فالعارية مضمونة بقيمتها يوم تلفت لأنه هو يوم فواتها على معيرها، فالعارية مضمونة وإن لم يتعد ولم يفرط، وإن كانت مثلية فالضمان بالمثلي وإلا فبقيمته، ولو شرط نفي ضمانها فإنها تضمن، فلو قال المستعير بشرط ألا أضمن، فإنه يضمن ولا يعتبر هذا الشرط، وهذا هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي، واستدلوا بما رواه الخمسة بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) [حم ١٩٥٨٢، ت ١٢٦٦، د ٣٥٦١، جه ٢٤٠٠، ن الكبرى ٣ / ٤١١] قالوا: فهذا يدل على أن اليد يجب عليها ما أخذت حتى تؤديه إلى مالكه، واستدلوا بما رواه أحمد وأبو داود من حديث صفوان ابن أمية: (أن النبي ﷺ استعار منه دروعا يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة) [حم ٢٧٠٨٩، د ٣٥٦٢] والحديث فيه شريط بن عبد الله، وله شاهد من حديث جابر في مستدرك الحاكم [كم ٣ / ٤٨، ٤٩] فالحديث حسن، فإذا تلفت العارية بغير تعد ولا تفريط فإنه يضمن كأن تأتيها آفة من السماء ونحو ذلك، وهنا احتراز لا بد منه: وهو أن المراد بالتلف غير التلف الذي تقتضيه استعارتها، مثاله: عندما يستعير ثوبا ليلبسه فإنه لا بد أن يحصل لهذا الثوب شيء من التلف فإن الثوب يبلى، وهكذا سائر الأشياء المستعارة، فهذا التلف الذي يقتضيه الاستعمال لا ضمان فيه وإن أتى على الشيء المعار كله، وذلك لأن الإذن باستعمال هذه العارية متضمن للإذن بإتلافها عادة، والقول الثاني وهو مذهب الأحناف، وهو أن العارية غير مضمونة، واستدلوا بما رواه أحمد وأبو داود والنسائي في الكبرى والحديث صحيح لطرقه، وصححه ابن حبان وغيره: (أن النبي ﷺ قال ليعلى بن أمية: إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا، فقال: يا رسول الله أعارية مؤداة أم عارية مضمونة؟ فقال: بل عارية مؤداة) [حم ٢٧٠٨٩، د ٣٥٦٦، حب ١١ / ٢٢، ن الكبرى
стр. 2382
٣ / ٤٠٩] وكذلك الحديث المتقدم: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) ، ولما ثبت في سنن الترمذي والحديث إسناده حسن أن النبي ﷺ قال: (والعارية مؤداة والزعيم غارم والدين مقضي) [ت ١٢٦٥، د ٣٥٦٥، جه ٢٣٩٨] قالوا: والأداء لا يستلزم الضمان بدليل أن الوديعة بالاتفاق لا ضمان فيها، وقد قال تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ فأمر الله بأدائها ولم يستلزم هذا ضمانها، فالمقصود أنها تؤدى ما دامت موجودة، وأما إذا حصل لها تلف بغير تعد ولا تفريط فهذا باب آخر، وقال المالكية إن تلفت بسبب ظاهر كالحريق فلا ضمان، وإن تلفت بسبب غير ظاهر فالضمان ثابت، وأصح الأقوال في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار صاحب الفائق من الحنابلة وغير واحد من الحنابلة وهو اختيار ابن القيم والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو أن العارية غير مضمونة إلا أن يشترط ذلك المعير وبه تجتمع الأدلة، فقول النبي ﷺ ليعلى بن أمية وقد سأله في العارية: أعارية مؤداة أم عارية مضمونة فقال: بل عارية مؤداة، فهذا يدل على أن العارية ليست بمضمونة، ولما قال له: صفوان بن أمية أغصب يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة، فدل على أنها مع الشرط يثبت الضمان فيها، ولأن المسلمين على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما، واشتراط الضمان لا يحل ما حرم الله ولا يحرم ما أحله، فقول شيخ الإسلام هو قول الأحناف لكنه يرى جواز الشرط، وأما الأحناف فالمشهور عندهم أن الشرط باطل وفي رواية عندهم يرون جواز الشرط، ولا خلاف بين أهل العلم أنه إذا فرط في حفظ هذه العارية أو تعدى عليها بفعله فإنه يضمن، لأن الضمان بالتعدي أو التفريط ثابت في الوديعة فمن باب أولى في العارية.
стр. 2383
وقول المؤلف (ولو شرط نفي ضمانها) هذا ضعيف، وهو إشارة إلى الخلاف المتقدم، فعن الإمام أحمد وهو اختيار طائفة من أصحابه أن الشرط صحيح وهذا هو القول الراجح.
قوله [وعليه مؤنة ردها]
أي على المستأجر مؤنة رد العارية، فالعارية عندما تستعار، ويحين ردها فإنها قد تحتاج إلى نفقة لإرجاعها إلى مالكها، فهنا تجب على المستعير هذه النفقة، لقوله ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) ، ولأن أداء العارية واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
** وهل عليه نفقة المعار أثناء الاستعارة؟
المشهور في المذهب أنه لا يجب، فإذا كانت دابة ونحوها فلا يجب عليه أن ينفق عليها، وإذا أعلفها مثلا فإنه يرجع بعلفها على معيرها، وقال شيخ الإسلام:" قياس المذهب فيما يظهر لي أنها تجب على المستعير " وذكر شيخ الإسلام أنه لم يجد قولا في المذهب، ولذا خرجها كما تقدم، وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي:" وهو العرف الجاري، ويستقبح الناس أن يحسن إلى أحد بإعارة دابة يستعملها ويركبها فيعلفها ثم يرجع بعلفها على صاحبها " أ. هـ وهو كما قال، فالراجح أن نفقة العين المستعارة واجبة على المستعير لأن العرف يقضي بذلك.
قوله [لا المؤجرة]
فالعين المؤجرة مؤنة ردها تجب على المؤجر لا على المستأجر، فإذا استأجر دابة فحان ردها فنفقة الرد على المؤجر، وأما المستأجر فلا يجب عليه نفقة ردها، بل يردع يده عنها، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو تعليل ظاهر ما لم يحكم عرف بخلافه أو يثبت ضرر بفعله، فإن ثبت ضرر كأن يخلي الدابة في موضع يخشى عليها التلف فيه فإن هذا ممنوع، أو قضى عرف بأنه يجب عليه أن يرد، كأن يقضي العرف بأن من استأجر سيارة ونحوها فإنه يردها إلى مؤجرها، فالرد على المؤجر.
قوله [ولا يعيرها]
стр. 2384
فإذا استعرت دابة فليس له أن تعيرها غيرك، وذلك لأن المعير قد أباح لك الانتفاع بها، وانتفاع غيرك بها غير مأذون به من المالك، وهذا هو المشهور من المذهب وهو أحد القولين في مذهب الشافعي، وذهب الأحناف وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وهو قول في المذهب أن له أن يعرها، وذلك لأنه إن أعارها فقد تصرف بهذه العين بقدر ما أذن له به، فقد أذن أن ينتفع بها انتفاعا لا عوض فيه، فإذا أعارها بلا عوض فقد تصرف بها كما أذن له، والراجح هو القول الأول، وذلك لأن المعير - مالك العين - لم يأذن له إلا أن يتصرف بها، فليس له أن يعدي التصرف إلى غيره، وليس مالكا للمنفعة بل هو مأذون له بالانتفاع، بدليل اتفاق العلماء على منعه من تأجيرها، فإذا استعار دابة فليس له أن يؤجرها، ولو كان مالكا لنفعها لجازت له الإجارة، فدل هذا على انه ليس مأذونا له إلا أن يتصرف بها هو، دون غيره.
قوله [فإن تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها]
مثاله: أعار زيد عمروا دابة، فأعارها عمرو بغير إذنه بكرا، فتلفت عند بكر، فالضمان على المستعير الثاني وهو بكر، وذلك لأنها تلفت في يده، فقد أخذها عارية، والعارية مضمونة، وهذا البحث على أن العارية مضمونة، وعلى القول الراجح وهو أن العارية غير مضمونة فيثبت الضمان هنا أيضا لثبوت التعدي.
قوله [وعلى معيرها أجرتها]
стр. 2385
فمع الضمان فيه أجرة، فهذا المعير الثاني وهو عمرو قد تصرف فيها بغير إذن، فوجبت الأجرة، لأنه انتفاع بملك الغير بلا إذن فوجبت منه أجرة المثل سواء تلفا العين أم لم تتلف، والأجرة واجبة على معيرها وهو المستعير الأول، أي عمرو، قالوا: لأنه قد غرر بالمستعير الثاني أن يستوفي منفعة عين غيره بغير حق، فقد غرر بالمستعير الثاني وظن أنها ملك له، أو أنه مأذون له بأن يعيرها غيره، فغرر به فتصرف بها بغير حق، فتكون الأجرة على هذا المغرر، وعليه فإذا كان المستعير الثاني عالما بالحال أي عالما بأن هذه عارية وليست مالكا وأنه قد أعاره ملك غيره فحينئذ يكون قد دخل على بصيرة وعليه فالأجرة عليه كما يقرره فقهاء الحنابلة، إذن الأجرة على المستعير الأول حيث لم يكن المستعير الثاني عالما بأنها ملك غيره بل هو ظن أنها ملك له أو مأذون له بالإعارة،أما إذا علم أن هذا المستعير الأول قد أعاره إياها ولا إذنه أو ظنه غاضبا أو غير ذلك ومع ذلك تصرف في ملك غيره فإن الأجرة تجب عليه أي على المستعير الثاني لأنه هو المنتفع بهذه العين فوجب عليه عوضها.
قوله [وضمن أيهما شاء]
فإذا تلفت العين فإنه يضمن أيهما شاء، فإن شاء ضمن عمروا وهو المستعير الأول وإن شاء ضمن بكرا وهو المستعير الثاني.
أما تضمينه للمستعير الأول فلأن المستعير الأول تصرف في العارية بغير إذن، بأن سلط عليها غيره بغير حق، وأما تضمينه للمستعير الثني فلأن التلف حصل في يده، فإن ضمن المستعير الأول وهو عمرو، فإنه يرجع على المستعير الثاني بالضمان، لأن الضمان واجب عليه في الأصل، كما تقدم في مسألة نظيرة لهذه في باب الضمان.
