← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

إذا تأخر عقد أحدهما بطل المتأخر، فإذا عقد على فلانة ثم على أختها، فإن الأخرى نكاحها باطل، لأن الجمع المحرم المبطل للنكاح قد حصل بعقدها. قال: [أو وقع في عدة الأخرى وهي بائنٌ أو رجعيةٌ بطل] إذا طلق المرأة ونكح أختها أو عمتها أو خالتها في عدتها فما الحكم؟ لا يخلوا هذا من حالتين: أن تكون العدة عدة الرجعيات، بمعنى تكون المرأة طلاقها رجعياً، فبإتفاق أهل العلم يبطل النكاح وذلك لأن الرجعية زوجه. أن تكون العدة عدة البائنات أي كانت المرأة مطلقة طلاقاً بائناً كأن يطلق امرأته ثلاثاً، بأن يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها الثالثة فحينئذٍ تكون في بينونة فطلاقها طلاق بائن، فقد اختلف أهل العلم في ذلك أي في هل يجوز أن ينكح امرأة وقد طلق أختها أو عمتها أو خالتها وهي في عدة البينونة على قولين: القول الأول: وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة، ما ذكره المؤلف هنا وأن النكاح باطل. وذهب الشافعية والمالكية إلى أن النكاح صحيح، وهو القول الراجح في هذه المسألة، وذلك لأنه لا سبيل له إليها ولأن العلة المتقدم ذكرها قد زالت فإن مثل هذا لا يورث عداوة ولا يفضي إلى قطيعة رحم فإن هذه المرأة قد آيست من رجوعها ولأنها ليست بزوجته فالمطلقة طلاقاً بائناً ليست بزوجته فإذا نكح عليها عمتها أو خالتها فإنه لم يجمع بين المرأتين في عصمته. قال: [وتحرم المعتدة] لا يحل نكاح المعتدة لقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ . قال: [والمستبرأة من غيره] فالمستبرأة لا يجوز نكاحها لقوله ﷺ : (لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حملٍ حتى تستبرأ بحيضة) ، والمستبرأة هي التي يطلب براءة رحمها – أي يراد إثبات أن رحمها بريء لا حمل فيه. قال: [والزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها]

стр. 2627

الزانية لا يحل نكاحها في المشهور من المذهب خلافاً لمذهب الجمهور، والحجة مع ما ذهب إليه الحنابلة لقوله تعالى: ﴿الزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ ، وفي المسند وأبي داود والترمذي والنسائي بإسنادٍ صحيح أن مرثد بن أبي مرثد سأل النبي ﷺ في نكاح عناق وكانت امرأة تسافح في مكة فسكت النبي ﷺ فنزلت ﴿الزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك﴾ ، فقال النبي ﷺ (لا تنكحها) ، فنكاح الزانية لا يجوز حتى تتوب وتعرف توبتها في المشهور من المذهب بأن تراود فتمتنع، وأنكر هذا الموفق ﵀، والحق مع من أنكر هذا، وذلك لأن مراودتها منكر عظيم، ولذا قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: فإن المراودة أعظم المنكرات وأقرب الوسائل لوقوع الفاحشة، واختار هذا الشيخ محمد بن إبراهيم واستظهره صاحب الفروع فالصحيح أنها لا تراود، ولكن توبتها تعرف بأن يظهر من أحوالها ما يدل على صدق توبتها من مكثها في بيتها وبعدها عن وسائل الفاحشة واستخبار النساء العليمات بحالها، وكذلك إنكاح الزاني باطل حتى يتوب لقوله تعالى: ﴿والزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ كما هو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي. فلا يجوز نكاح الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها، وانقضاء عدتها إن كانت حاملاً بأن تضع حملها، وإن لم تحمل من الزنا فبأن تستبرأ بحيضة، ولا يحل للزاني إن تاب أن ينكحها في عدتها وإن كان ما يخشى من الحمل منه، وإن كان الإستبراء من مائه وذلك لأن الماءين مختلفان طيباً وخبثاً وكذلك الوطئان يختلفان حلاً وحرمة. قال: [ومطلقة ثلاثاً حتى يطأها زوجٌ غيره] لقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ ، أي حتى يطأها. قال: [والمُحرمة حتى تحل]

стр. 2628

لما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (لا ينكح المحرم ولا يُنكح) والنهي يقتضي الفساد، فإذا نُكحت المحرمة فالنكاح باطل. الدرس السابع والعشرون بعد الثلاثمائة قال ﵀: [ولا ينكح كافر مسلمة] سواءً كان هذا الكافر كتابياً أو وثنياً لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ . قال: [ولا مسلم ولو عبداً كافرة إلا حرة كتابية] فلا يحل لمسلم ولو كان عبداً مملوكاً ان ينكح الكافرة لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ ، إلا الحرائر الكتابيات العفيفات فيحل نكاحهن لقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن﴾ ، وفي المذهب أن تركه أولى، أي ترك نكاح الكتابيات، واختار شيخ الإسلام كراهية ذلك وهو نص الإمام احمد وهو مذهب أكثر أهل العلم كما ذكر شيخ الإسلام، وقيده المؤلف هنا بالحرة، وذلك لأن الأمة الكتابية لا يحل نكاحها وإنما توطأ بملك اليمين وأما نكاحها فلا يحل لقوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ ، ولأن الأمة الكتابية إن نكحت جمع بين إرقاق الولد وبين كونه مع كافرة وهي الأمة الكتابية. قال: [لا ينكح حر مسلم أمة مسلمة] فليس للمسلم أن ينكح الأمة المسلمة، فهذا أمر لا يجوز إلا بشرطين ذكرهما المؤلف: قال: [إلا أن يخاف عنت العزوبة لحاجة المتعة أو الخدمة ويعجز عن طول حرةٍ أو ثمن أمة] فالشرط الأول: أن يخاف عنت العزوبة. والثاني: أن يعجز عن طول حرة أي عن مهرها سواء كانت الحرة كتابية أو مسلمة وأن يعجز عن شراء أمة لنفسه ودليل هذين الشرطين قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ..... ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم﴾

стр. 2629

فإن نكح مع عدم توفر هذين الشرطين فالنكاح باطل وإنما حرم لما في ذلك من إرقاق الولد، فإن الولد يكون رقيقاً لسيد الأمة لأنه ينكح الأمة وهي في ملك سيدها فيكون ولده ملكاً لهذا السيد. قال: [ولا ينكح عبد سيدته] وذلك لما فيه من التنافي الكبير بين كونه مملوكاً وبعلها وبين كونها سيدته وموطوءته، وفي هذا تنافي كبير كما قرر هذا ابن القيم ﵀، وهذا فيه قبح ظاهر في الفطرة والعقل، فتنزهت الشريعة عن إباحته، ولذا حكى ابن المنذر تحريم ذلك عن أهل العلم إجماعاً وهو قول عمر كما في سنن البيهقي. قال: [ولا سيدٌ أمته] وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم كما قال الموفق والعلة أن ملك اليمين أقوى من عقد النكاح فلا يحتاج إلى عقد النكاح مع ثبوت ملكه لها. قال: [وللحر نكاح أمة أبيه] لأن أمة الأب ليست بملك له وليس ثمت شبهة ملك، فهي مملوكة لأجنبي وهذا بالشرطين المتقدم ذكرهما. قال: [دون أمة ابنه] وذلك لأن أمة الابن فيها شبهة ملك، فإن الولد وماله لأبيه، فهنا شبهة ملك، وملك اليمين أقوى من عقد النكاح، وقال أبو حنيفة:- بل يجوز ذلك لأنها ليست مملوكةٍ له – والذي يتبين أن هذه المسألة راجعة إلى مسألة تقدم ذكرها وهي أنه إذا توفرت الشروط في جواز ملكية الأب لمال ولده فلا يجوز له أن ينكحها لأنه يمكنه أن يملكها وأما إذا كانت الشروط غير متوفرة كأن يكون الولد محتاجاً، فحينئذٍ ليس له أن يمتلكها وبالتالي له أن يعقد النكاح عليها. قال: [وليس للحرة نكاح عبد ولدها] فلا يجوز للحرة أن تتزوج عبد ولدها، لأن شبهة الملك ثابتة ولكن هذا فيه نظر لأن شبهة الملك إنما تثبت للأب دون الأم كما تقدم تقريره في باب سابق، ولذا قال بعض الحنابلة بجواز هذا النكاح وهو القول الأظهر. قال: [وإن اشترى أحد الزوجين أو ولده الحر أو مكاتبه الزوج الأخر أو بعضه انفسخ نكاحهما]

стр. 2630

إذا نكح أمةً لغيره ثم اشتراها بعد ذلك فإن النكاح ينفسخ وذلك للعلة المتقدمة وهي أن ملك اليمين أقوى من عقد النكاح ومثل ذلك إذا اشتراها ولده الحر فإذا نكح أمة ثم اشتراها ولده الحر فإن النكاح ينفسخ، وكذلك لو اشتراها مكاتبه، وذلك لأن المكاتب ما يشتريه يكون ملكاً لسيده فهو قن ما بقي عليه درهم. قال: [ومن حرم وطؤها بعقد حرم بملك يمين إلا أمة كتابية] فالقاعدة أن كل من حرم وطؤها بعقد فإنه يحرم وطؤها بملك يمين، فهذه قاعدة مطردة في المذهب، ويستثنى من ذلك الأمة الكتابية فإنها لا يحل وطؤها بعقد ويحل بملك يمين، وسبب المنع من النكاح هو عدم الجمع بين إرقاق الولد وبين كونه تحت كافرة، ومن أمثلة هذه القاعدة المجوسية مثلاً لا يحل له أن ينكحها لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ ، ولم يستثن الله إلا المحصنات من الذين أتوا الكتاب، وكذلك عابدة الوثن والملحدة لا يحل نكاحهن، فإذا كان لا يحل نكاحهن فكذلك لا يحل وطؤهن بملك يمين، فإذا وقعت المجوسية أوالوثنية سبياً فلا يحل وطؤها بملك اليمين هذا هو مذهب جماهير أهل العلم حتى حكي إجماعاً والذي رأيته من أدلتهم: القياس على الوطء في النكاح قالوا فكما لا يحل الوطء في النكاح فلا يحل الوطء في ملك اليمين.

