فلا يشترط التساوي في المال المشترك فيه، فلو دفع أحدهما عشرة آلاف والآخر عشرين ألفا فهذا جائز، فلا يشترط التساوي لحصول المقصود بذلك، وعدم ترتب الغرر، ولأن الأصل في المعاملات الحل.
قوله [ليعملا فيه ببدنيهما]
أو يعملان ببدنيهما أو بأبدان من ينيبانه.
فكلاهما يعمل فيه، فيشتركان في المال، ويشتركان في العمل، ولو كان العمل متفاوتا ما دام معلوما.
أو يعمل أحدهما ويكون له من الربح أكثر من ربح ماله نظير عمله كالإبضاع في المذهب وهو أن يعطي المال لمن يتجر به والربح كله للدافع والراجح أنه يصح وهو وجه في المذهب لأنه أسقط حقه من الربح برضاه وهو مذهب المالكية.
قوله [فينفذ تصرف كل واحد منهما فيهما]
فكل الشركاء ينفذ تصرفهم في هذا النوع من أنواع الشركة، فإذا اشترك زيد وعمرو ودفع كل واحد منهما عشرة آلاف فكل واحد منهما يتصرف بهذا المبلغ، فيتصرف في نصيبه لأنه مالك له، ونصيب الآخر لأنه وكيل عنه، ولذا قال:
قوله [بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه]
لأن هذا هو مقتضى هذا النوع من أنواع الشركة، فيتصرف كل واحد منهما بالمال بحكم الملك في نصيبه، وبالوكالة في نصيب الآخر، ولا يحتاج إلى إذن لأنه مقتضى عقد الشركة، فكل يتصرف بما فيه مصلحة الشركة، أما إذا كان التصرف تصرفا في غير مصلحتها كأن يتصرف في قرض أو عتق أو في محاباة أو في تبرع فهذا لا يقتضيه عقد الشركة فليس له أن يتصرف في هذا الباب، إلا أن يأذن الطرف الآخر، فإن تصرف ضمن.
стр. 2312
وعلى كل واحد منهما أن يقوم بما تجري العادة بتوليه إياه، فكل واحد منهما يقوم بالعمل الذي تقتضي العادة أن يقوم مثله بمثله، فإذا اشتركا في بيع قماش فطيه ونشره وإدخاله وإخراجه من الدكان هذا يقتضيه العقد، ويتولى الشريك مثله، فإذا استأجر الشريك أجيرا لشيء من هذه الأعمال فعليه الأجرة، لأن مقتضى عقد الشركة أن يقوم هو به، فإن قام به غيره فعليه الأجرة، وليست الأجرة من مال الشركة.
وأما إن كان من الأعمال التي لا تقتضي العادة قيامه بها، كأن تكون الشركة في عدة دكاكين وهما شريكان ومعلوم أنهما لا يمكن أن يقوما بالإشراف والبيع في هذه الدكاكين الكثيرة فحينئذ إذا استأجر أجراء ليقوموا بهذه الأعمال فيكون ذلك - أي أجرتهم - من الشركة.
أما إذا كانت العادة تجري - كما يوجد عندنا - بمجرد الإشراف عليه ومتابعته للعمال فإذا أتى بأحد يشرف عنه فعليه هو الأجرة، لأن العادة جارية بأن الإشراف يكون على الشريك أو على الشريكين، وأما الأجراء والعمال فإن العادة جارية على أنه لا يتولاه مثله وحينئذ فتكون الأجرة من مال الشركة.
قوله [ويشترط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين ولو مغشوشين يسيراً]
فيشترط أن يكون رأس المال من النقدين من الدراهم والدنانير المضروبين، ولو كان فيهما غش يسير فلا بأس، فلو كان في الذهب غش يسير من فضة فهذا لا يؤثر، وذلك لأن هذا الغش اليسير لا يمكن التحرز منه، وهذا في القديم لما كانت تضرب الدراهم والدنانير وهو لمصلحة تصليب النقد، وأما إذا كان الغش كثيرا فلا يصح حينئذ المشاركة بها، وذلك لما فيه من الغرر. والمضروب هو الذي جعل نقداً.
стр. 2313
والمذهب يقتصر في شركة العنان على أن يكون مال شركة العنان من الدراهم والدنانير المضروبة، ولا تصح الشركة في العروض، فلو اشتركا في قماش أو ثياب أو أراض عقارية فهذا لا يجوز، وعللوا ذلك: بأن عروض التجارة من القماش والثياب ونحوها أسعارها تزيد وتنقص فلا تكون منضبطة، فإذا أراد أن يفترق الشريكان فحينئذ قد يستوعب نصيب أحدهما المال كله، فمثلا: اشتركا في أراض في حائل وأراض في الرياض، وبعد عشر سنوات أصبحت قيمة الأراضي في الرياض أضعافا كثيرة، ونزلت قيمة الأراضي في حائل فإذا قيل يشتري لهذا أرض في الرياض وللآخر أرض في حائل فقد يستوعب الأول الربح كله أو أكثره فلا يصح الشركة فيها للغرر لأن القيمة غير منضبطة، وذهب الإمام مالك وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو اختيار الإمام محمد بن عبد الوهاب وصوبه صاحب الإنصاف واختيار طائفة من الحنابلة أن الشركة في العروض جائزة، قالوا: لأن الأصل في المعاملات الحل، وأما ما ذكرتموه من الغرر فإنه يندفع بتقويمها عند العقد، وتكون دراهما عند الفراغ من الشركة أو بطلانها، فإذا اشتركا - كما في المثال المتقدم - في أراضي في مناطق مختلفة أو بعروض أو نحو ذلك فإنها تقوم ويكون رأس كل واحد منهما هو هذا، وحينئذ فلا غرر، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
قوله [وأن يشترطا لكل منهما جزءا من الربح مشاعا معلوما]
فيشترط لكل واحد منهما - أي من المتشاركين - جزءا من الربح مشاعا، كالربع والثلث أو النصف ونحو ذلك، وهذا باتفاق العلماء دفعا للغرر، وذلك لأنهما لو قدرا دراهم محدودة في كل شهر فقال: لهذا ألف درهم كل شهر، وللآخر الباقي فهذا فيه غرر، وقد يربح أضعافا مضاعفة، وقد لا يربح شيئا، فيكون في ذلك غرر، وهذا من الميسر المنهي عنه.
قوله [فإن لم يذكرا الربح.... لم يصح]
стр. 2314
لأن المقصود من الشركة الربح وعليه فإن لم يذكر الربح لم تصح.
فإذا تشاركا ولم يذكرا الربح لم يصح البقاء على عدم ذكر الربح، وحينئذ فيقسم لكل واحد منهما نصيبه على قدر ماله كما قرر ذلك فقهاء الحنابلة، فعندما يتشارك اثنان في تجارة، كل واحد منهما دفع النصف، ولم يقدرا ربحا فيكون ربح كل واحد منهما النصف، ويتخرج على قول شيخ الإسلام في مسألة شبيهة في فساد الشركة، يتخرج على قوله في تلك المسألة أن كل واحد منهما يعطي نصيبه على قدر النفعين بمعرفة أهل الخبرة، وهذا هو الذي يقتضيه العدل، بمعنى أن كل واحد منهما يعطى على قدر نفعه المالي أولا، وعلى قدر نفعه البدني ثانيا، وأما الحنابلة فقد أعطوا على قدر النفع المالي وأهملوا النظر إلى النفع البدني، فالعدل أن يعطى كل واحد منهما على قدر النفعين النفع المالي، والنفع البدني، وهذا القول هو الراجح.
وعليه - وهو قول الحنابلة وغيرهم - لو أنهما تدافعا مالا كل واحد منهما دفع النصف، وكان الجزء المشاع لأحدهما أكثر من النصف فهذا جائز نظرا للنفع البدني، وذلك لأنهما تراضيا وتشارطا عليه والمسلمون على شروطهم وهو كما تقدم مقتضى العدل.
فإذن إذا فسد العقد قسم الربح على قدر المالين ولكلٍ منهما أن يرجع بأجرة نصف عمله.
قوله [أو شرطا لأحدهما جزءا مجهولا]
فلو قال لك البعض ولي البعض فهذا مجهول، فلا يجوز ذلك للغرر.
قوله [أو دراهم معلومة]
فإذا قال لك ألف ريال أو أكثر أو أقل فهذا لا يجوز لما فيه من الغرر.
قوله [أو ربح أحد الثوبين لم تصح]
стр. 2315
إذا قال لك ربح أحد المالين ولي ربح الآخر، كأن يشتركا في مال، وهذا المال في موضعين، فبعضه هنا وبعضه في بلدة أخرى، فقال أحدهما: لي الربح الذي يكون في هذه البلدة، ولك الربح الذي يكون في البلدة الأخرى فهذا لا يجوز، وذلك لأنه غرر، وقد نهى النبي ﷺ عن الغرر، فقد يربح هنا ولا يربح هناك، وقد يكون العكس.
قوله [وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة]
كذلك المساقاة وسيأتي الكلام عليها، والمزارعة والمضاربة وهي نوع من أنواع الشركة، يشترط أن يكون الربح فيها جزءا مشاعا معلوما باتفاق العلماء دفعا للغرر.
قوله [والوضيعة على قدر المالين]
الوضيعة هي الخسارة، فتكون الخسارة على قدر المالين، مثاله: اشترك اثنان فدفع أحدهما ثلث المال والآخر ثلثاه وكان لكل واحد من الربح النصف فالخسارة تكون بقدر المال لا بقدر الربح، وهذا باتفاق العلماء، وهذا هو العدل وذلك لأن الخسارة متعلقة بالمال لا بالربح، فالخسارة لا تعلق لها بالربح، فعلى ذلك من له الثلثان من الربح فالخسارة عليه بقدر الثلثين، ومن له الثلث تكون الخسارة بقدر الثلث نظرا لتعلق الخسارة بالمال نفسه. فإن شرط عليه من الوضيعة أكثر من قدر ماله فسد الشرط وحده لمخالفته مقتضى العقد، وكذا لو شرط ضمان المال لو تلف فهو شرط فاسد، أو شرط أن لا يفسخ الشركة مدة بعينها.
فعلى ذلك الشروط في الشركة كالشروط في البيع والنكاح:
شرط صحيح كأن يشترط أن لا يتجر إلا في كذا.
