← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ودليل ذلك: ما روى أبو داود والترمذي من حديث علي قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى من أعلاه ولقد رأيت النبي ﷺ يمسح على ظاهر خفيه) (١) ويدل عليه ما رواه أبو داود والترمذي من حديث المغيرة بن شعبة قال: (رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما) (٢) ولم يصح عن النبي ﷺ أنه مسح على أسفل الخف.

стр. 212

وأما ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من أن النبي ﷺ : (مسح أعلى الخف وأسفله) (١) فالحديث إسناده منقطع، وقد ضعفه أحمد والبخاري وأبو زرعة وغيرهم من أئمة الحديث، فالحديث لا يثبت عن النبي ﷺ . إذن: المشروع له أن يمسح ظاهر خفيه. فإن مسح أسفله دون ظاهره فلا يجزئه ذلك؛ لأن كل عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو رد، وأمره إنما هو مسح ظاهر الخف دون أسفله. فإذن: يجب أن يمسح ظاهر الخف دون أسفله ولا يشرع له أن يمسح أسفله، فإذا اكتفى بأسفله فإن المسح باطل؛ لأن ذلك خلاف أمر النبي ﷺ . وقوله: (من أصابعه إلى ساقه) :

стр. 213

لما روى البيهقي من حديث الحسن عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ : (مسح على خفيه فوضع اليمنى على خفه الأيمن واليسرى على خفه الأيسر ثم ذهب منهما إلى أعلاه مسحة واحدة) (١) لكن الحديث إسناده منقطع، فإن الحسن لم يسمع من المغيرة. قال الإمام أحمد: (كيفما فعل أجزأه باليد الواحدة أو باليدين) سواء بدأ من الأسفل إلى الأعلى، أو من الأعلى إلي الأسفل، وسواء مسح ذلك على الصورة المتقدمة في الحديث: اليمنى على الأيمن واليسرى على الأيسر أو اليمنى على الأيسر، واليسرى على اليمنى، أو مسح باليمنى كليهما أو باليسرى كليهما، فكل ذلك جائز لا حرج فيه، والحديث الذي تقدم ذكره إسناده ضعيف قوله: (وعلى جميع الجبيرة) هذا هو مذهب جمهور أهل العلم وأنه يجب المسح على الجبيرة كلها، فلا يكتفي بمسح بعضها، ولو كان ذلك الممسوح أكثرها، بل يجب أن يعمها بالمسح؛ وذلك لأنها بدل عن العضو الواجب غسله وهي يجب مسحها من باب قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٢) . فإن قيل: ألا تقاس على الخفين؟ فالجواب: لا تقاس على الخفين للفوارق بينهما وقد تقدم ذكر بعضها. منها إنها لا ترتبط بالمدة. ومنها إنها لا يشترط فيها الطهارة. ومنها أنها لا تختص بعضو من الأعضاء وإنما عامة في أي عضو – وغير ذلك من الفوارق الثابتة بينهما. وكذلك، أنها يمسح عليها من الحدث الأكبر بخلاف الخف.

стр. 214

والفرق الخامس كونها تمسح جميعها. فإذا ثبت الفارق فإنه لا يجوز القياس بل نبقى على الأصل، وهو أن البدل له حكم المبدل، والمبدل: يجب أن يعمم بالغسل ولكن الغسل غير ممكن فحينئذ ينتقل إلى المسح، ولا شك أن غسل الجبيرة يؤثر فيها إفساداً فناب المسح عنه. قوله: (ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث أو تمت مدته استأنف الطهارة) إذا طهر بعض محل الفرض فإنه يبطل وضوؤه. صورة ذلك: رجل عليه خفان وكان منه مسح عليهما فخلعهما فإن الوضوء يبطل – وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء –؛ قالوا: لأنه بخلع خفه قد أزال محل المسح ولأن النبي ﷺ – وهذا في تمام المدة – قد وضع مدة محددة فمتى انتهت هذه المدة يبطل المسح. إذن: إذا خلع أحد الخفين أو انكشف بعض القدم فإنه يبطل وضوؤه؛ ذلك لأن محل المسح قد زال فما دام قد زال فإنه يبطل الوضوء في القدم، وإذا بطل الوضوء في القدم فإنه يبطل الوضوء في سائر الأعضاء. وكذلك تمام المدة، فإذا تمت المدة التي حدد النبي ﷺ فيبطل هذا المسح وببطلان المسح تبطل طهارة القدم، وببطلان طهارة القدم تبطل الطهارة كلها. - وذهب الحسن وقتادة في المسألتين كلتيهما وهو – اختيار شيخ الإسلام ومذهب ابن حزم – ذهبوا: إلى أن الخلع وتمام المدة لا يبطلان الوضوء فإذا خلع خفيه فإن وضوءه باق وكذلك إذا تمت المدة فإن وضوءه باق. أما الخلع: فقالوا هو نظير حلق الرأس، فمن حلق رأسه فإن وضوءه يبقى. ثم إن خلع الخفين ليس من نواقض الوضوء فليس بحدث ينقض الوضوء، والأصل بقاء الطهارة وثبوتها ولا يمكن أن ينقض إلا بدليل، فما هو الدليل على النقض. وزوال الممسوح لا يدل على انتقاض الطهارة بدليل أن حلق الرأس لا ينقض الطهارة بالاتفاق.

стр. 215

وأما تمام المدة فقالوا إنما وضع النبي ﷺ المدة لبيان الوقت الذي يجوز فيه المسح وقد تقدمت الأدلة التي ظاهرها هذا القول وأن هذه المدة إنما للمسح وليس في الأدلة أنه لا يجوز له أن يصلي بوضوء ثبت في وقت المسح. فلو أنه مسح قبل ساعة من انتهاء مدة المسح فإذا تمت المدة فلا يجوز له أن يمسح، هذا هو ظاهر الأدلة، وليس في الأدلة أنه لا يجوز له أن يصلي بهذا الوضوء الذي قد انبنى على هذا المسح، والأصل بقاء الطهارة ولا دليل يدل على نقضها. إذن: الراجح: ما ذهب إليه الحسن البصري وهو اختيار شيخ الإسلام من أن خلع الخفين وانتهاء مدة المسح لا ينقض الوضوء. والحمد لله رب العالمين. انتهى باب مسح الخفين باب: نواقض الوضوء الدرس السابع والعشرون (يوم السبت: ١٩ / ١١ / ١٤١٤ هـ) نواقض: جمع ناقض وهو فاعل النقض. والنقض: هو النكث وإفساد الشيء بعد إحكامه. يقال: " نقض الشيء " أي أفسده بعد إحكامه فيكون المعنى: مفسدات الوضوء أو مبطلاته. فعندما يقع النقض، فإن ذلك الوضوء الذي ثبت تصحيحه شرعاً يبطل. والوضوء: تقدم تعريفه لغة واصطلاحاً، وهو هنا بالضم (الوُضوء) ؛ لأن المراد فعل الوضوء لا ماؤه. قال المؤلف ﵀: (ينقض ما خرج من سبيل) السبيل في اللغة: الطريق، وهو هنا: مخرج البول والغائط. (ما خرج من السبيل) : من بول أو غائط أو مذي أو ودي فكله يخرج من السبيل. المذي: هو سائل لزج (١) يخرج بسبب تحرك الشهوة – وسيأتي الحكم عليه من حيث النجاسة وعدمها -. أما الودي: فهو سائل أبيض ثخين يخرج بعد البول. والبول والغائط والمذي والودي والريح كلها مما يخرج من السبيل – وقد أجمع العلماء على نقضها للوضوء -. أما الودي فدليله الإجماع.

