Полный текст (3 290 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
بمعنى أن الإجارة لا تؤثر على أجزائها، فلا يتلف من هذه العين شيء، كسكنى الدار والحمل على الجمل ونحوه، لكن لو كانت الإجارة على شيء من أجزائها كأن يستأجر طعاما للأكل أو شمعا ليشعله أو صابونا لغسل اليدين به أو نحو ذلك فلا تجوز الإجارة فيه، فلا تصح الإجارة في أي شيء يستنفذ شيئا من الأجزاء بل لا بد أن تكون مختصة بالمنافع، ولا يريدون ما يحصل من التلف اليسير، فإن سكنى الدار يحصل فيها تلف يسير، فهذا ليس هو المقصود، بل المقصود أن يكون هذا العقد يقضي على شيء من أجزائها، وهذا هو المشهور من المذهب وهو مذهب جمهور الفقهاء، واختار شيخ الإسلام جواز هذا، واختاره طائفة من أصحاب الإمام أحمد من المتأخرين، وهذا القول هو الراجح، وذلك لأن الأصل في المعاملات الحل، ولو سلمنا - ونحن نسلم بهذا - أنها ليست إجارة لأن الإجارة تكون على المنفعة مع بقاء العين وعدم استهلاكها لكن لا مانع من ذلك، فهي وإن لم تكن إجارة لكن لا دليل على المنع منها، ولذا قال شيخ الإسلام:" هي إذن بالإتلاف وليست إجارة وهذا سائغ "، أي أن يأذن بإتلاف ماله مقابل مال يدفع إليه فهذا سائغ، وهي ليست بإجارة، لكنها عقد صحيح لا تستهلك فيه العين كلها فيكون بيعا، وإنما يستهلك فيها بعض العين، ويأخذ المؤجر حقه مقابل هذا الاستهلاك.
قوله [فلا يصح إجارة الطعام للأكل ولا الشمع ليشعله ولا حيوان ليأخذ لبنه إلا في الظئر]
стр. 2347
أي في المرضعة فذلك جائز، أما لو استأجر من رجل إبلا أو بقرا أو غنما ليأخذ لبنها في وقت درها فقال الحنابلة وهو مذهب الجمهور لا يجوز ذلك، وذلك لأن الإجارة على المنفعة، وهنا وقعت على العين، فإن اللبن عين، فليست الإجارة على منفعة، وقال بعض أهل العلم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو اختياره ﵀، واختيار تلميذه ابن القيم واختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن ذلك جائز، قياسا على الظئر، فكما أن الظئر يجوز لها أن تؤجر لبنها للطفل فكذلك يجوز في هذه المسألة، قالوا: واللبن هنا مع بقاء الأصل كالمنفعة مع بقاء الأصل، فاللبن هنا يستهلك والأصل باق، فإن الأصل هو البقر - مثلا - باق، واللبن يستهلك فأشبه هذا المنفعة، فإن المنفعة تكون مع بقاء الأصل، قالوا: وبالقياس على المساقاة فإنه يؤجر أرضه ونخله ويأخذ الآخر ثمرها بكراء من ذهب أو فضة، وهنا كذلك فإنه يستأجر هذا البقر أو الغنم ويأخذ لبنها، بل تطرق الإجارة إلى الأرض أعظم من تطرقها إلى لبن هذه الشاة أو لبن هذه البقرة، وهذا القول هو الراجح لقوة أدلته، وليس مع المانعين دليل يمنع كما أن الأصل في العقود الحل.
قوله [ونقع البئر وماء الأرض يدخلان تبعا]
إذا قيل: أنتم عندما تكرون أرضا أو تؤجرونها يدخل فيها ماء بئرها، وعندما تكرون أرضا للزراعة يدخل في ذلك ماء بئرها، ويدخل في ذلك الماء الذي في الأرض وهي أعيان، فلماذا لو تقولوا بالمنع فيها، فهي كاستئجار الحيوان لأخذ اللبن في وقت دره، فأجابوا هنا: أنهما يدخلان تبعا، ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا، وهي قاعدة صحيحة، وعلى القول الراجح المتقدم الذي اختاره شيخ الإسلام لا إشكال في هذه المسألة.
قوله [والقدرة على التسليم]
هذا هو الشرط الثالث: أن يكون مقدورا على تسليمه كما يشترط هذا في البيع.
ولا شك أنه إذا أجر ما لا يقدر على تسليمه فإن ذلك غرر.
стр. 2348
قوله [فلا تصح إجارة الآبق والشارد]
فلا تصح إجارة العبد الآبق أي الهارب من سيده وكذلك لا تصح إجارة الشارد أي الجمل الشارد وهذا ظاهر.
قوله [واشتمال العين على منفعة]
هذا هو الشرط الرابع: وهو أن تكون العين مشتملة على المنفعة.
فعندما يستأجر منه عينا على أن ينتفع بها ولا نفع فيها فلا شك أن ذلك لا يجوز، وذلك لأن المقصود هو استيفاء المنفعة، فإذا لم تكن المنفعة ثابتة في هذه العين فحينئذ لا يمكن استيفاؤها، فعندما يكريه جملا عاجزا عن الحمل لكي يحمل عليه فلا يمكنه أن يستوفي ذلك، فكان ممنوعا ولذا قال:
قوله [فلا تصح إجارة بهيمة زمنة لحمل، ولا أرض سبخة لا تنبت]
فلا يجوز له أن يؤجر أرضا سبخة لا تنبت لأن هذه العين لا نفع فيها ولا يمكنه أن يستوفي نفعها، كذلك عندما تكون البهيمة زمنة أي فيها عاهة فلا يمكن أن تؤجر ولا تصح إجارتها وذلك لأن المنفعة لا يمكن استيفاؤها.
قوله [وأن تكون المنفعة للمؤجر أو مأذونا له فيها]
هذا هو الشرط الخامس: وهو أن تكون المنفعة للمؤجر مملوكة له أو مأذونا له فيها.
стр. 2349
ولم يقل: العين، وذلك لأن الإجارة تقع على النفع، فمتى كان مالكا للنفع فله أن يؤجر، فمثلا ناظر الوقف لا يملك الوقف لكنه يملك منافعه فله أن يؤجر، والمستأجر لدار مثلا لا يملك الدار لكنه يملك منفعتها فله أن يؤجرها، وكذلك عندما تكون هذه الأرض مملوكة لغيره وقد وكله بتأجيرها، فهو لا يملك العين بل يملك النفع، وهو نائب عن المالك فله أن يؤجرها، فعلى ذلك إذا أجر رجل دارا لا يملك منفعتها فلا تصح إجارتها، وذلك لاختلال هذا الشرط، والإجارة كالبيع فكما أن البيع يشترط فيه أن يكون من مالك، فكذلك الإجارة، وعلى ما تقدم ترجيحه من صحة بيع الفضولي مع الإجازة فكذلك الإجارة، فإذا أجر دارا وهو لا يملك منفعتها فأجاز مالك المنفعة ذلك فتصح الإجارة لأنه تصرف فضولي أجيز، فهو صحيح خلافا للمشهور من المذهب كما تقدم في البيع.
قوله [وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه لا بأكثر منه ضررا]
إذا استأجر أرضا أو دارا أو جملا أو نحو ذلك فهل له أن يؤجر؟
الجواب: باتفاق العلماء له أن يؤجر، وذلك لأنه مالك لمنفعتها المدة المتفق عليها، ولكن هل له أن يؤجرها بثمن أكثر؟
الجواب: له ذلك، وذلك لأنه متصرف في ملكه، فالمنفعة ملك له، فله أن يؤجرها بما شاء.
ولكن هل له أن يؤجرها مع ضرر أكثر؟
الجواب: ليس له ذلك، مثاله: استأجرت أرضا لتزرع فيها قمحا، فهل لك أن تؤجرها لمن يزرعها أرزا؟
الجواب: ليس لك ذلك لأن الأرز يستهلك الأرض أكثر من استهلاك القمح لها، وكذلك إذا استأجرتها لتزرع شيئا من الخضروات فليس لك أن تؤجرها لمن يزرعها قمحا لأن القمح يستهلك الأرض أكثر، وكذلك إذا استأجرت دارا لتسكنها فليس له أن تؤجرها لما يضر بها، كأن تؤجرها محلا أو نحو ذلك، وذلك لأنك لا تملك ذلك، فأنت عندما استأجرت الأرض لتزرع القمح، هل لك أن تزرعها أرزا؟
стр. 2350
الجواب: لا، ليس لك ذلك، لأن المنفعة المأذون لك فيها أقل ضررا، فإذا كان هذا فيك، فكذلك فيمن يقوم مقامك، أما إذا أجرها بنفس الضرر أو أقل فلا بأس.
قوله [وتصح إجارة الوقف]
وذلك لأن نفعه مملوك للموقوف عليه، فإذا أوقفت دارا على أولادك فنفع هذا الوقف مملوك للأولاد، فإذا أجر، فالإجارة تقع على منفعته وهي مملوكة للمؤجر.
قوله [فإن مات المؤجر وانتقل إلى من بعده لم تنفسخ وللثاني حصته من الأجرة]
إذا أجر الوقف ثم مات هذا المؤجر، فإنه يتنقل إلى من بعده في المرتبة فما الحكم؟
مثاله: قال هذا البيت وقف على زيد فإن مات زيد فهو وقف على عمرو، فإذا أجره زيد سنة، فلما مضى شهر مات، فهل تنفسخ الإجارة؟
قال المؤلف: لا تنفسخ الإجارة لأن زيدا لما أجره كان مأذونا له في ذلك، وكان ذلك تحت ولايته، فكان له أن يؤجره كما أنه لمالك غير الوقف أن يؤجر ملكه، فإن مالك غير الوقف إذا أجر ثم مات فإن الإجارة لا تنفسخ كما سيأتي، فجعلوا إجارة من بيده الوقف كإجارة مالك الشيء غير الموقوف، والقول الثاني في المسألة وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام واختيار ابن عقيل من كبار الحنابلة أنه ينفسخ، قالوا: لأنه أجر هذا الوقف في وقت ملكه للنفع، وذلك وقت حياته، وأجره في غير ملكه وهو ما بعد موته، فليس له أن يؤجره في غير ملكه، فقد انتقل إلى طبقة أخرى، وهذا القول هو الراجح، والفرق بين إجارة المالك لغير الوقف وبين إجارة المالك لمنفعة الوقف ظاهرة، والقياس مع الفارق لا يصح، ويمكن أن يكون الفرق من وجهين:
الأول: أن ملكية المالك لغير الوقف أقوى من ملكية مالك نفع الوقف، فإن ملكية المالك تثبت على العبن والنفع، وأما الوقف فالموقوف عليه لا يملك إلا نفعه.
