← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

فإذا فرغ الوقت الذي حدده فإن الظهار يزول، فإذا قال لامرأته: " أنت علي كظهر أمي في شهر رمضان " فمضى شهر رمضان ولم يطأها، فيزول الظهار وليس عليه كفارة. لأنه حينئذ لا يكون قد حنث، فالتحريم مؤقت في شهر رمضان، وقد مضى هذا الشهر فزال بمضيه الظهار. قال: [ويحرم قبل أن يكفِّر وطء ودواعيه ممن ظاهر منها] يحرم على المظاهر أن يطأ المرأة التي قد ظاهر منها، فإذا قال لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " فلا يحل له أن يطأها حتى يكفر وهذا بالإجماع. ودليله قوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ . وكذلك دواعي الوطء من قبلة أو مسٍ أو نحو ذلك فلا تحل له حتى يكفر، في أصح قولي العلماء وهو المشهور في المذهب وهو أحد قولي الشافعي. والقول الثاني في المسألة وهو القول الثاني في مذهب الشافعي وأحمد: أن ذلك يحل له لقوله تعالى ﴿من قبل أن يتماسا﴾ وهو كناية عن الوطء. والراجح هو القول الأول، ويدل عليه الأثر والنظر. أما الأثر؛ فهو ما روى الترمذي وأبو داود ورواه الإمام احمد والحديث حسن من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال للمظاهر: (فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به) (١) ، ويدخل في ذلك النهي عن فعل ذرائع الوطء من قبلة أو مباشرة أو مس أو نحو ذلك. أما دليل النظر: فهو أن لفظ المظاهر يقتضي ذلك فإنه قال لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " وهذا يقتضي المنع من الدواعي لأن الدواعي محرمة عليه تجاه أمه، وقد شبه امرأته بأمه، ولأن القبلة والمس ونحوهما من ذرائع الوطء، والشرع إذا حرم الشيء حرم ذرائعه الموصلة إليه. قال: [ولا تثبت الكفارة في الذمة إلا بالوطئ]

стр. 2837

لا تثبت الكفارة في ذمة المظاهر إلا بالوطء، فلو عزم على الوطء فنقول له: يجب عليك أن تكفر ولا يحل لك أن تطأ حتى تكفِّر إذ شرط الحل الكفارة. لكن لا تتعلق في ذمته حتى يطأ، فلو قُدِّر أنه مات وقد عزم على أن يعود ولم يطأ بعد فإنها لا تجب في ماله، أو ماتت المرأة قبل أن يطأها فإنها لا تجب عليه. قال: [وهو العود] فالعود هو الوطء في أصح أقوال العلماء، ففي العود المذكور في قوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ ، فيه لأهل العلم ثلاثة أقوال: القول الأول وهو قول أهل الظاهر: أن المراد بذلك أن يعود للمظاهرة لفظاً، فيظاهر منها مرةً أخرى، أي بأن يقول لها مرة أخرى: " أنت علي كظهر أمي "، فإذا قال الرجل لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " فلا كفارة، فإذا كرر فقال: " أنت علي كظهر أمي " فحينئذٍ تجب عليه الكفارة وهذا القول ضعيف تبطله السنة؛ فإن النبي ﷺ كما في الصحيحين أوجب على أوس بن الصامت الكفارة (١) ولم يعد في لفظه، ولحديث سلمة بن صخر المتقدم فإنه أصاب من امرأته فأوجب النبي ﷺ الكفارة ولم يشترط أن يعود في لفظه، وهذا القول لم يسبق إليه الظاهرية أحد من السلف الصالح من الصحابة والتابعين. القول الثاني وهو مذهب الشافعية: أن العود هو أن يمسكها بعد أن ظاهر منها زمناً يمكنه أن يطلقها فيها بمعنى لحظة يمكن أن يطلق فيها، فلو قال: "أنت علي كظهر أمي " ثم سكت فعليه الكفارة لكن لو قال: " أنت كظهر أمي " ثم قال مباشرة: " أنت طالق " فحينئذٍ لا كفارة عليه، أما إذا أمسكها بعد تلفظه بالظهار زمناً يمكنه أن يطلقها فيه فإن عليه الكفارة، قالوا: لأن مقتضى الظهار البينونة،فإمساكها هو العود، وهذا القول ضعيف من وجهين: الوجه الأول: أنا لا نسلِّم أن الظهار يقتضي البينونة لكنا نقول إنه يقتضي التحريم.

стр. 2838

الوجه الثاني: أن الله قال: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ ولفظة (ثم) تفيد التراخي، وهذا الإمساك الذي تقدم ذكره عن الشافعية ليس بمتراخٍ. والقول الثالث في المسألة وهو قول جمهور العلماء: أن العود هو الوطء كما ذكر المؤلف هنا، وهو أصح الأقوال، أي ثم يعودون لما قالوا من تحريم المرأة فيستبيحونه أي فيستبيحون ما حرموه بوطء المرأة. وعليه فقوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة﴾ معناه؛ ثم يعزمون على العود، فإذا عزموا على العود فتجب عليهم الكفارة من قبل العود، وقد نصر هذا القول، وذكر الأدلة وذكر الأقوال وبسط الكلام فيه الحافظ ابن القيم في زاد المعاد. قال: [ويلزم إخراجها قبله عند العزم عليه] لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ ، فهو شرطٌ في حلها. قال: [وتلزمه كفارة واحدة بتكريره قبل التكفير من واحدةٍ] أي من واحدةٍ من نسائه، فإذا قال لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " قال ذلك في يوم السبت مثلاً ولم يكفر، ثم قال في يوم الاثنين: " أنت علي كظهر أمي " ولم يكفر، ثم قال في يوم الثلاثاء " أنت علي كظهر أمي " ولم يكفر فلا تجب عليه إلا كفارة واحدة، كاليمين، فإن الظهار نوع من الأيمان. والرجل إذا قال: " والله لا دخلت دار فلان" ثم كرر ذلك قبل أن يكفر فإنها يمين واحدة، وهنا كذلك. أما إذا قال لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " ثم كفر، ثم قال لها: " أنت علي كظهر أمي " فإنه يجب أن يكفر عن ظهاره الثاني وذلك كاليمين. قوله: " من واحدةٍ " أما لو كان من عدة نساء، فإنه يقول لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " ثم يقول للثانية كذلك، فإن الأعيان قد تعددت فعليه لكل واحدة كفارة. قال: [ولظهاره من نسائه بكلمة واحدة]

стр. 2839

إذا قال لنسائه: " أنتن علي كظهر أمي " فلا يجب عليه إلا كفارة واحدة كاليمين، فهو كما لو قال: " والله لا أكلت هذا اليوم ولا شربت ولا وطئت ولا خرجت " ففعل هذه الأشياء كلها، فلا تجب عليه إلا كفارة واحدة؛ لأنها يمين واحدة، وكذلك إذا قال لنسائه: " أنتن علي كظهر أمي " فهو ظهار واحد، أما لو قال لكل واحدة منهن: " أنت علي كظهر أمي " فالحكم يختلف ولذا قال المؤلف: [وإن ظاهر منهن (بكلمات) (١) فكفارات] فإذا قال للأولى: " أنت علي كظهر أمي " وقال للثانية كذلك وقال للثالثة كذلك، فيجب أن يكفر كل ظهار كالأيمان، لأن الظهار حينئذٍ أيمان متعددة في أعيان متعددة فوجب لكل يمين كفارتها. الدرس الستون بعد الثلاثمائة فصل قال: [كفارته عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً] للآية الكريمة، وذلك واجب على الترتيب اتفاقاً، فيجب عليه أن يعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً، كما رتبت الآية الكريمة وكما ثبت في حديث أوس بن الصامت وفي حديث سلمة بن صخر. ثم فصَّل في الرقبة وهي الأصل في الكفارة. فقال: [ولا تلزم الرقبة إلا لمن ملكها أو أمكنه ذلك بثمن مثلها] فلا تلزم الرقبة إلا لمن ملكها، أو أمكنه أن يملكها بثمن مثلها أو بثمن زائد لكن لا يُجحف بماله، فإذا كان ثمن مثلها عشرة آلاف، فأمكنه أن يشتريها بعشرة آلاف أو بأكثر من عشرة آلاف لكن ذلك لا يجحف بماله فيجب عليه أن يشتريها فيعتقها. قال: [فاضلاً عن كفايته دائماً] أي فاضلاً عن كفايته سنته تلك، كما فسَّر ذلك بعض الشراح. قال: [وكفاية من يمونه، وعما يحتاجه من مسكن وخادمٍ ومركب وعرض بذلة] البذلة: الثوب الخَلِق. قال: [وثياب تجملٍ، ومالٍ يقوم كسبه بمؤنته] كأن يكون له دكان أو له آلة يعمل عليها ويحصل منها نفقته ونفقة من يمون.

стр. 2840

قال: [وكتب علم ووفاء دين] فلا تجب إلا أن تكون فاضلة عن حاجته، وذلك لأن ما استغرقته حاجة الإنسان فهو كالمعدوم، فهذه الأشياء المذكورة هو محتاج إليها، وما استغرقته حاجة الإنسان هو كالمعدوم، أي كما لو لم يجده، فكما لو لم يكن عنده كتب وكما لو لم يكن عنده خادم وكما لو لم يكن عنده آلة ونحو ذلك. فما استغرقته حاجة الإنسان فهو كالمعدوم؛ وذلك لأن ما تستغرقه حاجة الإنسان من الحرج أن يُكلف ببيعه والاستغناء عنه ومعلوم أن الحرج مرفوع في الشريعة الإسلامية، ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (١) . مسألة: اعلم أن القاعدة في المذهب؛ أن المعتبر في الكفارات كلها وقت الوجوب. ووقت الوجوب في كفارة الظهار هو العَوْد أي الوطء، فإذا وطئ فهذا هو وقت وجوب كفارة الظهار عليه، فلو كان موسراً قادراً على أن يعتق رقبة عند وطئه ثم أعسر فتتعلق الرقبة في ذمته فليس له أن ينتقل إلى الصيام ولا إلى الإطعام بعد الصيام. والعكس بالعكس، فلو أنه كان عند الوطء معسراً، والواجب على المعسر هو الصيام؛ لأنه غير قادر على الإعتاق، فإذا أيسر فلا يجب عليه أن يعتق رقبة؛ لأنا ننظر إلى حاله أثناء الإيجاب، فالواجب عليه هو الصيام، لكن إن شاء أن يعتق رقبة فله ذلك لأنها هي الأصل، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد في الكفارات كلها، وهكذا في كفارة اليمين وغيرها. واليمين وقت وجوبها الحنث، فلو أن رجلاً حلف ألا يفعل كذا ففعله وكان موسراً فعليه الإطعام أو الكسوة أو تحرير الرقبة، لكنه أعسر بعد ذلك فنقول له: لا يجزئك أن تصوم بل عليك أن تعتق أو تطعم متى تيسر لك الأمر. والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد حكاها عنه ابن عقيل: أن المعتبر في الكفارات هو الأداء، وعليه فمتى أراد أن يؤدي نقول: انظر إلى حالك هل أنت موسر أو معسر.