стр. 216

وأما المذي فدليله: ما تقدم مما ثبت في الصحيحين من قول النبي ﷺ : (يغسل ذكره ويتوضأ) (١) . وأما الريح فقد قال النبي ﷺ : (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (٢) متفق عليه. وأما البول أو الغائط فدليله ما تقدم من حديث صفوان بن عسال وفيه: (ولكن من غائط وبول) (٣) فهذه أشياء معتادة يثبت النقض بها إجماعاً. * فإن خرج منه شيء غير معتاد كالحيض والدم ونحو ذلك مم قد يخرج من السبيلين مما ليس بمعتاد، فهل ينقض الوضوء أم لا؟ قال الحنابلة - وهو مذهب جمهور أهل العلم –: ينقض الوضوء بخروجه، فلو خرج من السبيلين حيض أو نحوه مما ليس بمعتاد فإنه ينقض الوضوء به عند جمهور الفقهاء.

стр. 217

وخالف الإمام مالك فقال: بأن الوضوء لا ينتقض، لأن الشارع ذكر نواقضه كما في قوله (ولكن من غائط وبول ونوم) وغير ذلك من الأحاديث. والراجح: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وذلك لدليل من السنة وهو ما رواه أبو داود في سننه من حديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ – وكانت مستحاضة، فقال النبي ﷺ لها: (إذا كان دم الحيضة وهو دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئ فإنما هو عرق) (١) أي دم عرق قد خرج من السبيلين فوجب فيه الوضوء، وقد قال النبي ﷺ – من حديثها – كما في البخاري: (توضئي لكل صلاة) (٢) قالوا: والدم هنا ليس بمعتاد وقد أوجب الشارع فيه الوضوء. ثم أيضاً: الإجماع (٣) على الودي، والودي ليس بمعتاد ومع ذلك يجب الوضوء عند خروجه – وهما غير معتادين – فغيرهما – مما قد يخرج وليس بمعتاد – مثل ذلك.

стр. 218

ثم إن هذا الغير معتاد يحمل – إلا في أحوال نادرة جداً، يحمل – شيئاً من البلل أي من بلَّة السبيلين وخروج هذه البلة ينقض الوضوء. لذا لا يشترط أن يكون الخارج منه خرج هكذا بطبيعته بل لو أدخل شيئاً من الدهن ونحوه كأن يتطيب به فيخرج فإن ذلك ناقض للوضوء أيضاً. ولو وضعت المرأة خرقة أو نحو ذلك فخروجها ناقض للوضوء؛ لأن هذا خارج من سبيل يحمل بلته فينتقض الوضوء منه. وأطلق الحنابلة في كل خارج سواء كان فيه بلة أو لم يكن فيه بلة. وذهب بعض فقهاء الحنابلة: إلى إنه إن لم يكن الخارج فيه بلة فلا ينتقض به الوضوء. لذا قالوا في مسألة غريبة ذكرها الموفق وذكر أنها لا توجد أصلاً، ولكن هذا الذكر منه إنما هو لما بلغه من العلم وإلا فقد يبلغ غيره من العلم ما لم يبلغه –: وهو خروج الريح من القبل فإذا خرجت فعلى القول الأول ينتقض الوضوء. وعلى القول الثاني لا ينتقض. وهذه الريح لا تحمل بلة فعلى ذلك لا ينقض الوضوء على هذا القول، ولكن القول الأول أحوط، وأما الثاني ففيه – في الحقيقة – قوة، ولكن على القياس المتقدم مع الاحتياط المذكور يتقوى ما هو مشهور عند الحنابلة من وجوب الوضوء من ذلك. قوله: (وخارج من بقية البدن إن كان بولاً أو غائطاً) إذا خرج من بقية البدن، كأن يكون في معدته خرق أو فتح فيخرج منه بول أو غائط، فإذا خرج منه بول أو غائط فإنه ينتقض وضوؤه؛ لأنه بول وغائط، وفي الحديث: (ولكن من غائط وبول) وهذا بول أو غائط، فينتقض الوضوء. وظاهره سواء كان الخرق فوق المعدة أو تحتها. وذهب بعض فقهاء الحنابلة والشافعية: إلى إن ذلك إذا كان تحت المعدة. أما إذا كان من المعدة فأعلى فلا ينقض الوضوء. قالوا: ودليلنا على ذلك: القيء فإنه لا ينقض الوضوء فإذا ثبت أنه لا ينقض الوضوء فمثله غيره، فالحكم عندهم منوط بما تحت المعدة.

стр. 219

لكن القول الأول أقوى؛ لأن هذا بول وغائط وقد خرج ولو كان من غير السبيلين فيثبت به الحكم المتقدم. * وهنا لم يذكروا الريح، فلو خرجت الريح من موضع غير السبيلين فظاهره أن الوضوء لا ينتقض وقد يقال: إن في هذا شيئاً من الاضطراب فكيف الريح إذا خرجت من القبل فإنها تنقض أما إذا خرجت من غير السبيلين فإنها لا تنقض؟ لذا ذهب بعض الحنابلة: إلى إنها تنقض إذا خرجت من غير السبيلين. فإذن: إذا خرجت الريح من موضع غير السبيلين فهل تنقض أم لا؟ قالوا: لا تنقض الوضوء، وهناك – أي عند خروجها من الدبر أو القبل – تنقض فما الفارق؟ الفارق: أنها عند خروجها من السبيلين هي رائحة ثبتت في مخرج طبيعي لها أو قريب من الطبيعي، وأما إذا خرجت من قريب من المعدة فهي أشبه بالجشاء وهو متفق أو مجمع على أنه ليس بناقض للوضوء. لذا يتوجه أن الريح إذا خرجت من المعدة إنها لا تنقض الوضوء (١) . قوله: (أو كثيراً نجساً غيرهما) إذن: لا ينقض إلا البول أو الغائط أو الكثير النجس كالدم فالدم نجس، وكالقيء فإن القيء عندهم نجس، أو الصديد أو ماء الدم أو القيح ونحو ذلك، كل هذا إذا خرج منه شيء من البدن فإنه ينقض الوضوء. إذن: إذا خرج النجس من شيء من البدن سواء كان من الفم أو الأنف وهو الرعاف أو أي موضع فإنه ناقض للوضوء من دم أو قيء وهو ما يخرج من المعدة ثم يخرج من الفم، ومثله القلس وهو أقل منه، ومقداره ملء الفم فما دون مما يخرج من المعدة، وأما القيء فهو ما زاد (٢) على ذلك، فهذه كلها أشياء نجسة إذا خرجت من شيء من البدن فإن الوضوء ينتقض. وهنا احترازان ذكرهما المؤلف:

