← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

هنا (لو) إشارة إلى وجود خلاف، فقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والإمام الشافعي في أحد قوليه: إلى أن الملموس بدنه إذا ترتب على هذا المس شهوة فإنه ينتقض وضوؤه، وهو الراجح كما تقدم تعليله، فلا فرق بين لامس وملموس فقد ثبت المس وثبتت الشهوة والقياس يقتضي ذلك. ولا فرق بين مس امرأة أجنبية أو ذات محرم، فإذا مس ذات المحرم بشهوة وقلنا بأن المس بشهوة ينقض الوضوء فلا فرق بين أن تكون أجنبية أو غير أجنبية، ولا فرق بين صغيرة وكبيرة ولا فرق بين حية وميتة؛ لأن الأمر معلق بالشهوة، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. لكن – كما تقدم – كل هذه التفريعات على القول بأن مس المرأة ناقض للوضوء إذا كان بشهوة. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثلاثون (يوم الثلاثاء: ٢٢ / ١١ / ١٤١٤ هـ) قال المؤلف ﵀: (وينقض غسل ميت) هذا من مفردات المذهب وقال بهذا القول إسحاق بن راهويه: وأن من غسل ميتاً أي باشر غسله سواء كان ذلك من حائل أو لم يكن من حائل ولكنه هو الذي يقلبه بالتغسيل فإنه ينتقض وضوؤه، بخلاف من يصب الماء فإنه لا يتوفر فيه ذلك فلا ينتقض وضوؤه. إذن المراد من باشر الغسل ولو كان ذلك عن قميص فإن الوضوء ينتقض بذلك. واستدلوا: بما رواه البيهقي عن ابن عباس أنه سُئل هل على من غسل ميتاً غسل فقال: (أنجستم ميتكم يكفي فيه الوضوء) (١) ، ونحوه عن ابن عمر في البيهقي. قالوا: ولا يعلم لهما مخالف فيكون قولهم حجة. - وذهب الجمهور: إلى أن غسل الميت ليس بناقض للوضوء، واختار هذا الموفق وشيخ الإسلام.

стр. 247

واستدلوا: بما رواه الحاكم في مستدركه بإسناد حسن وقد حسنه الحافظ ابن حجر أن النبي ﷺ قال: (ليس عليكم في غَسْل ميتكم غُسْل [إذا غسلتموه] ، فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) (١) . قالوا: والأصل ثبوت الطهارة وبقاؤها، وما ورد عن ابن عباس وابن عمر لا يتعين أن يكون ذلك للوجوب حتى نبقى على هذا الأصل، ويقوي هذا الأصل الحديث المتقدم وفيه: (فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) (٢) . وهذا القول هو الراجح. ومع ذلك فإنه يستحب أن يتوضأ لما تقدم من الآثار قال شيخ الإسلام: " وأما الاستحباب فمتوجه ظاهر ". ومثل ذلك الغسل من غسل الميت، فكذلك لا يجب وإنما يستحب، وقد روى الخمسة من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من غَسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ) (٣) والحديث صحيح، وقد أعله بعض الحفاظ بالوقف لكن الحديث له طرق كثيرة حتى ذكر ابن القيم أن له أحد عشر طريقاً عن النبي ﷺ وقال: " وهذه الطرق تدل على أنه محفوظ ". قال الخطابي: " ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بوجوب الغُسل من غَسل الميت ولا بالوضوء من حمله ويشبه أن يكون ذلك للاستحباب ".

стр. 248

وما قاله هو الذي تدل عليه آثار الصحابة: فقد روى الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: " كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل " (١) . وروى مالك في موطئه بإسناد صحيح: " أن أسماء بنت عميس لما غسلت أبا بكر سألت الصحابة وفيهم المهاجرون والأنصار هل عليَّ من غسل؟ فقالوا: لا " (٢) . وقد تقدم الحديث الذي فيه: (ليس عليكم في غسل ميتكم غسل [إذا غسلتموه] فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) . إذن: لا يجب بغسل الميت الغسل ولا الوضوء، وإنما يستحب، فيستحب لمن غسل الميت أو أعان في غسله بالمباشرة أن يغتسل أو يتوضأ ولا يجب عليه ذلك، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم. قوله: (وأكل اللحم خاصة من الجزور) الجزور هو: الأنثى أو الذكر من الإبل جمعه جُزُر، وهذا القول هو المشهور في المذهب وأن أكل لحم الجزور ينقض الوضوء، وهو مذهب أهل الحديث، وهو مذهب عامة الصحابة كما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر بن سمرة قال: (كنا نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم) (٣) ولا يصح نسبة خلاف ذلك إلى الخلفاء الراشدين - كما ذكر ذلك النووي وغيره -، وإنما روي عنهم عدم الوضوء مما مست النار، وهذا عام في الإبل وغيرها، فالآثار إن صحت عنهم – فهي أنهم كانوا لا يتوضئون مما مست النار - وهذا مذهب عامة الصحابة كما تقدم، وهو مذهب أحمد وإسحاق، وذهب إليه بعض الشافعية كالنووي والبيهقي والإمام ابن خزيمة، ومن المالكية ابن العربي ويحيى بن يحيى، بل قال الشافعي: " إن صح الحديث قلت به ".

стр. 249

واستدلوا: بحديثين صحيحين – صححهما أحمد وإسحاق وغيرهما -: الحديث الأول: ما رواه مسلم في صحيحه: (أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم، قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل، قال: أصلي في مرابض الغنم قال: نعم قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا) (١) الحديث الثاني: ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي – والحديث تقدم تصحيح أحمد وإسحاق وغيرهما له –عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ : (سُئل عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: (توضؤوا منها) وسُئل عن الوضوء من لحوم الغنم، فقال: (لا تتوضئوا منها) (٢) . فهذان الحديثان يدلان على وجوب الوضوء من لحوم الإبل. فإن قيل: أولا يحمل الأمر على الاستحباب؟ فالجواب: أن الأصل في الأمر الوجوب، لكن قد يكون هذا أنه أتى جواباً لسؤال، ولكن مع ذلك هناك قرينة في الحديث تدل على أن الأمر للوجوب، وهي: أن النبي ﷺ ﷺ (سئل عن الوضوء من لحوم الغنم فقال: (إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ) ، والوضوء من لحوم الغنم مستحب.

стр. 250

فقد ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (توضؤا مما مست النار) (١) وهذا الحديث ظاهره وجوب الوضوء من لحوم الغنم ونحوه مما مست النار.

стр. 251

لكن ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ : (أكل من كتف شاة ولم يتوضأ) (١) وهذا يدل على أن الوضوء مما مست النار من لحوم الغنم ونحوها ليس بواجب، لذا قال جابر كما في سنن أبي داود والنسائي: (كان آخر الأمرين من النبي ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) (٢) أي عدم الإلزام به والإيجاب، بحيث أنه كان يتوضأ ويأمر أصحابه بذلك ثم لم يتوضأ أي بالفعل وإلا فقد بقي استحباب ذلك كما هو اختيار شيخ الإسلام.