٢- شرط فاسد مفسد للعقد وهو ما يعود بجهالة الربح.
٣-شرط فاسد غير مفسد للعقد كأن يشترط ضمان المال أو لزوم الشركة بأن لا يفسخ مدة معينة.
قوله [ولا يشترط خلط المالين]
стр. 2316
فلو اشتركا في مال متميز فهذا جائز لا حرج فيه، فلو اشتركا في أراضي عقارية، هذه في جهة وهذه في جهة أخرى فهذا جائز، أو على المذهب حيث لا يجيزون العروض لو اشتركا في دراهم ودنانير ولم يخلطاهما بل تاجر في هذه بجهة، وفي هذه بجهة أخرى فلم تختلط هذه الأموال بل هي متميزة هذا جائز فلا يشترط خلط المالين، وذلك لأن المقصود من هذه الشركة هو الربح سواء كان المالان مختلطين أم متميزين فلا أثر لذلك، ولأن الأصل في المعاملات الحل.
قوله [ولا كونهما من جنس واحد]
فلو اشتركا في دنانير ودراهم فهما جنسان مختلفان وهذا جائز للعلة المتقدمة وهي حصول الربح فالربح حاصل وإن كانت الأجناس مختلفة، وعلى القول الذي تقدم ترجيحه لو اشتركا في ثياب وقماش أو اشتركا في أطياب مختلفة فهذا كله جائز، وفي المذهب حيث كانت الدراهم والدنانير لا تزيد ولا تنقص، أما والدراهم تزيد وتنقص فهذا يشكل على المذهب، فلو اشتركا في ريالات ودولارات فالريالات قد تنقص والدولارات قد تزيد أو بالعكس فكانت كالعروض، وحينئذ فالصحيح أنها لا بد أن تقوم ما دام أنها تزيد وتنقص فيقال الدولارات كل دولار يساوي أربع ريالات، وحينئذ نجعل الريالات دولارات أو نجعل الدولارات ريالات، لا بد من هذا، وذلك لأنه في القديم الدراهم لا تزيد ولا تنقص إلا زيادة يسيرة جدا، أو نقصان يسير جدا، وأما في الوقت الحاضر كما قرر هذا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي فإنها تختلف وتزيد وتنقص فلا بد من تقويمها دفعا للغرر.
والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
فصل
قوله [الثاني: المضاربة]
والمضاربة جائزة بالإجماع كما حكاه ابن حزم الظاهري ﵀.
стр. 2317
وتسمى بالقراض والمقارضة، وقد ثبتت في موطأ مالك عن عمر وعثمان وحكيم بن حزام (١) ولا يعلم لهم مخالف، ويدل عليها الأصل فإن الأصل في المعاملات الحل، والمضاربة من الضرب في الأرض، لأن المضاربة فيها ضرب في الأرض في السفر للتجارة.
قوله [لمتجر به ببعض ربحه]
فالمضاربة هي دفع مال لمتجر به ببعض ربحه المشاع المعلوم، وصورتها: أن يدفع رجل مالا معلوما لآخر ليعمل به الآخر ويأخذ - أي الآخر وهو العامل - مقابل عمله وتجارته جزءا معلوما مشاعا كالربع والنصف ونحو ذلك، إذن فالمال من أحدهما والعمل من الآخر، بخلاف شركة العنان فإن كان منهما منه المال والعمل، وفي شركة المضاربة لا بد أن يكون الربح مشاعا معلوما كما تقدم من اتفاق أهل العلم على ذلك، فلو قال ببعض الربح لم يصح لما فيه من الغرر، فإن قال: خذ هذا المال فاتجر به والربح كله لك فالمذهب أنه قرض، وذلك لأنه دفع المال ولا ربح له فيه فكان قرضا وهذا هو المشهور من المذهب، وعليه فيضمنه كما يضمن القرض، وذهب المالكية إلى أن هذا العقد صحيح في باب الشركات، فيبقى قراضا أو مقارضة أو مضاربة ولا يكون قرضا، قالوا: لأن الآخر قد دخل على أنه لا ضمان عليه، ونحن إذا جعلناه قرضا فإنه يضمن، وإذا جعلناه شركة فإن العامل لا يضمن، وهو قد أخذ المال على أنه شريك لا على أنه مقترض، وعليه فيكون قوله والربح لك هبة منه، وهذا القول هو الراجح وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وذلك لأنه لم يدخل على أنه ضامن وأن هذا العقد قرض، ولا بد في العقود من الرضى، فتكون مضاربة والربح هبة.
قوله [فإن قال: والربح بيننا فنصفان]
إذا قال خذ هذا المال فاتجر به والربح بيننا، فنصفان لكل واحد منهما نصف، وذلك لأن قوله: والربح بيننا فيه إضافة للمال من غير ترجيح فقد أضاف المال إليهما من غير ترجيح فكان لكل واحد منهما النصف.
стр. 2318
قوله [وإن قال: ولي أو لك ثلاثة أرباعه أو ثلثه صح والباقي للآخر]
إذا قال: خذ هذا المال فاتجر به ولي الربع، أو ولي الثلث أو قال: خذ هذا المال فاتجر به ولك الثلث أو ولك ثلاثة أرباعه، ولم يذكر نصيبه في الأمثلة التي ذكر فيها نصيب الآخر، أو لم يذكر نصيب الآخر في الأمثلة التي ذكر فيها نصيبه فهنا يكون الحكم الصحة، فهي شركة صحيحة، ويكون الباقي للآخر، كما قال تعالى ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ ولم يذكر نصيب الأب لأنه مفهوم باللفظ أي وللأب الباقي كما هو معلوم.
قوله [وإن اختلفا لمن المشروط فلعامل]
إذا اختلف المضارب والعامل لمن المشروط فلعامل، فإذا ذكر في العقد أن الثلث لأحدهما، والباقي للآخر فاختلفا فكل منهما يقول للآخر الثلث لك، وبينة بينها فيكون المشروط للعامل، وذلك لأن العامل هو الذي يحتاج إلى ذكر نصيبه وذلك لأن الآخر وهو المضارب حقه متعلق بالمال، وما ذكره الحنابلة هنا متجه فهو تعليل صحيح، لكن حيث لم يشهد العرف بخلافه، أما لو شهد العرف بخلافه فيعتبر العرف كما قال الشيخ ابن سعدي ﵀.
والآن في البنوك – في وقتنا الحالي - لرب المال.
قوله [وكذا مساقاة ومزارعة]
إذا اختلفا في المشروط في المساقاة والمزارعة فالحكم واحد، فإذا اختلفا في النصيب المشروط أهو لصحاب المزرعة أم للمزارع، أهو لصاحب النخل أم لمن تولاها بسقي ونحو ذلك وهو العامل، فإذا اختلفا في ذلك فإن النصيب المشروط يكون للعامل ما لم يشهد عرف بخلافه.
стр. 2319
وإذا اختلفا في قدره فحينئذ القول قول المضارب، فإذا ادعى العامل أن المشروط هو النصف، وأنكر هذا المضارب وقال: بل المشروط هو الثلث فالقول قول رب المال، وذلك لأنه منكر والعامل مدعي، فرب المال ينكر أن يخرج من ماله هذا النصيب الزائد عن الثلث، والآخر يدعيه، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر، وعليه فيحلف المضارب أنهما قد اتفقا على الثلث لا النصف فإن حلف حكم بقوله.
قوله [ولا يضارب بمال لآخر إن أضر الأول ولم يرض فإن فعل رد حصته في الشركة]
مثال هذه المسألة: اتفق زيد وعمرو على أن يعمل له عمرو بماله، ثم اتفق عمرو مع بكر على أن يعمل له عمرو بماله، فهل يجوز ذلك؟
هنا لا يخلو من حالين:
١- أن يكون هذا العقد الجديد للمضارب الآخر مضرا بالأول.
٢- ألا يكون مضرا به.
فإن كان مضرا بالأول كأن تكون المضاربة الأولى ذات مال كثير وتحتاج إلى أن يستفرغ وقته بالعمل فيها، فحينئذ لا يجوز لقول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) ، ولأنه دخل معه على عقد مقتضاه أن يفرغ وقته للعمل لأنه مال كثير يحتاج إلى تفرغ، لكن إن رضي الأول بذلك وقال: رضيت وإن كان علي ضرر فحينئذ يكون قد أسقط حقه فلا بأس بذلك.
أما إذا كانت المضاربة الجديدة لا تخل بالمضاربة الأولى فلا بأس بها.
стр. 2320
فإذا فعل المضارب مضاربة جديدة مضرة بالأول ولم يرض الأول ردت حصته في الشركة أي رد الربح الجديد في الشركة الأولى، فيرد ربحه الذي يكون في الشركة الثانية إلى الشركة الأولى، قالوا: لأن هذا المال - أي الربح الجديد - قد استحق بمنفعته وهي - أي منفعته - للشركة الأولى، فيكون الربح للشركة الأولى، وهذا هو المذهب، وقال الموفق ما حاصله إن الشركة الأولى لا تستحق هذا المال وهذا الربح، بل تكون للعامل، وإن أضر ذلك بالشركة الأولى، وذلك لأن رب المال في الشركة الأولى ليس له في الشركة الثانية لا عمل ولا مال، فلم يستحق شيئا من الربح في الشركة الثانية، وغاية الأمر أن هذا الرجل العامل قد تعدى حيث دخل في الشركة الثانية على وجه يضر بالأولى، فكما لو ترك العمل وكما لو اشتغل لمصلحة نفسه وتعدي العامل لا يوجب عوضاً، وهذا هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الراجح، فحينئذ يكون العامل قد تعدى.
وأما إذا ضارب بمال الشركة الأولى وأدخل مال الشركة الأولى في الشركة الثانية فلا إشكال أن هذا الربح يكون للشركة الأولى، فمثلا أعطاه مائة ألف على أن يعمل فيها، فدفع عشرة آلاف منها لأحد يعمل له فلا شك أن الربح الناتج من هذه العشرة آلاف راجعة إلى الشركة، لأن رب المال في الشركة الأولى له في الشركة الثانية مال أيضا، وإن كان بغير إذنه فلا يجوز له أن يضارب بغير إذنه وعليه فالضمان على العامل، فلو دفع العامل بعض مال المضاربة فحصل تلف بالمال فإن العامل يضمنه لأنه قد تعدى.
