← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

إذا قال لامرأته التي قد دخل بها: " أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق " وقع العدد، فإذا قال لها: " أنت طالق، أنت طالق " فإنه يقع الطلاق اثنتين وإذا قال: " أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق " فإنها تقع ثلاثاً، إلا أن ينوي تأكيداً، فإذا كانت بنيته تأكيد الطلاق أو إفهامها أو إفهام السامع فإنه تقبل نيته حكماً، وتقبل أيضاً في الباطن ويدين بذلك فيما بينه وبين ربه بما ادعاه بنيته، وذلك لأنه أعلم بلفظه وهذا اللفظ يحتمل التأكيد والإفهام ويحتمل التعدد فلما ثبت هذان الاحتمالان قبلت نيته، لكن لابد أن يكون ينوي تأكيداً يصح، وأن يكون اللفظ يحتمل ذلك، فإذا قال لها: " أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق " وقال نويت التأكيد فإنه يقبل معه لأن هذه الجمل قد اتصلت، لكن إذا قال لها اليوم: " أنت طالق " وقال لها غداً: " أنت طالق " وقال أريد التأكيد، فإن هذا لا يقبل منه لأن هذا لا يكون منه تأكيداً، فالتأكيد متصل بالكلام كسائر التوابع والإفهام نوع منه. إذن: إنما يقبل منه حيث أمكن التأكيد أو أمكن الإفهام أما إذا كان لا يمكن مع لفظه التأكيد والإفهام فإنه لا يقبل منه. قوله: [وإن كرره ببل أو بثم أو بالفاء أو قال بعدها، أو قبلها أو معها طلقةٌ وقع اثنتان]

стр. 2872

إذا قال لها: " أنت طالق بل طالق " أو: " أنت طالق ثم طالق " أو: " أنت طالق فطالق " أو: " أنت طالق وطالق " أو قال: " أنت طالق بعدها طلقة " أو: " أنت طالق قبلها طلقة " أو: " أنت طالق معها طلقة " وقعت طلقتان، وذلك لأن مثل هذه الألفاظ ظاهرة في التغاير، فالثلاث الأول حروف عطف، وحروف العطف الأصل فيها المغايرة، فعليه ظاهر لفظه أنت طالق طلاقاً آخر، كذلك إذا قال لها: " أنت طالق بعدها طلقة " أو: " أنت طالق قبلها طلقة " أو: " أنت طالق طلقة معها طلقة " ونحو ذلك، فإنه لا يقبل ادعاؤه التأكيد ولا ادعاؤه الإفهام، لأن التأكيد والإفهام هنا احتمال بعيد، لكن لو كان في الباطن أراد التأكيد فإنه يدين بذلك فيما بينه وبين ربه، وأما في الحكم الظاهر فإن القاضي يحكم عليه بما يقتضيه لفظه. قوله: [وإن لم يدخل بها بانت بالأولى ولم يلزمه ما بعدها] إذا كانت المرأة غير مدخول بها وقال لها: " أنت طالق ثم طالق " أو نحو ذلك، فإنها تبين بالأولى وحينئذٍ تكون عليها طلقة واحدة لأن غير المدخول بها تبين بطلقة واحدة فقوله لها: " أنت طالق " فبهذه اللفظة الأولى تبين منه، فإذا كرر بعدها طلقتين مثلاً فإن هاتين الطلقتين الأخريين قد وقعتا في حالة البينونة، وطلاق البائن لا يمضي، فعلى ذلك له أن يتزوجها من غير اشتراط أن تنكح زوجاً غيره، فيعقد عليها عقداً جديداً. قوله: [والمعلق كالمنجَزِ في هذا] المعلق كقوله: " إذا دخلت الدار فأنت طالق طالق "، فالمنجز أي كقوله: " أنت طالق أنت طالق أنت طالق "، فلو أن رجلاً قال لامرأة غير مدخول بها: " إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق " فإنها تبين منه بالأولى إذا دخلت الدار، ولا يقع عليها الثاني ولا الثالث لأنها أصبحت بائناً بالأولى. فصل هذا الفصل في الاستثناء في الطلاق وأحكامه قوله: [ويصح منه استثناء النصف فأقل من عدد الطلاق والمطلقات]

стр. 2873

يصح من الزوج أن يستثني النصف فأقل من عدد الطلاق ومن عدد المطلقات، هذه المسألة ترجع إلى ما هو مرجح في علم الأصول وهو مذهب الحنابلة من صحة استثناء النصف فأقل، أما استثناء الكل أو الأكثر فإنه لا يصح فإذا قال لزيد " علي مائة ريال إلا مائة " فهذا استثناء كل ولا يصح، فيكون قد أقر بمائة ولا يصح استثناؤه، ولو قال لزيدٍ: "على مائة إلا تسعين" فلا يصح الاستثناء ويكون قد أقر بالمائة أما إذا استثنى النصف فأقل كأن يقول: " له علي مائة إلا خمسين" أو: " له علي مائة إلا أربعين" فإن الاستثناء يصح، فعلى ذلك إذا طلق امرأته ثلاثاً واستثنى الكل فقال: " أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً " أو الأكثر فقال: " أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين " فإن الاستثناء لا يصح وتكون طالقاً ثلاثاً، أما إذا استثنى النصف فأقل كأن يقول: " أنت طالق اثنتين إلا واحدة " أو " أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة " فإن الاستثناء يصح ولذا قال المؤلف: [فإذا قال: أنت طالقٌ طلقتين إلا واحدة، وقعت واحدة، وإن قال: ثلاثاً إلا واحدة فطلقتان] كذلك في المطلقات، فلو قال: " نسائي الأربع طوالق إلا واحدة، فيصح الاستثناء ولو قال: "نسائي الأربع طوالق إلا اثنتين"، فيصح الاستثناء. قوله: [وإن استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح دون عدد الطلقات] فإذا استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح ذلك، كأن يقول: " نسائي طوالق وله ثلاث " واستثنى بقلبه فلانه فإن هذا الاستثناء يصح في الحكم، وأما في الباطن أي في النية فلا إشكال فيه أنه يصح أي بأن يدين في ذلك فيما بينه وبين ربه، وأما في الحكم فكذا لك في المذهب، وذلك لأن اللفظ العام قد يراد به الخصوص وحينئذٍ فهذه النية تصرف اللفظ إلى بعض أفراده.