стр. 220

الأول قوله: (كثيراً) فعلى ذلك إذا كان يسيراً من دم أو قيء فإنه لا ينقض الوضوء، فالكثير هو الناقض. والمشهور في المذهب: أن الكثير لكل أحد بحسبه، فكل مكلف ينظر في الدم الذي خرج منه أهو قليل أم كثير. ولكن هذا القول – في الحقيقة – لا ينضبط؛ لأن الناس يختلفون في النظر إلى القليل والكثير. - وذهب ابن عقيل من الحنابلة: إلى أن الكثير إنما ينظر فيه إلى أوساط الناس أي غير المتبذلين ولا الموسوسين. فالموسوسون قد يرون القليل كثيراً، والمتبذلون قد يرون الكثير قليلاً، فيكون النظر إلى أوساط الناس، فما كان كثيراً بالنظر إلى أوساط الناس فهو كثير، وما كان قليلاً فهو قليل. فعلي ذلك القطرات التي تخرج، هذه لا تنقض الوضوء. ومثلاً: رجل أدخل منديلاً في أنفه فخرج فيه شيء من الدم فإنه لا ينتقض وضوؤه في المذهب. أما إذا خرج كثير رعافاً فإنه ينتقض الوضوء. ومثلاً: خرج شيء يسير من معدته فلا ينتقض الوضوء، أما إذا كان يملأ الفم أو نحو ذلك فإنه ينتقض. وهذا القول أصح؛ لأن الضابط الأول – في الحقيقة – ليس بمنضبط؛ لأن الناس يتفاوتون في هذا الباب. الثاني: قوله: (نجساً) فلو كان هذا الخارج من البدن ليس نجساً بل هو طاهر فلا ينقض الوضوء، فلو خرج منه كالبصاق أو ماء العين أو نحو ذلك – هذه أشياء تخرج من البدن طاهرة وليست بنجسة فلا تنقض الوضوء. إذن: الناقض للوضوء هو النجس الكثير الخارج من البدن سواء من السبيلين أو غيرهما ينتقض به الوضوء. أما السبيلان فلا يشترط أن يكون قليلاً أو كثير، بل القليل ينقض الوضوء لإطلاقات الأحاديث، فإن البول أو الغائط أو نحو ذلك ليس فيه هذا التفريق المذكور في الدم ونحوه.

стр. 221

١- هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة واستدلوا بأدلة منها: ما رواه ابن ماجه من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: (من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) (١) وبما رواه الترمذي بإسناد صحيح أن النبي ﷺ : (قاء فتوضأ) (٢) . ٢- وذهب الشافعية والمالكية: إلى إن هذه لا ينتقض بها الوضوء، فلا ينتقض الوضوء بالدم والقيء قليلاً كان أو كثيراً واستدلوا:

стр. 222

بما رواه أحمد وأبو داود وذكره البخاري معلقاً: أن النبي ﷺ : (كان في غزوة ذات الرقاع فأصيب رجل من أصحابه (وهو من حراسه) فنزفه الدم فمضى في صلاته) (١)

стр. 223

فهنا هذا الصحابي مع النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع وهو من حراسه – وهو كما في البيهقي عباد بن بشر وهو من عباد الصحابة وعلمائهم. ومثل هذا يبعد أن يخفى على النبي ﷺ – وهذا الأثر إسناده صحيح – فهو متضمن لإقرار النبي ﷺ إذ يبعد أن يخفى على النبي ﷺ مثل ذلك وهو من حراسه في غزوة قد خرج فيها النبي ﷺ . وبما رواه مالك في موطئه أن عمر ﵁: (صلى وجرحه يثعب دماً) (١) وقال الحسن – كما في البخاري – معلقاً ووصله سعيد بن منصور -: (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم) (٢) قالوا: إن هذه مسألة تعم بها البلوى ولم يصح عن النبي ﷺ فيها حديث. أما الحديث الأول الذي استدل به أهل القول الأول: (من أصابه قيء ... ..) إلى آخره. قالوا: فهذا الحديث من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن جريج وإسماعيل روايته عن الحجازيين ضعيفة، وابن جريج حجازي. ورواه الحفاظ غير ابن جريج مرسلاً، فعلى ذلك الحديث ضعيف. أما حديث الترمذي أن النبي ﷺ : (قاء فتوضأ) ، فالحديث صحيح لكنه فعل منه ﷺ ، ونحن نقول بمشروعية الوضوء من القيء – ولكنا لا نقول بوجوب ذلك – فإن الحديث ليس فيه ما يدل على الوجوب فهو فعل، والفعل لا يدل على الوجوب.

стр. 224

قالوا: ومعنا الأصل، فإن الأصل أن الوضوء ثابت لا نتزحزح إلى بطلانه إلا بدليل، وليس ثمت دليل صحيح صريح يدل على ذلك. واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الراجح. فالراجح: أن الدم والقيء والصديد ونحوها كل ذلك لا ينتقض الوضوء بخروجها خلافاً للمشهور في مذهب الحنابلة. إذن: الخارج من بقية البدن غير السبيلين: إن كان بولاً أو غائطاً فإنه ينقض الوضوء. - أما غير ذلك فالراجح أنه لا ينتقض الوضوء به - لعدم الدليل الدال على ذلك. والحمد لله رب العالمين الدرس الثامن والعشرون (يوم الأحد: ٢٠ / ١١ / ١٤١٤ هـ) قال المؤلف ﵀: (وزوال العقل إلا يسير نوم من قاعد أو قائم) " وزوال العقل " أي ناقض للوضوء. فزوال العقل بالجنون أو سكر أو إغماء أو نحو ذلك كله ناقض للوضوء بإجماع العلماء. ومثل السكر – الأدوية التي يتعاطاها المتداوي فتزيل عقله فإنها في الحكم وما تقدم سواء، فهي ناقضة للوضوء بالإجماع قياساً على الأدلة الدالة على نقض الوضوء بالنوم ونقض الوضوء بما تقدم أولى. قوله: " إلا يسير نوم من قاعد أو قائم " إذن: النوم ناقض للوضوء لأنه يثبت به زوال العقل فيدخل – حينئذ – فيما ذكره من قوله: (وزوال عقل) لكنه استثنى يسير النوم من قاعد وقائم. إذن: نوم المضطجع والساجد والراكع نوم ناقض للوضوء مطلقاً لا فرق بين يسيره وكثيره. وأما نوم القاعد المتمكن بخلاف المستند أو المتكئ أو المحتبئ، فنوم القاعد إن كان يسيراً فلا ينتقض به الوضوء ومثله القائم. إذن: هناك من النوم ما ينقض الوضوء، ومنه ما لا ينقض. أما نوم المضطجع وما شابهه فإنه ينتقض به الوضوء مطلقاً لا فرق بين يسيره وكثيره. وأما نوم القاعد أو القائم فإنه لا ينتقض به الوضوء إلا إن كان كثيراً أما إن كان يسيراً فلا ينتقض به الوضوء.

стр. 225

واستدلوا: على ثبوت النقض بالنوم بحديث صفوان بن عسال وفيه: (ولكن من غائط وبول ونوم) (١) فدل على أن النوم ناقض للوضوء. وأما كونهم فرقوا بين نوم القاعد والقائم وبين غيرهما، فجعلوا يسير نوم القاعد والقائم ليس بناقض، وأما يسير نوم المضطجع فإنه ناقض: استدلوا: بما رواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: (كان أصحاب النبي ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون) (٢) وفي رواية لأبي داود: (حتى تخفق رؤوسهم) (٣) أي حتى تضرب أذقانهم على صدورهم. قالوا: هذا نوم قاعدين، فهم كانوا فيما يرى الحنابلة - ومن وافقهم – أنهم كانوا قاعدين، ولا شك أن رواية أبي داود تشير إلى هذا. وأما القائم فيما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس قال: (فجعلت كلما أغفيت يأخذ النبي ﷺ بشحمة أذني يفتلها) (٤)