стр. 2841

وهذا فيما يظهر لي أقوى، وهو ظاهر الآية الكريمة: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ ، فإن لم يجد في حال كان في عسر أو يسر فإنه يصوم شهرين متتابعين فإن لم يستطع في أي حال كان، فإنه يطعم ستين مسكيناً. قال: [ولا يجزئ في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة] فلا يجزئ في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة، وهذا هو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة. فلا يجزئ في الكفارات إلا أن تكون الرقبة مؤمنة، وذلك لقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (١) ، والقاعدة هي تقييد المطلق بالمقيد إذا اتحد الحكم، ولقول النبي ﷺ فيما ثبت في صحيح مسلم: (أعتقها فإنها مؤمنة) (٢) . وأما أبو حنيفة فاستدل بالإطلاق في الآية الكريمة في الظهار: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ ولم يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة، لكن كما تقدم يُقيد المطلق على المقيد؛ لأن الحكم متحد وإن كان السبب مختلفاً. قال: [سليمة من عيب يضر بالعمل ضرراً بيناً] فيشترط أن تكون الرقبة سليمة من العيوب التي تمنع العمل أو تضر به ضرراً بيناً وهذا باتفاق العلماء، وذلك لأن المقصود من العتق تمليك العبد منافعه وتمليكه من التصرف بنفسه، فاشترط فيمن يعتق أن يكون ممن يتمكن من العمل، أما إذا كان لا يتمكن من العمل أو يتمكن منه بضعفٍ شديد فإنه لا يصح عتقه. قال: [كالعمى والشلل ليدٍ أو رجلٍ أو قطعهما أو أقطع الإصبع الوسطى أو السبابة أو الإبهام أو الأنملة من الإبهام أو أقطع الخنصر والبنصر من يد واحدة]

стр. 2842

كل هذه المسائل في قول المؤلف تضر بالعمل ضرراً بيّناً، وحيث أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً فإن بعض ما ذكره المؤلف قد لا يضر بالعمل ضرراً بيناً لا سيما مع اختلاف الزمان، فقد يكون الأعمى في زمن ما، عماه يضر به ضرراً بيناً، بينما يكون في زمان آخر يمكنه أن يعمل كما يكون هذا في زمننا، فالمقصود أنه حيث تثبت العلة في هذا المعيب وهو أن يكون عيبه قد أضر به ضرراً بيناً بعمله فإنه لا يصح إعتاقه ولا يجزئ. وأما إن كان هذا العيب لا يضر به ضرراً بيناً ويمكنه الاستفادة من منافع نفسه فإن عتقه صحيح. إذن: ما ذكره المؤلف من الأمثلة ليس بمسلم في كل زمن، ولذا ورد عن الإمام أحمد في مقطوع الإصبع؛ أنه يجزئ إعتاقه لقدرته على العمل. قال: [ولا يجزئ مريض ميؤوس منه ونحوه] للعلة المتقدمة. قال: [ولا أم ولد] فلا يجزئه تحرير أم الولد؛ وذلك لوجود سبب آخر يقتضي تحريرها وهو كونها قد ولدت من سيدها فإنها تعتق بموته، وعليه فإعتاقه هو (١) ليس هو السبب المستقل في إعتاقها. قال: [ويجزئ المدَّبر] فالمدبَّر يجزئ إعتاقه وذلك؛ لأن المدبر يصح بيعه كما تقدم وعليه فيصح عتقه فكذلك هنا في باب الكفارات. قال: [وولد زنا والأحمق والمرهون والجاني والأمة الحامل ولو استثنى حملها] فلو حرر أمةً وهي حامل فإن ذلك يجزئ، وأيضاً لو حرر ولد الزنا أو الأحمق أو المرهون أو الجاني فإن ذلك يجزئ؛ وذلك لأن هؤلاء داخلون في عموم الآية، وما فيهم من العيب لا يضر بعملهم فلا مانع من إجزاء إعتاقهم. فصل قال: [يجب التتابع في الصوم]

стр. 2843

وهو أن يصوم شهرين متتابعين، لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ (١) ، فإن نوى في أثناء الشهرين صياماً آخر كنذر أو تطوع أو قضاء صوم رمضان فإنه يكون بذلك قد أبطل تتابع صومه وعليه فلا يجزئه هذا الصوم بل لابد أن يستأنف الصيام من جديد لأن الله أوجب التتابع. قال: [فإن تخلله رمضان] كأن يصوم شهر شعبان ثم صام رمضان ثم أفطر يوم العيد ثم صام ثلاثين يوماً، فصيامه مجزئ؛ وذلك لأن المتخلل له هو رمضان وهذا باتفاق العلماء، وصوم رمضان ليس بقاطع؛ وذلك لأن صيام تلك الأيام متعين – أي صيام أيام رمضان – وعليه فيكون معذوراً بصومها الذي قطع في الظاهر عليه صيام الشهرين المتتابعين، وعليه فلا ينقطع التتابع بل يصح للعذر، بخلاف النذر وقضاء الصوم فإنه لا يتعين عليها (٢) صومها في ذلك اليوم الذي صامه فيه أثناء الشهرين. قال: [أو فطرٌ يجب كعيدٍ وأيام تشريق وحيضٌ وجنون ومرضٌ مخوفٌ ونحوه] فإذا تخلل صيامه أيام عيد أو أيام تشريق أو حيض للمرأة أو نفاس للمرأة أيضاً أو جنون أو مرض مخوف ونحو ذلك فإن التتابع لا ينقطع لهذا الفطر، وذلك لأن هذا عذر لا صنع للمكلف فيه، وهذا باتفاق أهل العلم. قال: [أو أفطر ناسياً أو مكرهاً أو لعذرٍ يبيح الفطر لم ينقطع] فإذا أفطر ناسياً أو مكرهاً أو جاهلاً أولعذرٍ يبيح الفطر من سفرٍ أو مرضٍ لا يكون مخوفاً ويجوز معه الفطر في نهار رمضان فإن التتابع لا ينقطع، في المشهور من المذهب. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب المالكية والأحناف: أن التتابع ينقطع فيجب عليه الاستئناف فيبدأ من جديد واستدلوا؛ بأن هذا العذر الواقع إنما هو باختياره، والنسيان والإكراه والجهل وإن كان عذراً في المكلف لكنه قاطعٌ للتتابع.

стр. 2844

والقول الأول هو الراجح في هذه المسألة قياساً على صيام رمضان، فإذا كان صوم رمضان وهو فرض من فرائض الإسلام ومبنى من مبانيه العظام، إذا كان يجوز فيه مع هذه الأعذار المتقدمة الفطر فصيام الكفارات أولى في ذلك. قال: [ويجزئ التكفير بما يجزئ في فطرةٍ فقط] الفطرة: هي صدقة الفطرِ. فيجزئ التكفير بما يجزئ في صدقة الفطر من تمرٍ أو أقطٍ أو قمح أي بر أو شعير، مما تقدم في صدقة الفطر مما ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر (١) ، فلا يجزئ إذن: أن يكفر بالأرز ولا بغيره من قوت البلد، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد ولا دليل عليه. والراجح – في هذه المسألة – ما اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو: أن أي طعام يعد في العرف طعاماً فإنه يجزئ التكفير به، وذلك لإطلاق الآية الكريمة ﴿فإطعام ستين مسكيناً﴾ ، فالله لم يحدد ولم يقدر لنا الإطعام فرجع ذلك إلى العرف، فالأرز عندنا طعام من أوسط ما نطعم أهلنا، وكذلك بعض الأُدم فإنها من الطعام في العرف. قال: [ولا يجزئ من البر أقل من مدٍ ولا من غيره أقل من مدين] لا يجزئ من البر - وهو القمح - إلا ربع الصاع، ولا يجزئ من التمر ونحوه كالشعير إلا نصف الصاع. قال: [لكل واحدٍ ممن يجوز دفع الزكاة إليهم] إذن: يصح أن تدفع الطعام إلى المؤلفة قلوبهم، ويصح أن تدفع إلى الغارمين وغير ذلك من الأصناف الثمانية المذكورة في سورة التوبة، وهذا قول ضعيف. والراجح وهو اختيار ابن القيم: أن دفعها لا يجزئ إلا للمساكين وهو ظاهر القرآن، فإن الله قال: ﴿فإطعام ستين مسكيناً﴾ ، والآية المتقدمة: ﴿إنما الصدقات للفقراء .....﴾ (٢) إنما هي في زكاة المال. قال: [وإن غدَّى المساكين أو عشاهم لم يجزئه] فلو وضع للمساكين قمحاً وهذا القمح خمسة عشر صاعاً لكنه مطبوخ فذلك لا يجزئه في المشهور من المذهب، وذلك لاشتراط التمليك فيشترط أن يُملكهم هذا الطعام.

