Полный текст (3 290 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
لقوله ﷺ : (أمسوا بالإملاك فإنه أعظم للبركة) والحديث رواه أبو حفص العكبري كما ذكر الحنابلة.
وقال الألباني في إرواء الغليل – لم أقف على إسناده -، وعليه فلا يقال باستحبابه يوم الجمعة ولا بتخصيصه في مسائها لعدم ثبوت الحديث.
قال: [بخطبة ابن مسعود]
وهي ثابتة في مسند أحمد والسنن الأربعة وحسن هذا الحديث الترمدي وغيره والحديث صحيح، وفيه أن ابن مسعود قال كان النبي ﷺ يعلمنا الخطبة في الحاجة: (إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا – وفي ابن ماجة (ومن سيئات أعمالنا) – من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ثم يقرأ ثلاث آيات.
وفي النسائي الآية الأولى في آل عمران ﴿ياأيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ...﴾ الآية.
والآية الثانية في سورة النساء ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم ....﴾ الآية.
والثالثة في سورة الأحزاب ﴿يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً. ... ﴾ الآية.
فهذه هي خطبة الحاجة، وفي البيهقي أن شعبة قال لأبي إسحاق السبيعي - هذه الخطبة في النكاح وفي غيره - فقال: - في كل شيء -، فخطبة الحاجة تقال عند النكاح وعند غيره، ولكن لا تجب لأن النبي ﷺ لم يقلها في حديث الواهبة نفسها، عندما قال ﷺ : (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن) ، وليس فيه أن النبي ﷺ تَشهّد وهي مستحبة عند جماهير العلماء.
فصل
قال: [وأركانه الزوجان الخاليان من الموانع]
فأركان النكاح ثلاثة:
الركن الأول: أن يكون الزوجان خاليين من الموانع، كأن تكون المرأة معتدة فهذا في المرأة مانع يمنع من صحة النكاح.
قال: [والإيجاب]
وهذا الركن الثاني: وهو الإيجاب وهو قول ولي المرأة أو من يقوم مقامه.
قال: [والقبول]
стр. 2592
هذا هو الركن الثالث: وهو القبول وهو قول الزوج أو من يقوم مقامه، مثال ذلك إذا قال الولي: زوجتك ابنتي – فهذا هو الإيجاب – فقال الزوج: قبلت – فهذا هو القبول -، ولو هازلاً لحديث: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة) رواه أبوداود والترمذي وحسنه.
قال: [ولا يصح ممن يحسن العربية بغير لفظ زوجت أو أنكحت]
لا يصح من العربي، ولا ممن يحسن العربية من غير العرب أن يقولوا بغير لفظ – زوجت أو أنكحت -، فإذا قال: ملكتك ابنتي أو وهبتك أو جوزتك ابنتي أو نحو ذلك، فالنكاح لا يصح، فلا يصح إلا بلفظ أنكحت أو زوجت، قالوا لأنه هو الوارد في القرآن، قال تعالى: ﴿زوجناكها﴾ وقال: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب الجمهور وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه يصح بكل لفظ دل على النكاح، وهو القول الراجح.
قال شيخ الإسلام: وينعقد – أي النكاح – بما عده الناس نكاحاً بأي لغة ولفظ وفعل كان. آهـ
سواء كان باللغة العربية أو باللغة الأعجمية، وسواء دل عليه الفعل أو دل عليه القول، لأن المقصود هو الدلالة على الرضا وهذا يحصل بكل قول أو فعل يدل على ذلك، وهذا في كل عقد كما تقدم في غير ما مسألة، وقد قال ﷺ في حديث الواهبة نفسها: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن) ، فعلى ذلك يصح النكاح بكل قول أو فعل دل عليه، فلو تكلم من يحسن العربية بغير لفظ العربية وهو قادر على أن يتكلم العربية فإن النكاح يصح، أو تكلم من يحسن الفصحى بالعامية فإن النكاح صحيح.
قال: [وقبلت هذا النكاح أو تزوجتها أو تزوجت أو قبلت]
هذه ألفاظ القبول
قال: [ومن جهلهما لم يلزمه تعلمهما وكفاه معناهما الخاص بكل لسانٍ]
стр. 2593
على المذهب أنه يجب على من يحسن العربية من الأعاجم أن يتلفظ بالألفاظ العربية بالنكاح، فإن كان لا يحسن العربية بل هو جاهل فيها، فهل يلزمه التعلم، قال المؤلف:– لا يلزمه التعلم –، لأن هذه الألفاظ مما لا يتعبد بلفظه، وهذا مما يدل على ضعف هذا القول، إذ لو كان ذلك واجباً لأوجبنا عليه التعلم، والصحيح ما تقدم من أن النكاح يصح بكل قول أو فعل دل عليه.
قال: [فإن تقدم القبول لم يصح]
مثاله إذا قال الخاطب:– زوجني فلانة، فيقول الولي:– زوجتكها -، فلا يصح النكاح، وذلك لتقدم القبول على الإيجاب، قالوا: ولا يكون قبولاً وقد تقدم على الإيجاب، وهذا هو المشهور في المذهب، وأن القبول لا يصح قبل الإيجاب، وهذا من مفردات الحنابلة، وقال جمهور العلماء، بل يصح ذلك، وهذا هو القول الراجح وذلك لظهور الرضا من الطرفين بالألفاظ الدالة على ذلك، فيحصل بذلك المقصود، فإن المقصود حاصل بهذه الألفاظ تقدم القبول أو تأخره، ولأن الرجل في قصة الواهبة نفسها قال للنبي ﷺ - إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها - ... الحديث وفيه أن النبي ﷺ قال له: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن) ، فهذا إيجاب، وقد تقدم عليه القبول وهو قوله – فزوجنيها -.
قال: [وإن تأخر عن الإيجاب صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه]
إذا تأخر القبول عن الإيجاب، كأن يقول الولي:– زوجتك ابنتي فلانة -، فسكت الخاطب عن القبول فتأخر القبول عن الإيجاب فإن ذلك يصح ماداما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه كأن يتشاغلا ببيع وغيره من الأمور الخارجية، لكن لو تشاغلا بما لا يقطعه كأن يقول له:– زوجتك ابنتي – فيقول: أي بناتك فيقول:– البنت الكبرى – فيقول: كم قدر المهر؟ فيقول:– كذا – فيقول: رضيت بهذا ولا يقطعه، لكن لو تشاغلا بأمر أجنبي عن موضوع النكاح ثم قال بعد ذلك: رضيت فحينئذٍ لا يصح.
قال: [وإن تفرقا قبله بطل]
стр. 2594
مثاله: إذا قال الولي:– زوجتك ابنتي – ثم تفرقا من المجلس والخاطب لم يقل:– رضيت – ثم بعد ذلك اتصل بالهاتف أو غيره فقال:- قد رضيت -، فلا يصح لأنهما تفرقا عن المجلس، وعن الإمام أحمد أنه لا يبطل، وأنه لو تشاغلا عنه بما يقطعه أو تفرقا قبله فإنه لا يبطل، ويدل على ذلك قصة الواهبة نفسها، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله جئت أهب لك نفسي فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعد النظر فيها وصوبه، ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست، فقام رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله – إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها – فقال: (فهل عندك من شيء) فقال:– لا والله يارسول الله – فقال: (اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئاً) ، فذهب ثم رجع فقال:– لا والله ما وجدت شيئاً – فقال رسول الله ﷺ : (انظر ولو خاتماً من حديد) ، فذهب ثم رجع فقال:– لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد – ولكن هذا إزاري – قال سهل: ما له رداءٌ فلها نصفه فقال رسول الله ﷺ : (ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء) فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه رسول الله ﷺ مولياً فأمر به فدعي فلما جاء قال: (ماذا معك من القرآن) قال:– معي سورة كذا وسورة كذا – عددها فقال: (تقرأهن عن ظهر قلبك) قال:– نعم – قال: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن) ، فهنا قد وقع فاصل طويل عرفاً وتفرقاً في المجلس ومع ذلك لم يأمره بإعادة القبول، هذا القول هو القول الراجح مالم يكن تشاغله أو تفرقه عن المجلس دالاً على عدم رضاه.
الدرس الثاني والعشرون بعد الثلاثمائة
فصل
قال: [وله شروط]
فهذا الفصل في شرط من شروط النكاح، فللنكاح شروط لا يصح إلا مع توفرها.
стр. 2595
قال: [أحدهما: تعيين الزوجين]
فيشترط أن يُعيَّن الزوجان – الذكر والأنثى – بما يتميز به كل واحد منهما كالبيع، فكما أنه يشترط في المبيع عدم الالتباس بأن، يتميز المبيع عن غيره فكذلك في النكاح.
قال: [فإن أشار الولي إلى الزوجة أو سماها أو وصفها بما تتميز به.....صح]
إذا أشار الولي إلى الزوجة فقال: زوجتك هذه فقال:– زوجتك هذه – أو سماها فقال:– زوجتك فاطمة – أو وصفها بما تتميز به كأن يقول:– زوجتك ابنتي الكبرى أو الصغرى أو نحو ذلك.
قال: [أو قال: زوجتك بنتي الكبرى أو الصغرى أو نحو ذلك]
إذا قال – زوجتك ابنتي، وليس له إلا هي فإن الزواج يصح لعدم الالتباس، أما إذا لم يعينها تعيناً يزيل الالتباس كأن يقول: زوجتك ابنتي وله غيرها، فإن النكاح لا يصح للالتباس المتقدم.
مسألة: إن عيناها في الباطن ولم يعيناها في العقد فإذا عين الولي والزوج المرأة أو المعقود عليها في الباطن، وأما في الألفاظ فلم يقع منهم تعيين – أي حال العقد – فهل يصح أم لا؟
وجهان عند الحنابلة:
الوجه الأول: الصحة.
الوجه الثاني: البطلان.
والراجح هو صحة النكاح لعدم الالتباس، لأن اتفاقهما في الباطن يزيل الالتباس.