قوله [ولا يقسم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما]
стр. 2321
مثاله: دخلا في الشركة هذا منه المال، وهذا منه العمل، فلا يقسم الربح، كأن يعطيه مائة ألف على أن يعمل بها، فأصبحت بعد سنة مائة وعشرون ألفا فالربح وهو عشرون ألفا لا يقسم إلا برضى الطرفين، أما إذا انتهى العقد فلا إشكال في القسمة، فلا يقسم الربح مع بقاء العقد إلا باتفاقهما وذلك لأن بقاء الربح مع رأس المال يكون وقاية له، فإذا اتفقا على القسمة أو كانت مشروطة فالسلمون على شروطهم.
قوله [وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أو خسر جبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه]
إذا تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أي بعد التصرف في هذا المال الذي وقعت عليه الشركة، فإنه يجبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه، والتنضيض هو رده إلى النقد، فإذا رد المتاع إلى نقد، فهذا هو التنضيض، كأن تكون ثيابا فتباع وتحول إلى نقد، فإذا حصل تلف في رأس المال أو خسارة جبر من الربح قبل قسمته وقبل تنضيضه فينزل التنضيض مع المحاسبة منزلته مع المقاسمة، وهما إذا اتفقا على المشاطرة أو على أخذ جزء مشاع أو نحو ذلك فقد اتفقا على ذلك من الربح، وحيث حصل في رأس المال شيء من النقص فحينئذ لا بد أن يجبر من الربح والمتبقي بعد رأس المال هو الربح، وهذا ظاهر لأن الاتفاق في القسمة إنما هو بعد رأس المال، أما إذا حصلت فيه خسارة أو تلف بعد المقاسمة أو بعد تنضيضه ومعرفة كل واحد منهما ماله، فحينئذ لا يجبر رأس المال، وذلك لأن المضاربة قد انتهت، فتكون الخسارة قد وقعت بعد المضاربة، وإن كانا قد أنشئا مضاربة جديدة فتكون هذه الخسارة ف المضاربة الجديدة لا في المضاربة الأولى، فإذا كان رأس المال مائة ألف، والربح مائة ألف، وبعد القسمة أو بعد التنضيض والمحاسبة لم يكن فيه أي خسارة فكان لكل واحد منهما خمسون ألفا في هذا المال، وهما قد نويا مضاربة جديدة فحينئذ إذا حصلت خسارة أو تلف في رأس المال فتكون في الشركة الجديدة.
стр. 2322
فإن تلف رأس المال أو بعضه قبل التصرف انفسخت في التالف وكان رأس المال الباقي كالتالف قبل القبض، أما بعد التصرف فقد دار في التجارة وشرع مما قصد بالعقد من التجارة المؤدية إلى الربح.
وهنا مسائل في باب المضاربة:
* المسألة الأولى:
أن الشركة - أي شركة المضاربة - إذا فسدت فللعامل أجرة المثل، فإذا حصل فساد في الشركة كأن لا يذكر في الشركة سهم العامل فحينئذ تكون شركة فاسدة فما الحكم؟
قال الحنابلة له أجرة المثل، فيقال: قدروه عاملا أجيرا، وقدروا له ما يأخذه فيأخذه، وقال شيخ الإسلام بل له نصيب المثل أي أسهم المثل كالنصف، بمعنى أن يقدر هذه شركة من الشركات، ويقدر هذا مال قدره كذا، وهذا عامل عنده من الحرفة كذا، ومن المهارة الشيء المعين فنقدر نصيبا له كذا وكذا فيأخذه، وهذا هو العدل كما قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
** المسألة الثانية:
هل يجوز للعامل أن يتعامل بهذا المال نسيئة؟
مثلا: أعطاه مائة ألف، وقال: اتجر بها في القماش، فهل له أن يبيع شيئا من القماش نسيئة أم لا؟
قال الحنابلة وهو مذهب الجمهور لا يجوز ذلك، وذلك لما فيه من المخاطرة، فإن النسيئة فيها مخاطرة، فلا يجوز أن يدخل بهذا المال فيما فيه مخاطرة، وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد بل يجوز هذا، لأن هذا مما يعتاده التجار، والعادة محكمة، والإذن العرفي كالإذن اللفظي، وما ذكروه راجح حيث كان عرفا، أما إذا لم يكن عرفا فذلك لا يجوز وعليه الضمان لما فيه من المخاطرة، وأما إذا أذن في رب المال فهذا لا إشكال فيه.
والعامل في المضاربة أمين لأنه متصرف فيه بإذن مالكه على وجه لا يختص بنفعه كالوكيل بخلاف المستعير فإنه يختص بالنفع وعليه فلا يضمن – العامل – إلا مع التعدي والتفريط.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2323
وبه نستعين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
فصل
قوله [الثالث: شركة الوجوه]
أي الشركة بالوجوه، والمراد بالوجه: الجاه، أي الشركة التي سببها الجاه، وصورتها أن يشترك اثنان فأكثر بأخذ شيء من الأموال في ذمتيهما ويتاجران بها ويكون الربح بينهما وهم يأخذون هذه الأموال في الذمة على ثقة التجار، ولا يشترط أن يشتركا في البيع والشراء، فإذا قال كل واحد منهما أنت وكيل لي وكفيل بالثمن الذي آخذه فإن الحكم يثبت، أو اتفقا على أن يكون بينهما شركة وجوه، إذن شركة الوجوه حقيقتها أن يكون كل واحد منهما وكيلا عن الآخر وكفيلا له، فإذا اتفقا على هذا فاشترى زيد بضاعة ثم باعها فيكون تصرفه في هذه السلعة شراء وبيعا يكون عن نفسه أصالة وعن عمرو وكالة، ويكون الربح بينهما على ما اتفقا عليه، وكذلك إذا اشترى عمرو شيئا من السلع ثم باعها فشراؤه وبيعه فيه تصف عن نفسه أصالة، وعن زيد وكالة، وزيد كفيل له، فلا يشترط أن يكون البيع والشراء بينهما بالسوية.
وقد أجاز هذا النوع الحنابلة والأحناف، ومنع منها المالكية والشافعية، قالوا: لأنه لا مال فيها ولا عمل، فهما لا مال لهما، بل المال في الذمة فهذه الشركة مبنية على الذمم، ولا عمل فيها أيضا، وكل منهما يعمل بهذا المال الذي يأخذه ثم يتصرف فيه تصرفات تجارية ويكون الربح بينه وبين الآخر، وقال الحنابلة والأحناف: بل هي صحيحة لأن الأصل في المعاملات الحل، وليس فيها غرر يمنعها، ولأن حقيقتها كما تقدم أن كل واحد منهما وكيل عن الآخر وكفيل له، وما ذهب إليه الحنابلة والأحناف هو الراجح إذا لا مانع منها.
قوله [أن يشتريا في ذمتيهما بجاهيهما فما ربحا فبينهما]
стр. 2324
كأن يكون اثنان لهما وجاهة، والناس يعرفونهم ويثقون فيهم، فيقولان: نضع بيننا شركة كل منا يشتري ما شاء - بناء على شروط يضعونها - ويبيع، ويكون وكيلا للآخر، والآخر كفيل له، ثم يكون الربح بينا، فهذه الشركة حقيقتها وكالة وكفالة، والوكالة جائزة، والكفالة جائزة، والأصل في المعاملات الحل.
قوله [وكل واحد منهما وكيل صاحبه وكفيل عنه بالثمن]
فكل واحد منهما يكون وكيلا عن صاحبه، وكفيلا عنه بالثمن، وهذا هو مقتضى عقد الشركة أي شركة الوجوه، وعليه فلا يشترط في عقد الشركة التنصيص على ذلك، لأن هذا هو مقتضى العقد.
قوله [والملك بينهما على ما شرطاه]
فالملك والربح أيضا كما سيأتي يكون على ما شرطاه، كأن يقول هذه الأموال التي تأخذها وأنا آخذها لي الثلث ولك الثلثان، أو نحو ذلك فالمسلمون على شروطهم، كذلك الربح ولذا قال المؤلف:
قوله [والربح على ما شرطاه]
فإذا قال: الربح بيننا مناصفة أو نحو ذلك فالمسلمون على شروطهم.
قولهم [والوضيعة على قدر ملكيهما]
لما تقدم، فالخسارة مرجعها المال لا الربح، فإذا كان لكل واحد منهما من المال النصف، ولأحدهما من الربح الربع، وللآخر ثلاثة أرباع، فتكون الوضيعة بالنظر إلى الملك، وعليه فتكون الوضيعة في المثال المتقدم على كل واحد منهم قدر النصف، وهذا باتفاق أهل العلم في شركة العنان وهنا كذلك.
ولا يشترط ذكر جنس ما يشتريانه ولا قدر ولا وقت.
قوله [الرابع: شركة الأبدان أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما]
стр. 2325
هذا هو النوع الرابع، وهي شركة الأبدان أو الأعمال، وهي أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما، فيجتمع عامل وعامل ويقولان: ما يكون بيننا من العمل والربح يكون شركة بيننا، فيكون الربح بيننا على ما يتفقان عليه، كما يقع هذا في الورشات كورشات النجارة وغيرها، وقد اتفق القائلون بشركة الأبدان اتفقوا على جوازها فيما إذا كان الشريكان صنعتهما واحدة، واختلفوا فيما إذا كانت صنعة كل واحد مختلفة كأن يشترك تاجر وحداد أو نحو ذلك؟
فذهب الحنابلة إلى صحة الشركة، وقال المالكية لا تصح، وعللوا المنع بقولهم إن مقتضى الشركة أن يكون العامل الآخر الشريك ضامنا، بمعنى: أتى رجل ليعمل له هذا الشريكان صنعة، فاتفق معهما، فلم يقم صانعها بها، فإنها تلزم الآخر وهو الشريك، فإن الشريك ضامن، وهذا مقتضى الشركة، وعليه فإذا كان الشريك لا يتقن هذه الصنعة التي اتفق شريكه مع أجنبي على صنعتها فحينئذ لا يتمشى هذا مع كونه ضامنا، وأما دليل الحنابلة فهو الأصل، وهو أن الأصل في المعاملات الحل، وأجابوا عن دليل المالكية بأن كونه ضامنا لا يلزم منه أن يقوم هو بالعمل، بل يمكن أن يستأجر أجيرا ليعمل هذا العمل، أو أن يتبرع له متبرع بهذا العمل، فلا يشترط أن يقوم هو بهذا العمل، قالوا: ويدل على هذا أنكم تقولون - أي المالكية - إذا كان العمال أحدهما أمهر من الآخر فإنكم تصححون الشركة، مع أن الأمهر إذا لم يقم بهذا العمل فإن من دونه من العمال لا يمكنهم أن يقوموا به كما أراد الطالب، فإذا جاز هذا فإذا اختلفت الصفة فكذلك، وهذا القول هو الراجح، والحاجة داعية إلى مثل ذلك فإن المصانع الكبيرة وورشات السيارات ونحو ذلك تحتاج إلى عدة مهن، وقد يشتركون فيها مع اختلاف مهنهم.