стр. 2845

والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب مالك وأبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن ذلك يجزئ؛ وذلك لإطلاق الآية الكريمة: ﴿فإطعام ستين مسكيناً﴾ وقد تقدم في سنن الدارقطني، أن أنس بن مالك: " كان يصنع الثريد فيطعمه المساكين كفارةً لفطره في نهار رمضان " (١) ، وهذا هو القول الراجح وهو ظاهر القرآن. قال: [وتجب النية في التكفير من صومٍ وغيره] وهذا ظاهر لأن الأعمال بالنيات، فلو أعتق رقبة ولم ينو أنها كفارة لظهار، أو صام ولم ينو أنه كفارة لظهار فإن ذلك لا يجزئ لأن الأعمال بالنيات. مسألة: ولا يجزئه إلا أن يطعم ستين مسكيناً لظاهر الآية الكريمة وهو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة فلو أعطى واحداً طعام ستين مسكيناً فإن ذلك يجزئ في مذهب أبي حنيفة، والجمهور على خلافه. والراجح مذهب الجمهور؛ لظاهر الآية الكريمة، فقد قال تعالى: ﴿فإطعام ستين مسكيناً﴾ فقد نص الله على العدد فلا يجزئه أن يدفع خمسة عشر صاعاً من البر لمسكين واحد. قال: [وإن أصاب المظاهر منها ليلاً أو نهاراً انقطع التتابع] إذا جامع المظاهر امرأته التي ظاهرها ولو ليلاً فإن التتابع ينقطع، فعليه أن يستأنف صيام الشهرين من جديد. هذا هو القول الأول في المسألة وهو مذهب جمهور العلماء؛ وذلك لأن الله أوجب صيام شهرين متتابعين قبل التماس فإذا مسها في ليلة فإنه لم يصم الشهرين المتتابعين كما أمره الله تعالى. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية: أنه إن جامعها ليلاً فإن ذلك لا يضر بتتابعه لكنه يأثم، وذلك لأنه صام الشهرين المتتابعين، وما فعله لا يضر بتتابعه فقد فعل ما أمره الله من الصيام فقد صام شهرين متتابعين. والقولان فيهما قوة، والذي يقوى لي - والله أعلم - هو القول الثاني، وذلك لأن القول الأول منتقَض بمسألتين:

стр. 2846

المسألة الأولى: أن من جامع امرأته فإنه يجب عليه أن يكفر بعد ذلك كما تقدم في قصة أوس بن الصامت وفي قصة سلمة بن صخر، فإنهما قد وطئا قبل أن يكفرا، ومع ذلك فقد أمرهما النبي ﷺ بالكفارة. والمسألة الثانية: أنهم قالوا: إذا جامع امرأته أثناء إطعامه فإنه يأثم لكن الإطعام يصح، فلو أنه أطعم في يوم عشرة مساكين ثم جامع امرأته قبل أن يتم إطعام ستين مسكيناً، فإن الإطعام عندهم مجزئ، فيكون آثماً لكونه مس امرأته قبل أن يطعم ستين مسكيناً، وهذا ينقض قولهم المتقدم، فالأرجح فيما يظهر لي مذهب الشافعية والله أعلم. وأعلم أن الإطعام كالصيام، فليس له أن يمس امرأته قبل أن يطعم، والله لم يذكر ذلك في الإطعام في كفارة الظهار؛ لما في ذكره من الإطالة ويكتفي بإلحاق النظير بنظيره، ولأنهما متماثلان فكلاهما كفارة، بل اشتراط ذلك في الإطعام أولى؛ وذلك لأن الإطعام في الغالب زمنه يسير فقد يكفّر بالإطعام في ساعة واحدة بخلاف الصيام فإنه يكون في شهريين متتابعين. قال: [وإن أصاب غيرها ليلاً لم ينقطع] فإذا أصاب غيرها من نسائه ليلاً فإن التتابع لا ينقطع، وهذا ظاهر لأن غيرها لم تحرم عليه بالظهار، فليس له أن يطأ هذه المرأة التي ظاهرها، أما لو وطئ غيرها من نسائه فلا حرج عليه في ذلك. الدرس الحادي والستون بعد الثلاثمائة كتاب اللعان اللعان: مشتق من اللعن لقوله تعالى: ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾ (١) .

стр. 2847

وأما تعريفه: فهو أن يقذف الرجل امرأته بالفاحشة فيشهد على نفسه بذلك أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، والغضب أقبح من اللعنة، وكان الغضب هنا، لأن الغضب لمن يعلم الحق ويترك القول به، والذي يغلب على الظاهر أن الرجل صادقٌ في قوله، إذ يبعد في الغالب أن الرجل يرمي امرأته على رؤوس الأشهاد بالفاحشة ويلعن نفسه بالخامسة إلا وهو صادقٌ في دعواه، وأن المرأة قد اضطرته إلى ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يشترط في صحته أن يكون بين زوجين] لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ (١) ، فلو قذف أجنبية عنه فإما أن يأتي بأربعة شهود فتُحدَّ المرأة وإما أن يجلد ثمانين جلدة، وهو حد القذف. فحكم اللعان مختص بالزوج فقد يرى الرجل من امرأته ما يكره، وليس ثمت من يشهد له، وقد رأى ذلك بعينه أو تيقن حصول ذلك فيحتاج إلى نفي الولد منه وحينئذٍ فيُلاعن امرأته فيشهد على نفسه أربع شهادات إنه لمن الصادقين. واختُلف هل هي أيمان أم شهادات: القول الأول وهو مذهب الجمهور: أنها أيمان مؤكدة بالشهادة. القول الثاني وهو مذهب أبي حنيفة: أنها شهادات. وينبني على هذا الخلاف من يصح لعانه، فإن قلنا: إن اللعان شهادات فلا يصح إلا ممن تصح شهادته، فالفاسق لا تصح شهادته وعليه فلا يصح لعانه وكذلك الكافر والعبد، وإن قلنا: إن اللعان أيمان فإنه يصح ممن تصح يمينه فيصح من العبد ويصح من الكافر ويصح من الفاسق؛ لأن أيمانهم منعقدة صحيحة. استدل أهل القول الثاني القائلين بأنها شهادات، بلفظ الشهادة في قوله تعالى: ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ ، فدل على أنهم شهداء فما يحصل منهم فهو شهادة.

стр. 2848

واستدل أهل القول الأول، بقوله تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ فقوله (بالله) من ألفاظ القسم، قالوا: والشهادة تأتي في القرآن وفي لغة العرب بمعنى اليمين، ومنه قوله تعالى: ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا﴾ (١) ، أي ليميننا، ولقوله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله﴾ (٢) ، ثم قال بعد ذلك ﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾ ، فقولهم (نشهد) يمين. ومن شعر العرب قول بعضهم: ((فأشهد بالله أني أحبها)) . فقوله (أشهد) ؛ أي يمين، وهو من الشعر المحتج به، وقد أورده ابن القيم في زاد المعاد، وهذا القول هو القول الراجح. وأما قوله تعالى ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ فهذا من باب الاستثناء المنقطع، أي لم يكن لهم شهداء لكن أنفسهم. ويدل على القول الراجح حديث لكنه ضعيف أن النبي ﷺ قال: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) (٣) رواه أبو داود وعلى القول الراجح فمن صحت يمينه صح لعانه، وعليه فالفاسق يصح لعانه وكذلك الكافر والعبد. وأما غير البالغ فلا يصح لعانه؛ لأن يمينه لا تصح، فلو قذف الصبي امرأته بالزنا فلا لعان؛ وذلك لأن يمينه لا تصح. ويدل على صحة قول الجمهور عموم قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ ، فهو عامٌ في الحر والعبد وفي المسلم والكافر وفي العدل والفاسق، ولأن ذلك موضع ضرورة فيحتاج إليه الكافر ويحتاج إليه العبد ويحتاج إليه الفاسق، فهو موضع حاجة، لأنه يحتاج إلى اللعان لينفي الولد عنه. قال: [ومن عرف العربية لم يصح لعانه بغيرها وإن جهلها فبلغته] من عرف العربية فيشترط في صحة لعانه، أن يكون بها، لكن إن جهلها فبلغته كما تقدم في النكاح.

стр. 2849

والقول الثاني في المسألة وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي: أن اللعان يصح بغير اللغة العربية مع القدرة عليها، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وذلك لأن اللعان يمين، واليمين تصح بغير اللغة العربية مع القدرة عليها، واللعان نوع من الأيمان، فلو حلف بالله في لغته فإنها يمين فكذلك اللعان. قال: [فإذا قذف امرأته بالزنا فله إسقاط الحد باللعان] إذا قذف امرأته بالفاحشة في قبل أو دبر، فله إسقاط الحد باللعان، إذن: إن قذف امرأته بالزنا فعليه حد القذف، لكن يدرأ عنه الحد أن يلاعن، ولذا قال ﷺ كما في البخاري: (البينة وإلا حدٌ في ظهرك) (١) . قال: [فيقول قبلها أربع مرات أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه ويشير إليها، ومع غيبتها يسميها وينسبها] أي ينسبها بما تتميز به فيذكر اسمها ويذكر ما يحتاج إليه من نسبها لتتميز عن بقية نسائه. قال: [وفي الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين] فيقول هذه الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فيقول: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، أو نحوها من الألفاظ التي يرميها بها في الزنا، فلو قال: " أشهد بالله أن ما في بطنها ليس مني "، فهذا كافٍ في رميها بالزنا. قال: [ثم تقول هي أربع مرات: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا] ونحو ذلك من الألفاظ التي تبرئ بها نفسها. قال: [ثم تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين] ويستحب أن يحضر ذلك جماعة من الناس، ففي البخاري عن سهل بن سعدٍ قال: (فتلاعنا وأنا مع الناس عند النبي ﷺ ) (٢) .

