← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

هذا هو الرشد، قال تعالى ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ والصلاح في المال ضد الفساد فيه، والفساد هو السفه والتبذير فيما لا فائدة فيه في دين ولا دينا، وأولى منه أن يذره فيما هو حرام من شرب خمر أو غناء أو مجون أو نحو ذلك، وقال الشافعية وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة: الرشد هو الصلاح في المال والصلاح في الدين، وعليه فالفاسق وإن كان رشيدا في تصرفه في ماله فإنه يحجر عليه، قالوا: لأن الفاسق غير ثقة في تصرفه في ماله، والراجح هو القول الأول، وهو أن الفاسق غير محجور عليه، ما دام راشدا في تصرفاته المالية، وذلك لأنه لا تلازم بين الفسق والسفه في المال، فإن الفاسق ثقة في تصرفاته المالية لما في ذلك من حظ نفسه، نعم إذا تصرف في ماله تصرفا يقتضي سفها فهذا يدل على أنه غير راشد في تصرفاته المالية، كأن يتصرف في ماله بمقتضى فسقه تصرفات فيها تبذير في ماله، لكن إن كان راشدا في تصرفاته المالية فلا وجه للحجر عليه، ثم إنهم يقولون إن أعطى ماله وهو عدل رشيد في التصرف في ماله ثم طرأ عليه الفسق فلا يحجر عليه، بخلاف ما إذا طرأ عليه تغير في التصرفات المالية بأن أصبح غير رشيد فإنه يحجر عليه، ففرقوا بينهما، فالراجح ما ذهب إليه الحنابلة من أن الرشد هو الصلاح في المال. قوله [بأن يتصرف مرارا فلا يغبن غالبا]

стр. 2277

وذلك بأن يعطى مالا ويقال له: بع أو اشتر أو غير ذلك مما هو لائق، ثم يكرر هذا مرارا حتى يتبين لنا أنه لا يغبن في الغالب، لكن إن وقع منه غبن أحيانا فلا بأس به، فإن هذا يقع للراشد في تصرفاته فقد يغبن أحيانا، ومرجع ذلك إلى العرف، فإذا كان لا يغبن غالبا فإنه لا يحجر عليه، وليس أيضا أي غبن، بل المراد الغبن الفاحش أي بأن لا يغبن غبنا فاحشا غالبا، أما لو غبن غبنا غير فاحش فهذا غير مؤثر، فإن الرشيد لا يسلم منه الغبن اليسير، كأن يشتري الشيء الذي يساوي مائة وعشرة يشتريه بمائة وعشرين. قوله [ولا يبذل ماله في حرام] فإذا كان تبذير المال في الأمور المباحة سفه، فتبذيره في الأمور المحرمة أولى بالسفه، كأن يبذر ماله في الفجور وشرب الخمور ونحو ذلك فلا شك أن هذا يحجر عليه. قوله [أو في غير فائدة] كذلك إذا كان يصرف ماله في غير فائدة كما تقدم تقريره، فهذا يدل على سوء تصرفه في المال، فيقتضي حجرا عليه، فإن كان تصرفه فيما ينفعه في الآخرة ولكنه يضر في الدنيا بمن يعول فكذلك يحجر عليه، كأن ينفق أمواله في أوجه البر إنفاقا يضر بمن يعول، وهذا يدل على سفه لأنه قد قدم ما هو مستحب على ما هو واجب، ومثل ذلك إذا كان وحده فهو لا يعول أحدا، ومع ذلك أنفق ماله وهو لا يثق بصبر نفسه، وعدم تطرقه إلى ما لا يحل من سؤال ونحوه، فكذلك يحجر عليه، لأنه أدخل على نفسه الضرر بمثل هذا التصرف وهذا سفه. قوله [ولا يدفع إليه حتى يختبر] لقول الله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى﴾ أي اختبروهم، وقد تقدمت طريقة الاختبار. قوله [قبل بلوغه]

стр. 2278

فهذا الاختبار يكون قبل البلوغ، فمثلا: رجل عنده يتيم مقبل على البلوغ، فيأمره ببعض التصرفات التي لا تضر بماله، ويثبت بها معرفة رشده من سفهه، وهذا حيث كان مميزا مراهقا، أي يكون هذا قبيل البلوغ، لأنه هو الذي يمكن أن يتعرف على مثل هذا فيه، وليس المراد قبل البلوغ بوقت طويل، أي بمجرد التمييز مثلا، ولذا لو قال المؤلف (قبيل البلوغ) لكان أولى، فالمميز المراهق الذي يعرف المصالح والمفاسد وما يكون فيه صيانة لماله ونحو ذلك، فهذا هو محل الاختبار، ودليل كون الاختبار قبل البلوغ قوله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ فسمى المبتلين: يتامى، واليتيم هو غير البالغ، فالبالغ لا يسمى يتيما، ولأنه قال سبحانه ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ فدل على أن هذا الاختبار يكون قبل بلوغهم. قوله [بما يليق به] لا بد أن يكون هذا الاختبار بما يليق به، فلا يختبر الأمير الذي قد ترك والده إرثا، لا يختبره بأن ينظر بيعه وشراءه، لأنه ليس من أهل التجارات، وإنما يعطى شيئا من المال وينظر في تصرفه فيه، فإن تصرف فيه بما فيه فائدة لنفسه في دينه أو دنياه فهو رشيد، وابن التاجر ونحوه يعطى مالا ويؤمر فيه بيع أو شراء ليتعرف على ضبطه في شرائه ورشده فيه، وهكذا. قوله [ووليهم حال الحجر الأب] فالأب هو الولي، وذلك لكمال شفقته وحرصه على صيانة مال ابنه والحفاظ على مصلحته، وهل للجد ولاية؟

стр. 2279

المشهور من المذهب أنه لا ولاية له، وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي أن الجد له ولاية، وهذا أصح، لقول الله تعالى ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم﴾ الآية، فسمى الله الجد أبا، ولقول أبي بكر ﵁:" الجد أب " [حم ١٥٦٧٥، خ ٣٦٥٨] ولما له من النصيب الكبير الذي يقارب ما للأب من الشفقة والحرص على مصلحة ابن ابنه، فالجد على الراجح يكون وليا، واختار شيخ الإسلام ﵀ أن سائر العصبة أولياء، فيقدم أقربهم له، لما لهم من الولاية التي اقتضت الإرث في الشرع، فكانوا أولياءه في ماله، ولما لهم من الحرص على مصلحته لوجود هذه العصوبة بينهم وبينه. قوله [ثم وصيه] أي ثم وصي الأب، أي نائبه بعد الممات، الوكيل يكون في الحياة، والوصي بعد الممات، فإذا توفي الأب وأوصى لفلان من الناس بالولاية على ابنه فهو أولى من غيره، وهل يقدم عليه الجد وسائر العصبة على القول بولايتهم؟ استظهر صاحب الإنصاف تقديمهم على الوصي، والذي يظهر خلاف ذلك، وأن الوصي أولى منهم، وذلك لأن الوصي نائب الأب، فقام مقام الوكيل، فكما أن الوكيل هو النائب عن الأب في الحياة وهو أولى من الجد وغيره في الولاية، فكذلك بعد الممات فهو النائب عن الأب، ولأن كمال شفقة الأب لا يشبهها شيء، واختياره لهذا الوصي يدل على أن هذا الوصي له قيام كبير في هذا الباب لأولاده وأن هذا الوصي قد يكون أكمل شفقة من سواه. قوله [ثم الحاكم] أي القاضي، وذلك لما له من الولاية العامة، فالحاكم له الولاية العامة والقاضي نائب عن الإمام الأعظم، فإن لم يكن ثمت قاضي شرعي فيقوم مقامه أمين، فيختار أمين يقوم مقامه بالولاية، إذا الأولى بالولاية الأب فالوصي فالجد فالعصبة أقربهم فأقربهم ثم الحاكم فإن لم يكن فيختار أمينا قويا في حفظه وصيانته، يقوم مقام الحاكم في حفظ المال. قوله [ولا يتصرف لأحدهم وليه إلا بالأحظ]

стр. 2280

فلا يتصرف الولي إلا بالأحظ والأصلح، لقول الله تعالى ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ فإذا كان يريد أن يبيع له عقارا فلا يتعجل في بيعه، بل يتريث حتى يكون ذلك أحظ له، وعليه فلا يحل له أن يعتق من ماله ولا أن يهب ولا أن يهدي، ولا أن يحابي كأن تكون هذه الأرض تساوي مائة ألف فيشتريها من صديقه بمائة وعشرة آلاف لليتيم، فهذا لا يجوز، وإن تصرف بمثل هذه التصرفات فهو ضامن لأنه متعد، فالأمين يضمن بالتعدي أو بالتفريط، أما إذا غبن في شراء شيء غبنا يسيرا يقع مثله فهذا لا يؤثر. قوله [ويتجر له مجانا] فإذا أرد أن يبيع ويشتري له بهذا المال، فإنه يبيع ويشتري مجانا، فليس له أن يأخذ على التجارة له شيئا، وهذا هو المشهور من المذهب، قالوا: لأنه لا يحل أن يعقد لنفسه، فهو عندما يعقد العقد التجاري بينه وبين اليتيم إنما يعقد لنفسه ولا يحل هذا، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول لبعض الحنابلة أنه يستحق الأجرة على ذلك، وهذا القول هو الراجح، وذلك لأن هذا التصرف التجاري خارج عن حفظ المال، وصيانته والإنفاق على اليتيم، وقد قال تعالى ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ وهذا قربنا لمال اليتيم بالتي هي أحسن فلا مانع منه، وأما قولهم إنه ولي فلا يعقد لنفسه فلا دليل على هذا ولا مانع شرعي يقتضي ألا يعقد لنفسه، بل لو كان هذا العقد لنفسه هو الأصلح فهو الأولى به، فلو أنه مثلا أراد أن يبيع أرضا لموليه فوقف السوم على مائة ألف، وكان أحظ له لكنه يرغب بها، فزاد شيئا من المال فاشتراها منه فلا يظهر أن هناك مانع لأن هذا من قربان مال اليتيم بالتي هي أحسن. قوله [وله دفع ماله مضاربة بجزء معلوم من الربح]