стр. 2351
الثاني: أن المؤجر المالك لغير الوقف له أن يأخذ المال - أي الأجرة - ويكون في ملكه من أول الإجارة، وأما المالك لنفع الوقف فإنه يؤخذ من تركته كما قرر ذلك الحنابلة - فيما سيأتي -، بمعنى: أجره ثم بعد شهر مات هذا المؤجر، فلا يملك من هذه الإجارة إلا مدة شهر، وأما المالك الآخر فلو أخذ المال أي الأجرة قبل الموت فهو مالك لها، فاختيار شيخ الإسلام هو الراجح وبه يحفظ حق الموقوف عليه، فإن المدة قد تطول عليه.
فإن قلنا: لا تنفسخ، فكما قال المؤلف هنا (للثاني حصته من الأجرة)
إذا أجره الموقوف عليه الأول لمدة سنة بعشرة آلاف ريال، وأخذ فيها خمسة آلاف ريال، ومات بعد ستة أشهر، فللموقوف عليه الثاني الخمسة الآلاف الباقية، لأن النفع في هذه المدة الباقية أصبح ملكا له، وليس للموقوف عليه أن يستسلف الأجرة كما قال شيخ الإسلام، وذلك لأنه لا يملك منفعتها المستقبلة، وبالتالي لا يملك أجرتها المستقبلة، فإذا اتفق معه على الإجارة خمس سنوات وأخذ الأجرة مع العقد فما يدريه أنه سيعيش ويبقى له الوقف هذه السنوات المقبلة، فإنه لا يملك إلا منفعتها الحالة، فعليه: يأخذ الأجرة أقساطا، فإذا أخذ الموقوف عليه الأول الأجرة كاملة وكان الاتفاق على سنة ثم مات بعد شهر، فالمشهور من المذهب أن الموقوف عليه الثاني يرجع إلى تركة الموقوف عليه الأول، فإن لم يجدها قالوا: تسقط، وذلك لأنه لا يمكن الرجوع فحينئذ تسقط، وهذا فيه تضييع حق كما تقدم، وليس له أن يفسخ، لأن الأول قد أثبت هذا العقد، والراجح كما تقدم من اختيار شيخ الإسلام وهو أحد الوجهين في المذهب.
قوله [وإن أجر الدار ونحوها مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها صح]
стр. 2352
فإذا أجر داره التي يغلب على ظنه بقاؤها مدة طويلة إذا أجرها مدة طويلة صح، كأن يؤجر بيتا له يغلب على ظنه بقاؤه عشرين سنة يؤجره عشرين سنة، فهذه الإجارة صحيحة، وذلك لأن الأصل في العقود الحل، ولا محذور في هذا العقد، وإذا صح لسنة أو سنتين أو نحوهما فإنه يصح أكثر من ذلك ولا محذور فيه.
* هل يجوز للوكيل المطلق أن يؤجر الدار ونحوها - التي قد وكل في إجارتها - مدة طويلة يغلب على الظن بقاؤها فيها؟
منع نم ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وذلك لأن العرف يقضي بذلك، فإن العرف أن الوكيل لا يؤجر السنين الطويلة وإنما يؤجر السنة والسنتين ونحو ذلك، وصوب صاحب الإنصاف وقال:" لا يظهر أن الشيخ تقي الدين يمنع من ذلك " صوب أنه إذا كان في ذلك مصلحة جاز ذلك، ويعرف ذلك بالقرائن، فإذا ظهر للوكيل أن في إجارة الدار المدة الطويلة مصلحة للموكل فإنه لا مانع من هذا، وهذا يقع عندنا في مثل استئجار الدوائر الحكومية أو الشركات ونحو ذلك، فإنها في الغالب تحتاج إلى استئجار مدة طويلة ويكن فيها مصلحة، فمثل هذا لا يمنع منه، فالعرف وإن لم يجر به فإن الوكالة تكون فيما فيه مصلحة، وهنا فيه مصلحة ويغلب على الظن بل يتيقن أن هذا الموكل لا يمنع من هذا، وعلى القول بأنه يمنع من ذلك فإنه موقوف على إجازته.
إذن لصاحب الدار أن يؤجر داره مدة طويلة يغلب على الظن بقاء الدار فيها، وأما الوكيل فليس له أن يؤجر إلا ما جرت العادة له كسنة أو سنتين أو نحو ذلك، إلا أن تكون هناك مصلحة ظاهرة فإن ذلك جائز ولا حرج فيه.
قوله [وإن استأجرها لعمل، كدابة لركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث، أو دياس لزرع، أو استأجر من يدله على طريق، اشترط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف]
стр. 2353
فإذا استأجر من يدله على طريق أو استأجر جملا أو نحوها لتحمل أو استأجر بقرا لدياس الزرع أو لحرث الأرض ونحو ذلك فإنه يشترط أن يعلم هذا العمل ويعرف بما لا يختلف فيه، وذلك لأن المعقود عليه هو العمل، فاشترط العلم به كالبيع، فكما أنه يشترط العلم بالمبيع في عقد البيع، فيشترط أيضا العلم بالعمل في عقد الإجارة، فإن الإجارة نوع من أنواع البيع.
قوله [ولا تصح على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة]
لا تصح الإجارة على عمل من الأعمال التي يختص أن يكون عاملها من أهل القربة، وأهل القربة هم المسلمون، والأعمال التي يختص بها أهل القربة هي الأعمال التي لا تقع إلى على جهة التعبد كالأذان والإقامة والصلاة والحج وغير ذلك من الأعمال الصالحة، أما إن كان العمل لا يختص أن يكون من القرب كبناء المساجد مثلا فإن باني المسجد قد يبنيه لله وقد لا ينوي به التعبد، وكتعليم علوم اللغة، فإنه من نوى بها التعبد كانت عبادة، ومن لم ينو بها التعبد لم تكن عبادة وهكذا.
стр. 2354
فمثل هذه يجوز أن يأخذ عليها الأجرة بلا خلاف بين أهل العلم، وإنما وقع الخلاف على أخذ الأجرة على الأعمال التي لا تختص بأن يكون فاعلها نم أهل القربة، ولا خلاف بين العلماء أن الرزق الذي يكون من بيت مال المسلمين كالرواتب التي تكون للخلفاء والقضاة والعلماء وغيرهم لا خلاف بينهم أن هذا جائز عند الحاجة، وأما إذا كان آخذه غنيا غير محتاج إليه فقولان لأهل العلم كما حكى ذلك شيخ الإسلام، والجمهور على الجواز، ويدل عليه جواز أخذ الغنيمة للمجاهد الغني، فقد تقدم في كتاب الجهاد أن المجاهد الغني يجوز له أن يأخذ الغنيمة وأن يعطى من النفل فكذلك هنا وهو مذهب جماهير العلماء، وهذا هو الأظهر، ولا نزاع بين أهل العلم على أن الأعمال التعبدية اللازمة كالصلاة والصوم والحج عن النفس وغير ذلك أنها لا تجوز فيها أخذ الأجرة وذلك لأنه لا نفع للغير فيها، فنفعها لازم لصاحبها فلا وجه لأخذ الأجرة عليها، فإن أخذ الأجرة إنما يكون عوضا عن نفع يقع للغير، وهنا لا نفع يقع للغير، واتفق العلماء على أنه يجوز أخذ الأجرة على الرقية لأنها نوع تداوي لقول النبي ﷺ : (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) رواه البخاري [خ ٥٧٣٧] ، واختلف أهل العلم في أخذ الأجرة على ما سواه مما تقدم، أي أن يأخذ أجرة من الناس لا من بيت المال على قضاء يقضيه بين الناس، أو على عقد الأنكحة لهم، أو على تعليم الناس القرآن أو السنة أو الفقه ونحو ذلك من العبادات المتعدية، فمنع من ذلك الأحناف والحنابلة، واستدلوا بما رواه أبو داود وابن ماجة والحديث حسن لغيره عن عبادة بن الصامت أنه علم رجلا من أهل الصفة شيئا من القرآن، فأهدى له قوسا، فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: (إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها) [حم ٢٢١٨١، د ٣٤١٦، جه ٢١٥٧] وله شاهد عند ابن ماجة من حديث أبي بن كعب بإسناد ضعيف [جه ٢١٥٨]
стр. 2355
وآخر بإسناد لا بأس به من حديث أبي الدرداء عند البيهقي [هق ٦ / ١٢٦] وعلى ذلك فالحديث حسن لطرقه أولا، ولشواهده ثانيا، وهذا السوط وإن كان هدية لكنه مقابل لهذا النفع حيث علمه شيئا من القرآن فكان بمعنى الأجرة، وأجاز المالكية والشافعية أخذ الأجرة على ذلك، وهو رواية عن الإمام أحمد، واستدلوا بحديث: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) قالوا: فنقيس هذه المسائل المختلف فيها على جواز أخذ الأجرة على الرقية، وأجاب أهل القول الأول بأن أخذ الأجرة على الرقية باب آخر، فإن الرقية نوع من أنواع الطب، فكان أخذها كالطب، فإن فيها مداواة، لما فيها من العمل من نفث وغير ذلك، واستدلوا أيضا بما رواه البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال لخاطب المرأة: (ملكتكها بما معك من القرآن) [خ ٥٠٣٠، م ١٤٢٥] فجعل النبي ﷺ صداق هذه المرأة أن يعلمها ما معه من القرآن، فيكون صداقها هو تعليمها القرآن، فدل هذا على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وأجاب أهل القول الأول عن هذا الدليل بأن هذا من باب الإكرام له لا من باب الصداق، وهذا الجواب ضعيف، وذلك لأن النبي ﷺ قال له كما في رواية مسلم: (فعلمها القرآن) [م ١٤٢٥] فدل على أنه ليس لإكرامه فحسب بل ليعلمها القرآن، وأجابوا عنه أيضا بأن هناك فارقا بين عوض النكاح وعوض الأجرة، فعوض النكاح لا يجب تسميته عند العقد ولها مهر مثيلاتها، وأما الإجارة فكما تقدم أنه يشترط فيها تسمية الأجرة، وهذا التفريق ضعيف، وذلك لأننا نجيز على الراجح الإجارة إذا لم تسم حيث كان هناك عرف، فإذا استأجر شيئا ولم يذكر في العقد أجرته وكان له أجرة في العرف فإن الإجارة تصح، إذن لا يصح رد على هذا الحديث الصحيح، وفيه جواز أخذ الأجرة على العمل الصالح، والقول الثالث في هذه المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ
стр. 2356
الإسلام أنه جائز عند الحاجة، وهذا القول هو الراجح وبه تجتمع الأدلة، فإن قوله: (ملكتكها بما معك من القرآن) إنما قاله النبي ﷺ حيث كان هذا الرجل فقيرا لا يملك شيئا، فهو محتاج، وبهذا القول تحصل المصالح، وتدرأ المفاسد، ولذا استحبه الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه، استحبه وفضله على العمل عند السلطان، وعلى أن يتدين وهو لا يدري هل يقضي دينه أو يموت وأمانات الناس في عنقه، إذن عن الإمام أحمد ثلاث روايات:
١- الرواية الأولى: المنع مطلقا، وهو مذهب الحنابلة والأحناف.