قوله [ون أركب منقطعا للثواب لم يضمن]
стр. 2386
إذا أركب على دابة منقطعا أي قد انقطع به السبيل فلا يضمن هذا المنقطع لو تلفت هذه الدابة، وذلك لأن يد مالكها لم تزل عليها فهو شبيه بالرديف، وعليه فلا ضمان عليه، فلا يكون كالمستعير الذي يجب عليه الضمان في المذهب، وذلك لأن يد مالكها لم تزل عليها، كأن تكون معه راحلتان، راكب هو على أحدهما، ثم وجد منقطعا فأركبه على الراحلة الأخرى، فهذا كما لو أردفه على الراحلة نفسها، فلم تزل يد مالكها عليها، وعلى القول الراجح من أن العارية غير مضمونة إلا أن يشترط ذلك المعير فلا إشكال.
قوله [وإذا قال: أجرتك، قال: بل أعرتني أو بالعكس عقيب العقد قبل قول مدعي الإعارة]
إذا قال المالك أجرتك، وقال الآخر بل أعرتني، فمثلا: سكن في داره فقال: قد أجرتك هذه الدار، فقال: بل أعرتني، أو بالعكس كأن يقول أعرتك فيقول: بل أجرتني، ومصلحته من إنكار العارية مع أن ظاهر الأمر أن العارية أفضل من الإجارة مصلحته من ذلك أنه قد يكون يريد إبقاء هذه العين معه مدة وإن كان ذلك بأجرة، والعارية يملك المعير إرجاعها متى شاء كما تقدم في المذهب، وكان ذلك عقيب العقد أي لم تمض مدة لها أجرة في العادة، فيقبل قول مدعي الإعارة سواء كان المالك أو كان الآخر الذي بيده العين، وذلك لأن الأصل هو عدم الإجارة لما فيها من العوض فالأصل عدمها، وعله فحينئذ لا أجرة إلا أن يأتي مدعي الإجارة ببينة فحينئذ تثبت الأجرة، لكن الكلام حيث لا بينة، وحينئذ ترد العين إلى مالكها.
قوله [وبعد مضي مدة قول المالك بأجرة المثل]
стр. 2387
مثاله: بعد ما مضى شهر اختلفوا، فقال المالك: أعرتك، وقال الآخر: بل أجرتني أو بالعكس، فحينئذ القول هو قول المالك، وذلك لأن الأصل في مال الغير الضمان، وقد قال ﷺ : (لو يعطى الناس على دعواهم لادعى أناس دماء قوم وأموالهم) [خ ٤٥٥٢، م ١٧١١] فالقول قول المالك، وذلك لأن الأصل في أموال الناس الضمان، ومن كان الأصل معه فالقول قوله، فيقال للمالك: احلف فإن حلف فالقول قوله، وحينئذ وقد مضت مدة فإنه يدفع أجرة المثل للمالك، وإنما ثبتت أجرة المثل ولم تثبت الأجرة المسماة التي يدعيها المالك لأن الإجارة لا تثبت بالدعوى، نعم أرجعنا إليه ماله، وجعلنا القول قوله، لكن لا يعني هذا أن نكون قد أثبتنا الإجارة، ولذا ترد العين إلى مالكها، وإنما هذا حكم عند المنازعة.
قوله [وإن قال أعرتني أو قال أجرتني فقال: بل غصبتني]
إذا قال: أنت قد أعرتني هذه الدابة، أو قال: أنت قد أجرتني دارك، فقال: أنا لم أؤجرك ولم أعرك بل غصبتني، فالقول قول المالك لأن الأصل عدم الإعارة وعدم الإجارة، وهذا مدعي خلاف الأصل، فالقول قول المالك.
قوله [أو قال: أعرتك، قال: بل أجرتني والبهيمة تالفة]
إذا قال: أعرتك هذه البهيمة لتركبها، فقال: لا بل أجرتنيها، لكي لا يضمن، فإن المستأجر لا يضمن وأما المعير فعليه الضمان في المذهب، وكانت البهيمة تالفة فالقول قول المالك، للأصل المتقدم، وهو ا، الأصل في أموال الناس الضمان كما تقدم، ودليله من قوله ﷺ : (لو يعطى الناس على دعواهم لادعى أناس دماء قوم وأموالهم]
قوله [أو اختلفا في رد فقول مالك]
مثاله: أعاره دابته ثم اختلفا، فالمستعير يقول: رددت، والمالك يقول: لم تردها إلى، فالقول قول المالك هنا لأن الأصل عدم الرد، وقد ثبتت العارية بالبينة أو الإقرار، فلا بد وأن يثبت الرد بالبينة أو بالإقرار.
باب الغصب
стр. 2388
الغصب لغة: القهر، وفي الاصطلاح: عرفه المؤلف بقوله:
قوله [هو الاستيلاء على حق غيره قهرا بغير حق]
هو الاستيلاء على حق غيره، سواء كان هذا الحق مالا أو اختصاص، مثال المال: الدار أو الدابة أو نحو ذلك، ومثال الاختصاص أن يكون عنده كلب صيد أو كلب زرع، فإنها اختصاص، بدليل أنه يمنع من بيعها، وليست قيمتها قيمة مالية.
وقوله (قهرا) يخرج من ذلك ما لو استولى على حق غيره بغير قهر كأن يختلس أو يسرق أو ينتهب ونحو ذلك، فإنها ليس قهرا وإنما أخذت بطريق خفي، أو بطريق ظاهر ليس فيه قهرية.
وقوله (بغير حق) يخرج من ذلك ما لو كان هذا الاستيلاء بحق كاستيلاء ولي اليتيم على ماله، واستيلاء الحاكم على مال المفلس، فإن هذا الاستيلاء ليس بباطل، وليس المراد أن يستولي عليه لنفسه، ولكن المراد أن يستولي عليه لحظ غرمائه في المفلس، ولحظ نفسه في المحجور عليه من يتيم وغيره، وهذا التعريف يدخل فيه استيلاء الحربي المقاتل على مال المسلم، وهذا ليس بصحيح كما بين هذا شيخ الإسلام، وذلك لأن هذا الاستيلاء لا يضمن فليس مرادا بهذا التعريف.
قوله [من عقار ومنقول]
قوله (من عقار) كالدار والأرض والبستان ونحو ذلك، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال (من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين) [خ ٣١٩٨، م ١٦١٠] .
وقوله (ومنقول) كأثاث ونحوه، فإذا دخل داره فأخذ أثاث أو طعاما ونحوه فهذا اغتصاب، وقد روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي وحسنه وهو كما قال أن النبي ﷺ قال: (لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جادا ولا لاعبا، ومن أخذ عصا أخيه بغير حق فليردها) [حم ١٧٤٨١، د ٥٠٠٣، ت ٢١٦٠] والمتاع والعصا من المنقولات.
قوله [وإن عصب كلبا يقتنى أو خمر ذمي ردهما]
стр. 2389
إذا غصب كلبا يقتنى ككلب صيد أو كلب زرع ونحوه رده، فما يجوز اقتناءه فإذا غصبه وجب عليه رده، وذلك لأن المقتني يختص به وقد اقتناه على وجه مأذون له فيه فهو حق له فيجب عليه أن يرده، ومثل ذلك لو اغتصب خمر ذمي لم يظهره، أي لم يظهر شربه أمام الناس بل قد أسر ذلك وأخاه فكذلك يجب رده، وذلك لأنه إذا كان يشرب الخمر سرا فإن هذا مأذون له فيه، فإذا أخذه منه فقد أخذه بغير وجه حق.
قوله [ولا يرد جلد ميتة]
فلا يرد جلد الميتة لأنه لا يطهر بدباغ في المذهب، وعليه فهذه المسألة متفرعة عن مسألة يقررها الحنابلة تقدمت في باب الآنية، وهي أن جلد الميتة لا يطهر بدباغ، وقال بعض الحنابلة بل يردها، وذلك لأنه يجوز استعمال الجلد في يابس ونحوه كما تقدم عند الحنابلة، فإذا اقتنى جلد الميتة وقد دبغ واستعمله في يابس فإن ذلك جائز، وعلى القول الراجح وهو أن جلد الميتة يظهر بالدباغ فعليه يجب عليه الرد وهو مال، فجلد الميتة له قيمة، فيجب عليه أن يرده لأن الانتفاع مأذون له شرعا إذا دبغ، وإن كان هذا قبل الدبغ لأنه يمكنه أن ينتفع به بعد دبغه.
قوله [وإتلاف الثلاثة هدر]
فإذا أتلف شيئا من هذه الثلاثة وهي الكلب والخمر وجلد الميتة فهي هدر، فإذا قتل هذا الكلب وإن كان الآخر قد اقتناه لينتفع به على وجه مأذون له فيه شرعا أو أتلف هذا الجلد أو أهراق هذه الخمرة فإن ذلك هدر، فليس على المتلف ضمان، أما جلد الميتة فهو ضعيف، فإن جلد الميتة يدبغ وله قيمة عند دباغه، فإذا أتلفه فعليه الضمان لأن له قيمة، وأما الكلب والخمرة فليست لهما قيمة لأن النبي ﷺ نهى عن بيعهما وعليه فلا قيمة لهما.
فإن قيل: إن خمرة الذمي معصومة إذا لم يجهر بشربها؟
стр. 2390
فالجواب: أن كونها معصومة لا يستلزم ضمانها، أو أن يكون لها قيمة بدليل أن نساء المحاربين وأولادهم معصومون ومع ذلك فإذا قتل المسلم امرأة من نسائهم أو صبيا من صبيانهم فلا ضمان، مع أن ذلك يحرم، فكذلك هنا، فلا يجوز له أن يهريق هذه الخمرة، وقد أسر هذا الذمي بشربها لأنه يخالف العقد الذي وضعه إمام المسلمين معهم، ولكن لا ضمان لأن الخمرة لا قيمة لها، لنهي النبي ﷺ عن بيعها، وكذلك الكلب وغن كان يقتنى فقد نهى النبي ﷺ عن ثمنه.
قوله [وإن استولى على حر لم يضمنه]
فإذا استولى رجل على حر أي اغتصبه سواء كان هذا الحر صغيرا أو كبيرا فإنه لا يضمن، فلو مات عنده بغير سبب منه كأن يموت بمرض أو نحوه فلا ضمان عليه، لكن لو مات بسبب حبس له في موضع احترق أو أصيب هذا الموضع بصاعقة فإنه يضمن.