стр. 252

إذن: الوضوء من لحوم الغنم مستحب، والنبي ﷺ قال: (إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ) أي هذا ليس بواجب عليك، وأما لحوم الإبل فقال: (نعم فتوضأ من لحوم الإبل) ولم يكتف النبي ﷺ بأن قال: (نعم) كما قال ذلك في قوله: (أصلي في مرابض الغنم) ، أما هنا فقال: (نعم فتوضأ من لحوم الإبل) فأجابه ثم أن أنشأ أمراً بالوضوء من لحوم الإبل. وقد تقدم قول الشافعي وأنه إن صح الحديث فهو مذهبه ولم يكن منه – ﵀ – التوقف في دلالته، وكذلك غيره من الأئمة. وإنما من قال بخلافه من الأئمة، فإنما قال بالنسخ وأما التوقف في دلالته فليس هناك أي أحد من الأئمة. - وذهب جمهور أهل العلم: إلى أنه لا يجب الوضوء من لحوم الإبل. واستدلوا: بحديث جابر قال: (كان آخر الأمرين من النبي ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) . قالوا: ولحوم الإبل مما مست النار، فآخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار وهي منها ولكن هذا ضعيف، لأن هذا عام، فآخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، مطلق في لحوم الغنم والبقر وغيرها. وأما الحديث الذي نستدل به فهو حديث خاص فحينئذ: يخصص به هذا العموم المتقدم. ثم إن جابراً إنما يحكي فعل النبي ﷺ المتقدم من أكله من لحم ولم يتوضأ، وهو لحم شاة كما تقدم. والراجح: هو القول الأول وأن لحم الجزور ناقض للوضوء، وهذا هو أصل المسألة. وقوله: (وأكل اللحم خاصة) هذا هو المشهور في المذهب وأن اللحم خاصة وهو الأحمر أو الأبيض هو الناقض للوضوء، أما ما يكون على الرأس والطحال والكبد وغيرها فهذا ليس من اللحم فلا ينقض الوضوء.

стр. 253

فاللحم وهو الأحمر من الإبل والبقر والغنم ونحوها، والأبيض من الطير ونحوه، وهو ما يسمى بالهبر (١) ، فدخول اللحم في النقض هذا لا شك فهو داخل قطعاً. أما غير اللحم كالكبد والطحال والكرش والمصران والمرق ونحوه ففيه قولان: القول الأول: أنه ليس بناقض، لأن النص ورد في اللحم خاصة وأما غيره فلا يدخل فيه. القول الثاني: أنه ليس خاصاً باللحم، بل عام فيه وفي غيره مما يؤكل من الإبل، فيدخل في ذلك المرق والدهن وغيره. واستدلوا: بأن الشارع لما حرم لحم الخنزير دخل في ذلك كل أجزائه من شحم ونحوه، كما ورد في الأحاديث الصحيحة وكما قام على ذلك الإجماع، وإنما نص النبي ﷺ على اللحم؛ لأن هذا أكثره وأغلبه فعلى ذلك: يكون جملة ناقض ثم إنه يتغذى بدم واحد، وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي. إذن: كله ناقض للوضوء، فكل ما يطعم من الإبل فهو ناقض للوضوء. * أما ألبان الإبل: فيها قولان في المذهب: القول الأول: وهو المشهور في المذهب إنها لا تنقض الوضوء.

стр. 254

القول الثاني: إنها تنقض، واستدلوا بما رواه ابن ماجة أن النبي ﷺ قال: (لا توضؤا من ألبان الغنم وتوضؤا من ألبان الإبل) (١) لكن الحديث إسناده ضعيف لا يثبت عن النبي ﷺ . وأما أهل القول الأول: فقالوا: إنما نص النبي ﷺ على اللحم وأما اللبن فليس في معناه، ونحن نقول في معناه الكبد ونحوه ولكن اللبن ليس بمعناه. كما أن النبي ﷺ لما أمر العرنيين أن يشربوا من ألبان الإبل لم يأمرهم أن يتوضؤوا، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وهذا القول هو الراجح، وأن من شرب لبن الإبل فإنه لا يجب عليه الوضوء. وهل يقاس على الإبل غيرها أم لا؟ هذا ينبني على العلة، فما هي العلة التي جعلت الوضوء ينتقض بأكل لحم الإبل؟ المشهور في المذهب: أنها تعبدية، بمعنى: لا يدرى معناها.

стр. 255

وذهب بعض أهل العلم إلى أن العلة: أن أكل لحم الإبل يورث قوة شيطانية فيطفأ بالماء، وقد قال النبي ﷺ – كما في مسند أحمد وسنن أبي داود – والحديث لا بأس به: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من نار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) (١) فقد شرع النبي ﷺ الوضوء من الغضب، وهنا لحم الإبل يورث قوة شيطانية لأنها خلقت من شياطين، فقد ثبت في المسند وأبي داود والترمذي والحديث صحيح أن النبي ﷺ قال: (لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين) (٢) أي خلقت منها، وهو ثابت مصرح به كما في سنن ابن ماجة بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (إنها خلقت من شياطين) (٣)

стр. 256

فعلى ذلك أمر الشارع بالوضوء من لحمها لما يورث من قوة شيطانية فعلى ذلك يقاس عليها ما كان فيه هذا الوصف كالسباع ونحوها، كما قال شيخ الإسلام، فما كان فيه هذه القوة الشيطانية كما يكون في السباع ونحوها فإنه يقاس عليه في هذا الحكم، فمن أكله مضطراً فإنه يجب عليه الوضوء. قوله: (وكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت) هذه قاعدة، فكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً. [فـ]ـالحيض والنفاس وخروج المني والكافر أو المرتد إذا أسلم، فهذه توجب الغسل، وهي كذلك توجب الوضوء، لأنها لما أوجبت الطهارة الكبرى فيلزم من ذلك أن توجب الطهارة الصغرى، فعلى ذلك: إذا أرادت المرأة أن تغسل عن الحيض مثلاً، فلا يكفي لها لكي تصلي بهذا الغسل، لا يكفي أن تنوي رفع الحدث الأكبر المتمثل بالحيض، بل يجب عليها أن تنوي رفع الحدث الأصغر – إذا أرادت أن تصلي بعد الغسل –. ومثلاً: رجل دخل في الإسلام، فاغتسل ولم ينو رفع الحدث الأصغر، فإن هذا الغسل لا يجزئه فلا يستطيع أن يصلي به؛ لأنه لم ينو رفع الحدث الأصغر، لكنه يسقط عنه وجوب الغسل عند الدخول في الإسلام. ولو أن جنباً اغتسل بنية رفع الحدث الأكبر ولم ينو رفع الحدث الأصغر فإنه لا يحل له أن يصلي بهذا الغسل. فالقاعدة عندهم: أن كل ما أوجب غسلاً فإنه يوجب وضوءاً ومن ذلك الردة – فهي عندهم من نواقض الوضوء – واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (١) - وجمهور أهل العلم: على أن من ارتد عن الإسلام ثم عاد إليه فإنه لا ينتقض وضوؤه بذلك، لأن الوضوء عمل، والعمل لا يحبط إلا بالموت على الكفر كما قال تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ (٢) فالأعمال الصالحة لا تحبط إلا بالموت على الكفر فالمرتد يبقى عمله فإذا مات على الكفر حبطت وبطلت.