٢- الرواية الثانية: الجواز مطلقا، وهو مذهب الشافعية والمالكية، وفيه ما فيه من المفاسد حيث يبخل أهل العلم وأهل النفع المتعدي الديني بما معهم إلا بمال.
٣- الرواية الثالثة: وهو اختيار شيخ الإسلام أنها جائزة عند الحاجة، ومما يدل على هذا قول الله تعالى في ولي اليتيم ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ ، وقد روى الإمام أحمد بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا) [حم ١٥١٠٣] وهذا من أدلة المنع، ولكن عند عدم الحاجة كما تقدم.
قوله [وعلى المؤجر كل ما يتمكن به من النفع كزمام الجمل ورحله وحزامه والشد عليه وشد الأحمال والمحامل والرفع والخط ولزوم البعير ومفاتيح الدار وعمارتها]
стр. 2357
هذا في الأشياء الواجبة على المؤجر، والحاكم في ذلك هو العرف، فما يذكره المؤلف من التفاصيل حيث كان العرف يوافق هذا، وأما حيث كان العرف لا يوافقه فلا يصح كما قرر هذا صاحب الإنصاف، والشيخ عبد الرحمن السعدي وغيرهم من أهل العلم، فالأولى هو الحكم بالعرف في مثل هذه المسائل، إذ لا دليل من الشرع يدل على ذلك، وليس هناك شرط لفظي فرجع إلى الشرط العرفي، فمثلا عندنا الكهرباء والمياه هذه واجبة على المستأجر، وأما إصلاح الدار إذا انهدم منها شيء فهذا واجب على المؤجر.
وقوله (ورحله) أي ما يخمل عليه
وقوله (والشد عليه) أي شد هذه البضاعة ونحو ذلك، فهذا واجبة على المؤجر.
قوله (وشد الأحمال) أي البضائع.
وقوله: (والمحامل) وهي الشقتان اللتان تكونان على شقتي البعير للحمل.
قوله (ولزوم البعير) فمثلا وهم في الطريق قال المستأجر أريد أن أقضي حاجتي، فالذي يلزم البعير هو المؤجر.
قوله [فأما تفريغ البالوعة والكنيف فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة]
البالوعة لعلها أشبه ما يكون بما يسمى عندنا بالبيارة، وهي حفرة تحفر في الأرض فتجتمع فيها مياه الأمطار ومياه المستحم، ونحو ذلك من المياه الفائضة في الدار، وقوله (والكنيف) وهو محل قضاء الحاجة، ويلزم المستأجر لأنها نتيجة فعله واستخدامه بهذه الدار، وهذا إذا تسلمها فارغة، أما إذا تسلمها غير فارغة فهنا بالمشاركة، وإذا تسلمها فارغة فإنه يسلمها فارغة، والعرف يقضي بهذا.
فصل
قوله [وهي عقد لازم]
فالإجارة عقد لازم لأنها نوع من أنواع البيع، وعليه فلا تنفسخ بفسخ أحد المتعاقدين مع عدم رضا الآخر، قال تعالى ﴿يا أيها الذي آمنوا أوفوا بالعقود﴾ فهي عقد لازم يجب إيفاؤه، وعليه فليس لأحد من الطرفين أن يفسخه كالبيع، إلا في وقت الخيار، فإن فيه خيارا كالبيع، خيار مجلس وخيار شرط.
قوله [فإن أجره شيئا ومنعه كل المدة أو بعضها فلا شيء له]
стр. 2358
وهذا هو المشهور من المذهب، فإذا أجرة شيئا كأن يؤجره دارا ويكون الاتفاق على مدة سنة، ثم منعه كل المدة فلم يمكنه من الانتفاع بها أو منعه بعض المدة كأن يخرجه منها بعد ستة أشهر مثلا فلا شيء له، وهذا هو المشهور من المذهب، قالوا: لأنه لم يسلمه ما تشارطا عليه، فإنهما قد تشارطا على المدة كلها فلم يوف بشرطه، ولم يسلمه ما عقد عليه من الإجارة فلا شيء له، ولو كان المستأجر قد انتفع بها بعض المدة كأن يستأجرها سنة ثم يجبره على الخروج منها بعد ستة أشهر، فلا شيء له لأنه لم يسلمه ما اتفقا عليه، وقال الجمهور: بل له الأجرة بقسطه، وهو رواية عن الإمام أحمد، فمثلا: إذا أجره داره سنة بعشرة آلاف، ومكنه من الانتفاع ستة أشهر ثم أجبره على الخروج فإن المؤجر يملك من الأجرة نصفها فله خمسة آلاف، وهذا القول هو القول الراجح، وذلك لأن المستأجر قد انتفع بهذه العين المؤجرة هذه المدة على وجه المعاوضة فكان عليه قسط ذلك من العوض، لكن يتوجه ما ذهب إليه الحنابلة فيما إذا لم يكن له نفع بهذه الإجارة، كأن يستأجر حمالا أو غيره على عمل فيعمل له بعض العمل على وجه ولا ينفعه، بل قد يكون عليه فيه ضرر، كأن يتفقا على حمل شيء من المتاع من بلدة إلى أخرى فيحمله إلى بعض الطريق في موضع يضر بالمستأجر أو لا ينفعه فحينئذ لا يتوجه أن يكون له أجرة، لأن المستأجر لم ينتفع، أما لو كانت البضاعة مثلا تحمل من جدة إلى حائل فحملها له إلى المدينة وهناك من يحملها له من المدينة إلى حائل بأجر أقل بسبب قصر المسافة فإنه يترجح ما ذهب إليه الجمهور لأنه قد انتفع بهذا العقد على وجه المعاوضة فكان عليه الأجرة.
قوله [وإن بدأ الآخر قبل انقضائها فعليه]
стр. 2359
إذا بدأ الآخر - وهو المستأجر - قبل انقضائها فعليه أي الأجرة، فإذا استأجر دارا لمدة سنة ثم خرج منها بعد بضعة أشهر ولم يستوف المدة المتفق عليها فعليه الأجرة كاملة، وهذا هو مقتضى عقد الإجارة، فإن مقتضاه أن المستأجر يملك المنفعة هذه المدة، والمؤجر يملك الأجرة، وعليه فإذا تحول المستأجر عن الدار قبل انقضاء المدة فإن للمؤجر الأجرة كاملة، وذلك لأن هذا هو مقتضى عقد الإجارة.
قوله [وتنفسخ بتلف العين]
فالإجارة تنفسخ بتلف العين، فإذا استأجر جملا ليركبه فمات الجمل فإن الإجارة تنفسخ، وذلك لتعذر استيفاء المنفعة.
وهل يجوز للمؤجر أن يبيع العين المؤجرة؟
الجواب: يجوز هذا إذ لا محذور فيه، فمثلا أجر عمرو زيدا داره لمدة خمس سنوات، ثم أراد أن يبيعها، فالبيع صحيح، وتبقى الإجارة على ما هي عليه فلا تنفسخ، لأن المستأجر مالك للمنفعة تلك المدة، لكن إن لم يعلم المشتري بالإجارة فله الفسخ كما تقدم في كتاب البيع.
قوله [وبموت المرتضع]
تقد استئجار المرضعة، وقد قال تعالى ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ فإذا استأجر ولي الطفل - الذي يحتاج إلى رضاع - إذا استأجر ظئرا لترضع طفله، ثم مات المرتضع، فإن الإجارة تنفسخ، وذلك لأن هذه المنفعة وهي منفعة الرضاع لا يمكن استيفاؤها.
قوله [والراكب إن لم يخلف بدلا]
стр. 2360
كذلك إذا مات الراكب ولم يخلف بدلا، فإذا استأجر دابة ليركبها من بلدة إلى أخرى فمات المستأجر ولم يخلف وارثا بدلا عنه يقوم بالانتفاع بهذه العين، فإن الإجارة تنفسخ في أحد قولي المذهب، قالوا: لأن فيه ضرر، فإن المستأجر لا ينتفع بها ولا تورث عنه، والمؤجر يمنع من التصرف بها، فتبقى هذه العين عاطلة لا ينتفع بها، وهذا أحد القولين في المذهب وهو اختيار الشيخ السعدي، والقول الثاني في هذه المسألة وهو المذهب أن الراكب إذا مات ولم يخلف بدلا فإن عقد الإجارة لا ينفسخ، قالوا: لأن عقد الإجارة عقد لازم كما تقدم، والأظهر ما ذهب إليه أهل القول الأول، لثبوت الضرر، ولأن هذه العين تبقى عاطلة لا ينتفع بها.
فالذي يتبين والله أعلم في هذه المسألة أحد الوجهين في المذهب وهو أنه إذا مات الراكب ونحوه ولم يخلف بدلا ينتفع بهذه العين المؤجرة فإن عقد الإجارة ينفسخ، وذلك لأن خلاف هذا يبقى هذه العين عاطلة، فلا يمكن للمكري - أي المؤجر - أن يتصرف بها، والمكتري لا نفع له بها.