فإن قيل: لم لا يضمن الحر مع أن العبد يضمن؟
فلو أن رجلا اغتصب عبدا فمات العبد ميتة لا سبب للغاصب فيها فإنه يضمن، لأن يده يد متعدية فيثبت عليها الضمان، وأما الحر فلا يضمن، فالجواب: أن الحر ليس بمال بخلاف العبد الرقيق فإنه مال مقوم، وأما الحر فليس بمال، إذن إن استولى على حر لم يضمنه، إلا أن يباشر ذلك.
فإن اغتصب دابة وعليها مالكها؟
فالمشهور من المذهب انه لا ضمان عليه في الدابة لو تلفت، لأنها تحت يد مالكها، ومالكها لا ضمان عليه فهي تبع له، والقول الثاني في المذهب أن الضمان يثبت واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو القول الراجح، وذلك لأننا إنما استثنينا الحر لأنه ليس بمال، وأما هنا فقد تبعه ما هو مال، فإن هذا الرجل قد اغتصب هذه الدابة وهي مال، فحينئذ عليه ضمانها، وأما مالكها فلا ضمان عليه فيه لأنه حر، وهذا القول هو الراجح.
قوله [وإن استعمله كرها أو حبسه فعليه أجرته]
стр. 2391
إن اغتصب هذا الحر واستعمله في مهنة ونحو ذلك فعليه أجرته، وذلك لأنه استوفى منفعته، والمنفعة لها عوض فوجب العوض، وكذلك إذا حبسه ولم يكرهه على عمل لكنه حبسه في دار أو نحو ذلك ففوت عليه منافعه فعليه أجرة المثل لأنه فوت عليه منافعه، والمنافع لها أجرة، فإن منعه العمل ولم يحبسه ولم يغصبه لكنه منعه من العمل بغير وجه حق، فهل يثبت الضمان أم لا؟
المشهور من المذهب أنه لا ضمان عليه، وقال صاحب الفروع:" يتوجه: بلى " أي عليه ضمان، وصوبه صاحب الإنصاف، وهذا القول هو الراجح، وذلك لأنه بمنعه قد فوت عليه منافعه فيجب عليه أجرة المثل.
قوله [ويلزم رد المغصوب بزيادته وإن غرم أضعافه]
فيلزم رد المغصوب بزيادته المتصلة والمنفصلة، كأن يغتصب عبدا فيعمله الكتابة أو يغتصب دابة فيسمنها فذه زيادة متصلة، ومثال الزيادة المنفصلة، كأن يغتصب بهائم فتنتج أو تلد فحينئذ تتبعها أولادها ونتاجها وتكون كلها للمغصوب منه، كذلك إذا سرق منه رقيقا فعلمه صنعة من الصنائع فيجب عليه رده، ولا يستحق شيئا على هذا التعليم بل يكون العبد بصفته ملكا للمسروق منه، وذلك لأن هذه الزيادة هي نما ملك المغصوب، ويجب عليه الرد لقول النبي ﷺ : (ومن أخذ عصا أخيه بغير حق فليردها) وغير هذا من الأدلة التي تدل على وجوب ذلك، وعليه أن يردها ولو خسر أضعافها، مثال ذلك: إذا اغتصب عبدا، فأبق العبد فيجب عليه أن يرد المغصوب وإن خسر أموالا كثيرة لرده، وذلك لقول النبي ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه)
قوله [وإن بنى في الأرض أو غرس لزمه القلع، وأرش نقصها، وتسويتها والأجرة]
مثاله: رجل بنى في أرض غيره، أو غرس نخلا أو شجرا في أرض غيره فما الحكم؟
стр. 2392
يقول المؤلف هنا: لزمه القلع، ودليل هذا ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن والحديث صحيح لغيره عن عروة بن الزبير عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله، وقال ﷺ : (ليس لعرق ظالم حق) [د ٩٠٧٣] إذن يجب عليه أن يقع هذه النخيل ويهدم هذا البناء، هذا أولا، وثانيا: يجب عليه أرش نقصها، فعندما يغرس في هذه الأرض فقد يسبب هذا الغرس نقصا في الأرض، كأن يؤثر فيما تنتجه الأرض من زراعة ونحوها، فحينئذ له أرش نقصها، فتقوم هذه الأرض قبل أن يحصل فيها هذا البناء، وقيل أن يحصل فيها هذا الغرس، ثم يقوم بعد أن حصل فيها الغرس والبناء، ثم ينظر الفارق بينهما فيدفعه الغاصب إلى المغصوب منه، وثالثا: يجب عليه أن يسوي الأرض وأن يصلحها بعد أن حصل فيها من الحفر ونحو ذلك، بسبب هذا الغرس، وهذا البناء، فيجب عليه أن يسويها، ورابعا: يجب أجرة الأرض هذه المدة، لأنه فوت على صاحب الأرض الانتفاع بها هذه المدة، وما ذكره المؤلف في الغرس، لكن لو اغتصب أرضا فزرعها فما حكم ذلك؟
стр. 2393
قال الجمهور يجب القلع، وإن كان حصد الزرع فله الزرع وعليه الأجرة، كالغرس أي قياسا على الغرس، وأما الحنابلة فقد فصلوا في هذه المسألة، فقالوا في المشهور عندهم إن كان لم يحصد بعد فنقول للمالك أنت مخير إن شئت أن تترك له ما زرع حتى يحصل ولك الأجرة، وإن شئت أن تأخذ الزرع وتعطيه النفقة، أي ما أنفقه على هذا الزرع، فتعطي الغاصب نفقته، ويكون الزرع ملكا لصحاب الأرض، أما إن كان الزرع قد حصد فوافقوا الجمهور، وقالوا: إن كان الزرع قد حصد فللغاصب ما حصده من الزرع، وعليه الأجرة، وعن الإمام أحمد وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا فرق بين ما إذا حصد الزرع وإذا لم يحصد، بل يكون ملكا لصحاب الأرض، وإن شاء أن يأخذ الأجرة فله ذلك، حتى ولو حصده هذا الغاصب فلصحاب الأرض أن يقول أريد الزرع ويعطيه النفقة، وهذا القول هو الراجح، ودليل ذلك ما رواه أحمد والترمذي وحسنه، ورواه ابن حاجة وأبو داود، وقد نقل الترمذي عن البخاري تحسينه واحتج به الإمام أحمد والحديث حسن بشواهده أن النبي ﷺ قال: (من زرع بأرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته) [حم ١٥٣٩٤، د ٣٤٠٣، ت ١٣٦٦، جه ٢٤٦٦] والحديث عام في الزرع قبل حصاده وبعد حصاده.
فإن قيل: ما الجواب عما ذكره الجمهور فقد قاسوا الزرع على الغرس؟
فالجواب: أنه قياس مع الفارق، وذلك لأن الغرس إذا قلع فلا إتلاف، وأما الزرع فإذا قلع فإنه يتلف، وقد أمكننا أن نرد إلى المغصوب حقه بغير إتلاف لمال الغاصب.
قوله [ولو غصب جارحا أو عبدا أو فرسا فحصل بذلك صيد فلمالكه]
стр. 2394
مثاله: رجل اغتصب جراحا كصقر مثلا، أو اغتصب عبدا أو فرسا فحصل بذلك صيدا فلمالكه، أي فالصيد يكون لمالكه، وهو المغصوب منه، لأنه حصل بسبب ملكه، وقال شيخ الإسلام:" يتوجه أنه إذا اغتصب فرسا فصاد به يتوجه أن يكون الكسب بين الغاصب وبين المغصوب منه بقدر نفعهما " فتقوم منفعة راكب بالفرس وهو الغاصب، وتقوم منفعة المركوب وهو الفرس، ويكون الكسب وهو الصيد بينهما، وهذا هو القول العدل في هذه المسألة.
وإذا كان الصيد على فرس ونحوه فإن للراكب دورا كبيرا أكثر من دوره فيما لو كان الصيد بجارح كصقر ونحوه، وقد يقال في المسألة السابقة الني تقدم ذكرها، فيما إذا علم العبد ونحوه فإن له نصيبه من ذلك وأن هذا هو العدل، فقد يخرج هذا على التوجيه الذي ذكره شيخ الإسلام.
قوله [وإن ضرب المصوغ]
أي اغتصب حليا أو اغتصب ذهبا فجعله دراهم ودنانير.
قوله [ونسيج الغزل]
إذا اغتصب غزلا فنسجه، فأصبح منسوجا بعد أن كان غزلا.
قوله [أو قصر الثوب أو صبغه]
إذا قصر الثوب أي غسله أو صبغه أي عمل فيه من صبغ ونحوه.
قوله [ونجر الخشب ونحوه]
فأصبحت الأخشاب التي قد اغتصبت أبوابا مثلا، أو أحال الحديد إلى مواد أخرى من آلات ونحوها فما الحكم؟
قالوا: يرده وأرش نقصه، فنقول له رد الأبواب ورد الثياب بصبغتها، ويرد هذا الذهب بضربه، ويرد الغزل بنسجه مع الأرش، ووجه شيخ الإسلام ما تقدم، بل عن الإمام أحمد أنه يكون شريكا له في منافعه، وذلك لأن المنافع تجري مجرى الأعيان، وهذا القول هو الراجح، وهو القول الذي تقدم تقريره، وعلى القول الذي ذهب إله الحنابلة: إن قال أريد منك أن تعبد هذه الأبواب ويرجع خشبي، فهل يلزم بذلك أم لا؟
стр. 2395
قالوا: يلزمه ذلك إن كان للمغصوب منه في ذلك غرض صحيح، فإن لم يكن له غرض صحيح فلا، فإذا كان له غرض صحيح كأن يريد هذه الأخشاب لأمر مهم له، وأحيلت إلى أبواب لا نفع له بها، فحينئذ يلزم، فإن لم يكن هناك غرض صحيح فلا، وذلك لأنا إذا ألزمناه مع عدم وجود الغرض الصحيح فإن في ذلك نزاعا وشقاقا، والواجب قطع النزاع والشقاق.
ومثل هذا في مسألة الغرس، فلو غرس نخلا، وقال للمغصوب منه أريد أن أهلك هذه النخيل مكان أن أقلعها فهل يلزم بقول هذه الهبة؟
فيه تفصيل: فإن كان له غرض صحيح في قلعها وإزالتها فله ألا يقبل، وإن لم يكن له غرض صحيح فإنه يلزم بقبول الهبة قطعا للنزاع، ومثال الغرض الصحيح أن يبني هذا الغاصب فيها بناء، والمغصوب منه يريد زراعتها ولا حاجة له في هذا البناء، وقد وهبه هذا البناء فإنه لا يلزم بقبوله.