فصل
قال: [الشرط الثاني: رضاهما]
أي رضا الزوجين، فيشترط الإذن، لقول النبي ﷺ : (لا تنكح الأيِّم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن) ، وقياساً على البيع فإنه يشترط فيه الرضا فكذلك في النكاح.
قال: [إلا البالغ المعتوه والمجنونة والصغير والبكر ولو مكلفة، لا الثيب فإن الأب ووصيه في النكاح يزوجانهم بغير إذنهم]
المعتوه: درجة لا تصل إلى الجنون.
стр. 2596
فالبالغ المعتوه يجوز للأب أو وصيه أن ينكحه بلا إذنه، لعدم اعتبار إذنه، فإن إذنه لا فائدة منه فهو غير معتبر، وكذلك البنت المجنونة يجوز لأبيها أو لوصيه – وهو من يقوم مقام الأب بعد موته – أن ينكحاها، وكذلك يجوز للحاكم أن ينكح المعتوه أو المجنونة أو الصغير، عند الحاجة إلى النكاح، بل يجوز على الراجح لسائر الأولياء ذلك.
إذن الأصل أن الصبي العاقل لا يزوجه إلا الأب أو الوصي، وكذلك البالغ المعتوه والمجنون أو المجنونة ونحو ذلك، لكن كما هو المشهور في مذهب الحنابلة يجوز للحاكم أي عند فقد الأب والوصي، يجوز للحاكم أي القاضي أن يزوجهم عند الحاجة أي عند الحاجة للوطء أو للخدمة أو نحو ذلك، كأن يكون الصبي العاقل غير البالغ يحتاج إلى الخدمة كأن يكون معوقاً فيزوجه الحاكم، وهو مختص بالحاكم، والذي يترجح أنه عام في الحاكم وفي سائر الأولياء عند الحاجة لمصلحة موليه، والصغير يجوز لأبيه أن ينكحه بلا إذنه، والصغير هو العاقل غير البالغ، هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
قوله: [والبكر ولو مكلفة]
البكر لها ثلاث أحوال:
الحالة الأولى: أن تكون البكر مكلفة أي بالغة عاقلة، فجمهور العلماء على أن للأب ووصيه من بعده أن ينكحها بلا إذنها أي أن يجبرها على النكاح.
هذا هو مذهب الحنابلة والمالكية والشافعية، واستدلوا بما روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر وإذنها سكوتها) قالوا فقوله ﷺ (الثيب أحق بنفسها من وليها) مفهومه أن غير الثيب ليست بأحق بنفسها من وليها، وعليه فإن وليها أحق بها من نفسها فله أن يجبرها.
стр. 2597
وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها طائفة كثيرة من أصحابه، واختار هذا القول شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد الرحمن السعدي ﵏ جميعاً، قالوا: لا يجوز له أن يجبرها بل يشترط إذنها، واستدلوا بقول النبي ﷺ في الحديث المتقدم: (البكر تستأمر) أي يطلب أمرها في النكاح وبقوله ﷺ : (لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن) قيل فكيف إذنها قال (أن تسكت) .
فهذان الحديثان يدلان على وجوب استئذانها، وعليه فلا يجوز له أن يجبرها.
قالوا: وأما ما استدللتم به فغايته أن يكون مفهوماً، والمنطوق مقدم على المفهوم.
فإن قيل: لم قال النبي ﷺ :- الثيب أحق بنفسها –؟
فالجواب: لأنها تصرح بلفظها، فإن الثيب تصرح بلفظها فتقول: قبلت أو رضيت، بخلاف البكر فإنها لا تصرح بلفظها حياءً.
وهذا هو القول الراجح
الحالة الثانية: أن تكون البكر دون تسع سنين، فقد أجمع أهل العلم على أن البكر دون التسع، يجوز للأب ووصيه من بعده – أن يجبرها على النكاح – هذا بإجماع العلماء حكاه ابن المنذر وغيره.
الحالة الثالثة: البكر بنت تسع سنين، فجمهور العلماء على أن لأبيها أن يجبرها ومنهم الأحناف كما تقدم فإن الجمهور يقولون: البكر تجبر ولو كانت بالغة، فأولى من ذلك بنت تسع.
стр. 2598
وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام واختاره أبو بكر من الحنابلة، وقال بعض الحنابلة:– هو المنصوص عن الإمام أحمد –: أنه ليس للأب أن يجبرها وأن لها إذناً معتبراً وذلك لأن إمكان الحيض منها كثير، ولأنها تتطلع إلى النكاح أكثر من دونها، ولأن النبي ﷺ قال: (البكر تستأذن) هو عام في كل بكر فلا يخصص منه إلا مادل الإجماع على تخصيصه وهي ما دون تسع، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، فعليه البكر تستأذن إلا أن تكون دون تسع فلأبيها ولوصيه من بعده أن يجبراها على النكاح بإجماع أهل العلم.
أما الثيب فلا يجوز للأب ولا لوصيه ولا غيرهما أن يجبروها على النكاح، والمراد بالثيب التي قد تم لها تسع سنين، فقوله:– لا الثيب – أي الثيب التي تم لها تسع سنين، وظاهر ذلك أنها إن كانت دون تسع وهي ثيب أن له أن يجبرها وهو الصحيح في مذهب الحنابلة، وهذا القول ظاهر إذ لا فرق بين البكر والثيب إلا في أمر واحد وهو كيفية بيان الرضا، فالثيب تصرح بلفظها، والبكر يمنعها الحياء من ذلك فتصمت، وقال بعض الحنابلة، وعبر عنه صاحب الإنصاف بقوله، وقيل أنه ليس للأب أن يجبر الثيب دون تسع، وفيه نظر لما تقدم، إذ لا فرق بينهما إلا فيما تقدم من حيث أن الثيب تبين رضاها بصريح قولها، وأما البكر فإنها تصمت ويكون صماتها دليلاً على رضاها.
قال: [كالسيد مع إمائه]
فالسيد ينكح إماءه البالغات وغير البالغات بغير رضاهن لأنه يملك منافع بضعهن، فإنهن ملك له وهذا ظاهر.
قال: [وعبده الصغير]
فيجوز له أن يجبر عبده الصغير على النكاح، لأن هذا - رأى السيد - أولى من الأب، وأما العبد الكبير البالغ فلا يجوز له إجباره، لأنه يملك الطلاق وإذا كان يملك الطلاق فلا يملك إجباره على النكاح كالحر.
قال [ولا يزوج باقي الأولياء صغيرة دون تسع سنين]
стр. 2599
حتى الجد في الصحيح من قولي العلماء - وهو مذهب الحنابلة - وقالت الشافعية: بل الجد له أن يجبر البكر على النكاح لأن ولايته بسبب الولادة فأشبه الأب وحكاه صاحب الإنصاف اختياراً لشيخ الإسلام وهو روايه عن الإمام أحمد والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة من أن الجد ليس له أن يجبر البكر _دون تسع سنين _ على النكاح وليس له _ على المذهب _ أن يجبرها بعد تسع وذلك لقوله ﷺ فيما رواه أبو داود والنسائي (ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تستأمر) ، واليتيمة: هي من ليس لها أب ولأن شفقة الجد ليست كشفقة الأب فالصحيح أن سائر الأولياء كالأخ والعم وكذالك الجد ليس لهم أن يجبروا البكر وإن كانت محلاً للإجبار كالبكر دون تسع.
قال [ولا صغيرة ولا كبيرة عاقلة ولا بنت تسع سنين إلا بإذنها]
لما تقدم إلا مع الحاجة - على الراجح - وعند الحنابلة أن ذلك للحاكم خاصة والراجح أنه لسائر الأولياء وعندما يحتاج موليه إلى النكاح للوطء أو للخدمة فإنه ينكحه لما في ذلك من مصلحته.
قال [وهو صمات البكر]
هذا هو الإذن فإذا قيل لها: خطبك فلان أترضين به؟
فسكتت، فهذا هو رضاها وقد قال النبي ﷺ (وإذنها سكوتها) .
قال [ونطق الثيب]
فالثيب تبيّن وتعرب عن نفسها _ كما تقدم في الحديث السابق تستأمر أي تأمر فيطلب أمرها – والثيب في المذهب هي الموطوءة من قبل في حل أو في حرمة وعليه فالمزني بها مكرهة أو غير مكرهة تدخل في هذا الحكم هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
стр. 2600
وقالت المالكية والأحناف: الموطوءة فجوراً ليست بثيب، وهذا هو الراجح واختاره ابن القيم، ويرجحه أن النبي ﷺ قال: (لاتنكح الأيم) فتفسر الثيب بالأيم، والموطوءة بالزنا ليست بأيم سواء كانت مكرهه أو غير مكرهه بل الأيم من فارقها زوجها بطلاقٍ أو فسخ أو موت وهذه الأيم قد باشرت النكاح سابقاً، وحينئذٍ فلمباشرتها السابقة يزيل هذا الحياء الذي يمنعها من التصريح به حيث خُطِبَت مرةً أخرى، ومن وطئت بالزنا ليس أمرها كذلك.
فالراجح ما ذهب إليه المالكية والأحناف: أن الموطوءة بالزنا سواءً كانت مكرهة أو غير مكرهة ليست بثيب بل هي في حكم الأبكار في هذه المسألة.
فالذي يتبين من الأدلة الشرعية أن الثيب هي الأيم، والأيم من فارقها زوجها بطلاق أو فسخ أو موت وإن لم يطئها، فلو عقد عليها فمات عنها قبل أن يطئها فهي في حكم الثيب، فلا يكفي صماتها بل لابدَّ أن تعرب عن نفسها فتتلفظ بما يدل على رضاها.
الدرس الثالث والعشرون بعد الثلاثمائة
فصل
قال: [الثالث: الولي]
هذا هو الشرط الثالث من شروط النكاح وهو الولي فلا يصح النكاح إلا بولي لما روى الخمسة وصححه أحمد وابن المديني والبخاري والذهبي وغيرهم أن النبي ﷺ قال: (لا نكاح إلا بولي) ، أي لا نكاح صحيح إلا بولي، ولما روى أحمد والترمذي وابن ماجة والحديث من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإذا دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) ، هذا هو مذهب عامة أهل العلم.