قوله [وانقلاع ضرس أو برئه ونحوه]
فإذا اتفق زيد مع الطبيب على أن يقلع ضرسه، وكانت الأجرة كذا وكذا، فانقلع الضرس قبل قلع الطبيب له فحينئذ تنفسخ الإجارة، وقوله (أو برئه) كأن يقول للطبيب أنا اتفق معك على أني إن شفيت من هذا المرض فلك عشرة آلاف، فشفي من الغير طب، أو بطريق آخر من الطب سوى هذا الطبيب الذي اتفق معه، فحينئذ تنفسخ الإجارة، فلا شيء للطبيب وذلك لما تقدم حيث إنه لا نفع للمستأجر بها، فلا يمكنه استيفاء المنفعة المعقود عليها.
قوله [لا بموت المتعاقدين أو أحدهما]
стр. 2361
المتعاقدان هما المؤجر والمستأجر، فإذا ماتا أو مات أحدهما فإن الإجارة باقية لازمة، لا تنفسخ لأنها عقد لازم، فإن قيل هناك ضرر؟ فالجواب: أنه لا ضرر فإن المستأجر موروث، ومن إرثه ملك المنفعة في هذه الأجرة، فينتفعون بهذه الدار إما بسكناها أو بتأجيرها، فليس هناك ما يبطل كون عقد الإجارة عقدا لازما هنا، ويخرجنا عن الأصل في الإجارة.
قوله [ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه]
كاحتراق بضاعته مثلا، فمثلا: استأجر جملا فضاعت نفقته، أو استأجر دكانا فاحترقت بضاعته، فإن الإجارة ثابتة فلا تنفسخ، وذلك لما تقدم من أنها عقد لازم فهي كالبيع، ويمكنه حينئذ أن يؤجر هذه الدار أو يؤجر هذا الجمل ونحو ذلك، وكذلك لو استأجر سيارة ليركبها وضاعت نفقته التي منها هذه الأجرة التي تدفع إلى صاحب السيارة فإن الإجارة تثبت لأنها عقد لازم كالبيع.
قوله [وإن اكترى دارا فانهدمت الدار أو أرضا لزرع فانقطع ماؤها أو غرقت انفسخت الإجارة في الباقي]
فإذا استأجر دارا ليسكنها فانهدمت هذه الدار، أو استأجر داكنا ليعمل به فانهدم هذا الدكان أو استأجر أرضا ليزرعها أو ليغرس فيها نحلا ونحو ذلك، أو غار الماء الذي فيها، أو انقطع أو غرقت، فإن الإجارة تنفسخ في الباقي، وذلك لأنه لا يمكنه أن ينتفع بهذه العين، قالوا: إذا انهدمت لا يمكنه أن ينتفع بها بعد انهدامها، والأرض إذا غار ماءها وقد استأجرها ليسكن فيها فلا يمكنه أن ينتفع بها، فلا يمكنه أن يستوفي المنفعة، فأشبه هذا بتلف العين، ولكن ما مضى فعليه الأجرة، فمثلا: استأجر دارا لمدة سنة، فانهدمت بعد ستة أشهر فعليه أجرة ستة أشهر، وذلك لأنه انتفع بها على وجه المعاوضة فقد استوفى منفعتها فعليه الأجرة، ولا وجه لإسقاطها.
قوله [وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ وعليه أجرة ما مضى]
стр. 2362
كأن يستأجر عبدا ليعمل له مدة معلومة، أو استأجر جملا ليركبه فوجد في هذه العين عيبا، فللمستأجر الفسخ كالبيع، فإذا استأجر شيئا فوجده معيبا أو حدث به عيب عنده فإنه بالخيار إن شاء أمضى المدة وإن شاء فسخ، فإن أمضاها فهل يكون له أرض أم لا؟
مثاله: استأجر دارا بعشرة آلاف، فوجدها معيبة بحيث إنها لا تساوي مع العيب إلا ثمانية آلاف فإن شاء فسخ، وإن شاء أمضى، فإن أمضى فهل يأخذ الألفين أرشا؟
تنبني على المسألة السابقة في خيار العيب، وقد تقدم أن المذهب أن له الأرش، وأن الراجح أنه لا أرش له، ومع ذلك إن المشهور في المذهب هنا أنه لا أرش له، وقياس المذهب أن له الأرش كالمسألة السابقة، والصحيح ما تقدم في تلك المسألة وفي هذه المسألة المتفرعة عنها فلا أرش له.
стр. 2363
فإن تبين بعد مضي مدة أن بها عيبا كأن يستأجرها بعشرة آلاف، ثم تبين له أن فيها عيبا يجعل إجارتها تساوي ثمانية آلاف بهذا العيب، فإذا سكنها ستة أشهر ثم تبين له العيب فعلى المذهب لا أرش له هنا، وحينئذ فإذا أراد الفسخ فإنه يدفع خمسة آلاف أجرة الستة أشهر، وإن شاء أن يمضي بعشرة آلاف، وفي هذا فيما يظهر نظر، وذلك لأن هذا الأرض يدفع عنه الضرر هنا بخلاف المسألة المتقدمة، فإنه قد استوفى المنفعة هنا في هذه المدة وفيها هذا العيب، فحينئذ عليه ضرر حيث إنه استأجر معيبا على أنه غير معيب، وقد استأجره بأجرة غير المعيب، وليس هذه كالمسألة المتقدمة، فهنا لا يدفع الضرر عنه إلا بحساب الأرش، فالذي يظهر أنه لا يدفع قسط الأجرة على أن السلعة غير معيبة، بل يدفع القسط على أن السلعة معيبة، فمثلا: استأجر دارا مدة ثمانية أشهر، ثم تبين له أن فيها عيبا، فالثمانية أشهر لغير المعيبة لعشرة آلاف، وللمعيبة بستة آلاف، فعلى المذهب إن أمضى فإنه يدفع العشرة آلاف، وهذا فيه نظر، فإنه لا يندفع عنه الضرر إلا بإعطاء هذا الأرش الفارق بين ثمنها معيبة وثمنها غير معيبة.
قوله [ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأ]
الأجير نوعان:
١- أجير خاص.
٢- أجير عام مشترك.
стр. 2364
فالأجير الخاص هو من يختص المستأجر بنفعه مدة معلومة، فعندما يستأجر عاملا للزراعة أو للتجارة أو نحو ذلك لمدة شهر أو شهرين أو نحو ذلك فهذا الأجير نفعه خاص بالمستأجر، فإذا جنى هذا الأجير جناية خاطئة لم يتعد فيها ولم يفرط فتلف مال المستأجر أو بعضه فإنه لا يضمن، كأن يستأجر عاملا للمزرعة فيعمل على مكائنه فيفسدها من غير أن يتعدى ولا يفرط، فإنه لا ضمان عليه، كالوكيل والمضارب ما تقدم، فهو نائب عن المالك في منافعه، فإن منافع هذا الأجير مملوكة لمستأجره، فهو نائب لهذا المستأجر في تصريف منافع نفسه على حسب ما يأمره به هذا المستأجر، فإذا حصل شيء من التلف بغير تعد ولا تفريط فإنه لا يضمن كالوكيل والمضارب.
قوله [وطبيب وبيطار لم تجن أيديهم إن عرف صدقهم]
البيطار هو طبيب البهائم، والطبيب هو الطبيب المعروف، وهو في العرف الحادث يراد به كما ذكر ابن القيم الطبيب الطبائعي، وأما في اللغة فهو أعم من ذلك، فإن الحجام والكواء ونحو ذلك يقال لهم طبيب، فعلى ذلك كلهم يدخلون في قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي والحديث حسن: (من تطبب وهو لا يعلم بطب فهو ضامن) [ن ٤٨٣٠، د ٤٥٨٧، جه ٣٤٦٦] فالطبيب بكل أنواعه سواء كان طبيبا للآدميين أو للبهائم أو حجاما أوكيميائيا أو كواء أو نحو ذلك فإنه إذا لم تجن يده وعرف حذقه في الطب فإنه لا يضمن، وذلك لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: (من تطبب ولا يعلم بطب فهو ضامن) وظاهره أنه إذا كان يعلم بالطب فإنه لا يضمن، ولأن هذا الفعل مأذون له، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون، وما ذكره المؤلف هنا بالاتفاق، فإذا لم تجن يده وهو طبيب حاذق فإنه لا يضمن، وكذلك إذا صرف دواء وهو حاذق وهو غير مخطيء في ذلك بل صرفه صرفا صحيحا ومع ذلك ترتب عليه ضرر ولم يقع منه تفريط ولا تعدي فإنه أيضا لا يضمن.
стр. 2365
قوله [ولا راع لم يتعد]
فالراعي إذا لم يتعد ولم يفرط في حفظ ما تحت يده من البهائم فإذا حصل شيء من التلف فإنه أيضا لا يضمن لأنه أمين والأمين غير ضامن.
قوله [ويضمن المشترك ما تلف بفعله ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله ولا أجرة له]
الأجير المشترك: هو من لا يختص أحد من المستأجرين بنفعه، بل نفعه يشترط فيه بحيث إنه يعمل لعدة أشخاص في وقت واحد، كخياط الثياب أو مصلح السيارات ونحو ذلك، فإذا حصل عنده تلف ولم يتعد ولم يفرط فإنه يضمن في المشهور عند الحنابلة، وذهب بعض الحنابلة وهو مذهب الشافعية ومال إليه صاحب الإنصاف واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أنه لا يضمن، وهذا القول هو الراجح، واستدل أهل القول الأول بما روي عن علي بن أبي طالب ﵁:" أنه كان يضمن الصباغ والصواغ، ويقول: لا يصح الناس إلا بهذا " لكن الحديث إسناده منقطع فلا يصح، ولذا ضعفه الشافعي وغيره، والراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني، وذلك لأنه لم يحصل من تعد ولا تفريط، وهو مأذون له بهذا العمل فترتب على عمله المأذون له فيه تلف من غير تعد ولا تفريط فلا ضمان عليه.
وقوله (ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله) مثاله: لما خاط الثوب وضع الثوب في حرز مثله، أي في محل يحفظ فيه الثوب عادة، فسرق الثوب، أو حصل له تلف بغير فعل منه، فحينئذ لا يضمن وذلك لأنه أمين والأمين لا يضمن ـ فالثوب الآن أصيح أمانة عنده.
