقط عنه الحج تلك السنة – وسيأتي الكلام على هذه المسألة في موضعها من الفوات والإحصار – لكن الشاهد قوله: (وعليه الحج من قابل) فيجب على من حصل له شيء من الإحصار وتحلل أن يعود السنة القادمة فيحج وهذا يدل على التعجل في الحج ووجوبه على الفورية، ولا شك أن وجوبه على الفور على من لم يحج أصلاً أولى من وجوبه على من حصل له حج فيه شيء من الإحصار وللقاعدة الأصولية أن الأوامر على الفور، فالأصل في الأمر الفورية، فإذا أمر السيد عبده بأمر فالأصل أنه يجب عليه أن يفعله فوراً إلا أن يأتي دليل يدل على التراخي.
وقال الشافعية: لا يجب على الفور وإنما على التراخي.
стр. 1647
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (١) ووجه الاستدلال: أن هذه الآية نزلت في السنة السادسة للهجرة والنبي ﷺ لم يحج إلا في السنة العاشرة. وأجيب عن هذه الآية بأن الآية ليست لفرضية الحج بل في إتمامه فالله أمر في هذه الآية بأن يتم الحج والعمرة، وهما معروفان في الجاهلية، وإنما الآية التي أوجبت الحج وفرضيته هي قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ وأما الآية التي استدلوا بها فليس فيها ما يدل على وجوبه أصلاً وإنما فيها ما يدل على وجوب إتمامه إن دخل فيه ومعلوم أن الحج والعمرة معروفان عند الصحابة وكان منهم من يحج البيت ويعتمر ممن يأذن له كفار قريش بذلك ممن له عندهم منزلة ووجاهة وكان النبي ﷺ يقر ذلك كله ولا ينكره وهما معروفان في الجاهلية.
وأما الآية الأخرى فهي التي دلت على وجوب الحج وقد نزلت في السنة التاسعة للهجرة، فهي من سورة آل عمران وصدر هذه السورة نزل في نصارى نجران، وقد قدموا على النبي ﷺ بعد الجزية والجزية إنما شرعت في تبوك في السنة التاسعة – كما قرر ذلك ابن القيم ﵀ – وهذا هو الراجح.
فإن قيل: يبقى الاستدلال لهم فإن هذه الآية فرض الله فيها على العباد الحج والعمرة وكان ذلك في السنة التاسعة والنبي ﷺ لم يحج إلا في السنة العاشرة.
والجواب على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن يقال: ليس عندنا ما يدل على أن الآية أوجبت الحج والعمرة في وقت يتمكن فيه من أدائهما في السنة التاسعة فيحتمل أن يكون ذلك في آخر أشهر الحج، ويحتمل أن ذلك في وقت لا يتمكن منه النبي ﷺ من الذهاب إلى مكة وأداء الحج ومع الاحتمال يبطل الاستدلال.
стр. 1648
الوجه الثاني: أن يقال: لنفرض أنها فَرضَت الحج في وقت يتمكن منه النبي ﷺ من أداء الحج والعمرة فإن النبي ﷺ إنما لم يحج تلك السنة لتتطهر مكة من أهل الشرك ومن هنا بعث النبي ﷺ علياً – كما ثبت في الصحيحين – ينادي في الناس: (ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان) (١) وكان ذلك في السنة التاسعة.
ولمصلحة أخرى عظيمة وهي اجتماع الناس لمعرفة حج النبي ﷺ وتهيؤهم فإن الرسول ﷺ وإن كان أدرك وقتاً يمكنه وأهل المدينة أن يتهيئوا فإن أهل البوادي ونحوهم ممن يريدون الحج مع النبي ﷺ ورؤية منسكه لا يتمكنون من ذلك، فلمصلحة بيان الشرع لم يحج الرسول ﷺ تلك السنة، فالراجح أن الحج واجب على الفور.
وكذلك يدل على ذلك: أن التراخي مظنة الترك والإهمال فإنا إذا قلنا بالتراخي فإنا لا نحد لذلك حداً – لأنه لا دليل على التحديد – فيقال له: إن حججت وأنت شيخ هرم فلا بأس عليك ولا حرج، وحينئذ فإن ذلك مظنة للترك، ولا شك أن الشارع متشوف لإقامة الحج.