стр. 2631

واختار شيخ الإسلام وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وطاووس بن كيسان وعمرو بن دينار أن ذلك جائز واستدلوا بعمومات وخصوصات، أما العمومات فقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ ، وهو عام في الكافرة الكتابية والكافرة الوثنية وأما الخصوصات: فمنها ما تقدم أبي أبو داود وغيره وهو حديث صحيح أن النبي ﷺ قال في سبايا أوطاس – وهن من عبدة الأوثان – قال: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) ، فأجاز النبي ﷺ للصحابة وطأهن بملك اليمين. ثانيا: أن أكثر السبي في عهد النبوة كان من الكفار الوثنين لا يحرمونهن، ولم ينقل عن النبي ﷺ تحريم ذلك، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فكان من سبيهم سبي هوازن وسبي بني حنيفة وغيرهم، ثالثاً: أن الصحابة لما قاتلوا الفرس كان قتالهم مع الفرس كما هو معلوم بعد وفاة النبي ﷺ ، والفرس مجوس فكانت من أعظم الدول وأكثرها عدداً وقد وقعت تحت أيدي المسلمين فوقع السبي تحت أيدي الصحابة فلم ينقل أنهم كانوا يحرمونهن. وحكاية الإجماع مع مخالفة مثل سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وطاووس وعمرو بن دينار وهم أئمة بل بعضهم أعظم قدراً في الإسلام وجلالة من الأئمة الأربعة وحكاية الإجماع مع مخالفة هؤلاء لا شك أنه باطل وهذا هو القول الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام. قال: [ومن جمع بين محللة ومحرمة في عقد صح فيمن تحل] كأن يجمع بين نكاح بنتي عم وكانت إحداهما معتدة والأخرى غير معتدة وقد جمع بينهما في عقد واحد فإنه يصح في غير المعتدة ويبطل في المعتدة وهذا ظاهر لأن غير المعتدة محل للنكاح فلا موجب لبطلان نكاحها. قال: [ولا يصح نكاح خنثى مشكل قبل تبين أمره] لأنه يحتمل أن يكون ذكراً فلا يحل نكاحه لعدم تحقق جواز النكاح.

стр. 2632

مسألة: إذا أيسر الرجل وقد نكح أمة فاستطاع أن ينكح حرة أو نكح حرة فهل يبطل نكاح الأمة أو لا؟ الجواب: يبطل نكاح الأمة لزوال الحاجة الداعية إليه وهذا أحد القولين في المذهب، والمذهب أن النكاح يستدام ولكن الراجح أن النكاح يبطل وذلك لزوال الحاجة الداعية لذلك. الدرس الثامن والعشرون بعد الثلاثمائة باب الشروط والعيوب في النكاح وهذا فصل في ذكر الشروط في النكاح وقد تقدم البحث في شروط النكاح، وهنا الكلام على الشروط في النكاح، والمراد بالشروط فيه، الشروط التي يشترطها أحد الزوجين على الآخر وله في ذلك غرض صحيح أي مصلحة، والمعتبر من الشروط ما كان في صلب العقد هذا هو المشهور في المذهب، وعليه فالشرط الذي يكون قبل العقد ليس بمعتبر، واختار شيخ الإسلام وهو ظاهر المذهب – كما قال ﵀، وهو منصوص كلام الإمام أحمد وهو ظاهر كلام متقدمي أصحابه وهو قول محققي المتأخرين منهم " أن الشرط قبل العقد معتبر ولازم، وهو القول الراجح لعموم الأدلة، فإن عموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعقد كقوله تعالى: ﴿اوفوا بالعقود﴾ ، تتناول ما قبل العقد كما تتناول ما يكون في صلبه، وتقدم نظير هذه المسألة في كتاب البيوع، ولذا فإن هذه قاعدة في كل العقود وأن الشروط معتبرة فيها سواء كانت في صلب العقد أو كانت قبله، والشروط في النكاح منها ما هو شرط صحيح لازم ومنها ما هو شرط فاسد، والشرط الفاسد نوعان: الأول: شرط فاسد باطل مبطل للنكاح. الثاني: شرط فاسد غير مبطل للنكاح. والمذهب لا يجب الوفاء بالشرط وإنما يسن ولها الفسخ واختار شيخ الإسلام الوجوب وهو أصح. وقد شرع المؤلف هنا في ذكر أمثلة للشروط الصحيحة فقال: [إذا شرطت طلاق ضرتها أو أن لا يتسرى أو أن لا يتزوج عليها يخرجها من دارها أو بلدها أو شرطت نقداً معيناً أو زيادةً في مهرها صح]

стр. 2633

فهذه شروط صحيحة، قال الحنابلة الشرط في الشروط ألا تخالف مقتضى العقد. وتقدم كلام شيخ الإسلام هذا وأن الراجح أن الشروط صحيحة ما لم تخالف الشرع، وأن الأصل في الشروط الجواز ما لم تخالف الشرع فتحل ما حرم الله أو تحرم ما أحل الله، تقدم الكلام على هذه القاعدة في كتاب البيوع. وهنا كذلك فالشرط الصحيح في النكاح ما لا يخالف كتاب الله ، ودليل ثبوت هذه الشروط ولزومها ما ثبت في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: (إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج) ، فدل هذا على أن الشروط في النكاح آكد من الشروط في غيره من العقود. فإن قيل أليس في هذا تحريم ما أحل الله حيث اشترطت ألا يتزوج عليها وألا يتسرى ونحو ذلك؟ فالجواب: أنه ليس فيه تحريم ما أحله الله بل غايته ثبوت حق الفسخ لها بمعنى إن لم يوف بهذه الشروط فلها حق الفسخ ولذا قال المؤلف: [فإن خالفه فلها الفسخ]

стр. 2634

فإن خالف الشرط فلها حق الفسخ، وحق الخيار في الفسخ ثابت لها على التراضي ما لم يدل دليل على رضاها بالزوج بعد مخالفته للشرط، فإن دل دليل قولي كأن تقول رضيت بذلك أو فعلي بأن تمكنه من نفسها بأن يطأها مع علمها بمخالفته للشرط فحينئذٍ لا حق لها في الفسخ لرضاها به، ويقبل قولها بيمينها إذا نفت علمها بمخالفته للشرط، فإذا نفت العلم فقالت: أنا مكنته من نفسي وأنا لا أعلم بمخالفته للشرط فيقبل قولها لأن هذا مختص بها وهو أمر خفي، هذا هو القسم الأول من الشرط في النكاح وهو شرط صحيح لازم وهو ما لا يخالف شرع الله، لكن لو شرط عليها ألا تنكح بعده أو شرطت عليه ألا ينكح بعدها فهذا شرط باطل ولا مصلحة لأحدهما فيه لأنه يكون بعد الفراق أو بعد الموت، واختار شيخ الإسلام أن المرأة إذا شرطت على زوجها شرطاً وقالت أنا أحق بنفسي إن خالفت ويكون الطلاق بيدها، فهذا شرط صحيح ولها أن تطلق نفسها لأن هذا يكون من باب التوكيل وسيأتي الكلام على توكيل الزوجة في الطلاق. وهل يجب الوفاء بالشرط إذا كان بعد العقد؟ إذا قال بعد العقد لكي عليّ ألا أنكح فإن نكحت فلكي حق الفسخ، فهل يعتبر هذا الشرط أم لا؟ المشهور في المذهب أنه لا يلزم وذلك لفوات محله فإن محله في صلب العقد. وقال ابن رجب يتوجه صحة الشرط، وما قاله قوي لوجوب الوفاء بالعقود ووجوب الوفاء بالعهود فهذا عهد فيجب عليه الوفاء به، فالأظهر وجوب الوفاء به لأن الله أمر بالوفاء بالعهد، وهذا عهد فيجب عليه أن يوفي به. قال: [وإذا زوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ففعلا ولا مهر بطل النكاحان]

стр. 2635

إذا زوجه وليته بشرط أن يزوجه الآخر وليته فجعلوا بضع هذه مهراً لهذه وبضع الأخرى مهراً للأخرى فهذا لا يجوز وهو نكاح الشغار الذي نهى عنه النبي ﷺ ، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ " نهى عن نكاح الشغار "، ونحوه في مسلم من حديث أبي هريرة فإذا زوج أحداهما وليته الأخر مشارطة بلا مهر فالنكاح باطل وهو نكاح الشغار الذي نهى عنه النبي ﷺ ، والنهي يقتضي الفساد والشغار في الأصل هو الخلو، وسمي نكاح الشغار بهذا الاسم لخلوه من الصداق. قال: [فإن سمي لهما مهر صح] إذا سمي للمرأتين مهر صح والمراد بالمهر هنا المهر المستقل الذي لا يكون قليلاً ولا حيلة، هذا هو المشهور في المذهب وقال بعض الحنابلة يشترط أن يكون مهر المثل وهذا ظاهر درءً للحيلة، فإذا سمى كل واحدٍ منهما لمنكوحته مهراً فالنكاح صحيح في المشهور من مذهب أحمد والشافعي.

стр. 2636

قال نافع كما في الصحيحين وهو راوي حديث ابن عمر: " والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الأخر ابنته ولا صداق بينهما "، فهذا تفسير من نافع ولا يصح رفعه إلى النبي ﷺ وليس أيضاً من قول ابن عمر ولكنه تعريف صحيح للشغار، ولأنهما إذا سميا مهر المثل فلا محذور في مثل هذا النكاح إلا ما يكون من مسألة الرضا فيمن من يشترط رضاها، وقال الخرقي في مختصره: " لا يصح وإن كان بينهما صداق وهو رواية عن الإمام أحمد " ويستدل لهذا القول بما روى أبو داود في سننه وهو من حديث محمد بن اسحاق لكنه صرح بالتحديث: أن العباس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وانكحه عبد الرحمن بن الحكم ابنته وكانا جعلا صداقاً، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم – وكان واليه بالمدينة – بأن يفرق بينهما وقال في كتابه " لهذا الشغار الذي نهى النبي ﷺ عنه"، فهذا الحديث قد يستدل به على أن هاذين الرجلين قد سميا صداقاً، وقد سماه معاوية ﵁ شغاراً، وفسر صاحب عون المعبود قوله " وكانا جعلا صداقاً " بأن المفعول الأول لجعل محذوف والتقدير " وكانا جعلا إنكاح كل واحدٍ منهما الأخر ابنته صداقاً "، وهذا هو الظاهر في تفسير الحديث لأن الكلام الأول ليس فيه ذكر المشارطة وإنما فيه أن هذا أنكح ابنته هذا، وهذا أنكح ابنته هذا، وليس فيه ذكر المشارطة وإنما المشارطة مذكورة في قوله " وكانا جعلا صداقاً "، ويدل عليه ما تقدم من أن مثل هذا مع ثبوت رضا من يشترط رضاها وثبوت مهر مثلها لا محذور فيه مطلقاً، فالقول الراجح هو جواز ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام. قال: [أو تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها] هذا هو نكاح التحليل وهو من كبائر الذنوب فقد قال ﷺ فيما رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وهو كما قال من حديث ابن مسعود (لعن الله المحلل والمحلل له) .