стр. 2601
وقال الأحناف وهو مذهب أبي حنيفة: بل يصح النكاح بلا ولي واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ ، فأضاف النكاح إليهن فدل على أنه من فعلهن، وهذا القول ضعيف جداً وقد قال تعالى: ﴿فلا تعضلوهن﴾ فأضاف العضل إلى أوليائهن فدل على أن لهم تصرفاً في انكاحهن ثم إن السنة تبين القرآن وقد دلت السنة على شرطية الولاية في النكاح.
فالصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه عامة العلماء من شرطية الولاية في النكاح، وكما يدل عليه الأثر فإن النظر يدل عليه فإن المرأة قاصرة النظر فقد تخدع ويغرر بها بما يكون فيه استحلال لفرجها وأسر لنفسها فلا شك أن هذا مقام مهم جداً فكان الاحتياط للمرأة بأن لا تنكح إلا بولي، وذلك لقصور نظرها فقد تخدع وتغتر فيستباح فرجها وتكون أسيرة تحت من نكحها بغير ولي فاحتيط لها بأن لا يصح نكاحها إلا بولي، وهنا تخريج في مذهب الإمام أحمد ﵀ أنه يجوز لها أن تنكح إن أذن لها وليها بالنكاح لظاهر قوله ﵊: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها) ، فدل على أنه إن أذن لها فنكاحها صحيح، وهذا التخريج كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ – هذا تخريج غلط – آهـ، وذلك لدلالة السنة الصحيحة في أنه لا نكاح إلا بولي، وحينئذ فيكون قوله (بغير إذن وليها) مما يجري مجرى الغالب فيكون المراد إلا بإذن وليها مع ولايته، ولما فيه من تبذل المرأة المخالف لصيانتها فإن انكاحها لنفسها تبذل لها، والشرع يأتي بصيانتها لا تبذلها ولذا فالصحيح أنه لابد من ولي وأن إذن الولي لا يكفي حتى يكون هو المتولي للعقد.
قال: [وشروطه: التكليف]
فيشترط التكليف لأن غير المكلف يحتاج لمن ينظر له وهو غير البالغ، وغير العاقل يحتاج لمن ينظر له فلا ينظر لغيره، فلابد أن يكون مكلفاً أي عاقلاً بالغاً.
قال: [والذكورية]
стр. 2602
فلا تصح ولاية المرأة وإن كانت أُمّاً لقول النبي ﷺ الذي رواه ابن ماجة وغيره وهو حديث حسن: (لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها) ، فالشرط الثاني هو أن يكون الولي ذكراً فالأنثى لا ولاية لها.
قال: [والحرية]
فيشترط أن يكون الولي حراً لأن العبد لا ولاية له على نفسه فأولى من ذلك أن تكون لا ولاية له على غيره، فإنه لا ينكح إلا بإذن سيده فأولى من ذلك أن لا ينكح غيره.
قال: [والرشد]
فيشترط أن، يكون الولي راشداً في العقد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: - الرشد في كل مقام بحسبه - آهـ، فالرشد في البيع شيء والرشد في النكاح شيء آخر وهكذا، فالرشد في النكاح: أن يكون عارفاً بالكفء وعارفاً بمصالح النكاح وإن كان غير رشيد في بيعه وشرائه ولكنه رشيد في النكاح، ولا شك أن اشتراط الرشيد في النكاح أولى من اشتراطه في البيع، فإن استحلال الفرج وما يترتب على النكاح من آثارٍ أولى من خروج شيء من ملكيته من الأشياء المالية.
قال: [واتفاق الدين]
الشرط الخامس: اتفاق الدين فيشتَرط أن يكون الولي وموليته متفقي في الدين إما مسلمين أو نصرانيين أو يهوديين ونحو ذلك فلا بد أن يتفقا في الدين كالإرث لأن اختلاف الدين يمنع من التوارث فكذلك يمنع من الولاية، لأن القربة سبب ولاية ويترتب عليها الإرث فاختلاف الدين أزال أثرها في التوارث فكذلك يزيل أثرها في النكاح فهو من باب القياس على التوارث، فليس لمن لا يصلي – وهو تارك للصلاة – ولاية على بناته اللاتي يصلين وذلك لاختلاف الدين، وكذا ليس لليهودي ولاية على النصرانية وهكذا.
قال: [سوى ما يذكر]
стр. 2603
كالسلطان فإنه لا يشترط أن يكون السلطان يوافق دين المرأة التي سيتولى انكاحها التي هي من رعيته، فإذا كان من رعيته امرأة ذمية فله أن ينكحها وهذا حيث ليس لها ولي ينكحها فإن وليها الأعظم وهو السلطان ينكحها أو القاضي الذي يتوب عن السلطان في ذلك ولو اختلف الدين، وكذا السيد ينكح أمته الكافرة.
قال: [والعدالة]
الشرط السادس: أن يكون الولي عدلاً، قالوا: ولو ظاهراً. آهـ، وهو مستور الحال فيكون في ظاهره عدلاً فلا يظهر عليه فسق باقتراف شيء ظاهر من المعاصي مع عدم ظهور التوبة، فالفاسق في الظاهر لا ولاية له وأما الذي فسقه باطن ليس بظاهر وهو مستور الحال فهو يُسر بالمعاصي ولكنه في الظاهر مستور الحال فإن ولايته صحيحة، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية.
قالوا: لأنها ولاية نظر فلم يستبد بها الفاسق، فيشترط أن يكون الولي عدلاً، فإذا كان الأب فاسقاً فإنه لا ولاية له وتنتقل إلى من بعده وهكذا حتى لو وصلت إلى السلطان.
وعن الإمام أحمد وهو أحد قولي الشافعي وهو مذهب الأحناف والمالكية: أن العدالة ليست بشرط في الولي في النكاح بل تصح ولاية الفاسق وهذا هو الراجح لعمومات الأدلة وعليه عمل الناس في كل عصر، وفي كل مصر من عهد السلف الصالح والعمل على هذا، ولذا قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀، والأدلة ترده أي القول الأول وعمل السلف يرده. آهـ
وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم واختاره الموفق ابن قدامة من الحنابلة واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم، والفسق في الغالب لا يؤثر في مثل هذه المسائل لما له من الشفقة على موليته، ولأنه ليس له أن يعضلها وإن عضلها فإن ولايته تبطل وكذا لو أراد إجبارها على نكاح غير الكفء فكذلك كما سيأتي تقريره وعليه فولاية الفاسق صحيحة.
قال: [فلا تزوج امرأة نفسها ولا غيرها]
كما تقدم في قول النبي ﷺ : (لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها) .
стр. 2604
قال: [ويقدم أبو المرأة في إنكاحها]
الأب هو المقدم في باب الولاية لأنه أشد شفقة وأكمل نظراً من غيره فيقدم الأب حتى على الأبناء.
وعن الإمام أحمد أن الأبناء يقومون على الأب وهو مذهب الإمام مالك قالوا: لأنهم أقرب عصبة من الأب، والصحيح الأول لأن نظر الأب أكمل وشفقته أشد وهو مذهب جمهور العلماء.
قال: [ثم وصيه فيه]
أي ثم يقوم الوصي بعد الأب أي بعد موت الأب، فإذا أوصى الأب أن تكون ولاية بناته لفلان الأجنبي عنهم أو لأحد أولاده دون غيره أو لأحد أخواله مع وجود أبنائه ونحو ذلك فإن الولاية تكون للوصي، كالتوكيل في الحياة، فكما أن الأب لو وكل رجلاً في نكاح بناته فيصح اتفاقاً فكذلك في الوصية بعد الموت، ولأنه أقوى نظراً من غيره وغالباً لا يجعل الوصية إلا ممن يرى أن إنكاحه أصلح من إنكاح غيره.
قال: [ثم جدها للأب وإن علا]
ثم بعد الوصي الجد للأب، أما الجد للأم فلا لأنه ليس من العصبة بل هو من ذوي الأرحام كما تقدم في باب الفرائض.
وعن الإمام احمد وهو مذهب المالكية: أن الإبن يقدم على الجد، والذي يترجح أن الجد يقدم على الإبن أيضاً لأنه أكمل نظراً ولما له من الإيلاد المشابه للأب فيه، وقد يقال في مثل هذه المسألة أنها ترجع إلى إجتهاد الحاكم أي القاضي لتعيين الأصلح منهما أي من الجد أو الإبن، وقد يقال هذا أيضاً في مسألة الإبن والأب لأنهم عللوا ذلك بقولهم أكمل نظراً وأشد شفقة، وقد يتبين للحاكم أن الإبن أشد شفقة وأكمل نظراً فتكون الولاية له، إلا أن هذا النظر في مسألة الجد أولى من الأب لأن الولاية ثابتة في الأصل للأب فلا ينتقل عنها إلا بدليل فتقديم الأب على الإبن أولى من تقديم الجد على الإبن.
قال [ثم إبنها ثم بنوه وإن نزلوا ثم أخوها لأبوين ثم لأب ثم بنوهما كذلك ثم عمها لأبوين ثم لأب ثم بنوهما كذلك]
ترتيب العصبات كما تقدم في الفرائض.
قال [ثم أقرب عصبةٍ نسباً كالإرث]
стр. 2605
أي ثم عم الأب ثم عم الجد وهكذا كما تقدم في الفرائض.
قال [ثم المولى المنعّم]
بالعتق تكون الولاية له إن لم يكن هناك عصبة فمولاها المنعم عليها بالعتق يتولى إنكاحها.
قال: [ثم أقرب عصبته نسباً]
أي ثم ينتقل إلى أقرب عصبة هذا المعتق نسباً.
قال: [ثم ولاء]
يعني المولى فالمعتق إن كان له معتق فتكون الولاية للمعتق إلا على ثبوت الولاية كما تقدم في كتاب الفرائض.