قوله [أو صار الحب زرعا]
اغتصب حبا، فبذره فأصبح هذا الحب زرعا.
قوله [والبيضة فرخا]
اغتصب بيضا فأصبح الآن فرخا.
قوله [أو النوى غرسا]
اغتصب نوى تمر ثم غرسه فأصبح الآن نخلا، فما الحكم؟
قوله [رده وأرش نقصه ولا شيء للغاصب]
فيرد هذا النوى نخلا، ويرد هذه البيضة دجاجة أو فرخا، ويرد هذا الحب وإن كان زرعا، وإن كان من نقص فإنه يرد أرش النقص، ولا شيء للغاصب، واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أنه في مثل هذه المسألة يضمنها كما لو تلفت فيرد ضمانها كما لو تلفت، بمعنى أنها في مثل هذه المسال قد استحالت إلى عين أخرى غير العين التي اغتصبها، وعليه فلا يردها وإنما يضمنها ضمان المتلفات، وعليه فيرد إليه حبا آخر مكان هذا الحب الذي اغتصبه، وهذا هو القول الراجح، وذلك لأنها قد استحالت إلى عين أخرى، وحينئذ فالعدل هذا.
قوله [ويلزمه ضمان نقصه]
стр. 2396
إن غصب دابة مثلا وكانت تساوي ألف ريال، فردها إلى المغصوب منه وهي لا تساوي إلا تسعمائة ريال فعليه ضمان النقص، وهو هنا يساوي مائة ريال، فإذا كان المغصوب قد نقص عند رد الغاصب له فإنه يقوم صحيحا ويقوم ناقصا وينظر الفارق يسنهما وهو الأرش فيجب على الغاصب ضمانه، وذلك لأنه نقص حصل في يده فكان عليه ضمانه، وقد تقدم أن يد الغاصب متعدية فعليها الضمان، والمسائل الآتية مبينة على القاعدة السابقة أي قاعدة تضمين الغاصب.
قوله [وإن خصى الرقيق رده مع قيمته]
وكذلك إذا قطع يديه أو نحو ذلك، فما تثبت فيه دية كاملة فيجب عليه أن يعطي قيمته ويرده.
قوله [وما نقص بسعر لم يضمن]
مثال هذا: اغتصب منه عقارا يساوي عند الاغتصاب مائة ألف ريال، فرده وهو لا يساوي إلا خمسين ألف ريال، فهل يضمن هذا الفارق أم لا؟
قال المؤلف: لا يضمن، قالوا: لأنه قد رده على ما هو عليه بلا نقص، فالعقار على ما هو عليه، فلا ضمان، وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو القول الراجح في هذه المسألة أن الضمان واجب، وذلك لأنه قد فوت عليه الفارق بين السعرين، بين سعره وقت الغصب، وبين سعره وقت الرد، وليس من العدل ألا يضمن شيئا قد اغتصبه زمنا ثم رده في زمن آخر، أضف إلى هذا أن الصفات إنما تقصد لقيمتها، فإذا كان النقص في الصفات مؤثرا فكذلك النقص في القيمة مؤثر.
قوله [ولا بمرض عاد ببرئه]
стр. 2397
ذا اغصب عبدا، فمرض العبد ثم بريء فإذا رده فلا ضمان، فمثلا اغتصب عبدا وهو يساوي مائة ألف، ثم مرض فأصبح يساوي تسعين ألفا، ثم شفي من مرضه فأصبح يساوي مائة ألف، فلا ضمان عليه لزوال موجب الضمان، والمذهب أن الضمان يستقر بالرد، فإذا اغتصب عبدا يساوي مائة ألف فمرض فرد هذا العبد مريضا لا يساوي إلا تسعين ألفا فعليه عشرة آلاف، فإذا شفي العبد بعد ذلك فإن هذه العشرة آلاف تبقى للمغصوب منه سواء كان قد أخذها مع الرد أو لم قد أخذها بل قد تعلقت في ذمة الغاصب، والراجح خلاف هذا لزوال موجب الضمان، فإن موجب الضمان هو النقص، وقد زال هذا النقص، إلا أن يكون زوال النقص بفعل من المغصوب منه كأن يشتغل بمداواته ونحو ذلك فهذه مسألة أخرى، فإن زوال هذا النقص قد حصل بمعالجة من المغصوب منه، أما إذا لم يكن كذلك فإن الضمان يزول بزوال موجبه، وهو قول بعض الحنابلة خلافا للمشهور من المذهب.
قوله [وإن عاد بتعلم صنعة ضمن النقص]
إذا عاد النقص بتعليم صنعة ضمن النقص، مثال هذا: غصب عبدا يساوي عشرة آلاف، فأصاب هذا الرقيق بهزال ببدنه، فأصبح لا يساوي إلا تسعة آلاف فعلمه صفة تساوي ألفا فأصبح الرقيق يساوي عشرة آلاف فإنه يضمن النقص، وذلك لأن هذه الزيادة قد حصلت من جهة أخرى، فإن النقص الذي فيه وهو الهزال لم يزل، فلم يزل ناقصا من هذه الجهة، وهذا النقص قد حصل في يد الغاصب فكان الضمان عليه، وهذه الزيادة التي قد جبرت هذا النقص إنما هي مع بقاء النقص، فإذن موجب الضمان وهو النقص باق وحينئذ فتعليمه للصنعة ونحوها لا يزيل موجب الضمان فيجب عليه الضمان.
قوله [وإن تعلم أو سمن فزادت قيمته ثم نسي أو هزل فنقصت ضمن الزيادة]
стр. 2398
صورة هذه المسألة: اغتصبه وهو لا يساوي إلا ألف ريال هزيلا جاهلا، فعلمه فأبح عالما في صنعة من الصنائع، وأطعمه فسمن فأصبح بعد أن كان يساوي ألفا أصبح يساوي عشرة آلاف، ثم نسي العلم وهزل فأعاده هزيلا جاهلا فعليه الضمان، فنقومه وهو صانع سمين ثم نقومه بعد أن أصبح هزيلا جاهلا ثم يعطى المغصوب منه الفارق بينهما، وذلك لأن هذه الزيادة قد زادت في ملك المغصوب منه، فهذا الغاصب يده يد متعدية فحينئذ إذا زالت فعليه الضمان.
قوله [كما لو عادت من غير جنس الأول]
أي كما لو عادت الزيادة لكن من غير جنس الأول، كما تقدم في المسألة السابقة، فهذا لمسألة تكرار للمسألة السابقة وهي قوله (وإن عاد بتعليم صنعة ضمن النقص)
قوله [ومن جنسها لا يضمن إلا أكثرهما]
فإن كان من جنسها فلا ضمان إلا أن تكون إحدى الصفتين أكثر من الصفة الأخرى، وبيان هذا: إذا اغتصب عبدا وهو يتقن صنعة الحدادة مثلا، فعلمه النجارة، وأنساه الحدادة، وأصبح لا يتقن الحدادة وإنما يتقن النجارة، فحينئذ لا ضمان، وذلك لأن هذا النقص قد جبره بتعليمه النجارة فلا ضمان، إلا أن تكون الصفة التي قد فوتها عليه أفضل وأعلى من الصفة التي علمه إياها هذا الغاصب، فيجب الفارق حينئذ، كأن تكون إحدى الصنعتين تساوي فيه ألفا، والأخرى تساوي فيه خمسمائة، فيجب له الفارق أي للمغصوب منه.
стр. 2399
* وإن جنى الغاصب على المغصوب جناية، فحينئذ عليه أكثر الأمرين من أرش الجناية والنقص، مثال هذا: إذا اغتصب عبدا، وجنى عليه جناية، وهذه الجناية أنقصت قيمة العبد فأصبح العبد بعد أن كان يساوي عشرة آلاف أصبح يساوي تسعة آلاف، فهنا لضمان النقص ألف درهم، والجناية تساوي مثلا ألفين، فإنه يجب عليه ضمان ألفين أرش الجناية لأنه هو الأكثر، وإن كان أرش الجناية لا يساوي إلا ألفا، لكنا قومنا العبد ووجدنا أن الأرش ألفين، فحينئذ يجب عليه الأرش، وذلك مثلا في السيارة، إذا اغتصب سيارة وصار فيها حادث فأعادها، وقدرنا القيمة التي تصلح فيها هذه السيارة فوجدناها ألف درهم، ثم قدرنا قيمة السيارة فوجدناها بعد أن كان تساوي عشرة آلاف أصبحت تساوي خمسة آلاف، فنضمنه أكثر الأمرين وهو خمسة آلاف، وذلك لأنه قد وجد سبب الأمرين كليهما، فسبب أرش الجناية موجود وهو الجناية، وسبب ضمان النقص موجود وهو هذا الفارق بين ثمنه الحقيقي وثمنه بعد رده، فما وجد سبب كل منهما ضمناه أعلاهما لدخول أقلهما في أعلاهما.
** وإن جنى العبد عند الغاصب فهل يكون أرش جنايته على سيده الذي قد اغتصب منه أو يجب على هذا الغاصب؟
الجواب: يجب على الغاصب، وذلك لأن الجناية نقص، وقد تعلق هذا النقص برقبة العبد، فكان كسائر أحوال النقص التي تقدم ذكر شيء منها.
فصل
قوله [وإن خلط بما لا يتميز كزيت أو حنطة بمثلهما...... فهما شريكان بقدر ماليهما فيه]
стр. 2400
إذ غصب زيتا فخلطه بزيت، أو غصب حنطة فخلطها بحنطة ونحو ذلك، فقال المؤلف (فهما شريكان بقدر ماليهما فيه) فيباع الزيت، ويعطى كل واحد منهما قدر نصيبه من الزيت مالا، فإذا كان لكل واحد فيها النصف، فبيع بألف درهم فلكل من الغاصب والمغصوب منه خمسمائة درهم، ظاهر كلام المؤلف أن ذلك مطلقا، سواء كان زيت الغاصب أفضل من زيت المغصوب أو كان مثله أو كان دونه، وهذا قول في المذهب، والمشهور في المذهب أن على الغاصب مثله إن كان المختلط مثله مساويا له، بمعنى: خلط الغاصب زيته بزيت المغصوب منه، وزيت المعصوب يماثل زيت الغاصب في القيمة، كأن يأخذ منه كذا وكذا من الزيت، فيجب على الغاصب أن يعطي المغصوب منه هذا القدر الذي اغتصبه منه، وهذا هو الظاهر وذلك لأن المثل أولى من البدل، بخلاف ما إذا كان أفضل منه أو دون فإنا لا نأخذ من هذا المختلط مثله، لأن مال الغاصب في المسألة الأولى أفضل من مال المغصوب منه، وفي المسألة الثانية مال المغصوب منه أفضل من مال الغاصب، فلم نأخذ من المختلط مثله.