стр. 2637

المحلِّل: هو الزوج الثاني في الظاهر. المحلَّل له: فهو الزوج الأول. وهو نكاح باطل، لأن النهي يقتضي البطلان قال [أو نواه بلا شرط] إذا نوى التحليل من غير شرط، فلم يشرط أو يُشترط عليه أنه متى ما نكحها ووطأها أنها تطلق عليه، فهذا محرم والنكاح باطل لقوله ﷺ (إ نما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) ، ولما ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح أن رجلاً سأل ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له من غير مؤامرة " أي من غير تواطؤ " ليحلها له فهل تحل له فقال (لا إلا نكاح رغبة، لقد كنّا نعد هذا على عهد النبي ﷺ سفاحاً) . قال [أو قال: زوجتك إذا جاء رأس الشهر أو إن رضيت أمها] هذا من باب الشروط المستقبلة، والشرط ثلاثة أنواع: شرط حاضر: كأن يقول " زوجتكها إن شئت " فيقول الآخر " شئت " والمذهب أن هذا الشرط صحيح شرط ماضي: كأن يقول " زوجتكها إن كانت بنتي" وهي بنته في المضي وهو شرط صحيح في المذهب. شرط مستقبل: كأن يقول " زوجتكها إن جاء زيد أو إن رضيت أمها، فهذا شرط باطل في المذهب، قالوا لأن وقف النكاح على شرط لا يصح، وهذا فيه وقف للنكاح على شرط. واختار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد وقوّى هذا القول ابن رجب واختاره صاحب الفائق من الحنابلة وهو القول الراجح في هذه المسألة أن هذه الشروط صحيحة، ولا دليل على المنع من وقف النكاح على شرط ولا محذور في مثل هذا، والأصل في الشروط الصحة ولا دليل يدل على بطلان هذا الشرط. قال [أو إذا جاء غد فطلقها أو وقّته بمدّة بطل الكل]

стр. 2638

هذا هو نكاح المتعة، وهو النكاح مع تحديد أجل له، وهو ممنوع منه شرعاً، ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال (نهى النبي ﷺ عن نكاح المتعة عام خيبر) وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: (رخص النبي ﷺ في نكاح المتعة عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنه) وعام خيبر قبل عام أوطاس، وعليه فيكون نكاح المتعة قد نهى عنه أولاً ثم أبيح ثلاثة أيام ثم نهى عنه، وليس له نظير في هذا، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال - من حديث الربيع بن سبرة (إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع بالنساء وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده شئ منهن فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً) ، فعلى ذلك نكاح المتعة محرم وهو النكاح إلى أجل أي ينفق هو ووليها على أن ينكحها شهراً أو أسبوعاً بأجرة مسماه هذا محرم باتفاق أهل العلم. وهل يحل ما يسمى بالنكاح بنية الطلاق؟ وهو أن ينكحها بنية طلاقها المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو قول الأوزاعي تحريم ذلك وبطلانه. وذهب جمهور أهل العلم إلى الجواز.

стр. 2639

وقال شيخ الإسلام: وهو مكروه، ثم قال في موضع آخر:" والكراهية تتردد بين كراهية التحريم وكراهية التنزيه " وليعلم أن النكاح بنية أنها إن أعجبته ورغب فيها وإلا طلقها هذا بابه باب آخر، فقد اتفق أهل العلم على إباحته فهو موجب النكاح والآخر ينافيه لقصده والفارق بينه وبين المسألة السابقة ظاهر التوقيت فإنه هنا ينوي الاستدامة إلا ألا يرغب فيها، وهذه نية أكثر من ينكح النساء، وأما المسألة السابقة فإنه ينوي طلاقها وهو عازم عليه فهو لا ينوي استدامتها وإن كان قد لا يطلقها، وهذا – كما قال شيخ الإسلام – مكروه، والكراهية تتردد بين كراهية التنزيه وكراهية التحريم، والجمهور على الجواز قياساً على ما إذا نوى أنها إن وافقته وإلا طلقها، ولكن هذا قياس مع الفارق كما تقدم، والذي يقوى عندي ما ذهب إليه أهل القول الأول، وذلك لأن الأصل الأبضاع التحريم. فلا تحل إلا بنكاح شرعي صحيح تتوفر فيه شروط النكاح كما يتوفر فيه معنى النكاح، وهذا لا يتوفر فيه معنى النكاح فإن النكاح يقصد للمودة والسكنى كما دل على ذلك كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأما هذا فإنها كالمستأجرة، قالوا: وأيضاً قياساً على نية التحليل، فإذا نوى التحليل فإن ذلك محرم وهو نكاح باطل وإنما الأعمال بالنيات وكذلك هنا وهذا قياس صحيح وإن كان بينهما فارق في الشدة فإن النكاح بنية التحليل أشد من النكاح بنية الطلاق، وذلك لأن النكاح بنية التحليل نكاح لمن لا يريدها لنفسه، فهو لا يريدها لشئ إلا بان يحللها لغيره، وأما الآخر فله نية في الاستمتاع بها. ومع ذلك فإن القياس لا ينتفي لأن هذا الفارق غير مؤثر وإنما هو فارق في الشدة، وعلى ذلك الأقوى ما ذهب إليه الحنابلة. مسألة: إذا تزوجت المرأة بنية التحليل؟ أي تزوجت لكي يطلقها هذا الزوج ثم ترجع إلى زوجها، فهل هذه النية تبطل النكاح أم لا؟

стр. 2640

١) القول الأول: أن النكاح صحيح وهو المذهب، وذلك لأن المرأة لا يفوض إليها الطلاق، فليس الأمر بيدها بخلاف الزوج فإن الأمر بيده ولذا لعن النبي ﷺ المحلِّل والمحلِّل له، ولم يذكر المرأة لأنه ليس بيدها شئ، وهناك قول في المذهب: أن النكاح صحيح في الظاهر باطل في الباطن وعليه فإنه تسعى ولو بالمخالفة لمفارقته لأنه باطل في الباطن، لأن المرأة أحد طرفي العقد، والذي يتبين هو القول الأول لأنها ليس بيدها. الدرس التاسع والعشرون بعد الثلاثمائة فصل هذا الفصل في النوع الثاني من القسم الثاني من الشروط الفاسدة فقد تقدم أن الشروط الفاسدة نوعان: ١) شروط فاسدة تبطل النكاح. ٢) وشروط فاسدة لا تبطل النكاح فالنكاح يصح والشرط يفسد. قال: [وإن شرط أن لا مهر لها] فإذا شرط ألا مهر لها فإن النكاح يصح والشرط يفسد وعليه، فيجب لها مهر المثل، واختار شيخ الإسلام وهو مذهب مالك، وقال شيخ الإسلام وهو مذهب أكثر السلف أن النكاح يفسد، فالعقد يفسد، وذلك لأن العقد الذي لا مهر فيه عقد فاسد كنكاح الشغار، فإن النبي ﷺ قد أبطل نكاح الشغار لأنه لا صداق فيه، ولم يصححه النبي ﷺ وأوجب مهر المثل، وهذا القول الراجح وأن النكاح لا يصح إلا بمهرٍ. قال: [أو لا نفقة أو أن يقسم لها أقل من ضرتها أو أكثر]

стр. 2641

ونحو ذلك من الشروط فإن النكاح يصح والشرط يفسد أما كون النكاح يصح فلأن الشرط يرجع إلى معنى زائد لا يضر الجهل به، ولا يشترط في العقد ذكر النفقة إثباتاً ولا عدلاً، وكذلك القسم بين الزوجات لا يشترط إثباتاً ولا عدلاً، فلم يرجع هذا الشرط الفاسد إلى العقد وإنما رجع إلى معنى زائد فكان النكاح صحيحاً، وأما كون الشرط فاسداً فلأنه يخالف مقتضى العقد فعليه تجب لها النفقة وتجب لها القسمة الشرعية. واختار شيخ الإسلام أن هذه الشروط صحيحة معتبرة وهذا كالشروط التي تقدم أنها تصح من المرأة، فإن هذا ليس فيه مخالفة لشرع الله تعالى بل فيه أنها إن شاءت قبلت هذا الشرط وإلا فإنه لا ينكحها، وعلى ذلك هذه الشروط صحيحة والنكاح صحيح، لأنها لا تخالف الشرع، والأصل في الشروط الوفاء. قال: [أو شرط فيه خياراً] إذا شرط فيه خياراً فلا يصح، كأن يقول – زوجتك ولي الخيار ثلاثة أيام – أو نحو ذلك، فلا يصح في المشهور من المذهب، وذلك لأن مقتضى عقد النكاح التنجيز والخيار يخالف التنجيز فيكون مخالفاً لمقتضى العقد، وفي المسألة ثلاثة أقوال – كما قال ذلك شيخ الإسلام – وهي روايات عن الإمام أحمد: القول الأول: وهو ما ذكره المؤلف هنا، وهو أن الخيار فاسد والنكاح صحيح، وذلك لأن هذا الشرط يخالف مقتضى العقد، وهو معنى زائد على العقد فلم يبطل به العقد. القول الثاني: أن النكاح يبطل. القول الثالث: أن النكاح يصح والخيار يثبت، واختاره شيخ الإسلام، وذلك للقاعدة المتقدمة وهي أن الأصل في الشروط الوفاء، وله غرض صحيح في الخيار، فإن الخيار لا يشترطه إلا من له في ذلك غرض صحيح وهو شرط فيه مصلحة. وأرجح هذه الأقوال أن النكاح يصح وأن الخيار يثبت وهذا أيضاً لا يخالف الشرع فليس فيه تحليل ما حرم الله ولا تحريم ما أحل الله، ومثل هذا قوله: [أو إن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما]