قال: [ثم السلطان]
ثم السلطان -وهو الإمام الأعظم ونائبه وهو القاضي لا الوالي كما نص أحمد - لقول النبي ﷺ : (فإن اشتجروا - أي الولي وموليته – فالسلطان ولي من لا مولى له) ، وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: في النساء اللاتي يسلمن في بلاد كافرة وأولياؤهن كفار قال يتولى ذلك رئيس المركز الإسلامي. آهـ
وهذا لما له من الولاية حيث لا سلطان، فإن تقدر وجود السلطان أو المركز الإسلامي فإنها توكل عدلاً ينكحها وقد روى البخاري معلقاً (أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال لأم حكيم بنت قارظ: أتفوضين أمركِ إلي قالت (نعم) ، قال: تزوجتك) .
فهنا فوضت أمرها إليه فإذا انعدم السلطان فلها أن تفوض أمرها إلى عدل، ولكن يشكل على هذا أن السلطان موجود فقد يكون هذا برضا السلطان فإن السلطان إذا رضي أو أذن بذلك أو فوضت إلى غير هذا الأمر فإن ذلك جائز فللقاضي أن يولي عدلاً يقوم بالإنكاح.
قال: [فإن عضل الأقرب]
стр. 2606
كأن يعضلها الأب مثلاً فمنعها من نكاح الكفء فيكون هذا فسق فيه وهنا يوجب هذا نقل الولاية عنه لأنه فعل أمراً محرماً يختص بالولاية فتبين أنه ليس بأهل للولاية، فإذا أعضل الأب أو الولي الذي بعده وهكذا فإن الولاية تنتقل إلى من بعده، قال شيخ الإسلام: وإذ١ امتنع الخطاب من الخطبة لشدته فإن الولاية تنتقل عنه. آهـ، فتنتقل عنه ولما فيه من الإضرار بالمرأة وقد قال تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ ، فإذا عضل الأقرب فتنتقل إلى الولي الأبعد وهكذا حتى تصل إلى السلطان.
قال: [أولم يكن أهلاً]
كأن يكون غير بالغ فتنتقل إلى الأبعد البالغ فلو كان أخوها غير بالغ ولها ابن أخ بالغ فالولاية لأبن أخيها البالغ وهكذا لعدم أهلية الولاية.
قال: [أو غاب غيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة ومشقة زوج الأبعد]
فإذا غاب الولي غيبة منقطعة لا تقطع عرفاً إلا بكلفة ومشقة فحينئذٍ تنتقل الولاية إلى الأبعد فهو قد سافر سفراً ولا يأتي إلى هذه البلد ليقوم بولاية هذه المرأة إلا بكلفة ومشقة ومرجع هذا إلى العرف فحينئذٍ تنتقل الولاية إلى الأبعد لما في بقاء الولاية له من الإضرار بالمرأة فإذا كان في العرف يشق انتظاره لأن سفره سفر بعيد في العرف يشق معه أن يأتي لولاية المرأة أو أن يوكل فحينئذٍ تنتقل إلى الأبعد.
قال: [وإن زوج الأبعد أو أجنبي من غير عذر لم يصح]
стр. 2607
إذا زوج الأبعد كالأخ مع وجود الأب أو الأجنبي يزوج مع وجود الغريب من غير عذر وتقدمت بعض الأعذار ومن ذلك العضل ومن ذلك أن يكون غائباً غيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة ومشقة، أو أن يجهل وجود الأقرب كأن يكون لها أبناء عم أباعد لا يدرى بهم فيزوجها السلطان مثلاً ولا يدرى بوجودهم إلا بعد ثبوت النكاح فحينئذٍ هذا عذر في تصحيح النكاح فيصح النكاح حينئذٍ، أما إذا زوجها الأبعد أو الأجنبي من غير عذر فلا يصح النكاح، وعن الإمام أحمد أنه موقوف على إجازة الولي كالبيع، وفيه نظر للفارق بيين النكاح والبيع بدليل أن المرأة لا يحل لها أن تنكح نفسها بإذن وليها فكذلك إذا أنكحها غيره وإن كان الولي قد أذن بذلك، فإذا استوى الوليان كأن يكون لها اخوة هم أولياؤها فأي أحد منهم أنكح صح إنكاحه لأن كلهم أولياء لها، وكذا لو كان لها أبناء عم درجتهم واحدة وهكذا.
فإن أذنت لواحدٍ تعين ولم يصح نكاح غيره، والمستحب أن يقوم الأفضل ثم الأسن، فإن تشاحنوا في ذلك أقرع بينهم.
فإن زوجها وليان هذا زوج وهذا زوج فالزوج الأول وهو الصحيح لما روى الخمسة أن النبي ﷺ قال: (أيما امرأة أنكحها وليان فهي للأول منها) ، فإن جهل السابق أو علم فنسي فالمشهور في مذهب الإمام أحمد أن النكاحين يفسخان جميعاً، ولهما نصف المهر يقترعان عليه.
وعن الإمام أحمد ﵀ أنه يقرع بينهما وهذا أظهر ممن خرجت قرعته فهو زوجها ولكن يجدد العقد للوطء وهذا هو الأصح لأن القرعة تفعل حيث استوت الحقوق فلا مرجح لأحدهما على الآخر فإنه يقرع بينهما فإذا أقرع بينهما فمن خرجت قرعته فهو زوجها ويجدد العقد للوطء.
الدرس الرابع والعشرون بعد الثلاثمائة
فصل
قال: [الرابع: الشهادة]
أي الشرط الرابع من شروط النكاح الشهادة.
قال: [فلا يصح إلا بشاهدين عدلين ذكرين مكلفين سميعين ناطقين]
стр. 2608
فالشهادة شرط في صحة النكاح عند جمهور العلماء واستدلوا بما روى البيهقي وغيره من حديث الحسن عن عمران بن الحصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا نكاح إلا بولي وشاهدين) ، والحديث إسناده ضعيف جداً فإن فيه عبد الله بن محِّرز وهو متروك الحديث ولكنه صحيح إلى الحسن مرسلاً، فالصواب فيه الإرسال وأما الوصل فإسناده ضعيف جداً.
وفي الدارقطني وغيره عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدلٍ) ، ولكن سنده ضعيف مرفوعاً، ولكنه صحيح موقوفاً على ابن عباس ﵁ وقد صحح وقفه الترمذي والبيهقي وغيرهما، والعمل على هذا عند أهل العلم من اصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين كما قال ذلك الترمذي ﵀ فهذا الحديث المرسل يشهد له عمل الصحابة ﵃ ويشهد له أيضاً الأثر الموقوف عن ابن عباس ﵄ ولا يعلم له مخالف، وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
وقال المالكية وهو مذهب ابن المنذر واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد – أن الإشهاد لا يشترط وإنما يشترط إعلان النكاح – واستدلوا بما ثبت في المسند بإسنادٍ صحيح من حديث عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ قال: (أعلنوا النكاح) والأمر للوجوب وثبت عند الخمسة إلا أبا داود بإسنادٍ جيد أن النبي ﷺ قال: (فصل ما بين الحلال والحرام – أي النكاح والسفاح – الصوت والدف في النكاح) ، ومن حديث عائشة ﵂ نحو حديث ابن الزبير (أعلنوا النكاح) وفيه: (واضربوا عليه بالغربال) ، وهو الدف ولكن إسناده ضعيف.
стр. 2609
فإذاً: مذهب مالك أن الشرط هو إعلان النكاح، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا أصل للإشهاد في الكتاب والسنة. آهـ، والذي يتبين مما تقدم أن الحديث مرسل والعمل عليه عند أصحاب النبي ﷺ فمن بعدهم ويعضده الأثر الموقوف عن ابن عباس ﵄، فالذي يتبين هو شرطية الإشهاد، كما أن الراجح أيضاً هو وجوب إعلان النكاح كما هو مذهب مالك والجمهور على الاستحباب، والصحيح وجوب إعلانه وقد يقال – إن النكاح إذا أعلن فإنه يكتفي بإعلانه عن الإشهاد، فإن إعلانه يقوم مقام الإشهاد بل أعظم وقد يستدل على هذا بما روى أنس بن مالك ﵄ كما في الصحيحين أن النبي ﷺ (اشترى جارية على سبعة أرؤس فقال الناس – ما ندري أتزوجها النبي ﷺ أم جعلها أم ولد له، فلما ركب حجبها فعلم الناس أنه قد تزوجها) ، وليس في الحديث إشهاد.
стр. 2610
وأجاب عنه الموفق ﵀، بأن هذا من خصائص النبي ﷺ ، كما أن من خصائصه: عدم الولي فإن النبي ﷺ نكح غير واحدة من نسائه بلا ولي فهو من خصائصه فكذلك في الشهادة، ومع ذلك فإن القول باشتراط إعلان النكاح فيه قوة لأن إعلان النكاح يقوم مقام الإشهاد، ولا شك أن الإحتياط هو أن يشهد على النكاح، وأن يعلن عليه. ولا يشترط في المذاهب الأربعة - إلا وجهاً ضعيفاً للشافعي وأحمد كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لا يشترط الإشهاد على إذن المرأة فالإشهاد المتقدم إنما هو الإشهاد على تزويج الولي، بل لو قال الولي: أذنت لي، فإن قوله يقبل ولكن إن أنكرت بعد ذلك أن تكون أذنت لوليها فالقول قولها بيمينها. ولذا: فينبغي كما قال شيخ الإسلام وغيره الإشهاد على إذن المرأة ليكون النكاح متفقاً على صحته، وليؤمن فسخه عند جحودها، فعلى ذلك يستحب الإشهاد على إذنها ولكن لا يشترط لعدم الدليل عليه. فإذن: يشترط الإشهاد ويشترط على الراجح إعلان النكاح ويضرب عليه بالدف، فظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ وكلام أصحابه أن ذلك على التسوية للرجال والنساء وأن الرجال يضربون بالدف كالنساء، وقال الموفق رحمه الله تعالى: هو مخصوص بالنساء. آهـ
стр. 2611
وقوله أظهر لأن هذا غير معروف في عهد النبي ﷺ _أي أن يضرب الرجال بالدف في النكاح بل المعروف هو ضرب النساء على بالدف، فدل على أن المراد بالأحاديث المتقدمة هو ضرب النساء عليه بالدف إذ لو كان المراد ضرب الرجال عليه أيضاً لفعل ذلك في عهد النبي ﷺ ، ولكن إن سمع الرجال للدف مع كون الفتنة مأمونة كأن تكون الجواري هن اللآتي يضربن بالدف فإن ذلك جائز، ويدل عليه ما رواه الحاكم بسند صحيح عن عامر بن سعد قال: (دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوار يضربن بالدف فقلت – أنتم أصحاب النبي ﷺ وأهل بدر يفعل هذا عندكم – فقالا: إن شئت فأقم معنا وإن شئت فاذهب فإن النبي ﷺ رخص لنا باللهو في العرس) ، فدل على جواز السماع مع أمن الفتنة.