стр. 2874

والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية أن الطلاق يقع كما تلفظ به ولا عبرة بنيته، وهذا هو القول الراجح، وذلك لأن الحكم إنما يعتبر بالظاهر، والظاهر من لفظه أن نساءه كلهن طوالق، فيحكم عليه بما اقتضاه ظاهر لفظه، وأما نيته فهي بينه وبين ربه، فإن لم يكن هناك ترافع أمام القاضي فإنه إن علم من نفسه الصدق فإنه يبقي امرأته وأما إن علم من نفسه الكذب فإنها لا تحل له إن كان الطلاق بائناً وإلا فإنه يحسبها طلقة، وأما في الطلقات فلا لا ديناً ولا حكماً، فلا يدين بذلك ولا يحكم به؛ أي بالاستثناء، فإذا قال رجل لامرأته: " أنت طالق ثلاثاً " ونوى في قلبه إلا واحدة فلا يعتبر بهذا الاستثناء المنوي غير المتلفظ به في الحكم وذلك للتعليل المتقدم في المسألة السابقة، وكذلك لا يدين بنيته فلا يقال: " إن كنت صادقاً فيما نويته فهي امرأتك " لا يقال ذلك، وذلك لأن العدد نص فيما يتناوله؛ أي ليس هناك احتمال، فإن قال: " أنت طالق ثلاثاً " فليس هناك أي احتمال أخر ممكن بخلاف ما إذا قال " نسائي طوالق " فإنه يحتمل أن يريد البعض فالنية إنما تصرف اللفظ المحتمل إلى أحد محتملاته وأما ما لا يحتمله اللفظ فلا، وإلا لجاز العمل بالنية المجردة في النكاح والطلاق ونحو ذلك، وهذه المسألة متفرعة على قول جمهور أهل العلم من إيقاع طلاق الثلاث ثلاثاً وإلا فالراجح أن طلاق الثلاث واحدة، ومثل ذلك إذا قال: " نسائي الأربع طوالق " أو قال: " ثلاثتكن طوالق " ونوى إلا واحدة فلا عبرة بنيته لأن قوله: " نسائي الأربع " وقوله: " ثلاثتكن " هذا عدد والعدد نص فيما يتناوله وعليه فالنية لا تصرفه كما تقدم تقريره. قوله: [وإذا قال: أربعكن إلا فلانة طوالقٌ صح الاستثناء] وذلك لأن هذه المرأة قد خرجت باستثناء صحيح. قوله: [ولا يصح استثناء لم يتصل عادة]

стр. 2875

يشترط في الاستثناء أن يتصل في العادة، يتصل لفظاً أو حكماً، اتصاله لفظاً: بأن يتبع المستثنى المستثنى منه، فإن قال: " نسائي طوالق إلا فاطمة " فقوله: " إلا فاطمة " فاطمة هي المستثنى وقوله " نسائي طوالق " المستثنى منه، فهنا قد تبع المستثنى المستثنى منه تبعه لفظاً فالاستثناء صحيح. وأما اتصاله حكماً: فهو لم يتبعه لفظاً لكنه تبعه حكماً، وذلك فيما إذا كان هناك فاصل بين المستثنى والمستثنى منه، وكان الفاصل لا يقطع في العادة، كأن يقول: " نسائي طوالق " ثم يعطس أو يسعل ثم يقول: " إلا فلانة " فلا تطلق عليه وذلك لأن الاستثناء متصل في العادة لكنه ليس متصل لفظاً بل هو متصل حكماً. قوله: [فلو انفصل وأمكن الكلام دونه بطل] فإذا قال: " نسائي طوالق " ثم تكلم بكلام أجنبي أو سكت سكوتاً طويلاً يقطع في العرف ثم قال: " إلا فلانة " فإن الطلاق يقع على كل نسائه ولا يصح استثناؤه، وذلك لوجود الانقطاع، فهذا الطلاق الذي تلفظ به لا يمكن رفعه بمثل هذا الاستثناء المنقطع أما الاستثناء المتصل فإنه يجعل اللفظ جملة واحدة، أي يجعل المستثنى منه والمستثنى جملة واحدة لا يقع الكلام إلا بتمامها. قوله: [وشرطه النية قبل كمالِ ما استثنى منه] هذا الحكم في الاستثناء وفي الشرط، فلو قال رجل: " نسائي طوالق " ثم استدرك وقال: " إلا فلانة " فهو عندما قال: " نسائي طوالق " لا ينوي استثناء هذه المرأة المستثناة بل نواه بعد إتمامه اللفظ، فالاستثناء لا يصح ويقع الطلاق على كل المستثنى، وكذلك الشرط، فلو أن رجلاً قال لامرأته: " أنت طالق" ثم استدرك فقال: " إن دخلت الدار " فالشرط هنا لا يصح لأنه لم ينوه أثناء اللفظ قالوا: لأن الشرط والاستثناء يصرفان اللفظ عن مقتضاه فوجب أن يقترنا به لفظاً ونية في المنجز والمعلق فتدخل فيه يمين.

стр. 2876

وختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وذكر شيخ الإسلام: " أنه هو ما يدل عليه كلام الإمام أحمد، وأن عليه كلام متقدِمي أصحاب الإمام أحمد "، واختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن الاستثناء يصح وإن لم ينوِ المستثنى منه فيما يقصد به اليمين لا الإيقاع. واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة، فمن ذلك قوله تعالى ﴿ولاتقولن لشيءٍ إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ ، فجمهور المفسرين أن هذا فيمن نسي الاستثناء. والقول الثاني عند المفسرين أنه يعم من نسي الاستثناء ومن لم ينسه قال ابن القيم: وهو الصواب: " وعلى كلا التفسيرين فإن المسألة المتنازع فيها داخلة في هذه الآية "، فالرجل إذا قال: " سأفعل غداً " وقد نسي أن يستثني ثم قال " إن شاء الله " فهذا الإستثناء نافع مع أنه لم ينوه مع لفظه، فكذلك في هذه المسألة المتنازع فيها، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين، أن سليمان ﵇ قال: " لأطوف الليلة على سبعين تحمل كل امرأة فارساً يجاهد في سبيل الله " فقال له الملك: " إن شاء الله " فلم يقل، قال النبي ﷺ : (فلم تحمل شيئاً - أي من نسائه – إلا واحداً قد بقي أحد شقيه، ولوا قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله) ، فهذا الحديث دل على أن قوله: " إن شاء الله " بعد الكلام نافع ومؤثر، ومن ذلك قوله ﷺ في المتفق عليه لما نهى عن قطع شوك مكة وحشيشها قال له العباس " إلا الإذخر " فقال: (إلا الإذخر) ، ولم يكن قد نوى الاستثناء وهذا هو القول الراجح لقوة أدلته. والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 2877