стр. 257

فإذا حج ثم ارتد، ثم عاد فإن حجه يجزئ عنه. وهذا القيد تقيد به الآية المتقدمة: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ ، وهذا القول هو الراجح فالردة لا تبطل الوضوء فلو أن رجلاً تلفظ بلفظ يكفر به ثم استتيب فتاب وهو متوضئ قبل ذلك فوضوؤه لا ينتقض بذلك. فالقاعدة: عند الحنابلة أن كل ما يوجب غسلاً فإنه يوجب وضوءاً إلا الموت، فإنه يوجب الغسل أما الوضوء فلا يجب أن يتوضأ بل يكفي تغسيله. ولعل ذلك: إما لكون النية منتفية في حق الميت فلا يمكن أن ينوي – ولم أر لهم تعليلاً –. ولعل ذلك – وهذا أظهر – لكون الغسل للميت ليس عن رفع حدث، فليس عليه حدث، بل وجب عليه الوضوء بسبب الموت، وإنما هو غسل واجب ليس عن حدث، لعل هذه العلة لاستثناء ذلك. إذن: الموت لا يشترطون فيه ذلك. فإن قلنا: إن نية الغاسل تكفي، فإنه لا يشترط أن ينوي توضيئه؛ لأن ذلك ليس عن حدث. والراجح في هذه المسألة كلها أن الوضوء لا يجب، فإن من وجب عليه الغسل فلا يجب عليه الوضوء. ذلك: لأن الشارع قال : ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (١) أي الطهارة الكبرى، ولم يأمرنا بالوضوء ولم يثبت دليل صحيح يوجب ذلك. فعلى ذلك: الصحيح أن من اغتسل من الجنابة مثلاً فإن ذلك يجزئ عنه في رفع الحدث الأصغر وإن لم ينوه؛ لأن الحدث الأصغر داخل في الحدث الأكبر فإذا ارتفع الحدث الأكبر فقد ارتفع الحدث الأصغر – هذا من حيث المعنى –. وأما من حيث الدليل: فإن الشارع لم يوجب الوضوء على من وجب عليه الغسل، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل صحيح. إذن القاعدة المتقدمة فيها نظر، والأظهر أن الغسل هو الواجب فقط، فمن نوى رفع الحدث الأكبر فذلك يجزئ عنه. والحمد لله رب العالمين الدرس الحادي والثلاثون (يوم الأربعاء: ٢٣ / ١١ / ١٤١٤ هـ)

стр. 258

قال المؤلف ﵀: (ومن تيقن للطهارة وشك في الحدث أو بالعكس بنى على اليقين، فإن تيقنهما وجهل السابق فهو بضد حاله قبلهما) فإذا تيقن أنه على وضوء ثم شك هل انتقض وضوؤه أم لا؟ إذن الوضوء متيقن منه، والحدث مشكوك فيه أو العكس بأن يتيقن الحدث ثم شك هل توضأ أم لا لم يتوضأ؟ فهنا الحدث متيقن، والوضوء مشكوك فيه، ومثل ذلك في الغسل. وقد قال النبي ﷺ : (فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (١) وهذا دليل على القاعدة المشهورة عند أهل العلم وهي: (أن اليقين لا يزول بالشك) . إذن: يجب عليه أن يبني على اليقين فإذا كان المتيقن أنه متوضئ، والمشكوك فيه أنه محدث فهو متوضئ، وإن كان العكس فهو محدث. وقوله: (فإن تيقنهما وجهل السابق فهو بضد حاله قبلهما) : أي تيقن أنه توضأ وتيقن أنه أحدث، ولكن جهل السابق منهما، لأنه إذا علم السابق من المتأخر فلا إشكال، فإذا علم أن الحدث هو المتأخر فهو محدث وإن علم أن الوضوء هو المتأخر فهو متوضئ. ولكنه قد جهل السابق أو الآخر، فلا يدري أيهما السابق، وهنا قد علم حاله قبلهما. مثال: رجل صلى الفجر ثم جلس يذكر الله وهو على طهارة ثم بعد طلوع الشمس تيقن حدثاً وتيقن وضوءاً فما الحكم؟ قالوا: بضد حاله قبلهما بمعنى: ننظر على أي حال كنت سابقاً، هؤلاء – أي اليقين واليقين – قد تعارضا فتساقطا، فما هي حالك قبل ذلك؟

стр. 259

فإن كان متوضئـ[ـاً] فهو بضد ذلك، فيكون في حكم المحدث، ويجب عليك الوضوء؛ لأنه هذه الحالة قد تيقن زوالها، لأنه قد طرأ عليها حدث. أو العكس: بأن كان قبلهما محدثـ[ـاً] فيكون متطهراً؛ لأن هذه الحالة السابقة قد تيقن زوالها. إذن: المشهور في المذهب أنه إذا تيقن الطهارة وتيقن الحدث وجهل السابق وله حال سابقة من وضوء أو حدث فيكون حكمه بضد ذلك، أما هذه فقد تعارضت فتساقطت فحكمنا بما يكون بضد حاله قبلها. وذهب بعض الحنابلة إلى: أنه يجب عليه الوضوء، وهذا هو الراجح، لأن اليقينَيْن قد تعارضا فتساقطا والصلاة لابد لها من وضوء متيقن أو وضوء مستصحب - المراد به ما تقدم –. فعندما يقول: اليقين أني متوضئ فهذا هو الاستصحاب بمعنى: طرأ عليك شيء من الشك والاحتمال لكنه احتمال قد عارض الأصل فلا يؤثر فيه. وهنا ليس عندنا لا تيقن ولا استصحاب حال أي ليست حاله السابقة على وضوء فنستصحبها ونقول: هذا شك، فيكون عندنا استصحاب الحال، وليس عندنا تيقن أنه متوضئ. وهذا القول هو الراجح، وأنه يجب عليه أن يتطهر، فإذا تيقن الحدث والوضوء فلا نقول هو بضد حاله قبلهما بل يجب عليه الوضوء؛ لأنه في هذه الحالة لم يثبت – في الحقيقة – وضوؤه لا يقيناً ولا ظناً وقد قال ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (١) والطهارة المتقدمة لو قلنا: أنه كان طاهراً سابقاً فقد أتاها الحدث، وإذا كان محدثاً سابقاً فإن الطهارة الأخرى لم يتيقن أنها المتأخرة. إذن: إن تيقن الاثنين فيجب عليه أن يتطهر. ومثل ذلك - وهو مذهب الحنابلة وهو واضح راجح- أنه إذا كان لا يعلم حاله قبلهما؟ بمعنى: تيقن الوضوء وتيقن الحدث لكنه لا يدري ما حاله قبلهما. فحينئذ: يحكم عليه بفرضية الوضوء؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بوضوء متيقن أو مستصحب كما تقدم.