فالأظهر هو ما قاله الموفق ﵀ وأن الضرب بالدف إنما هو للنساء خلافاً لما يفيده ظاهر نصوص الإمام أحمد وظاهر كلام أصحابه لأن هذا غير معروف في عهد النبي ﷺ . ويشترط في الشاهدين العدالة ولو ظاهراً كما تقدم في الولي، وكذا أن يكونا ذكرين فلا تصح شهادة الأنثى ولا تصح شهادة رجل وامرأة ففي مصنف ابن أبي شيبة عن الزهري قال: مضت السنة أن شهادة المرأة لا تجوز في الحدود ولا في النكاح ولا في الطلاق. آهـ، ولأن هذا الأمر يطلع عليه الرجال وليس بمالي فلم يحتج معه إلى شهادة النساء وسيأتي في الكلام على شهادة المرأة في باب الشهادة إن شاء الله، وأن يكون مكلفين وكذا سميعين فلوا كانا أصمين فلا يصح لأنه لا يمكنه أن يشهد لأنه لم يسمع، وكذا أن يكونا غير أخرسين فإن كانا أخرسين فلا تصح شهادتهما لأنهما لا يمكنهما الأداء، وقال الشافعية في وجه بل يصح أن يكونا أخرسين وهذا هو الراجح لأنه يمكنه أن يؤدي الشهادة بالإشارة.
стр. 2612
قال: [وليست الكفاءة وهي دينٌ ومنصب، وهو النسب والحرية شرطاً في صحته]
الكفاءة ليست بشرط في صحة النكاح ودليل ذلك أن النبي ﷺ كما في الصحيحين (لما عتقت بريرة خيرها من زوجها وكان عبداً) ، فهذا التخيير من النبي ﷺ يدل على أن ذلك ليس شرطاً في صحة النكاح وإنما هو شرط في لزومه أي في أن لا يثبت فيه الخيار فلا فسخ، فإذا تزوج الرجل امرأة ليس بكفء لها فالنكاح صحيح ولكن يثبت الخيار للمرأة ولوليها الفسخ كما خير النبي ﷺ بريرة لما أعتقها والعبد ليس بكفء للحرة وبريرة حرة وزوجها عبد فليس كفأً لها فلم يبطل النبي ﷺ النكاح وإنما جعل لها الخيار.
فعليه ليست الكفاءة شرطاً في صحة النكاح بل هي شرط في لزومه بمعنى أن الكفاءة إن لم تثبت فالخيار ثابت واتفق أهل العلم أن الدين من الكفاءة، فالمرأة الصالحة لا تزوج الرجل الفاسق لأنه ليس بكفءٍ لها، فإذا زوجت امرأة صالحة بفاسق فلها الفسخ بالشرط الآتي ذكره، كما أن الفاجر ليس بكفء للعفيفة فإذا زوجت فلها الفسخ أو لأحد أوليائها مالم يدل دليل على الرضا منها بقولها أو فعلها أو من الولي بقوله فلا فسخ.
والثاني: النسب. فالعربي كفء للعربية ولكن الأعجمي ليس بكفء للمرأة العربية. فمثلاً: رجل ليس بقبلي تزوج امرأة قبلية لا يكون كفأً لها عند جمهور العلماء من الحنابلة والشافعية والأحناف، فإذا لم تعلم أنه غير قبلي فلها ولوليها الفسخ بل لأي أحد من الأولياء ذلك ولو بعد حين في أي زمن كان فله أن يفسخ العقد. فمثلاً: امرأة تزوجها غير قبلي وهي قبلية ورضي الأولياء الحاضرون فولد بعد عشرات السنين ابن عم لها فقال: أن لا أرضى بذلك فحينئذٍ يفسخ النكاح كما سيأتي تقريره فالنسب من الكفاءة وفي البزار بسند جيد، قال سلمان الفارسي ﵁: (أنتم قد فضلكم الله علينا معشر العرب بألاننكح نساءكم ولانؤمكم) .
стр. 2613
قال المالكية وهو مذهب البخاري واختاره ابن القيم وابن سعدي أن الكفاءة ليس منها النسب بل لو تزوج غير القبلي قبلية وهو رجل صالح فهو كفء لها: لقول النبي ﷺ : (إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) رواه الترمذي والحديث حسن، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال لفاطمة بنت قيس وهي عربية قال لها: (أنكحي أسامة بن زيد) وهو مولى، وفي البخاري (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة تبنىَ سالماً وزوجه ابنة أخية هند بنت عتبة بن ربيعة وهو مولى لإمرأة من الأنصار) فسالم مولى وزوجه قرشية، وهذا الأرجح في هذه المسألة وأن مسألة النسب ليست من الكفاءة.
ثالثاً: الصنعة. فصاحب الصنعة الدنيئة كالحجام والكساح ونحوهم لا يزوجون بنات أصحاب الصناعات الرفيعة فان تزوجها فلها الفسخ أو لأحد أوليائها الفسخ وهذا هو المشهور في المذهب.
ومذهب مالك: أن هذا ليس من الكفاءة فقد روى أبو داود بسند جيد (أن أبا هند حجم النبي ﷺ من اليافوخ وهو مولى فقال النبي ﷺ : يا بني بياضة – وهم عرب - أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه) ، وهو القول الراجح في هذه المسألة.
رابعاً: اليسار. فإذا تزوج قرشي نسيب في قومه امرأة ذات يسار وهو فقير معسر فإن لها ولأحد أوليائها الفسخ حتى ولو قام بنفقتها الواجبة ولكنه ما دام لا ينفق عليها النفقة المناسبة لها فليس بكفء لها، فيشترط في لزوم النكاح أن يكون الزوج ذا يسار إذا كانت المرأة ذات يسار، وعن الإمام أحمد وهو الراجح أن ذلك ليس بشرط ولكن إن أعسر في النفقة الواجبة فسيأتي الكلام عليه في مسألة قادمة إن شاء الله.
стр. 2614
خامساً: الحرية. فالعبد ليس بكفء للحرة وهو ظاهر في قول النبي ﷺ في الحديث المتقدم الذي فيه إثبات الخيار لبريرة لما عتقت فدل على أن العبد المملوك ليس بكفء للحرة ولو كانت سابقاً مملوكة ولكنها أعتقت فأصبحت حرة فليس العبد المملوك كفأً لها.
قال: [فلو زوج الأب عفيفة بفاجر ... .، فلمن لم يرض من المرأة أو الأولياء الفسخ]
هذا هو المذهب وأنه يصح تزويج العفيفة لمن عرف بالزنا، وعن الإمام أحمد ﵀ وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي، المنع من ذلك وهو الصحيح الذي يدل عليه كتاب الله حيث قال تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ ، فمن عرف بالزنا فلا ينكح العفيفة والنكاح باطل كما أن العفيف لا ينكح الزانية كذلك لنص الآية المتقدمة.
قال: [أو عربية بعجمي، فلمن لم يرض من المرأة أو الأولياء الفسخ]
أي تزوجت امرأة قبلية برجل ليس بقبلي فلها الخيار، وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، ولكن هنا هل النسب من الكفاءة أم لا، كما لو تزوج بلال ﵁ أو سلمان الفارسي ﵁ تزوج بامرأة قرشية أو تميمية فللزوجة أو لأي أحد من الأولياء أن يفسخ النكاح، فلو رضيت المرأة والأب بهذا الرجل الصالح الذي ليس بعربي فاعترض بعض الاخوة فله الفسخ، ولو لم يكن موجوداً أثناء الزواج بل ولد بعده، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.
وقال الشافعية والمالكية: بل إذا زوج الأقرب فليس للأبعد أن يفسخ فإذا زوج الأب ورضي فليس للأخوة أن يفسخوا، ذلك لأن رضاهم غير معتبر مع وجود الأقرب فالولاية للأقرب وهو الراجح وهذا على القول بأن النسب من الكفاءة.
ولكن هنا لو أن رجلاً زوج ابنته رجلاً غير صالح فاعترف بعض الاخوة على ذلك فهل يقبل هذا الاعتراض ويفسخ العقد أم لا؟
стр. 2615
في المذهب نعم يفسخ، ومذهب المالكية والشافعية وهو الراجح: أنه ليس له حق الفسخ وذلك لأن الراضي هو الولي الأقرب والولي الأبعد ليس بمعتبر مع رضا الولي الأقرب، أما إذا كانوا في درجة واحدة كالاخوة مثلاً فجمهور العلماء على أن لكل واحدٍ منهم الفسخ، وأن رضا كل واحدٍ منهم معتبر ولأن الولاية حق مشترك لهم جميعاً. وقال الأحناف: بل إذا رضي بعضهم ولم يرض الآخرون فالعبرة بمن رضى لا بمن سخط وذلك لأنه حق لا يتجزأ كالقصاص!، والقياس على القصاص فيه نظر لأن القصاص لا يمكن تجزؤه لأنه لا يمكن إقامة القصاص على بعضه ولا ينطبق على البعض الآخر وأما هنا فيمكن الفسخ ومع ذلك فما ذهب إليه الأحناف فيه قوة، لأن هذا ولي قد زوج، وقد تقدم أن الحق لمن تقدم، فالمرأة التي لها وليان فينكحاها فإن الحق للمتقدم وهنا كذلك فإذا زوجها أحدهم من ليس بكفء فليس للأخر الفسخ وذلك لأن الحق أصبح له لتقدمه.