стр. 2850

ويستحب أن يكون ذلك في المسجد كما في البخاري من حديث سهل بن سعد: " أن ذلك كان في المسجد " (١) . ويستحب أن يتلاعنا قياماً؛ وذلك لأنه أردع في حقهما. ويستحب للحاكم أن يعظهما وأن يذكرهما، وأن يأمر رجلاً يضع يده على فيِّ الرجل في الخامسة، ويقول له: " إنها موجبة "، ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ : (ذكر الملاعن ووعظه وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وحد القذف أهون من عذاب الله في الآخرة، ثم دعا المرأة فوعظها كذلك) (٢) ، وفي سنن أبي داود والنسائي بإسنادٍ صحيح أن النبي ﷺ : (أمر رجلاً أن يضع يده عند الخامسة على فيه، ويقول: " إنها موجبة ") (٣) ، أي موجبة للعنة الله تعالى. قال: [فإن بدأت باللعان قبله ... إلى أن قال: لم يصح] إذا بدأت المرأة باللعان قبل الرجل فلا يصح اللعان في مذهب جمهور العلماء، خلافاً لأبي حنيفة، وذلك لأن الله قد شرع بذكر لعانه قبل ذكر لعانها، والحكمة من أن لعان الرجل قبل لعان المرأة من وجهين: الوجه الأول: أن الرجل قاذفٌ مدعي فبُدئ به أولاً، لأنه هو القاذف لها وهو الذي رماها بهذه الفاحشة العظيمة. والوجه الثاني: أن الرجل جانبه أقوى، فالغالب أنه صادقٌ في دعواه، إذ يبعد أن يرمي امرأته بالزنا في هذا المشهد بين الناس إلا وهو صادق في دعواه. قال: [أو أنقص أحدهما شيئاً من الألفاظ الخمسة ... إلى أن قال: لم يصح]

стр. 2851

لأنه خلاف ما أمر الله به، فلا يصح إلا أن يأتي كل واحدٍ منهما بالألفاظ الخمسة، فلو قال: " أشهد بالله إنها زانية، وأشهد بالله إنها زانية، أشهد بالله إنها زانية – ثم قال: " وأن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين "، لم يصح لعانه، أو قال: " أشهد بالله إنها زانية، أربعاً "، ثم سكت ولم يقل: " وأن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، فإن لعانه لا يصح حتى يأتي باللعان كما أمره الله ، وكذلك المرأة. قال: [أولم يحضرهما حاكمٌ أو نائبه ... إلى أن قال: لم يصح] لأنها دعوى فيها يمين، فاشترط فيها حضور الحاكم أو نائبه كسائر الدعاوى، فلو كانت بين يدي من ليس بحاكم أو كان ذلك في بيتها فلا تثبت الأحكام التي تقدم ذكرها، فهو لعان غير صحيح. قال: [أو أبدل لفظة أشهد بأقسم أو أحلف] فلو قال: " أقسم بالله " أو قال: " أحلف بالله إنها زانية " لم يصح حتى يقول: " أشهد بالله "، وذلك لأن قوله: " أقسم بالله " يمين غير مؤكدة بالشهادة، بينما قوله " أشهد بالله " يمين مؤكدة بالشهادة، فإذا قال: " أقسم بالله " أو " أحلف بالله " فهو خلاف ما أمره الله تعالى به فلا يصح حتى يقول: " أشهد بالله " أو " أشهد والله " المقصود أنه يجمع بين اليمين والشهادة. قال: [أو لفظة اللعنة بالإبعاد، أو الغضب بالسخط لم يصح] إذا أبدل لفظة اللعنة بالإبعاد فقال في الخامسة: " وأن إبعاد الله تعالى لي من رحمته إن كنت من الكاذبين "، أو أبدلت المرأة لفظ الغضب بالسخط فقالت في الخامسة: " وأن سخط الله علي إن كان من الصادقين "، فلا يصح.

стр. 2852

والقول الثاني في المسألة وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد: أن ذلك يصح؛ لأنه وإن لم يكن منصوصاً عليه لكنه بمعنى المنصوص والعبرة بالمعاني لا بالمباني، فقوله: " أبعدني الله من رحمته " بمعنى قوله: " لعنني الله تعالى "، وكذلك المرأة قولها: " وأن سخط الله علي " هو كقولها: " وأن غضب الله علي "، هذا هو القول الراجح. والله أعلم الدرس الثاني والستون بعد الثلاثمائة فصل قال ﵀: [وإن قذف زوجته الصغيرة أو المجنونة بالزنا عُزر ولا لعان] إذا قذف امرأته الصغيرة التي لا يوطأ مثلها فإنه يعزر ولا لعان، وذلك لأن اللعان يمين فلا يصح إلا من مكلف، وهذه الصغيرة ليست بمكلفة فلم يصح لعانها، فلا يلاعن الزوج وإنما يُعزر، وكذلك المجنونة لأنها غير مكلفة. أما إن قذف امرأته الصغيرة التي يوطأ مثلها – وهي في المشهور من المذهب بنت تسع سنين – فإن اللعان يثبت لكن لا يصح حتى تبلغ، وعليه فيتربص لها حتى تبلغ، فإن طالبت بحق القذف على زوجها الذي قذفها فحينئذٍ للزوج أن يلاعن ليدرأ الحد عن نفسه، وتلاعن هي أيضاً لأنها أصبحت مكلفةً. قال: [ومن شرطه قذفها بالزنا لفظاً، كزنيتِ أو يا زانية أو رأيتك تزنين في قبل أو دبر] فشرطه أن يرميها بالزنا، قال تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ أي بالزنا، وقال المؤلف: " في قبل أو دبر "، أما إن كان في قبل فظاهر. وأما إذا كان في دبر فهذا هو مذهب جمهور الفقهاء من الحنابلة وغيرهم، وهذا القول متفرع عن ثبوت حد القذف في رمي المرأة بالزنا في دبر.

стр. 2853

وقال الأحناف: بل إن كان في دبر فلا لعان، وهذا متفرع عن قولهم من أن المرأة إذا قذفها زوجها بالزنا من دبر فإن الحد أي حد القذف لا يقام، وإنما فيه التعزير، فاللعان لا يثبت عندهم، وذلك لأن اللعان إنما يشرع لدفع الحد وهنا لا حد، فإذا قذف امرأته في دبرها فلا حد، وعليه فلا لعان، وفيما ذهب إليه الأحناف قوة، ويأتي تحقيقه إن شاء الله في الكلام على القذف. وأما إن قذفها بمباشرة دون الفرج كأن يقول: " قد بوشرت "، أو قد باشرك فلان، أو قد خلا بك فلان أو قد قبلك أو نحو ذلك فلا لعان وذلك لأنه لا حد – أي لا حد قذف -، واللعان متفرع عن الحد، فاللعان إنما يشرع لدرء حد القذف عن الزوج وهنا لا حد في ذلك وعليه فلا لعان. قال: [فإن قال: وطئت بشبهةٍ أو مكرهةً أو نائمة أو قال: لم تزن ولكن ليس هذا الولد مني فشهدت امرأة ثقة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه ولا لعان] فإذا قال لامرأته: وطئت بشبهة أو مكرهةً أو نائمة أو لم تزنِ ولكن هذا الولد ليس مني، ثم شهدت امرأة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه ولا لعان. أما كونه لا لعان، فلأن الحد لا يثبت بمثل ذلك، فإذا قال الرجل لامرأته: " وطئتِ بشبهة أو إكراه أو نحو ذلك " فإنه لا حد في ذلك، ويأتي تقريره إن شاء الله في الكلام على حد القذف. لكن هل ينفى الولد أم لا؟ هنا قال: إن شهدت امرأة ثقة بأنه ولد على فراشه لحقه نسبه، وذلك لقول النبي ﷺ : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) (١) متفق عليه فإذا أثبتت البينة – وتكفي شهادة امرأة واحدة – أنه قد ولد في فراشه فإنه يثبت بذلك لحوق النسب. قال: [ومن شرطه أن تكذبه الزوجة] فمن شرط اللعان أن تكذبه الزوجة، وأما إن صدقته في دعواه فأقرت أنها قد زنت فلا لعان أو ثبتت بالبينة وهي أربعة شهود أنها قد زنت فلا لعان، فاللعان إنما يشرع حيث تنكر المرأة، ولذا فإنها تلاعن بعده.

стр. 2854

قال: [وإذا تم اللعان سقط عنه الحد والتعزير] فإذا تم اللعان سقط عنه الحد فيما يثبت فيه الحد، والتعزير فيما يثبت فيه التعزير، ويثبت التعزير إن كانت ذميةً أو أمةً أو نحو ذلك. ودليل هذه المسألة قوله ﷺ : (البينة وإلا حدٌ في ظهرك) (١) . قال: [وتثبت الفرقة بينهما بتحريم مؤبد] فإذا تم اللعان فإن الفرقة تثبت بينهما بتحريم مؤبد فلا تحل له أبداً، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لا سبيل لك عليها) (٢) ، وفي مسلم أن النبي ﷺ : (بدأ بالرجل فشهد أربع شهادات ثم ثنى بالمرأة ثم فرق بينهما) (٣) ، وفي سنن أبي داود من قول سهل بن سعد: (مضت السنة أن المتلاعنين يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً) (٤) . ولا يتوقف ذلك – أي التفريق – على حكم حاكم بل يثبت من غير حكم حاكم؛ وذلك لثبوته بنص الشارع. ويثبت هذا الحكم وإن كذب نفسه بعد ذلك، فإذا لاعنها بحضرة الحاكم وكان اللعان صحيحاً قد توفرت فيه الشروط ثم كذَّب نفسه بعد ذلك فإنها لا تحل له، لكن يحد أو يعزر ويلحقه الولد في نسبه، لأنه أقر بما يدل على كذبه في يمينه، وإنما درء عنه الحد ليمينه وقد كذبها بقوله، وحينئذٍ فيبقى عليه الحد – أي حد القذف – ويلحقه النسب.