стр. 2642

أي إن جاء بالمهر المقدم في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما فهذا شرط صحيح - على الراجح – لما تقدم لأن الشروط يوفى بها، ولا يخالف هذا شرع الله وكونه يخالف مقتضى مطلق العقد فلا يعني أن يكون مخالفاً لشرع الله، وأما المذهب فإنهم يرون بطلان هذا الشرط. قال: [بطل الشرط وصح النكاح] ففي المسائل المتقدمة كلها يبطل الشرط على المذهب ويصح النكاح فيبطل الشرط لمخالفته لمقتضى العقد ويصح النكاح لأنه يرجع إلى معنى زائد عن العقد. قال: [وإن شرطها مسلمة فبانت كتابية، أو شرطها بكراً أو جميلة أو نسيبة أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح فبانت بخلافه فله الفسخ] أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح، هناك من العيوب ما ينفسخ به النكاح وسيأتي الكلام عليه، وهناك من العيوب ما لا ينفسخ بها النكاح، فإذا شرط أن تكون جميلة أو نسيبة أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح فبانت بخلافه فله الفسخ، وذلك لأن هذا الشرط له فيه غرض صحيح، وقد شرطه فوجب له الوفاء حيث شرط، وهنا خولف شرطه وعليه فله الفسخ، فإن كان لم يدخل بهذه المرأة فلا مهر عليه وإن كان بعد دخوله بالمرأة فلها المهر بما استحل من فرجها، ويرجع على من غره بها سواءً كان الولي أو غيره قال [وإن عتقت تحت حر فلا خيار لها بل تحت عبد] إذا عتقت الأمة فلا تخلوا من حالتين: الحالة الأولى: أن تعتق تحت عبد فتكون حرةٌ ويكون – لو أمضينا هذا الزواج – زوجها عبداً فهنا لها الخيار بإجماع أهل العلم بدليل ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما عتقت بريرة خيرها بين بقائها عند زوجها وبين فسخ النكاح وكان زوجها عبداً – كما ثبت هذا في صحيح مسلم من حديث عروة عن عائشة، ومن حديث القاسم عن عائشة في سنن النسائي.

стр. 2643

وأما ما رواه النسائي من حديث الأسود عن عائشة أنه كان حراً فالرجح أنه عبدٌ لأن عروة والقاسم أقرب إلى أم المؤمنين عائشة من الأسود بن يزيد فروايتهما ترجح على رواية الأسود لأنهما أقرب ولأنهما أكثر وأيضاً لما ثبت في البخاري عن ابن عباس قال: " كان زوج بريرة عبداً أسود لبني المغيرة يقال له مغيث. الحالة الثانية: أن تعتق تحت حر فقد اختلف أهل العلم في هل يثبت لها الخيار أم لا؟ المذهب وهو مذهب الجمهور أنه لا يثبت لها الخيار، ولذا قال المؤلف – وإن أعتقت تحت حر فلا خيار لها – وذلك لأن المكافأة ثابتة بعد حريتها. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الأحناف وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن لها الخيار، وهذا الخلاف يرجع إلى مسالك أهل العلم في كون النبي ﷺ خير بريرة من زوجها مغيث، هل كان هذا لفقدان المكافأة بينهما بعد ثبوتها فأصبحت ذات كمال تحت ذي نقص، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور، وأن النبي ﷺ إنما خيرها بهذا المعنى. المسلك الثاني: أن النبي ﷺ إنما خير بريرة لأنها لما عتقت ملكت رقبة نفسها وملكت بضعها ومنافع بضعها وكانت قد زوجت من سيدها بلا رضا منها لأنها مملوكة لها، وحينئذٍ فلا فرق بين أن تكون تحت حر أو عبد، وذلك لأن المعنى ثابت في هاذين النكاحين، وهذا المسلك هو الأرجح وذلك لضعف المسلك الأول من وجهين – كما قرر هذا ابن القيم في زاد المعاد – أما الوجه الأول: فلأن شروط النكاح لا تشترط استدامتها. من ذلك: أن الزانية لا يحل نكاحها فإن زنت في عصمة الرجل فإن النكاح لا يبطل عند عامة أهل العلم، ومن ذلك أن رضا المرأة غير المجبرة شرط في صحة النكاح ابتداءً، وليس شرطاً في أثناء النكاح فلو كرهته ولم ترض به بعد النكاح فإن النكاح لا ينفسخ بذلك، فإن ثبت هذا في الشرط فكذلك في المكافأة.

стр. 2644

الوجه الثاني: وهو نظير هذه المسألة تماماً أن زوال المكافأة لا يبطل النكاح بفسق الزوج في المذهب وفي مذهب جمهور أهل العلم بل لعل ذلك إجماعاً، ومثل ذلك فقدان المكافأة في الحرية فإن من المكافأة الدين، فلا تزوج الصالحة بفاسق، فإذا فسق الزوج وفجر فإن هذه المكافأة قد فقدت وقد زالت ومع ذلك فإن النكاح لا يبطل بل يكون صحيحاً وحينئذٍ فيقع في هذا المذهب على هذا التعليل تناقض، فإذا عللنا بالمسلك الذي ذكره فإنه يقع هذا التناقض، فإنه يلزمنا أن نقول بالفسخ عند فسق الزوج ويلزمنا أن نقول بالفسخ عند عدم رضا المرأة بالنكاح ويلزمنا إذا زنت المرأة أن نقول ببطلان النكاح لأن هذا شرط في صحته ابتداءً فكان شرطاً في استدامته انتهاءً، فعلى ذلك الراجح ما اختاره شيخ الإسلام وهو مذهب الأحناف وهو أن المسلك هو أن هذه المرأة قد ملكت نفسها وكانت قد أجبرت على بضعها وقهرت عليه بملك اليمين فلما عتقت ملكت نفسها وملكت بضعها. فصل هذا فصل في ذكر عيوب النكاح، والعيوب تثبت فيها خيار الفسخ كالبيع تماماً وهذا الفسخ لا يكون كالطلاق بل يكون فسخاً بلا طلاق بلا خلاف بين أهل العلم فلا ينقص به عدد الطلاق، فلوا تزوجها بعد ذلك لم تحسب عليه تطليقه. قال: [ومن وجدت زوجها مجبوباً] أي مقطوع الذكر. قال: [أو بقي له ما لا يطأ به فلها الفسخ] فمن وجدت زوجها مجبوباً أو بقي له ما لا يطأ به فإنها يثبت لها الفسخ. قال: [وإن ثبتت عنّته] العنّة: هو ألا يكون قادراً على الجماع بأن لا ينتشر ذكره عند الجماع. قال: [بإقراره أو بينة على إقراره] فإذا ثبت ذلك بإقراره بأن يقر على نفسه بذلك وكذا إذا نكل عن اليمين، أو بينة على إقراره أي يشهد شهود على أنه أقر أو بنكوله عن اليمين. قال: [أجل سنة منذ تحاكمه]

стр. 2645

والعلة من تأجيله سنة قالوا لأن السنة ذات فصول أربعة فإذا كان هذا سبب تغيير في الطبيعة فإنه يتغير بتغير الفصول الأربعة وهذا التعليل مقتضاه أن تكون السنة شمسية، لكن أهل العلم يقولون: إنها سنة هلالية وهذا هو مقتضى إطلاقهم وذلك لقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ ، فأحكام الشرع ترجع إلى السنة القمرية لا الشمسية ثم إن الفارق بين السنة الشمسية والهلالية أيام يسيرة. قال: [فإن وطء فيها وإلا فلها الفسخ] أي للمرأة الفسخ لثبوت العيب فيه، ودليل تأجيل العنين سنة ما ثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن ابن مسعود قال: (يؤجل العنين سنة فإن جامع وإلا فرق بينهما) ، ورواه سعيد بن منصور عن عمر بن الخطاب وقال الحافظ رجاله ثقات، ولا يعلم لهما مخالف. قال: [وإن اعترفت أنه وطئها فليس بعنين] أي ولو مرة واحدة لأن بالوطء ولو مرة واحدة يستقر المهر وتثبت العدة فثبتت الحقوق الزوجية بذلك فإذا وطئها ولو مرة فلا فسخ للعيب لأن العيب حينئذٍ يكون طارئاً ولها أن تخلع نفسها منه كما سيأتي في باب الخلع، والمذهب أنه يكفي إيلاج الحشفة وهو الراجح، واختار القاضي اشتراط إيلاجه جميعه. قال: [ولو قالت في وقت رضيت به عنينا سقط خيارها أبداً]

стр. 2646

إذا قالت في وقتٍ ما رضيت به عنيناً فإن خيارها يسقط وذلك كما لو نكحته وهي تعلم أنه عنين، فإنه لا خيار لها بعد ذلك لأنها دخلت على بصيره فكذلك إذا رضيت، والمشهور في المذهب أنه ليس للزوجة الفسخ من زوجها إن ثبت عقمه أو كان يطؤها ولا ينزل، وقال الحسن البصري " بل إن كان عقيماً فلها الخيار"، وهذا – فيما يظهر لي – أظهر، ودخل في قول ابن القيم كل عيب ينفر الزوج الآخر ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والسكن فإنه ثبت معه الخيار، وهذا أظهر وهو اختيار شيخ الإسلام، ولأن للمرأة حقاً في الولد، وكذلك عدم إنزاله هذا يضعف كمال الوطء فلا تحصل به المرأة شهوتها وعليه فيثبت لها الخيار فيه. فصل قال: [والرتق] وهو انسداد فرج المرأة. قال: [والقرن] لحم يكون في فرجها يمنع من وطئها. قال: [والعفل] رطوبة ورغوة تكون في فرجها. قال: [والفتق] أن يكون سبيلاها سبيلاً واحداً، فالعيوب المتقدمة في الفصل السابق مختصة بالرجل، وهذه مختصة بالأنثى. قال: [واستطلاق بول ونجوٍ] هذا مشترك بينهما. قال: [والقروح السيالة في فرج] وهذا في المرأة. قال: [وباسور وناصور] هذا مشترك بينهما. قال: [وخصاء وسل ووجاء] هذا في الرجل. قال: [وكون أحدهما خنثى واضحاً] هذا مشترك بينهما. قال [وجنون ولو ساعة وبرص وجذام] الجذام: تناثر اللحم، وهذه عيوب مشتركة بينهما. قال [يثبت لكل واحد منهما الفسخ]