قوله [أو صبغ الثوب أو لت سويقا بدهن أو عكسه ..... فهما شريكان بقدر ماليهما فيه]
إذا غصب ثوبا فصبغه وكذلك إذا اغتصب سويقا ثم لته بدهن، فالدهن له، والسويق مغصوب، وعكسه كذلك، فإذا كان السويق له، والدهن مغصوب أو الصبغ مغصوب والثوب له، فهما شريكان بقدر ماليهما فيه، لأن الاجتماع في الملك يقتضي التشريك فيه، فهذا له غين، وهذا له عين أخرى، فالغاصب له الصبغ، والمغصوب منه له الثوب، والعكس بالعكس، كذلك السويق للغاصب والدهن للمغصوب، فاجتمعا في الملكين بما يقتضي اجتماعهما في التشريك فكانا شريكين.
قوله [ولم تنقص القيمة ولم تزد]
стр. 2401
فإذا بعنا هذا الثوب المصبوغ، فالصبغ مال الغاصب، والثوب مال المغصوب منه، فكان ثمنه عشرة دراهم، وقيمة الثوب في الأصل خمسة دراهم، والصبغ قيمتها خمسة دراهم أيضا فحينئذ لم يزد ولم ينقص، فنعطي المغصوب خمسة دراهم قيمة الثوب، ونعطي الغاصب خمسة دراهم قيمة صبغه.
قوله [وإن نقصت القيمة ضمنها]
فإن كان الثوب بعد الصبغ أقل منه قيمة قبل الصبغ فكانت قيمته خمسة دراهم فأصبح أربعة دراهم فإنه يضمن هذا الدرهم، فإذا نقصت قيمة هذا الشيء المغصوب بعد خلطه بهذا الشيء غير المتميز منه فالضمان على الغاصب، وذلك لأنه نقص حصل في يده فكان في ضمانه.
قوله [وإن زادت قيمة أحدهما فلصحابه]
أي لصاحب العين التي كانت الزيادة بسببها، فالثوب مثلا بعد أن صبغ أصبح يساوي خمسة عشر درهما، وقيمة الصبغ لا تساوي إلا خمسة دراهم، والثوب كان عند اغتصابه يساوي خمسة دراهم، لكن ارتفعت أسعار الثياب بعد ذلك فأصبح يساوي عشرة دارهم، فأصبح وهو مصبوغ يساوي خمسة عشر درهما، فهذه الزيادة حصلت بسبب الثوب، فتكون للمغصوب منه، لأنها حصلت بسبب ملكه، فإن كان الصبغ قيمته خمسة دراهم، لكنه كان صبغا حسنا فصار الثوب يساوي خمسة عشر درهما لارتفاع قيمة الصبغ أو نحو ذلك فحينئذ تكون هذه الزيادة للغاصب لأن هذا لسبب ملكه.
وفي قول المؤلف (إن خلط بما لا يتميز) دليل على أن المسألة مختصة بهذا، وأنه إن خلط المغصوب بما يمكن تمييزه فيجب التمييز، والتمييز واجب على الغاصب فعليه أجرته، كأن يخلط حنطة بزبيب، ويمكننا أن نفصل هذا عن هذا، فإن التمييز واجب على الغاصب لأنه قد حصل بسببه.
قوله [ولا يجبر من أبى قلع الصبغ]
إذا اغتصب ثوبا فصبغه، فهل يجبر المالك على قلع الصبغ من ثوبه إن أراد الغاصب قلعه، أو هل يجبر الغاصب على قلع الصبغ إن قال له المغصوب منه: اقلع صبغك؟
стр. 2402
الجواب: قال المؤلف: لا يجبر، وذلك لما يترتب من الإتلاف في ماله، فإن صاحب الصبغ إذا أجبر على قلع الصبغ تلف ماله، كما أن صاحب الملك إذا اجبر على قلع الصبغ تلف ماله، وكما تقدم في الزرع وأنه لا يقلع لأنه يتلف على الغاصب ماله فكذلك هنا.
قوله [ولو قلع غرس المشتري أو بناؤه لاستحقاق الأرض رجع على بائعها بالغرامة]
صورة هذه المسألة: إذا باع رجل على آخر أرضا، وكان قد اغتصبها، فباعها عليه بيعا صحيحا في الظاهر، فبنى فيها المشتري بيتا أو وضع فيها غرسا أو نحو ذلك ثم ردت هذه الأرض المغصوبة إلى مالكها الأصلي فقلع على المشتري بناؤه وغرسه فالضمان على البائع الغاصب، وذلك لأنه تلف في مال الغير حصل بسببه فقد غرر به، وأوهمه أن الأرض ملك له.
لكن لو كان المشتري يعلم أنها مغصوبة فلا ضمان على الغاصب، لأنه قد دخل على بصيرة فلم يغرر به ولم يوهمه، فهو يعلم أنه لا يجوز له أني تصرف بها، ومع ذلك قبل البيع، وقوله (لاستحقاق الأرض) أي بأن كانت الأرض مستحقة لغير البائع.
قوله [وإن أطعمه لعالم بغصبه فالضمان عليه وعكسه بعكسه]
إذا أطعم رجلا طعاما، وكان هذا الرجل يعلم أنه مغصوب، فلا ضمان على الغاصب بل الضمان على الآكل، وذلك لأنه أتلف مال غيره بعلم، فإذا اغتصب رجل مثلا، فأطعم أولاده هذا الغصب فأكلوه وهم مكلفون يقع على مثلهم التضمين، أو غير مكلفين ولهم مال فالضمان عليهم فيما طعموا، وذلك لأنهم قد طعموا وهم يعلمون أن هذا غصب، وقوله (وعكسه بعكسه) أي إذا أطعمه لغير عالم بالغصب فالضمان على الغاصب لأنه قد غرر به وأوهمه.
قوله [وإن أطعمه لمالكه أو رهنه أو أودعه أو أجره إياه لم يبرأ إلا أن يعلم ويبرأ بإعارته]
стр. 2403
قوله (إن أطعمه لمالكه) كأن يغتصب منه شاة فيطعمه إياها فحينئذ لا يبرأ، وذلك لأن المالك لا يتصرف به كما شاء، فهو لا يتصرف به باختياره، بل يتصرف على الوجه الذي دفع إليه وهو الطعم، ومثل ذلك إذا وهبه إياه فلا يبرأ بذلك، ولما فيه من المنة، وربما كافأه على هذه الهدية وهي في الحقيقة غصب، فلم يبرأ بذلك، لكن إن خشي ضررا بإرجاعه إليه ورده إليه ردا صريحا كأن يعاقب بما لا يستحق شرعا، فله حينئذ أن يهديه إياه وأن يهبه إياه دفعا للضرر كما قرر ذلك ابن القيم.
وقوله (أو أودعه إياه) إذا أودعه إياه فحصل له تلف فإنه لا يبرأ - أي الغاصب - كأن يقول: خذ هذه المائة ألف - وقد اغتصبها منه - يقول: خذها وديعة عندك، فتلفت فلا يبرأ الغاصب من ذلك، لأنه لم يعطه إياها على أنها ملكه، والواجب أن يرد الشيء إليه على أنه ملك له، ولأن الوديعة لا ضمان فيها، فإن المودع لا يضمن، فحينئذ لا يندفع ضمان الغاصب بشيء، بخلاف ما ذكره المؤلف من قوله بعد ذلك (ويبرأ بإعارته) فإن المذهب على أن العارية مضمونة، فحينئذ لا فائدة من إبقائنا على تضمين الغاصب مع أننا نضمن المستعير، فالمستعير ضامن لهذه السلعة المغتصبة منه لأنها عارية، والعارية مضمونة، فإذا قلنا للغاصب: أنت ضامن، وقلنا للمستعير وهو المغصوب منه أنت ضامن فلا فائدة، لأن الغاصب إذا ضمناه رجع إلى المستعير وهو المالك.
وهذا على التسليم به، فإنه مبني على المذهب المرجوح الذي تقدم وهو أن العارية مضمونة، والصحيح عدم ضمانها، فإن شرط المعير ضمان العارية، فلا يتوجه أي فلا يتوجه أن تبرأ ذمة الغاصب بذلك، وذلك لأنه لم يرجعها إليه على أنها ملك له، فما زالت يد الغاصب عليها، وهو قد أخذها على أنها عارية فواجب عليه ضمانها بالشرط المتقدم، لكن هنا نقول: في الشرط هنا شيء من النظر، وذلك لأنه ضمن على ماله، وشورط على ماله، وهذا شرط بغير حق.
стр. 2404
وقوله (أو آجره إياه) كذلك إذا آجره إياه لا يبرأ، وذلك كما تقدم في الوديعة، لأن العين المؤجرة في يد المستأجر غير مضمونة، فحينئذ الضمان الواجب على الغاصب ما زال باقيا غير مدفوع.
* وهنا إشكال، في قول المؤلف (وصبغ الثوب........ إلى أن قال: فهما شريكان بقدر ماليهما) وقد تقدم قوله في أول باب الغصب (أو صبغه فلا شيء للغاصب) وقد تقدم أن اختيار شيخ الإسلام في المسألة السابقة أنهما شريكان فالصبغ يكون المالك له شريكا به، وهنا كذلك كما هو مقرر هنا، بينما هناك أدخلها المؤلف مع تغسيل الثوب ونسج الغزل، وهل بينهما تعارض؟؟
الجواب: الذي يظهر أن بينهما تعارضا، وأن المسألة الأولى وهم من المؤلف، فإن صاحب المقنع لم يذكر صبغه، وهو أصل هذا الكتاب، وشيخ الإسلام لما استدل على أنه يكون شريكا للمالك في هذه المسائل التي أوهم المؤلف في إدخال الصبغ منها: احتج عليهم بالصبغ، وقال: كالصبغ، وفرق الموفق ﵀ بين الصبغ وغيره من المسائل المتقدمة،بأن الصبغ عين ولذا تقدم أنها منافع، والمنافع تجرى مجرى الأعيان، والصبغ ليس بمنفعة، وإنما هو عين.