стр. 226

وهنا قد وقع منه الإغفاء ومع ذلك لم ينتقض وضوؤه. كما أنه يقاس على نوم القاعد، فنوم القائم كنوم القاعد. وأما غيرها فيبقونه على النقض بأصل النوم. وقد روى أبو داود أن النبي ﷺ [قال] : (إنما الوضوء على من نام مضطجعاً) (١) لكن الحديث إسناده ضعيف. إذن: هذا هو تقرير مذهب الحنابلة وهو مذهب أكثر الفقهاء وأن النوم ينقض مطلقاً يسيره وكثيره إلا نوم القاعد والقائم فلا ينتقض بيسيره وإنما ينتقض بكثيره. فإن قيل: فما هو ضابط اليسير؟ قالوا: ضابطه: العرف، فما كان يسيراً عرفاً فإنه لا ينقض الوضوء. فعندما ينام الرجل قاعداً أو قائماً ويسمع كلام الناس حوله وإن لم يفهمه فهذا في العرف يسير، بينما إذا سقط من قيامه، أو قعوده أو رأى رؤيا فهو في عرف الناس قد نام نوماً كثيراً فينتقض وضوؤه بذلك. ولا شك إن هذا الضابط حسن، لأن مرجعه إلى العرف وبعبارة أخرى لك أن تقول: النوم المستغرق وغير المستغرق. فالنوم المستغرق: هو الكثير الناقض للوضوء. وأما غير المستغرق فهو الذي يحس الإنسان به في نفسه فلا ينتقض به الوضوء. فإن قيل: فإن شك لا يدري أهو نوم يسير أم نوم كثير؟ فحينئذ: يبني على اليقين واليقين هو بقاء وضوئه فلا يزول هذا اليقين بشك.

стр. 227

وفي قوله: (إلا نوم) يخرج النعاس والسنة. والنعاس: يكون في الرأس من غير أن يكون في القلب والعقل فهذا لا ينتقض به الوضوء، وقد قال تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ (١) ففارق بينهما (٢) ، فالناقض للوضوء هو النوم، وأما النعاس وهو ما يكون في الرأس فهذا لا ينقض الوضوء. هذا هو تقرير مذهب الحنابلة. أما ما ذهبوا إليه من أن نوم القاعد والقائم اليسير لا ينقض الوضوء فهو قول قوي. وأما قولهم إن نوم المضطجع ونحوه ينقض يسيره، فهذا قول ضعيف؛ ذلك لأنا إذا قلنا: [إنْ] كان مناط الأمر ومتعلقه هو النوم الكثير أو اليسير، أو النوم المستغرق أو غير المستغرق فإنه لا فرق بين مضطجع وغيره. وفي رواية للبزار – من حديث أنس المتقدم – بإسناد صحيح: (يضعون جنوبهم) (٣) أي أصحاب النبي ﷺ ، فعلى ذلك منهم من يخفق رأسه ومنهم من وضع جنبه على الأرض، وكلهم لم يثبت بهذا النوم نقض وضوئهم بإقرار النبي ﷺ . وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الأوزاعي وربيعة واختيار شيخ الإسلام – وهذا القول هو الراجح لما تقدم – فعلى ذلك: النوم المستغرق وهو النوم الكثير ناقض للوضوء. أما غير المستغرق فإنه لا ينتقض به الوضوء.

стр. 228

ومما يدل على هذا أن النوم مظنة الحدث، لذا ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ (نام حتى نفخ ثم صلي ولم يتوضأ) فقيل له في ذلك فقال: (إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي) (١) .

стр. 229

وفي رواية أبي داود – والحديث حسن – أن النبي ﷺ قال: (العين وكاء - أي باط (١) - السه - أي الدبر - فمن نام فليتوضأ) (٢) . فهو مظنة للحدث، وإذا كان النوم يسيراً فإن هذه المظنة تكون يسيرة لأنه يشعر بنفسه ويحس بها، بخلاف ما إذا تمكن منه النوم فإن المظنة تكون قوية فيتعلق الحكم بها وينتقض الوضوء. إذن: الراجح التفريق بين النوم المستغرق وغيره وهو ما اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀. قوله: (ومس ذكر متصل أو قبل بظهر كفه أو بطنه، ولمسهما من خنثى مشكل ولمس ذكر ذكره أو أنثى قبلها لشهوة فيها) . قوله: " ذكره " المراد به عضو الرجل، والقبل: المراد به عضو المرأة. (متصل) هنا قيد فيه غرابة، كيف يكون متصلاً؟ قالوا: ليخرج الذكر المقطوع، كأن يقطع لعلاج ونحوه فإنه لا يدخل في هذا الحكم لأنه ليس بمعنى الذكر المتصل. قوله: (ومس ذكر) لم يقل (ذكره) لتعميم ذكره وذكر غيره، أو القبل من المرأة نفسها أو من غيرها فإذا لمست المرأة ذكر زوجها أو لمس الرجل قبل امرأته فإنه ينتقض الوضوء بذلك.

стр. 230

ودليل ذلك هذه المسألة: ما ثبت في الخمسة بإسناد صحيح من حديث بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: (من مس ذكره فليتوضأ) (١) وثبت في مسند أحمد – والحديث حسن – أن النبي ﷺ قال: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس دونها ستر فقد وجب عليه الوضوء) (٢)

стр. 231

وفي صحيح ابن حبان وصححه أحمد وأبو زرعة – وإسناده صحيح – أن النبي ﷺ قال: (من مس فرجه فليتوضأ) (١) وفي مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: (أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) (٢) بل قد ثبت ذلك من حديث بضعة عشر صحابياً من أصحاب النبي ﷺ أي في أن مس الذكر ناقض للوضوء وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء، أن من مس ذكره فيجب عليه الوضوء. - وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء واستدلوا: بما رواه طلق بن علي من حديث ابنه قيس عن أبيه طلق أن النبي ﷺ قيل له في الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء قال: (لا، إنما هو بضعة منك) (٣) وقد صححه ابن حبان وابن حزم. قالوا: فهذا يدل على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء. ومن أجوبة الجمهور على هذا الحديث ما يلي: أن الحديث ضعيف، فقد ضعفه الشافعي والدارقطني والبيهقي وغيرهم، بل قال النووي: " ضعيف باتفاق الحفاظ ".

стр. 232

وقيس بن طلق، قال فيه ابن معين وأبو حاتم وهما إمامان في الجرح والتعديل وقد قالا فيه: " لا يحتج بحديثه ". وقال البخاري: " سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه " أي هو مجهول. وقد وثقه ابن حبان والعجلي، وكذلك ينبغي أن يكون موثقاً عند كل من صحح هذا الحديث، لكن تقدم أن الحديث ضعيف كما قال ذلك النووي. قالوا: ولو قلنا بتحسينه فإنه لا يخالف به هذه الكثرة الكاثرة من الأحاديث الثابتة في هذا الباب فغايته – أي قيس بن طلق – أن يقبل حديثه ما لم يخالف، لذا قال الإمام أحمد في حديثه: " غيره أثبت منه ". كيف وقد روى النقض بمس الذكر – رواه عن النبي ﷺ بضعة عشر صحابياً، هذا الوجه الأول. والوجه الثاني: قالوا: كيف يكون المس في الصلاة، فإنه يستبعد أن يمس الرجل ذكره في الصلاة، فعلى ذلك المس هنا يخالف الظاهر، نعم الظاهر في لفظة المس أن تكون بلا حائل لكن هنا بحائل؛ لأنه يستبعد أن يكون ذلك في الصلاة. وقالوا: أيضاً حديث طلق بن علي مبق على الأصل بينما حديث بسرة وغيرها ناقلة عن الأصل، والأحاديث الناقلة عن الأصل مقدمة على المبقية على الأصل. قالوا: حديث طلق بن علي، وكان ممن أسلم والنبي ﷺ يؤسس مسجده، بينما بسرة قد آمنت في عام الفتح وكذلك أبو هريرة قبل أن يتوفى النبي ﷺ بأربع سنين قالوا: فهذه قرينة قوية تقوي القول بالنسخ، وإن كانت ليست نصاً على النسخ، كما أن كون حديثها ناقل عن الأصل كذلك يقوي القول بالنسخ بخلاف حديث طلق بن علي، ويقوي هذا ما رواه الطبراني لكن الحديث إسناده ضعيف فهو يتقوى لو صح لكن الحديث إسناده ضعيف خلافاً لتصحيح الطبراني له وهو من القائلين بالنسخ لحديث طلق بن علي – أن النبي ﷺ قال: (من مس ذكره فليتوضأ) فعلى ذلك يكون قد روى كما روى غيره النقض بمس الذكر.