стр. 2855

واعلم أن اللعان إن كان مجرداً عن نفي الولد فلا ينفى الولد بل يلحق الزوجَ ولده، وذلك لأن اللعان إنما فيه رميها بالزنا، ورميها بالزنا لا يوجب نفي الولد، لكن إن نفاه صراحةً أو تضمنا فإنه ينتفي عنه، فإن قال: " أشهد بالله أنها زانية وأن ما في رحمها ليس مني "، فإنه ينفى عنه؛ لأنه قد نفاه في لعانه وهنا صراحة. وأما تضمناً فبأن يقول مثلاً: " أشهد بالله إنها قد زنت في طهر لم أجامعها فيه "، فيُعلم أنها قد حملت من غير زوجها بقذفه. وأما إذا لم ينفه في اللعان فإنه لا ينتفي. فإن قيل: فما هو الجواب عما روى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ : (قضى في اللعان ألا يُدعى الولد لأبيه) (١) ، فالجواب: أن هذا من حديث سهل بن سعد، وفي البخاري أن الرجل قد أنكر حملها. مسألة: هل يشترط لنفي الولد أن ينفيه بلعان عند الوضع أم يكفي نفيه عند الحمل؟ قال الحنابلة في المشهور عندهم: يشترط أن ينفيه عند الوضع، قالوا: لأنه – وهو حمل – غير مستيقنٍ منه، فقد يكون – ريحاً - أو شيئاً آخر واللعان لا يتعلق بشرط، وهنا لا بد أن يعلق النفي على كونه موجوداً فيقول: " إن كان الولد موجوداً فليس مني "، واللعان لا يتعلق بشرط. والقول الثاني، وهو قول المالكية والشافعية وهو قول في مذهب الإمام أحمد: أن نفي الولد يثبت وإن نفاه وهي حامل لم تضع بعد. وهذا هو القول الراجح وهو الذي يدل عليه حديث سهل بن سعد المتقدم ففيه أنها كانت حاملاً فأنكر حملها، ولم يصح أن النبي ﷺ أمره باللعان لنفي الولد عند الوضع، ولا أنه فعل ذلك عند النبي ﷺ . أما قولهم أنه ليس بمستيقن:

стр. 2856

فالجواب عنه: أنه مظنون وهنا أمارات تدل عليه، والشارع يعلق الأحكام بمثل ذلك، بدليل اختلاف نفقة الحامل عن الحائل، والتوقف عن القصاص في الحامل، والفطر في رمضان للحامل وغير ذلك، مع أنه مظنون وليس بمستيقن. مسألة: وجماهير أهل العلم على أنه إن أقرَّ به أو ظهر منه ما يدل على الرضا فليس له أن ينفيه بعد ذلك. ومثال ظهور ما يدل على الرضا؛ كأن يُدعى له فيؤمن، أو يُهنأ به فيسكت ويرضى بذلك ونحو ذلك، فليس له أن ينفيه بعد ذلك. كما أنه إذا أمكنه أن ينفيه ولم ينفه، فليس له أن ينفيه بعد ذلك؛ وذلك لأنه خيار لدفع الضرر فكان على الفور، فإذا تراخى ولم ينف مع إمكان النفي فليس له أن ينفي بعد ذلك. لكن لو ادعى عدم علمه بذلك وأمكن جهله بذلك، فإن قوله يقبل وله أن ينفيه. استدراك: وعند قول المؤلف: [ولكن ليس هذا الولد مني فشهدت امرأة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه ولا لعان] فإذا شهدت البينة - ويكفي في ذلك امرأة ثقة – أنه ولد على فراشه فهو ولده ولا لعان. فإن لم تشهد البينة فهل يشرع اللعان لنفي الولد أم لا؟ في هذه المسألة لا لعان بقذف المرأة بالزنا، فهو لم يقذفها بما يوجب عليه حد القذف، لكن هل له أن يقول: " أشهد بالله أن هذا الولد ليس مني " يقول ذلك أربعاً أم لا؟ قال أكثر الحنابلة: له أن يلاعن لنفي الولد، وعليه فيلاعن هو وحده لنفي الولد. والمشهور في المذهب: أنه ليس له أن يلاعن؛ وذلك لأن اللعان إنما شرع بعد القذف، قال تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ ، وهنا لا قذف، فاللعان إنما شرع لدرء حد القذف عن الزوج وهذا حيث كانت المرأة مرمية بالزنا، وهنا ليست مرمية بالزنا وعليه فلا لعان، وهذا أظهر. فالشرع إنما شرع اللعان حيث كان مسبوقاً بقذف وهنا لا قذف وعليه فيلحقه الولد وليس له أن ينفيه، وكما قال ﷺ : (الولد للفراش) (١) . مسألة:

стр. 2857

إذا نكلت المرأة عن اللعان فهل يقضى بنكولها؟ بمعنى: لاعن الرجل امرأته لكن المرأة نكلت عن اللعان فهل يقضى بنكولها فيفرق بينهما وينفى الولد إن نفاه وتحد المرأة أم يخلى سبيلها أم تسجن حتى تقر بالزنا أو تلاعن؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم: القول الأول، وهو المشهور في المذهب: أن سبيلها يخلى، وهو قول ضعيفٌ جداً. القول الثاني: أنها تسجن حتى تقر بالزنا أو تلاعن. القول الثالث وهو مذهب المالكية والشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام وهو القول الراجح في المسألة: أنها إن نكلت فإنها تُحد، وهذا هو ظاهر قوله تعالى: ﴿ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين﴾ (١) ، فحد القذف ثابت في حق الرجل حتى يلاعن، فإذا لاعن الرجل فنكلت المرأة فعليها الحد، ويدرأ عنها العذاب أن تلاعن. وقال الحنابلة: الحد لا يثبت بلعان الزوج فقط بدليل مطالبة المرأة بالملاعنة بعده، ولا يثبت بالنكول فقط لأن الحدود تدرأ بالشبهات، والنكول فيه شبهة. الجواب عن هذا: أن يقال إنها لا تحد بهذا بمفرده ولا بهذا بمفرده؛ بل تحد بمجموعهما، فإنها تحد بيمين الزوج أولاً وبنكولها ثانياً، فإذا اجتمعا فإن الحد يثبت عليها باجتماعهما جميعاً، والشيئان قد يحكم باجتماعهما ما لا يحكم به بانفرادهما، وأما بالنكول فقط أو اليمين فقط فلا يقضى عليها بالحد. الدرس الثالث والستون بعد الثلاثمائة فصل هذا الفصل فيمن يَلْحق نسبه. قال ﵀: [من ولدت زوجته من أمكن كونه (٢) منه لحقه] فمن ولدت زوجته ولداً أمكن أن يكون هذا الولد - ذكراً كان أو أنثى - منه لحقه ذلك؛ لقول النبي ﷺ : (الولد للفراش) (٣) ، ثم بين المؤلف هذا الإمكان المذكور بقوله: [بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه أو دون أربع سنين منذ أبانها]

стр. 2858

أي أن تلده بعد ستة أشهر لأن أقل الحمل ستة أشهر لقوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ (١) ، وقد ذكر تعالى في آية آخرى أن فصاله أربعٌ وعشرون شهراً؛ أي سنتان وهو قوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ (٢) ، فبقي للحمل ستة أشهر، وهو قول علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة ولا يعلم لهم مخالف. أو دون أربع سنين: لأن أكثر الحمل أربع سنين في المذهب (٣) ، قالوا: لوقوع ذلك فقد وقع من بعض النساء – وهي ثقة وامرأة صدقٍ – أنها قد ولدت لأربع سنين. والقول الثاني في المذهب وهو اختيار ابن سعدي: أنه لا يتقيد بأربع سنين، بل قد يكون أكثر من ذلك، وقال: " لأنه الموافق للواقع " وهو كما قال. فالمسألة مسألة وقوع، فإذا وقع الحمل لأربع سنين فلا مانع أن يقع أكثر من ذلك، وقد قال النبي ﷺ (الولد للفراش..) قوله: " منذ أمكن وطؤه " أي أن تلد بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه. فإذا عقد على المرأة وأمكن وطؤه (٤) ثم ولدت بعد نصف سنة فإن الولد يلحق به. فإذا عقد على امرأة وهو وهي في بلد واحد ولم يدخل بها، فهنا يمكن الوطء لكننا لم نتحقق من الوطء لعدم الدخول، فهنا يلحق به. لكن لو تحققنا وعلمنا عدم إمكان الوطء، كأن يكون هو في بلد وهي في بلد آخر بعيد ويُعلم أنه لا يخفى مسيره من تلك البلدة إلى هذه البلدة، فحينئذٍ قد تحققنا أنه لم يطأها فلا يلحق به، هذا هو تحرير مذهب الحنابلة في هذه المسألة. إذن: يعلقون الإلحاق بإمكان الوطء، لكن لو تحققنا أنه لم يطأها فإنه لا يلحق به، ولذا فلو كان مجبوب الذكر والأنثيين فإنه لا يلحق به، وذلك لأننا نقطع أن مثله لا يولد له.

стр. 2859

واختار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره طائفة من متأخري أصحابه ومنهم والد شيخ الإسلام، واختاره ابن القيم: أن إمكان الوطء غير كافٍ في الإلحاق، بل حتى يعلم الوطء وذلك بالدخول، فإذا بنى بالمرأة ودخل بها فولدت منه لستة أشهرٍ أو دون أربع سنين – على المذهب – منذ أبانها فحينئذٍ يلحق به. إذن: لا تكون المرأة فراشاً حتى يتحقق الوطء، وذلك بالبناء بها، وهذا هو القول الراجح، فإن مجرد العقد مع إمكان الوطء لا تعدُّ فيه المرأة فراشاً لا في اللغة ولا في العرف، فلا يقال: " إن المرأة فراشٌ للرجل " وهو لم يبنِ بها، لا في لغة العرب ولا في عرف الناس، وهذا ظاهر. قال: [وهو ممن يولد لمثله كابن عشر] هذا قيد آخر، وهو أن يكون ابن عشر سنين، أي من تم له عشر سنين وشرع في السنة الحادية عشرة قالوا: لقوله النبي ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع) (١) ، فأمر النبي ﷺ بالتفريق بينهم في المضاجع، فدل على أن مثلهم يطأ، فعليه يلحق بهم النسب.

стр. 2860

والقول الثاني في المسألة، وهو قول في مذهب الإمام أحمد وهو قول طائفةٍ من كبار الصحابة كأبي بكر، و [هو قول] (١) أبي الخطاب وابن عقيل: أنه لا يلحق به حتى يبلغ، أي ينزل فإذا ثبت إنزاله، أي ثبت احتلامه فإنه يلحق به، وهذا ظاهر جداً، وذلك لأن الولد يكون من الماء، ومن لم يبلغ فلا ماء له فكيف يكون منه الولد، وكيف يلحق به. وأما قوله ﷺ : (وفرقوا بينهم في المضاجع) ، فهذا لأن ابن عشر مظنة البلوغ ومظنة المراهقة، فلذا يمنع من المبيت عند البنت لأنه مظنة الوطء. والقول الثاني هو الراجح، فلا يلحق به الولد حتى يبلغ. قوله: [ولا يحكم ببلوغه إن شك فيه] فعلى المذهب - عندما يلحق به الولد – فهل تثبت الأحكام الأخرى فيه فيكون في حكم المكلفين؟ الجواب: لا تثبت الأحكام الأخرى [– كالزنا والقتل –] (٢) مع الشك فلا تلحق به الأحكام الأخرى حتى يثبت بلوغه، واليقين لا يزول بالشك. قال: [ومن اعترف بوطء امرأته (٣) في الفرج أو دونه فولدت لنصف سنة فأزيد لَحِقَهُ ولدها إلا أن يدعي الاستبراء ويحلف عليه] اعلم أن المشهور في المذهب وهو قول الجمهور وهو الراجح: أن الأمة لا تكون فراشاً إلا بالوطء، ودليله: دليل المسألة التي تقدم ذكرها. إذاً: الحنابلة فرقوا بين الحرة والأمة، فقالوا: إن الأمة لا تكون فراشاً إلا بالوطء، أما بمجرد إمكان الوطء فلا، وأما الزوجة فإنها تكون فراشاً بمجرد إمكان الوطء، ففرقوا بين الزوجة والسُرِّيَّة.