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم باب الطلاق في الماضي والمستقبل قوله: [إذا قال: أنت طالق أمس أو قبل أن أنكحك، ولم ينو وقوعه في الحال لم يقع] إذا قال الزوج لامرأته: " أنت طالق أمس " أو نحو ذلك فإن الطلاق لا يقع، وكذلك إذا قال: " أنت طالق قبل أن أنكحك " فالطلاق لا يقع، وذلك لأن فيه رفعاً لاستباحة النكاح في المضي، وذلك ليس للمكلف، فالمكلف إنما له رفع الاستباحة في الحال أو في المستقبل، وأما رفع إباحة الفرج وغيره مما يباح في النكاح في المضي فليس له ذلك.، قوله:" ولم ينو وقوعه في الحال لم يقع " هذا قيد في عدم الوقوع لكن لو نوى الوقوع في الحال فإن الطلاق يقع، فإذا قال: أنت طالق أمس " وهو ينوي الوقوع في الحال أي أن الطلاق واقع عليها في الحال استناداً إلى وقوعه في المضي فإنه يقع، والقول الثاني في المسألة:أنه لا يقع وهو أظهر وذلك لأن النية لا يحتملها لفظه، فهو ينوي وقوع الطلاق في الحال، ولفظه في المضي، فكما لو كانت النية مجردة، والنية المجردة لا يقع معها الطلاق. قوله: [وإن أراد بطلاق سبق منه أو من زيد وأمكن قُبل] الذي لا يقع - فيما تقدم – هو إنشاء الطلاق، لكن لو كان مخبراً، فقال لها: " أنت طالق أمس " من باب الإخبار وليس من باب الإنشاء، فإذا قال: " أنت طالق أمس " وقال أريد بذلك طلاقاً سابقاً مني أو طلاقاً سابقاً من غيري، وأمكن هذا، وذلك بأن يكون صادقاً في قوله فقد طلقها هو قبل، أو طلقها زوج آخر قبله، فإنه يقبل لأن لفظه يحتمله، وأما إذا لم يكن ذلك، وذلك بأن لا يكون طلقها قبل ذلك ولا يكون لها زوج قبله فإن الطلاق يقع، وذلك لأنه حينئذٍ يكون قد أخبر عن قول له فيكون في ذلك إقرار يتعلق به حق غيره وهو المرأة وحينئذٍ لا يقبل في الحكم، لكنه يديّن بنيته التي يدعيها فيما بينه وبين ربه.

стр. 2878

قوله: [فإن مات أو جُنّ أو خرس قبل بيان مراده لم تطلق] إذا قال لها: " أنت طالق أمس " ثم جن أو مات أو خرس قبل بيان مراده فإنها لا تطلق إعمالاً للمتبادر من لفظه أنه إنشاء، والإنشاء للطلاق في المضي لا يقع منه الطلاق، وأيضاً عصمة النكاح ثابتة فلا تزال بالشك، فإذا قال: " أنت طالق أمس " من باب الإخبار وادعى أنه ينوي بذلك طلاقاً سابقاً وقد كان طلقها طلاقاً سابقاً، لكنه قال لها ذلك في حالة غضب أو عند سؤالها الطلاق فإنه لا يقبل قوله وذلك لوجود قرينة الحال التي تكذب قوله. قوله: [وإن قال: طالق قبل قدوم زيدٍ بشهر] إذا قال لها: " أنت طالق ثلاثاً قبل قدوم زيدٍ بشهر " ولا يدري متى يقدم زيد، فيحتمل أن يقدم بعد شهر من اليوم ويحتمل أن يكون بعد شهر من الغد، ويحتمل أن يكون بعد شهرين، وعليه تبقى المرأة معلقة ولا يحل له أن يطأها وذلك لأنه في كل يوم يحتمل أن يكون هو اليوم الذي يكون قدوم زيدٍ بعده بشهر، وعليه فلا يحل له أن يطأها إن كان الطلاق يبينها وتجب لها النفقة لأنها محبوسة لأجله. قوله: [فقدم قبل مضيه لم تطلق] فإذا قال:" أنت طالق قبل قدوم زيدٍ بشهر " فقدم زيد بعد أسبوع، فإن المرأة لا تطلق، وذلك كما لو قال:" أنت طالق أمس " لأن طلاقه يكون في المضي، لأن زيداً قدم بعد أسبوع فحينئذٍ يكون الطلاق قد وقع في المضي، لأن قبل قدوم زيد بشهر مضياً. قوله: [وبعد شهرٍ وجزءٍ تطلق فيه يقع] أي إذا جاء بعد شهر وجزء أي لحظة يقع فيها قول " أنت طالق " فإذا جاء بعد شهر وجزء فإنه يقع الطلاق عليها وذلك لوجود الصفة المذكورة. قوله: [فإن خالعها بعد اليمين بيومٍ، وقدم بعد شهرٍ ويومين صح الخلع، وبطل الطلاق]