стр. 233

وأما حديثه الأول فهو حديث يوم إسلامه ثم بعد ذلك روى أحاديث النسخ كغيره. وهذه الأوجه كلها تقوي ما ذهب إليه الجمهور من أن الراجح في هذه المسألة أن مس الذكر ناقض للوضوء. - واختار شيخ الإسلام الجمع بين الحديثين، أي بين حديث بسرة وغيرها وبين حديث طلق فحمل حديث بسرة وبقية الأحاديث على الاستحباب وحمل حديث طلق على نفي الوجوب. فعلى ذلك يكون المعنى في حديث طلق: الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء " أي أيجب عليه الوضوء "، فقال: (لا، إنما هو بضعة منك) أي لا يجب عليك الوضوء، ولم ينف الاستحباب. بخلاف حديث بسرة فلفظه: (من مس ذكره فليتوضأ) فهذا يمكن أن يحمل على الاستحباب. لكن هذا القول فيه ضعف، لما تقدم من قوة الأحاديث الواردة في مسألة نقض الوضوء بمس الذكر، بخلاف حديث طلق وما تقدم من كلام أهل العلم فيه، فلا تترك ظواهر الأحاديث المتاكثرة لهذا الحديث الذي تقدم ذكر الأوجه في تضعيفه سنداً أو تضعيفه رواية. إذن: الراجح: أن مس الذكر ينتقض به الوضوء لكن الفقهاء انطلقوا من هذا الحديث الصحيح ففرعوا فروعاً كثيرة جداً وهي هذه القيود التي ذكرها المؤلف. فهنا قوله: (ومس) لفظة مس أي بلا حائل فإن كان من حائل فإنه لا يثبت به هذا الحكم، وهذا هو الذي تفيده لفظة (مس) وقد ورد مصرحاً في حديث الإمام أحمد الذي تقدم ذكره: (إذا أفضي أحدكم بيده إلى ذكره ليس دونها حجاب فقد وجب الوضوء) (١) فعلى ذلك إذا كان دونها حجاب فلا وضوء، وهذا باتفاق العلماء. قال: (ومس ذكر) : هنا أطلق سواء كان ذكر نفسه أو غيره قالوا: إذا ثبت هذا في ذكر نفسه مع الحاجة إلى لمسه فأولى منه غيره وهذا هو مذهب الجمهور. فإذا مست المرأة ذكر زوجها انتقض وضوؤها. وفي قوله: (مس ذكر) يشمل كذلك الصغير والكبير فالمرأة تغسل طفلها، فمست ذكره فينتقض الوضوء بذلك لأنه ذكر متصل – وهذا هو مذهب الجمهور -.

стр. 234

- وذهب الأوزعي وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن مس ذكر الصغير لا ينقض الوضوء – وهذا هو الراجح –؛ لأن ذكر الصبي ليس بمعنى ذكر الكبير المنصوص عليه، فإنه ليس محلاً للشهوة بمسه فبينهما فارق، ففرق بين مس الذكر [من] البالغ ومس ذكر الطفل الصغير. - وقيَّد المالكية مس فرج الصبية بألا تشتهى فالتي لا تشتهى – لاينقض الوضوء. فكذلك ينبغي أن يقيد به الصبي، فإذا مست المرأة أو الرجل فرج صبي أو صبية مما لا يشتهون أو مما لا يكونوا (١) محلاً للشهوة، كالأم تمس فرج طفلها فإن ذلك لا ينقض الوضوء، هذا مذهب الأوزعي ورواية عن الإمام أحمد وهو القول الراجح. وفي قوله: (ذكر) ينبغي أن يقيده لتتم هذه الفروع، بقوله: (ومس ذكر آدمي) لأنهم اتفقوا على أن مس ذكر الحيوان لا ينقض الوضوء. وفي قوله: (متصل) يخرج من ذلك المنقطع وهذا لا شك فيه، فلا ينقض بمسه الوضوء. قالوا: لأن المنقطع ليس في حكم المتصل. وفي قوله: (ذكر متصل) ظاهره ولو كان من ميت، وهذا هو مذهبهم. فلو أن امرأة مست ذكر زوجها الميت لتغسيله فإنه ينقض بذلك وضوؤه (٢) – وهذا غريب – فإن ذكر الميت ليس بمعنى ذكر الحي بل هو شبيه بالمنقطع فكيف ينتقض الوضوء بمسه. إذن: الراجح وهو قول في المذهب أن الميت لا ينقض الوضوء بمس ذكره. قال: (أو قبل) أي قبل امرأة، للحديث المتقدم: (وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) (٣) . فالمرأة كذلك إذا مست فرجها أو مس أحد فرجها فإنه ينقض، وعلى الماس الوضوء. واعلم أن الوضوء إنما يجب على الماس دون الممسوس؛ لظواهر الأدلة المتقدمة، وهذا باتفاقهم. قال: (بظهر كفه أو بطنه) : الكف: من أطراف الأصابع إلى الرسغ، فإذا كان المس في شيء من اليد فإنه ينتقض به الوضوء.

стр. 235

قالوا: لقول النبي ﷺ : (إذا أفضى أحدكم بيده) قالوا: واليد إذا اطلقها الشارع فإنما يطلق الحكم بها إلى الرسغ، كما قال تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (١) وإنما تقطع أيديهم من الرسغ لا من المرفق ولا من المنكب. قالوا: وظاهر الحديث يدخل ذلك أي ظاهر الكف وباطنها. وقال الجمهور (٢) : بل إذا مس الذكر بظاهر الكف فإنه لا ينتقض بذلك الوضوء. قالوا: لأن اليد إنما خصصت لأنها آلة اللمس وإنما موضع اللمس فيها باطنها بخلاف ظاهرها فإنه ليس آلة للمس.

стр. 236

وهذا هو القول الراجح؛ لأنه في الحقيقة لا يكون من فرق بين الذراع وبين ظاهر الكف، والشارع لا يفرق بين المتماثلات، لأنهم قد اتفقوا على أن من مس ذكره بذراعه (١) أو بعضده أو بفخذه أو نحو ذلك فإنه لا ينتقض بذلك الوضوء، ولا فارق بين هذه المواضع وظاهر الكف، أما باطن الكف فنعم لأنها آلة اللمس. إذن الراجح: ما ذهب إليه الجمهور من أن باطن الكف هو المُعيَّن بالحكم دون ظاهره. وهل يدخل في ذلك الظفر؟ قولان في المذهب: والمشهور أن الظفر لا يدخل قالوا: بل هو في حكم المنفصل. ولا حاجة لنا وقد رجحنا أن الباطن هو الذي يثبت به الحكم – لا حاجة لنا للكلام في الظفر؛ لأن الظفر من ظاهر الكف وليس من باطنها. وإن كان الأرجح بالنظر إلى المذهب دخول الظفر؛ لأنها داخلة في عموم اليد، فاليد من أطراف الأصابع إلى الرسغ ويدخل في ذلك الأظفار. إذن: الراجح أن الحكم إنما يثبت للمس بباطن الكف؛ لأن النبي ﷺ قد حدد اليد بذلك، واليد في باطنها لها من المعنى ما ليس لغيرها لأنها هي آلة اللمس. وظواهر الأدلة المتقدمة أنه لا فرق عامد وغيره فسواء مس ذكره عامداً أو ساهياً – وهذا هو مذهب الجمهور – وظواهر الأدلة تدل على ذلك. - وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو مذهب طائفة من التابعين: إلى أنه إن مسه غير عامد فإن الوضوء لا ينتقض بذلك. قالوا: لأنه إذا مسه بغير عمد فإن الفعل منه يكون غير مقصود فحينئذ ليس له معنى مطلقاً. ولكن الراجح: دخول السهو وغيره في هذا الباب؛ لأنه وإن كان بغير قصد فقد يحصل القصد عند المس فيثبت حينئذ الحكم، أو يترتب المعنى بمجرد المس سواء كان بقصد أو لم يكن بقصد مع أن ظواهر الأدلة تدل على أنه لا فرق بين عامد وغيره. قال: (ولمسها من خنثى مشكل)