قوله [فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما فعله]
كما تقدم لأن هذا هو مقتضى عقد الشركة وهو الضمان.
قوله [وتصح في الاحتشاش والاحتطاب وسائر المباحات]
стр. 2326
تصح في الاحتشاش بأن يحتشوا ويكون الربح بينهما على ما شرطاه، وكذلك الاحتطاب وسائر المباحات، كأن يشترط أصحاب السيارات التي تحمل السلع في حمل البضائع وتكون الأرباح بينهم على ما يشترطون.
والقول بشركة الأبدان هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور العلماء وهو اختيار شيخ الإسلام، وقال الشافعية وهو اختيار ابن حزم من الظاهرية إن شركة الأبدان لا تصح، وذلك لما فيها من الغرر، وقد نهت الشريعة عن الغرر، فإنه إذا اشترك العاملان فقد يعمل أحدهما ولا يعمل الآخر، فيربح هذا ولا يربح الآخر، فتكون فيها مخاطرة وقمار، واستدل أصحاب القول الأول ما رواه النسائي وغيره من حديث ابن مسعود قال:" اشتركت أنا وعمار وسعد يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا ولا عمار بشيء (١) لكن الحديث إسناده منقطع، وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح لأن الأصل المعاملات الحل، وأما ما ذكره أهل القول الثاني من ثبوت الغرر فإن الغرر ليس مطردا في مثل هذه الشركة، ثم هو غرر يسير إن حصل، لكن إن كان الغرر ظاهرا فيتوجه المنع كما ذهب إليه الشافعية.
قوله [وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه]
فإذا مرض أحد الشريكين فالكسب بينهما على ما شرطاه، وحينئذ هناك ضرر يلحق الصحيح فإنه يعمل ويشارك في ربحه الآخر، فيدفع هذا الغرر بما ذكره المؤلف في قوله (وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه) وإلا فله الفسخ، فله أن يفسخ هذه الشركة إن أبى أن يقيم مقامه.
стр. 2327
وظاهر كلام المؤلف أنه إن ترك العمل غير معذور فإن الكسب لا يكون بينهما بل لا كسب ولا ربح، وهذا هو أحد القولين في المذهب، وذكره الموفق في المغني احتمالا، والقول الثاني وهو الصحيح في المذهب وليس براجح من حيث الدليل أن له نصيبه من الربح وهذا قول ضعيف، وذلك لأن المسلمون على شروطهم، وهما قد دخلا في هذه الشركة على أن يعملا فيها، فلم يعمل الآخر فأخل بالشرط فلم يستحق من الريح شيئا.
وإذا طلب أحد الشريكين الأجرة فيلزم المستأجر أن يعطيه إياها وذلك لأنه شريك يتصرف في هذه الشركة عن نفسه أصالة وعن شريكه وكالة، وله أي للمستأجر لطالب الصنعة أن يعطي الأجرة أيهما شاء لأن كل واحد منهما يتصرف عن نفسه أصالة وعن شريكه وكالة.
ولا تصح شركة الدلالين لأن الشركة لا تخرج عن الوكالة والضمان ولا وكالة هنا لأنه لا يمكن توكيل أحدهما على بيع مال الغير، ولاضمان لأنه لا دين يصير من ذمة واحد منهما ولا تقبل عمل وأما مجرد النداء وعرض المتاع وإحضار الزبون فيجوز الاشتراك فيه.
قوله [الخامس شركة المفاوضة: أن يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة]
فيقول نشترك أنا وأنت في شركة الأبدان وشركة العنان وشركة الوجوه والمضاربة وهي جائزة، لأنها إذا صحت الشركة منفردة صحت على جهة الاجتماع والأصل في المعاملات الحل.
قوله [والربح على ما شرطاه والوضيعة بقدر المال]
كما تقدم.
قوله [فإن أدخلا فيها كسبا أو غرامة نادرين أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه فسدت]
إذا قال: أنا وإياك مالنا واحد، فما ربحت فبيني وبينك، وما خسرت فعلي وعليك، وإذا أتاك إرث فلي ولك، وإذا وجبت عليك دية فعلي وعليك، وإذا حصل عليك ضمان جناية أو غصب أو نحو ذلك فعلي وعليك، وإذا حصل أي ربح من الأرباح فلي ولك، وهكذا فهذا لا يجوز لأنه فيها غرر.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
стр. 2328
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
باب المساقاة
المساقاة: مفاعلة من السقي، وسميت مساقاة لأن أهم ما يكون فيها هو السقي، والمساقاة هي: دفع شجر إلى من يقوم بسقيه والعمل عليه على جزء مشاع معلوم من الثمرة، فهي دفع شجر ولو لم يغرس إلى من يقوم بسقيه والعمل عليه من تأبير ونحو ذلك، مثاله: أن يدفع زيد بستانه الذي فيه نخل أو نحو ذلك إلى آخر ليقوم هذا الآخر بسقيه وتأبيره وإصلاح شأن الثمر والاهتمام به وله الربع مثلا من الثمار، والأصل في المساقاة ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ : (عامل أهل خبير على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) [خ ٢٢٨٦، م ١٥٥١] فهذا هو الأصل في المساقاة أو المفالحة، فالشجر هنا لبيت المال، وعامل عليه ولي المسلمين ﷺ في عهده عامل عليه أهل خبير من اليهود على أن يعملوا عليه ولهم شطر ثماره.
قوله [تصح على شجر له ثمر يؤكل]
فتصح المساقاة على شجر له ثمر يؤكل، كشجر النخيل أو شجر العنب، وظاهره أن الشجر إذا كان له ثمر لا يؤكل فإن المساقاة لا تصح فيه، وذلك كالقَرظ الذي تدبغ بها الجلود، أو غيرها من الأشجار ذات الثمار المقصودة المنتفع بها لكنها لا تؤكل سواء كانت ثمارها خشبا أو دواء أو غير ذلك، وهذا هو المشهور من المذهب، والقول الثاني في المذهب وهو مذهب المالكية أن المساقاة تصح على كل شجر ذي ثمر مقصود سواء كان مما يؤكل أو مما لا يؤكل، وهذا القول هو الراجح، وذلك للقياس الصحيح على ثمر النخيل بجامع الانتفاع بالثمر، ولأن الأصل في المعاملات الحل ولا دليل يمنع من ذلك.
وألحق الموفق ﵀ وهو قول طائفة من أصحاب الإمام أحمد الحقوا ما يقصد ورقه أو يقصد زهره كالورد والياسمين ونحو ذلك، وهو قياس صحيح والأصل في المعاملات الحل.
قوله [وعلى ثمرة موجودة]
стр. 2329
كذلك تصح المساقاة على ثمرة موجودة، بمعنى غرس نخلا فأثمر هذا النخل ويحتاج إلى عناية وعمل، فله أن يساقي عليه أحداً ليعمل له حتى يتم نضج هذه الثمار، فهذا جائز لأن الأصل في المعاملات الحل.
قوله [وعلى شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء من الثمرة]
كذلك تصح المساقاة على شجر يغرسه، كأن يقول هذه أرضي وهذا نخلي فاغرس النخل في أرضي واسقها واعمل عليها ولك النصف أو الثلث أو نحو ذلك، فهذا جائز، وذلك لأنه لا فرق بين المسألة السابقة وهذه المسألة إلا مزيد عمل من العامل، حيث إنه هنا يزيد عمله بالغرس وهذا لا يمنع من الصحة وتسمى بالمناصبة.
وقوله (بجزء من الثمرة) أي بجزء من الثمرة مشاع معلوم، أما لو قال له: بجزء من الثمار، ولم يكن مشاعا فإنه لا يصح، فلو قال هذه مائة نخلة اغرسها في هذه الأرض ولك ثمار هذه النخيل العشر أو لك ثمار هذه النخيل العشرين أو لك ثمار نخيل هذه الجهة أو لك ثمار هذا النوع فهذا لا يجوز، وكذلك لو قال: لك ستون وسقا أو نحو ذلك، فهذا كله لا يجوز لما فيه من الغرر، فقد ينتج هذا النوع ولا ينتج النوع الآخر، وقد تنتج هذه الجهة ولا تنتج الجهة الأخرى.
قوله [وهو عقد جائز]
أي لكل منهما - لمالك الشجر وللعامل - أن يفسخ فهو عقد جائز بين الطرفين، فمثلا اتفقا على أن يعمل له في بستانه الذي فيه نخيل، والثمار بينهما مناصفة، فلما مضى شهر قال رب المال: أنا أريد الفسخ، فله الفسخ، أو قال العامل: أنا أريد الفسخ فله الفسخ، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: هو هذا القول وأن المساقاة والمزارعة عقد جائز بين الطرفين، وهو المشهور من المذهب.
стр. 2330
القول الثاني: وهو القول الثاني في المذهب وهو مذهب الجمهور أن عقد المساقاة عقد لازم بين الطرفين فلا يجوز للمالك ولا للعامل أن يفسخ، وهو اختيار شيخ الإسلام والشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
القول الثالث: وهو قول لبعض الحنابلة وهو اختيار الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه عقد لازم من جهة المالك وجائز من جهة العامل، فالمالك ليس له أن يفسخ إلا برضى العامل، وأما العامل فيجوز له أن يفسخ ولو لم يرض مالك الشجر.
أما أهل القول الأول فاستدلوا بحديث ابن عمر وفيه رواية أن النبي ﷺ قال لأهل خبير: (نقركم فيها على ما شئنا) [خ ٢٣٣٨، م ١٥٥١] قالوا: فهذا يدل على أنها عقد جائز والنبي ﷺ يقرهم فيها وهو نائب المسلمين على ما يشاء، قالوا: كالمضاربة، والمضاربة بالاتفاق عقد جائز، فكذلك هنا.