الدرس الخامس والعشرون بعد الثلاثمائة
باب المحرمات في النكاح
المحرمات ضربان:
الضرب الأول: محرمات على الأبد، فلا تحل له أبداً.
الضرب الثاني: محرمة إلى أمد أي إلى غاية، فمتى ما زال المانع فإنها تحل له.
وقد شرع المؤلف في هذا الباب بذكر المحرمات على الأبد:
فقال: [تحرم أبداً الأم وكل جدة وإن علت]
لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ ، فتحرم الأم والجدة من الأم والجدة من الأب وإن علت، فكل أنثى لها إليك ولادة فهي أم لا تحل.
قال: [والبنت وبنت الإبن وبنتاهما من حلال وحرام وإن سفلت]
стр. 2616
البنت محرمة لقوله تعالى (وبناتكم) وهكذا بنت البنت وإن نزلت وبنت الإبن وإن نزلت والبنت هي كل أُنثى لك إليها ولادة فالبنت تحرم سواءً كانت من نكاح حلال أو من نكاح شبهة أو من الزنا المحرم فالبنت من النكاح الصحيح محرمة والبنت من النكاح الشبهة محرمة وهذا بإجماع أهل العلم وكذلك المنفية باللعان فإذا نفى من زوجته ما في بطنها أو إبنة لها فإنها لا تحل له لإحتمال أن تكون من مائه، والإحتياط في الفروج واجب.
وأما التي هي من السفاح المحرم فالمشهور في مذهب الإمام أحمد: أنها تحرم عليه.
وقالت الشافعية: بل تحل له واستدلوا بأنها لا تنتسب إليه ولا ترث منه فهي أجنبية عنه.
والراجح هو القول الأول وذلك لأنها خلقت من مائه ولأنها بعض منه وهذا لا يترتب على حل ولا حرمه فهي بنت له فتدخل في عموم قوله (وبناتكم) وإنما لم تنسب إليه لأن السبب في كونها منه ليس سبباً شرعياً وإلا فهي بنته ومما يدل على أنها محرمة عليه قوله ﷺ في امرأة هلال بن اُمية لما لاعنها زوجها قال (انظروه فإن جاءت به على كذا وكذا _ ووصفه ﷺ _ فهو لشريك بن السمحاء وهو الزاني فقد قال (فهو لشريك) أي هو ابن له وهو وإن لم ينتسب له وإن لم يرث منه لكنه ابنٌ له وكذلك البنت.
قال: [وكل أخت وبنتها وبنت بنتها]
وكل أخت سواء كانت من أبوين وهي الأخت الشقيقة أو من أبٍ وهي الأخت لأب، أو كانت من أم وهي الأخت لأم فكلهن محرمات لقوله تعالى: ﴿وأخواتكم﴾ ، وكذلك بنت الأخت وبنت بنت الأخت وإن نزلت لقوله تعالى: ﴿وبنات الأخت﴾ .
قال: [وبنت كل أخٍ وبنتها وبنت ابنه وبنتها وإن سفلت]
لقوله تعالى: ﴿وبنات الأخ﴾ ، بنت الأخ وبنت بنت الأخ وبنت ابن الأخ كلهن محرمات.
قال: [وكل عمة وخالة وإن علتا]
стр. 2617
فالعمة الشقيقة والعمة لأب والعمة لأم، وعمة الأم وعمة الأب وعمة الجد كلهن محرمات، وهكذا الخالات، لقوله تعالى: ﴿وعماتكم وخالاتكم﴾ والجمع في الجمل المتقدمة في هذه الآية جمع مضاف والجمع المضاف يفيد العموم، وعليه فلا تحل له ممن يجمعه النسب وإياها إلا بنات العم وإن نزلت وبنات العمة وإن نزلن، وبنات الخالة وإن نزلت وبنات الخال وإن نزلت، والمراد بالنسب القرابة بخلاف الصهر وقد قال تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللآتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك﴾ .
قال: [والملاعنة على الملاعن]
فالملاعنة تحرم على الملاعن على الأبد، ولذا قال النبي ﷺ للملاعن (لا سبيل لك عليها) فتحرم عليها.
قال: [ويحرم بالرضا ما يحرم بالنسب]
تقدم ذكر المحرمات بالنسب وهن سبع، وهؤلاء المحرمات بالنسب يحرم ما يقابلهن من الرضاع، فأم الرضاع محرمة وبنت الرضاع محرمة وهكذا لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) .
قال: [إلا أم أخته وأخت ابنه]
стр. 2618
هذا استثناء، فأم الأخت من الرضاع لا تحرم، فإذا كان لك أخت ولها أم من الرضاع، فهذه المرأة لم ترضعك وإنما أرضعت أختك فإن هذه المرأة لا تحرم عليك وكذلك أخت ابنه من الرضاع فإذا كان له ابن ولإبنه أخت من الرضاع فللأب أن ينكح هذه المرأة وهذا الاستثناء الذي ذكره المؤلف فيه نظر من حيث الاستثناء لا من حيث الحكم أما من حيث الحكم فهو ظاهر وأما من حيث الاستثناء ففيه نظر، ولذا ذكر الزركشي وغيره أن جمهور الأصحاب من الحنابلة لم يستثنوه وذلك لأن المستثنى منه هن المحرمات بالنسب والمستثنى هنا من التحريم بالمصاهرة، فإن أم الأخت محرمه لأنها زوجة الأب فيقابلها من الرضاع أم الأخت من الرضاع وكذلك أخت ابنه فإن أخت الابن هي مقابلة للربيبة والربيبة تحريمها من باب التحريم بالمصاهرة وليس من باب التحريم بالنسب ولذا فإن الاستثناء هنا ليس بصحيح.
وهل يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة؟ الجمهور أن ذلك ثابت وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة.
وقوّى شيخ الإسلام خلاف هذا وهو القول الراجح وقواه ابن قيّم الجوزية لعدم الدليل على ذلك ولأن الله يقول (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ونكتفي هنا بذكر ترجيح هذا القول ويأتي الاستدلال عليه في كتاب الرضاع بإذن الله.
قال [ويحرم بالعقد زوجة أبيه وكل جد]
بمجرد العقد تحرم زوجة الأب وزوجة الجد سواءً كان جداً من أم أومن أب وإن علوا لقوله تعالى (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) فزوجة الأب محرمة وكذلك زوجة الجد والأب من له عليك ولادة.
قال [وزوجة ابنه وإن نزل]
стр. 2619
فزوجة الابن محرمة وإن نزل الابن فزوجة الابن من الصلب وزوجة ابن الابن وابن البنت كلهم من المحرمات ولذا قال النبي ﷺ في الحسن (إن ابني هذا سيد) وهو ابن بنته فكل ذكر لك عليه ولادة فهو ابن لك فحليلته محرمة عليك لقوله تعالى (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) فزوجة الابن محرمة بمجرد العقد –أي محرمة على الأب وإن علا الأب.
قال: [دون بناتهن وأمهاتهن]
فزوجة الابن محرمة لكن بنتها ليست محرمة على الأب، وأمها ليست محرمة – أي على الأب – فله أن يتزوج أم زوجة ابنه، أو ابنة زوجة ابنه لقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ ، فليست مما حرمه الله .
قال: [وتحرم أم زوجته وجداتها بالعقد]
هذه المحرمة الثالثة من المحرمات بالصهر وهي أم الزوجة وكذلك جداتها فإنهن يحرمن بمجرد العقد وذلك لقوله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم﴾ .
قال: [وبنتها وبنات أولادها بالدخول]
هذه المحرمة الرابعة بالصهر، وهي بنت الزوجة وبنات أولادها إذا دخل بها وهي الربيبة وهي لا تحرم إلا بالدخول، وقد اختلف أهل العلم في المراد بالدخول:
فقال الحنابلة الدخول هو الوطء، وهو قول ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وربائبكم الآتي في حجوركم من نسائكم اللآتي دخلتم بهن﴾ ، قال في الدخول: هو الجماع.
وعن الإمام أحمد أن الدخول هو الخلوة، فإذا خلا بها فقد دخل بها، وهذا الدخول في العرف، فإن الدخول في العرف هو الخلوة، يقال دخل بالمراة أي بنى بها وإن لم يطأها.
وهو مذهب أكثر الفقهاء أن الدخول هو أن يمسها بشهوة على اختلاف بينهم في تفصيل ذلك.
стр. 2620
وأرجحها أن المراد به الوطء وهو تفسير ابن عباس ولا أعلم له مخالفاً، وقد رواه عنه ابن جرير في تفسيره واختاره، وحكي الإجماع على أن الدخول هنا لا يراد به الخلوة وهذا الإجماع يصرفنا عن تفسير الدخول بالخلوة ولكن تقدم ما روي عن الإمام أحمد في هذا الباب، ولكن مع ذلك يرجحه من جهة أخرى تفسير ابن عباس، والوطء ثابت في الوطء بالقبل بلا ريب.
وهل يثبت بوطئها في الدبر أم لا؟
المشهور في المذهب أنه يثبت بوطئها بالدبر قياساً على وطئها بالقبل
وقال بعض الحنابلة لا يثبت الدخول بذلك حتى يطأها بالقبل وذلك لأن الله إنما حرّم بالمباح فهو الدخول المباح وهو وطؤها في قبلها، ووطؤها في دبرها محرم والمحرم مباين أعظم المباينة للنكاح وهذا هو الراجح
قال [فإن بانت الزوجة أو ماتت بعد الخلوة أبِحن]
إذا بانت الزوجة أي إذا طلقها بعد الخلوة وقبل الدخول فإن ابنتها حلال له للآية المتقدمة (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) وهو لم يطأها وكذلك إذا خلا بها ثم ماتت قبل أن يدخل بها فإن ابنتها تحل له وذلك للآية المتقدمة لأنه لم يدخل بها وكونها قد ماتت فإن موتها ليس في حكم الدخول بها.