стр. 237

الخنثى المشكل: هو من له آلة ذكر وآلة أنثى ولم يتميز أهو ذكر أم أنثى لوجود آلتي التناسل فيه فلا يدرى أذكر هو أم أنثى ولم يتبين بعد. أما إذا تبين فإنه يزول الإشكال. وهي مسألة – حقيقة – في غاية الندرة وإذا وقعت ففي غاية الندرة أن تقع المسائل التي يفرع عليها الفقهاء. وهنا قال: (ولمسها من خنثى مشكل) : أي هو ناقض. " لمسهما " أي العضوان جميعاً. أذن: إذا مس من الخنثى المشكل أحد العضوين فلا ينتقض الوضوء بذلك؛ لأنه لا يدرى هل هذا الممسوس أصلي أم زائد ومع الشك نبقى على اليقين المتقدم وهو ثبوت الوضوء. فإذا لمسهما جميعاً فحينئذ يزول الشك ويتيقن إنه مس فرجاً أصلياً. إذن: إذا لمسهما من خنثى مشكل فإنه ينتقض وضوؤه أما إذا مس أحدهما فلا ينتقض بذلك الوضوء. قال: (ولمس ذكر ذكره أو أنثى قبلها لشهوة فيهما) " لمس الذكر " الماس ذكر. " ذكره " الآلة المذكرة من الخنثى المشكل ولم يمس الآلة المؤنثة، بل مس الذكر ذكره ثم قال: (لشهوة) . إذا مس الرجل الآلة المذكرة للخنثى المشكل فحينئذ يثبت النقض، لأنه إذا كان ذكراً فقد مس عضوه الأصلي، وإذا كان أنثى فقد مس أنثى لكن لشهوة، لأن الأنثى – عندهم – لا ينتقض الوضوء بمسها إلا إذا كان بشهوة. فإذن: هذا مفرع على القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء. قال: (أو أنثى قبله بشهوة) أتت أنثى ومست قبله بشهوة وهذا غريب أنثى تمس أنثى ويكون ذلك للقبل ويكون بشهوة وهذا من غرائب العلم. قالوا: ينقض الوضوء لأنها إن كانت أنثى حقيقة فقد مست قبلها وهو قبل أنثى أصلي فينتقض به الوضوء. وإن كانت ذكراً فقد مست جزء رجل، ومس جزء الرجل ينتقض به الوضوء إن كان بشهوة فإذن: إذا مس عضوي الخنثى المشكل انتقض الوضوء. وإذا مس الذكر ذكر الخنثى المشكل بشهوة انتقض أيضاً. وإذا مست الأنثى قبل الخنثى المشكل بشهوة انتقض الوضوء بذلك.

стр. 238

وهل يقاس على مس الذكر مس الدبر أي حلقة الدبر؟ قال الحنابلة: نعم – وسيأتي ذكرها – والدليل قوله صلي الله عليه وسلم: (من مس فرجه) ، والفرج يدخل فيه القبل والدبر خلافاً لمذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد لعموم الحديث المتقدم. والحمد لله رب العالمين. الدرس التاسع والعشرون (يوم الاثنين: ٢١ / ١١ / ١٤١٤ هـ) قال المؤلف ﵀: (ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها) هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وأن من مس امرأة بشهوة فإن وضوءه ينتقض بذلك. واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (١) الآية. قالوا: والملامسة هنا هي حقيقة المس، فإذا مس المرأة بشهوة فإنه ينتقض وضوؤه. وقد دلت السنة على أن مطلق المس غير المصحوب بشهوة أنه لا ينقض الوضوء، دل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كنت أنام بين يدي النبي ﷺ وكانت رجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضتها) (٢) وفي رواية للنسائي: (مسني برجله) (٣)

стр. 239

قالوا: فهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ قد مس عائشة برجله فلم ينتقض وضوؤه بل ثبت في صلاته ومضى فيها فهذا يدل على أن مطلق المس للمرأة، وهو المس غير المصحوب بالشهوة أنه لا ينقض الوضوء، والآية الكريمة دلت على أن المس ينقض الوضوء، فعلى ذلك تقيد الآية بمس الشهوة للحديث المتفق عليه – هذا هو مذهب الحنابلة -. - وذهب الشافعية - استدلالاً بالآية الكريمة –: إلى أن مس المرأة ناقض للوضوء مطلقاً بشهوة أو بغير شهوة. وأجابوا – عن الحديث المتفق عليه -: بأن هذا المس يحتمل أن يكون فيه بين النبي ﷺ وبينها حائل، وإذا ثبت الحائل أو الحجاب فإنه لا يثبت الحكم، فحينئذ يبقى الحكم على ما هو عليه؛ لأن هذا هو المس الذي يتعلق به الحكم، فإن المس الذي يتعلق به الحكم الشرعي هو المس المباشر الذي لا يقع فيه الحجاب بين الماس والممسوس. لكن هذا الاحتمال ضعيف، لأن حقيقة المس أن يكون من غير حجاب، بدليل رواية النسائي فإن لفظة: (مسني برجله) . قال شيخ الإسلام – في هذا القول -: " وهذا أضعف الأقوال وليس له أصل في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ "، وهذا مما تعم به البلوى – أي مجرد مس المرأة – ولم يصح عن النبي ﷺ حديث عن وجوب الوضوء عند مس المرأة مطلقاً. ولكن القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء مع ما سيأتي من تضعيفه فإنه أقوى من القول بأنه ناقض مطلقاً. وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه كالآجرى – وهو اختيار شيخ الإسلام –: إلى أن مس المرأة لا ينقض مطلقاً لا بشهوة ولا بغيرها. وأجابوا – عن استدلالهم بالآية – بأن المس في الآية إنما هو الجماع. فقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ أي واقعتموهن جماعاً وليس المراد مطلق المس، وهذا هو قول ابن عباس وعلي بن أبي طالب في تفسير هذه الآية وهو اختيار ابن جرير.