стр. 260

قوله: (ويحرم على المحدث " أي حدثاً أصغر " مس المصحف والصلاة والطواف) : قوله: " مس المصحف ": المصحف يصح بفتح الميم وكسرها وضمها فيحرم عليه أن يمس المصحف. والمصحف يصدق على الورق التي كتبت عليها الآيات القرآنية، ويصدق على الحواشي، وهي ما يكون أعلى الصفحة وأسفلها ويمينها وشمالها، ويصدق على الغلاف الذي يتصل به، فكل ذلك مصحف فكما يقع عليه التبع، تقع عليه بقية الأحكام، ودليل ذلك ما رواه النسائي والترمذي من حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر) (١) . قالوا: هذا الحديث وإن كان مرسلاً من حيث السند لكن له شهرة عظيمة في الأمة من عصور التابعين فمن بعدهم، حتى قال الشافعي: " يثبت عندهم – أي أهل الحديث – أنه كتاب النبي ﷺ "، وقال الإمام أحمد: " لا شك أن النبي ﷺ كتبه ". والحديث قد تلقته الأمة بالقبول مما يغني عن النظر في إسناده ومع ذلك فإن هذه القطعة ثبت لها شاهدان شاهد رواه الدارقطني من حديث ابن عمر وشاهد آخر عند الطبراني في الكبير من حديث عثمان بن أبي العاص. فهذه القطعة صحيحة ثابتة، من غير النظر إلى المعاني المتقدمة من تلقي الأمة لها بالقبول، بل هي كذلك على موازين الاصطلاح المجردة عن تلقي الأمة، هو صحيح بشاهديه. فإذن: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر) قاله: النبي ﷺ .

стр. 261

وقوله: (طاهر) لفظ مشترك أي التي تحمل معان، فيحتمل أن يكون معناها (إلا طاهر) أي: (إلا مؤمن) لذا ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ : (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) (١) . ويحتمل أن يكون المعنى: أن لا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأكبر لقوله تعالى: ﴿فإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (٢) ويحتمل أن يكون المعنى: (لا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأصغر ودليل تسمية المتطهر من الحدث الأصغر طاهر قول النبي ﷺ : (فإني أدخلتهما طاهرتين) (٣) ، فمن تطهر من الحدث الأصغر فهو طاهر، ومن تطهر من الحدث الأكبر فهو طاهر، ومن تطهر من الشرك والكفر فهو طاهر. فإذن: لفظة: (طاهر) لفظ مشترك. والراجح عند الأصوليين أن اللفظ المشترك يحمل على كل ما يدل عليه من المعاني، إن لم توجد قرينة تدل على أن المراد به أحد المعاني بعينه، لا سيما في هذه اللفظة النبوية فإنها أي لفظة (طاهر) قد وقعت في سياق النفي فتفيد العموم. أي: لا يمس القرآن إلا مؤمن ولا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأكبر، بل لا يمس القرآن إلا متوضئ. وهذا المذهب هو مذهب جماهير الفقهاء، وهو مذهب سعد بن أبي وقاص كما في الموطأ بإسناد صحيح (٤) ، وحكاه شيخ الإسلام عن سلمان الفارسي وعن ابن عمر، وقال الموفق: " ولا نعلم لهم مخالفـ[ـاً] ". فإذن: هو مذهب أصحاب النبي ﷺ . وقد حكاه - أي هذا القول – ابن هبيرة في الإفصاح – إجماعاً. - وخالفت الظاهرية: فقالوا يجوز أن يمس القرآن وإن كان محدثاً.

стр. 262

واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ (كتب رسالته إلى هرقل وفيها: (بسم الله من محمد عبد الله إلى هرقل عظيم الروم – الرسالة – وفيها آية ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ...﴾ ) (١) . قالوا: وقد وقعت في أيدي كفار ووقوعها في أيديهم أعظم من وقوع المصاحف في أيدي المحدثين من المؤمنين. ولكن هذا الاستدلال ضعيف، ذلك لأن هذه الرسالة ليست بمصحف بل هي كتاب كتب فيه آيات من القرآن. لذا قال الفقهاء إذا كانت الكتب كتب تفسير أو كتب فقه أو نحو ذلك، أو فيها آيات قرآنية فإنه لا يجب على من أراد أن يمسها أن يتوضأ، بل للمسلم أن يمس كتب التفسير وهو محدث حدثاً أصغر، مع كونها متضمنة للقرآن كله؛ لأنها ليست بمصحف ولا يطلق عليها قرآن. لكن إذا كانت التفاسير كهيئة المصحف تماماً، كما يوجد في مثل تفسير الجلالين بأن يكون كهيئة المصحف إلا أن الحواشي قد علقت عليها بعض التفسيرات فهذا في حكم المصحف، لأنه كالمصحف تماماً إلا أن حواشيه لم يخل من كتابات بل كتب فيها تفسير هذه الآيات، أما الكتب العلمية ككتب الفقهاء وكتب المفسرين وغيرها وإن تضمنت القرآن كله أو تضمنت آيات كثيرة منه فإنها ليست بمصاحف. إذن الراجح مذهب الجمهور من أن مس المصحف يشترط فيه أن يتوضأ ماسه.

стр. 263

واعلم أن المس يصدق على أي موضع من مواضع اليدين فليس مختصاً بباطن اليد ولا بظاهرها ولا نحو ذلك؛ لأن المس يصدق على كل مباشرة من غير حائل فمتى باشر المصحف من غير أن يكون بينه وبينه حجاب سواء كان ذلك بيديه أو بأي موضع من مواضعه كأن أن يضعه على وجهه أو نحو ذلك، كل هذا محرم وهو من مس القرآن، لأن لفظة المس تصدق على ذلك. وهل يؤذن للصبيان أن يمسوا المصاحف بلا وضوء كما يكون هذا في الكتاتيب وغيرها؟ قولان لأهل العلم: فالمشهور في مذهب الحنابلة: أنه لا يجوز لهم مسه إلا بوضوء. وذهب المالكية وهو وجه عند الحنابلة: إلى أنه يجوز لهم ذلك. والقول الثاني هو الراجح؛ لأنهم غير مكلفين ثم إن في تكليفهم ذلك مشقة وحرج، فلما كان الأمر كذلك لم يشترط أن يتوضؤوا ولكن على وليهم أن يرشدهم إلى الوضوء عند إرادة المصحف من غير أن يجب ذلك عليهم. وقوله: (والصلاة) فالصلاة تحرم على المحدث وهذا بالإجماع، وقد قال النبي ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (١) متفق عليه. وفي مسلم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (٢) فقد أجمع أهل العلم علي أن الصلاة لا تجوز بغير وضوء ولا فإن فعل فإنه قد فعل معصية من المعاصي وارتكب خطيئة لا يكفر بها خلافاً لأبي حنيفة لعدم الدليل الدال علي تكفيره لكن إن فعل ذلك مستهزءاً بالصلاة أو مستحلاً لهذا الفعل المحرم، فهو كافر لإجماع العلماء علي شرطية ذلك. إذن: لا يكفر بذلك إلا إذا كان هذا مستهزءاً أو مستحلاً وهذا هو مذهب جماهير أهل العلم.