وأما أهل القول الثاني الذين قالوا أنها عقد لازم فقاسوها على الإجارة، فالإجارة عقد لازم فكذلك عقد المساقاة بجامع أن فيهما كليهما العوض والكسب، قالوا: وإذا لم تكن عقدا لازما فإن في ذلك ضررا، فقد يعمل العامل عدة أشهر ثم بعد ذلك يقول له فسخت، وحينئذ يتضرر العامل، ولا ضرر ولا ضرار كما قال النبي ﷺ .
وأما أهل القول الثالث فقالوا: الضرر إنما يلحق العامل، فلا ضرر على المالك، فجعلناه لازما في حق المالك، حتى لا يتضرر العامل، وأما العامل فهو عقد جائز من جهته.
стр. 2331
وأجاب أهل القول الأول عما استدل به أهل القول الثاني من قولهم بأنها إجارة قالوا: فرق بين الإجارة والمساقاة، فإن الإجارة نوع بيع، فهي بيع للمنفعة، وليس كذلك في المساقاة، بل المساقاة أشبه بالمضاربة فكلاهما فيه نوع اشتراك، فالمضاربة يدفع المال ويعمل الآخر، وهنا في المساقاة يدفع الشجر ويعمل الآخر، قالوا: وأما الضرر الذي يقولون إنه يلحق العامل فهو مدفوع بما يذكره المؤلف:
قوله [فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة فللعامل الأجرة، وإن فسخها هو فلا شيء له]
فإما أن يكون الفسخ قبل ظهور الثمرة أو بعد ظهورها، فإن كانت الثمرة قد ظهرت فقد ثبت حق العامل، وله نصيبه من الثمرة التي ظهرت، وأما إذا كانت الثمار لم تظهر بعد فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون العامل هو الذي فسخ، فإذا فسخ هو فقد أسقط حقه فلا شيء له، وذلك لأن العقد فيه أنه يعمل حتى تظهر الثمرة، وله نصيب من الثمار، وحيث لم يصبر حتى تظهر الثمار فلا شيء له، والمسلمون على شروطهم.
الثاني: أن يكون الفسخ من جهة المالك، فندفع الضرر الذي يكون على العامل بأن نعطيه أجرة المثل، فمثلاً: اشتغل خمسة أشهر وأجرة مثله كذا وكذا، فيعطيها إياه المالك.
وفيما ذكروه نظر، فإن إعطاء العامل أجرة المثل فيه نظر، فهما قد تعاقدا على أن يكون للعامل نصيب مثله مساقاة لا إجارة، وهو إنما اشتغل هذه المدة على أن له ما شرط له من الربع أو الثلث أو نحو ذلك، فإعطاؤه أجرة المثل يخالف الشرط، والمسلمون على شروطهم،
[قلت (محمد بن خليفة) : والذي يظهر لي والله أعلم أنه يأخذ من سعر الثمر الذي كان سيعطاه على قدر عمله، ويأخذه حين يُجنى الثمر؛ لأن العقد كان على هذا، وأخذه حالا فيه أجحاف بحق صاحب الشجر، والله أعلم] .
стр. 2332
والذي يقوى والله أعلم ما ذهب إليه الجمهور من أنه عقد لازم، وذلك لأن الله أمر بالإيفاء بالعقود في قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ وقال ﴿وأوفوا بالعهد إن العقد كان مسؤولا﴾ وهذا عقد وعهد فهو عقد لازم، فالأصل في العقود اللزوم، إلا أن يأتي دليل يدل على عدم لزومها كما يكون هذا في الوكالات وفي الشركات فإنها وكالة، وكما يقع في التبرعات فهي عقود جائزة بدلالة الأدلة، وأما غيرها فيبقى على الأصل، ولأن المسلمين على شروطهم، وهذا قد دخل على شرط وعقد فيجب أن يوفي به، وأما قوله ﷺ : (نقركم فيها على ما شئنا) فيجمع بينه وبين الأدلة التي استدل بها أهل القول الثاني بأن يقال: قوله ﷺ : (نقركم فيها على ما شئنا) أي من السنوات، فأنتم تعملون هذه السنة، وسنوات بعدها نقركم على ما شئنا، فالصحيح ما ذهب إليه الجمهور وهو اختيار شيخ الإسلام وهو قول لبعض الحنابلة وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
وعليه فهل يشترط تحديد سنة أو سنتين أو نحو ذلك أو لا يشترط؟
المشهور عند الشافعية أنه يشترط، فإذا لم تحد سنوات فهي مساقاة فاسدة، وقال أبو ثور من الشافعية وهو صاحب اجتهاد: لا يشترط التحديد، وحينئذ تكون هذه المساقاة على سنة، فإذا دخل من غير تحديد فحينئذ تكون على سنة، وهذا القول هو الراجح، ويدل عليه أن الثمار تظهر كل سنة، ولا يلحق الضرر حيث أبطل العقد أو فسخ بعد سنة، وقد ظهرت ثمار سنة وأخذ نصيبه، وأيضا فإن النبي ﷺ لم يحدد لأهل خبير سنة ولا سنتين بل قال: (نقركم فيها على ما شئنا) فهذا يدل على عدم اشتراط التحديد ولأنها عقد جائز كالوكالة وهو المذهب. وتملك الثمرة بظهورها فعلى العامل تمام العمل إذا فسخت بعده وله بيعها إن كان غرساً لا ثمراً حتى يبدو صلاحه.
قوله [ويلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة من حرث وسقي وزبار]
стр. 2333
الزبار كلمة غير عربية، والمراد بها قص الغصون من شجر العنب، لأن في بقائها أثراً على الثمر.
قوله [وتلقيح وتشميس وإصلاح موضعه]
أي إصلاح موضع التشميس.
قوله [وطرق الماء وحصاده ونحوه]
هذه الأعمال تلزم العامل، إذن كل ما يكون فيه صلاح الثمرة فهو واجب على العامل، وقوله (وحصاد ونحوه) كذلك ما يحتاج إليه من آلة الحصاد ونحو ذلك.
قوله [وعلى رب المال ما يصلحه]
الضمير في قوله (ما يصلحه) يعود إلى المال، أي عليه ما يصلح المال.
قوله [كسد الحائط]
فإذا كان الحائط فيه انهدام أو نحو ذلك فيجب على رب المال أن يسده.
قوله [وإجراء الأنهار]
فعندما يكون هناك نهر فيحتاج إلى أن يحفر في الأرض ليوصل ماءه إلى هذا البستان فهذا واجب على رب المال.
قوله [والدولاب ونحوه]
الدولاب: آلة يستخرج بها المال، ومثلها عندنا: المكائن ونحوها، هذه كلها واجبة على رب المال، إذن ما يتصل بالأصل فهو واجب على رب المال، وما يتصل بالثمر ويصلحه فهو واجب على العامل، هذا كله حيث لم يشهد عرف بخلاف ذلك، إذا شهد العرف بخلاف ذلك فالشرط العرفي كالشرط اللفظي، فإن كان العرف على أن إصلاح المكائن مثلا يكون على العامل فهو عليه، وإذا كان الحصاد أو الجذاذ إذا كان العرف يشهد أنه على رب المال فهو عليه وهكذا، كذلك إذا كان هناك شرط لفظي فإنه يعمل به.
الله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
فصل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
فصل
قوله [وتصح المزارعة]
стр. 2334
المزارعة: هي دفع أرض إلى آخر ليزرعها على جزء من الزرع مشاع معلوم، والفرق بين المساقاة والمزارعة أن المساقاة في الشجر، وأما المزارعة فهي في الزرع من قمح وشعير وذرة ونحو ذلك، وتصح المزارعة كما هو مذهب فقهاء الحديث كالإمام أحمد وإسحاق ابن خزيمة وأبي ثور وغيرهم من أهل العلم، ودليل صحة المزارعة من السنة ما تقدم في الصحيحين من حديث ابن عمر حيث عامل النبي ﷺ أهل خبير على شطر ما يخرج منها من ثمر وزرع، فقوله (وزرع) يدل على صحة المزارعة، وذكر البخاري في صحيحه معلقا هذه المعاملة عن طائفة كثيرة من الصحابة فقال ﵀:" عن أبي جعفر - الصادق - قال ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع، وزارع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين، وقال عبد الرحمن بن الأسود كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع، وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا " (١) قالوا: ولا يعلم لمن تقدم من الصحابة مخالف فكان إجماعا.
стр. 2335
وقال الأحناف والشافعية بل لا تصح المزارعة، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ : (نهي عن المحاقلة) (١) وفي أبي داود بإسناد صحيح من حديث زيد بن ثابت نحوه وفيه أنه سئل - أي زيد - عن المحاقلة فقال: (أن يأخذ الأرض على نصف وثلث وربع) (٢) واستدلوا بحديث رافع بن خديج في البخاري وغيره أنه قال: (نهانا النبي ﷺ أن نحاقل بالأرض على الثلث والربع والطعام المسمى) (٣) وبما ثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله وهو نحو حديث رفع بن خديج وفيه أنه قال (كان فيها - أي في المدينة - رجال لهم فضل أرضين فأرادوا أن يؤجروها بالثلث والربع فقال النبي ﷺ : (من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها فإن أبى فليمسك أرضه) (٤) قالوا: فهذه الأحاديث تدل على النهي عن المحاقلة وهي المزارعة.
والصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول، للحديث المتقدم وهو حديث ابن عمر في مزارعة النبي ﷺ أهل خبير، وأما الجواب عما استدل به أهل القول الثاني فيقال:
إما أن يكون هذا في أول الإسلام حيث كانت الحاجة داعية إلى المنح والإحسان، ولم يكن ذلك تحريما، ولذا ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (إن النبي ﷺ لم ينه عن ذلك وإنما قال: يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما) (٥) فتحمل الأحاديث المقدمة على أنها في أول الإسلام، وهذا وجه.