إذن: المحرمات بالمصاهرة أربع كلهن يحرمن بمجرد العقد إلا الربيبة أي بنت الزوجة فإنها لا تحرم إلا بالوطء. واختلف أهل العلم في قوله تعالى (وربائبكم اللاتي في حجوركم) هل هذا القيد له مفهوم أو لامفهوم له؟
فقالت: الظاهرية وهو قول علي بن أبي طالب كما في مصنف عبد الرزاق وقال الحافظ إبن كثير (إسناده ثابت قوي) وقال (هو غريب جداً) أي على علي بن أبي طالب وهو أن هذا القيد معتبر فعلى ذلك لا تحرم عليه إلا إذا كانت في حجره. وقد قال ابن كثير حدثنا شيخنا الذهبي أنه سأل الإمام تقي الدين ابن تيميه عن هذا الأثر فاستشكله وتوقف في ذلك.
стр. 2621
القول الثاني وهو قول عامه أهل العلم: أن القيد هنا لا مفهوم له وإنما هو يجري مجرى الغالب وذلك لأن الغالب أن بنت الزوجة تكون في حجره ويدل على ذلك أن كونها في حجره ليس بمؤثر شرعاً فإن الرجل لو ربى بنتاً كأن يربي بنت عمه أو بنت خاله فإنها لا تحرم عليه. فدل هذا على قوة ما ذهب إليه جماهير أهل العلم من أن هذا القيد لا مفهوم له، وأما الأثر فضعفه ابن المنذر والطحاوي.
وكذلك ما كان من نكاح شبهة، فإذا وطئ رجل امرأة في نكاح شبهة ولها بنت فإنها تحرم عليه، وهذا بالإجماع، وهل تحرم عليه بنت من زنى بها؟
قال الحنابلة: تحرم عليه قياساً على النكاح.
القول الثاني في المسألة، وهو المشهور في مذهب الشافعية والمالكية أنها لا تحرم عليه واختاره شيخ الإسلام والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو القول الراجح، إذ لا يصح –كما قال الشيخ عبد الرحمن – قياس السفاح بالنكاح بوجه من الوجوه، وأيضاً فإن الله إنما حرم أم الزوجة وبنت الزوجة وزوجة الأب وزوجة الابن والمزني بها ليست بزوجة فلا تثبت لها هنا الأحكام، فإذا زنا الأب بامرأة فإنها لا تكون زوجة له فتحرم على إبنه , ومن غرائب العلم أن المشهور في مذهب الحنابلة أن اللواط تنتشر به الحرمة , وأن الرجل إذا فعل بآخر حرمت عليه أم المفعول به وابنة المفعول به وهكذا، وهذا من غرائب العلم وهو من القياس الباطل البعيد، وهذا من مفردات المذهب، وخالف في هذه المسألة أبو الخطاب من الحنابلة والموفق ابن قدامه.
الدرس السادس والعشرين بعد الثلاثمائة
فصل
قال: [وتحرم إلى أمدٍ معتدته وأخت زوجته وبنتاهما وعمتاهما وخالتاهما]
стр. 2622
هذا الفصل في المحرمات إلى أمد، أما حرمة الجمع بين الأختين فقوله تعالى – في سياق ذكر المحرمات – (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) وأما الدليل على النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها فهو ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها) وقوله (لا يجمع) خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) فيحرم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها ومن باب أولى حرمة الجمع بين المرأة وابنتها، والقاعدة في المذهب: " المنع من الجمع بين كل أنثيين بينهما نسب أو رضاع بحيث لو كانت إحداهما ذكرا لما جاز له أن ينكح الأخرى "، هذا هو الضابط في المشهور من المذهب، وعليه فلا يجوز الجمع بين المرأة وعمة أبيها والمرأة وخالة أبيها، وكذلك لا يجوز الجمع بين الأختين من الرضاع ولا بين المرأة وعمتها من الرضاعة وهكذا.
стр. 2623
وأختار شيخ الإسلام الجمع بين الأنثيين إن كان بينهما رضاع لا نسب، فله أن يجمع بين المرأة وعمتها من الرضاعة وبين المرأة وخالتها من الرضاعة وبين الأختين من الرضاعة وذلك لأن الجمع بين الأنثيين اللتين بينهما رضاع ليس تحريمه بمنصوص عليه وليس بمعنى المنصوص عليه، فليس بمنصوص عليه ولا يقاس على المنصوص عليه للفارق في المعنى، أما كونه ليس بمنصوص عليه، فلأن الأم إذا أطلقت والأخت إذا أطلقت والعمة إذا أطلقت والخالة إذا أطلقت لا تدخل فيها أم الرضاع ولا أخت الرضاع ولا عمة الرضاع ولا خالة الرضاع بدليل أن الله قال: في كتابه الكريم ﴿حرمت عليم أمهاتكم﴾ ، ثم قال: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ ، وقال: ﴿وأخواتكم﴾ ، ثم قال: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾ ولو كان قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ يدخل فيه أم الرضاع لما ذكر تحريم الأمهات من الرضاع بعد ذلك، وكذلك في الأخت فلو كان قوله: ﴿وأخواتكم﴾ تدخل فيه الأخوات من الرضاعة لما بين تحريمها في قوله: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾ ، فعليه قوله: ﴿وأن تجمعوا بن الأختين﴾ وفي حديث (لا يجمع بين المرأة وعمتها) لا يدخل في هذه الألفاظ العمة من الرضاع ولا الخالة من الرضاع ولا الأخت من الرضاع.
стр. 2624
وأما كونه لا يقاس على المنصوص عليه، فلأن العلة من تحريم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها ما يفضي إليه الجمع من قطيعة الرحم التي أمر الله بصلتها والشارع إذ نهى عن شئ فإنه يسد الذرائع الموصلة إليه ومن ذلك ما يقع من العداوة من الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها – مما يفضي كثيراً أو غالباً إلى قطيعة الرحم، وليس بين الأختين من الرضاعة ولا بين المرأة وعمتها من الرضاعة ليس بينهما رحم. فالصحيح ما اختاره شيخ الإسلام. وهل يجوز الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها إن كنّ إماءً في الوطء أم لا؟ أي هل يجوز أن يكون تحت ملكه أمتان يطؤهما وهما أختان أو إحداهما عمة للأخرى أو خالة للأخرى أم لا يجوز ذلك؟ أما الجمع بينهما في الملك فلا خلاف بين أهل العلم في جوازه وذلك لأن الرجل قد يمتلك الأمة للخدمة ونحوها، وأما الجمع بينهما في الوطء فمذهب الأربعة وأكثر الصحابة أن ذلك محرم وهو اختيار شيخ الإسلام،
والقول الثاني: وهو: مذهب الظاهرية على جواز ذلك وهو رواية عن الإمام احمد فإنه قال: لا أقول بتحريمه لكني أنهى عنه، أي لا أقول هو حرام لكني أحث على اجتنابه واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ ، والقول الأول ارجح وذلك لأن قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ ، إنما إتاحة جنس المملوكات وليس فيه بيان ما يحرم منهن وما يحل، والجمع بينهن في الوطء يورث ما تقدم ذكره بين الحرائر فإنه يفضي إلى قطعيه الرحم التي أمر الله بصلتها.
قال [فإن طُلقَت وفرغت العدة أبحن]
стр. 2625
إذا طلق المرأة وفرغت من عدتها فله أن ينكح أختها وله أن ينكح عمتها وله أن ينكح خالتها وذلك لأن التحريم إلى أمدٍ وليس بتحريم على الأبد. فقد زال المانع وهو الجمع وهنا لا جمع، فإذا طلق المرأة وقضت عدتها أو ماتت ثم نكح أختها أو عمتها أو خالتها فذلك جائز لزوال المانع. وقد اتفق عامة أهل العلم على جواز الجمع بين المرأة وربيبتها فالعلاقة بينهما ليست علاقة نسب وليست بعلاقة رضاع وإنما علاقة مصاهرة.
فله أن يجمع بين المرأة وبين ربيبتها أي المرأة وبنت زوجها، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ .
قال: [وإن تزوجها في عقدٍ أو عقدين معاً بطلا]
إذا تزوجهما في عقدٍ، بأن قال له الولي: (زوجتك ابنتي هاتين) ، أو قال له: (زوجتك أختي هاتين) ، فهذا العقد باطل لأنه منهي عنه، ولأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى، وحينئذٍ فالنكاح باطل في حق الاثنتين، وكذلك لو كانا في عقدين معاً كأن يقول الأب قد زوجتك بنتي، ويقول الأخ قد زوجتك أختي، فإحداهما عمة للأخرى، فالعقدان وقعا معاً، فإن العقدين يبطلان لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
فإن لم يدرِ أيهما الأسبق:
فإنه يجب عليه أن يفارق الاثنتين وذلك لأنه لا يدري أيهما نكاحها باطل فوجب عليه أن يفارق الاثنتين، لكن في باطن الأمر إحداهما نكاحها صحيح لأن إحداهما قد سبق نكاحها الأخرى لكنه يجهل أيهما السابق فحينئذٍ يكون الحكم كما تقدم وجوب فراق الجميع ثم يعقد عقداً جديداً على أيهما شاء، لكن في الباطن إحداهما نكاحها صحيح ولذا فيجب نصف الصداق لإحداهما، فيصطلحان على نصف الصداق، فإن أبيا الاصطلاح فحينئذٍ تكون بينهما القرعة، فمن خرجت لها القرعة فلها نصف المهر، فإن استباح فرج احداهما فلها مهر مثيلاتها بما استحل من فرجها، فإن كانت هي التي خرجت القرعة لها فيدخل نصف الصداق بالمهر كله.
قال: [فإن تأخر أحدهما]
стр. 2626
إذا تأخر عقد أحدهما بطل المتأخر، فإذا عقد على فلانة ثم على أختها، فإن الأخرى نكاحها باطل، لأن الجمع المحرم المبطل للنكاح قد حصل بعقدها.