стр. 2879

إذا قال: " أنت طالق قبل قدوم زيدٍ بشهر " وبعد يوم خالعها، ثم قدم زيد بعد شهر ويومين، فتبين لنا أن المرأة كانت في عصمته حين المخالعة، فعلى ذلك الخلع صحيح لثبوت الزوجية ويبطل الطلاق لأنه صادف امرأة بائناً في الخلع. قوله: [وعكسها بعد شهر وساعة] أي لحظة يقع بمثلها الطلاق، فإذا قال لها: " أنت طالق قبل قدوم زيدٍ بشهر " ثم خالعها وبعد شهر وساعة قدم زيد، فالمخالعة هنا صادفت بينونة، وعليه فالطلاق صحيح والخلع باطل، والخلع إنما يصح حيث لم يكن حيلة، أما إذا كان حيلة فإنه لا يصح كما تقدم. قوله: [وإن قال: طالقٌ قبل موتي طلقت في الحال] إذا قال لزوجته: " أنت طالق قبل موتي " فإنها تطلق في الحال، وذلك لأنه ما من وقت إلا وهو قبل موته، أما لو قال: " قبيل موتي " فإن هذا الجزء يفيد التصغير فيكون في الجزء الذي يليه الموت أي في آخر لحظات عمره. قوله: [وعكسه معه أو بعده] فلوا قال لامرأته: " أنت طالق مع موتي أو بعد موتي " فإن الطلاق لا يقع وذلك لأن البينونة تحصل بالموت فإذا مات الزوج بانت منه امرأته، لذا تعتد وتنكح زوجاً آخر بعده، وعلى ذلك فإن هذا الشرط يصادفها بائناً والبائن لا يقع عليها الطلاق. فصل قوله: [وأنت طالقٌ إن طرتِ أو صعدت السماء أو قلبتِ الحجر ذهباً ونحوه من المستحيل لم تطلق] إذا قال لامرأته: " أنت طالق إن طرت إلى السماء أو صعدت السماء أو قلبت الحجر ذهباً " ونحوه من المستحيل فإنها لا تطلق وذلك لأن هذه الصفة لا توجد، فهذه الصفة التي علق الطلاق عليها لا توجد، والطلاق إنما يقع حيث وجدت هذه الصفة والصفة هذه لا توجد لأنها من المستحيلات. قوله: [وتطلق في عكسه فوراً] إذا قال " أنت طالق إن لم تستطيعي أن تصعدي السماء " فقد علق الطلاق على عدم فعل المستحيل، وعدم فعله معلوم في الحال، فيعلم تحققه في الحال فيقع الطلاق فوراً.

стр. 2880

قوله: [وهو النفي في المستحيل مثل لأقتلن الميت أو لأصعدن السماء ونحوهما] فهذه أمور مستحيلة، فالميت لا يمكن قتله، وكذلك لأصعدن السماء ونحوهما، ففي مثل هذه المسائل يقع الطلاق في الحال لأنه علق طلاقه على عدم فعله للمستحيل وعدم فعله للمستحيل معلوم في الحال كما لو قال أنت طالق لأقتلن الميت أو إن لم أقتل الميت. قوله: [وأنت طالق اليوم إن جاء غدٌ لغو] إذا قال رجل لامرأته " أنت طالق اليوم إن جاء غدٌ " فإن ذلك يكون لغواً، قالوا: لأن مقتضى لفظه إيقاع الطلاق في هذا اليوم حيث جاء الغد فيه، ومعلوم أن مجيء الغد في اليوم أمر لا يمكن، وعليه فإن هذا يكون من باب اللغو. والقول الثاني في المسألة وهو قول القاضي من الحنابلة أن الطلاق يقع في الحال لأن مجيء الغد معلوم قطعاً فالراجح أنه يكون طلاقاً اليوم وذلك لأن مجيء الغد أمر معلوم. قوله: [وإذا قال: أنت طالق في هذا الشهر أو اليوم طلقت في الحال] إذا قال الرجل لامرأته " أنت طالق في هذا الشهر " أو " هذا اليوم " أو " في هذه السنة " فإن الطلاق يقع في الحال، وذلك لأنه جعل اليوم وجعل الشهر وجعل السنة ظرفاً لطلاقه وهذا يحصل في كل جزء من أجزاء اليوم وفي كل جزء من أجزاء الشهر وفي كل جزء من أجزاء السنة. قوله: [وإن قال: في غدٍ أو السبت أو رمضان طلقت في أوله] إذا قال " أنت طالق في السبت أو في غدٍ أو في رمضان " فإنها تطلق في أوله، وذلك لأن جعل رمضان ظرفاً لطلاقه فكل جزء من رمضان يصح أن يكون ظرفاً لهذا الطلاق وهذا هو ظاهر لفظه. قوله: [وإن قال: أردتُ آخر الكل دُين وقبل]

стр. 2881

فإذا قال " أنا لم أرد أوله وإنما أردت آخره " قُبل منه في الحكم ودين بنيته فيما بينه وبين ربه، وذلك لأن نيته يحتملها لفظه، وذلك لأن وسط الشهر وآخره منه وعليه فلا تطليق عليه إلا في آخر الشهر، لكن إذا قال " أنت طالق غداً " أو " يوم السبت " ولم يقل " في " فهنا قد جعل الطلاق في غدٍ كله فلا بد وأن يشمل اليوم كله الطلاق، وعليه فلا يحكم عليه بالظاهر في نيته، لأن نيته تخالف ظاهر لفظه ولا يحتملها اللفظ، فإذا قال " أنت طالق غداً أو يوم السبت " وقال أردت آخر النهار، فإن ذلك لا يقبل منه وذلك لأن مقتضى لفظه وقوع الطلاق عليها في اليوم كله وأنها في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم طالق وعليه فنيته تخالف ظاهر لفظه، وعلى ذلك فلا يقبل قوله في الحكم، والمشهور في المذهب؛ أنه لا يُدّن به فيما بينه وبين ربه، والذي يترجح وهو قول في المذهب أنه يدين فيما بينه وبين ربه بنيته وذلك لأن اللفظ يحتمل ذلك من باب المجاز، أي أنت طالق بعض غدٍ أو بعض يوم السبت. قوله: [وأنت طالق إلى شهرٍ طلقت عند انقضائه] إذا قال لها " أنت طالق إلى شهر " أو " إلى سنة " فإن المرأة تطلق عليه عند انقضاء الشهر وعند انقضاء السنة، وذلك لأنه جعل للطلاق غاية وهي قوله " إلى شهر" والطلاق لا غاية لآخره كما هو معلوم فتعين أن تكون الغاية لأوله، فعلى ذلك قوله " إلى شهر " أي ابتداءً للطلاق بعد مضي الشهر، وكذلك إذا قال " أنت طالق سنة ". قوله: [إلا أن ينوي في الحال فيقع] فإذا نوى ذلك في الحال فإن الطلاق يقع. قوله: [وطالقٌ إلى سنةٍ تطلق باثني عشر شهراً] إذا قال " أنت طالق إلى سنة " فإن المرأة تطلق عليه بمضي اثني عشر شهراً. قوله: [فإن عرفها باللام طلقت بانسلاخ ذي الحجة]