стр. 2366
وقوله (ولا أجرة له) فلا أجرة له في هاتين المسألتين كلتيهما، فإذا حصل في الثوب تلف بفعله أو حصل له تلف وهو في حرزه أو بغير فعله فلا أجره له في هذه المسائل، وذلك لأنه لم يسلم ما اتفقا عليه، واختار ابن عقيل من الحنابلة وقواه صاحب الإنصاف واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن له الأجرة، وذلك لأن الأجرة في مقابل العمل وقد حصل العمل، وهذا هو القول الراجح، فالاتفاق على أن يخيط له هذا الثوب مثلا، وقد خاطه فإذا حصل له تلف من غير تعد ولا تفريط منه أو حصل له تلف في حرزه فإنه يستحق الأجرة لأن الأجرة عوض عن عمله.
وقوله هنا (ولا يضمن ما تلف من حرزه) أي من غير تعد ولا تفريط، قالوا: فإذا حبس الثوب على الأجرة ثم حصل فيه تلف فإنه يضمن، كأن يقول له: لا أعطيك الثوب حتى تدفع الأجرة فحصل له تلف فإنه يضمن، وذلك لأنه قد تعدى بعدم إعطائه الثوب ونحوه في الوقت المحدد.
وهذا ينبني على أن حبس الثوب ونحوه المعمول فيه على الأجرة أنه تعد، والصحيح أنه ليس بتعد كما هو اختيار ابن القيم ﵀، فإنه قرر أن هذا العمل من هذا الأجير قائم بهذه العين المستأجرة، والعمل يجري مجرى الأعيان، بدليل ثبوت العوض في الأعمال كثبوتها في الأعيان، وحينئذ فله أن يمتنع من تسليم عمله المرتبط بهذا الثوب حتى يستلم العوض، فلم يتعد.
قوله [وتجب الأجرة بالعقد إن لم تؤجل وتستحق بتسلم العمل الذي في الذمة]
стр. 2367
إذا اتفق زيد وعمرو على أن يعمل زيد لعمرو في داره في إصلاح ما انهدم منها، واتفقا على أن يكون العمل لمدة شهر، فيجب الأجرة بمجرد العقد، أي تثبت الأجرة بمجرد العقد كما يثبت الثمن، وكما يثبت الصداق، فبمجرد ما يعقد الرجل على المرأة يجب صداقها، أي يثبت ويلزم، وبمجرد ما يشتري السلعة فإن ثمنها يثبت ويلزم، ولكن هذا الأجير لا يستحق المطالبة بها حتى يسلم العمل الذي في الذمة، ولذا قال (وتستحق بتسليم العمل الذي في الذمة) ، وفي البخاري يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره) [خ ٢٢٧٠] وفي ابن ماجة والحديث حسن: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) [جه ٢٤٤٣] إذن يملك الأجير المطالبة الأجرة عند تسليم العمل الذي في الذمة، وأما إذا كانت الإجارة على عين فإنه يملك المطالبة عند تسليم العين، فإذا استأجرت دارا لتسكنها فسلمك المؤجر الدار وأعطاك مفتاحها وأخلاها لك فأنت الآن متمكن من الانتفاع بها، فحينئذ يملك هو المطالبة بالأجرة، ولا ينتظر حتى تستوفي المنفعة إلى سنة أو نحو ذلك، بل يطال بالأجرة بمجرد تسليمك العين، وذلك لأنه بتسليمه العين قد مكنك من الانتفاع بها، وأنت قد ملكت المنفعة من حينئذ فكانت الأجرة مطالبا بها من حينئذ كالبيع.
وقوله (إن لم تؤجل) فالأجرة واجبة بالعقد لكن إن اتفقا على تأجيلها فالمسلمون على شروطهم، فإن قال: لا أعطيك الأجرة حالة، بل الأجرة مؤجلة إلى سنة فالمسلمون على شروطهم.
قوله [ومن تسلم عينا بإجارة فاسدة وفرغت المدة لزمه أجرة المثل]
إذا تسلم دارا ليسكنها بالإجارة لكن هذه الإجارة إجارة فاسدة كأن يؤجره دارا، ويكون المؤجر غير جائز التصرف مثلا، ثم فرغت المدة فحينئذ ماذا يلزم المستأجر؟
стр. 2368
يلزمه أجرة المثل، فإذا اتفقا على أن تكون الأجرة عشرين ألفا وأجرة المثل عشرة آلاف فلا يعطيه إلا عشرة آلاف، وكذا العكس، وهذا هو المشهور في المذهب، وذلك لأنها إجارة فاسدة فحينئذ لا تعتبر الأجرة المذكورة فيها، وقياس المذهب كما قال القاضي من الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام أن الواجب هو الأجر المسمى قياسا على النكاح، فكما أن النكاح الفاسد إذا ذكر فيه صداق فيجب الصداق المسمى فكذلك هنا بل أولى، وذلك لأن الأجرة مقصودة في الإجارة بخلاف الصداق في النكاح فليس بمقصود كقصد الأجرة في الإجارة، فإن هناك مقاصد أخرى للنكاح هي أعظم من مقصد الأجر بخلاف الأجرة في الإجارة فإنها هي المقصودة، وهذا القول هو الراجح.
باب السبق
السبق بتسكين الباء هو المسابقة، وبالفتح السبق هو العوض الذي يجعل للسابق من المتسابقَين أو المتسابقِين.
قوله [يصح على الأقدام]
أي تصح المسابقة على الأقدام، فالمسابقة على الأقدام جائزة، وقد ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود أن النبي ﷺ سابق عائشة [حم ٢٣٥٩٨، د ٢٥٧٨، جه ١٩٧٩] وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع: أنه سابق بين يدي النبي ﷺ رجلا من الأنصار فسبقه.
** وهنا مقدمة فيما يجوز من اللهو: اعلم أن اللهو ثلاثة أنواع:
١- النوع الأول: اللهو المفضي إلى ما نهى الله عنه من الصد عن ذكر الله، والعداوة والبغضاء وغير ذلك وهذا محرم لا يجوز، فكل لهو يفضي إلى ما نهى الله عنه فهو محرم لا يجوز، قال شيخ الإسلام:" وكل فعل أفضى كثيرا إلى ما حرمه الله فإن الشارع يحرمه ما لم تكن هناك مصلحة راجحة ".
стр. 2369
وذلك لأنه يكون سببا للشر والفساد، ولذا حرمت الشريعة النرد وهي ما تسمى بالطاولة عند العامة، فقد روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده بدم خنزير ولحمه) [م ٢٢٦٠] وفي موطأ مالك ومسند أحمد وسنن ابن ماجة بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (من لعب بالنردشير فقد عصى الله رسوله) [حم ١٩٠٢٧، د ٤٩٣٨، جه ٣٧٦٢، ك ١٧٨٦] وهذان الحديثان عامان في النرد سواء كان على عوض وهو القمار أو على غيره، والتشبيه المذكور في الحديث المتقدم وهو قوله: (فكأنما صبغ يده بدم الخنزير ولحمه) هذا التشبيه متناول للعب بالنرد سواء وجد الأكل أم لم يوجد، فاللعب بالنرد محرم وذلك لأنها سبب للشر والفساد والعداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله، وأولى من ذلك الشطرنج في مذهب جمهور العلماء من المالكية والأحناف والحنابلة، وتوقف الشافعي في حكمها، وللشافعية قولان من إباحة وتحريم، هذا إذا لم يكن فيها عوض، فإذا كانت فيها عوض فلا خلاف بين العلماء في تحريمها وأنها من القمار، والصحيح هو التحريم مطلقا سواء كانت بعوض أم لم تكن بعوض وذلك لثبوت تحريم النرد، والشطرنج أولى من ذلك، فإن صدها عن ذكر الله أعظم، وإلقاءها للعداوة والبغضاء أكثر فكانت أولى بالتحريم، فإنها تستغرق - كما قرر الشيخ الإسلام - تستغرق فكر لاعبيها حتى لا يشعر بنفسه ولا يشعر بمن حوله فهذا مماثل أو أشد من الخمر، وروى البيهقي سننه وصححه شيخ الإسلام أن علي بن أبي طالب:" مر على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون " [هق ١٠ / ٢١٢] وروى ابن أبي شيبة بإسناد منقطع أنه قال:" الشطرنج من الميسر " [مصنف ابن أبي شيبة ٦ / ١٩١ برقم ١٠]
стр. 2370
٢- والنوع الثاني: هو اللهو الذي يكون فيه منفعة ولا مضرة فيه فهذا جائز كما قرر هذا شيخ الإسلام، وقد روى الترمذي في سننه وصححه ورواه ابن ماجة أن النبي ﷺ قال: (كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق) [حم ١٦٨٤٩، ت ١٦٣٧، جه ٢٨١١] وروى النسائي في سننه الكبرى نحوه من وجه آخر في كتاب عشرة النساء وفيه: (وتعلم السباحة) [٥ / ٣٠٣] فهذه من الحق وفيها نفع فهي جائزة، وإن كان لا نفع فيها فهي من القسم الباطل الذي يذهب على العبد وقته، وقد يكون من النوع المحرم الذي تقدم ذكره،
وللحنابلة وجهان في اللعب الذي لا يعين على عدو هل يكره أم لا؟
قال صاحب الإنسان الإنصاف:" والأولى الكراهية اللهم إلا أن يكون له بذلك قصد حسن ".
٣- النوع الثالث: ما كان معينا على ما أمر الله به في قوله ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ فهذا من اللهو المستحب.
وإذا كان من اللهو المستحب فيجوز فيه السبق وهو الجعل، وإن كان من اللهو المحرم فلا يجوز مطلقا لا بجعل ولا بغير جعل، وإن كان من اللهو المباح أو المكروه فلا يجوز فيه الجعل ويجوز بغير جعل.
قوله [يصح على الأقدام]
فتصح المسابقة على الأقدام كما تقدم من فعل النبي ﷺ مع عائشة.
قوله [وسائر الحيوانات]
من البغال والخيل والفيلة وغيرها.
قوله [والسفن والمزاريق]
كذلك تصح في السفن والطائرات كما في هذا الوقت وتصح في المزاريق وهي جمع مزراق وهو الرمح، وهكذا كل ما تقدم ما فيه نفع وليس فيه مضرة الراجحة.
قوله [ولا تصح بعوض إلا في إبل وخيل وسهام]
فلا تصح بعوض أي بجعل إلا في إبل وخيل وسهام، لما رواه أحمد والثلاثة بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل) [حم ٩٧٨٨، ت ١٧٠٠، جه ٢٨٧٨] .