стр. 2647

هذه العيوب في المشهور من المذهب، وقاعدة ابن القيم – كما تقدم – أعم من ذلك وهي أصح لكن ليست على إطلاقها بل يستثنى من ذلك ما إذا كان يمكنه الإطلاع على عيبها ومع ذلك فرّط بعدم السؤال وعدم الرؤية مع تمكنه من ذلك وعدم استخبار أهلها، فإذا كان منه تفريط فلا يثبت لها الخيار لأنه هو الذي فرّط. وأما إن كان العيب لا يحصل بسؤاله كأن يكون عيباً داخلياً في المرأة في فرج ونحوه فإنه يثبت له الخيار، ودليل ثبوت الفسخ هو القياس على البيع، بل هذا الحكم أولى في النكاح منه في البيع، وذلك لأن شروط النكاح أوثق وكذلك حق الفسخ منه أولى، وخيار الفسخ على التراضي ما لم يدل دليل على الرضا، وفي المسألة السابقة وهي ما إذا عتقت الأمة تحت عبد، فإن لها حق الفسخ على التراضي- كما تقدم – فإن فعلت ما يدل على الرضا كأن تمكنه من وطئها جاهلةً بحق الفسخ أو جاهلةً بالعتق، ومثله ما يكون في هذا الباب من جهل المرأة بحق الفسخ، فالمشهور في مذهب الحنابلة أن المرأة إذا مكنت زوجها من نفسها وكان لها حق الفسخ وهي جاهلة فإن حق الفسخ يسقط، واستدلوا بما روى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ لما عتقت بريرة خيرها وقال: (إن كان قد قربك فلا خيار لك) . والقول الثاني: وهو مذهب الشافعية وقول إسحاق وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن الخيار يثبت لها، وذلك كسائر الحقوق التي لا تسقط إلا بما يدل على الرضا، وهي جاهلة معذورة، وسائر الحقوق لا تسقط إلا بما يدل على الرضا وهذا هو الراجح، وأما حديث أبي داود فإسناده ضعيف، لكن إن مكنته من نفسها مع علمها ومعرفتها بحق الفسخ فالنكاح ثابت ماضٍ وليس لها حق الفسخ بعد ذلك، ففي موطأ مالك بإسناد صحيح أن ابن عمر قال " إن الأمة إذا مسّها فلا خيار لها "، وذلك إذا مسّها بعد علمها بحق الفسخ ثم مكنت نفسها منه فليس لها الفسخ بعد ذلك لأن هذا دليل رضاها.

стр. 2648

الدرس الثلاثون بعد الثلاثمائة هنا مراجعة في مسألتين تقدم البحث فيهما في الدرسين السابقين أما المسألة الأولى: فهي عند شرط المرأة طلاق ضرّتها، فقد تقدم أن المشهور في المذهب صحة هذا الشرط، والراجح هو قول الموفق واختيار ابن القيم أن ذلك لا يصح وذكر الموفق أنه لم ير هذا القول لغير أبي الخطاب من الحنابلة فالراجح أن هذا الشرط لا يصح لأنه يخالف شرع الله في قوله ﷺ : (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح فإن مالها ما قدر لها) متفق عليه، وكل شرط يخالف كتاب الله فهو باطل، وذكر ابن القيم الفرق بين اشتراط طلاق الضرة وبين أن تشترط على زوجها ألا ينكح عليها أو ألا يتسرى، وأن الفرق بينهما أن اشتراط طلاق الضرة فيه ضرر على الضرة ففيه كسر لقلبها وخراب لبيتها ولا شك أن مثل هذا ضرر ظاهر. أما المسألة الثانية: فهي أن الحنابلة يخصون العيوب بالعيوب التي تقدم ذكرها –على خلاف في بعضها – واختار ابن القيم أن كل عيب ينفر الآخر ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والرحمة فإن الفسخ يثبت به، وحكاه قولاً لبعض الشافعية وحكاه قولاً للزهري ولشريح القاضي واستدل – ﵀ – بأن ثبوت الفسخ هنا أولى من ثبوته في البيع فإن شروط النكاح أوثق وكذلك الفسخ فيه أولى، قال ولأن الإطلاق يحمل على الأصل وهو السلامة من العيوب، وهو قد أطلق فلم ينفي العيوب فإنه إذا نفى عيباً لا ينفسخ النكاح به، فإن الفسخ ثبت حيث ثبت هذا العيب لكن هنا حيث لم يشترط نفيه فالأصل السلامة من العيوب وإطلاقه يحمل على ذلك والمشروط عرفاً كالمشروط لفظاً، فإن العرف يقضي بذلك فإنه إنما خطب السليمة من العيوب، قال ولأن ذلك أقبح التدليس والفحش أي إذا سكتوا عن ذكر عيوبها، قال في الإنصاف في هذا القول وما هو ببعيد. آهـ

стр. 2649

واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي. وهذا القول هو الراجح لقوة أدلته، لكن كان يشكل – كما تقدم ذكره في الدرس السابق – أنه قد فرط في عدم السؤال أو السعي إلى النظر إليها والجواب عن هذا الإشكال هو وإن كان مفرطاً في ذلك فإن هذا التفريط فيه ليس كسكوتهم عن العيب الذي يعتبر كما تقدم من أقبح الغش والخداع، ويدل عليه ما ثبت في مصنف عبد الرزاق وموطأ مالك بإسناد صحيح من حديث سعيد بن المسيب عن عمر وسماعه ثابت منه كما قال ذلك الإمام أحمد ولو فرض أنه لم يسمع منه فإن أحاديثه التي يرفعها مرسله إلى النبي ﷺ مقبولة عند أهل العلم فأولى من ذلك ما يرسله عن الصحابة ﵃ أن عمر قال " أيما رجلٍ تزوج امرأةً فوجد بها جنوناً أو برصاً أو جذاماً فمسها فلها صداقها كاملاً وذلك لزوجها غرم على وليها "، وثبت في البيهقي بإسنادٍ صحيح أنه قال " إذا تزوجها عمياء أو برصاء فدخل بها فلها الصداق ويرجع إلى من غره "، والعمى ليس مذكوراً في جملة العيوب التي تقدم ذكرها وورد عنه ﵁ العقم كما في مصنف عبد الرزاق ورجاله ثقات، وهنا قد ذكر العمى وهو ليس من العيوب التي تقدم ذكرها عند الفقهاء ومعلوم أن الخاطب أو العاقد يمكنه أن يسأل عن ذلك فلا شك أنه قد وقع منه تفريط ومع ذلك فإن الفسخ ثابت له لثبوت هذا العيب فعلى ذلك إذا تزوجها وبها خرس أو عمى أو قطع في اليدين أو الرجلين فالصحيح وهو اختيار ابن القيم – خلافاً للمشهور في المذهب بل خلافاً للمذاهب الأربعة – ثبوت الفسخ. قال: [ولو حدث بعد العقد]

стр. 2650

لو حدث بعد العقد فإن الفسخ يثبت، فالعيب يحكم معه بوجوب الفسخ وإن كان طارئاً بعد العقد، وذلك قياساً على الإجارة بجامع أن كليهما عقد على منفعة ولأنه إذا ثبت مقارناً فيثبت طارئاً، وخيار العيب ثابت لدفع الضرر فإذا ثبت مقارناً فيثبت طارئاً فعليه إذا ثبت في الرجل عيب بعد العقد فللمرأة الفسخ أو ثبت في المرأة عيب بعد العقد فله الفسخ ولا مهر لها لثبوت العيب، أما إن دخل بها فسيأتي الكلام عليه. قال: [أو كان بالأخر عيب مثله] وذلك لوجود سببه فلو كان في الأخر عيب أخر فكذلك لوجود سببه، فإذا وجد سبب الفسخ وجد الفسخ وسببه ثبوت العيب في أحد الزوجين فلو ثبت في الأخر عيب أخر أو عيب مثله فإن الحكم كذلك لا يتغير لوجود سببه ولأن الإنسان يرضى بعيب نفسه ولا يرضى بعيب غيره كما هو متقرر في الفطر. قال: [ومن رضي بالعيب أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له] إذا رضي هذا الزوج الناكح للمرأة المعيبة بعيبها بقوله أو ظهر منه ما يدل على الرضا كأن يطأها وهو عالم بعيبها فلا خيار له بلا خلاف بين أهل العلم وكذلك المرأة إذا رضيت بعيب زوجها بقولها أو فعلها فإنه لا خيار لها وظاهره ولو كان مستحق الفسخ جاهلاً بحق الفسخ وهذا هو المشهور في المذهب وأن الخيار يسقط وإن كان مستحقه جاهلاً والراجح أن الجهل يعذر به لأنه حق كسائر الحقوق لا يسقط إلا بما يدل على الرضا والرضا المعتبر: إنما يكون حيث علم أن له حق الفسخ أما إن سكت وهو لا يعلم أن له حق الفسخ أو سكتت وهي لا تعلم أن لها حق الفسخ فلا. وقد تقدم أن هذا هو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي. قال: [ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكم]

стр. 2651

فلا يصح الفسخ إلا بحاكم، فلو فسخ مستحق الفسخ لم يثبت فسخه إلا بحكم حاكم هذا هو المشهور في المذهب قالوا لأن المسألة مجتهد فيها بخلاف المسائل المتفق عليها كالمعتقة تحت العبد فإنها تفسخ نفسها منه بلا حكم حاكم، وقال شيخ الإسلام: بل الفاسخ هو، والحاكم يأذن بالفسخ أو يحكم به، فالفسخ يثبت تارةً برضاهما وتارةً بحكم الحاكم وعليه فالفسخ يثبت بمجرده من مستحقه، فإن أمضاه الأخر وإلا أمضاه الحاكم وهذا القول هو الراجح لأن الفسخ حقٌ له فثبت بفسخه والحاكم إنما يمضي، ولا فرق – حيث ثبت له الفسخ – بين ما إذا كانت المسألة مجمع عليها وبين ما إذا كانت مختلفاً فيها فهو مستحق للفسخ في المسألتين كلتيهما وهذه قاعدة لشيخ الإسلام في جميع الفسوخ، وأن جميع الفسوخ لا تقف على حكم الحاكم بل لصاحب الحق – في الفسخ – أن يفسخ وإن لم يترافعا إلى الحاكم فإن أمضى الأخر وإلا فإنها يترافعان إلى الحاكم ليمضي الفسخ. قال: [فإن كان قبل الدخول فلا مهر] فإذا ثبت الفسخ قبل الدخول بها فلا مهر، وذلك لأن الفسخ إما أن يكون من المرأة وإما أن يكون من الرجل، فإن كان من المرأة فإنه من قِبَلِها فلم تستحق شيئاً، وإن كان من الرجل فإنه إنما فسخ للعيب فلا تستحق شيئاً، فإذا ثبت الفسخ قبل الدخول فلا مهر للمرأة سواء كان العيب ثابتاً في الرجل أو المرأة وسواء كان الفاسخ الرجل أو المرأة. قال: [وبعده فلها المسمى]