стр. 2882

فإذا قال " أنت الطلاق إذا قضت السنة " أو قال " إذا مضى الشهر "، فإذا مضى الشهر الذي هو فيه أو مضت السنة التي هو فيها وإن كان في آخرها فإنها تطلق عليه، فلو أن رجلاً قال لامرأته وهو في العاشر من ذي الحجة " أنت طالقة إذا مضى الشهر " فهنا " أل " هي " أل " العهدية الحضورية وعليه فتطلق المرأة، إذا مضى هذا الشهر الذي هم فيه، كذلك إذا قال في شهر ذي القعدة " أنت طالق إذا مضت السنة " فتطلق عليه إذا مضت السنة التي هو فيها وذلك بانسلاخ شهر ذي الحجة، وإن قال أردت اثني عشر شهراً قُبِلَ حكماً. فائدة: إذا قيل له قد زنت امرأتك فقال: " هي طالق "، ثم تبين أنها لم تكن زنت، فقال أبي عقيل: لا تطلق وجعل السبب كالشرط اللفظي وهو قول عطاء وهو الظاهر كأنه قال إن زنت فهي طالق. والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 2883

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم باب تعليق الطلاق بالشروط أي بالشروط اللغوية كقوله لزوجته " إن دخلت الدار فأنت طالق " والشرط هنا ينقسم إلى قسمين: شرط محض: وهو الذي يقصد المشترط فيه إيقاع الطلاق مع حصوله - أي مع حصول هذا الشرط -، فإذا قال لزوجته " إن جاء رمضان فأنت طالق " أو قال " إن دخلت الدار فأنت طالق " فهده شروط محضة يقصد بها إيقاع الطلاق متى حصل الشرط، وفي البخاري معلقاً: أن ابن عمر سأله نافع عن رجل قال لامرأته " أنت طالق البته إن دخلت الدار " فقال: إن دخلت الدار فهي بائن. الشرط الذي لا يقصد معه إيقاع الطلاق وإنما يقصد معه الحض أو المنع لنفسه أو لامرأته أو لغيرهما، كأن يقول لامرأته " إن خرجت من الدار بغير إذني فأنت طالق " وهو لا يقصد إيقاع الطلاق بل يقصد منعها من الخروج، أو يقول الآخر " إن لم تدخل في داري فامرأتي طالق " أو يقول " إن لم أفعل كذا فامرأتي طالق " ونحو ذلك مما يقصد معه الحض أو المنع وهو ما يسمى بالحلف بالطلاق، فليس المقصود بالحلف بالطلاق أن يقول " والطلاق " بل المقصود أن تكون الجملة التي فيها تعليق الطلاق بمعنى اليمين، فإذا قال للرجل " إن لم تدخل الدار فامرأتي طالق " كأنه قال " والله لأطلقن امرأتي إن لم تدخل الدار ". فجمهور أهل العلم أنه يقع الطلاق فيها إذا وقع الشرط وذلك لحصول الشرط الذي علق الطلاق به. وذهب أهل الظاهر وهو قول طائفة من السلف والخلف وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم الجوزية واختاره الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن الطلاق لا يقع وأنها يمين ويكفرها، واستدلوا بما يأتي:

стр. 2884

أن هذه الألفاظ أيمان باتفاق أهل اللغة، وعليه عرف الفقهاء كما ذكر شيخ الإسلام، وعليه فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ وفي قوله ﷺ : (إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني) . أن العبرة بالنيات والمقاصد لا بالألفاظ، فالأحكام لا تترتب على الألفاظ إلا إذا كان المتكلم قاصداً المعنى وهنا ليس الأمر كذلك فهو لا يقصد الطلاق وإنما يقصد الحث والمنع. ويستدل على هذا بالقصة التي رواها البيهقي وغيره عن أبي رافع؛ أن مولاته قالت له " أنا يوماً يهودية ويوماً نصرانية وعبيدي كلهم أحرار ومالي كله في سبيل الله وأمشي على قدمي إلى بيت الله إن لم تطلق امرأتك " فسأل ابن عمر وابن عباس وعائشة وحفصة وأم سلمة فكلهم قال " تكفر عن يمينها "، فإذا كان هذا في في العتق وفي النفقة وفي الصدقة المستحبة التي يتشوف الشارع إليها إذا كان هذا في ذكره فأولى أن يكون في الطلاق الذي يبغضه الشارع، وهذا هو القول الراجح لقوة أدلته. ... قوله: [لا يصح إلا من زوج] ... لا يصح الطلاق المعلق إلا من زوج، فلو قال " إن تزوجت فلانة فهي طالق " فلا تطلق عليه عند جماهير أهل العلم، لقول النبي ﷺ فيما رواه الترمذي وغيره والحديث حسن: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك) وهي أجنبية عنه، وقال تعالى ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ ، فرتب الطلاق على النكاح فلا طلاق قبل نكاح. قوله: [فإذا علقه بشرطٍ لم تطلق قبله] هذا ظاهر، فإذا قال " إن خرجت الدار فأنت طالق "، لم تطلق قبله لعدم حصول الشرط الذي قد علق الطلاق به. قوله: [ولو قال: عجلته]

стр. 2885

إذا قال لامرأته " أنت طالق إن جاء شهر رمضان " ثم قال " عجلته " أي عجلت الطلاق المعلق، فهنا لا ينفعه هذا فلا يمكنه أن يعجله بل يقع في الوقت الذي قد شرطه فيه، قالوا؛ لأنه ليس له من سبيل إلى ذلك فهو معلق بزمن مستقبل فلم يكن إليه من سبيل لا بتصريح ولا بتأخير، وعليه فإذا أراد أن يطلقها طلاقاً آخر فإنه يطلقها حينئذٍ فإن كانت في عصمته في رمضان طلقت طلاقاً آخر هذا هو مذهب جمهور أهل العلم وهذا هو مذهب جمهور أصحاب الإمام أحمد، قال شيخ الإسلام " وفي ذكر جمهور الأصحاب نظر وذلك أنه يملك تعجيل الدين ولا فرق بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد في الجملة سواء في شرع أو شرط "، وفيما قاله ﵀ قوة والله أعلم. قوله: [وإن قال سبق لساني بالشرط ولم أرده وقع في الحال] إذا قال " إن دخلت الدار فأنت طالق " ثم قال " سبق لساني بالشرط، إذن هو يريد أن يوقعه فإنه يقع في الحال لأنه أقره على نفسه بما هوأغلظ. قوله: [وإن قال: أنت طالق وقال: أردت إن قمتِ لم يقبل حكماً] إذا قال " أنت طالق " ثم قال " أردت إن قمت " فإن هذا لا يقبل في الحكم لأن هذا خلاف الظاهر، فقوله " أنت طالق " هذا يدل على أنه أراد الطلاق المنجز وكونه يقول " أردت إن قمت " هذا يجعله طلاقاً معلقاً وهذا خلاف الظاهر المتقدم والحكم إنما يتعلق بظاهر الألفاظ، وأما في الباطن فإنه يدين بنيته فيما بينه وبين ربه. قوله: [وأدوات الشرط إن وإذا ومتى وأي ومن وكلما، وهي وحدها للتكرار] فالأدوات المتقدمة لا تفيد التكرار سوى " كلما ". قوله: [وكلها ومهما بلا لم أو نية فورٍ أو قرينته للتراخي] الأدوات المتقدمة وكذلك مهما إذا لم تقترن بها " لم " ولم تقترن بها نية الفورية أو قرينة الفورية فإنها تفيد التراخي. قوله: [ومع لم للفور]