стр. 2281

فله أن يتفق مع رجل آخر على أن يتاجر بمال اليتيم بجزء معلوم الربح، إما النصف أو الربع أو غير ذلك مما يكون فيه مصلحة لليتيم، فهذا جائز لأنه قائم على مصلحته ونائب عنه في التصرف فجاز أن يعقد له مثل هذا العقد، والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن المسألة التي قبلها هو الذي يتاجر بالمال بنفسه، وأما هنا فهو يعقد لغيره، فالمتاجر غيره وهو يعقد لهذا الغير، وكلاهما جائز كما تقدم. قوله [ويأكل الولي الفقير من مال موليه الأقل من كفايته أو أجرته مجانا]

стр. 2282

لقول الله تعالى ﴿ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ فله أن يأكل من مال يتيمه، قالوا: وقدره الأقل من كفايته وأجرته مجانا، فيقال: قدر أجرتك بالمعروف لو أننا أردنا أن نعطيك أجرة على هذه الولاية، فقال: كل شهر ألف ريال، هذه الأجرة على حفظ المال وصيانته، وهذا يرجع إلى كثرة المال وقلته وما فيه من تجارات ونحو ذلك، ويقال له بعد ذلك: ما كفايتك؟ فإن قال: ألفا ريال، فيقال له: خذ ألف ريال لأنه الأقل، وإن قال الأجرة خمسة آلاف، وكفايتي ألفا ريال، فيقال: خذ ألفي ريال، إذن يأخذ الأقل من كفايته وأجرته، قالوا: لأنه إنما يأخذ المال بهما، فاشترط اجتماعهما ولا يجتمعان إلا في الأقل، فهو يأخذ المال لأجرة عمله، ويأخذ المال لحاجته وكفايته، فيجتمعان في الأقل لا في الأكثر، والذي يظهر وقد نص عليه الإمام أحمد في رواية حنبل وهو صريح قول بعض الحنابلة أنه يأكل بالمعروف، وهو ظاهر الآية الكريمة، وعليه فلو كانت أجرته أقل أو أكثر والذي يكفيه بالمعروف هو كذا، فإنه يأكل بالمعروف سواء كان ما يأكله أكثر من أجرته أو أقل، ولأن المسألة ليست قضية إجارة، بل هي قضية ولاية فيها معنى الأمانة ونحو ذلك من الحفظ، وهو لا يأخذ عليها مع غناه، بل يأخذ مع فقره، فجاز له الأكل بالمعروف وإن كانت أجرته أقل، وذلك للآية الكريمة المتقدمة، ولما ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن أن رجلا قال للني ﷺ : إني فقير وإن لي يتيما، فقال النبي ﷺ : (كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر - أي متعجل، فتتعجل بالأكل قبل كبر اليتيم - ولا متأثل) [ن ٣٦٦٨، د ٢٨٧٢، جه ٢٧١٨] مؤجل للمال، فتأخذ شيئا زائدا عن الكفاية، وظاهره أنه يأكل ما يكفيه مطلقا سواء كان ذلك أقل من أجرته أو أكثر منها. قوله [ويقبل قول الولي والحاكم بعد فك الحجر في النفقة والضرورة والغبطة والتلف ودفع المال]

стр. 2283

يقبل قول الولي أبا كان أو وصيا، والحاكم بعد فك الحجر في النفقة والضرورة والغبطة والتلف ودفع المال، فإذا اختلف الولي والمولي - أي المحجور عليه - فالقول قول الولي أو الحاكم، فإذا اختلفا في النفقة في قدرها، فقال الولي: أنفقت عليه في هذه السنوات التي قد حجر عليه فيها ألف درهم، وقال المولي المحجور عليه بل لم ينفق علي إلا خمسمائة، فالقول قول الولي فيحلف أنه أنفق عليه كذا وكذا، إلا أن يأتي المحجور عليه ببينة تدل على صدق قوله، أو أن يكون الظاهر يخالف قول الولي كأن يدعي إنفاقا زائدا لا يتحمله الواقع فحينئذ يكون الظاهر موفقا لقول المحجور عليه، فمثلا: ادعى المحجور عليه أنه لم ينفق عليه عشرة آلاف، وادعى الولي أنه أنفق عليه عشرة آلاف، وكان الواقع يوافق قول المحجور عليه، والظاهر يخالف قول الولي فحينئذ يكون القول قول المحجور عليه وذلك لوجود القرينة. كذلك إذا اختلفا في الضرورة، فمثلا باع الولي عقارا للضرورة، وادعى المحجور عليه بعد فك الحجر أنه قد باعه لغير ضرورة، وقال الولي بل بعته لضرورة فقد احتاج لبيع هذا العقار لأجل الكسوة ونحوها، فالقول قول الولي لأنه أمين.

стр. 2284

كذلك إذا اختلفا في الغبطة، وهي المصلحة، فمثلا باع الولي عقارا وادعى أنه باعه لمصلحة، وخالفه المولى فقال: بل لا مصلحة، ولا غبطة، فحينئذ القول قول الولي لأنه أمين، والمشهور من المذهب أن بيع الغبطة هو البيع الذي فيه مصلحة، وقال بعض الحنابلة وهو أحد الوجهين في المذهب: بيع الغبطة أو يزيد الثمن الثلث فأكثر على بيع المثل، كان يكون شيئا يستحق مائة ألف فيبيعه بمائة وأربعين ألفا، وقال القاضي من الحنابلة: بيع الغبطة ما فيه زيادة ظاهره سواء كانت الثلث أو أقل، والصحيح أن بيع الغبطة ما فيه مصلحة سواء كانت زيادة ظاهرة أو غير ظاهرة، لعموم قول الله تعالى ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ وبيع شيء من عقاره فيه مصلحة للمولي هذا من قربان مال اليتيم بالتي هي أحسن، فهو جائز، وهو المشهور من المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. وكذلك التلف، فإذا ادعى الولي أن المال قد تلف عنده، وأنكره هذا المولي وقال بل هو قد أتلفه أو قد غيبه وجحده أو نحو ذلك، فحينئذ القول قول الولي لأنه أمين، وهذا كما تقدم ما لم تكن قرائن تخالف قول الولي.

стр. 2285

وكذلك إذا اختلفا في دفع المال، فقال الولي: أعطيته المال بما بلغ رشده، وقال المولي: لم يعطني شيئا، ولا بينة فالقول قول الولي لأنه أمين، وقال ابن رجب في القواعد:" ويحتمل أن يكون القول قول المحجور عليه ما لم يكن هناك بينة "، وقواه صاحب الإنصاف، وهو الذي يظهر، وذلك لأن الأصل عدم الدفع فالأصل هو بقاء المال عند الولي وحيث ادعى الدفع فهو ادعاء لنقل المال من يده إلى يد موليه، فإذا لم يكن له بينة فالأصل هو البقاء، ويده يد أمانة في مدة مكث المال عنده، وعليه فالذي يظهر أن القول قول المولي، لأن الأصل هو بقاء المال، لكن إن أشهد على دفع المال للمولي فإنه يقبل قول الولي للبينة، فإن لم يأت ببينة فيلزمه أي الولي أن يدفع المال إلى المولي في الظاهر، وإن كان في الباطن قد دفعه. هذا - أي ما ذكره الحنابلة في هذه المسائل كلها - حيث كان الولي متبرعا، وأما إذا كان الولي غير متبرع بل يأخذ مقابل ولايته أجرة، كأن يضع الوالد وصيا لولده مقابل أجرة من المال يأخذها، فحينئذ ليس القول قول الولي في المشهور من المذهب، وذلك لأنه منتفع، فيده ليست يد حفظ وصيانة فحسب، بل يد انتفاع، وحيث كان الأمر كذلك فالقول قول المولي، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في الكلام على الوديعة إن شاء الله. قوله [وما استدان العبد لزم سيده إن أذن له وإلا ففي رقبته كاستيداعه وأرش جنايته وقيمة متلفه]

стр. 2286

إذا استدان العبد، فإنه يلزم الدين سيده إن أذن له، وذلك لأن السيد قد غرره حيث أذن له، وأما إن لم يأذن له سيده فإنه يتعلق الدين في رقبة العبد، وحينئذ يقال للسيد اختر أحد أمرين: إما أن تسلم العبد للدائن، وإما أن تفديه، والفداء يكون بأقل الأمرين، إما بقدر الدين، وإما بقدر القيمة، مثال هذا: استدان عبد بلا إذن من سيده مائة ألف، فيقال للسيد: إما أن تسلم العبد وإما أن تفديه، وطريقه الفداء ما يستحق العبد، فوجدناه مثلا يستحق عشرة آلاف، فنقول: تعطي الدائن عشرة آلاف وتحرر عبدك من الدين، فتختار أقل القيمتين، وذلك لأن المال متعلق برقبته فلم يلزم سيده بأكثر من ذلك، وظاهر ذلك علم المتعامل أم لم يعلم، وعن الإمام أحمد أنه معامله إذا علم فلا يتعلق الحق برقبة العبد، وذلك لأنه دخل على بصيرة، وهذا هو الظاهر، وذلك لأن العبد لا يصح تصرفه في المال، فإذا دخل معامله معه على بصيرة من أمره فقد غرر بنفسه فلم يتعلق ذلك في رقبة العبد. وقوله (كاستيداعه) إذا وضع عند عبد وديعة فأتلفها فإن الحق يتعلق برقة العبد، فيقال للسيد إما أن تسلمه، وإما أن تفديه، فلو فرض أن الأمانة تساوي ثلاثين ألفا، وأن العبد يساوي أربعين ألفا، فإن السيد حينئذ يدفع له ثلاثين ألفا لأنها هي الأقل. قوله (وأرش جناية) إذا اعتدى العبد وجنى، فتتعلق الجناية في رقبته، فإما أن يسلمه إلى المجني عليه، وإما أن يفديه السيد، وطريقة الفداء، مثلا وجدنا الجانية تساوي عشرة آلاف، والعبد يساوي خمسة آلاف، فيعطون خمسة آلاف، فلا يلزم السيد بشيء زائد. قوله (وقيمة متلف) إذا أتلف العبد شيئا، فإن الحق يتعلق في رقبته، فإما أن يسلم السيد العبد، وإما أن يفديه بأقل الأمرين كما تقدم. وهنا مسائل متعلقة بالحجر: * المسألة الأولى:

стр. 2287

أن لولي الصبي ونحوه أن يأذن له بالتصرف بما جرت به العادة من صدقة يسيرة كأن يتصدق بالدرهم والدرهمين ونحو ذلك، وكأن يشتري الطفل شيئا من اللعب ونحوهما من أمور اللهو فهذه قد جرت بها العادة فيسمح بمثلها، وكذلك أن يشتري طعاما بلا إسراف. ** المسألة الثانية: أن للزوجة أن تنفق من بيت زوجها ما جرت به العادة بالسماح بمثله بلا إذن، لقول النبي ﷺ في الصحيحين: (إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة فلها أجرها بما أنفقت وللزوج أجره بما كسب وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا) [خ ١٤٢٥، م ١٠٢٤] ولأن جريان العادة بمثل ذلك يجري مجرى الإذن. أما إذا منعها من ذلك أو علمت منه المنع لشح ونحو ذلك أو شكت في رضاه فليس لها ذلك، كما أنه ليس لها أن تخرج من بيته ما لم تجر العادة بمثله، لقول النبي ﷺ فيما رواه أحمد وغيره والحديث صحيح: (لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيب نفس) [حم ٢٠١٧٢] ، وهذا مال زوجها فلا يحل إلا بطيب نفس، فإن أذن فذاك وإلا فلا. *** المسألة الثالثة: هل يحجر الزوج على زوجته الرشيدة الحسنة التصرف في المال أم لا؟ على ثلاثة أقوال للعلماء هي روايات عن الإمام أحمد:

стр. 2288

الرواية الأولى: وهي الرواية المشهورة في المذهب أنه ليس له أن يمنعها، بل تتصرف كما شاءت، فلو أنفقت المرأة مالها كله من غير إذن زوجها بل مع منعه فها ذلك، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين: (أن ميمونة ﵂ أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي ﷺ فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي، قال: أوفعلت؟ قالت نعم قال أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك) [خ ٢٥٩٢، م ٩٩٩] قالوا: فقد أعتقت هذه الوليدة من غير إذن النبي ﷺ ، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (تصدقن ولو من حليكن) [خ ١٤٦٦، م ١٠٠٠] فأمرهن بالتصدق من حليهن ولم يشترط استئذان أزواجهن. الرواية الثانية: وهي مذهب مالك أن الزوج يمنعها مما زاد على الثلث، وأما ما نقص فلا يمنعها لقول النبي ﷺ في الوصية: (الثلث والثلث كثير) [خ ٢٧٤٢، م ١٦٢٨] الرواية الثالثة: أن له أن يمنعها مما قل عن الثلث، ومما زاد، لقول النبي ﷺ : (لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها) [حم ٦٦٤٣، ن ٢٥٤٠، د ٣٥٤٧] وفي لفظ: (لا يجوز للمرأة أمر في مالها إلا بإذن زوجها) [حم ٧٠١٨] والحديث حسن، قالوا: والحديث عام فيما قل عن الثلث وفي الثلث وفيما زاد عن الثلث، فالحديث عام، وفيه رد على مذهب مالك، فلا تتصرف المرأة بأي شيء من مالها إلا ما جرت به العادة، وهذا القول هو قول الليث بن سعد وطاووس من التابعين، وهذا القول هو أرجح الأقوال.

стр. 2289

أما الجواب عما استدل به الإمام مالك فقد تقدم، وأما الجواب عما استدل به أهل القول الأول فإنه لا مانع من أن تكون ميمونة علمت إذن النبي ﷺ لا سيما والنبي ﷺ يرغب في العتق ويندب إليه، ويبعد أن تعتق ميمونة وهي تعلم أن النبي ﷺ يكره هذا، وأنه لا يأذن فيه، ولذا أرشدها النبي ﷺ إلى ما هو خير، فظاهر الأمر أنها علمت إذنه في ذلك، وإن لم يكن إذنا خاصا في هذا، ولذا قالت:" ولم استأذنه " بل قد علمت إذنه العام، لا سيما وهو يحث على عنق الرقاب، وأما قوله ﷺ : (تصدقن ولو من حليكن) فكذلك حيث علمت المرأة الإذن العام من زوجها، ولا يعقل أن يأمر النبي ﷺ النساء أن يفعلن شيئا يكون فيه معارضة لطاعة الأزواج، والحديث المتقدم حديث صريح في المسألة ولا شك أن الحديث المحكم مقدم على الحديث المتشابه، فالراجح ما ذهب إليه الإمام أحمد في الرواية الثالثة وهو مذهب الليث بن سعد وطاووس. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد باب الوكالة

стр. 2290

الوكالة بفتح الواو وكسرها، والأشهر الفتح، وهي لغة: التفويض، وأما اصطلاحا: فهي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة، والقاعدة أن كل حق لله تعالى أو لآدمي فالنيابة فيه مطردة كما قرر ذلك الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، إلا ما لا يحصل المقصود إلا بفعل المكلف له، فكل حق من حقوق الآدمي من طلاق وبيع وشراء وصلح وغير ذلك وكل حق لله تعالى من تفرقة الزكاة، وتفرقة الصدقة وتفرقة الكفارة ونحو ذلك فإنها تدخلها النيابة، إلا إذا كان لا يحصل المقصود إلا بفعل المكلف له كما يكون هذا في إقامة الحد، فإن المقصود منها عقوبة المجرم، وكذلك في العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم وغيرها، فالمقصود هو فعل المكلف لها فلا تحصل فيها الوكالة. والوكالة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فلقول الله تعالى في سورة الكهف في قصة أصحاب الكهف حيث قال بعضهم لبعض ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف﴾ وأما السنة فكما تقدم في حديث عروة البارقي وتوكيل النبي ﷺ له شراء الأضحية) (١) وكذلك توكيل النبي ﷺ لعمر بن الخطاب في جمع الصدقة كما هو ثابت في الصحيحين، وكذلك توكيل معاذ بن جبل في أخذ زكاة أهل اليمن، وأما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على جواز الوكالة، والحاجة داعية إليها، فإن الإنسان يحتاج إلى أن يوكل غيره في شيء من شؤونه من بيع وشراء ونحو ذلك، والشريعة قائمة بتحصيل المصالح ومن ذلك الإذن للمكلفين بالوكالة. قوله [تصح بكل قول يدل على الإذن]

стр. 2291

فكل قول يدل على الإذن بالتصرف فإن الوكالة تثبت وتصح معه، فإذا قال له: بع لي هذا البيت، أو اشتر لي هذا البيت، أو أذنت لك بأن تبيع هذا الشيء ونحو ذلك من الألفاظ القولية الدالة على الوكالة فإن الوكالة تثبت فيها. وظاهر كلام المؤلف أنها لا تثبت بالفعل، وهو المشهور في المذهب، فلو أعطى أحداً ثوباً وكان إعطاؤه له مفهماً له أنه يوكله بخياطته أو بتغسيله فإن الوكالة لا تثبت بذلك، والصحيح أنها تثبت بالفعل، وهو ظاهر كلام القاضي من الحنابلة واستظهره صاحب الفروع، وهذا القول هو الراجح كالبيع، ولأن المقصود التعرف على الرضى وذلك يحصل بالفعل كما يحصل بالقول، فالمقصود أن هذا الفعل قد دلنا على أن هذا يريد أن يوكل وأنه راضٍ بذلك، وهذا هو الإيجاب. قوله [ويصح القبول على الفور والتراخي بكل قول أو فعل دال عليه] ما تقدم هو الإيجاب، والإيجاب ما يصدر عن الموكل، وأما القبول فهو ما يصدر عن الوكيل، فيصح القبول من الوكيل على الفور والتراخي، فمثلا قال له: بع لي هذه الدار، فقال: قبلت فوراً، أو كان قبوله متراخياً كأن يبلغه بعد زمن أن فلاناً قد وكله فرضي بهذه الوكالة، كأن يكتب له ورقة فلا تصل إليه إلا بعد شهر أو شهرين أو نحو ذلك، فلا يشترط في القبول الفورية، وذلك لأن الإيجاب دل على الإذن فالإذن باقٍ لا رافع له، فلا يؤثر فيه التراخي، ويصح القبول بالقول وبالفعل الدال عليه، فإذا قال: قبلت هذه الوكالة، أو أخذ السلعة وكان أخذه لها دليلاً على رضاه بهذه الوكالة فإن الوكالة تثبت. وتصح الوكالة مؤقتة كوكلت سنة، أو بشرط نحو إذا جاء الشتاء فافعل كذا. قوله [ومن له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه]