стр. 264

قوله: (والطواف) أي يشترط للطواف بالبيت أن يتوضأ، وهذا مذهب جمهور الفقهاء. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ : (لما قدم مكة كان أول ما بدأ أن توضأ ثم طاف بالبيت) وقد قال ﷺ : (لتأخذوا عني مناسككم) (١) قالوا: فقد فعله وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) واستدلوا: بما رواه الترمذي والنسائي وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (الطواف في البيت صلاة إلا أن الله قد أحل به النطق فمن نطق فلينطق بخير) (٢) وفي رواية: (فأقلوا فيه الكلام) (٣) والحديث صحيح مرفوعاً، وموقوفاً " على ابن عباس ".

стр. 265

قالوا: وقد قال النبي ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة) ومن شروط الصلاة الطهارة، وقد قال ﷺ : (مفتاح الصلاة الطهور) (١) . - وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو مذهب طائفة من السلف: أن الوضوء ليس بشرط للطواف. قالوا: لأن الله لم يوجب ذلك ولا رسوله ولا إجماع في هذه المسألة. قال ابن القيم: " ولا نص ولا إجماع لاشتراط الطهارة – أي في الطواف – بل قد وقع فيه النزاع قديماً وحديثاً " وذكر شيخ الإسلام أنه قد وقع النزاع فيه بين السلف. قالوا: وهذا هو الأصل فإنا لا نوجب إلا ما أوجبه الله ورسوله أو ما أجمعت عليه الأمة. قالوا: والنبي ﷺ لم تثبت عنه في حججه ولا عمره أنه أمر الناس بالوضوء. وما ذكرتموه من الأدلة فإنها لا تدل على المطلوب وهو فرضية الوضوء، وإنما تدل على مجرد استحبابه فإن وضوء النبي ﷺ قبل طوافه هذا فعل والفعل لا يدل على الوجوب. وأما كونكم تستدلون بقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) (٢) ، فإنكم لم تستدلوا بهذا الدليل على مسائل هي أعظم من الوضوء، فإن المسائل المتصلة بالطواف نفسه كالاضطباع والرمل ونحو ذلك من مسائل الطواف، هذه مسائل متصلة بالطواف نفسه ومع ذلك لم توجبوها، بل جعلتموها من السنن والمستحبات باتفاقكم فأولى منها ما هو خارج عنه وهو الوضوء وغاية الأمر أن يدل ذلك على استحباب الوضوء.

стр. 266

فإذن: لا يستدل مطلقاً على إيجاب كل فعله (١) - النبي ﷺ بقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) . وأما الحديث: فإنه لا يصح الاستدلال به على هذا المطلوب بدليل: أن هذا الحديث قد ذكر فيه النبي ﷺ أن الله قد أحل النطق، وقال هو موضع استدلالهم: (الطواف بالبيت صلاة) ، فظاهر اللفظ غير الواقع، فإن ظاهره أن كل ما في الصلاة ثابت بالطواف، وهذا ليس بصحيح، فإن غالب مسائل الصلاة لا تثبت مسائل بالطواف كالأكل والشرب والحركة الكثيرة والالتفات الكثير ونحو ذلك مما حرم بالصلاة بالإجماع، وهو جائز في الطواف بالإجماع، فغالب مسائل الصلاة ليست ثابتة بالطواف. وأعظم من ذلك أن الطواف لو كان صلاة حقيقة لافتتح بالتكبير واختتم بالتسليم، كما قال ﷺ : (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (٢) وليس في الطواف بالاتفاق تكبير مفترض ولا تسليم مطلقاً. فإذن: يكون قول النبي ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة) ليس مراده أنه صلاة له أحكام الصلاة، وإنما المراد أنه عبادة يتقرب بها إلى الله، وهي عبادة متصلة بالبيت كاتصال الصلاة وأنه مأجور عليها بنية ما يؤجر عليه في الصلاة.

стр. 267

فيكون نظير قوله ﷺ : (فإن أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه) (١) ، فإن الرجل الذي ينتظر الصلاة قد نص الشارع أنه في صلاة مع أنه ليس في الصلاة حقيقة لكنه في عبادة هي انتظار للصلاة، ومع ذلك بالإجماع لا يشترط فيه ما يشرط في المصلي، وكذلك إذا غدا إلى المسجد أو راح فإنه في صلاة كما ثبت في أبي داود – ومع ذلك فإنه لا يجب عليه ما يجب على المصلى. إذن: يقال: حديث: (الطواف بالبيت صلاة) لم لا تستدلون به على تحريم الأكل والشرب أو غير ذلك من المسائل، فعلى ذلك: ليس المراد أنه في حكم الصلاة، وإنما المراد نظير قوله: (فإن أحدكم في صلاة) أي عليه أن يكون في سكينة ووقار وانضباط، فكما أنه إذا ذهب إلى المسجد فيجوز له ما يحرم على المصلي من الأحكام، لكنه عليه أن يكون في سكينة ووقار فكذلك هنا، عليه أن يكون كهيئة مشيته إلى الصلاة بسكينة ووقار، فيقلّ من الكلام والحركة ونحو ذلك، لكن ذلك كله جائز لا حرج فيه إلا ما دل دليل على تحريمه والنهي عنه. وهذا – كما تقدم – هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو الراجح. فالراجح أن الطواف بالبيت لا يشترط فيه الوضوء. وهل يجوز له أن يطوف وهو محدث حدثاً أكبر وهل تطوف الحائض؟ محل هذا في غير هذا الباب، فسيأتي الكلام على هذا في باب الحج، والمسألة الأولى في باب الغسل إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين. انتهى باب نواقض الوضوء الدرس الثاني والثلاثون (يوم الجمعة: ٢٥ / ١١ / ١٤١٤ هـ) باب الغسل الغُسل: لغة هو فعل الاغتسال، ويصح أيضاً بالفتح (الغَسل) والأول أشهر.

стр. 268

إلا أن الفتح أشهر في الماء الذي يغتسل به، فإنه يطلق عليه غَسلاً (١) بالفتح على الأشهر، ويطلق عليه غُسلاً بالضم، ويسمى مُغتسلاً وغسولاً، وأما الغِسل بالكسر: فهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو أشنان ونحوهما. قال المؤلف ﵀: (موجبه خروج المني دفقاً بلذة، لا بدونها من غير نائم) (موجبه) : أي موجب الغسل وستأتي صفته الواجبة وصفته المستحبة. (خروج المني دفقاً بلذة لا بدونها) : هذا موجبه الأول وهو خروج المني دفقاً لقوله تعالى: ﴿من ماء دافق﴾ (٢) بلذة لقوله ﷺ – كما في مسلم -: (إنما الماء من الماء) (٣) وفي أبي داود: (إذا فضخت فاغتسل) (٤) ، وفي المسند بإسناد حسن: (إذا حذفت فاغتسل وإن لم تكن حاذفاً فلا تغتسل) (٥) فلا يجب الغسل إلا بخروجه بلذة.