стр. 2652

أما إذا كان الفسخ بعد الدخول يثبت لها المسمى في العقد سواء كان أقل من مهر المثل أو أكثر من مهر المثل، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد، ومذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد، أن لها مهر المثل، قالوا: لأنه فسخ يرجع إلى العقد والفسخ الذي يرجع إلى العقد يكون فيه مهر المثل كعامة الفسوخ التي ترجع إلى بطلان النكاح، والراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول وذلك لأن المهر يستقر بالدخول، فإذا دخل بالمرأة فقد استقر المهر وقد سمي لها مهراً، وأما ما قاله الشافعية من أنه فسخ يرجع إلى العقد فكان فيه مهر المثل. فالجواب: أنه إنما يرجع إلى العقد في العقود الفاسدة، وهذا لو كان فاسدا لم يمض ولم نثبت فيه خياراً بل لأبطلناه، ويدل على هذا ما تقدم من الآثار عن عمر فإنه قال: " فلها صداقها كاملاً "، وقال في الأثر الآخر: " فلها الصداق "، أي الصداق المسمى كما تدل عليه الرواية الأخرى، فالراجح أن لها المهر المسمى، ويرجع بهذا المهر الذي قد سماه لنا، ويرجع إلى من غرّه. والغار: هو من علم بالعيب وكتمه سواء كان الولي أو الوكيل أو المرأة فيرجع إلى من غره. وعليه فيرجع إلى الولي، وقد تقدم أثر عمر " وذلك لزوجها غرم على وليها " فيرجع على الولي، فإن أنكر الولي بيمينه أنه لا يعلم هذا العيب وكان هذا العيب ممكن أن يخفى عليه ويمكن أن يصدق ككثير من العيوب التي تكون باطنة، أو أن يكون ولياً بعيداً كأن يزوجها ابن عمٍ فيخفى عليه عيب ظاهر فيها، يطلع عليه أهل بيتها، فإن ثبت أنه لا يعلم باليمين فإنه يرجع إلى المرأة، لأنها هي التي غرته من نفسها، لأن الولي ثبت أنه لا يعلم بيمينه فحينئذٍ يرجع إلى المرأة إن كانت المرأة عاقلة وعالمة، أما إذا لم تكن عاقلة فإنه لا يرجع وكذلك إن كانت غير عالمه. فإن قيل: هل يتصور أن تكون المرأة ليست بعالمه؟

стр. 2653

فالجواب: إن هناك من العيوب ما يكون خفياً عن المرأة نفسها، كأن يكون هناك بقعة من البرص في موضع لا يطلع عليه في العادة، وكأن يكون في ظهرها فإنها تصدق بقولها، وحينئذٍ فإذا ثبتت براءة الوكيل، والوكيل لم يطلع على شيء من ذلك فحينئذٍ لا يرجع على أحد وذلك لأن المهر قد استقر بالدخول وليست ثمت مغرر يرجع إليه، والرجوع إلى المغرر ثابت عن عمر كما في الأثر السابق وورد في البيهقي عن علي " أنه لا يرجع بل يثبت لها المهر بما استحل من فرجها "، لكن الأثر من رواية الشعبي عن علي، وراية الشعبي عن علي منقطعة، وعليه فالأثر ضعيف ولا يعلم لعمر مخالف صحيح، إذن يرجع إلى المغرر – وهو الولي المباشر بعقد النكاح –، فإن نفى ذلك الولي وأمكن تصديقه وحلف على ذلك فإن هذا الزوج يرجع إلى المرأة، فإذا كانت المرأة جاهلة به وأمكن تصديقها فإنه لا يرجع إلى أحد، ولها المهر بما استحل من فرجها، وليست ثمت مغرر يرجع إليه. قال: [والصغيرة والمجنونة والأمة لا تزوج واحدة منهن بمعيب] فليس لولي هؤلاء أن يزوجهن بمعيب وذلك لأن ولايته ولاية نظر موجب أن ينظر ما فيه حظ ومصلحه لهن، وعليه فالنكاح باطل إن كان معيباً. ولا خلاف بين أهل العلم أنه إذا أنكح الكبيرة البكر، إن زوجها معيباً فلا يصح بلا خلاف بين أهل العلم، وذلك لأن ولايته ولاية نظر موجب عليه أن ينظر ما فيه مصلحة وحظ لهن، فإذا زوجها غير عالم بالعيب فعليه الفسخ. قال [فإن رضيت الكبيرة مجبوباً أو عنيناً لم تمنع] إذا قالت: رضيت بهذا الزوج وإن كان مجبوباً وإن كان عنيناً فإنها لم تمنع لأن حق الوطء لها فإذا أسقطته فإنه يسقط بإسقاطها، وقال الموفق وهو قول في المذهب: بل له أن يمنعها وذلك لأن رضاها غير موثوق بدوامه، والضرر ثابت دائم ولا شك أن الضرر الثابت الدائم لا شك انه أرجح من هذا القبول غير الموثوق بدوامه واستمراره، ولأن الولي يمنعها من نكاح الكفؤ فكذلك هنا.

стр. 2654

قال [بل من مجنون ومجذوم وأبرص] أي تمنع من الرضا بهؤلاء وذلك لما فيه من الضرر عليها والضرر على أوليائها، ولأنه يخشى أن يلحق ولدها مثل هذا فإنها تمنع منه لما فيه من الضرر، وتقدم أن الصحيح أنها تمنع من كل هؤلاء المعيبين لأنه إنما جعل ولياً لها لينظر ما فيه مصلحة وحظ وعليها فيه ضرر، وإن أسقطت حقها فإن هذا الإسقاط لا يوثق بدوامه. قال [ومتى علمت أو حدث به لم يجبرها وليها على الفسخ] إذا حدث للرجل عيب بعد العقد أو علمت المرأة بالعيب بعد دخوله بها فليس لوليها أن يجبرها على الفسخ، وذلك لأن ولايته ثابتة في ابتداء النكاح لا في دوامه، فالولي إنما دلت الأدلة على ولايته في ثبوت النكاح ابتداءً وأما في دوامه فلا، فإنه ليس له حق في ذلك وعليه فلا يجبرها. مسألة: إن ادعى الجهل بالخيار ومثله يجهله كما من لا يخالط الفقهاء فالأظهر ثبوت الفسخ. مسألة أخرى: إن فسخ لظنه عيباً، فبان غير عيب كبياضٍ ظنه برصاً بطل الفسخ. باب نكاح الكفار الدرس الحادي والثلاثون بعد الثلاثمائة. قال [حكمه كنكاح المسلمين] حكم نكاح الكفار كنكاح المسلمين في الصحة وفي وقوع الطلاق وفي القسمة وفي النفقة فيما يحل وما يحرم لقوله تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ ، وقوله أيضاً ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ ، فيحكم بينهم بشرع الله وهو ما يحكم به للمسلمين. قال: [ويقرون على فاسده] يقرون على فاسد النكاح كنكاح الخامسة أو نكاح المجوسي البنت أو الأخت يقرون عليه بشرطين قال [إذا اعتقدوا صحته في شرعهم] هذا هو الشرط الأول وهو أن يعتقدوا أنه صحيح في شرعهم كنكاح الخامسة، فإن لم يعتقدوا جوازه في شرعهم كالزنا فإنهم لا يقرون عليه. قال: [ولم يرتفعوا إلينا]

стр. 2655

هذا هو الشرط الثاني: أي لم يرفعوا إلينا هذه المسألة، أما إذا رفعوا إلينا هذه القضية فيجب علينا أن نحكم بما أنزل الله فنفسد هذا النكاح للآيات المتقدمة ويدل على هذه المسألة – أي إقرارهم على أنكحتهم التي لم يرفعوها إلينا ولا يعتقدون فسادها في شرعهم - أن النبي ﷺ اخذ من مجوس هجر الجزية، ولم ينقل أن النبي ﷺ تعرض لهم لا في أنكحتهم ولا في سائر أحكامهم، ومعلوم أنهم يستبيحون نكاح المحارم. وكذلك في نصارى نجران، ولو كان التعرض لهم وإفساد أنكحتهم وغيرها مما لم يترافعوا إلينا فيها – لو كان لنقل ذلك عن النبي ﷺ نقلاً بيناً. قال [فإن أتونا قبل عقده عقدناه على حكمنا] إذا أتونا قبل عقد النكاح أي ترافعوا إلى القاضي المسلم ليعقد لهم نكاحاً فحينئذٍ نعقد لهم على حكمنا من إشتراط الولي وإشتراط شاهدي عدل منا وركنية الإيجاب والقبول وغير ذلك من الأحكام المترتبة على العقود لقوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ . قال [وإن أتونا بعده أو أسلم الزوجان] أي أتونا بعد العقد أو أسلم الزوجان وكانا قبل ذلك يهوديين أو نصرانيين أو رفعوا إلينا الحكم في مسألة من مسائل أنكحتهم وكان ذلك بعد العقد، فحينئذٍ لا نستفصل منهم هل توفرت شروط النكاح أم لا، وهذا بإجماع أهل العلم أي لا يسألون عن كيفية نكاحهم هل توفرت فيه شروطه أم لا، وقد أسلم خلق كثير في عهد النبي ﷺ ، وأسلمت معهم نساؤهم ولم يسألهم النبي ﷺ عن كيفية أنكحتهم بل أقرهم عليها. قال [والمرأة تباح إذن أقرا]