стр. 2371
(في خف) : أي في الإبل، (حافر) : أي في الخيل، (نصل) : أي في القوس، فهذا الحديث يدل على أن الجائزة لا تحل على شيء من المغالبات وأنواع الملاهي التي تقع في المسابقات إلا في هذه الأنواع الثلاثة التي تعين على الجهاد إعانة ظاهرة وهي سباق الخيل، وسباق الإبل، وسباق الرمي، وأما غيرها فلا يجوز فيها السبق أي الجعل، فالمسابقة على الأقدام والمصارعة ونحو ذلك هذه كلها لا يجوز فيها السبق.
* واختلف أهل العلم هل يقاس على هذه المسابقة ما فيه إعانة على ظهور حجة الإسلام وبراهينه من علوم القرآن والسنة والفقه والعقيدة؟ قولان لأهل العلم:
القول الأول: منع من ذلك جمهور علماء.
القول الثاني: أجازه الأحناف، وهو اختيار شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم.
وما ذكروه هو الراجح، وذلك لأن القياس قياس صحيح بل هو من باب قياس الأولى، فإن الدين قائم على الحجة والبرهان، وقائم على السيف والسنان، وقيامه بالحجة والبرهان أعظم، وإنما يحتاج إلى السيف والسنان إذا وقف أمام الحجة والبرهان وعورض، فتبين من هذا أن الحجة والبرهان القائمة على العلم النافع الموروث عن النبي ﷺ من الكتاب والسنة أحق بجواز هذا السبق.
** واعلم أن السبق فيها جائز سواء كانت من أجنبي كالإمام أو نائبه أو غيرهما كأن يضعه أحد من أرباب الغنى، فيضع مالا لسباق الخيل أو لسباق الإبل أو الرمي فهذا جائز للحديث المتقدم وهو عام سواء كان من المتسابقين أو من غيرهما، فهنا المتعلق محذوف فيفيد هذا العموم، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا.
فإذا وضع الجائزة أجنبي سواء كان الإمام أو نائبه، أو وضعه غيرهما خلافا لما ذهب إليه الإمام مالك، فإنه يمنع أن يكون من غير الإمام أو نائبه، ولا دليل على التفريق، أو كان الواضع أحد المتسابقين فهذا جائز.
стр. 2372
أما إذا كانت الجائزة من المتسابقَين كليهما أو من المتسابقِين كلهم فمنع من ذلك جمهور العلماء، قالوا: لأن كليهما يكون إما غانما أو غارما وهذا قمار، والقمار محرم، بخلاف ما لو وضعها أحدهما دون الآخر فإن هذا الواضع يكون غارما أو غانما، وأما الآخر فإنه إما أن يكون غانما أو سالما، قالوا: ويجوز حينئذ أن يضع المحلل، فإذا تسابق زيد وعمرو ودفع هذا ألفا ودفع الآخر ألفا فأدخلا بينهما ثالثا لا يضع شيئا فهذا جائز بشرط ألا يؤمن سبقه بحيث لا يكون حيلة إلى تحليل ما حرم الله، قالوا ودليل هذا ما رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أدخل فرس بين فرسين لا يأمن أن يسبق فلا بأس، وإن أمن فهو قمار) [حم ١٠١٧٩، د ٢٥٧٩، جه ٢٨٧٦] واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم جواز هذه الصورة التي نهى عن الجمهور بغير محلل، قالا: إذا تسابق على خيل أو إبل أو سهام أو على علوم شرعية كما تقدم فيجوز أن يشارك كل واحد من المتسابقين بالسبق، قالا: لأن القمار أكل للمال بالباطل، وهذا ليس بأكل للمال بالباطل بل هو أكل للمال بالحق، فإن فيه إعانة على ما أمر الله به من الجهاد في سبيله، وأجابوا عن حديث أبي هريرة المتقدم بأن إسناده ضعيف فهو من حديث سفيان بن حسين وسعيد بن بشير عن الزهري، ورواية سفيان بن حسين عن الزهري ضعيفة، وسعيد بن بشير ضعيف الحديث، قالوا: ورواه الثقات عن الزهري عن سعيد بن المسيب من قوله، فهو من قول سعيد بن المسيب، وهذا القول هو القول الراجح، فإن القمار أكل للمال بالباطل وهذا ليس أكل للمال بالباطل بل هو أكل للمال بالحق، واستدلوا بما روى أحمد في مسنده بإسناد جيد: (أن أنس بن مالك قيل له هل كنتم تراهنون على عهد النبي ﷺ قال نعم لقد راهن النبي ﷺ على فرس يقال له سبحة فسبق
стр. 2373
فهش له وأعجبه) [حم ١٢٢١٦] والإسناد جيد، قالوا: وروى أحمد في مسنده:" أن أبا عبيدة قال: من يراهنني، فقال شاب: أنا إن لم تغضب، قال - أي الراوي - فسبقه فرأيت عقيصتي -] ضفائره - أبي عبيدة تنقزان وهو خلفه على فرس عربي " [حم ٣٤٦] قالوا: والمراهنة مفاعلة، فإذا قال من يراهن أي من يقابلني في الرهان فيدفع هذا ويدفع هذا، وروى الترمذي وصححه والحديث صحيح:" أن أبا بكر ﵁ راهن قريشا على غلبة الروم على الفرس " [ت ٣١٩٤] فدل هذا على أن المراهنة جائزة.
قوله [ولا بد من تعيين المركوبين]
فلا بد من تعيين المركوبين سواء كانا فرسين أو ناقتين أو نحو ذلك، ولا بد من تعيين الرماة، ولذا قال بعد ذلك:
قوله [والرماة]
وذلك لأن المقصود من المسابقة بين الخيل وبين الإبل معرفة سرعة عدوها، فالمسابقة متعلقة بالمركوب، وإذا لم يعين المركوب فقد يكون المركوب مما يؤمن سبقه، وحينئذ يكون هذا من أكل المال بالباطل، والمسابقة في الرمي المقصود منها معرفة حذق الرماة، فتعلقها بفعل الرماة، فاشترط أيضا تعيين الرماة.
قوله [واتحادهما]
فلا بد من تعيين المركوبين واتحادهما، بأن يكونا عربيين أو أن يكونا هجينين، فلا بد أن يكونا من نوع واحد، وهذا هو المشهور في المذهب، والوجه الثاني في المذهب أنه يجوز أن تكون من أنواع مختلفة، والحاكم في هذه أنه إذا حصل المقصود من المسابقة بان كانت هذه الخيول وإن اختلفت أنواعها كل واحد منها لا يؤمن سبقه فكان فيه الفائدة المرجوة من التدريب على الجهاد في سبيل الله، فذلك جائز، وأما إذا كان بين نوعين مختلفين وأحدهما يؤمن سبقه فإن هذا ممنوع منه لأنه لا فائدة من السباق هذا، وهذا هو الراجح في هذه المسألة.
قوله [والمسافة]
стр. 2374
فلا بد من تحديد المسافة، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: (سابق النبي ﷺ بين الخيل التي قد ضمرت من الحيفاء - وهو موضع خارج المدينة - إلى ثنية الوداع، وبين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق) [خ ٧٣٣٦، م ١٨٧٠] قال ابن عمر في رواية للبخاري:" بين الحيفاء وبين ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، وبين الثنية ومسجد بني زريق ميل " [خ ٢٨٦٨] وإضمار الخيل بأن تسمن ثم بعد ذلك لا تطعم إلا قوتها، وتوضع في بيت وتجلل أي تغطى حتى تعرق فيخف لحمها، ثم إن المسافة إذا لم تحدد فإن هذا يفضي إلى الخلاف والتنازع للجهالة، وإزالة الجهالة المفضية إلى النزاع واجب.
قوله [بقدر معتاد]
فلا بد أن يكون القدر معتادا ليحصل المقصود، وإلا فإن الغرض يفوت، فمثلا: الرمي الطبيعي مائة وخمسون مترا تقريبا، فإذا زاد عن هذا فإنه يفوت الغرض لأنه لا يصل إلى الهدف إلا نادرا، كذلك الخيل أو الإبل إذا وضعت مسافة بعيدة جدا لا تصل إليها في العادة فإنه حينئذ يفوت الغرض المقصود.
قوله [وهي جعالة لكل واحد فسخها]
стр. 2375
السبق جعالة في المشهور من المذهب، ويأتي الكلام على الجعالة، وبين ابن القيم في كتابه الفروسية الفارق بين الجعالة والسبق بما يدل على بطلان كون السبق جعالة، فإن بينهما فروقا منها: أن الجاعل للجعل إنما يجعله لنفع نفسه، فإذا ضاع له مال يقول: من يحصل لي هذا المال أعطيه كذا وكذا، فهو يقصد بدفع هذا الجعل نفع نفسه، وأما في السبق فهو يوفيه لمن يعجزه ويقهره ويغلبه، ومنها: أن الجعالة يجوز أن يكون العوض والمعوض مجهولين، فيجوز أن يقول: من أتى بعبدي الآبق وهو مجهول فله كذا وكذا، فالمعوض وهو العبد الآبق مجهول، ويجوز أن يقول القائد في الحرب: من دلني على حصن فله ثلث ما فيه من الغنيمة، والغنيمة التي فيه مجهولة، وهذا كله لا يجوز في باب السبق، بل يشترط أن يكون السبق معلوما وأن تكون المسافة والمركوب والرماة معلومين، فدل على أن السبق ليس بجعالة، كما أنه ليس بإجارة، وليس بشركة، وليس بنذر، كما بين ابن القيم أنه نوع مستقل له حكمه الخاص، فلا يؤخذ أحكامه من أحكام غيره، وهنا الحنابلة قالوا: هو جعالة، وعليه فلكل واحد منهما الفسخ، فمثلا: اتفق زيد وعمرو على المسابقة، وأن يكون بينهما سبقا قدره كذا وكذا، سواء دفع واحد منهما كما هو مذهب الجمهور، أو دفعا كلاهما، فلما شرعا في السباق ولما يتبين الفضل لواحد منهما فيجوز لكل واحد منهما الفسخ، فيجوز قبل الشروع، وبعد الشروع ما لم يتبين أن لأحدهما فضلا، أما إذا تبين أن لأحدهما فضلا فله الفسخ، وأما الآخر فليس له الفسخ، لأنه قد ظهر ما يكون مرجحا لجانب الآخر، فحينئذ إذا جاز له الفسخ ففيه إسقاط لحق الآخر، وهذا هو المشهور من المذهب وهو مذهب أبي حنيفة وهو أحد قولي الشافعي أن عقد السبق عقد جائز، والقول الثاني للشافعية وهو وجه في المذهب أن هذا العقد عقد لازم، فإذا شرعا فيه فليس لأحدهما أن يفسخ، قالوا: قياسا على عقد الإجارة،
стр. 2376
والقياس على عقد الإجارة هنا ضعيف، للفارق بين عقد الإجارة وبين السبق، قالوا: الجامع بينهما أن في كليهما يشترط أن يكون العوض والمعوض معلوما كما تقدم، والجواب: أنه قياس مع الفارق، فبينهما فروق منها أن الإجارة يشترط أن يكون العمل المطلوب فيها مقدورا على تسليمه، وليس هذا في باب المسابقة، فإنه قد سبق وقد لا يسبق، وهناك فروق أخرى، ومع ذلك فالذي يتبين والله أعلم هو رجحان هذا القول لقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ فأمر الله تعالى بالوفاء بالعقود إلا ما استثني، وإن كان يتوجه - والله أعلم - أنهما إذا لم يشرعا فيه فيتوجه القول الأول، وهو جواز الفسخ، لأنه لا يجوز أن يأخذ أحد مال أخيه بغير طيب نفس منه، وحيث لم يشرعا في السباق فلم يترتب على ذلك عمل من الآخر.