стр. 269

فإن خرج بغير لذة كأن يخرج مرضاً أو نحوه من برد وغيره فإنه لا يثبت به نقض الطهارة الكبرى. (لا بدونهما) : أي لا بدون الدفق بلذة. (من غير نائم) : ونحوه كسكران ونحوه ممن زال عقله أو مغمى عليه، فإن هؤلاء متى خرج المني منهم فإنه يثبت به النقض أي نقض الطهارة الكبرى سواء كان ذلك بلذة أم لا، لأنه قد زال عقله فلا يمكن أن يحكم هل ثبتت اللذة أم لا. يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن امرأة قالت يا رسول الله: (إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟) فقال: (نعم إذا رأت الماء) (١) فعلق النبي ﷺ الحكم بالاحتلام، وغيره مثله علق برؤية الماء، فبمجرد رؤية الماء يثبت نقض الطهارة الكبرى. إذن: الناقض الأول هو خروج المني دفقاً بلذة، لا بدونها من غير نائم. قوله: (وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له) رجل جامع ولكنه لم ينزل لكن المني قد جانب موضعه الأصلي ولم يخرج بعد، قالوا: فينقض بذلك الطهارة الكبرى. وعللوا ذلك: بأن الجنابة هي مجانبة الماء " أي المني " لموضعه، فإذا جانب الماء موضعه أي باعد فهذه جنابة، وقد قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ . وذهب عامة أهل العلم وهو اختيار بعض كبار الحنابلة كالموفق وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أن النقض لا يثبت بمثل هذا، بل لا يثبت إلا بخروجه، واستدلوا: بحديث: (إنما الماء من الماء) وحديث: (نعم إذا رأت الماء) ، والماء لم يثبت خروجه بعد. وأما من حيث الاستعمال اللغوي فإن الجنابة لا تسمى جنابة إلا إذا فارقت البدن كله وجانبته. أما وقد فارق موضعه إلى موضع آخر من البدن نفسه فليس بجنب: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ وهذا ليس بجنب حتى يفارق ويباعد الماء البدن كله.

стр. 270

فإذن الراجح وهو مذهب جماهير العلماء – خلافاً للمشهور من المذهب – أن الماء إذا فارق موضعه فإنه لا يثبت به النقض، بل لا يثبت النقض إلا بخروجه على الصفة المتقدمة. كما أن تحرك الريح في المعدة لا يعتبر ناقضاً إلا بخروجها وهذا بإجماع أهل العلم – فكذلك هنا في هذه المسألة فيصح قياسها عليها. قوله: (فإن خرج بعده لم يعده) رجل خرج منه المني دفقاً بلذة فاغتسل ثم خرجت منه قطرات بعد اغتساله – فلا يجب عليه الغسل. وعلة ذلك: لأنه لم يخرج بلذة، ولأنه قد اغتسل بعد خروجه وهذا تبع للمتقدم الذي قد ثبت الاغتسال له وإنما هما فعل واحد. إذن: إذا خرج شيء من المني بعد الاغتسال فإنه لا يجب فيه الغسل مرة أخرى؛ لأنه قد اغتسل لأصله، ولأنه كذلك لا تتوفر فيه الشروط المتوفرة في الماء الناقض للطهارة الكبرى وهي كونه دفقاً بلذة. * فإذا احتلم ولم ير ماءً أي بللاً بمعني: يذكر احتلاماً ولا يجد بللاً فلا يجب عليه إجماعاً الغسل. والعكس بالعكس: فإذا رأى بللاً وعلم أنه مني ولم يذكر احتلاماً، فإنه يجب عليه الغسل؛ لقوله ﷺ : (نعم إذا رأت الماء) (١) . إذن: إذا رأى بللاً وعلم أنه ماء الرجل فإنه يجب عليه الغسل وإن لم يذكر احتلاماً. والعكس بالعكس فلو ذكر احتلاماً ولم يجد بللاً فإنه لا يجب عليه – إجماعاً – الغسل. فإذا رأى بللاً وشك أهو مني أم مذي فما الحكم؟ فالحكم أن يقال: إذا سبق نومه دواعي خروج المذي كفكر أو نظر وغيرها – فإنه يحكم بأنه مذي. أما إذا لم تكن هذه الدواعي موجودة: - فالمشهور في المذهب: أنه يثبت له حكم المني فيجب الغسل. قالوا: لأن الغالب فيما يخرج بعد المنام أن يكون منياً، فما دام هذا هو الغالب ولم يسبقه ما يغير هذا الأصل الذي أصلناه – من عدم وجود سبب المذي من فكر ونظر – نحكم عليه بأنه مني

стр. 271

إذن: إذا رأى ماءً فلم يدري (١) أمذي هو أم مني، فيقال له: إن سبق نومك دواعي المذي من فكر ونظر فهو في حكم المذي فيجب عليه الوضوء. أما إن لم تكن هذه الدواعي موجودة فهو مني. وعن الإمام أحمد – رواية – وهو أقوى من المذهب المتقدم –: أنه يجب عليه الغسل إن ذكر احتلاماً. بمعني: رجل رأى احتلاماً، ووجد ماءً لا يدري أهو مني أم مذي، فإنه يجب عليه الغسل – على هذا القول –. فإن لم يذكر احتلاماً فلا. وهناك قول ثالث – اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم وهو رواية – عن الإمام أحمد، قالوا: لا يجب عليه الغسل مطلقاً؛ لأن الطهارة الكبرى متيقنة فلا تزول بمجرد الشك. فهنا يشك هل هو مذي أم مني ولم يتيقن فلا نتزحزح عن اليقين المتقدم إلا بيقين. وأقواها فيما يظهر لي القول الوسط (٢) ، والذي جعلنا نتزحزح عن الأصل هو وجود قرائن قوية منها: عدم دواعي المذي، ومنها أيضاً: كونها في منام، ومنها - وهو أقواها -: أنه يذكر احتلاماً. مع أن القول الثالث فيه قوة لقوله: (نعم إذا رأت الماء) فعلق الحكم برؤية الماء، وهنا لا يمكن أن يقال إنه قد رأى الماء - مع كونه قد احتلم - لكونه قد شك فيه، ولا يعد الشاك رائياً. إذن هناك ثلاثة أقوال: الأول: أنه تنتقض بذلك الطهارة الكبرى. الثاني: أنها لا تنتقض إلا إذا كان هناك احتلاماً. الثالث: أنها لا تنتقض مطلقاً. قوله: (وتغيب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً ولو من بهيمة أو ميت) (حشفة) : هي ما يكون أعلى الذكر أو أعلى الفرج. (تغيب) : أي إخفاء.