стр. 2292

فمن له التصرف في شيء فله أن يكون موكلا وله أن يكون وكيلا، فمثلا: الرجل له أن يطلق زوجته، فله أن يوكل غيره في الطلاق، ويجوز أن يوكل غيره بالبيع أو بالشراء ونحو ذلك، لأن هذه التصرفات صحيحة منه فصح أن ينيب غيره فيها، وكذلك يصح أن يكون وكيلا فيها، لأنها لو كانت له لصح التصرف فيها، فهذا الرجل لو كان متزوجا لصح طلاقه، فالصفات المشترطة في صحة الطلاق متوفرة فيه، ولو كان متزوجا لصح طلاقه فيصح أن يكون وكيلا في الطلاق، لذا تقدم في التعريف اشتراط جواز التصرف في الوكيل والموكل. قوله [ويصح التوكيل في كل حق آدمي] إجماعاً. قوله [من العقود] كعقد البيع وعقد الصلح وعقد العارية وغيرها، وذلك لأنه يصح له أن يتصرف فيها فجاز له أن يوكل وقد تقدم ذلك. قوله [والفسوخ] كالإقالة والخلع، فيجوز أن يوكل من يخالع زوجته، ومن يقيل بيعا له ونحو ذلك. قوله [والطلاق والرجعة] فيجوز له أن يوكل من يطلق عنه أو يراجع عنه. قوله [ويملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه] كذلك يجوز التوكيل في تمليك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه، كأن يضع وكيلا عنه في تملك ما يصطاد، أو تملك ما يجتث، وفي إحياء الموات ونحو ذلك، وذلك لأنها حقوق آدمي له التصرف فيها فجاز أن يوكل. قوله [لا الظهار واللعان والأيمان] ولا النذور، وذلك لأنها متعلقة بعين الشخص فلم يصح التوكيل فيها. والظهار يقول له: وكلتك في أن تظاهر عني. فيقول: أنتِ على زوجكِ كظهر أمه عليه، وهذا منكر من القول وزور كسائر المعاصي. قوله [وفي كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات]

стр. 2293

فكل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات فيجوز التوكيل فيه كأن يوكل من يذكي عنه أضحية أو من ينحر عنه، كما ثبت في مسلم (١) من توكيل علي بذلك. ويصح أن يوكل من يفرق صدقته أو زكاته، ويصح أن يوكل من يكفر عنه كفارة مالية ويجوز ذلك في العبادات المالية. وأما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم فإن النيابة لا تصح فيها، وتقدم التفصيل في مسألة الحج والكلام عليها. والأصل في حقوق الله أنها لا تدخله النيابة، ولا يجوز له في المشهور من المذهب إن وكل في الصدقة أن يأخذ منه لنفسه إذا كان من أهل الصدقة وذكر في الإنصاف احتمالاً بالجواز والأظهر الأول لما فيه من التهمة ولأن إطلاق لفظ الموكل ينصرف إلى غيره. لكن هل يجوز له أن يدفع منه لوالده وولده وزوجته فيها وجهان والأظهر المنع للتهمة. قوله [والحدود في إثباتها واستيفائها] كذلك تصح الوكالة في الحدود في إثباتها وفي استيفائها أي في إيقاعها على المجرم المعاقب، فيجوز للحاكم أن يوكل من يقوم بالنظر في الأدلة التي تثبت الحد على المتهم، ويجوز له أن يوكل من يستوفي الحدود فيقيمها على أربابها، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) (٢) فقوله (فإن اعترفت) فيه توكيل في إثبات الحد، وفي قوله (فارجمها) فيه توكيل في استيفاء الحد. قوله [وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه إلا أن يجعل إليه] هنا ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يقول الموكل: وكلتك ولك حق التوكيل، ونحو ذلك فباتفاق العلماء له أن يوكل للإذن فيه. الصورة الثانية: أن يمنعه من التوكيل، فيقول: وليس لك حق التوكيل، أو أنت منهي عن التوكيل، فباتفاق العلماء ليس له أن يوكل.

стр. 2294

الصورة الثالثة: أن يوكله من غير إثبات للإذن ولا نفيه، كأن يقول: وكلتك، من غير أن يقول: لك الحق في التوكيل، ولا أن يقول: ليس لك الحق في التوكيل، ولها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون هذا الشيء الموكل فيه مما يتولاه هذا الوكيل، أي مما يناسب ويليق بمثله، ولا يعجز عنه، فحينئذ ليس له أن يوكل، وذلك لأن صاحب الشأن لم يأذن بالتصرف عنه إلا لهذا الوكيل فليس له أن يعدي الوكالة إلى غيره حيث لا إذن، مثال ذلك: أن يوكل شريفا من أشراف الناس وسيدا من ساداتهم على جبي الصدقات، فهذا من الأعمال التي تليق بمثله ولا يعجز عنها. الحالة الثانية: أن يكون هذا الشيء الموكل فيه ليس مما يتولاه مثل هذا الوكيل أو يعجز عنه ولا يقدر عليه، فحينئذ إيقاع الوكالة مع علم الموكل بهذا يدل على أنه أراد منه أن يوكل من يقوم بهذا العمل، فإذا أسدى الخليفة إلى أمير من الأمراء أن يبني له شيئا أو يحمل له شيئا معينا إلى موضع، فهذا لا شك أنه لا يليق بهذا الأمير، وحينئذ فتوكيل الخليفة له يدل على أنه إنما أراد القيام بهذا الشأن بالوكالة، أو كان يعجز عنه كأن يكون صناعة من الصناعات ويعرف أنه لا يحسن هذه الصناعة ولا يتقنها، وليس من أهلها فحينئذ يكون مراد الموكل القيام بها ولو كان هذا بالوكالة. الحالة الثالثة: أن يكون هذا الوكيل قادرا على البعض عاجزا عن الكل، كأن يعطيه عملا كبيرا كالقيام بأعمال كثيرة يعلم الموكل قطعا أن هذا الوكيل لا يمكنه القيام بهذه الأعمال كلها إلا ومعه من يعينه على ذلك، فهل يجوز له أن يوكل؟

стр. 2295

المشهور من مذهب الحنابلة والشافعية أن له أن يوكل مطلقا، بمعنى أن له أن يخرج عن القيام بهذا العمل بالكلية ويوكل غيره بالقيام به، والوجه الثاني في مذهب الحنابلة والشافعية أنه لا بد وأن يكون طرفا فيه، فلا بد أن يقوم ببعض العمل وأما أن يوكل فيه كله فلا، فله أن يوكل فيما لا يستطيع، ويقوم هو بما يستطيع، وهذا القول هو الراجح، وذلك لأننا لا نخرج عما دلت عليه الوكالة من قيامه هو – أي الوكيل – بها إلا بقرينة تدل على ذلك، وهنا القرينة إنما دلت على عدم قيامه بالعمل كله، لا على عدم القيام ببعضه، فإنه يمكنه أن يقوم ببعضه، وإنما دلت على أنه يحتاج إلى وكلاء معه، وعليه فيضع معه وكلاء، وأما أن يتخلى عن العمل بالكلية ويضع وكلاء فلا. والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد قوله [والوكالة عقد جائز] فالوكالة عقد جائز، أي لكل من الوكيل وموكله الفسخ بغير رضى الآخر ما لم يكن هناك ضرر، فإن كان ضرر فلا يجوز، فالوكالة عقد جائز، وذلك لأنه من جهتيهما لا يقتضي لزوما، أما الموكل فلأن هذا من جهة إذنه، فالوكالة متعلقة بإذنه، وأما الوكيل فلأنها متعلقة ببذل نفع منه، وهذا ليس بلازم، فكانت الوكالة من العقود الجائزة. قوله [وتبطل بفسخ أحدهما] لما تقدم فهي عقد جائز فإذا فسخها أحدهما فإن الوكالة تبطل. قوله [وموته] وكذلك جنونه، وذلك لأن من شرطها أن يكون الموكل والوكيل جائزا التصرف، والميت ليس له أهلية التصرف فبالموت تبطل الوكالة، فإذا وكل زيد عمروا ببيع أرض له، فمات زيد، وهو الموكل قبل البيع فإن هذه الوكالة تبطل، لأن أهلية التصرف تبطل بالموت، وكذلك إذا جن لأن المجنون ليس له أهلية التصرف. قوله [وعزل الوكيل]

стр. 2296

فتبطل الوكالة بعزل الوكيل، فإذا عزل الموكل وكيله بطلت الوكالة، فمثلا: قال وكلتك على أن تبيع هذه الأرض، ثم عزله فإن الوكالة تبطل، وذلك لأن ذلك حق له، والوكالة عقد جائز ولا يشترط في هذا العزل رضى الوكيل، لأنه حق للموكل ولو لم يرض الوكيل. وظاهر كلام المؤلف وهو المذهب سواء علم الوكيل بالعزل أو الموت أو لم يعلم، فإذا وكل زيد عمروا ببيع أرض له، ثم عزله وأشهد على عزله، ولم يعلم الوكيل بالعزل، أو مات الموكل ولم يبلغه موته فإنه ينعزل، وعليه فتصرفاته - أي تصرفات الوكيل - تكون باطلة، ففي المثال السابق لو باع الأرض وهو لم يعلم بموت الموكل أو عزله له فإن البيع باطل إلا أن يجيزه الموكل، كما تقدم في تصرف الفضولي من أنه موقوف على الإجازة، وهذا هو المشهور من المذهب ومذهب الشافعية، وذهب الأحناف إلى أنه ينعزل بالموت لا بالعزل، والمراد إذا لم يعلم بذلك، وأما إذا عزله بعلمه وعلم بالعزل فلا خلاف بين العلماء في بطلان الوكالة، لكن إذا مات الموكل ولم يعلم والوكيل وتصرف، فإن تصرفاته باطلة، وإذا عزله الموكل ولم يعلم الوكيل بالعزل فإن تصرفاته تكون صحيحة، وعن الإمام أحمد أنه لا ينعزل لا بالموت ولا بالعزل إلا بالعلم، قالوا: لثبوت الضرر، فإن هذا الوكيل يتصرف بتصرفات من بيع وشراء ونحو ذلك، فإذا قلنا إنها ليس نافذة كان في هذا ضرر لتعلق حق ثالث، فعليه تصح تصرفاته قبل العلم وصوبه صاحب الإنصاف، وأرجح هذه الأقوال فيما يظهر القول الأول، وهو القول بأنه ينعزل بالموت قبل العلم، وينعزل بالعزل قبل العلم، والتصرفات باطلة وموقوفة على الإجازة، وهذا لما تقدم من التعليل القوي وهو أن فسخ الوكالة لا توقف على الرضى فلم يتوقف على العلم، ولأنه إنما أذن له بالتصرف بهذه الوكالة، وهنا قد بطلت الوكالة بالعزل فلم يصح التصرف، إلا أنه يستثنى حيث كان هناك تغرير من الموكل وعلم أنه أراد التغرير