стр. 2656

هذا شرط لابد منه أن تباح المرأة إذاً، أي حين الترافع أو-- الإسلام، أي حين ترافعوا إلينا في نكاح قد عقد سابقاً أو أسلم الزوجان فلا بدّ أن تكون المرأة المعقود عليها مباحة حينئذٍ، مثال ذلك أن يكون قد نكحها في عدة وهي الآن قد انتهت عدتها، أو في نكاح الأختين، فكان قد نكح أختاً على أخت، وكان حين الترافع أو حين الإسلام قد ماتت الأخت الأولى، فالأخت الثانية مباحة حينئذٍ وإن كانت محرمة آنذاك لما كانت مضمومة إلى أختها، وكذا مطلقته ثلاثاً لأنه طلاق من عاقل بالغ في نكاح صحيح، وعليه إذا أسلم رجل فامرأته عنده على ما بقي من الطلاق إن كان قد طلّق مرتين أو ثلاثاً، فحينئذٍ لا نحكم ببطلان النكاح ولا بفساده بل نحكم بينهم بما أنزل الله ونمضي هذا النكاح. قال [وإن كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحها فرّق بينهما] ...إذا كانت حين الترافع لا يجوز ابتداء نكاحها فحينئذٍ يفرق بينهما، كأن يترافعوا إلينا في زوجين والزوجة ذات محرم من زوجها وكأن يترافع المجوسي وتكون تحته اخته أو يترافع النصراني وتكون المنكوحة خامسة فلا يجوز ابتداء النكاح عليها، وحينئذٍ فلا يحكم لهم بصحة النكاح بل يحكم ببطلانه. قال: [وإن وطىء حربي حربية فأسلما وقد اعتقداه نكاحاً أقرا، وإلا فسخ] إذا وطء حربي حربية ثم أسلما فإن اعتقدا هذا الوطء الخالي من الولي ونحوه، إذا اعتقداه نكاحاً فإنهما يقران عليه، وإن لم يعتقدانه نكاحاً بل اعتقداه سفاحاً فلا يقران عليه لأنهم يقرون على ما اعتقدوا صحته. قال: [ومتى كان المهر صحيحاً أخذته] إذا كانت القضية أو الخصومة التي حصل الترافع فيها في المهر، فمتى كان المهر صحيحاً كأن يكون دراهم أو دنانير أخذته هذه المرأة لأنه واجب لها بالعقد وهذا هو حكم الله تعالى. قال: [وإن كان فاسداً وقبضته استقر]

стр. 2657

فإذا كان فاسداً كأن يكون مهرها خمراً أو خنزيراً أو غير ذلك من المحرمات فهذا مهر فاسد، فإن كانت قد قبضته فإنه يستقر المهر، وذلك لأن هذه المسألة قد وقعت قبل الترافع وهي صحيحة عندهم فهي مما يعتقدون صحته في شرعهم وقد حصل القبض بحكم الشرك لا بحكم الإسلام. قال: [وإن لم تقبضه ولم يسمِّ فرض لها مهر المثل] إذا لم تقبض هذا المهر الفاسد أو كان المهر لم يسم لها في العقد فرض لها مهر المثل، لأن المهر فاسد، أو لم يسمِّ لها مهراً فحينئذٍ تعطى مهر المثل. فصل قال: [وإن أسلم الزوجان معاً ... فعلى نكاحهما] إن أسلم الزوجان معاً أي دفعة واحدة في زمن واحد بلحظة واحدة فهما على نكاحهما، كأن يسلم زوجان كافران في لحظة واحدة دفعة واحة فهما على نكاحهما لعدم اختلاف الدين، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وذكر صاحب المغني: إحتمالاً أنه يصح ولو كان في المجلس ولو لم يكن دفعة واحدة وصوبه صاحب الإنصاف واختاره ابن القيم وهو الراجح، وذلك لعسر الإسلام دفعة واحدة بل لا يكاد يقع، كما ذكر ابن القيم أن المعروف في إسلام الصحابة في إسلام الزوج والزوجة أنه لا يكون دفعة واحدة، وهذا ظاهر. قال: [أو زوج كتابية فعلى نكاحهما] كأن يكون رجل يهودي زوجته يهودية فأسلم اليهودي فلا يبطل نكاحه لليهودية، وذلك لأن نكاح المسلم للكتابية جائز ابتداءً فاستدامته أولى. قال: [فإن أسلمت هي] أي أسلمت الزوجة الكتابية. قال: [أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل] فإذا أسلمت كتابية تحت كتابي أوغيره أو أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل لقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ ، هذا إن كان الزوج هو المسلم ولم تكن الزوجة كتابية، وإن كانت المرأة هي التي أسلمت فلقوله تعالى: ﴿لا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ وهذا مذهب جماهير أهل العلم. قال: [فإن سبقته فلا مهر]

стр. 2658

فإذا كانت المرأة هي السابقة للإسلام، ولم يدخل بها بعد فلا مهر لها، فمن المعلوم أن الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول فلها نصف المهر أو فسخ فلها نصف المهر، وهنا الفرقة بالإسلام قد جاءت من قبل المرأة، والقاعدة أن الفسخ إن كان من قبل المرأة فلا مهر. قال: [وإن سبقها فلها نصفه] فإذا سبقها هو بالإسلام فأسلم فلها نصفه لأن الفرقة هنا جاءت من قبله وهذا هو المشهور في المذهب، وعن الإمام أحمد وصوبه صاحب الإنصاف: أنه ليس لها مهر، وهذا فيما يظهر لي أظهر، وذلك لأن الفرقة لم تجيء من قبله بل الشرع فرق بينهما والأدلة إنما دلت على وجوب نصف الصداق حيث كان الفسخ منه أو الطلاق وهنا قد جاء التفريق من الشرع بينهما فلا يجب لها نصف المهر. قال: [فإن أسلم أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على إنقضاء العدة فإن أسلم الآخر فيها دام النكاح وإلا بان فسخه منذ أسلم الأول] إذا أسلم أحد الزوجين بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة وإن أسلم الآخر بالعدة دام النكاح، وإلا بان فسخه منذ أسلم الأول، فإذا انقضت عدتها ولم يسلم فلا نقول استأنفي عدة جديدة بل عدتها هي عدتها السابقة فلا تستأنف عدة جديدة، واستدل الجمهور- القائلون بأن المرأة إذا انقضت عدتها فلا تحل لزوجها الكافر إلا بعقد جديد - استدلوا بما روى الترمذي وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن النبي ﷺ رد ابنته - أي زينب – على أبي العاص بنكاح جديد "، قالوا هذا لأن العدة انقضت وهذا الحديث فيه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف الحديث.

стр. 2659

القول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول ابن المنذر واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن النكاح يدوم ما لم تنكح فما دامت هذه المرأة لم تنكح وأسلم قبل أن تنكح فإن النكاح ثابت فإذا نكحت انفسخ النكاح، قال شيخ الإسلام: ولا فرق ما بين قبل الدخول وبعده، أي ولو كان إسلام أحدهما قبل الدخول فكذلك، إذا أسلم زوجها قبل أن تنكح فإن النكاح يدوم وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الراجح، أما المسألة الأولى وهي ما بعد الدخول فلما ثبت عند الخمسة من حديث ابن عباس: " أن النبي ﷺ رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول "، وهو من حديث داود بن الحصين عن عكرمة، وحديث داود بن الحصين عن عكرمة ضعيف، لكن للحديث شاهدان مرسلان عند سعيد بن منصور ولذا صححه الإمام أحمد وغيره. ويدل عليه ما ثبت في صحيح البخاري – كما أنه يدل على أنه لا فرق بين ما قبل الدخول وبعده ما لم تنكح المرأة - عن ابن عباس قال: " كانت المرأة إذا هاجرت من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض ثم تطهر فيحل لها النكاح فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه "، وهذا عام في من دخل بها ومن لم يدخل بها، وأيضاً في هذه الأحاديث لا تطرق لذكر العدة ولم يثبت أن النبي ﷺ كان يسأل النساء المهاجرات هل انقضت عدتهن أم لا. وفي حديث أبي العاص في سنن الترمذي قال: " وكان ذلك بعد ست سنين "، أي بعد انقضاء عدتها بزمن طويل، والصحيح في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام وهو قول ابن المنذر ورواية عن الإمام أحمد، وأن المرأة إذا دخل بها ثم أسلمت أو أسلم زوجها فإن الزواج باقٍ بينهما ما لم تنكح، فإن نكحت فقد فسخت بنكاحها النكاح الأول، ورجح شيخ الإسلام أنه لا فرق بين من دخل بها ومن لم يدخل بها، وعمومات الأدلة تدل على هذا وفيه – كما ذكر شيخ الإسلام – مصلحة محضة، فإن فيه ترغيباً لمن لم يسلم منهما في الإسلام.

стр. 2660

قال: [وإن كفرا أو أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة، وقَبله بطل] فإذا كفرا أو أحدهما فإن كان ذلك قبل الدخول فالنكاح باطل وإن كان بعد الدخول وقف ذلك على انقضاء العدة فإن انقضت العدة بطل، وقَبله يدوم ويثبت فلا فرق بين ما إذا أسلم أحد الزوجين أو ارتد أحد الزوجين لاختلاف الدين، وتقدم كلام شيخ الإسلام في عدم التفريق ما بين قبل الدخول وما بعده. مسألة: فإن أسلم الرجل وقد نكح أكثر من أربع فإنه يخير بينهن، كذلك إذا كان قد جمع بين أختين فإنه يخير بينهن لا فرق بين الأولى ولا الأخرى فله أن يختار الأخيرة وله أن يختار من نسوته الأخريات ويدل على هذا ما ثبت في مسند أحمد والترمذي " أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة قد أسلمت معه، فأمره النبي ﷺ أن يتخير منهن أربعاً " والحديث أعله الإمام أحمد والبخاري بالإرسال، وهو مرسل كما قالا، ولكن له شاهدان يحسن بهما الحديث، شاهد عند البيهقي من حديث عروة الثقفي، وشاهد أخر عند أبي داود من حديث قيس بن الحارث، وبه قال جمهور أهل العلم خلافاً لأبي حنيفة. وقد روى أبو داود وغيره عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه أنه قال ﷺ " إني قد أسلمت وتحتي أختان فقال ﷺ طلق أيتهما شئت " والحديث حسن، وهذا يرجع إلى المسألة المتقدمة وهي أن ما يعتقدون صحته من أنكحتهم قبل الإسلام فإنها تكون صحيحة، فحينئذٍ لا فرق بين النكاح الذي عندنا باطل والنكاح الذي هو عندنا صحيح لأن النكاحين قد وقعا قبل الإسلام ولذا فلا مزية لأحدهما على الأخر، فأرجعا التخيير إليه لأن ذلك أمر راجع إلى رغبته وإلى من يسكن إليها، وهذا هو مذهب جمهور العلماء ويدل عليه الأثر ويدل عليه النظر. وهل يحل أن يطأ من اختارها في عدة من فارقها في مسألة الأختين، وكذلك هل له أن يطأ الرابعة والخامسة في عدتها أم لا يحل له ذلك؟