стр. 272

(حشفة أصلية) (١) : ليخرج حشفة الخنثى المشكل فإنها تستثنى؛ لأنها ليست بأصلية – وهذه فروع على نادر جداً. (في فرج أصلي) : كذلك لابد أن يكون الفرج ليس فرج خنثى مشكل؛ لأنه ليس أصلياً. (ولو من بهيمة وميت) : وكذلك (غير إنسي) كأن يكون جنياً، على القول بثبوت هذا أي إمكان جماع الإنسي للجنية أو الجني للإنسية، فإذا وقع هذا فإنه يجب الغسل. فإذن: تغييب الحشفة الأصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً (ولو من بهيمة وميت) يوجب الغسل وليس البحث هنا في تحريم ذلك بل البحث في فرضية الغسل. ودليل هذا – أي أنه إذا التقى الختانان وثبت الإيلاج فيجب الغسل، ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إذا قعد على شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) وفي رواية: (وإن لم ينزل) (٢)

стр. 273

، وقد قال ﷺ : (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل) (١) رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح. فإن قيل: فما الجواب علي ما ثبت في الصحيحين: أن النبي ﷺ (أمر من أكسل أن يغسل ما مس من امرأته ويتوضأ) (٢)

стр. 274

فالجواب: أن هذا الحديث منسوخ، فقد ثبت في أبي داود والنسائي والترمذي بإسناد صحيح عن أبي بن كعب قال: (كانت الفتيا التي يقولون (الماء من الماء) رخصةً رخص الله بها ثم أمر بالاغتسال بعد) (١)

стр. 275

وهذا مذهب جماهير أهل العلم، أما إذا مس الختان الختان من غير إيلاج فلا يجب الغسل إجماعاً، وإنما يثبت الغسل بالإيلاج. قوله: (وإسلام كافر) إذا أسلم الكافر فيجب عليه أن يغتسل سواء كان (١) قد وقع في الجنابة في حال كفره أو لم يكن، وسواء كان كافراً أصلياً ثم أسلم أو كان مرتداً، فيجب عليه الغسل؛ لما ثبت عند الخمسة إلا ابن ماجه بإسناد جيد عن قيس بن عاصم أنه أسلم: (فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر) (٢) ، وثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال لما أسلم ثمامة بن أثال: (اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل) (٣)

стр. 276

فهذان الحديثان حجة للحنابلة والمالكية خلافاً للشافعية والأحناف – في وجوب الاغتسال لمن أسلم سواء كان كافراً أصلياً أو مرتداً أو سواء ثبتت عليه الجنابة قبل إسلامه أو لم تثبت. وحجة أهل القول الثاني: أن مثل هذه المسألة يجب أن تنتشر انتشاراً واضحاً فيثبت بأحاديث متواترة أو ظاهرة مشهورة؛ لأن الذين أسلموا في عهد النبي ﷺ لا حصر لهم فهم كثرة كاثرة ومع ذلك لم يثبت إلا هذين الحديثين. لكن هذا التعليل لا يرد بمثله الأحاديث الصحيحة؛ لأنه ليس من شروط الحديث الصحيح أن يكون متواتراً أو مشهوراً بل متى ثبت وصح فإنه يجب الاحتجاج والعمل به. قال الأحناف: لا يجب عليه الغسل مطلقاً. وقال الشافعية: يجب عليه إن أجنب في حال كفره وإن اغتسل في حال كفره، وإلا فلا يجب عليه الغسل. لكن القول الأول هو الراجح وهو وجوبه مطلقاً. قوله: (وموت) كذلك الموت فيجب فيه الغسل وليس ذلك لكونه حدثاً أي لرفع الحدث، لكن هذا الحكم يتعدى، وقد قال ﷺ – فيمن وقصة راحلته فمات -: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه) (١) ، وقال ﷺ في ابنته: (اغسلنها بماء وسدر) (٢) والحديثان متفق عليهما، وفيهما وجوب غسل الميت. قوله: (وحيض ونفاس)

стр. 277

إجماعاً، فيجب الغسل فيها وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ : قال: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) (١) فالحائض يجب عليها أن تغتسل ومثلها النفاس، والنفاس حكمه حكم الحيض، فإنما هو دم يخرج من الرحم. وما هو إلا الدم المتجمع في الرحم عند توقف الحيض عن الحامل، فهو دم خارج من الرحم بل في الظاهر أنه نفس الدم الذي يخرج من المرأة في أيام عادتها، وقد منع خروجه الحمل، وقد خرج بعد ذلك من رحمها فيجب عليها الغسل. لكن يستثنى من ذلك قوله: (لا ولادة عارية من الدم) وهذا قد يكون في غاية الندرة، فلا يجب عليها أن تغتسل لعدم وجود الدم، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، ولم يكن بمعنى المنصوص عليه أو المجمع عليه. فإذا ثبت مثل هذا فلا يجب عليها الغسل. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثالث والثلاثون (يوم السبت: ٢٦ / ١١ / ١٤١٤ هـ) قال المؤلف ﵀: (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن) (من لزمه الغسل) : أي وجب عليه الغسل، فانتقضت طهارته الكبرى فيحرم عليه أن يقرأ القرآن. وقد تقدم أن الجنب ينهى عن مس المصحف لحديث: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر) (٢) ، أما هنا فهو حكم قراءة القرآن للجنب، فقال المؤلف: (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن) فيدخل في ذلك الحائض والنفساء فإنه يجب عليهن الغسل. فيحرم على من لزمه الغسل – قراءة القرآن آية فصاعداً بقصد القراءة.

стр. 278

أما لو دعا أو ذكر الله بآيات قرآنية فلا يثبت عليه هذا الحكم، فلو دعا بقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (١) أو قال دعاء الركوب وفيه: (سبحان الذي سخر لنا هذا) (٢) ، أو قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون) (٣) أو: (الحمد لله رب العالمين) أو: (بسم الله الرحمن الرحيم) فهي آيات قرآنية لكنه لم يقصد بها القرآن، فإذا لم يقصد بها القرآن فلا بأس. وما ذكره - من أنه يحرم على من لزمه الغسل قراءة القرآن - وهو مذهب الجمهور، وأنه يحرم على الحائض والجنب قراءة القرآن، واستدلوا:

стр. 279

بما رواه الخمسة عن علي بن أبي طالب قال: (كان النبي ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً) (١) .

стр. 280

وبما رواه الترمذي وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) (١) . قالوا: فهذه أدلة تدل على أنه لا يجوز له أن يقرأ القرآن. قالوا: وهو مذهب علي بن أبي طالب، فقد ثبت عنه عند الدارقطني وعبد الرزاق وابن أبي شيبة (٢) بإسناد صحيح أنه قال: (اقرؤوا القرآن ما لم يكن أحدكم جنباً، فأما إن كان أحدكم جنباً فلا ولا آية) . إذن هذا هو مذهب جماهير العلماء. وذهب بعض الفقهاء: إلى أن قراءة القرآن للجنب جائزة وأن الجنب لا يمنع من قراءة القرآن.