стр. 2297

فحينئذ تثبت هذه الوكالة ولا تبطل. وإذا عزل الوكيل كان ما في يده أمانة لا يضمن إلا مع التعدي والتفريط. وهل يضمن الوكيل إذا تصرف بعد عزله وقبل علمه أم لا؟ قولان في المذهب القول الأول: أن الوكيل يضمن هذه التصرفات، وهو غاية في الضعف، وذلك لمخالفته لقواعد الشريعة وأصولها فإنه لم يفرط، وقد تصرف تصرفا بناء على بقاء هذه الوكالة، ولم يقع منه أي تفريط فلا وجه لتضمينه. القول الثاني في المذهب: أنه لا يضمن مطلقا وهو اختيار شيخ الإسلام وهو الراجح في هذه المسألة، وذلك لأنه لم يفرط، فعلى ذلك إذا تصرف الوكيل بعد عزله وقبل علمه فالتصرف باطل لبطلان الوكالة بالعزل، وهذه التصرفات موقوفة على الإجازة على ترجيح قول تقدم ذكره وهو أن تصرف الفضولي صحيح مع الإجازة، ولا يضمن الوكيل لعدم تفريطه، ويتوجه تضمين الموكل إذا كان قد غرر به لأنه هو المتعدي بالتغرير. ولا تقبل دعوى الموكل العزل لوكيله بعد تصرفه لتعلق حق الغير به إلا ببينة لكن يستثنى الطلاق ويدين. هل تبطل وكالة الثاني بموت الوكيل الأول أم لا؟ إذا قال الموكل للوكيل: وكلتك ولك الحق في التوكيل، فوكل غيره فمات الوكيل، فهل تبطل هذه الوكالة أم لا تبطل؟ فيه تفصيل: ١- أما إن قال له وكلتك وأذنت لك أن توكل عني فوكل عنه، فالوكيل الجديد وكيل عن صاحب المال، وحينئذ فإذا مات الوكيل الأول فلا تبطل الوكالة. ٢- وأما إذا قال له: وكلتك ولك أن توكل عن نفسك من شئت، فوكل عن نفسه من شاء ثم مات فإن الوكالة تبطل، لأن هذا اللفظ مقتضاه أن الوكيل الجديد وكيل عن الوكيل الأول.

стр. 2298

وكذلك العزل: فليس له العزل في الحالة الأولى، وله العزل في الحالة الثانية، فإذا قال: وكلتك وأذنت لك أن توكل عني، فليس له العزل، لأنه إذا عقدها مع الوكيل الجديد فحينئذ يكون هذا الوكيل قد ارتبط بالأول، وأما إذا قال له وكلتك وأذنت لك أن توكل عن نفسك، فوكل عن نفسه فله أن يعزل لأن هذا وكيل عنه. قوله [وحجر السفيه] إذا حجر على السفيه بطلت الوكالة، وذلك لأن السفيه غير جائز التصرف فليس له أهلية التصرف، وحينئذ فإن كان طرفا في الوكالة فتبطل الوكالة، بخلاف الحجر على المفلس، فإن الوكالة لا تبطل إذا كان طرفا فيها، وذلك لثبوت أهلية التصرف له كما تقدم، لكن إن كانت الوكالة في أعيان ماله التي ثبت الحجر عليها فتبطل الوكالة، وذلك لأن هذه الوكالة قد تعلقت بما لا يجوز التصرف فيه، فهو لا يجوز له أن يتصرف في أعيان ماله التي ثبت الحجر عليها، فلا يصح حينئذ أن يوكل فتبطل الوكالة، وأما كونه وكيلا أو موكلا في أشياء أخر ليست من هذا الباب، كأن يوكل في نكاح أو طلاق أو أن يوكل في بيع أو شراء أو نحو ذلك فهذه الوكالة صحيحة لأنه جائز التصرف. قوله [ومن وكل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه وولده] من وكل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه وولده، وسائر من لا تقبل شهادته له ممن يتهم فيهم، فإذا قال الموكل لوكيل وكلتك أن تبيع داري، فهل للوكيل أن يشتريها؟ أو قال وكلتك أن تشتري لي دارا فهل له أن يبيع له داره؟ الجواب: لا يجوز ذلك، فلا يجوز أن يكون بائعا ولا مشتريا، وكذلك لا يجوز أن يدخل ولده أو زوجته وسائر من لا تقبل شهادته له ممن يتهم فيهم، وذلك لعلتين: الأولى: أن العرف هو بيع الشخص من غيره لا من نفسه، فكانت الوكالة كذلك، فالوكالة ترجع إلى العرف، فإذا قال بع لي هذه الدار، فالأصل في هذا البيع أن يكون بيعا على غيره، وحينئذ فالوكالة ترجع إلى هذا.

стр. 2299

الثانية: التهمة من ترك الاستقصاء في الوصول إلى الثمن المناسب، فهنا العلتان أوجبتا المنع من أن يكون الوكيل طرفا في البيع والشراء، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وعن الإمام أحمد أن ذلك جائز، بشرط أن ينادي عليها ويكون المنادي غيره، ويشتريها بسعر أكثر مما وصلت إليه في المناداة، وحينئذ فتدفع التهمة المتقدمة من ترك الاستقصاء. ولا يظهر أن هذا كاف لدفع التهمة، فإن قد يبيعها في أيام لا تصل فيه السلعة مع النداء إلى ثمنها المناسب، وإن زاد عليه كما هو معلوم في بيع السلع، فالمقصود أنه متى استقصى وجعل لها سعرها المناسب ثم زاد على ذلك فإن ذلك يكون دافعا للتهمة المتقدمة، وأما العلة الأولى وهو أن العرف أن البيع يكون بيع الرجل من غيره لا من نفسه، فالجواب عن هذا: أن مقصود الموكل يحصل بهذا البيع بل مقصوده يحصل وأعظم منه إذا باع الموكل لنفسه، فإن مقصوده أن تباع هذه السلعة بثمن مناسب لها، فإذا بيعت بهذا الثمن المناسب وزيادة فإن مقصوده يحصل بل يحصل أعظم منه، فالذي يظهر هو هذا القول، وأنه متى استقصى استقصاء ظاهرا واشتراها بأعلى مما تقف عليه سوما فإن هذا البيع صحيح، وكذلك الشراء لما تقدم، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول الأوزاعي، ومثل ذلك الولي على اليتيم والحاكم، فإذا احتاج الولي إلى بيع شيء من مال موليه اليتيم ووصل سعره في السوق إلى سعر ما بعد الاستقصاء ثم اشتراه فإن هذا الشراء جائز، لعدم وجود التهمة، ولقول الله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ . قوله [ولا يبيع بعرض ولا نسأ ولا بغير نقد البلد]

стр. 2300

ليس للوكيل أن يبيع بعرض، فإذا قال: بع لي هذه الشياة، فباعها الوكيل بإبل أو بثياب أو نحو ذلك فهذا لا يجوز، وذلك لأن عقد الوكالة لا يقتضي هذا، فإن عقد الوكالة يقتضي أن يبيعها بدراهم أو دنانير، فإذا باعها بعرض فإن هذا البيع لا يصح، فهو إنما أذن له ببيع يقتضيه عقد الوكالة، وكذا إذا باعها نساء أي بتأخير، فإذا قال: بع لي هذه الدار بمائة ألف، فباعها بمائة ألف ريال إلى شهر، فالبيع باطل، وذلك لأن عقد الوكالة لا يقتضي ذلك، فهو يقتضي أن يكون الثمن حالا لا مؤجلا، وكذلك إذا باعها بغير نقد البلد، فكذلك البيع يكون باطلا، لأن مقتضى عقد الوكالة أن يبيعها بنقد البلد، وعليه فالبيع باطل، وحينئذ يكون من تصرف الفضولي، وتصرف الفضولي موقوف على الإجازة، فإذا أجاز الموكل وقال رضيت بهذا البيع وإن كان بغير نقد البلد أو رضيت به وإن كان بعرض أو رضيت بتأخير الثمن فيكون البيع صحيحا وإلا فهو باطل. قوله [وإن باع بدون ثمن المثل] فمثلا كأن يقول له بع لي هذه السيارة، وكان سعرها مثلا عشرة آلاف، فباعها بتسعة آلاف. قوله [أو دون ما قدره له] فهاتان مسألتان في البيع، والمسألتان اللتان بعدهما في الشراء. قوله [أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل] كأن يقول: اشتر لي سيارة وصفها كذا وكذا، وسعر مثلها كان عشرة آلاف، فاشتراها له بأحد عشر ألفا. قوله [أو بأكثر مما قدره له] كأن يقول له: اشتر لي سيارة وصفها كذا وكذا بعشرة آلاف، فاشتراها له بأحد عشر ألفا. قوله [صح البيع وضمن النقص والزيادة]

стр. 2301

إذن البيع صحيح، يضمن الوكيل النقص في مسألتي البيع، ويضمن الزيادة في مسألتي الشراء، وذلك لأنه مفرط، إلا إذا كان الغبن الذي غبن به غير فاحش فإنه معفو عنه هذا إذا لم يقدر له ثمنا للبيع أو الشراء، وهذا هو المشهور من المذهب، وعن الإمام أحمد وهو اختيار الموفق وهو مذهب الشافعي أن البيع لا يصح، وعليه فعلى القول بوقف تصرف الفضولي على الإجازة يكون موقوفا على الإجازة وإلا فهو بيع باطل، وذلك للعلة المتقدمة، وهي أن عقد الوكالة لا يقتضي هذا، فعقد الوكالة يقتضي أن يشتري له سيارة بثمن مثلها أو بما حدده له، أو أن يبيع له السيارة بثمن مثلها أو بما حدده له، وما زاد أو نقص فهو غير مأذون فيه، وحينئذ يكون تصرفه خارجا عن مقتضى الوكالة، وهذا القول هو الراجح وعليه فهذه البيوع باطلة إلا أن يجيزها الموكل.والراجح المذهب لأن الوكيل لم يخالف في أصل العقد فقد باع بإذن الموكل ولا ضرر على الموكل إلا بالنقص ويضمن له. قوله [وإن باع بأزيد] كأن يقول: بع لي هذه السيارة بعشرة آلاف فباعها بأحد عشرة ألفا. قوله [أو بع بكذا مؤجلا فباع حالا] كأن يقول بع لي هذه السيارة بعشرة آلاف مؤجلة، فباعها بعشرة آلاف حالة، فهذا يعتبر خيرا للموكل. قوله [أو اشتر بكذا حالا فاشترى به مؤجلا] كأن يقول اشتر بعشرة آلاف هذا الشيء حالا، فاشتراه بعشرة آلاف مؤجلا، فهذه كلها فيها خير للموكل، فعقد الوكالة وإن لم يقتضيها لكن فيها خير، وقد تقدم حديث عروة البارقي الذي رواه البخاري وفيه أن النبي ﷺ أعطاه دينارا ليشتري به شاة، فاشترى به شاتين، وباع أحدهما بدينار، فهو قد اشترى الشاتين بدينار، والنبي ﷺ قد وكله أن يشتري شاة بدينار، فهذا فيه خير وإن لم يقتضيه عقد الوكالة فكان جائزا، لكن بشرط وهو ألا يكون فيه ضرر فيهما ولذا قال: قوله [ولا ضرر فيهما صح وإلا فلا]