стр. 2661

المشهور في المذهب أنه ليس له أن يطأ الأخت وكذلك في مسألة العدد ليس له أن يطأ حتى تنتهي عدة الأخرى. وذهب المالكية والشافعية إلى أن له أن ينكح التي أبقاها في عدة التي فارقها من الأختين، وكذلك في جميع العُدد، وتقدم ذكر دليل المسألة السابقة وهو دليل لهذه المسألة فإنه قد فارقها وليست زوجة له فليست برجعية فحينئذٍ لا يكون قد جمع بين أختين، ولا يكون جمع في وقته أربعاً، وأيضاً يستدل عليه لخصوص المسألة أن النبي ﷺ لم يبين هذا لغيلان بن سلمة ولا لفيروز الديلمي، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وقال " نظرت في كلام عامة أصحابنا فرأيتهم قد ذكروا أنه يمسك أربعاً ولم يشترط في جواز الوطء الخروج من العدة لا في جمع العدد ولا في جمع الرحم"، فعامة أصحاب الإمام أحمد ظاهر كلامهم عدم ذكر هذا الشرط ولو كان هذا شرطاً عندهم لذكروه للإحتياج إلى ذكره، وإنما ذكره الموفق ﵀، فالراجح ما اختاره شيخ الإسلام وهو مذهب الشافعية والمالكية. الدرس الثاني والثلاثون بعد الثلاثمائة باب الصداق الصداق: عوض يسمى في عقد النكاح أو بعده، أي يسمى في عقد النكاح، أو يسمى بعده وهذا في النكاح الذي لم يسم فيه مهر، والصداق مشروع بالإجماع قال تعالى: ﴿وأتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ وقال: ﴿وآتوهن أجورهن﴾ ، والأحاديث في ذلك كثيرة يأتي ذكر شيء منها. قال: [يسن تخفيفه] أي تخفيف المهر لقول النبي ﷺ : (خير الصداق أيسره) رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح. قال: [وتسميته في العقد]

стр. 2662

فيسن تسميته في العقد لقول النبي ﷺ لخاطب الواهبة نفسها (التمس ولو خاتماً من حديد) ، ولا يشترط ذلك، فلو نكحها ولم يسمِّ لها مهراً فالنكاح صحيح، أي مع ثبوت المهر لكنه لم يسمِّ لها أي لم يفرض ويحدد قدره، لكنه نكاح على مهر، وكذا قال تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ ، ولا طلاق إلا بعد عقد فعلى ذلك تسمية الصداق في العقد مستحبة قطعاً للنزاع ولفعل النبي ﷺ ولأمره كذلك كما في قوله: (التمس ولو خاتماً من حديث) . قال: [من أربعمائة درهم إلى خمسمائة] لما ثبت في سنن أبي داود والترمدي والنسائي بإسنادٍ صحيح عن عمر قال " ألا لا تغالوا في صُدُق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي ﷺ ما اصدق النبي ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته إلا ثنتي عشرة أوقية "، أي تزيد على أربع مائة درهم بشيء يسير، وقالت عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم: " كان صداق النبي لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشَّا قالت: أتدري ما النش؟ فقال الراوي (لا) فقالت: نصف أوقية فتلك خمس مائة درهم فهذا صداق النبي ﷺ لأزواجه "، فالمستحب في صدق النساء أن تكون يسيرة، وأما ما روي من إنكار المرأة على عمر لما نهى عن المغالاة، فاستدلت عليه بالآية ﴿أو آتيتم إحداهن قنطاراً﴾ فإنه لا يصح فقد رواه البيهقي بإسنادٍ منقطع، فالمستحب من أربعمائة إلى خمسمائة فإن زاد فلا بأس فقد روى أبو داود بإسنادٍ صحيح، أن أم حبيبة مات عنها زوجها عبد الله بن جحش في الحبشة فزوجها النجاشي النبي ﷺ وأمهرها عنه أربعة آلاف درهم وبعثها مع شرحبيل بن جسنة. قال: [وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً وإن قل] كل ما صح ثمناً لمبيع من عين أو دين أو منفعة.

стр. 2663

من عين: كدرهم ودينار. أو دين: سواء كان مؤجلاً أو حاضراً. أو منفعة: كأن يقول " على أن أعمل لكم سنة " فهذا جائز. فسواء كان عيناً أو ديناً أو منفعة معلومة قياساً على البيع والإجارة بجامع أن كليهما عوض، قال تعالى: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج﴾ ، فهذا من باب الإنكاح بالمنفعة، فكل ما صح ثمناً لمبيع أو أجرة، ـ وتقدمت شروط الثمن وشروط الأجرة ـ فإنه يصح مهراً ولو قل أي ولو كان درهماً ولو كان ديناراً ولو كان خاتماً من حديد ولذا قال النبي ﷺ : (التمس ولو خاتماً من حديد) ، وثبت في الصحيحين أن عبد الرحمن بن عوف قال للنبي ﷺ : " إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب فقال: (بارك الله عليك، أولم ولو بشاة) "، فإن قل فذلك جائز. إذن لا حد لأقله فما يصدق عليه أنه ثمن أو أجرة فإنه يصح مهراً، وقال المالكية والأحناف: بل لا يصح إلا مما تقطع به اليد بجامع استباحة العضو "، فهذا قياس يخالف النص فلا اعتبار به، وقد تقدم قوله التمس ولو خاتماً من حديد، وعلى ذلك أقل المهر عند المالكية ربع دينار، وعند الأحناف عشرة دراهم، وقد روى الدارقطني بإسنادٍ ضعيف جداً: (ألا مهر أقل من عشرة دراهم) ، فالراجح ما ذهب إليه الشافعي والحنابلة من أنه لا أقل للمهر كما أنه لا حد لأكثره، ولذا قال تعالى: ﴿أو آتيتم إحداهن قنطاراً﴾ ، والقنطار الشيء الكثير الوافر من الذهب، وهذه الآية لا يستدل بها على استحباب المغالاة، وإنما فيها الإخبار والإخبار لا يدل على الجواز فضلاً عن استحباب ذلك، إذن لا حد لأقله ولا حد لأكثره. قال: [وإن أصدقها تعليم قرآنٍ لم يصح] فلا يصح أن يكون صداقها تعليمها القرآن وهذه المسألة تقدم ذكرها، وهي هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟

стр. 2664

فالأحناف والحنابلة يمنعون من ذلك، وهنا كذلك يمنعون من ذلك مهراً، والشافعية والمالكية يجيزون أخذ الأجرة على القرآن، ويجيزون هنا أيضاً أن يكون عوضاً عن الزواج، ويستدلون بقول النبي ﷺ : (ملكتكها بما معك من القرآن) ، وتقدم أن الراجح في المسألة السابقة جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن للمحتاج، فهذا كذلك، والرجل الذي قال له النبي ﷺ : (ملكتكها بما معك من القرآن) ، كان محتاجاً ولذا أمره النبي ﷺ أن يلتمس ولو خاتماً من حديد ولم يجد ذلك، فدل على أن ذلك مخصوص بالمحتاج. قال: [بل فقه وأدب وشعر مباح معلوم] فهذا جائز لأن أخذ الأجرة عليه جائز، فيجوز أن يكون صداقاً، وهكذا سائر العلوم الدينية والدنيوية. قال: [وإن أصدقها طلاق ضرتها لم يصح ولها مهر مثلها] إذا قال صداقك أن أطلق ضرتك، فلا يصح ذلك لأن هذا محرم في الشرع في قوله ﷺ : (لا تسأل المرأة طلاق أختها) ، أو هي قالت له: عوضي في النكاح طلاق ضرتي، فهذا محرم، وعليه فلا يصح هذا مهراً لنهي النبي ﷺ ، وفي المسند بإسنادٍ ضعيف: (لا تنكح المرأة بطلاق اختها) ويشهد له ما تقدم في الصحيحين، وحينئذٍ فلها مهر مثلها في مذهب جمهور أهل العلم وذلك لفساد التسمية، وقال بن عقيل من الحنابلة: أن لها قدر مهر الضرة، قال شيخ الإسلام كما في الإختيارات وهذا أجود، وقال أيضاً ﵀ " ولو قيل ببطلان النكاح لم يبعد " وهذا هو الراجح، قياساً على نكاح الشغار بجامع أن كليهما لا بدل له، فهناك قد أنكح ابنته وجعل بضعها صداقاً لابنة الآخر وهذا المهر لابد له، وهنا كذلك المهر لابدل له هذا أولاً، ولأنه كالشرط وتقدم أن مثل هذا الشرط يُبطل النكاح. قال: [ومتى بطل المسمى وجب مهر المثل]

стр. 2665

إذا بطل المسمى في العقد لجهالته أو لعدم ماليته أو لكونه مغصوباً فيجب مهر المثل، مثال ما كان فاسداً لجهالته كأن يصدقها عبداً أن يصفه يعينه، ومثال ما كان فاسداً لعدم ماليته: أن يصدقها شيئاً محرماً كخمر ونحو ذلك كما تقدم مما يقع في نكاح النصارى .... وغيرهم، فهذا المهر فاسد فيجب لها مهر المثل وعنه يجب مثله خلاً، ومثال ما كان فاسداً لكونه مغصوباً: كأن يقول لك هذه الدار، وتكون هذه الدار مغصوبة، فحينئذٍ لها مهر المثل -واختار شيخ الإسلام فيما إذا كان فساده لكونه مغصوباً، أنها يكون لها مثل المغصوب أو قيمته، وهذا ظاهر، وذلك لأنها قد رضيت بهذا المغصوب وهذا يماثله أو يساويه في القيمة، بخلاف مهر المثل فقد لا تكون راضية به وهو أيضاً قد لا يكون راضياً به. وهو القول الراجح. وإذا كان غير مالي فكما ذكر الحنابلة: فيجب لها مهر المثل لأن هذه الأشياء لا قيمة لها ولا يمكن أن تحول، فحينئذٍ يجب مهر المثل وذلك لأن فساد العوض يقتضي رد المعوض فإذا فسد الثمن في البيع فهذا يقتضي رد المبيع، وهنا قد تعذر رد المعوض لأن النكاح صحيح فوجبت قيمته أي قيمة النكاح وقيمة مهر المثل، هذا هو مذهب جماهير العلماء، وأما إذا كان مجهولاً، فالمذهب أن الجهل إن كان يسيراً فإن الثابت هو هذا المهر الذي قد حدد وعين لأن جهالته يسيرة. مثال ذلك: لو قال: لك أرض من الأراضي التي أملكها أولك دار من الدور التي أملكها، ولم يعين لها الدار فإنه يمكن التعين بالقرعة، فهنا الجهل يسير لأنه يمكن تعينه بالقرعة، هذا هو أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد وإن كان الجهل غير يسير، فهنا خلاف في المذهب: فالمشهور في المذهب أنه يجب مهر المثل مطلقاً.
следующие страницы →