стр. 2861

وهنا: اعترف رجل أنه قد وطئ أمته في الفرج فولدت لنصف سنة فأزيد فإنه يلحقه ولدها، لقول النبي ﷺ : (الولد للفراش) ، إلا أن يدعي الاستبراء، أي يدعي أنه قد استبرأها بحيضة فيقول مثلاً: " أنا قد وطئت هذه الأمة لكني استبرأتها بحيضة فقد حاضت بعد وطئي بها، ثم بعد ذلك حملت، وعليه: فلا يكون الحمل منه، لأنه قد استبرأها بحيضة. فيقبل قوله؛ وذلك لأن هذا أمرٌ خفي، لا يعلم إلا منه فيقبل قوله فيه، لكن يحلف على ذلك لحق الولد، فإن هذه اليمين تمنع الولد من نسبه إلى هذا الرجل، فهذه اليمين قد تعلق بها حق الآدمي. وكذلك لو اعترف أنه وطئ أمته دون الفرج ثم ولدت لنصف سنة فأزيد فكذلك أي يلحق الولد به، وذلك لأنه لا مانع من أن يلج ماؤه فرجها، وهو واقع، ثم هي (١) فراشٌ له وقد قال النبي ﷺ : (الولد للفراش) . قال: [وإن قال وطئتها دون الفرج أو فيه ولم أنزل أو عزلت لحقه] إذا قال: " أنا قد وطئتها في الفرج ولم أنزل "، أو قال: " عزلت "، فإنه يلحقه أيضاً. أو قال: " وطئتها دون الفرج ولم أنزل، أو قال: عزلت " فإنه يلحقه أيضاً، وعن الإمام أحمد: أن قوله يقبل ولا يلحقه النسب. والقول الذي يترجح لي في هذه المسألة: هو التفصيل، فيقال: إن اعترف أنه وطئها في فرجها ثم ادعى أنه لم ينزل أو أنه قد عزل فإن الولد يلحقه.

стр. 2862

ويدل عليه ما ثبت في مسلم: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : يا رسول الله إن عندي جارية وأنا أعزل عنها فقال النبي ﷺ : (إن ذلك لا يمنع مما أراد الله شيئاً) (١) ، ويدل عليه ما ثبت عند الشافعي بإسنادٍ صحيح أن عمر قال: " ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعزلون، لا تأتيني أمة اعترف سيدها أنه يطؤها إلا ألحقت به ولدها فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا ". وأما إن كان قد اعترف [أنه] (٢) قد وطئها دون فرجها وقال: إنه لم ينزل، أو قد عزل، فالذي يترجح أنه لا يلحق به، وأن قوله يقبل بيمينه؛ وذلك للفرق بين المسألتين؛ فهنا لم يطأها، والولادة إنما تكون بالوطء. وكونه قد عزل عنها أو لم ينزل عندما باشرها فيما (٣) دون الفرج؛ هذا يمنع من أن يتسرب شيءٌ منه إلى فرجها بخلاف ما لو أنزل فإنه لا يمنع من تسرب شيءٍ إلى فرجها. فلا ينسب الولد إليه، لأنه لا ولد إلا بجماع، وهنا لا جماع وكذلك لا مظنة، لأنه لو كان قد باشرها دون الفرج فأنزل فـ[ـإنه] لا مانع من أن يكون تسرب شيءٌ إلى فرجها فيكون ذلك مظنة، وأما هنا فليس الأمر كذلك، والله أعلم. قال: [وإن أعتقها أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولد لدون نصف سنة لحقه والبيع باطل] إذا أعتق أمةً أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولدٍ لدون نصف سنة فحينئذٍ نعلم أنه منه، لأنه لو كان نصف سنة فأكثر لاحتُمل أن يكون من هذا المشتري الجديد، لكن هنا لدون نصف سنة فحينئذٍ نعلم أنه منه فنلحق الولد به (٤) ، والبيع يكون باطلاً، لأنها تكون أم ولدٍ له، وقد تقدم أن المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور: أن أم الولد لا يحل بيعها. وهنا مسائل:

стр. 2863

المسألة الأولى: أن الشبه غير معتبر مع الفراش، فإذا ثبت الفراش فإن الولد يلحق بصاحب الفراش وإن ثبت الشبه لمدّعٍ غيره، ففي الصحيحين عن عائشة قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلامٍ، فقال سعد بن أبي وقاص: هو ابن أخي عتبة عهد إليّ أنه ابنه وانظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هو أخي ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله ﷺ فوجد به شبهاً بيِّناً بعتبة – إذاً هنا تعارض الشبه والفراش، فالشبه لعتبة والفراش لزمعة – فقال النبي ﷺ : (هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر) ، ثم قال النبي ﷺ : (احتجبي منه يا سودة بنت زمعة) (١) ، وسودة هي زوج النبي ﷺ أمرها أن تحتجب منه احتياطاً لوجود الشبه. المسألة الثانية: أنه إذا لم يثبت فراش فادعى رجل أن هذا ابنٌ له – أي من الزنا – فهل يلحق به أم لا؟ قولان لأهل العلم: القول الأول وهو مذهب الجمهور: أنه لا ينسب إليه. القول الثاني، وهو قول إسحاق وطائفة من التابعين وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه ينسب إليه حيث لم يعارض الفراش أي ليس ثمة فراش معارض، قالوا: لأن هذا - أي المُلحق به – أحد الزانيين ونحن نلحقه بأمه، فإذا ثبت أن هذه المرأة قد زنت وأن هذا ولد لها من الزنا فإنه يلحق بها ويرثها وترثه ويتصل بقرابتها كاتصال ولدها وهي أحد الأبوين الزانيين، فكذلك الآخر إذا ادعاه وليس ثمة معارض وهو الفراش.

стр. 2864

فهذا الذي ادعاه أبوه من الزنا، وقد قال النبي ﷺ في حكايته لقصة جريج أنه قال للولد: من أبوك، فقال: الراعي " (١) ، والراعي أبوه من الزنا. وقال الجمهور: بل لا يلحق به، واستدلوا بما روى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ : " قضى أن كل مُسْتَلْحق يُسْتلْحَق بعد أبيه الذي يُدعى له، إن كان من أمة يملكها يوم أصابها فادعاه ورثته فإنه يلحق به، ثم إن ألحق به وكان هناك ميراثٌ قد قسم فليس له منه شيء، وما أدرك مما لم يقسم فله منه نصيبه ".

стр. 2865

فإذا استلحق مستلحق ولداً بعد أبيه فإن هذا الولد إن كان من أمة يملكها هذا الأب يوم أصابها ثم ادعى الورثة أن ولد هذه الأمة التي كانت ملكاً لأبيهم أنه أخٌ لهم فحينئذٍ يلحق به، وحينئذٍ فما قسم من الميراث فليس له منه شيء، وما لم يقسم بعد فله منه نصيبه – إلا أن ينكره أبوه، ولا يلحق به إن أنكره الذي يدعى له – فإن كان أبوه الذي ينسب له الابن وهو مالك الأمة إن كان قد أنكره وهو حيٌ فإنه لا ينسب إليه بعد ذلك؛ لأن الورثة يقومون مقامه، فنحن إنما قبلنا استلحاقهم لأنهم يقومون مقامه، وهنا قد أنكر هو فلا يمكن بعد ذلك أن يثبتوا هم ما أنكره هو – وإن كان من أمة لا يملكها أو حرة قد عاهر بها فإنه لا يلحق به ولا يرثه – وهذا هو الشاهد – وإن كان قد ادعاه الذي يُدعى له – أي وإن كان هذا الأب يدعي في حياته أن هذا ولد له – وإنما هو ولد زنيةٍ من أمة كان أو حرة " (١) والحديث إسناده جيد. وفيه أنه لو كان هذا المُدعى من أمةٍ لا يملكها من يُدعى أنه أبٌ، أو من حرة قد زنا بها فإنه لا يلحق به ولا يرث منه ولا يرثه.

стр. 2866

وهذا هو القول الراجح؛ لثبوت هذا الحديث، وقال ابن القيم: " إن ثبت هذا الحديث وجب القول بموجبه والمصير إليه، وإلا فالقول كما قال إسحاق ومن وافقه "، والحديث إسناده جيد. والذي يَسْتلحقُ هو الأب أو من يقوم مقامه وهم ورثته، ويشترط أن يتفقوا على ذلك، فإن خالف بعضهم فإنه لا يلحق لأنهم يقومون كلهم مقامه. المسألة الثالثة: أن من وطئ امرأةً في شبهة - أي وطئ امرأة يظنها زوجته- فحملت من هذا الوطء فإنه يلحق به، وذلك لأنه وطءٌ يعتقد الواطئ حله؛ فأشبه الوطء بعقدٍ فاسد كالنكاح بلا ولي، فإن الرجل إذا نكح امرأةً بلا ولي وهو يعتقد حل ذلك فإن الولد ينسب إليه بلا خلاف، فكذلك إذا وطئها بنكاح شبهة لأنه يعتقد حل هذا الوطء. المسألة الرابعة: القاعدة عند أهل العلم: " أن الولد يلحق بأبيه " لقوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ (١) ، إلا المنفي باللعان فإنه ينسب لأمه كما تقدم. وينسب لأمه في الحرية والرق فإذا كانت أمه حرة فهو حر وإن كان أبوه رقيقاً، وإن كانت أمه رقيقةً فهو رقيق وإن كان أبوه حراً. وأما في الدين فإنه يلحق بأخيرِهِما، فإن كان أحد الأبوين مسلماً والآخر كتابياً فإنه يلحق بالمسلم منهما سواءً كان أباً أو أماً، وإن كان أحدهما نصرانياً ولآخر وثنياً فإنه يلحق بالنصراني سواءً كان أباً أو أماً. تم بحمد الله تعالى شرح كتاب الطلاق والإيلاء والظهار واللعان من زاد المستقنع، شرحه فضيلة الشيخ / حمد بن عبد الله الحمد، حفظه الله تعالى ونفع به.