стр. 2302

أما إذا كان فيهما ضرر كأن يلحقه ضرر بحفظ المال كأن يقول: بع لي هذه السيارة بعشرة آلاف مؤجلة، فيبيعها بهذا الثمن حالا ويضره أن تكون هذه العشرة آلاف معه الآن ويخالف مقصوده فإنه لا يريد حفظ المال في هذا الوقت، وفي المسألة الأخرى له مقصوده بكون الثمن الذي يدفعه حالا فحينئذ لا يصح التصرف لأنه خالف عقد الوكالة، والمشهور من المذهب أنه يصح وإن كان فيه ضرر، فإذا قال بع لي هذه السلعة بعشرة آلاف إلى سنة، وهو لا يريد المال الآن فباعها بهذا السعر حالة فإنه يصح وإن كان عليه ضرر، والصحيح خلافه لأن عقد الوكالة لا يقتضيه، وإنما صححناه حيث لا ضرر لأن هذا البيع يحصل به أعظم من المقصود وأعظم من المراد فلا يتوجه المنع منه مطلقا، وأما حيث كان هناك ضرر فحينئذ يكون قد خالف عقد الوكالة على وجه يضر به، وما ذكره المؤلف هو أحد القولين في المذهب. والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد فصل قوله [وإن اشترى ما يعلم عيبه لزمه إن لم يرض موكله]

стр. 2303

إذا اشترى الوكيل ما يعلمه معيبا، فقد اشتراه على بصيرة فإنه يلزمه، لأنه قد اشتراه على بصيرة، ولأن عقد الوكالة يقتضي شراء السليم، فإن رضي موكله فحينئذ يكون للموكل لرضاه، هذا إن كان الشراء في الذمة من الوكيل للموكل، وذلك لأنه قد نوى الشراء له، وأما إذا كان هذا الشراء بعين مال الموكل كأن يقول: اشتر لي بهذه الدراهم دارا، فاشترى له دارا معيبة فلا يصح في المذهب، وهذا يرجع إلى تصرف الفضولي والخلاف فيه، وقد تقدم أن الصحيح أن تصرف الفضولي موقوف على الإجازة كما هو أصح الأقوال في هذه المسألة، إذن إذا تصرف الوكيل له في الذمة تصرفا لا يقتضيه عقد الوكالة فرضي به الموكل فيصح ذلك لأنه قد نوى الشراء له، أما إذا كان بعين مال الموكل فلا يصح، والصحيح ما تقدم من أنه موقوف على الإجازة، فإن رضي الموكل فالبيع صحيح، ويكون من باب تصرف الفضولي. قوله [فإن جهل رده] فإذا جهل الوكيل هذا العيب الموجود في السلعة فإنه يرد هذه السلعة، لأنها معيبة، والوكيل يقوم مقام موكله فهو نائب عنه، فكما أن الموكل له الرد بالعيب فكذلك الوكيل. قوله [ووكيل البيع يسلمه ولا يقبض الثمن بغير قرينة] مثاله: وكل زيد عمروا في أن يبيع له سيارة، فإن عمروا وهو الوكيل يقبض المشتري السيارة، وذلك لأن عقد الوكالة يقتضي هذا، فقد وكله في البيع ومقتضى عقد الوكالة أن يسلم هذه السيارة للمشتري، ولكن هل يقبض الوكيل الثمن من المشتري عن موكله أم لا؟ قولان في المذهب:

стр. 2304

القول الأول: وهو المشهور من المذهب هو ما ذكره المؤلف من أنه لا يقبض الثمن بغير قرينة، فليس له أن يقبض الثمن لأنه إنما وكله في البيع ولا يقتضي هذا إلا تسليم المبيع، وأما قبض الثمن فلا يقتضيه عقد الوكالة، وهو قد يوكل بالبيع من لا يثق به في القبض، إلا بقرينة تدل على أنه أراد منه أن يقبض الثمن، كأن يعطيه سلعة ليبيعها في سوق هو غائب عنه، فمقتضى هذا أن يستلم الثمن. القول الثاني: أنه يقبض الثمن مطلقا، وفيه ضعف لمخالفته عقد الوكالة كما تقدم. واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن مرجع هذه المسألة إلى العرف والعادة، وذلك لأن الإذن العرفي كالإذن اللفظي وما ذكره الشيخ قرينة عرفية فإن أعطاه حلياً ليبيعه فيقبض الثمن لوجوب التقابض فهي قرينة شرعية. قوله [ويسلم وكيل المشتري الثمن] فلوكيل المشتري أن يسلم الثمن للبائع كالمبيع، فكما أن لوكيل البائع أن يسلم المبيع، فلوكيل المشتري أن يسلم الثمن، لأن عقد الوكالة يقتضي هذا، وهل يقبض وكيل المشتري السلعة المبيعة أم لا؟ على ما تقدم في قبض وكيل البائع الثمن. قوله [فلو أخره بلا عذر وتلف ضمنه] إذا أخر وكيل البائع تسليم المبيع أو أخر وكيل المشتري تسليم الثمن بلا عذر وتلف ضمنه، لأنه قد تعدى بالتأخير، والمتعدي ضامن. قوله [وإن وكله في بيع فاسد فباع صحيحا.... لم يصح] إذا وكله في بيع فاسد فإن هذا البيع لا يصح لأن الموكل لا يصح له أن يبيع هذا البيع الفاسد، فكذلك الوكيل، فلو وكله أن يشتري له خمرا أو أن يبيع له خمرا فإن هذا البيع فاسد كما هو فاسد من موكله، ولو وكله في بيع فاسد فباع صحيحا كأن يشتري له شيئا غير محرم كأن يشتري به إبلا أو بقرا أو خلاً فلا يصح، لأنه لم يأذن له بذلك. قوله [أو وكله في كل قليل وكثير.... لم يصح]

стр. 2305

إذا قال: وكلتك في كل قليل وكثير، فطلق نسائي إن شئت، وأنفق مالي إن شئت وهبه إن شئت فأنا قد وكلتك في كل قليل وكثير قال هنا (لم يصح) وذلك لما فيه من الغرر، فقد يطلق عليه كل نسائه وقد ينفق عليه كل ماله ففيه غرر، وقال ابن أبي ليلى من الفقهاء وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي بل يصح هذا، قالوا: لأنه إنما وكله لتمام ثقته به، وطمأنينته إلى اختياره، ولأنه لو قال به بالتفصيل لجاز هذا، فلو قال: وكلتك في طلاق نسائي صح، ووكلتك في هبة مالي صح، فكذلك يصح إجمالاً، وهذا القول هو الراجح، وذلك لما تقدم ولأن المصلحة قد تقتضي مثل هذا، كأن يكون عنده سوء تصرف فيوكل من يقوم على مصالحه .قوله [أو شراء ما شاء] كذلك إذا وكله في شراء ما شاء كأن يقول له: اشتر ما شئت، فيقول: هذه مائة ألف اشتر لي بها ما شئت، فهذا لا يصح. قوله [أو عينا بما شاء ولم يعين لم يصح] كذلك إذا قال اشتر لي هذه السيارة بما شئت من المال فهذا لا يصح لما فيه من الغرر، وعن الإمام أحمد وهو اختيار طائفة من أصحابه أنه يصح، لما تقدم تقريره، وهو أنه اختاره لكمال ثقته به ولطمأنينته إلى اختياره، ولعلمه أنه لا يختار إلا الأصلح وحينئذ فمثل هذا جائز والأصل في المعاملات الحل. قوله [والوكيل في الخصومة لا يقبض والعكس بالعكس] فمن وكل في خصومة فليس له أن يقبض كأن يقول الموكل لوكيله أنا أريد من فلان عشرة آلاف وقد وكلتك في الخصومة عني أي عند المحاكم ونحو ذلك، فهل يقبض المال الذي يخاصم عليه؟

стр. 2306

الجواب: لا يقبضه، وذلك لأن عقد الوكالة لا يقتضيه، فعقد الوكالة إنما هو في الخصومة لا القبض، ولأنه قد لا يثق به في القبض مع ثقته في الخصومة، وقوله (والعكس بالعكس) أي إن وكله في القبض فله الخصومة، فإن قال أنا أريد من فلان عشرة آلاف وقد وكلتك أن تقبضها منه، فماطل أو جحد المدين فللوكيل الخصومة، وهذا أحد القولين في المذهب، والقول الثاني في المذهب أنه ليس له الخصومة وهو الراجح، وذلك لأن عقد الوكالة لا يقتضيه، وهو قد يثق به في القبض لأمانته ولا يثق به في الخصومة لعدم معرفته بطرق إثبات الحق، فإذا قال وكلتك أن تقبض حقي، فماطل أو جحد المدين فليس له أن يخاصم عن موكله، إلا مع القرينة كأن يوكله في قبض مال في ذمة أحد من الناس يعلم الموكل أنه جاحد وأنه مماطل، فمماطلته وجحده قرينة على أنه أراد منه أن يخاصم عنه، فالراجح أن من وكل بالقبض فلا يعني ذلك أن له الخصومة عن موكله إلا أن تكون هناك قرينة. قوله [واقبض حقي من زيد لا يقبض من ورثته إلا أن يقول الذي قِبَلَهُ] إذا قال له وكلتك أن تقبض حقي من زيد، فحينئذ له أن يقبضه من زيد أو من وكيله لأن الوكيل يقوم مقام الموكل. وهل له أن يقبضه من ورثة زيد؟