стр. 2336
والوجه الثاني أن تحمل على المخابرة الجائرة أي المزارعة الجائرة الظالمة التي لا تكون على جزء معلوم، ويدل لهذا ما ثبت في مسلم من حديث رافع بن خديج وهو ممن روى في النهي عن المخابرة فإنه قال لما سئل عن كراء الأرض بالذهب والفضة فقال: (لا بأس به إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ على الماذيانات - وهي أطراف السواقي - وأقبال الجداول - الجدول هو النهر والمعنى: أوائل النهر - وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ويسلم هذا ويهلك هذا فلم يكن للناس كراء إلا هذا فلذلك زجر عنه فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به) (١) [م ١٥٤٧] وفي الصحيحين عنه أنه قال: (كنا أكثر الأنصار حقلا، قال كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك) (٢) فهذا يدل على أنهم كانوا يتفقون على أن هذا له، وهذا للآخر، أي هذا النصف مثلا من هذه الجهة لي، والنصف الآخر وهو الجهة الفلانية لك، وهذا هو المنهي عنه، فالصحيح جواز المزارعة، والقياس الصحيح يدل على ذلك، فإنه لا فرق بينهما وبين المساقاة التي تقدم ذكرها.
قوله [بجزء معلوم النسبة]
كأن يقول: بثلث ما يخرج أو ربعه أو نحو ذلك، فلا بد أن يكون جزءا مشاعا معلوما، لكن لو قال: لي ما يخرج في هذه الجهة، ولك ما يخرج في الجهة الأخرى، أو لي طعام فسمى كذا وكذا من الآصع أو نحو ذلك فلا يجوز هذا.
هل يجوز أن يستأجر الأرض على هذه الصفة؟
فيقول: أريد أن استأجر منك أرضك بثلث ما يخرج منها، وعليه فإذا لم يزرع هذه الأرض فإن عليه أن يأتي بالثلث الذي يخرج منها عادة، بأن ينظر غلة الأراضي التي تشبهها ثم يعطي ثلثه، فهل هذا يصح؟
стр. 2337
المشهور من المذهب جوازه، ومنع منه الجمهور، واحتجوا على المنع بأن الإجارة لا بد أن تكون الأجرة فيها معلومة، وهنا الأجرة ليس بمعلومة فقد يكون الثلث الذي يخرج منها قليلا وقد يكون كثيرا، والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة من جواز هذه المسألة، وذلك لأنها إن أنبتت الأرض وأخرجت زرعها فأخذ الثلث فلا فرق حينئذ بين الإجارة والمزارعة إلا بالألفاظ وهذا ليس بمؤثر، وإن لم تنبت فإن الثلث معلوم في العادة فليس بمجهول، فإن أهل الخبرة يعلمون القدر الذي تخرجه في العادة وحينئذ فقسطه معلوم فلا جهالة.
قوله [مما يخرج من الأرض لربها أو للعامل والباقي للآخر]
فإذا قال رب المال: لي النصف فحينئذ يتعين الباقي للعامل، وإن قال العامل: لي النصف فحينئذ يتعين لرب المال الباقي.
قوله [ولا يشترط كون البذر والغراس من رب الأرض وعليه عمل الناس]
стр. 2338
هذا هو أحد القولين في مذهب أحمد وأحد الروايتين عنه وهو اختيار الموفق والمجد ابن تيمية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، أن البذر لا يشترط أن يكون من رب الأرض فلو كان من العامل فهذا جائز، فلو اتفقا على أن يكون البذر من العامل في المزارعة، أو أن يكون الشجر من العامل في المساقاة فهذا جائز، والقول الثاني وهو المشهور في المذهب أنه لا يجوز ذلك، وأنه يشترط أن يكون البذر من رب المال، فإن كان البذر من العامل فهي مزارعة فاسدة، وإن كان الغراس من العامل فهي مساقاة فاسدة، وهذا هو مذهب جمهور العلماء، واستدل أهل القول الأول بما تقدم من أثر عمر بن الخطاب فإنه عامل الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر - وهو النائب عن المسلمين - فلهم الشطر، وإن جاءوا - أي العمال - بالبذر فلهم كذا، فهذا هو قول عمر وفعله ولا يعلم له مخالف، ولأن النبي ﷺ لما عامل أهل خبير وكانوا هم العمال لم يثبت أن النبي ﷺ كان يعطيهم شيئا من البذور ولم ينقل هذا، ولو كان مثل هذا ثابتا لنقله رواة هذا الحديث، فلما لم ينقلوه كان الظاهر أن ذلك لم يكن منه ﵊، وأما أهل القول الثاني فقالوا: إن المضاربة يكون رأس المال فيها من رب المال، فكذلك البذر وكذلك الغراس فلا بد أن يكون من رب المال كالمضاربة، فاستدلوا بالقياس على المضاربة، والقياس حيث خالف ما تقدم من الأثر والسنة فهو قياس فاسد ثم إن هناك فرقا وهو أن رأس المال يرجع إلى صاحبه في المضاربة وأما البذر فلا يرجع إلى رب المال، بل ترجع إليه أرضه والربح، فكان بين البذور والمال فرقا، وعليه فالراجح هو القول الأول، وعليه فإذا كان بينهما شرط لفظي على أن يكون البذر من أحدهما فهو عليه، وإن كان هناك عرف فإنه يحكم به.
стр. 2339
مسألة:هل يجوز أن يقول رب المال أو العامل - على القول به - أنا أدفع البذر ولكن إذا أخرجت الأرض فآخذ قيمة البذر ثم يكون الربح بعد ذلك بيننا؟ كأن يضع طنا من القمح بذرا، ثم تخرج الأرض مائة طن، فيخرج طنا على أنه هو البذر فيأخذه دافع البذر ويقسمان الباقي
المشهور من المذهب المنع من ذك، قالوا:لأنه قد لا ينتج شيء، إلا ما يماثل البذور، فيكون هذا كما لو اتفقا على آصع معلومة، هذا فيه غرر، وأجازه شيخ الإسلام قياساً على المضاربة، وألحقه برأس المال.
كذا الكلف السلطانية ما لم يكن هناك عرف يقضي بخلاف ذلك، فإذا كان السلطان يأخذ شيئا من رب المال على هذا الربح كأن تكون ضرائب فتخرج هذه الضرائب ثم يقسمان الربح ما لم يكن هناك عرف بخلاف ذلك.قال شيخ الإسلام ويتبع في الكلف السلطانية العرف مالم يكن هناك شرط.
مسألة: هل يجوز أن يؤجر الأرض بطعام معلوم؟ كأن يقول: استأجر منك هذه الأرض لأزرعها بخمسين طنا من القمح، ويزرعها قمحاً أو يزرعها شعيرا؟
لهذه المسألة صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون الطعام المسمى من جنس ما يزرع، كأن يقول: استأجر منك هذه الأرض لأزرعها قمحا وأعطيك كذا طنا من القمح، فهذا لا يجوز، وهو رواية عن أحمد وهو مذهب مالك، والجمهور على جوازه، والصحيح هو المنع وذلك لأنه ذريعة إلى التحايل على تحديد آصع معلومة في الزارعة، وهذا ممنوع منه، وفيه غرر كما تقدم، ولذا تقدم حديث رافع بن خديج في الصحيحين: (نهانا رسول الله ﷺ على أن نحاقل بالأرض على النصف والربع والطعام المسمى)
الصورة الثانية: أن يكون الطعام من جنس آخر، كأن يستأجر الأرض ليزرعها قمحا ويعطيه أجره من الشعير أو غيره فلا وجه للمنع من هذا، فإن ذلك يشبه كراء الأرض بالذهب والفضة وليس هناك محذور وهو مذهب الجمهور ومنع منه المالكية، والصحيح هو جوازه
стр. 2340
باب الإجارة
الإجارة في اللغة: مشتقة من الأجر، وهو العوض، وأما في الاصطلاح فه ي عقد على منفعة مباحة معلومة من عين أو عمل بعوض معلوم مدة معلومة.
فقولنا (عقد) أي بين المتعاقدين المؤجر والمستأجر.
وقولنا (على منفعة مباحة معلومة) كسكنى الدار مثلا، أو ركوب الراحلة أو نحو ذلك.
وقولنا (من عين) كالدار للسكنى أو للبيع فيها أو نحو ذلك، سواء كانت العين معينة أو موصوفة، كأن يقول: أجرتك وأكريتك هذه الدار، أو موصوفة كأن يقول: أجرتك دارا سعتها كذا، وفيها من الغرف كذا ونحو ذلك.
وقولنا (عمل) كأن يستأجر على أن يحمل له طعاما أو يبني له حائطا، أو نحو ذلك.
وقولنا (بعوض معلوم) كأن يكون عشرة آلاف.
وقولنا (مدة معلومة) كسنة أو سنتين أو نحو ذلك.
وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على صحة الإجارة، أما الكتاب فقوله تعالى ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ ، وأما السنة فمن ذلك ما ثبت في صحيح البخاري: (أن النبي ﷺ وأبا بكر ﵁ استأجرا رجلا من بني الديل هاديا خريتا - أي ماهرا في الدلالة -) [خ ٢٢٦٣] وقد أجمع أهل العلم على صحة الإجارة، والحاجة داعية إليها فإن الإنسان يحتاج إلى المنافع المتصلة بأعيان مملوكة لغيره، فيحتاج إلى سكنى الدار، وإلى أحد يحمل له، وإلى رحلة يركبها، وقد لا يكون مالكا لذلك، فيحتاج إلى هذه المنافع التي أعيانها مملوكة لغيره، فأجازتها الشريعة، وهي قائمة على رفع الحرج وتحصيل المصلحة، ولا شك أن الإجارة عقدها عقد مصلحة وحاجة.
والإجارة بيع للمنفعة، وعليه فيشترط فيها ما يشترط في البيع، ومن ذلك أن يكون المتعاقدان جائزي التصرف.
قوله [تصح بثلاثة شروط: معرفة المنفعة]
إما بالعرف أو بالوصف، وقد ضرب المؤلف هنا ثلاثة أمثلة للعرف فقال:
قوله [كسكنى دار]
стр. 2341
فإذا أراد أن يستأجر دارا ليسكنها فإن كيفية الانتفاع بها بالسكنى معروفة بالعرف، ولذا فليس له سوى ما دل عليه العرف، فليس له أن يجعلها مخزنا للطعام، أو أن يضع فيها دوابا أو غير ذلك، وله أن يكرم فيها ضيفه ونحو ذلك، لأن العرف قد دل عليه، وإن كانت هذه الدار فيها مساحة، وقد قام العرف على جواز وضع الدواب فيها فإنها توضع.