стр. 2867

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم باب ما يختلف به عدد الطلاق من حرية أو عبودية أو غير ذلك من الأسباب التي يختلف بها عدد الطلاق. قوله: [يملك من كله حر أو بعضه ثلاثاً] فإذا كان الزوج كله حراً أو كان مبعضاً أي بعضه حر وبعضه عبد فإنه يملك ثلاث تطليقات بإتفاق أهل العلم سواءً كانت الزوجة حرةً أو أمة، أما دليل من كان كله حراً فهو ظاهر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وقد أجمع أهل العلم عليه، وأما المبعض: فلأننا لو قلنا بأنه يكون بالنظر إلى حريته وعبوديته لبعضنا الطلاق بأن يكون له ثلاثة أرباع نصاب الطلاق والطلاق لا يتبعض لذلك ثبت له ثلاث تطليقات. قوله: [والعبد اثنتين] اتفاقاً، فقد اتفق أهل العلم على أن للعبد تطليقتين، وفي أبي داود والترمذي أن النبي ﷺ قال: (طلاق العبد – أي البائن – تطليقتان) والحديث إسناده ضعيف، لكن العمل عليه عند أهل العلم، وقد روي ذلك عن طائفةٍ من الصحابة ولا يعلم لهم مخالف. قوله: [حرةً كانت زوجتاهما أو أمة] فإذا كانت تحت العبد حرة فإن تطليقه البائن تطليقتان، وكذلك إذا كانت الأمة تحت الحر فإن تطليقه ثلاث تطليقات، فالمعتبر في الطلاق هو النظر إلى الزوج لا إلى الزوجة هذا هو مذهب جمهور العلماء خلافاً لأبي حنيفة، ودليل هذا قول النبي ﷺ الذي رواه ابن ماجة وغيره: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) ، فالطلاق حق للزوج فكان النظر إليه فيه. قوله: [فإذا قال أنت الطلاق] إذا قال الرجل لامرأته " أنت الطلاق ". قوله: [أو طالقٌ] إذا قال لامرأته " أنت طالق ". قوله: [أو علي] أي قال " علي الطلاق " وحنث. قوله: [أو يلزمني] إذا قال يلزمني الطلاق إن فعلت كذا ثم فعل. قوله: [وقع ثلاثاً بنيتها]

стр. 2868

أي بنيته الثلاث، فالضمير في قوله بنيتها أي بنية الثلاث فإذا قال لامرأته ما تقدم وكان قد نوى الطلاق ثلاثاً فإنه يقع ثلاثاً، وذلك لأن هذه الألفاظ المتقدم ذكرها تحتمل الثلاث والواحدة وهي في الطلقة الواحدة أظهر أي من جهة العرف لا من جهة اللغة لأن الللام تفيد الاستغراق لغةً فيكون ثلاثاً في اللغة؛ لكن في عرف العامة هي واحدة، لكنه لما نوى أن تكون ثلاثاً فعين ذلك، لأنه نوى ما يحتمله لفظه. قوله: [وإلا فواحدة] فإذا لم ينوِ أن تكون ثلاثاً فإنها تكون واحدة، فإذا قال لامرأته: " أنت طالق " ولم ينو شيئاً فإنها تطلق واحدة وذلك لأن الواحدة أقل ما يصدق عليه هذه الألفاظ، فأقل ما يصدق عليه الاسم المتقدم هو الواحدة، وهذه المسألة وما بعدها من المسائل تتفرع على القول بطلاق الثلاث البائن بلفظة واحدة، أو في مجلس واحد أو في مجالس متعددة بلا رجعه، وقد تقدم أنه قول مرجوح والراجح أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة طلقة واحدة. قوله: [ويقع بلفظ كل الطلاق أو أكثره أو عدد الحصى أو الريح أو نحو ذلك ثلاثٌ ولو نوى واحدة]

стр. 2869

إذا قال لامرأته: " أنت طالق كل الطلاق أو أكثر الطلاق أو منتهاه أو غايته أو عدد الحصى أو الريح أو أنت طالق مائة طلقة أو ألف طلقة " أو نحو ذلك فإنه يقع الطلاق ثلاثاً ولو نوى واحدة، فلا عبرة بنيته وذلك لأن صريح لفظه يخالف نيته، فصريح لفظه الطلاق المتعدد الذي يحصل معه البينونة، فهنا ما نواه لا يحتمله اللفظ فإذا قال لها: " أنت طالق أكثر الطلاق " ونوى أن تكون واحدة فإن نيته لا يحتملها لفظه كما أنه لو قال: " أنت طالق واحدة " ونوى أن يكون ثلاثاً فإن هذا الطلاق لا يكون إلا واحدة، وذلك لأن هذه النية لا يحتملها اللفظ، فإن قال لزوجته " أنت طالق عُظم الطلاق " أو " أنت طالق أقبح الطلاق " أو " أنت طالق كالجبل " أو " عُظم الطلاق " فإن لم ينوِ ثلاثاً فإنها تكون واحدة، وذلك لأن هذه الألفاظ لا ترجع إلى العدد وإنما ترجع إلى كيفية الطلاق، فترجع إلى الطلاق نفسه كيفاً لا عدداً فإن نوى ثلاثاً فإنها تقع ثلاثاً لأن اللفظ يحتمل ذلك لكن إن لم ينوِ شيئاً أو نوى أن تكون واحدة فإنها تقع واحدة لأن لفظه ليس فيه تصريح بالعدد بخلاف قوله: " أنت طالق أكثر الطلاق " أو " منتهاه " فهو يعود إلى العدد. قوله: [وإن طلق عضواً أو جزءاً مشاعاً أو معيناً أو مبهماً] إذا طلق عضواً كأن يطلق يداً أو رجلاً أو كبداً أو جزئاً مشاعاً كالنصف والربع فيقول: " نصفك طالق"، أو معيناً أي جزئاً معيناً كأن يقول: " النصف الفوقاني منك طالق" أو مبهماً كأن يقول: " جزئك طالق "، فالحكم أنها تطلق طلقة وذلك لأن المرأة لا تتبعض بالحل والحرمة، وفيها ما يقتضي التحريم وما يقتضي الإباحة فغلب جانب الحرمة. قوله: [أو قال نصف طلقة أو جزء من طلقة طلقت]

стр. 2870

إذا قال لها: " أنت طالق نصف طلقة أو جزء طلقة " أي سواء أبهم كقوله: " جزء طلقة " أو حدد كقوله: " جزءاً من طلقة " فإنها تطلق، وذلك لأن الطلاق لا يتبعض فإذا طلق النصف أو الربع فإنها تقع عليه طلقة واحدة. قوله: [وعكسه الروح] فإذا قال لها: " روحك طالق " فإنها لا تطلق، هذا هو أحد القولين في المذهب قالوا: لأن الروح ليست بعضو وليست شيئاً يتمتع به وهو المذهب عند المتأخرين. والقول الثاني في المسألة وهو قول في مذهب الإمام أحمد، وقال صاحب الإنصاف هو المذهب واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي؛ أنه إذا طلق الروح فإنها تطلق عليه وذلك لأنه لا حياة للمرء بلا روح، فإن قوام البدن الروح، فعليه يقع الطلاق، ولا شك أن هذا أولى من تطليق يدها أو رجلها ونحو ذلك، فالراجح أن طلاق الروح يقع فتطلق به المرأة، لأنه لا حياة لليد بدون روح. قوله: [والسن والشعر والظفر ونحوه] إذا قال: " شعرك طالق " أو " أو سنك طالق " أو " ظفرك طالق " ونحوه كالسمع والبصر، فإنها لا تطلق عليه، قالوا: لأن هذه الأشياء تنفصل عن الإنسان مع سلامته من غير عطب، فإن الشخص قد يحلق شعره ويقلم أظفاره ويقلع سنه ولا يتضرر شيء منه. والقول الثاني في المسألة وهو قول الشافعية والمالكية؛ أن الطلاق يقع، لأن المذكور وهو الظفر والشعر والسن ونحوها مما استباحه الناس بالنكاح فيقع الطلاق بتطليقه، والأول أولى وذلك لأن الأصل بقاء عصمة النكاح وما ذكره أهل القول الأول من الاستدلال فيه قوة فإن هذه الأشياء المذكورة تنفصل مع السلامة، بخلاف الإصبع مثلاً فإنها لا تنفصل إلا مع عطب فإنها تجرح البدن ويتأذى البدن بذلك وكذلك اليد والرجل أو نحو ذلك. قوله: [وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق وكرره وقع العدد، إلا أن ينوي تأكيداً يصح أو إفهاماً]

стр. 2871

إذا قال لامرأته التي قد دخل بها: " أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق " وقع العدد، فإذا قال لها: " أنت طالق، أنت طالق " فإنه يقع الطلاق اثنتين وإذا قال: " أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق " فإنها تقع ثلاثاً، إلا أن ينوي تأكيداً، فإذا كانت بنيته تأكيد الطلاق أو إفهامها أو إفهام السامع فإنه تقبل نيته حكماً، وتقبل أيضاً في الباطن ويدين بذلك فيما بينه وبين ربه بما ادعاه بنيته، وذلك لأنه أعلم بلفظه وهذا اللفظ يحتمل التأكيد والإفهام ويحتمل التعدد فلما ثبت هذان الاحتمالان قبلت نيته، لكن لابد أن يكون ينوي تأكيداً يصح، وأن يكون اللفظ يحتمل ذلك، فإذا قال لها: " أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق " وقال نويت التأكيد فإنه يقبل معه لأن هذه الجمل قد اتصلت، لكن إذا قال لها اليوم: " أنت طالق " وقال لها غداً: " أنت طالق " وقال أريد التأكيد، فإن هذا لا يقبل منه لأن هذا لا يكون منه تأكيداً، فالتأكيد متصل بالكلام كسائر التوابع والإفهام نوع منه. إذن: إنما يقبل منه حيث أمكن التأكيد أو أمكن الإفهام أما إذا كان لا يمكن مع لفظه التأكيد والإفهام فإنه لا يقبل منه. قوله: [وإن كرره ببل أو بثم أو بالفاء أو قال بعدها، أو قبلها أو معها طلقةٌ وقع اثنتان]