стр. 281

قالوا: كما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ : (كان يذكر الله على كل أحيانه) (١) قالوا: وقراءة القرآن من ذكر الله. قالوا: والأصل جواز ذلك ما لم يدل دليل صحيح على المنع منه. قالوا: ولا دليل صحيح يدل على ذلك. أما الحديثان اللذان استدللتم بهما فهما ضعيفان: أما الحديث الأول: فإن فيه: عبد الله بن سلمة وهو ضعيف، وقد قال فيه الشافعي: " كان أهل الحديث يوهنونه "، وممن ضعفه الإمام أحمد. أما الحديث الثاني: فإن فيه: إسماعيل بن عياش وقد رواه عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة، لذا اتفق الحفاظ على تضعيف هذا الحديث وممن نص على تضعيفه شيخ الإسلام ابن تيمية. فإذن: هذان الحديثان ضعيفان. قالوا: والأصل معنا، فإن الأصل هو الجواز حتى يرد الدليل الدال على تحريم ذلك، ولا دليل صحيح يدل عليه. نعم: يستحب له ذلك فإن النبي ﷺ قال - كما في أبي داود بإسناد صحيح -: (فإني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) (٢) أما أن يذكر الله أو يقرأ القرآن على غير طهر فذلك جائز، ولكن مع ذلك يستحب له أن يتطهر لذلك من غير إيجاب.

стр. 282

فيستحب له إذا أراد القراءة أن يتطهر، ولكن من غير إيجاب. وهذا المذهب هو مذهب ابن عباس، كما صح ذلك عنه في البخاري معلقاً، فقد قال البخاري: " ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأساً " (١) وقد وصله ابن المنذر. فعلى ذلك: هذا يعارض ما ثبت عن علي، والصحابة إنما تكون أقوالهم حجة إذا لما تتعارض. فإذن القول بجواز القراءة هو قول ابن عباس وهو قول البخاري وابن المنذر والطبري وهو مذهب الظاهرية، وهو الراجح، لكن يستحب له أن يغتسل لذلك، وكذلك هو – أي القول بالجواز- مذهب طائفة من التابعين كسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعكرمة وهو مذهب ذهب إليه أئمة كالبخاري وابن المنذر والطبري، وهو الراجح. وأولى منه الحائض، فإذا ثبت الحكم للجنب فأولى منه أن يثبت للحائض خلافاً للجمهور أيضاً. إلا أن الإمام مالك أجازه إذا خشيت أن تنسى المرأة حفظها للقرآن فيجوز لها – وهو اختيار شيخ الإسلام –. والقول بالتعميم هو الراجح لما تقدم، فإن الحائض أولى من الجنب لأمرين: ١ – الأمر الأول: أن الحائض ما عليها من الحدث بغير اختيارها ولا يمكنها أن تزيله إلا أن يذهبه الله عنها، وأما الجنب فليس أمره كذلك بل يمكنه أن يغتسل بمجرد أن يؤمر بذلك. وأما الحائض فليس لها ذلك بل هو أمر قد كتبه الله على بنات آدم – كما قال النبي ﷺ (٢) -. ٢- الأمر الثاني: أن الحائض قد تطول مدتها، فقد يبلغ سبعة أيام أو دون ذلك أو أكثر من ذلك فتحتاج أن تقرأ القرآن.

стр. 283

بخلاف الجنب فإن مدته تقصر، لأنه مطالب بالصلاة، وألا يصلي إلا بطهارة كبرى وصغرى، فيجب أن يتطهر، فمدته قصيرة غالباً. فإذا ثبت لنا جوازه في الجنب فأولى منه أن يثبت للحائض، وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وغيرهما. قوله: (ويعبر المسجد لحاجة) فإن لم يكن هناك حاجة فلا يجوز له أن يعبر المسجد. ولو قيل: (ولا يعبر المسجد إلا لحاجة) لتبين الحكم ووضحت العبارة، بخلاف: (ويعبر المسجد إلا لحاجة) (١) وإن كان يفهم منها أنه لا يجوز له ذلك لكن لو قال: (ولا يعبر إلا لحاجة) لكان أصرح في الحكم. هذا هو المشهور في المذهب وأنه لا يجوز للجنب العبور في المسجد إلا لحاجة. إذن: مكثه في المسجد ولبثه فيه محرم، فلا يجوز للجنب أن يلبث في المسجد، أما المرور فيجوز إن كانت هناك حاجة. واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة﴾ (٢) قالوا: أي مواضع الصلاة وهي المساجد: ﴿وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً﴾ أي لا تقربوا المساجد وأنتم جنب: ﴿إلا عابري سبيل﴾ فإذا كنتم عابري سبيل فيجوز لكم أن تعبروا المساجد.

стр. 284

وبما رواه أبو داود والترمذي أن النبي ﷺ قال: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (١) وهو مذهب الشافعية كذلك وأن اللبث في المسجد محرم إلا إذا كان على هيئة العابر المار فإنه يجوز له ذلك. لكنه يكره له ذلك إن لم يكن هناك حاجة؛ لأن اتخاذ المساجد طرقاً مكروه، فلا يجوز للمسلم سواء كان جنباً أو غير جنب أن يعبر المساجد إلا إذا كانت هناك حاجة، لأن المساجد يكره أن تتخذ طرقاً كما ورد النهي عن ذلك في الطبراني في الكبير وغيره – وسيأتي في باب المساجد – لذا قال: (إلا لحاجة) ؛ لأن مروره من غير حاجة مكروه سواء كان جنباً أو غير جنب. إذن: الحنابلة والشافعية: قالوا: لا يجوز المكث في المسجد للجنب إلا إذا كان عابراً للسبيل فإنه يجوز له ذلك. ويكره له أن يعبر لغير حاجة سواء كان جنباً أو لم يكن جنباً. ووافقهم بقية المذاهب الأربعة بأن اللبث محرم استدلالاً بحديث: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) . ولكنهم لم يوافقوهم في جواز العبور، بل ذهبت المالكية والأحناف: إلى أنه لا يجوز العبور.

стр. 285

وأجابوا عن الاستدلال بالآية، وقالوا: معنى: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ أي لا تصلوا: ﴿وأنتم سكارى .... ولا جنباً﴾ أي ولا تصلوا وأنتم جنباً فإن الصلاة لا تحل للجنب ﴿إلا عابري سبيل﴾ أي إلا مسافرين، فإذا كنتم مسافرين فيجوز لكم أن تصلوا وأنتم جنب إذا تيممتم، ثم ذكر الله بعد ذلك التيمم. وهذا التعبير أصح، ذلك لأن هذا التعبير لا يحتاج فيه إلى تقدير محذوف، قوله: ﴿لا تقربوا﴾ أي لا تصلوا فإن المعنى هو الظاهر. وأما إذا قلنا: (لا تقربوا مواضع الصلاة) فقد احتجنا إلى أن نقدر محذوفاً، والأصل ألا يكون هناك تقدير محذوف وهذا هو الراجح في تفسيرها (١)
следующие страницы →