قال: (فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضاً)
تقدم أن من كان رقيقاً أو صبياً فإن حجه يكون نفلاً ولا يجزئ عن حجة الإسلام. فإذا بلغ الصبي أو أعتق الرقيق أو عقل المجنون في الحج بعرفة أو في العمرة قبل الطواف فيصح ذلك فرضاً فمثلاً: رجل رقيق أحرم بالحج بنية التنفل لأنه لا فرض عليه وأثناء ما هو واقف بعرفة أعتق، فيصح ذلك فرضاً له أو أحرم بعمرة وقبل أن يشرع بالطواف أعتق فإنه يصح له ذلك فرضاً.
стр. 1649
قالوا: أما الوقوف بعرفة فهو فرض الحج الأكبر، والطواف يقابله في العمرة وهما في الأصل أول الأركان فحينئذ يكون قد فعل الأركان وهو حر، وهذا وهو بالغ، وهذا وهو عاقل، فيصح ذلك منهم فرضاً – هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة والشافعية –
ومثل ذلك لو أفاض الناس من عرفة إلى مزدلفة – ومعلوم أن الوقوف بعرفة لا ينتهي وقته إلا بأذان الفجر فلو أعتق بالمزدلفة فعاد فوقف فإن ذلك يجزئ عنه: قالوا: لأنه فعَل هذه الأركان وهو حر وهذا وهو عاقل، وهذا وهو بالغ فأجزأ ذلك عنه.
وقال الإمام مالك: بل لا يجزئ ذلك عنه؛ لأنه قد أحرم بنية التنفل فلم يجزئ ذلك عنه، فإنه حين إحرامه كان متنفلاً فلا ينتقل النفل إلى الفرضية.
وأجاب أهل القول الأول بأن الإحرام ليس مقصوداً لذاته وإنما المقصود لذاتها هي الأركان كالوقوف بعرفة والطواف في العمرة. ومع قوة ما ذهب إليه الإمام مالك فإن الأظهر – لي – هو ما ذهب إليه أهل القول الأول، وذلك تحصيلاً لمصلحة الفرضية لهما، ولمشقة الحج في الغالب وقد قاموا بفرائض الحج وهم من أهله فيتساهل حينئذ بالإحرام الذي هو ليس مقصوداً لذاته.
فالمشهور عند الشافعية والحنابلة أن من أحرم بالحج وهو من أهل التنفل وليس من أهل الفرضية ثم أدرك الوقوف بعرفة وهو حر أو بالغ – في الحج – وفي العمرة قبل الطواف فإن حجه ينتقل إلى الفرضية – وهذا القول مروي عن ابن عباس في مصنف ابن أبي شيبة لكن فيه ليث بن أبي سليم (١) وهو ضعيف الحديث. والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وفعلهما من الصبي والعبد نفلاً)
" وفعلهما " أي الحج والعمرة.
فإذا حج الصبي والعبد فإن حجهما نفل لهما، وكذلك إذا اعتمرا فإن عمرتهما نفل لهما ولا يجزئ ذلك عن حجة الإسلام وهذا مما اتفق عليه العلماء.
стр. 1650
ويدل عليه حديث ابن عباس المتقدم أن النبي ﷺ قال: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى) (١) والحديث روى مرفوعاً وموقوفاً، والصحيح صحته رفعاً ووقفاً وعلى القول بوقفه فلا يعلم لابن عباس مخالف من الصحابة فيكون قوله حجة فالصبي والعبد إذا حجا فلا يجزؤهما عن حجة الإسلام.
وهنا قول المؤلف: (الصبي) عام في الصبي المميز وغير المميز فكلاهما حجهما يصح ويكون له نفلاً، أما المميز فلا إشكال فإن العبادات كالصلاة ونحوها تصح منه كما تقدم، وأما غير المميز فدليله ما ثبت في مسلم أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبياً فقالت: (ألهذا حج؟ قال: نعم ولكِ أجر) (٢) .
وهو مذهب جمهور العلماء خلافاً للحنفية، والحجة مع ما ذهب إليه الجمهور لهذا الحديث الثابت في مسلم.