стр. 2307

قال المؤلف هنا ليس له أن يقبضه من ورثة زيد، لأن عقد الوكالة إنما في القبض من زيد، وليس فيه القبض من ورثة زيد، وأما الوكيل فإنه يقوم مقام زيد، إلا أن يقول قبله، فإذا قال: وكلتك أن تأخذ حقي الذي قِبَلَ زيد أي الذي من جهته فحينئذ يأخذه ولو من ورثته لدلالة اللفظ، واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أنه إن قال اقبض حقي من زيد فله أن يقبضه من ورثته وذلك لأن مراده تحصيل الحق سواء كان من زيد أو من وكيله أو من ورثته، وهذا هو الظاهر من مراده إلا أن يصرح كأن يقول: اقبض حقي من زيد نفسه لا من ورثته فحينئذ ليس له أن يأخذه من ورثته، وما ذكره الشيخ ﵀ هو الظاهر لأن العبرة بالمعاني لا بالمباني. قوله [ولا يضمن وكيل في الإيداع إذا لم يشهد] إذا قبض الوكيل الثمن ثم أودعه أي جعله وديعة عند فلان من الناس ولم يشهد أنه قد أودعه إياه، ثم أنكر المودع عنده فهل يضمن هذا الوكيل؟ قال: لا يضمن، وذلك لأنه لا فائدة من الإشهاد وعليه فإنه لا يكون مفرطا. وهذا يرجع إلى مسألة اختلف فيها أهل العلم وهي: إذا ادعى المودع عنده الرد، فقال: قد رددت الوديعة، فهل يقبل فوله حينئذ فعليه اليمين، أو لا يقبل قوله إلا ببينة تدل على الرد؟ قولان لأهل العلم: فالجمهور على أنه يقبل قوله مطلقا، أي قول المودع عنده، فإذا اختلف المودع والمودع عنده في رد الوديعة فالقول قول المودع عنده مع يمينه، وعليه فلا فائدة من الإشهاد، فلو أن المودع أشهد على أنه وضع هذا المال وديعة عند فلان، ثم ادعى أنه قد ردها إليه فإنه يقبل قوله فلا فائدة من هذا الإشهاد، وعليه تنبني هذه المسألة في المذهب.

стр. 2308

والقول الثاني: وهو مذهب مالك أنه إذا كان هناك بينة في الإيداع فلا يقبل قول المودع عنده في الرد إلا ببينة، بمعنى وضعت عنده وديعة، وأشهدت على الوديعة فحينئذ لا يقبل قوله في الرد إلا ببينة، وذلك لأن المودع إنما وضع البينة أولا خوفا من الجحود فحينئذ يراعى قصده، وهذا هو المشهور في مذهب مالك، ولذا فعن الإمام أحمد ﵀ في هذه المسألة أي مسألة الباب وهو قول لبعض الحنابلة أن الوكيل يضمن إذا لم يشهد فإذا حصل الوكيل ما وكل به ثم جعله وديعة عند رجل ولم يشهد ثم أنكر هذا المودع عنده فإن الوكيل يضمن وذلك لتفريطه، لأنه لو أشهد لم يقبل قول المودع عنده إلا ببينة وعليه فيكون مفرطا. ولأن المودع عنده قد ينسى فينكر الوديعة. فصل قوله [والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط] فالوكيل يده يد أمانة، فإذا تلف شيء في يده وهو لم يفرط فحينئذ لا ضمان عليه، فإذا تسلم الوكيل الثمن ثم حصل له تلف أو سرقة أو غصب أو نحو ذلك فحينئذ لا يضمن لأنه لم يفرط بترك ما يجب ولم يتعدِ في فعل مالا يجوز كأن يستعمل ما وكل في بيعه فيتلف والتفريط كأن يضعه في غير حرز. قوله [ويقبل قوله في نفيه] أي في نفي التفريط، فلا نقول هات بينة على أنك لم تفرط، بل متى ادعى أنه لم يفرط وحلف على ذلك فالقول قوله لما تقدم. قوله [والهلاك مع يمينه] فإذا ادعى الوكيل هلاك المال فكذلك يقبل قوله لأنه أمين وحينئذ فعليه اليمين. قوله [ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو لم يلزمه دفعه إن صدقه ولا اليمين إن كذبه] إذا ادعى رجل أنه وكيل لزيد في قبض حق زيد من عمرو فما الحكم؟

стр. 2309

لا يلزم عمروا أن يدفع الحق إن صدقه، وذلك لأنه يحتمل أن ينكر زيد، ويقول أنا لم أوكله وحينئذ فيتضرر عمرو بالرجوع عليه، ولا يلزمه اليمين إن كذب الوكيل، فاليمين لا تلزم عمروا لأن اليمين إنما تلزم حيث كان النكول عنها نافعا مثبتا للحق فلا يلزم أن يقول والله إنك كاذب وأنه لم يوكلك. قوله [فإن دفعه وأنكر زيد الوكالة حلف وضمنه عمرو] فإذا دفع هذا المدين الحق إلى الوكيل، وأنكر زيد الوكالة وقال: أنا لم أوكله، فإن زيدا يحلف لأنه مدعي عليه ويغرم عمرو، وذلك لأن الحق باق في ذمته حتى يسلمه إلى صاحبه، وهو لم يسلمه إلى صاحبه فيبقى في ذمته، ويرجع عمرو على هذا الوكيل بحقه. قوله [وإن كان المدفوع وديعة أخذها] مثاله: وضع زيد عند عمرو وديعة، فقال: هذه الحلي وديعة عندك، فأتى شخص وادعى أنه وكيل عن زيد في قبض الحلي فقبضه هذا الوكيل، فحيث وجد زيد الحلي فإنه يقبضها في أي موضع وجدها، فإذا وجده في يد هذا الوكيل أخذه، وإذا وجده في يد المشتري من هذا الوكيل أخذه، لأنه عين حقه، وقد انتقل عنه بغير حق فلم يكن هذا الانتقال معتبرا، هذا إذا كان عين الوديعة أو نحوها إن كان باقيا، أما إذا كان تالفا فإنه يضمن أيهما شاء. قوله [فإن تلفت ضمن أيهما شاء] فإن شاء ضمن هذا الوكيل المدعي للوكالة، وإن شاء ضمن المودع عنده، أما تضمين المودع عنده فلأنه قد فرط في إخراج هذه الوديعة من يده بغير إذن شرعي، فيكون مفرطا وعليه فيكون ضامنا، وأما تضمين القابض المدعي للوكالة فلأنه أخذ الشيء بغير حقه، فقد أخذ شيئا لا يستحقه فيكون ضامن والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد باب الشركة

стр. 2310

الشركة يصح فيها هذا الضبط على وزن (سرقة) ، ويصح على وزن (نسعة) بكسر النون وسكون السين، ويصح على وزن (تمرة) ، والشركة هي كما عرفها المؤلف: قوله [وهي اجتماع في استحقاق أو تصرف] فالشركة نوعان: الأول: شركة أملاك واستحقاق. الثاني: شركة تصرف أو عقود. فالشركة الأولى وهي شركة الأملاك أو الاستحقاق هي أن يشترك اثنان في عين أو منفعة، كأن يشترك زيد وعمرو في أرض لهما لكل واحد منهما النصف مثلا، أو يشتركان في منفعة ونحوه، وشركة الاستحقاق كل منهما له حق التصرف في نصيبه لأنه ملكه، وأما نصيب الآخر فليس له أن يتصرف فيه إلا بإذنه، وحينئذ فيكون تصرفه فيه كتصرف الفضولي موقوف على الإجازة، فإذا ورث اثنان أرضا لكل واحد منهما النصف فباعها أحدهما بغير إذن الآخر فإن البيع يصح في نصيبه لا في نصيب الآخر، وصحة البيع في نصيب الآخر موقوف على الإجازة كتصرف الفضولي، وهذا هو النوع الأول من أنواع الشركة. أما النوع الثاني وهو ما يبحث فيه في مسائل هذا الباب فهو شركة التصرف أو شركة العقود ولها أنواع كثيرة يأتي ذكرها. قوله [وهي أنواع: شركة العنان] شركة العنان مأخوذة من عنان الفرس، وذلك لأن الشريكين في تصرفهما في مال الشركة كفارسين على فرسين قد تساويا في السير، فكان عنان، وهو السير الذي يرتبط باللجام ويمسك به الفارس، كل واحد منهما مساو لعنان الآخر فكذلك في الشركة كل منهما يتصرف، هذا يتصرف من جهة بملكه، ومن جهة أخرى بالوكالة. قوله [وهي أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم] كأن يدفع هذا عشرة آلاف، وهذا عشرة آلاف، ويشترك فيها بدنان فأكثر، ولا بد أن يكون المال المشترك فيه معلوما، إذ الجهالة غرر، وقد نهت الشريعة عن الغرر. قوله [ولو متفاوتا]

стр. 2311

فلا يشترط التساوي في المال المشترك فيه، فلو دفع أحدهما عشرة آلاف والآخر عشرين ألفا فهذا جائز، فلا يشترط التساوي لحصول المقصود بذلك، وعدم ترتب الغرر، ولأن الأصل في المعاملات الحل. قوله [ليعملا فيه ببدنيهما] أو يعملان ببدنيهما أو بأبدان من ينيبانه. فكلاهما يعمل فيه، فيشتركان في المال، ويشتركان في العمل، ولو كان العمل متفاوتا ما دام معلوما. أو يعمل أحدهما ويكون له من الربح أكثر من ربح ماله نظير عمله كالإبضاع في المذهب وهو أن يعطي المال لمن يتجر به والربح كله للدافع والراجح أنه يصح وهو وجه في المذهب لأنه أسقط حقه من الربح برضاه وهو مذهب المالكية. قوله [فينفذ تصرف كل واحد منهما فيهما] فكل الشركاء ينفذ تصرفهم في هذا النوع من أنواع الشركة، فإذا اشترك زيد وعمرو ودفع كل واحد منهما عشرة آلاف فكل واحد منهما يتصرف بهذا المبلغ، فيتصرف في نصيبه لأنه مالك له، ونصيب الآخر لأنه وكيل عنه، ولذا قال: قوله [بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه] لأن هذا هو مقتضى هذا النوع من أنواع الشركة، فيتصرف كل واحد منهما بالمال بحكم الملك في نصيبه، وبالوكالة في نصيب الآخر، ولا يحتاج إلى إذن لأنه مقتضى عقد الشركة، فكل يتصرف بما فيه مصلحة الشركة، أما إذا كان التصرف تصرفا في غير مصلحتها كأن يتصرف في قرض أو عتق أو في محاباة أو في تبرع فهذا لا يقتضيه عقد الشركة فليس له أن يتصرف في هذا الباب، إلا أن يأذن الطرف الآخر، فإن تصرف ضمن.