قوله [وما تلف أو تغيب من مغصوب مثلي غرم مثله إذا]
إذا تلف المغصوب أو أتلف أو تغيب كجمل يشرد مثلا فيجب ضمان مثله إن مثليا، والمشهور في مذهب الحنابلة أن المثلي هو المكيل أو الموزون مما ليس فيه صناعة مباحة، ويصح سلما، فالمكيلات كالبر مثلا، فإذا غصب منه مائة صاع من البر الجيد فيضمن الغاصب مائة صاع من البر الجيد، والموزونات كالحديد، فإذا غصب منه كذا وكذا رطلا من الحديد فإذا تلفت فيجب على الغاصب أن يدفع له قدرها من الحديد.
وقولنا " مما ليس فيه صناعة مباحة " فإن كانت فيه صناعة مباحة فليس بمثلي كالحلي مثلا، فإذا غصب منه حليا، فإن هذا الذهب المصوغ لا يضمن بمثله، بل بقيمته، فتقدر قيمة هذا الحلي ويدفعها له هذا الغاصب.
стр. 2405
وقولنا " ويصح سلما " فإن لم يصح سلما كالجواهر واللؤلؤ ونحوها كما تقدم في باب السلم فليست بمثلية، وعليه فضمانها يكون بضمان قيمتها، وعليه فإذا غصب منه ما ليس بمكيل ولا موزون أو فيه صناعة مباحة أو لا يصح سلما فإذا تلف فإنه يضمن قيمته، ومثله أن يغصب منه طعاما مطبوخا أو طعاما معدودا لا مكيلا ولا موزونا كما يكون في بعض الفواكه، أو أن يغصب منه أرضا أو أثاثا أو متاعا أو نحو ذلك، ومذهب الشافعية أن كل ما له مثل فإنه يضمن كذلك، أي يضمن بمثله، سواء كان مكيلا أو موزونا أو لم يكن كذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وبه يجتمع الأمران، فيحصل المقصود للمغصوب منه بحصوله على مثلي ما غصب منه وأيضا القيمة فيه، ويدل على هذا ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ (كان عند بعض نسائه - وفي الترمذي أنها عائشة - فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين - وفي بعض الروايات أنها زينب - بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسره القصعة - وفي رواية أن النبي ﷺ قال: غارت أمكم، فضمها النبي ﷺ وجعل الطعام فيها، وقال: كلوا ودفع القصعة الصحيحة للرسول وحبس القصعة المكسورة) [خ ٢٤٨١، ت ١٣٥٩، ن ٣٩٥٥] وفي الترمذي قال النبي ﷺ : (طعام بطعام وإناء بإناء) [ت ١٣٥٩] فالطعام هنا فيه صنعة، والإناء ليس بمكيل ولا موزون، ومع ذلك فقد أثبت النبي ﷺ فيه الضمان.
قوله [وإلا فقيمته يوم تعذره]
стр. 2406
فإذا كان هذا المغصوب له مثلي لكنه متعذر وقد أعوز الغاصب أن يأتي بمثله، كأن يغصب منه طعاما مكيلا ولا يتوفر هذا الطعام في تلك البلاد، فإنه يضمن قيمته يوم تعذره، فإذا كان تعذره في الأسواق في شهر كذا فينظر قيمته يومئذ، ويعطيها الغاصب للمغصوب منه، قالوا: لأنه إنما وجب في ذمة الغاصب حينئذ أي حين انقطاع هذا المثلي أو تعذره، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو إحدى الروايات الثلاث عن الإمام أحمد، والرواية الثانية: أنه تجب عليه قيمته يوم حكم الحاكم أي عند المحاكمة، فإذا حكم الحاكم في آخر الشهر بأن عله المثلي، فكان المثلي متعذرا ففي هذا اليوم يتعلق في ذمته قيمة المثلي، وهذا هو مذهب جمهور العلماء، قالوا: لأنه إنما وجبت القيمة في ذمته عند حكم الحاكم، والرواية الثالثة عن الإمام أحمد واختارها شيخ الإسلام أنه تجب عليه القيمة يوم غصبه، وهي أصح الروايات الثلاث، فالقول الراجح ما اختاره شيخ الإسلام، وأنه إن كان الواجب عليه مثله لكن المثل متعذر فتجب عليه قيمته يوم غصبه، وذلك لأنه قد أتلفه على المغصوب منه حقيقة يوم غصبه، وإنما أوجبنا المثل لأن المثل بدل عن المغصوب، فحيث تعذر المثل فإننا نرجع إلى الأصل، والأصل قد أتلف عليه بالاغتصاب، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
قوله [ويضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه]
وغير المثلي في المذهب ما ليس بمكيل ولا موزون أو كان مكيلا أو موزونا لكن فيه صنعة مباحة كالحلي من الذهب، أو لا يصح سلما كالجوهر واللؤلؤ، فيكون ضمانه بقيمته إذ لا مثل له، وقد تقدم القول الراجح وهو عدم تخصيص المثلي بما ذكره الحنابلة، بل كل ما ليس له مثل فهو داخل في هذا، وما كان له مثل فهو داخل في المسألة السابقة، سواء كان مكيلا أو موزونا أو غير ذلك.
стр. 2407
وقوله (يوم تلفه) إذ الضمان يكون بقيمته يوم التلف، فعندما يغصب منه شيئا لا مثل له كجوهر ونحو ذلك، فإذا غصبها منه في شهر محرم، ثم تلفت على الغاصب في آخر شهر ذي الحجة، وكانت قيمتها يوم غصبها عشرة آلاف، وقيمتها يوم تلفها عشرون ألفا فهل نوجب عليه ضمانها يوم تلفها أو يوم غصبها؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: وهو المشهور في المذهب أنه يضمنها يوم تلفها، وعللوا قولهم هذا بأن الواجب عليه رد هذه العين قبل تلفها، وإنما وجبت عليه القيمة يوم تلفها وإلا فالواجب أن يرد عينها.
القول الثاني: وهو قول الجمهور وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد أن الواجب عليه قيمتها يوم غصبها، وذلك لأنه قد أتلفها عليه حينئذ، فباغتصابها أتلفها عليه، وفوت الانتفاع بها عليه، وكونه يجب عليه أن يردها قبل تلفها لا يعني أن تكون القيمة بدلا عنها في ذلك اليوم، فقد كان واجبا عليه أن يرد عينها لأن هذه العين هي عين مال هذا الرجل، لكن لما أتلفها وهي في يده فرجعنا حينئذ إلى الأصل، ولما تقدن في مسألة سابقة، تقدم ترجيحها خلافا للمذهب من أن النقص في السعر مضمون، فإذا كانت السلعة تساوي عشرة آلاف يوم اغتصابها ثم ردها وقد نقص سعرها فإنه يضمن الفارق كما تقدم ترجيحه، فالراجح مذهب الجمهور وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
قوله [وإن تخمر عصير فالمثل]
مثاله: غصب عصيرا فتخمر هذا العصير، فيجب عليه المثل، أي أن يدفع لهذا المغصوب منه عصيرا مثل عصيره، وذلك لأنه قد تعدى على هذا العصير بزوال ماليته، لأنه لما صار خمرا أصبح لا قيمة له، فليس بمال، فحينئذ يكون هذا الغاصب قد أزال مالية مال هذا الرجل فوجل عليه الضمان.
قوله [فإن انقلب خلا دفعه ومعه نقص قيمته عصيرا]
стр. 2408
إذا أصبح هذا العصير خلا لا خمرا، والخل مال، وله قيمة، فحينئذ يدفعه إلى المغصوب منه لأن الخل قد تحول من هذا العصير، والعصير مال المغصوب منه، وعليه فيدفعه إليه، فإن نقصت قيمته خلا، كأن يكون لما كان عصيرا يساوي ألفا، فلما صار خلا أصبح لا يساوي إلا تسعمائة فعليه أن يضمن الفارق فيدفع له مائة، وقال بعض الحنابلة وهو وجه عند الشافعية: إذا تحول إلى خل فإنه يكون للغاصب وعليه ضمان العصير لأنه قد استحال إلى عين أخرى، وتقدم نظير هذه المسألة فيما إذا صار الحب زرعا ونحو ذلك، واختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وهنا كذلك، فالصحيح أنه إذا تخلل العصير فإن الخل يكون ملكا للغاصب وعليه ضمان العصير لأنه بالاستحالة قد أتلفه عليه فقد أصبح الآن خلا وليس بعصير فعليه الضمان.
* مسألة:
إذا غصب مما يؤجر في العادة، كأن يغصب منه دارا تؤجر في العادة، فعليه أجرتها في المدة التي اغتصبها فيها، سواء استوفى المنافع أم لم يستوفها، لأنه إذا استوفى المنافع فوجوب الأجرة عليه ظاهر، وإن لم يستوف المنافع فإنه قد فوت على صاحب الدار منافع داره، وهي تسحق الأجرة فكان عليه أجرتها.
فصل
قوله [وتصرفات الغاصب الحكمية باطلة]
قوله (الحكمية) أي التي يحكم عليه بصحة أو فساد، كبيعه أو هبته ونحو ذلك، فتصرفات الغاصب الحكمية كلها باطلة، وذلك لأنه تصرف في ملك غير ملكه بلا إذن، وحينئذ فتكون في حكم تصرف الفضولي، وعليه فالراجح كما تقدم في مسألة تصرف الفضولي أنها موقوفة على الإجازة، فإذا أجاز المالك صحت وإلا فلا، فإذا اغتصب دارا فأجرها، ثم أرجعنا هذه العين وهي الدار إلا مالكها، وكان الغاصب تصرف فيها بإجارتها، فتصرف باطل إلا أن يجيزه المغصوب منه.
стр. 2409
وقوله (الحكمية) احتراز من غير الحكمية كإتلافه المغصوب بأكله كما يكون في الطعام أو بإشعال شمعة ونحو ذلك، وهذه لا يحكم عليها بصحة أو فساد، وإنما يحكم عليها بحل أو حرمة.
قوله [والقول في قيمة التالف أو قدر أو صفته قوله]
أي قول الغاصب، وقوله (في قيمة التالف) مثاله: إذا اختلفا في قيمة التالف، فأحدهما يقول قيمته عشرة آلاف، والآخر يقول خمسة عشر ألفا، وقوله (أو قدره) مثاله: أن يقول: قد اغتصبت مني مائة صاع، ويقول الثاني: لم أغصب منك إلا خمسين صاعا، وقوله (أو صفته) كأن يقول: قد اغتصب مني عبدا كاتبا، ويقول الآخر: لم يكن العبد كاتبا بل كان أميا، فالقول في هذه المسائل قول الغاصب إلا ببينة، فإذا كان عند المغصوب منه بينة تدل على صدق قوله وإلا فالقول قول الغاصب، وذلك لأنه غارم منكر، والأصل براءة ذمته من هذا القدر الزائد، وأما الآخر فإنه مدعي، وعلى المدعي البينة، واليمين على من أنكر.