стр. 240

بينما تفسيرها على القول المتقدم هو قول ابن مسعود. قالوا: وسياق الآية يقرر هذا – أي أنه الجماع – فإن الله ذكر الوضوء في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلي الصلاة﴾ (١) إلى أن قال: ﴿وأن كنتم جنباً فاطهروا﴾ فذكر الطهارتين طهارة الوضوء وطهارة الغسل، ثم قال – سبحانه –: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ وهذا التيمم بدل عن الطهارتين، عن طهارة الغسل وطهارة الوضوء وذكر الله السبب الأول، في قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ فهذا حدث أصغر، فإذا فسرنا قوله تعالى ﴿أو لامستم النساء﴾ بالمس الموجب للوضوء فإنه يتعدد السبب لطهارة واحدة، أما الطهارة الأخرى فلا يذكر لها سبباً، والأليق ببلاغة القرآن أن يذكر لكل طهارة سبباً لبيان أن التيمم بدل عن طهارة الوضوء وطهارة الغسل كما دلت علي ذلك السنة. وابن مسعود ﵁ قد فسر الآية بالحدث الأصغر وهو مس المرأة الموجب للوضوء، وهو لم يكن يرى أن التيمم بدل عن الغسل، وإنما كان يرى أنه بدل عن الوضوء فحسب كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، لذا فسر الآية بحدث أصغر ولم يفسره بحدث أكبر لأنه لا يعتقد أن الحدث الأكبر يجزئ فيه التيمم. إذن: الراجح في تفسير هذه الآية وهو أصح قولي العلماء كما قال شيخ الإسلام وهو اختيار ابن جرير وقول ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ المراد به الجماع والقرآن يكني عن الجماع بالمس، كما في قوله تعالى ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ (٢) وليس المراد إجماعاً مجرد المس، وإنما مراده الجماع الحقيقي.

стр. 241

وكني عنه بالمباشرة مع أن حقيقة المباشرة ما دون الجماع لكن قد كني بها في القرآن عن الجماع، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (١) أي لا تجامعوهن والمباشرة قد دلت السنة على جوازها (٢) ، إذن المراد بالمس في الآية: الجماع.

стр. 242

وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث حبيب بن أبي ثابت (١) عن عروة عن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ) (٢)

стр. 243

قال الراوي ما أظنها إلا أنت فضحكت ". وهذا الحديث قد استدل به من يرى أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً، لأن القبلة لا تكون في الغالب إلا بشهوة من الزوج. والحديث صححه ابن عبد البر وابن جرير، لكن أكثر الحفاظ قد ضعفوه، وقد ضعفوه بعلتين: ١ - العلة الأولى: أنه من حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة قالوا: ولم يسمع من عروة، كما قال البخاري. وأجيب عن ذلك: بأن حبيباً قد روى عن طبقة الصحابة كأنس بن مالك وغيره ممن هو أكبر من عروة وأقدم منه موتاً، وقد قال ابن عبد البر: (لا شك أنه لقي عروة) فإذا ثبت أنه لقي أنس بن مالك وهو أقدم منه موتاً فأولى أن يكون قد لقي عروة. ٢ - العلة الثانية: قالوا: ليس هو عروة بن الزبير وإنما هو عروة المزني وهو مجهول، لكن الجواب واضح، فيقال: كيف يتجرأ عروة المزني وهو مجهول ليس من الثقات لذا ضعف به هذا الحديث، لا يمكن أن يتجرأ على أم المؤمنين عائشة. بخلاف عروة بن الزبير فإنه ابن أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة فعائشة خالته. فعلى ذلك تضعيف هذا السند غير وارد، فالصحيح أن هذا الحديث إسناده صحيح. ومع ذلك فقد ورد من حديثها من عشرة طرق عن عائشة وله شواهد. فعلى ذلك: لو سلم بتضعيف هذا السند فإن له عشرة أوجه عن عائشة، وله شواهد، فالحديث صحيح. وهو مبق على الأصل – فإن الأصل أن المس غير ناقض للوضوء – والآية الكريمة قد تقدم ترجيح أن المراد بالمس الجماع وليس مجرد مس المرأة. والراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء. ولكن: إذا كان إذا كان بشهوة فيستحب له أن يتوضأ كما قرر هذا شيخ الإسلام قياساً على الوضوء عند الغضب بجامع أن الغضب والشهوة من الشيطان، فيستحب له أن يتوضأ من الشهوة كما يستحب له أن يتوضأ من الغضب. وعلى القول بأن مس المرأة ناقض للوضوء إن كان بشهوة تتفرع هذه المسائل: منها: قوله: (أو تمسه بها) :

стр. 244

إذا مست المرأة الرجل بشهوة فإن الوضوء ينتقض؛ لأن النساء شقائق الرجال، فما ثبت للرجال فهو ثابت للنساء إلا أن يدل دليل على تخصيص الرجال به. فعلى ذلك: المرأة إذا مست الرجل وقلنا: بأن مس المرأة ناقض للوضوء - كما هو مذهب الحنابلة - فإنه ينتقض وضوؤها. أما إذا قلنا: بأن مس المرأة غير ناقض فكذلك إذا مست المرأة رجلاً. وقوله: (ومس حلقة دبر) تقدم الكلام على هذا في الدرس السابق. وقوله: (لا مس شعر وظفر) الشعر والظفر ومثل ذلك السن في حكم المنفصل، فإذا مس من المرأة شعرها أو ظفرها أو سنها بشهوة فإن الوضوء لا ينتقض بذلك. وهذا في الحقيقة على إطلاقه محل نظر، فإنا لو قلنا بأن مس المرأة ناقض للوضوء إن كان بشهوة فإنه إذا مس شيئاً من أجزائها المذكورة مما يورث الشهوة وإن كان في حكم المنفصل فإن الحكم باق. فإذا مس شعرها أو شيئاً من بدنها بشهوة فإنه ينتقض وضوؤه. إذن الحنابلة وهم القائلون بأن مس المرأة بشهوة ناقض للوضوء استثنوا ما هو في حكم المنفصل كظفرها وشعرها. وعلى الترجيح المتقدم نقول: إن مس المرأة كلها ليس بناقض. ولكن على تسليم ما ذهب إليه الحنابلة فإن إطلاق ذلك فيه نظر، فإن مس الشعر قوي مؤثر فهو قريب من مس شيء من بدنها، فإذا قلنا بنقض الوضوء إذا مسها بشهوة فينبغي أن نقول بنقض مس الشعر بشهوة، لكن الراجح أن مس المرأة غير ناقض مطلقاً. قوله: (وأمرد) الأمرد: هو من اخضرَّ أو طرَّ - أي اخضرَّ - شاربه ولم تنبت لحيته، فإذا مس الأمرد فإنه لا ينتقض وضوؤه. قالوا: لأنه ليس محلاً للشهوة.

стр. 245

وهذا التعليل ضعيف، فإن الله قد ذكر أنه من أعظم المعاصي وأن طائفة من الناس قد ابتلوا بشهوة المعصية وحب التشهي بمثل ذلك كما قال تعالى: ﴿أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم﴾ (١) فعلى ذلك متى أورث مسه شهوة، وقلنا إن مس المرأة بشهوة ناقض للوضوء – فمثله كذلك مس الأمرد – ولكن الصحيح أن مس المرأة لا ينقض مطلقاً فكذلك مس الأمرد. ولا شك أن مسه محرم إذا كان بشهوة وهذا بإجماع العلماء. كما أن النظر إليه بشهوة محرم أيضاً. أما النظر بغير شهوة فإنه مباح. فإ ن كان النظر يخشى منه أن يورث شهوة فحينئذ قولان في مذهب الحنابلة: القول الأول: إنه ليس بمحرم. القول الثاني: إنه محرم، وهو أصح واختاره شيخ الإسلام؛ لأنه ذريعة إلى محرم، والشريعة قد أتت بسد الذرائع. قوله: (ولا مع حائل) إذا كان هناك حجاب أو حائل بينه وبين المرأة التي قد مسها فإنه لا ينتقض الوضوء، بل لا ينتقض إلا بمسها مباشرة من غير حائل. وهذا على القول بأن مس المرأة ناقض، والراجح خلافه كما تقدم. قوله: (ولا ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة) الملموس بدنه قالوا: لا ينتقض وضوؤه بذلك، لأن اللامس الشهوة فيه أشد، فعلى ذلك لا يقاس الملموس بدنه باللامس لأن الشهوة في اللامس أشد. وهذا فيه نظر، فإنها وإن سلم أنها أشد لكن الشهوة قد ثبتت ووقعت باللمس، فالقياس الصحيح أن يقال: بأن الملموس كذلك إذا لمس وثارت شهوته باللمس فإنه بذلك ينتقض وضوؤه، فإذا مس الرجل امرأة بشهوة – وقلنا بانتقاض الوضوء بمس المرأة – فكذلك ينتقض وضوء المرأة إن أحدث بها ذلك شهوة. ولكن كما تقدم الراجح خلاف هذا كله ولكن هذا الترجيح لبيان ضعف هذه العلة المذكورة. وأنّا متى قلنا بأن مس المرأة ناقض للوضوء فإن علينا ألا نفرق بين لامس وملموس. قال: (ولو وجد منه شهوة)