قوله [وخدمة آدمي]
فعندما يستأجر عاملا ويقول: أريد أن تعمل عندي شهرا، فإن تحديد زمن هذه الخدمة من الليل والنهار معروف في العرف، فإنه يكون من صلاة الفجر - مثلا - إلى المغرب في عرف بعض الناس أو بعض العمال، وهذا يختلف باختلاف الأزمان واختلاف العمال.
قوله [وتعليم علم]
فإذا استأجره لتعلم منه علما سواء كان علما شرعيا أو كان علما دنيويا - وسيأتي الكلام على أخذ الأجرة على العلم الشرعي -، فإذا استأجره ليتعلم منه علما فهذا معروف في العرف.
وقد تكون المنفعة معروفة بالوصف وذلك إن لم يكن هناك عرف، فإذا استأجره لبناء دار أو حائط، ونحو ذلك فإنه يحدد له طوله وعرضه وطريقة البناء ومواد البناء التي يختلف باختلافها البناء ونحو ذلك، وإذا أراد أن يستأجره لحفر بئر حدد له عمقها وعرضها وطولها ونوعية الأرض ونحو ذلك، والمقصود أن تكون المنفعة المستأجرة معلومة محددة إما بعرف أو وصف، ودليل ذلك أن الإجارة بيع، فهي بيع منفعة، ومن شروط البيع معرفة المبيع، وهنا كذلك من شروط صحة الإجارة معرفة المنفعة المستأجرة.
قوله [الثاني: معرفة الأجرة]
كالبيع، وهذا باتفاق العلماء، وذلك لأن معرفة الثمن في البيع شرط، فكذلك في الأجرة، كأن يقول: استأجرت منك هذه الدار بعشرة آلاف كل سنة.
قوله [وتصح في الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما]
стр. 2342
فيصح أن يستأجر أجيرا ليعمل له وتكون أجرته هي سكناه وطعامه وكسوته، فهذا جائز، وكذلك يجوز أن يستأجر مرضعة وتكون الأجرة طعامها وكسوتها، ودليل ذلك قول الله تعالى ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ فعلى المولود له وهو ولي الرضيع أن يكسو وأن يرزق المرضعة، وليس هذا للزوجة، لأن الله قد جعل أجرة للرضاعة، وكذا أوجبه على الوارث غير الزوج فقال تعالى ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ ، فدل على أن هذا الرزق والكسوة من الزوج ليس بسبب الزوجية، وإنما هو بسبب الرضاع فهو أجرة على الرضاع، وكذلك الأجير كما تقدم، وروى ابن ماجة بإسناد ضعيف جدا - فإن فيه بقية بن الوليد وفيه سلمة وهو رجل ضعيف جدا - أن النبي ﷺ قال: (إن موسى قد أجر نفسه ثماني سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه) [جه ٢٤٤٤] والحديث لا يصح، لكن الأجير يقاس على الظئر.
فإن قيل هذه الأجرة مجهولة، وقد شرطنا في الأجرة أن تكون الأجرة معلومة؟
فالجواب: أنها ليست مجهولة، بل هي معلومة، فإن مرجع ذلك إلى العرف، والعرف يدل عليها، فيمكننا أن نحدد هذه الكسوة وهذه النفقة بالعرف.
* هل يجوز أن يستأجر دابة وتكون الأجرة علفها أو أن يحدد لها شيئا من المال مع تعليفها، كأن يقول: استأجر منك هذه الدابة وأجرتها أن أعلفها عنك، أو يقول: وأجرتها كل يوم درهم، وأن أعلفها عنك، فهل يجوز ذلك؟
الجواب: منع الحنابلة من ذلك في المشهور عندهم للجهل، قالوا: علفها مجهول، سواء كان منفردا بالإجارة، أو كانت هناك أجرة مضافة إليه، وعن الإمام أحمد أنه يصح، وهو اختيار شيخ الإسلام وجمع من أهل العلم، وهو القول الراجح، وذلك لأن هذا معروف بالعرف، فالعرف يقوم مقام التسمية، فكما أجزناه في الظئر وفي الأجير فكذلك في الدابة.
قوله [وإن دخل حماما أو سفينة أو أعطى ثوبه قصارا أو خياطا بلا عقد صح بأجرة العادة]
стр. 2343
قوله (قصارا) القصار هو من يفصل الثوب من غير خياطة،
[قلت (محمد خليفة) : بل القصار هو من يدفع إليه القماش أو الثوب ليقصره؛ لأن من الثياب ما يقصر بالغسيل، فلا يمكن خياطتها إلا بعد أن تقصر، فتدفع مثل هذه الأقمشة إلى القصار ليقصرها، فيغسلها، ويدقها بالعصا، وينشرها، ويكويها، ولعله أن يصبغها أحيانا ليغير من لونها حسب ما يطلب منه، ثم بعد ذلك يدفعها للخياط ليخيطها.
أفادني بما ذكر الأستاذ أبو طريف محمد النميري، والله أعلم]
فإذا وضع ثوبه عند قصار أو خياط، أو ركب سفينة أو سيارة من الرياض مثلا إلى حائل ولم يتفق على أجرة، أو أجر حمالا يحمل له طعاما ولم يسميا أجرة، فإنه يصح بأجرة العادة، وذلك لأن جريان العرف بالشيء يقوم مقام التسمية.
قوله [الثالث: الإباحة في العين، فلا تصح على نفع محرم كالزنى والزمر والغناء وجعل داره كنسية أو لبيع الخمر]
أو لبيع الأشرطة المحرمة من غناء أو فيديو أو غير ذلك من الأشياء المحرمة، فهذا لا يجوز ولا تصح الإجارة، وذلك لأن الشريعة من قصدها إزالة هذه المنكرات، والإذن بالإجارة فيها وتصحيحها ينافي مقصود الشرع المتقدم، ولقول الله تعالى ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ ، ولأنه لعن في الخمر من لعن ومنهم حاملها، فهو أجير يحمل الخمر، ومع ذلك لعنه النبي ﷺ ، إذن فالشرط الثالث: هو الإباحة في العين، فعلى ذلك إذا استأجر رجل دكانا لبيع الخمر أو أشرطة الغناء أو نحو ذلك فتبين للمؤجر أن ذلك محرم فيجب عليه أن يبطل العقد، وإن اتفقوا سنوات، وإن كان استلم الأجرة، مع أن عقد الإجارة عقد لازم لا يجوز لأحد من الطرفين فسخه، لكن هنا هو عقد باطل، وذلك لأن النفع غير مباح.
قوله [وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه عليه]
стр. 2344
فيجوز أن يؤجر حائطه لوضع أطراف خشب معلوم، لأن الأصل في العقود الحل، وهذا نوع من أنواع الإجارة، وكذلك لو كان عنده دكان، فاستأجر أحد منه أن يضع عليه شيئا من الخارج أو نحو ذلك فيجوز له أن يؤجر، وذلك لأنه أجر منفعة معلومة.
قوله [ولا تؤجر المرأة نفسها بغير إذن زوجها]
لا تؤجر المرأة نفسها بعمل من الأعمال بغير إذن زوجها، وذلك لما في عملها من تفويت حق الزوج، فلم يكن لها أن تعمل عملا إلا أن يأذن لها زوجها فيه.
فصل
تقدمت شروط المنفعة المستأجرة، وهذا الفصل في شروط العين المؤجرة، أي العين المشتملة على المنفعة، فعندما يستأجر دارا ليسكنها، فالسكنى منفعة، والدار هي العين، وعندما يستأجر جملا ليحمل عليه، فالجمل هي العين، والمنفعة هي الحمل، وعندما يستأجر امرأة للرضاع، فالرضاع هو المنفعة، والمرأة هي العين.
قوله [يشترط في العين المؤجرة معرفتها برؤية أو صفة]
هذا هو الشرط الأول: وهو معرفة العين المؤجرة برؤية أو صفة.
وذلك لأن المنفعة تختلف باختلاف العين، فعندما يستأجر دارا ليسكنها وهو لا يعرف ما في هذه الدار من غرف ولا يعرف مساحتها ونحو ذلك فلا شك أن هذا مؤثر في اختلاف الأجرة فاشترط ذلك.
قوله [في غير الدار ونحوها]
стр. 2345
فالدار ونحوها مما لا يصح فيه السلم لا تكفي الصفة، بل تشترط المشاهدة والرؤية، فإذا قال: أريد أن أكريك داري التي مساحتها كذا، وعدد غرفها كذا، وموقعها كذا، ونحو ذلك فقال: رضيت، فهذا لا يجوز، ولا تصح الإجارة، قالوا: لأن الدار ونحوها مما لا يصح فيه السلم لا ينضبط بالوصف، وقد تقدم أن المشهور من المذهب أن السلم لا يصح إلا في المكيلات والموزونات والمذروعات، وأما المعدودات وغيرها مما لا ينضبط فلا يصح فيه السلم، لأن السلم بيع على الصفة، وقد تقدم أن الراجح أن ما يكون الاختلاف فيه اختلافا يسيرا، والتفاوت فيه تفاوت يسير فالسلم فيه جائز، ولو لم يكن مكيلا أو موزونا أو مذروعا، فهنا كذلك في باب الإجارة، فعندما يصف له الدار وصفا بينا ظاهرا ثم يستأجرها على هذا الوصف التام الظاهر - وإن كان يقع فيه شيء من التفاوت اليسير - فهذا ليس بمؤثر، فهذه جهالة يسيرة يعفى عن مثلها.
إذن هذه المسألة تنبني على المسألة السابقة في باب السلم، فالصحيح أن كل ما ينضبط بالصفة وإن كان الانضباط فيه ليس تاما بل مع التفاوت اليسير فإن الإجارة فيه جائزة كالسلم، أما إذا كان التفاوت كثيرا مما تقع بمثله المنازعة فلا يجوز ذلك كما في السلم.
قوله [وأن يعقد على نفعها دون أجزائها]
هذا هو الشرط الثاني: وهو أن يعقد على نفعها دون أجزائها.