стр. 2886

فإذا اقترنت بهذه الأدوات " لم " فإنها تفيد الفورية إلا بقرينة تدل على التراخي، كأن يقول " إذا لم تفعلي كذا فأنت طالق " أو " متى لم تفعلي كذا " أو " أي وقت لم تفعلي كذا " أو " كلما لم تفعلي كذا فأنت طالق " فهي تفيد الفورية. قوله: [إلا إن مع عدم نية فورٍ أو قرينةٍ] "إن" إذا اقترنت بها " لم " فإنها لا تفيد الفورية، مع عدم نية الفور أو القرينة. قوله: [فإذا قال: إن قمت أو إذا أو متى أو أي وقتٍ أو من قامت، أو كلما قمت فأنت طالقٌ فمتى وجد طلقت] فمتى وجد القيام فإنها تطلق في أي يوم وفي أي ساعة. قوله: [وإن تكرر الشرط لم يتكرر الحنث إلا في كلما] إذا قال " إن قمتِ فأنت طالق " فقامت فإنها تطلق، فإن قامت مرة أخرى فإنها لا تطلق فإن هذه الأدوات لا تفيد التكرار بخلاف " كلما "، فإذا قال " كلما قمت فأنت طالق " فإذا قامت فإنها تطلق فإذا راجعها ثم قامت مرة أخرى فإنها تطلق لأن كلما تفيد التكرار، وقال شيخ الإسلام لاتطلق إلا واحدة وهو الراجح كما تقدم. قوله: [وإن لم أطلقك فأنت طالق ولم ينو وقتاً ولم تقم قرينة بفور ولم يطلقها طلقت في آخر حياة أولهما موتاً] إذا قال لامرأته " إن لم أطلقك فأنت طالق " ولم ينو الفور ولم تقم قرينة على الفورية ولم يطلقها، فإنها تطلق في آخر حياة أولهما موتاً، لأن هذه الأداة للتراخي، فإذا مات أحدهما علمنا الحنث. قوله: [ومتى لم أو إذا لم أو أي وقتٍ لم أطلقك فأنت طالق ومضى زمن يمكن إيقاعه فيه ولم يفعل طلقت] إذا قال لامرأته " متى لم أطلقك فأنت طالق " أو إذا لم أطلقك فأنت طالق " أو " أي وقت لم أطلقك فأنت طالق " فهذه الأدوات تفيد الفورية لاقتران " لم " بها فإذا قال ما تقدم ومضى وقت يمكن إيقاع الطلاق فيه ولم يفعل طلقت. قوله: [وكلما لم أطلقك فأنت طالق ومضى ما يمكن إيقاع ثلاث مرتبة فيه طلقت المدخول بها ثلاثاً وتبين غيرها بالأولى]

стр. 2887

فإذا قال " كلما لم أطلقك فأنت طالق " ومضى زمن يمكن إيقاع ثلاث طلقات مرتبة فيه فإنها تبين به المدخول بها لأنه يكون بذلك قد وقع عليها الطلاق ثلاثاً، وأما غير المدخول بها فإنها تبين بطلقة ويكون طلاقاً بائناً بطلقة. قوله: [وإن قمت فقعدتِ، أو ثم قعدت أو إن قعدت إذا قمت أو إن قعدت إن قمت فأنت طالق لم تطلق حتى تقوم ثم تقعد] إذا علق طلاقه على شرطين مرتبين فلا يقع الطلاق إلا بهذين الشرطين مرتبين، فإذا قال لها " إن قمت فقعدت فأنت طالق " فإذا قامت فقعدت فإنها تطلق، وإذا قال لها " إن قمت ثم قعدتِ فأنت طالق " فإنها تطلق إذا قامت ثم قعدت " لأنه قد شرط شرطين مرتبين فلا تطلق إلا بقعود مسبوق بقيام. قوله: [وبالواو تطلق بوجودها، ولو غير مرتبين] إذا قال " إن قعدت وقمت فأنت طالق " فلا يشترط الترتيب بل يكتفي بالجمع، لأن الواو لا تفيد الترتيب، فإذا قال لها " إن خرجت من الدار وذهبت إلى السوق فأنت طالق " فخرجت من الدار لكنها لم تذهب إلى السوق، فلا يقع الطلاق حتى يجتمع المتعاطفان بالواو. قوله: [وبأو بوجود أحدهما] إذا قال إن خرجت من الدار إلى السوق أو إلى أهلك فأنت طالق " فخرجت من الدار إلى أهلها أو خرجت من الدار إلى السوق فإنها تطلق بأحدهما لأن " أو " تفيد ذلك، وما تقدم ذكره حيث كان بدلالة اللغة وأما العامة فإنه يحكم عليهم بما تقتضيه ألفاظهم عرفاً. فصل قوله: [إذا قال: إن حضت فأنت طالقٌ طلقت بأول حيضٍ متيقن] وذلك لوجود الصفة المشروطة، أما إذا كان حيضاً مشكوكاً فيه فلا، لأن الأصل بقاء عصمة النكاح، فالنكاح هو المتيقن فلا يزول بالشك. قوله: [وإذا حضت حيضة تطلق بأول الطهر من حيضةٍ كاملة]