стр. 2312

وعلى كل واحد منهما أن يقوم بما تجري العادة بتوليه إياه، فكل واحد منهما يقوم بالعمل الذي تقتضي العادة أن يقوم مثله بمثله، فإذا اشتركا في بيع قماش فطيه ونشره وإدخاله وإخراجه من الدكان هذا يقتضيه العقد، ويتولى الشريك مثله، فإذا استأجر الشريك أجيرا لشيء من هذه الأعمال فعليه الأجرة، لأن مقتضى عقد الشركة أن يقوم هو به، فإن قام به غيره فعليه الأجرة، وليست الأجرة من مال الشركة. وأما إن كان من الأعمال التي لا تقتضي العادة قيامه بها، كأن تكون الشركة في عدة دكاكين وهما شريكان ومعلوم أنهما لا يمكن أن يقوما بالإشراف والبيع في هذه الدكاكين الكثيرة فحينئذ إذا استأجر أجراء ليقوموا بهذه الأعمال فيكون ذلك - أي أجرتهم - من الشركة. أما إذا كانت العادة تجري - كما يوجد عندنا - بمجرد الإشراف عليه ومتابعته للعمال فإذا أتى بأحد يشرف عنه فعليه هو الأجرة، لأن العادة جارية بأن الإشراف يكون على الشريك أو على الشريكين، وأما الأجراء والعمال فإن العادة جارية على أنه لا يتولاه مثله وحينئذ فتكون الأجرة من مال الشركة. قوله [ويشترط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين ولو مغشوشين يسيراً] فيشترط أن يكون رأس المال من النقدين من الدراهم والدنانير المضروبين، ولو كان فيهما غش يسير فلا بأس، فلو كان في الذهب غش يسير من فضة فهذا لا يؤثر، وذلك لأن هذا الغش اليسير لا يمكن التحرز منه، وهذا في القديم لما كانت تضرب الدراهم والدنانير وهو لمصلحة تصليب النقد، وأما إذا كان الغش كثيرا فلا يصح حينئذ المشاركة بها، وذلك لما فيه من الغرر. والمضروب هو الذي جعل نقداً.

стр. 2313

والمذهب يقتصر في شركة العنان على أن يكون مال شركة العنان من الدراهم والدنانير المضروبة، ولا تصح الشركة في العروض، فلو اشتركا في قماش أو ثياب أو أراض عقارية فهذا لا يجوز، وعللوا ذلك: بأن عروض التجارة من القماش والثياب ونحوها أسعارها تزيد وتنقص فلا تكون منضبطة، فإذا أراد أن يفترق الشريكان فحينئذ قد يستوعب نصيب أحدهما المال كله، فمثلا: اشتركا في أراض في حائل وأراض في الرياض، وبعد عشر سنوات أصبحت قيمة الأراضي في الرياض أضعافا كثيرة، ونزلت قيمة الأراضي في حائل فإذا قيل يشتري لهذا أرض في الرياض وللآخر أرض في حائل فقد يستوعب الأول الربح كله أو أكثره فلا يصح الشركة فيها للغرر لأن القيمة غير منضبطة، وذهب الإمام مالك وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو اختيار الإمام محمد بن عبد الوهاب وصوبه صاحب الإنصاف واختيار طائفة من الحنابلة أن الشركة في العروض جائزة، قالوا: لأن الأصل في المعاملات الحل، وأما ما ذكرتموه من الغرر فإنه يندفع بتقويمها عند العقد، وتكون دراهما عند الفراغ من الشركة أو بطلانها، فإذا اشتركا - كما في المثال المتقدم - في أراضي في مناطق مختلفة أو بعروض أو نحو ذلك فإنها تقوم ويكون رأس كل واحد منهما هو هذا، وحينئذ فلا غرر، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة. قوله [وأن يشترطا لكل منهما جزءا من الربح مشاعا معلوما] فيشترط لكل واحد منهما - أي من المتشاركين - جزءا من الربح مشاعا، كالربع والثلث أو النصف ونحو ذلك، وهذا باتفاق العلماء دفعا للغرر، وذلك لأنهما لو قدرا دراهم محدودة في كل شهر فقال: لهذا ألف درهم كل شهر، وللآخر الباقي فهذا فيه غرر، وقد يربح أضعافا مضاعفة، وقد لا يربح شيئا، فيكون في ذلك غرر، وهذا من الميسر المنهي عنه. قوله [فإن لم يذكرا الربح.... لم يصح]

стр. 2314

لأن المقصود من الشركة الربح وعليه فإن لم يذكر الربح لم تصح. فإذا تشاركا ولم يذكرا الربح لم يصح البقاء على عدم ذكر الربح، وحينئذ فيقسم لكل واحد منهما نصيبه على قدر ماله كما قرر ذلك فقهاء الحنابلة، فعندما يتشارك اثنان في تجارة، كل واحد منهما دفع النصف، ولم يقدرا ربحا فيكون ربح كل واحد منهما النصف، ويتخرج على قول شيخ الإسلام في مسألة شبيهة في فساد الشركة، يتخرج على قوله في تلك المسألة أن كل واحد منهما يعطي نصيبه على قدر النفعين بمعرفة أهل الخبرة، وهذا هو الذي يقتضيه العدل، بمعنى أن كل واحد منهما يعطى على قدر نفعه المالي أولا، وعلى قدر نفعه البدني ثانيا، وأما الحنابلة فقد أعطوا على قدر النفع المالي وأهملوا النظر إلى النفع البدني، فالعدل أن يعطى كل واحد منهما على قدر النفعين النفع المالي، والنفع البدني، وهذا القول هو الراجح. وعليه - وهو قول الحنابلة وغيرهم - لو أنهما تدافعا مالا كل واحد منهما دفع النصف، وكان الجزء المشاع لأحدهما أكثر من النصف فهذا جائز نظرا للنفع البدني، وذلك لأنهما تراضيا وتشارطا عليه والمسلمون على شروطهم وهو كما تقدم مقتضى العدل. فإذن إذا فسد العقد قسم الربح على قدر المالين ولكلٍ منهما أن يرجع بأجرة نصف عمله. قوله [أو شرطا لأحدهما جزءا مجهولا] فلو قال لك البعض ولي البعض فهذا مجهول، فلا يجوز ذلك للغرر. قوله [أو دراهم معلومة] فإذا قال لك ألف ريال أو أكثر أو أقل فهذا لا يجوز لما فيه من الغرر. قوله [أو ربح أحد الثوبين لم تصح]

стр. 2315

إذا قال لك ربح أحد المالين ولي ربح الآخر، كأن يشتركا في مال، وهذا المال في موضعين، فبعضه هنا وبعضه في بلدة أخرى، فقال أحدهما: لي الربح الذي يكون في هذه البلدة، ولك الربح الذي يكون في البلدة الأخرى فهذا لا يجوز، وذلك لأنه غرر، وقد نهى النبي ﷺ عن الغرر، فقد يربح هنا ولا يربح هناك، وقد يكون العكس. قوله [وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة] كذلك المساقاة وسيأتي الكلام عليها، والمزارعة والمضاربة وهي نوع من أنواع الشركة، يشترط أن يكون الربح فيها جزءا مشاعا معلوما باتفاق العلماء دفعا للغرر. قوله [والوضيعة على قدر المالين] الوضيعة هي الخسارة، فتكون الخسارة على قدر المالين، مثاله: اشترك اثنان فدفع أحدهما ثلث المال والآخر ثلثاه وكان لكل واحد من الربح النصف فالخسارة تكون بقدر المال لا بقدر الربح، وهذا باتفاق العلماء، وهذا هو العدل وذلك لأن الخسارة متعلقة بالمال لا بالربح، فالخسارة لا تعلق لها بالربح، فعلى ذلك من له الثلثان من الربح فالخسارة عليه بقدر الثلثين، ومن له الثلث تكون الخسارة بقدر الثلث نظرا لتعلق الخسارة بالمال نفسه. فإن شرط عليه من الوضيعة أكثر من قدر ماله فسد الشرط وحده لمخالفته مقتضى العقد، وكذا لو شرط ضمان المال لو تلف فهو شرط فاسد، أو شرط أن لا يفسخ الشركة مدة بعينها. فعلى ذلك الشروط في الشركة كالشروط في البيع والنكاح: شرط صحيح كأن يشترط أن لا يتجر إلا في كذا. ٢- شرط فاسد مفسد للعقد وهو ما يعود بجهالة الربح. ٣-شرط فاسد غير مفسد للعقد كأن يشترط ضمان المال أو لزوم الشركة بأن لا يفسخ مدة معينة. قوله [ولا يشترط خلط المالين]
следующие страницы →