стр. 246

هنا (لو) إشارة إلى وجود خلاف، فقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والإمام الشافعي في أحد قوليه: إلى أن الملموس بدنه إذا ترتب على هذا المس شهوة فإنه ينتقض وضوؤه، وهو الراجح كما تقدم تعليله، فلا فرق بين لامس وملموس فقد ثبت المس وثبتت الشهوة والقياس يقتضي ذلك. ولا فرق بين مس امرأة أجنبية أو ذات محرم، فإذا مس ذات المحرم بشهوة وقلنا بأن المس بشهوة ينقض الوضوء فلا فرق بين أن تكون أجنبية أو غير أجنبية، ولا فرق بين صغيرة وكبيرة ولا فرق بين حية وميتة؛ لأن الأمر معلق بالشهوة، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. لكن – كما تقدم – كل هذه التفريعات على القول بأن مس المرأة ناقض للوضوء إذا كان بشهوة. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثلاثون (يوم الثلاثاء: ٢٢ / ١١ / ١٤١٤ هـ) قال المؤلف ﵀: (وينقض غسل ميت) هذا من مفردات المذهب وقال بهذا القول إسحاق بن راهويه: وأن من غسل ميتاً أي باشر غسله سواء كان ذلك من حائل أو لم يكن من حائل ولكنه هو الذي يقلبه بالتغسيل فإنه ينتقض وضوؤه، بخلاف من يصب الماء فإنه لا يتوفر فيه ذلك فلا ينتقض وضوؤه. إذن المراد من باشر الغسل ولو كان ذلك عن قميص فإن الوضوء ينتقض بذلك. واستدلوا: بما رواه البيهقي عن ابن عباس أنه سُئل هل على من غسل ميتاً غسل فقال: (أنجستم ميتكم يكفي فيه الوضوء) (١) ، ونحوه عن ابن عمر في البيهقي. قالوا: ولا يعلم لهما مخالف فيكون قولهم حجة. - وذهب الجمهور: إلى أن غسل الميت ليس بناقض للوضوء، واختار هذا الموفق وشيخ الإسلام.

стр. 247

واستدلوا: بما رواه الحاكم في مستدركه بإسناد حسن وقد حسنه الحافظ ابن حجر أن النبي ﷺ قال: (ليس عليكم في غَسْل ميتكم غُسْل [إذا غسلتموه] ، فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) (١) . قالوا: والأصل ثبوت الطهارة وبقاؤها، وما ورد عن ابن عباس وابن عمر لا يتعين أن يكون ذلك للوجوب حتى نبقى على هذا الأصل، ويقوي هذا الأصل الحديث المتقدم وفيه: (فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) (٢) . وهذا القول هو الراجح. ومع ذلك فإنه يستحب أن يتوضأ لما تقدم من الآثار قال شيخ الإسلام: " وأما الاستحباب فمتوجه ظاهر ". ومثل ذلك الغسل من غسل الميت، فكذلك لا يجب وإنما يستحب، وقد روى الخمسة من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من غَسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ) (٣) والحديث صحيح، وقد أعله بعض الحفاظ بالوقف لكن الحديث له طرق كثيرة حتى ذكر ابن القيم أن له أحد عشر طريقاً عن النبي ﷺ وقال: " وهذه الطرق تدل على أنه محفوظ ". قال الخطابي: " ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بوجوب الغُسل من غَسل الميت ولا بالوضوء من حمله ويشبه أن يكون ذلك للاستحباب ".

стр. 248

وما قاله هو الذي تدل عليه آثار الصحابة: فقد روى الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: " كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل " (١) . وروى مالك في موطئه بإسناد صحيح: " أن أسماء بنت عميس لما غسلت أبا بكر سألت الصحابة وفيهم المهاجرون والأنصار هل عليَّ من غسل؟ فقالوا: لا " (٢) . وقد تقدم الحديث الذي فيه: (ليس عليكم في غسل ميتكم غسل [إذا غسلتموه] فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) . إذن: لا يجب بغسل الميت الغسل ولا الوضوء، وإنما يستحب، فيستحب لمن غسل الميت أو أعان في غسله بالمباشرة أن يغتسل أو يتوضأ ولا يجب عليه ذلك، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم. قوله: (وأكل اللحم خاصة من الجزور) الجزور هو: الأنثى أو الذكر من الإبل جمعه جُزُر، وهذا القول هو المشهور في المذهب وأن أكل لحم الجزور ينقض الوضوء، وهو مذهب أهل الحديث، وهو مذهب عامة الصحابة كما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر بن سمرة قال: (كنا نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم) (٣) ولا يصح نسبة خلاف ذلك إلى الخلفاء الراشدين - كما ذكر ذلك النووي وغيره -، وإنما روي عنهم عدم الوضوء مما مست النار، وهذا عام في الإبل وغيرها، فالآثار إن صحت عنهم – فهي أنهم كانوا لا يتوضئون مما مست النار - وهذا مذهب عامة الصحابة كما تقدم، وهو مذهب أحمد وإسحاق، وذهب إليه بعض الشافعية كالنووي والبيهقي والإمام ابن خزيمة، ومن المالكية ابن العربي ويحيى بن يحيى، بل قال الشافعي: " إن صح الحديث قلت به ".

стр. 249

واستدلوا: بحديثين صحيحين – صححهما أحمد وإسحاق وغيرهما -: الحديث الأول: ما رواه مسلم في صحيحه: (أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم، قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل، قال: أصلي في مرابض الغنم قال: نعم قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا) (١) الحديث الثاني: ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي – والحديث تقدم تصحيح أحمد وإسحاق وغيرهما له –عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ : (سُئل عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: (توضؤوا منها) وسُئل عن الوضوء من لحوم الغنم، فقال: (لا تتوضئوا منها) (٢) . فهذان الحديثان يدلان على وجوب الوضوء من لحوم الإبل. فإن قيل: أولا يحمل الأمر على الاستحباب؟ فالجواب: أن الأصل في الأمر الوجوب، لكن قد يكون هذا أنه أتى جواباً لسؤال، ولكن مع ذلك هناك قرينة في الحديث تدل على أن الأمر للوجوب، وهي: أن النبي ﷺ ﷺ (سئل عن الوضوء من لحوم الغنم فقال: (إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ) ، والوضوء من لحوم الغنم مستحب.

стр. 250

فقد ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (توضؤا مما مست النار) (١) وهذا الحديث ظاهره وجوب الوضوء من لحوم الغنم ونحوه مما مست النار.
следующие страницы →