стр. 2346
بمعنى أن الإجارة لا تؤثر على أجزائها، فلا يتلف من هذه العين شيء، كسكنى الدار والحمل على الجمل ونحوه، لكن لو كانت الإجارة على شيء من أجزائها كأن يستأجر طعاما للأكل أو شمعا ليشعله أو صابونا لغسل اليدين به أو نحو ذلك فلا تجوز الإجارة فيه، فلا تصح الإجارة في أي شيء يستنفذ شيئا من الأجزاء بل لا بد أن تكون مختصة بالمنافع، ولا يريدون ما يحصل من التلف اليسير، فإن سكنى الدار يحصل فيها تلف يسير، فهذا ليس هو المقصود، بل المقصود أن يكون هذا العقد يقضي على شيء من أجزائها، وهذا هو المشهور من المذهب وهو مذهب جمهور الفقهاء، واختار شيخ الإسلام جواز هذا، واختاره طائفة من أصحاب الإمام أحمد من المتأخرين، وهذا القول هو الراجح، وذلك لأن الأصل في المعاملات الحل، ولو سلمنا - ونحن نسلم بهذا - أنها ليست إجارة لأن الإجارة تكون على المنفعة مع بقاء العين وعدم استهلاكها لكن لا مانع من ذلك، فهي وإن لم تكن إجارة لكن لا دليل على المنع منها، ولذا قال شيخ الإسلام:" هي إذن بالإتلاف وليست إجارة وهذا سائغ "، أي أن يأذن بإتلاف ماله مقابل مال يدفع إليه فهذا سائغ، وهي ليست بإجارة، لكنها عقد صحيح لا تستهلك فيه العين كلها فيكون بيعا، وإنما يستهلك فيها بعض العين، ويأخذ المؤجر حقه مقابل هذا الاستهلاك.
قوله [فلا يصح إجارة الطعام للأكل ولا الشمع ليشعله ولا حيوان ليأخذ لبنه إلا في الظئر]
стр. 2347
أي في المرضعة فذلك جائز، أما لو استأجر من رجل إبلا أو بقرا أو غنما ليأخذ لبنها في وقت درها فقال الحنابلة وهو مذهب الجمهور لا يجوز ذلك، وذلك لأن الإجارة على المنفعة، وهنا وقعت على العين، فإن اللبن عين، فليست الإجارة على منفعة، وقال بعض أهل العلم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو اختياره ﵀، واختيار تلميذه ابن القيم واختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن ذلك جائز، قياسا على الظئر، فكما أن الظئر يجوز لها أن تؤجر لبنها للطفل فكذلك يجوز في هذه المسألة، قالوا: واللبن هنا مع بقاء الأصل كالمنفعة مع بقاء الأصل، فاللبن هنا يستهلك والأصل باق، فإن الأصل هو البقر - مثلا - باق، واللبن يستهلك فأشبه هذا المنفعة، فإن المنفعة تكون مع بقاء الأصل، قالوا: وبالقياس على المساقاة فإنه يؤجر أرضه ونخله ويأخذ الآخر ثمرها بكراء من ذهب أو فضة، وهنا كذلك فإنه يستأجر هذا البقر أو الغنم ويأخذ لبنها، بل تطرق الإجارة إلى الأرض أعظم من تطرقها إلى لبن هذه الشاة أو لبن هذه البقرة، وهذا القول هو الراجح لقوة أدلته، وليس مع المانعين دليل يمنع كما أن الأصل في العقود الحل.
قوله [ونقع البئر وماء الأرض يدخلان تبعا]
إذا قيل: أنتم عندما تكرون أرضا أو تؤجرونها يدخل فيها ماء بئرها، وعندما تكرون أرضا للزراعة يدخل في ذلك ماء بئرها، ويدخل في ذلك الماء الذي في الأرض وهي أعيان، فلماذا لو تقولوا بالمنع فيها، فهي كاستئجار الحيوان لأخذ اللبن في وقت دره، فأجابوا هنا: أنهما يدخلان تبعا، ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا، وهي قاعدة صحيحة، وعلى القول الراجح المتقدم الذي اختاره شيخ الإسلام لا إشكال في هذه المسألة.
قوله [والقدرة على التسليم]
هذا هو الشرط الثالث: أن يكون مقدورا على تسليمه كما يشترط هذا في البيع.
ولا شك أنه إذا أجر ما لا يقدر على تسليمه فإن ذلك غرر.
стр. 2348
قوله [فلا تصح إجارة الآبق والشارد]
فلا تصح إجارة العبد الآبق أي الهارب من سيده وكذلك لا تصح إجارة الشارد أي الجمل الشارد وهذا ظاهر.
قوله [واشتمال العين على منفعة]
هذا هو الشرط الرابع: وهو أن تكون العين مشتملة على المنفعة.
فعندما يستأجر منه عينا على أن ينتفع بها ولا نفع فيها فلا شك أن ذلك لا يجوز، وذلك لأن المقصود هو استيفاء المنفعة، فإذا لم تكن المنفعة ثابتة في هذه العين فحينئذ لا يمكن استيفاؤها، فعندما يكريه جملا عاجزا عن الحمل لكي يحمل عليه فلا يمكنه أن يستوفي ذلك، فكان ممنوعا ولذا قال:
قوله [فلا تصح إجارة بهيمة زمنة لحمل، ولا أرض سبخة لا تنبت]
فلا يجوز له أن يؤجر أرضا سبخة لا تنبت لأن هذه العين لا نفع فيها ولا يمكنه أن يستوفي نفعها، كذلك عندما تكون البهيمة زمنة أي فيها عاهة فلا يمكن أن تؤجر ولا تصح إجارتها وذلك لأن المنفعة لا يمكن استيفاؤها.
قوله [وأن تكون المنفعة للمؤجر أو مأذونا له فيها]
هذا هو الشرط الخامس: وهو أن تكون المنفعة للمؤجر مملوكة له أو مأذونا له فيها.
стр. 2349
ولم يقل: العين، وذلك لأن الإجارة تقع على النفع، فمتى كان مالكا للنفع فله أن يؤجر، فمثلا ناظر الوقف لا يملك الوقف لكنه يملك منافعه فله أن يؤجر، والمستأجر لدار مثلا لا يملك الدار لكنه يملك منفعتها فله أن يؤجرها، وكذلك عندما تكون هذه الأرض مملوكة لغيره وقد وكله بتأجيرها، فهو لا يملك العين بل يملك النفع، وهو نائب عن المالك فله أن يؤجرها، فعلى ذلك إذا أجر رجل دارا لا يملك منفعتها فلا تصح إجارتها، وذلك لاختلال هذا الشرط، والإجارة كالبيع فكما أن البيع يشترط فيه أن يكون من مالك، فكذلك الإجارة، وعلى ما تقدم ترجيحه من صحة بيع الفضولي مع الإجازة فكذلك الإجارة، فإذا أجر دارا وهو لا يملك منفعتها فأجاز مالك المنفعة ذلك فتصح الإجارة لأنه تصرف فضولي أجيز، فهو صحيح خلافا للمشهور من المذهب كما تقدم في البيع.
قوله [وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه لا بأكثر منه ضررا]
إذا استأجر أرضا أو دارا أو جملا أو نحو ذلك فهل له أن يؤجر؟
الجواب: باتفاق العلماء له أن يؤجر، وذلك لأنه مالك لمنفعتها المدة المتفق عليها، ولكن هل له أن يؤجرها بثمن أكثر؟
الجواب: له ذلك، وذلك لأنه متصرف في ملكه، فالمنفعة ملك له، فله أن يؤجرها بما شاء.
ولكن هل له أن يؤجرها مع ضرر أكثر؟
الجواب: ليس له ذلك، مثاله: استأجرت أرضا لتزرع فيها قمحا، فهل لك أن تؤجرها لمن يزرعها أرزا؟
الجواب: ليس لك ذلك لأن الأرز يستهلك الأرض أكثر من استهلاك القمح لها، وكذلك إذا استأجرتها لتزرع شيئا من الخضروات فليس لك أن تؤجرها لمن يزرعها قمحا لأن القمح يستهلك الأرض أكثر، وكذلك إذا استأجرت دارا لتسكنها فليس له أن تؤجرها لما يضر بها، كأن تؤجرها محلا أو نحو ذلك، وذلك لأنك لا تملك ذلك، فأنت عندما استأجرت الأرض لتزرع القمح، هل لك أن تزرعها أرزا؟
стр. 2350
الجواب: لا، ليس لك ذلك، لأن المنفعة المأذون لك فيها أقل ضررا، فإذا كان هذا فيك، فكذلك فيمن يقوم مقامك، أما إذا أجرها بنفس الضرر أو أقل فلا بأس.
قوله [وتصح إجارة الوقف]
وذلك لأن نفعه مملوك للموقوف عليه، فإذا أوقفت دارا على أولادك فنفع هذا الوقف مملوك للأولاد، فإذا أجر، فالإجارة تقع على منفعته وهي مملوكة للمؤجر.
قوله [فإن مات المؤجر وانتقل إلى من بعده لم تنفسخ وللثاني حصته من الأجرة]
إذا أجر الوقف ثم مات هذا المؤجر، فإنه يتنقل إلى من بعده في المرتبة فما الحكم؟
مثاله: قال هذا البيت وقف على زيد فإن مات زيد فهو وقف على عمرو، فإذا أجره زيد سنة، فلما مضى شهر مات، فهل تنفسخ الإجارة؟
قال المؤلف: لا تنفسخ الإجارة لأن زيدا لما أجره كان مأذونا له في ذلك، وكان ذلك تحت ولايته، فكان له أن يؤجره كما أنه لمالك غير الوقف أن يؤجر ملكه، فإن مالك غير الوقف إذا أجر ثم مات فإن الإجارة لا تنفسخ كما سيأتي، فجعلوا إجارة من بيده الوقف كإجارة مالك الشيء غير الموقوف، والقول الثاني في المسألة وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام واختيار ابن عقيل من كبار الحنابلة أنه ينفسخ، قالوا: لأنه أجر هذا الوقف في وقت ملكه للنفع، وذلك وقت حياته، وأجره في غير ملكه وهو ما بعد موته، فليس له أن يؤجره في غير ملكه، فقد انتقل إلى طبقة أخرى، وهذا القول هو الراجح، والفرق بين إجارة المالك لغير الوقف وبين إجارة المالك لمنفعة الوقف ظاهرة، والقياس مع الفارق لا يصح، ويمكن أن يكون الفرق من وجهين:
الأول: أن ملكية المالك لغير الوقف أقوى من ملكية مالك نفع الوقف، فإن ملكية المالك تثبت على العبن والنفع، وأما الوقف فالموقوف عليه لا يملك إلا نفعه.