стр. 2888

إذا قال لها " إن حضت حيضة فأنت طالق " فهنا علق الطلاق بحيضة كاملة فإذا حاضت مرة واحدة فإنها تطلق وهذا إنما يكون بأول الطهر، فأول طهرها يتم لها حيضة كاملة، فإن قال لها وهي حائض " إن حضت حيضة كاملة فأنت طالق " فإنها لا تطلق حتى تطهر من حيضها التي هي فيه، فإذا طهرت منه فحاضت حيضة كاملة فإنها تطلق بأول الطهر. قوله: [وفي إذا حِضتِ نصف حيضةٍ تطلق في نصف عادتها] إذا قال لها " إن حضت نصف حيضة فأنت طالق " فإنها تطلق في نصف عادتها، فإذا كانت عادتها ستة أيام فإذا تم اليوم الثالث فإنها تطلق، وعليه فلا يُعلم نصف العادة حتى يمضي الحيض كله وذلك لأن العادة قد تطول وقد تقصر. والمشهور في مذهب الإمام أحمد أن المرأة يقبل قولها في الحيض فإذا قالت " إني قد حضت حيضة" فإن قولها يقبل، وقال بعض الحنابلة لا يقبل إلا بيمين لإحتمال كذبها، وعن الإمام أحمد وهو قول أبي بكر من الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف وهو أرجح الأقوال الثلاثة " أنها تعطى خرقة فتضعها في فرجها، فتعطيها بعض النساء الثقات قطنة أو نحوها فتضعها في فرجها " وذلك لأنه يمكن أن يعلم الحيض من غير جهتها فلم يقبل فيه القول المجرد، فالقول المجرد إنما يقبل حيث لا يمكن أن يعلم إلا من جهة الشخص وأما إذا كان يمكن العلم به من غير جهته فإنه لا يقبل قوله وهنا يمكن أن يعلم الحيض الذي ادعته وأنكره الرجل، يمكن أن يعلم من غير جهتها، بخلاف ما لو قال لها " إن كنت تبغضيني فأنت طالق " فقالت المرأة " إني أبغضك " فإنه يقع الطلاق لأنه أمر قلبي ولا يطلع عليه غيرها فإن قولها يصدق لأنه لا يعلم إلا من جهتها. فصل قوله: [إذا علقه بالحمل فولدت لأقل من ستة أشهر طلقت منذ حلف]

стр. 2889

إذا قال " إن كنت حاملاً فأنت طالق " فولدت لأقل من ستة أشهر سواء كان الزوج يطأ أو لا يطأ فحينئذٍ يعلم أنها حامل لأنها لما ولدت لأقل من ستة أشهر علمنا قطعاً أنها حامل حين حلفه، سواء كان يطأها أو لا يطأها وعليه فإنها تطلق، وإذا ولدت لأقل من أربع سنين وهو لا يطأها فنقطع أنها حامل وهذا هو أكثر مدة الحمل في المذهب وعليه فتطلق، وقد تقدم أن المدة القصوى للحمل غير محددة كما في كتاب الفرائض فإذا أتت به وهي فراشٌ لزوجها ولا يطأها ولو كان بعد أكثر من أربع سنين فهو ابنٌ له، وعليه فتكون حاملاً عند قوله المتقدم وإن أتت به لأكثر من أربعة سنين. فإن وطيء بعد الحلف وولدت لستة أشهر فأكثر من أول وطئه لم تطلق لإمكان أن يكون الحمل من الوطء بعد الحلف والأصل بقاء عصمة النكاح. قوله: [وإن قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق] إذا قال " إن لم تكوني حاملاً الآن فأنت طالق " وهي عكس المسألة السابقة. قوله: [حرم وطئها قبل استبرائها بحيضة في البائن] فهذا الحكم للمسألتين كلتيهما فإنه يحرم عليه الوطء حتى يستبريئها بحيضة، أي حتى تثبت براءة الرحم من الحمل بحيضة واحدة فإذا حاضت فإنه يعلم أنها ليست بحامل في المسألة الأولى فلا تكون طالقاً، وعنه وهو ظاهر كلام المؤلف أنه لا يحرم في المسألة الأولى وطؤها عقيب اليمين ما لم يظهر بها حمل وفي المسألة الثانية يعلم أنها ليست بحامل فتكون طالقاً لكن هذا في البائن فهي التي يحرم وطئها،ن لكن لو كان طلاقاً رجعياً فله أن يطأ لأن الرجل لا يمنع من وطء امرأته في الطلاق الرجعي. قوله: [وهي عكس الأولى في الأحكام] وهذا ظاهر فالحالة الأولى إثبات والمسألة الثانية نفي فعكس الأحكام المتقدمة في المسألة الأولى يثبت عكسها في المسألة الثانية فماذا قلنا في المسألة الأولى يقع الطلاق فنقول في المسألة الثانية لا يقع الطلاق.

стр. 2890

قوله: [وإن علق طلقة إن كانت حاملاً بذكر وطلقتين بأنثى فولدتهما طلقت ثلاثاً] إذا قال لامرأته " إن كنت حاملاً بذكر فأنت طالق طلقةً، وإن كنت حاملاً بأنثى فأنت طالق طلقتين " فولدتهما طلقت ثلاثاً لوجود الصيغتين اللتين وقع عليهما الطلقات ويأتي ما في هذه المسألة من النظر في آخر هذا الدرس. قوله: [وإن كان مكانه إن كان حملُك أو ما في بطنك لم تطلق بهما] إذا قال لها مكان قوله إن كنت حاملاً قال " إن كان حملك " أو قال " إن كان ما في بطنك " فإنها لا تطلق إن ولدتهما وذلك لأن قوله هنا " حملك " وقوله " ما في بطنك" ظاهره الحصر بأن يكون ذكراً أو أنثى وهو هنا بعضه ذكرٌ وبعضه أنثى، وعليه فلا يقع الطلاق. فصل قوله: [إذا علق طلقة على الولادة بذكر وطلقتين على الولادة بأنثى فولدت ذكراً ثم أنثى حياً أو ميتاً، طلقت بالأول وبانت بالثاني ولم تطلق به] في المسألة المتقدمة منها تعليق الطلاق على الحمل وأما هنا فهو تعليق له على الولادة، فإذا قال لامرأته " إن ولدت ذكراً فأنت طالق طلقة وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين " فولدت ذكراً ثم ولدت أنثى حياً كان المولود أو ميتاً طلقت بالأول منها سواءً كان ذكراً أو أنثى، فإن كان ذكراً فإنها تطلق طلقة وإن كان أنثى فإنها تطلق طلقتين فإذا ولدت ذكراً فإنها تكون قد طلقت طلقةً، فلما أتت بالثاني فإنها لا تطلق بالثاني لكنها تبين به، لأنها بالثاني تكون قد وضعت حملها والمرأة إذا وضعت حملها فقد خرجت من عدتها وإذا خرجت من عدتها فهي بائن منه. قوله: [وإن أشكل كيفية وضعهما فواحدة] فإذا أشكل كيفية وضعهما فلا يدري آلذكر سابقٌ أم الأنثى فواحدة، وذلك لأن الأصل بقاء النكاح والطلقة الثانية مشكوك فيها وعليه فتبين بواحدة. فصل قوله: [إذا علقه على الطلاق، ثم علقه على القيام، أو علقه على القيام، ثم على وقوع الطلاق فقامت طلقت طلقتين فيهما]