قوله [وتصح المناضلة على معينين يحسنون الرمي]
المناضلة هي المسابقة في الرمي، وقوله " على معينين " كما تقدم فيشترط أن يعين الرماة، وقوله " يحسنون الرمي " فإن كان بعضهم لا يحسن الرمي فإن هذه من المسابقة التي يؤمن فيها السبق، فيكون هذا من أكل أموال الناس بالباطل.
باب العارية
العارية: تضبط بتشديد الياء وتخفيفها، وهي من العري، وهو التجرد، وسميت بذلك لتجردها من العوض، وعرفها المؤلف بقوله:
قوله [وهي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه]
أي بعد استيفاء النفع، فهذه العين التي أعيرت كالدار مثلا إذا انتفع بها هذا المستعير واستوفى نفعها فإن هذه العين تبقى بعد استيفاء هذا النفع المتبرع به، وهي مشروعة بالإجماع.
* واختلف أهل العلم هل تجب العارية أم لا؟
стр. 2377
فذهب جمهور العلماء إلى أنها مستحبة غير واجبة، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث طلحة بين عبيد الله أن النبي ﷺ قال للأعرابي بعد أن ذكر له هل على شيء غير الزكاة لما سأله عما يجب عليه فقال النبي ﷺ : (لا إلا أن تطوع) قالوا: فدل هذا على أن العارية ليست واجبة فلو كانت واجبة لأجاب النبي ﷺ بها لما سأله: هل علي غيرها، والقول الثاني في هذه المسألة وهو قول في المذهب واختاره شيخ الإسلام أن العارية واجبة أي مع غنى مالكها وحاجة الآخر إليها، ودليل هذا ما ثبت في مسلم من حديث جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر - أي مستو - تطؤه ذات الظلف بظلفها وتنطحه ذات القرن بقرنها ليس فيها يومئذ جماء - أي التي لا قرن لها - ولا مكسورة القرن، قلنا يا رسول الله وما حقها؟ قال: إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنيحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله) [م ٩٨٨] والشاهد في قوله: (وإعارة دلوها) ، ويدل لذلك أيضا قول الله تعالى ﴿ويمنعون الماعون﴾ ، وقد روى أبو داود والنسائي في سننه الكبرى بإسناد حسن عن ابن مسعود ﵁ قال:" كل معروف صدقة، وكنا نعد الماعون على عهد النبي ﷺ إعارة الدلو والدر " [ن كبرى ٦ / ٥٢٢، د ١٦٥٧] فهو لا يتضرر بهذه الإعارة ولا تفوته مصلحة بها فذم على المنع، وما اختاره شيخ الإسلام في هذه المسألة قوي، والجواب عن حديث الأعرابي أن يقال: إن العارية من الأمور الطارئة، فقد يملك الإنسان ما يعيره وقد لا يملكه، وإذا ملكه فقد يكون هناك من هو محتاج إليه وقد لا يكون، وهو كما قال له النبي ﷺ لما سأله عن الصلاة: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، مع دلالة الشرع على وجوب صلاة
стр. 2378
الكسوف، فعلى ذلك القول الراجح هو اختيار شيخ الإسلام.
** والعارية تبرع بالنفع وعليه فلا تصح إلا من جائز التصرف، هكذا يقرر الفقهاء، وهذا على القول باستحباب العارية، وأما على القول الراجح وهو وجوب العارية لا يتبين هذا، فإن هذا تبرع واجب، فهو واجب في ماله فأشبه الزكاة ونحوها.
*** وكل قول أو فعل يدل على الإعارة فإن العارية تثبت به، فإذا قال: أعرتك، فهو قول يدل على العارية فيثبت به، وكذلك إذا قال: أعطيتك راحلتي لتسافر بها ثم تعيدها إلي بلا عوض فهذا قول يدل على العارية، وكذلك إذا قال: أعرني كذا، فدفعه إليه ولم يتلفظ فإن هذا الفعل يدل على الإعارة.
قوله [وتباح إعارة كل ذي نفع مباح]
كالدلو والقدر والفأس والراحلة والدار وغير ذلك، فكل ذي نفع مباح تباح عاريته لدلالة الأدلة الشرعية على مشروعيتها، وحيث كان النفع مباحا فإنه داخل في العقود، والأصل في العقود الإباحة.
قوله [إلا البضع]
أي الفرج، فإنه لا تصح عاريته، كأن تكون له أمة فإنه لا تصح إعارة بضعها وذلك لأن الفرج لا يباح إلا بما جعله الله سببا لإباحته.
قوله [ولا عبدا مسلما لكافر]
فلا يجوز أن يعير عبده المسلم لكافر ليستخدمه، فإن الله لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا.
قوله [وصيدا ونحوه لمحرم]
فليس له أن يعير صيدا لمحرم، ولا نحوه كأن يعيره مخيطا أو نحوه، وذلك لأن المحرم ممنوع من إمساك الصياد، وممنوع من لبس المخيط، فإذا أعاره صيدا أو ثوبا مخيطا فقد أعانه على الإثم، وقد قال الله تعالى ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾
قوله [وأمة شابة لغير امرأة أو محرم]
فليس له أن يعير أمة شابة أي يفتتن بها، ليس له أن يعيرها لأجنبي عنها ذكر، وذك لأنه لا يؤمن عليها، أما إذا أعارها إلى امرأة أو محرم لها كأن يعيرها عمها أو خالها فذلك جائز لا بأس له.
стр. 2379
* المشهور عند فقهاء الحنابلة وهو مذهب الجمهور أن المعير له أن يسترد العين المعارة متى شاء إلا أن يأذن بشغلها بشيء يتضرر المستعير برجوعه فيها، فلو أعاره راحلة فله أن يرجع فيأخذها قبل أن ينتفع بها المستعير، لكن لو كان قد أعاره هذه الراحلة لينقل بضاعة له إلى موضع فليس له أن يرجع وهذه الراحلة بمفازة من الأرض بحيث يتضرر المستعير برجوعها، وكذلك لو كانت سفينة في لجة البخر، وذلك لأنه يتضرر بالرجوع، وهذا هو المشهور عند الحنابلة وهو مذهب الجمهور، كالقرض تماما، فهذه المسألة مبنية على مسألة القرض التي تقدم ذكرها، ولذا فمذهب المالكية وهو رواية عن الإمام أحمد أن العارية إن عين لها أجل معين فإذا قال: استعير منك هذه السيارة شهرا فليس للمعير أن يرجع مدة هذا الشهر، فإن لم تذكر مدة فإنها تبقى عند المستعير فينتفع لها كما ينتفع بمثيلاتها عادة، فمثلا إذا استعار منه شيئا من أدوات البيت، فالعادة أن أدوات البيت تمكث إلى اليوم واليومين ونحو ذلك، إذن على القول الثاني في هذه المسألة أنهما إذا عينا لها مدة فإنها تتعين، فإن لم يعينا لها مدة فيرجع إلى العرف، وهذا القول هو الراجح، لقول الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ وهذا عقد فيجب أيفاؤه، وتقدم أن هذه المسألة مبنية على مسألة القرض، وتقدم أن الجمهور على أن القرض لا يتأجل بتأجيله، وتقد أن هذا قول مرجوح، وأن الراجح ما ذهب إليه المالكية من أنا لقرض يتأجل بتأجيله.
قوله [ولا أجرة لمن أعار حائطا حتى يسقط]
هذه المسألة تنبني على المسألة السابقة، مثاله: رجل أعار الآخر أن يضع خشبا على حائطه، فوضع المستعير خشبه على هذا الحائط وبنى، فهل له الرجوع؟
стр. 2380
الجواب: ليس له الرجوع، وذلك لأن هذا البناء سينهدم، فإنه قد وضع الخشب ووضع عليه البناء، فإذا رجع في هذه العارية فإن هذا الآخر يتضرر، فليس له الرجوع، وقد تقدم أن الفقهاء يقيدون جواز الرجوع بحيث لم يأذن له بشغله بشيء يتضرر المستعير برجوعه، وهنا يتضرر المستعير، إذن ليس له الرجوع، وهل له أن يأخذ عليه الأجرة؟
الجواب: ليس له أن يأخذ عليه الأجرة، وذلك لأن العارية باقية، والعارية لا أجرة فيها، فليس له أن يقول إما أن تهدم بيتك وإما أن تعطيني أجرة، وذلك لأن العارية قد انعقدت، والرجوع ممنوع منه بسبب الضرر، وإذا سقط الحائط فيجوز له حينئذ أن يمنع من هذه العارية، فيرجع فيها، وذلك لأن البناء قد تهدم، فلا ضرر في الرجوع.
قوله [ولا يرد إن سقط إلا بإذنه]
فلا يرد الخشب إن سقط الجدار إلا بإذن صاحب الجدار، وذلك لأنه لم يأذن إذنا جديدا، فالإذن قد ذهب بسقوط الجدار.