قوله [وفي رده أو تعييبه قول ربه]
إذا اختلفا في الرد فقال الغاصب: قد رددت، وقال المغصوب منه: بل لم يرد، وكذا إذا اختلفا في عيب كأن يقول الغاصب: قد اغتصبته معيبا، وقال المغصوب: اغتصبته صحيحا لا عيب فيه، فالقول هنا قول ربه، أي قول رب المغصوب، وهو المغصوب منه، لأن الأصل عدم الرد وعدم العيب.
قوله [وإن جهل ربه تصدق به عنه مضمونا]
стр. 2410
إذا غصب شيئا ثم جهل مالكه، ومثل هذا الودائع، فلو أن رجلا وضعت عنده وديعة أو عارية أو نحو ذلك، ثم جهل ربها، فحينئذ يتصدق به عنه مضمونا، فيتصدق بهذا الشيء المغصوب بنية الضمان، فمثلا: غصب من رجل عشرة آلاف أو وضع عنده رجل عشرة آلاف وديعة، ولم يدر ولم يهتد إلى صاحبها، فنقول: تصدق عنه بهذه العشرة آلاف بنية الضمان، بمعنى: إذا جاء المغصوب منه يوما أو عرفته واهتديت إليه أو جاءك هذا الودع أو اهتديت إليه فتقول: قد تصدقت بالوديعة أو بالعارية، أو تصدقت بما اغتصبته منك عنك، فإن شئت فالثواب لك، وإلا فخذ حقك مني والثواب لي، وحينئذ يكون المغصوب منه أو المودع أو المعير بالخيار، فإن شاء كان الثواب له، وإلا فإن الدافع لماله المتصدق به يكون عليه الضمان، فإن لم يرد الغاصب أو المودع ذلك، أي لم يرد أن يتصدق بها بنية الضمان فحينئذ يسلمها إلى الحاكم، ويجب على الحاكم تسلمها وقبولها، ويتصرف بها في مصالح المسلمين، وحينئذ تبرأ عهدة الدافع، إذن إن شاء سلمها إلى الحاكم وتبرأ حينئذ عهدته، وتكون في حكم الأموال الضائعة في بيت المال، تصرف في مصالح المسلمين، وإن شاء تصدق عنه بنية الضمان.
قوله [ومن أتلف محترما..... ضمنه]
من أتلف على رجل دابته أو متاعه أو غير ذلك فعليه الضمان، وذلك لأنه قد فوته عليه بالإتلاف، فكما لو غصبه فتلف عنده، فهذه مسائل ملحقة بالغصب، فهو لم يغصب هذا المال بل أتلفه عليه بغير إذن من صاحب المال فعلى المتلف الضمان.
قوله [أو فتح قفصا أو باب أو حل وكاء]
فإذا فتح قفصا عن طير أو بابا عن ماشية، أو حل وكاء أي رباطا، كأن يكون هناك سمن في وعاء فيحل الوكاء فيهراق على الأرض أو تتلفه الشمس فعلى من فعل ذلك الضمان.
قوله [أو حل رباطا]
كأن يكون هناك فرس قد ربط برباط، فيحل رباطه فيشرد الفرس فعليه الضمان.
قوله [أو قيدا]
стр. 2411
كأن يكون له عبد قد قيده خوفا من هربه فيأتي رجل فيفك قيده فعليه الضمان، لأنه قد أبق بسببه فتلف على صاحبه بسببه.
قوله [فذهب ما فيه أو أتلف شيئا ونحوه ضمنه]
فهذا باب واحد، فكل من أتلف على غيره شيئا أو تسبب بالإتلاف فعليه الضمان لأنه فوت على هذا ماله.
قوله [ومن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان ضمن]
من ربط دابة في طريق ضيق فعثر بهذا الحبل إنسان فعليه الضمان، وذلك لأنه لما ربط هذه الدابة بهذا الحبل في هذا الطريق الضيق فإنه يكون متعديا بهذا الفعل فحينئذ يضمن.
فإن كان الطريق واسعا فكلام المؤلف يدل على أنه لا يضمن، وقال بعض الحنابلة وهو الوجه الثاني في المذهب أن عليه الضمان، والذي يتبين أنه لا يضمن إلا مع الإضرار، فإذا كان الطريق واسعا وربط فيه شيئا مضرا بالسوق أو مضرا بالمارة فعليه الضمان، والقاعدة أن الضمان مع التعدي، فإذا كان الطريق واسعا فربط به شيئا بحيث يكون متعديا كأن يكون الطريق مزدحما بالناس، أو أن يكون في الليل بحيث لا يتبين للمارة هذا الحبل وليس من العادة وضع مثله فيتلف به إنسان ونحوه فالضمان على الواضع.
قوله [كالكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه، أو عقره خارج منزله]
الكلب العقور هو الجارح، فمن أذن لرجل أن يدخل بيته وكان في بيته كلبا عقورا فجرح هذا الداخل فعلى صاحب الكلب العقور الضمان، لأنه لما أذن له بالدخول وفيه هذا الكلب العقور يكون حينئذ قد تعدى، كذلك إذا أفلته فعقر خارج المنزل فكذلك لأنه يكون متعديا، بخلاف ما إذا كان محبوسا في موضع كأن يكن محبوسا في البيت فدخل عليه هذا الرجل فلا إذن من صاحب الدار فعقره فلا ضمان، لأنه بدخوله بغير إذن يكون متعديا.
قوله [وما أتلفت البهيمة من الزرع ليلا ضمنه صاحبها وعكسه النهار]
стр. 2412
الأصل فيما تتلفه البهائم أنه هدر، لقول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: (العجماء جبار) [خ ١٤٩٩، م ١٧١٠] أي هدر، والعجماء هي البهيمة.
لكن إن أتلفت البهائم بالليل زرعا أو شجرا أو نحو ذلك كثياب ونحوها فحينئذ على مالكها الضمان، فهي وإن كانت جنايتها هدر لكن هنا تعد أو تفريط من مالكها، لأن الواجب على المالك حفظها بالليل، فإذا لم يحفظها بالليل فقد فرط، وما أفسدته بالنهار فلا ضمان ما لم يكن هناك تعد أو تفريط، كما سيأتي في بعض الصور، ودليل هذا ما رواه أبو داود والإمام مالك في موطئه والحاكم والبيهقي والحديث صحيح: (أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه، فقضى النبي ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها نهارا، وأن ما أفسدت المواشي بالليل فهو مضمون على أهلها) [حم ٢٣١٧٩، د ٣٥٧٠، جه ٢٣٣٢، ك ١٤٦٧، كم ٢ / ٥٥، هق ٨ / ٣٤١] وهو قضاء سلميان ﵊ المحكي في كتاب الله تعالى في قوله ﴿إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما﴾ .
وكذلك البئر جرحا جبار كما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (والبئر جبار) [خ ١٤٩٩، م ١٧١٠] فالبئر هدر فإذا حفر بئرا في أرضه فوقه فيها إنسان فتلف فلا ضمان عليه، لكن إن حفرها متعديا بأن يحفر بموقع لا يؤذن له فيه، فحينئذ عليه الضمان لتعديه.
قوله [إلا أن ترسل بقرب ما تتلفه عادة]
أي إلا أن ترسل البهائم بقرب ما تتلفه عادة، فحينئذ يكون مالكها إما مفرطا أو متعديا، وعلى كلتا الحالتين يكون عليه الضمان لتعديه أو تفريطه، كأن يجعلها ترعى حول زروع الناس بحيث أنه لا يؤمن تعديها مع هذه الحال، فتعدت فيكون الضمان عليه.
قوله [وإن كانت بيد قائد أو سائق ضمن جنايتها بمقدمها لا بمؤخرها]
стр. 2413
إذا كان راكبا على ناقة مثلا فما أتلفت بفمها كأن تأكل زرعا أو ثمرا فعليه الضمان، لأنه مشرف عليها متمكن من منعها فإن لم يمنعها فقد فرط، وكذلك إذا أتلفت بيدها فعليه الضمان لأنه مفرط، لكن إن أتلفت برجليها فرفست أو فعلت شيئا فأتلفت فلا ضمان لأنه لم يتعبد ولم يفرط، والعجماء جرحها جبار، لكن إن علم منها إنها ترفس فقادها في مواضع الناس فعليه الضمان لأنه يكون متعديا.
قوله [وباقي جنايتها هدر]
لحديث: (العجماء جرحها جبار)
قوله [كقتل الصائل عليه]
أي الواثب عليه الذي يريد قتله أو أذيته في نفسه أو أهله أو ولده أو نحو ذلك، فإذا قتل الصائل عليه فلا ضمان عليه وذلك لما ثبت في مسلم: (أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار) [م ١٤٠] فقتله مأذون له فيه شرها فهو غير مضمون، فمن دافع صائلا لينقذ نفسه ولم يمكنه دفعه إلى بقتله فقلته فلا ضمان عليه، أما إذا كان دفاعا عن غيره فالمشهور من المذهب أن عليه الضمان كأن يكون دفاعا عن زوجه أو ولده، واختار ابن عقيل أنه لا ضمان عليه، وهو الراجح، لأن المقصود هو صيانة النفس المحرمة، وهذا يثبت في نفسه وفي نفس غيره، فلا ضمان في الحالتين.
قوله [وكسر مزمار]
إذا أخذ نوعا من أنواع المزامير فكسره على صاحبه، وكذلك أنواع الأشرطة المحرمة فلا ضمان عليه.
قوله [وصليب]
فإذا كسر صليبا أو تصاوير.
قوله [وآنية ذهب وآنية خمر غير محترمة]
стр. 2414
قوله (آنية خمر غير محترمة) أي ليست لذمي، لأنها مال للذمي، وتقدم أن الخمر وإن كان للذمي فإنه ليس بمضمون، فهذه الأشياء لا تضمن وذلك لأنها محرمة ولا يحل بيعها فليست بمال، ولكت للحاكم أن يعزر إن ثبت المفسدة لأن هذا افتيات على الحاكم، وأما الضمان لمالكها فلا، وذلك لأنها لا قيمة لها.