стр. 2872

إذا قال لها: " أنت طالق بل طالق " أو: " أنت طالق ثم طالق " أو: " أنت طالق فطالق " أو: " أنت طالق وطالق " أو قال: " أنت طالق بعدها طلقة " أو: " أنت طالق قبلها طلقة " أو: " أنت طالق معها طلقة " وقعت طلقتان، وذلك لأن مثل هذه الألفاظ ظاهرة في التغاير، فالثلاث الأول حروف عطف، وحروف العطف الأصل فيها المغايرة، فعليه ظاهر لفظه أنت طالق طلاقاً آخر، كذلك إذا قال لها: " أنت طالق بعدها طلقة " أو: " أنت طالق قبلها طلقة " أو: " أنت طالق طلقة معها طلقة " ونحو ذلك، فإنه لا يقبل ادعاؤه التأكيد ولا ادعاؤه الإفهام، لأن التأكيد والإفهام هنا احتمال بعيد، لكن لو كان في الباطن أراد التأكيد فإنه يدين بذلك فيما بينه وبين ربه، وأما في الحكم الظاهر فإن القاضي يحكم عليه بما يقتضيه لفظه. قوله: [وإن لم يدخل بها بانت بالأولى ولم يلزمه ما بعدها] إذا كانت المرأة غير مدخول بها وقال لها: " أنت طالق ثم طالق " أو نحو ذلك، فإنها تبين بالأولى وحينئذٍ تكون عليها طلقة واحدة لأن غير المدخول بها تبين بطلقة واحدة فقوله لها: " أنت طالق " فبهذه اللفظة الأولى تبين منه، فإذا كرر بعدها طلقتين مثلاً فإن هاتين الطلقتين الأخريين قد وقعتا في حالة البينونة، وطلاق البائن لا يمضي، فعلى ذلك له أن يتزوجها من غير اشتراط أن تنكح زوجاً غيره، فيعقد عليها عقداً جديداً. قوله: [والمعلق كالمنجَزِ في هذا] المعلق كقوله: " إذا دخلت الدار فأنت طالق طالق "، فالمنجز أي كقوله: " أنت طالق أنت طالق أنت طالق "، فلو أن رجلاً قال لامرأة غير مدخول بها: " إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق " فإنها تبين منه بالأولى إذا دخلت الدار، ولا يقع عليها الثاني ولا الثالث لأنها أصبحت بائناً بالأولى. فصل هذا الفصل في الاستثناء في الطلاق وأحكامه قوله: [ويصح منه استثناء النصف فأقل من عدد الطلاق والمطلقات]

стр. 2873

يصح من الزوج أن يستثني النصف فأقل من عدد الطلاق ومن عدد المطلقات، هذه المسألة ترجع إلى ما هو مرجح في علم الأصول وهو مذهب الحنابلة من صحة استثناء النصف فأقل، أما استثناء الكل أو الأكثر فإنه لا يصح فإذا قال لزيد " علي مائة ريال إلا مائة " فهذا استثناء كل ولا يصح، فيكون قد أقر بمائة ولا يصح استثناؤه، ولو قال لزيدٍ: "على مائة إلا تسعين" فلا يصح الاستثناء ويكون قد أقر بالمائة أما إذا استثنى النصف فأقل كأن يقول: " له علي مائة إلا خمسين" أو: " له علي مائة إلا أربعين" فإن الاستثناء يصح، فعلى ذلك إذا طلق امرأته ثلاثاً واستثنى الكل فقال: " أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً " أو الأكثر فقال: " أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين " فإن الاستثناء لا يصح وتكون طالقاً ثلاثاً، أما إذا استثنى النصف فأقل كأن يقول: " أنت طالق اثنتين إلا واحدة " أو " أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة " فإن الاستثناء يصح ولذا قال المؤلف: [فإذا قال: أنت طالقٌ طلقتين إلا واحدة، وقعت واحدة، وإن قال: ثلاثاً إلا واحدة فطلقتان] كذلك في المطلقات، فلو قال: " نسائي الأربع طوالق إلا واحدة، فيصح الاستثناء ولو قال: "نسائي الأربع طوالق إلا اثنتين"، فيصح الاستثناء. قوله: [وإن استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح دون عدد الطلقات] فإذا استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح ذلك، كأن يقول: " نسائي طوالق وله ثلاث " واستثنى بقلبه فلانه فإن هذا الاستثناء يصح في الحكم، وأما في الباطن أي في النية فلا إشكال فيه أنه يصح أي بأن يدين في ذلك فيما بينه وبين ربه، وأما في الحكم فكذا لك في المذهب، وذلك لأن اللفظ العام قد يراد به الخصوص وحينئذٍ فهذه النية تصرف اللفظ إلى بعض أفراده.

стр. 2874

والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية أن الطلاق يقع كما تلفظ به ولا عبرة بنيته، وهذا هو القول الراجح، وذلك لأن الحكم إنما يعتبر بالظاهر، والظاهر من لفظه أن نساءه كلهن طوالق، فيحكم عليه بما اقتضاه ظاهر لفظه، وأما نيته فهي بينه وبين ربه، فإن لم يكن هناك ترافع أمام القاضي فإنه إن علم من نفسه الصدق فإنه يبقي امرأته وأما إن علم من نفسه الكذب فإنها لا تحل له إن كان الطلاق بائناً وإلا فإنه يحسبها طلقة، وأما في الطلقات فلا لا ديناً ولا حكماً، فلا يدين بذلك ولا يحكم به؛ أي بالاستثناء، فإذا قال رجل لامرأته: " أنت طالق ثلاثاً " ونوى في قلبه إلا واحدة فلا يعتبر بهذا الاستثناء المنوي غير المتلفظ به في الحكم وذلك للتعليل المتقدم في المسألة السابقة، وكذلك لا يدين بنيته فلا يقال: " إن كنت صادقاً فيما نويته فهي امرأتك " لا يقال ذلك، وذلك لأن العدد نص فيما يتناوله؛ أي ليس هناك احتمال، فإن قال: " أنت طالق ثلاثاً " فليس هناك أي احتمال أخر ممكن بخلاف ما إذا قال " نسائي طوالق " فإنه يحتمل أن يريد البعض فالنية إنما تصرف اللفظ المحتمل إلى أحد محتملاته وأما ما لا يحتمله اللفظ فلا، وإلا لجاز العمل بالنية المجردة في النكاح والطلاق ونحو ذلك، وهذه المسألة متفرعة على قول جمهور أهل العلم من إيقاع طلاق الثلاث ثلاثاً وإلا فالراجح أن طلاق الثلاث واحدة، ومثل ذلك إذا قال: " نسائي الأربع طوالق " أو قال: " ثلاثتكن طوالق " ونوى إلا واحدة فلا عبرة بنيته لأن قوله: " نسائي الأربع " وقوله: " ثلاثتكن " هذا عدد والعدد نص فيما يتناوله وعليه فالنية لا تصرفه كما تقدم تقريره. قوله: [وإذا قال: أربعكن إلا فلانة طوالقٌ صح الاستثناء] وذلك لأن هذه المرأة قد خرجت باستثناء صحيح. قوله: [ولا يصح استثناء لم يتصل عادة]

стр. 2875

يشترط في الاستثناء أن يتصل في العادة، يتصل لفظاً أو حكماً، اتصاله لفظاً: بأن يتبع المستثنى المستثنى منه، فإن قال: " نسائي طوالق إلا فاطمة " فقوله: " إلا فاطمة " فاطمة هي المستثنى وقوله " نسائي طوالق " المستثنى منه، فهنا قد تبع المستثنى المستثنى منه تبعه لفظاً فالاستثناء صحيح. وأما اتصاله حكماً: فهو لم يتبعه لفظاً لكنه تبعه حكماً، وذلك فيما إذا كان هناك فاصل بين المستثنى والمستثنى منه، وكان الفاصل لا يقطع في العادة، كأن يقول: " نسائي طوالق " ثم يعطس أو يسعل ثم يقول: " إلا فلانة " فلا تطلق عليه وذلك لأن الاستثناء متصل في العادة لكنه ليس متصل لفظاً بل هو متصل حكماً. قوله: [فلو انفصل وأمكن الكلام دونه بطل] فإذا قال: " نسائي طوالق " ثم تكلم بكلام أجنبي أو سكت سكوتاً طويلاً يقطع في العرف ثم قال: " إلا فلانة " فإن الطلاق يقع على كل نسائه ولا يصح استثناؤه، وذلك لوجود الانقطاع، فهذا الطلاق الذي تلفظ به لا يمكن رفعه بمثل هذا الاستثناء المنقطع أما الاستثناء المتصل فإنه يجعل اللفظ جملة واحدة، أي يجعل المستثنى منه والمستثنى جملة واحدة لا يقع الكلام إلا بتمامها. قوله: [وشرطه النية قبل كمالِ ما استثنى منه] هذا الحكم في الاستثناء وفي الشرط، فلو قال رجل: " نسائي طوالق " ثم استدرك وقال: " إلا فلانة " فهو عندما قال: " نسائي طوالق " لا ينوي استثناء هذه المرأة المستثناة بل نواه بعد إتمامه اللفظ، فالاستثناء لا يصح ويقع الطلاق على كل المستثنى، وكذلك الشرط، فلو أن رجلاً قال لامرأته: " أنت طالق" ثم استدرك فقال: " إن دخلت الدار " فالشرط هنا لا يصح لأنه لم ينوه أثناء اللفظ قالوا: لأن الشرط والاستثناء يصرفان اللفظ عن مقتضاه فوجب أن يقترنا به لفظاً ونية في المنجز والمعلق فتدخل فيه يمين.
следующие страницы →