قوله [وتضمن العارية بقيمتها يوم أتلفت ولو شرط نفي ضمانها]
стр. 2381
فالعارية مضمونة بقيمتها يوم تلفت لأنه هو يوم فواتها على معيرها، فالعارية مضمونة وإن لم يتعد ولم يفرط، وإن كانت مثلية فالضمان بالمثلي وإلا فبقيمته، ولو شرط نفي ضمانها فإنها تضمن، فلو قال المستعير بشرط ألا أضمن، فإنه يضمن ولا يعتبر هذا الشرط، وهذا هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي، واستدلوا بما رواه الخمسة بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) [حم ١٩٥٨٢، ت ١٢٦٦، د ٣٥٦١، جه ٢٤٠٠، ن الكبرى ٣ / ٤١١] قالوا: فهذا يدل على أن اليد يجب عليها ما أخذت حتى تؤديه إلى مالكه، واستدلوا بما رواه أحمد وأبو داود من حديث صفوان ابن أمية: (أن النبي ﷺ استعار منه دروعا يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة) [حم ٢٧٠٨٩، د ٣٥٦٢] والحديث فيه شريط بن عبد الله، وله شاهد من حديث جابر في مستدرك الحاكم [كم ٣ / ٤٨، ٤٩] فالحديث حسن، فإذا تلفت العارية بغير تعد ولا تفريط فإنه يضمن كأن تأتيها آفة من السماء ونحو ذلك، وهنا احتراز لا بد منه: وهو أن المراد بالتلف غير التلف الذي تقتضيه استعارتها، مثاله: عندما يستعير ثوبا ليلبسه فإنه لا بد أن يحصل لهذا الثوب شيء من التلف فإن الثوب يبلى، وهكذا سائر الأشياء المستعارة، فهذا التلف الذي يقتضيه الاستعمال لا ضمان فيه وإن أتى على الشيء المعار كله، وذلك لأن الإذن باستعمال هذه العارية متضمن للإذن بإتلافها عادة، والقول الثاني وهو مذهب الأحناف، وهو أن العارية غير مضمونة، واستدلوا بما رواه أحمد وأبو داود والنسائي في الكبرى والحديث صحيح لطرقه، وصححه ابن حبان وغيره: (أن النبي ﷺ قال ليعلى بن أمية: إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا، فقال: يا رسول الله أعارية مؤداة أم عارية مضمونة؟ فقال: بل عارية مؤداة) [حم ٢٧٠٨٩، د ٣٥٦٦، حب ١١ / ٢٢، ن الكبرى
стр. 2382
٣ / ٤٠٩] وكذلك الحديث المتقدم: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) ، ولما ثبت في سنن الترمذي والحديث إسناده حسن أن النبي ﷺ قال: (والعارية مؤداة والزعيم غارم والدين مقضي) [ت ١٢٦٥، د ٣٥٦٥، جه ٢٣٩٨] قالوا: والأداء لا يستلزم الضمان بدليل أن الوديعة بالاتفاق لا ضمان فيها، وقد قال تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ فأمر الله بأدائها ولم يستلزم هذا ضمانها، فالمقصود أنها تؤدى ما دامت موجودة، وأما إذا حصل لها تلف بغير تعد ولا تفريط فهذا باب آخر، وقال المالكية إن تلفت بسبب ظاهر كالحريق فلا ضمان، وإن تلفت بسبب غير ظاهر فالضمان ثابت، وأصح الأقوال في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار صاحب الفائق من الحنابلة وغير واحد من الحنابلة وهو اختيار ابن القيم والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو أن العارية غير مضمونة إلا أن يشترط ذلك المعير وبه تجتمع الأدلة، فقول النبي ﷺ ليعلى بن أمية وقد سأله في العارية: أعارية مؤداة أم عارية مضمونة فقال: بل عارية مؤداة، فهذا يدل على أن العارية ليست بمضمونة، ولما قال له: صفوان بن أمية أغصب يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة، فدل على أنها مع الشرط يثبت الضمان فيها، ولأن المسلمين على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما، واشتراط الضمان لا يحل ما حرم الله ولا يحرم ما أحله، فقول شيخ الإسلام هو قول الأحناف لكنه يرى جواز الشرط، وأما الأحناف فالمشهور عندهم أن الشرط باطل وفي رواية عندهم يرون جواز الشرط، ولا خلاف بين أهل العلم أنه إذا فرط في حفظ هذه العارية أو تعدى عليها بفعله فإنه يضمن، لأن الضمان بالتعدي أو التفريط ثابت في الوديعة فمن باب أولى في العارية.
стр. 2383
وقول المؤلف (ولو شرط نفي ضمانها) هذا ضعيف، وهو إشارة إلى الخلاف المتقدم، فعن الإمام أحمد وهو اختيار طائفة من أصحابه أن الشرط صحيح وهذا هو القول الراجح.
قوله [وعليه مؤنة ردها]
أي على المستأجر مؤنة رد العارية، فالعارية عندما تستعار، ويحين ردها فإنها قد تحتاج إلى نفقة لإرجاعها إلى مالكها، فهنا تجب على المستعير هذه النفقة، لقوله ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) ، ولأن أداء العارية واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
** وهل عليه نفقة المعار أثناء الاستعارة؟
المشهور في المذهب أنه لا يجب، فإذا كانت دابة ونحوها فلا يجب عليه أن ينفق عليها، وإذا أعلفها مثلا فإنه يرجع بعلفها على معيرها، وقال شيخ الإسلام:" قياس المذهب فيما يظهر لي أنها تجب على المستعير " وذكر شيخ الإسلام أنه لم يجد قولا في المذهب، ولذا خرجها كما تقدم، وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي:" وهو العرف الجاري، ويستقبح الناس أن يحسن إلى أحد بإعارة دابة يستعملها ويركبها فيعلفها ثم يرجع بعلفها على صاحبها " أ. هـ وهو كما قال، فالراجح أن نفقة العين المستعارة واجبة على المستعير لأن العرف يقضي بذلك.
قوله [لا المؤجرة]
فالعين المؤجرة مؤنة ردها تجب على المؤجر لا على المستأجر، فإذا استأجر دابة فحان ردها فنفقة الرد على المؤجر، وأما المستأجر فلا يجب عليه نفقة ردها، بل يردع يده عنها، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو تعليل ظاهر ما لم يحكم عرف بخلافه أو يثبت ضرر بفعله، فإن ثبت ضرر كأن يخلي الدابة في موضع يخشى عليها التلف فيه فإن هذا ممنوع، أو قضى عرف بأنه يجب عليه أن يرد، كأن يقضي العرف بأن من استأجر سيارة ونحوها فإنه يردها إلى مؤجرها، فالرد على المؤجر.
قوله [ولا يعيرها]
стр. 2384
فإذا استعرت دابة فليس له أن تعيرها غيرك، وذلك لأن المعير قد أباح لك الانتفاع بها، وانتفاع غيرك بها غير مأذون به من المالك، وهذا هو المشهور من المذهب وهو أحد القولين في مذهب الشافعي، وذهب الأحناف وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وهو قول في المذهب أن له أن يعرها، وذلك لأنه إن أعارها فقد تصرف بهذه العين بقدر ما أذن له به، فقد أذن أن ينتفع بها انتفاعا لا عوض فيه، فإذا أعارها بلا عوض فقد تصرف بها كما أذن له، والراجح هو القول الأول، وذلك لأن المعير - مالك العين - لم يأذن له إلا أن يتصرف بها، فليس له أن يعدي التصرف إلى غيره، وليس مالكا للمنفعة بل هو مأذون له بالانتفاع، بدليل اتفاق العلماء على منعه من تأجيرها، فإذا استعار دابة فليس له أن يؤجرها، ولو كان مالكا لنفعها لجازت له الإجارة، فدل هذا على انه ليس مأذونا له إلا أن يتصرف بها هو، دون غيره.
قوله [فإن تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها]
مثاله: أعار زيد عمروا دابة، فأعارها عمرو بغير إذنه بكرا، فتلفت عند بكر، فالضمان على المستعير الثاني وهو بكر، وذلك لأنها تلفت في يده، فقد أخذها عارية، والعارية مضمونة، وهذا البحث على أن العارية مضمونة، وعلى القول الراجح وهو أن العارية غير مضمونة فيثبت الضمان هنا أيضا لثبوت التعدي.
قوله [وعلى معيرها أجرتها]
стр. 2385
فمع الضمان فيه أجرة، فهذا المعير الثاني وهو عمرو قد تصرف فيها بغير إذن، فوجبت الأجرة، لأنه انتفاع بملك الغير بلا إذن فوجبت منه أجرة المثل سواء تلفا العين أم لم تتلف، والأجرة واجبة على معيرها وهو المستعير الأول، أي عمرو، قالوا: لأنه قد غرر بالمستعير الثاني أن يستوفي منفعة عين غيره بغير حق، فقد غرر بالمستعير الثاني وظن أنها ملك له، أو أنه مأذون له بأن يعيرها غيره، فغرر به فتصرف بها بغير حق، فتكون الأجرة على هذا المغرر، وعليه فإذا كان المستعير الثاني عالما بالحال أي عالما بأن هذه عارية وليست مالكا وأنه قد أعاره ملك غيره فحينئذ يكون قد دخل على بصيرة وعليه فالأجرة عليه كما يقرره فقهاء الحنابلة، إذن الأجرة على المستعير الأول حيث لم يكن المستعير الثاني عالما بأنها ملك غيره بل هو ظن أنها ملك له أو مأذون له بالإعارة،أما إذا علم أن هذا المستعير الأول قد أعاره إياها ولا إذنه أو ظنه غاضبا أو غير ذلك ومع ذلك تصرف في ملك غيره فإن الأجرة تجب عليه أي على المستعير الثاني لأنه هو المنتفع بهذه العين فوجب عليه عوضها.
قوله [وضمن أيهما شاء]
فإذا تلفت العين فإنه يضمن أيهما شاء، فإن شاء ضمن عمروا وهو المستعير الأول وإن شاء ضمن بكرا وهو المستعير الثاني.
أما تضمينه للمستعير الأول فلأن المستعير الأول تصرف في العارية بغير إذن، بأن سلط عليها غيره بغير حق، وأما تضمينه للمستعير الثني فلأن التلف حصل في يده، فإن ضمن المستعير الأول وهو عمرو، فإنه يرجع على المستعير الثاني بالضمان، لأن الضمان واجب عليه في الأصل، كما تقدم في مسألة نظيرة لهذه في باب الضمان.
قوله [ون أركب منقطعا للثواب لم يضمن]
следующие страницы →