قال: [أو وقع في عدة الأخرى وهي بائنٌ أو رجعيةٌ بطل]
إذا طلق المرأة ونكح أختها أو عمتها أو خالتها في عدتها فما الحكم؟
لا يخلوا هذا من حالتين:
أن تكون العدة عدة الرجعيات، بمعنى تكون المرأة طلاقها رجعياً، فبإتفاق أهل العلم يبطل النكاح وذلك لأن الرجعية زوجه.
أن تكون العدة عدة البائنات أي كانت المرأة مطلقة طلاقاً بائناً كأن يطلق امرأته ثلاثاً، بأن يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها الثالثة فحينئذٍ تكون في بينونة فطلاقها طلاق بائن، فقد اختلف أهل العلم في ذلك أي في هل يجوز أن ينكح امرأة وقد طلق أختها أو عمتها أو خالتها وهي في عدة البينونة على قولين:
القول الأول: وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة، ما ذكره المؤلف هنا وأن النكاح باطل.
وذهب الشافعية والمالكية إلى أن النكاح صحيح، وهو القول الراجح في هذه المسألة، وذلك لأنه لا سبيل له إليها ولأن العلة المتقدم ذكرها قد زالت فإن مثل هذا لا يورث عداوة ولا يفضي إلى قطيعة رحم فإن هذه المرأة قد آيست من رجوعها ولأنها ليست بزوجته فالمطلقة طلاقاً بائناً ليست بزوجته فإذا نكح عليها عمتها أو خالتها فإنه لم يجمع بين المرأتين في عصمته.
قال: [وتحرم المعتدة]
لا يحل نكاح المعتدة لقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ .
قال: [والمستبرأة من غيره]
فالمستبرأة لا يجوز نكاحها لقوله ﷺ : (لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حملٍ حتى تستبرأ بحيضة) ، والمستبرأة هي التي يطلب براءة رحمها – أي يراد إثبات أن رحمها بريء لا حمل فيه.
قال: [والزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها]
стр. 2627
الزانية لا يحل نكاحها في المشهور من المذهب خلافاً لمذهب الجمهور، والحجة مع ما ذهب إليه الحنابلة لقوله تعالى: ﴿الزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ ، وفي المسند وأبي داود والترمذي والنسائي بإسنادٍ صحيح أن مرثد بن أبي مرثد سأل النبي ﷺ في نكاح عناق وكانت امرأة تسافح في مكة فسكت النبي ﷺ فنزلت ﴿الزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك﴾ ، فقال النبي ﷺ (لا تنكحها) ، فنكاح الزانية لا يجوز حتى تتوب وتعرف توبتها في المشهور من المذهب بأن تراود فتمتنع، وأنكر هذا الموفق ﵀، والحق مع من أنكر هذا، وذلك لأن مراودتها منكر عظيم، ولذا قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: فإن المراودة أعظم المنكرات وأقرب الوسائل لوقوع الفاحشة، واختار هذا الشيخ محمد بن إبراهيم واستظهره صاحب الفروع فالصحيح أنها لا تراود، ولكن توبتها تعرف بأن يظهر من أحوالها ما يدل على صدق توبتها من مكثها في بيتها وبعدها عن وسائل الفاحشة واستخبار النساء العليمات بحالها، وكذلك إنكاح الزاني باطل حتى يتوب لقوله تعالى: ﴿والزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ كما هو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي.
فلا يجوز نكاح الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها، وانقضاء عدتها إن كانت حاملاً بأن تضع حملها، وإن لم تحمل من الزنا فبأن تستبرأ بحيضة، ولا يحل للزاني إن تاب أن ينكحها في عدتها وإن كان ما يخشى من الحمل منه، وإن كان الإستبراء من مائه وذلك لأن الماءين مختلفان طيباً وخبثاً وكذلك الوطئان يختلفان حلاً وحرمة.
قال: [ومطلقة ثلاثاً حتى يطأها زوجٌ غيره]
لقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ ، أي حتى يطأها.
قال: [والمُحرمة حتى تحل]
стр. 2628
لما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (لا ينكح المحرم ولا يُنكح) والنهي يقتضي الفساد، فإذا نُكحت المحرمة فالنكاح باطل.
الدرس السابع والعشرون بعد الثلاثمائة
قال ﵀: [ولا ينكح كافر مسلمة]
سواءً كان هذا الكافر كتابياً أو وثنياً لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ .
قال: [ولا مسلم ولو عبداً كافرة إلا حرة كتابية]
فلا يحل لمسلم ولو كان عبداً مملوكاً ان ينكح الكافرة لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ ، إلا الحرائر الكتابيات العفيفات فيحل نكاحهن لقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن﴾ ، وفي المذهب أن تركه أولى، أي ترك نكاح الكتابيات، واختار شيخ الإسلام كراهية ذلك وهو نص الإمام احمد وهو مذهب أكثر أهل العلم كما ذكر شيخ الإسلام، وقيده المؤلف هنا بالحرة، وذلك لأن الأمة الكتابية لا يحل نكاحها وإنما توطأ بملك اليمين وأما نكاحها فلا يحل لقوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ ، ولأن الأمة الكتابية إن نكحت جمع بين إرقاق الولد وبين كونه مع كافرة وهي الأمة الكتابية.
قال: [لا ينكح حر مسلم أمة مسلمة]
فليس للمسلم أن ينكح الأمة المسلمة، فهذا أمر لا يجوز إلا بشرطين ذكرهما المؤلف:
قال: [إلا أن يخاف عنت العزوبة لحاجة المتعة أو الخدمة ويعجز عن طول حرةٍ أو ثمن أمة]
فالشرط الأول: أن يخاف عنت العزوبة.
والثاني: أن يعجز عن طول حرة أي عن مهرها سواء كانت الحرة كتابية أو مسلمة وأن يعجز عن شراء أمة لنفسه ودليل هذين الشرطين قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ..... ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم﴾
стр. 2629
فإن نكح مع عدم توفر هذين الشرطين فالنكاح باطل وإنما حرم لما في ذلك من إرقاق الولد، فإن الولد يكون رقيقاً لسيد الأمة لأنه ينكح الأمة وهي في ملك سيدها فيكون ولده ملكاً لهذا السيد.
قال: [ولا ينكح عبد سيدته]
وذلك لما فيه من التنافي الكبير بين كونه مملوكاً وبعلها وبين كونها سيدته وموطوءته، وفي هذا تنافي كبير كما قرر هذا ابن القيم ﵀، وهذا فيه قبح ظاهر في الفطرة والعقل، فتنزهت الشريعة عن إباحته، ولذا حكى ابن المنذر تحريم ذلك عن أهل العلم إجماعاً وهو قول عمر كما في سنن البيهقي.
قال: [ولا سيدٌ أمته]
وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم كما قال الموفق والعلة أن ملك اليمين أقوى من عقد النكاح فلا يحتاج إلى عقد النكاح مع ثبوت ملكه لها.
قال: [وللحر نكاح أمة أبيه]
لأن أمة الأب ليست بملك له وليس ثمت شبهة ملك، فهي مملوكة لأجنبي وهذا بالشرطين المتقدم ذكرهما.
قال: [دون أمة ابنه]
وذلك لأن أمة الابن فيها شبهة ملك، فإن الولد وماله لأبيه، فهنا شبهة ملك، وملك اليمين أقوى من عقد النكاح، وقال أبو حنيفة:- بل يجوز ذلك لأنها ليست مملوكةٍ له – والذي يتبين أن هذه المسألة راجعة إلى مسألة تقدم ذكرها وهي أنه إذا توفرت الشروط في جواز ملكية الأب لمال ولده فلا يجوز له أن ينكحها لأنه يمكنه أن يملكها وأما إذا كانت الشروط غير متوفرة كأن يكون الولد محتاجاً، فحينئذٍ ليس له أن يمتلكها وبالتالي له أن يعقد النكاح عليها.
قال: [وليس للحرة نكاح عبد ولدها]
فلا يجوز للحرة أن تتزوج عبد ولدها، لأن شبهة الملك ثابتة ولكن هذا فيه نظر لأن شبهة الملك إنما تثبت للأب دون الأم كما تقدم تقريره في باب سابق، ولذا قال بعض الحنابلة بجواز هذا النكاح وهو القول الأظهر.
قال: [وإن اشترى أحد الزوجين أو ولده الحر أو مكاتبه الزوج الأخر أو بعضه انفسخ نكاحهما]
стр. 2630
إذا نكح أمةً لغيره ثم اشتراها بعد ذلك فإن النكاح ينفسخ وذلك للعلة المتقدمة وهي أن ملك اليمين أقوى من عقد النكاح ومثل ذلك إذا اشتراها ولده الحر فإذا نكح أمة ثم اشتراها ولده الحر فإن النكاح ينفسخ، وكذلك لو اشتراها مكاتبه، وذلك لأن المكاتب ما يشتريه يكون ملكاً لسيده فهو قن ما بقي عليه درهم.
قال: [ومن حرم وطؤها بعقد حرم بملك يمين إلا أمة كتابية]
فالقاعدة أن كل من حرم وطؤها بعقد فإنه يحرم وطؤها بملك يمين، فهذه قاعدة مطردة في المذهب، ويستثنى من ذلك الأمة الكتابية فإنها لا يحل وطؤها بعقد ويحل بملك يمين، وسبب المنع من النكاح هو عدم الجمع بين إرقاق الولد وبين كونه تحت كافرة، ومن أمثلة هذه القاعدة المجوسية مثلاً لا يحل له أن ينكحها لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ ، ولم يستثن الله إلا المحصنات من الذين أتوا الكتاب، وكذلك عابدة الوثن والملحدة لا يحل نكاحهن، فإذا كان لا يحل نكاحهن فكذلك لا يحل وطؤهن بملك يمين، فإذا وقعت المجوسية أوالوثنية سبياً فلا يحل وطؤها بملك اليمين هذا هو مذهب جماهير أهل العلم حتى حكي إجماعاً والذي رأيته من أدلتهم: القياس على الوطء في النكاح قالوا فكما لا يحل الوطء في النكاح فلا يحل الوطء في ملك اليمين.
следующие страницы →