* مسألة:
قال الحنابلة: إن مال جداره بحيث أصبح عرضة للسقوط فلم يهدمه بل تركه وأبقاه فانهدم فسقط على شيء فأتلفه فلا ضمان عليه، لأنه لم يحصل بسبب فعله، والقول الثاني في المذهب أنه إن طالبه من يخشى وقوع الجدار على شيء من ماله إن طالبه وأشهد على المطالبة فلم يهدم فإنه عليه الضمان، وذلك لوقوع التفريط منه حيث طولب فلم يفعل، وعن الإمام أحمد وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة أنه يضمن مطلقا واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
باب الشفعة
الشفعة: بضم الشين وتسكين الفاء من الشفع، وهو في اللغة: الضم، وسميت الشفعة شفعة؛ لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه المنفرد، وعرفها المؤلف بقوله:
قوله [استحقاق انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد]
стр. 2415
فعندما يشترط (١) اثنان في عقار من أرض أو بستان، فيريد أحدهما أن يبيعه فإن أولى من يشتري هذا النصيب هو الشريك فهو أحق به، مثال هذا: اشترك زيد وعمرو في بستان لكل واحد منهما نصفه، فباع زيد نصيبه على بكر بعشرة آلاف ريال، فلعمرو أن يأخذ نصيب زيد من بكر بهذا الثمن الذي تم عليه العقد، وهذا من محاسن الشريعة الإسلامية، وذلك لأن الشراكة يقع فيها الضرر كثيرا، ولذا فإن الشخص يحتاط فيمن يكون شريكا له، فقد يباع النصيب المشارك على من لا يصلح شريكا له ممن يتعدى أو يفرط، فكان أحث (٢) بنصيب شريكه، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ : (قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعن (٣) الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) [خ ٢٢١٤، م ١٦٠٨] وفي مسلم: (الشفعة في كل شرك في أرض وربع - أي دار - وحائط، لا يصلح - وفي لفظ: لا يحل - أن يبيع نصيبه قبل أن يعرضه على شريكه) [م ١٦٠٨] وفي البخاري أن النبي ﷺ قال: (الجار أحق بصقبه) [خ ٦٩٧٧] أي بملاصقته، فهو لملاصقته أحق بملك جاره، فهذه أدلة تثبت الشفعة، وقد اتفق العلماء على القول بها.
стр. 2416
وقوله (بثمنه الذي استقر عليه العقد) أي إذا استقر العقد على عشرة آلاف، فهي له بعشرة آلاف وهكذا، ويتوجه كما ذكر شيخ الإسلام أنه إن حابى البائع المشتري محاباة غير معتادة فيتوجه ألا يأخذ الشفيع إلا بالقيمة، ففي المثال المتقدم: إذا كان بين زيد وبكر صداقة أو ثرابة (١) فحاباه بالبيع، فهذا النصيب قيمته عشرة آلاف فباعه له بخمسة آلاف فهنا محاباة غير معتادة، فلا يأخذه الشفيع بخمسة آلاف بل يأخذ بقيمته وهي عشرة آلاف لأنه إنما باعه بهذا الثمن نظرا للمشتري لما بينهما مما يستدعي المحاباة، وعليه فليسب (٢) هي قيمته الحقيقية التي يرضى ببيعه، وعليه فإنه يقوّم ويباع بقيمته، بخلاف ما لو حابى المشتري البائع كأن تكون لا تساوي إلا عشرة آلاف فحابى المشتري البائع فأخذها منه بخمسة عشر ألفا، فيقال للشفيع: إن شئت فخذها بهذا الثمن الذي عرض عليه وهو خمسة عشر ألفا لئلا تفوت المصلحة على البائع.
قوله [فإن انتقل بغير عوض]
فإذا انتقل هذا النصيب بغير عوض كهبة أو صدقة كأن يتصدق بنصيبه أو يهبه فلا شفعة، قالوا: كما لو انتقل بالإرث فلا شفعة فكذلك هنا، لأنه انتقال بغير عوض.
قوله [أو كان عوضه صداقا أو خلعا أو صلحا عن دم عمد فلا شفعة]
стр. 2417
كذلك إذا كان عوض هذا الشقص غير مالي كأن يجعله صداقا أو خلعا أو صلحا عن دم عمد، كأن يثبت على رجل قصاص، فيقول: تنازل عن القصاص ولك نصيبي من هذا البستان، أو تقول المرأة لزوجها: طلقني ولك نصيبي من هذا البستان فهذا الخلع، أو أن يجعل الرجل نصيبه مهرا للمرأة، فهنا العوض ليس عوضا ماليا فلا تثبت الشفعة فيه، وذلك لأنه لا يمكن أخذه بعوضه إذ لا عوض له معروف، فالتنازل عن القصاص ليس له قيمة محددة وكذلك المهر والخلع، وقد جعل هذه الأشياء عوضا عن هذه التي لا تعرف قيمتها فلا يمكن حينئذ الأخذ به أي بالشفعة، فإذا حكمنا بالشفعة فلا نستطيع أن نقدر قيمة هذا الشقص في البستان، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، والقول الثاني في المذهب وهو اختيار طائفة من أصحاب الإمام أحمد كابن حامد وأبي الخطاب واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن الشفعة تثبت في هذه المسائل، وذلك للحوق الضرر، فإن الضرر ثابت فيها كما هو ثابت في المسائل المتقدمة، فالشفعة هنا تدفع الضرر كما تدفعه لو كان هناك عوض مالي، ويمكننا الأخذ بالقيمة، فكون الخلع والصداق وغيرهما غير معروفة القيمة فإنه يمكننا أن نعرف قيمة هذا النصيب والشقص بتقويمه، فنقومه ويأخذه الشفيع بقيمته، وهذا القول هو القول الراجح، وأما القياس على الإرث فلا يصح لأنه قياس مع الفارق، والفارق هو أن النصيب انتقل في الإرث من المورث إلى وارقه انتقالا قهريا، بخلاف الهبة والصدقة ونحوهما، فإنه انتقل في هذه المسائل باختيار الواهب.
قوله [ويحرم التحيل لإسقاطها]
стр. 2418
كأن يتحيل بهبتها إلى زوجته أو ولده ثم يجعل زوجته تبيعه له فلا يحل التحيل لإسقاطها، ولا يمضي، وذلك لحرمة التحيل، كما قال النبي ﷺ : (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) [أخرجه الحافظ ابن كثير في تفسيره (سورة الأعراف، الآية رقم ١٦٣) ٢ / ٣٢٤، وقال:" وهذا إسناد جيد "، وحسن إسناده شيخ الإسلام في الفتاوى ٢٩ / ٢٩] والضرر ثابت مع الحيلة فهذه الحيلة لا تزيل الضرر، فوجب دفعه وذلك بتحريم الحيلة أولا، وبعدم إمضائها ثانيا.
قوله [وتثبت لشريك في الأرض تجب قسمتها]
стр. 2419
فتثبت الشفعة لشريك في أرض، وهذا هو المشهور من المذهب وأن الشفعة لا تثبت في العقار، وأما المنقول كالحيوان والمركوبات كالسفن ونحوها فالشفعة لا تثبت فيها، واستدلوا بما تقدم من أن النبي ﷺ : (قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) قالوا: فدل على أن الشفعة لا تثبت إلا فيما كان عقارا غير منقول من بستان وأرض وبناء ونحو ذلك، وعن الإمام أحمد وهو اختيار ابن عقيل واختيار شيخ الإسلام وهو مذهب أهل الظاهر أنها تثبت فيه، فتثبت في المنقول كما تثبت في العقار، واستدلوا بما رواه الطحاوي أن النبي ﷺ قال: (الشفعة في كل شيء) [ت ١٣٧١، طب ١١ / ١٢٣ برقم ١١٢٤٤، هق ٦ / ١٠٩، شرح معاني الآثار ٤ / ١٢٦، قال الحافظ في الفتح:" رجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال، وأخرج الطحاوي له شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته "] وفيه عنعنة ابن جريج لكن له شواهد، وصوب الترمذي إرساله عنده من حديث ابن عباس، ولأن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، قالوا: وهذا عموم أيضا، قالوا: وأما قول النبي ﷺ : (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فهذا لا يعدو إلا أن يكون ذكر شيء من أفراد العام، وذكر شيء من أفراد العام لا يفيد التخصيص كما هو مقرر في علم الأصل، وهذا القول هو الراجح، ولأن المعنى الذي من أجله ثبتت الشفعة ثابت أيضا فيما سوى العقارات من المنقولات.
وقوله (تجب قسمتها) أي تجب قسمتها عند المطالبة، فما يمكن قسمته تجب قسمته عند مطالبة من له جزء بذلك، فالأرض مثلا يمكن قسمتها، وكذلك البستان ونحو ذلك، ومثال ما لا يمكن قسمته قسمة البئر، فإذا اشترك اثنان في بئر فلا يمكن أن نقسمه، وكذلك إذا اشتركا في دار صغيرة، فكذلك لا يمكن قسمتها فلا تثبت فيها الشفعة.
стр. 2420
فما يمكن قسمته تثبت فيه الشفعة لقوله ﷺ : (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) وهذا إنما يكون فيما يقسم، وعن الإمام أحمد وهو اختيار ابن تيمية أن الشفعة تثبت أيضا فيما لا يمكن قسمته، بل الشفعة تثبت فيه من باب أولى، وذلك لأن الضرر فيه أكثر، فإن المشاركة فيه مؤبدة أما ما يقسم فإنه متى شاء أحدهما طلب المقاسمة وزال الضرر عنه، وأما هنا فإن الضرر أعظم وأشد، وقد قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، وهذا عام فيما تمكن قسمته وما لا تمكن، وأوضح من هذا: الاستدلال بقول ﷺ : (الشفعة في كل شيء) ويندرج في هذا العموم ما لا تجب قسمته لعدم إمكان القسمة، وأما قوله: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق) فالجواب عنه كالجواب عنه في المسألة السابقة، وأنه ذكر فرد من أفراد العموم لا يقيد (١) التخصيص.
قوله [ويتبعها الغراس والبناء لا الثمرة والزرع]
إذا باع نصيبه من الأرض فإن للشفيع أن يشتريها وهو أولى من غيره بذلك، ويتبع الأرض ما فيها من بناء وغرس، وذلك لأن البناء والغرس يتبع الأصل كما تقدم في باب الأصول والثمار، بخلاف الزرع والثمر فإنه لا يتبع الأصل، فإذا باع أرضا وفيها زرع أو ثمر فإن البيع لا يفع (٢) على الثمر ولا على الزرع إلا أن يشترطه المبتاع كما تقدم في باب الأصول والثمار.
قوله [فلا شفعة لجار]