стр. 2891

إذا قال لامرأته " إن طلقتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن قمت فأنت طالق " فقامت طلقت طلقتين، الطلقة الأولى بقيامها والطلقة الثانية بطلاقها. وقوله " أو علقه على القيام، ثم على وقوع الطلاق "؛ إذا قال لها إن قمت فأنت طالق " ثم قال " إن وقع عليك الطلاق فأنت طالق " فقامت فإنه يقع لها الطلاق المعلق الأول، وبوقوعه عليها يقع الطلاق الثاني. قوله: [وإن علقه على قيامها ثم على طلاقه لها فقامت فواحدة] هذه بعكس المسألة الأولى، فإذا علقه على قيامها ثم على طلاقها، فالفرق بين المسألة الثالثة والمسألة الأولى؛ أن المسألة الثالثة هي عكس الأولى، والفرق بين المسألة الثالثة والمسألة الثانية أن المسألة الثانية فيها وقوع الطلاق فإنه قال في المسألة الثانية " ثم علقه على وقوع الطلاق "، أما في المسألة الثالثة فإنه قال " ثم علقه على طلاقها "، وفرق بين قوله " إن طلقت فأنت طالق " وبين قوله " إن وقع عليك الطلاق فأنت طالق " والمسألة الثالثة هي إذا قال لامرأته " إن قمتِ فأنت طالق " ثم قال بعد ذلك " إن طلقتك فأنت طالق " فإذا قامت فلا يقع عليها إلا طلاق واحداً، لأن قوله " إن طلقتك فأنت طالق " يقع الطلاق ليس منه إنما بالشرط الذي قد وقع فهو طلاق معلق بخلاف ما إذا علقه على وقوع الطلاق فإنه متى ما قلنا بوقوع الطلاق فحينئذٍ يحصل الشرط. قوله: [وإن قال: كلما طلقتك أو كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق فوجدا طلقت في الأولى طلقتين وفي الثانية ثلاثاً] إذا قال " كلما طلقتك فأنت طالق " ثم قال لها " أنت طالق " فحينئذٍ يقع الطلقة الأولى وهي قوله " أنت طالق " ويقع الطلاق المعلق فيكون عليها طلقتان لكن لو قال " كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق" فالثانية طلقة واقعة عليها فتقع بها ثالثة. مسألة:

стр. 2892

وهي تسمى بالسرجية؛ نسبة إلى ابن سُريج الشافعي، وهي فيما إذا قال الرجل لامرأته " إن وقع عليكِ طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً " قال ابن سريج الشافعي " وهو قول محدث في الإسلام " كما قال شيخ الإسلام " قال لا يقع شيء "، لأن قوله " أنت طالق " مسبوق بثلاث وعليه فهو طلاق منفي وليس بشيء لأنه طلقة رابعة والطلقة الرابعة ليست بشيء، وما دام أنها ليست بشيء فكذلك ما قبلها، وهو قوله " فأنت طالق قبله ثلاثاً " أي كذلك الذي علقت عليه ليس بشيء فما دام منفياً فلا يمكن أن يثبت ما يترتب عليه، هذا هو قول ابن سريج وهو كما تقدم قول محدث في الإسلام.

стр. 2893

وقال الحنابلة؛ يقع الطلاق ثلاثاً، فقوله " أنت طالق " يقع طلقة، وقد قال " إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً " فنختار من هذه الثلاث اثنتين فتكون طالقاً ثلاث، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول ابن عقيل من الحنابلة " أنها لا تطلق إلا واحدة في قوله أنت طالق "، وأما قوله " فأنت طالق قبله ثلاثاً " فعلى القول بصحة طلاق الثلاث بكلمة واحدة، وقد تقدم أن شيخ الإسلام لا يختار هذا القول وعليه فما نذكره هو دليل ابن عقيل فعلى القول بصحة طلاق الثلاث يكون من الطلاق الماضي والطلاق في المضي لا يقع، فالراجح أنه تقع عليها طلقة واحدة، وفي قول المؤلف " إذا علق طلقة على الولادة بذكر وطلقتين بأنثى "، إن ولدتهما فإنها تطلق ثلاثاً كما تقدم تقريره وكذلك في الحمل، وهذا فيه نظر، فإن مراده في الغالب الحمل الواحد والولادة الواحدة، إذ الأصل أن يكون حملاً واحداً وأن تكون الولادة ولادة واحدة، وعليه فيقع على ما نواه، وهو رواية عن الإمام واختاره شيخ الإسلام، فإذا قال الرجل لامرأته " إن كنت حاملاً بذكر فأنت طالق طلقةً، وإن كنت حاملاً بأنثى فأنت طالق طلقتين " فتبين أنها حامل بذكر وأنثى جميعاً فإن هذا ليس مراده بل مراده حيث كان الحمل منفردأ أي منفرداً بالذكورية أو منفرداً بالأنثوية والأمر لم يكن كذلك وهو حمل كلامه على الأصل ونّوعه هنا بالذكورية والأنثوية وعلق على هذا التنويع لأن الأصل هو هذا التنويع، وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة. فصل قوله: [إذا قال: إذا حلفتُ بطلاقك فأنت طالقٌ، ثم قال: أنت طالق إن قمت طلقت في الحال] تقدم معنى الحلف بالطلاق عند الفقهاء وأن معناه تعليق الطلاق بشيء للحض والمنع فإذا قال " إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق " قم قال " أنت طالق إن قمت "، فقوله هنا " أنت طالق إن قمت " هذا حلفٌ بالطلاق فتطلق في الحال وذلك لوجود الصفة.

стр. 2894

قوله: [لا إن علقه بطلوع الشمس ونحوه لأنه شرطٌ لا حلف] إذا قال لها " إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق "، ثم قال بعد ذلك " إن طلعت الشمس فأنت طالق " فلا تطلق عليه في الحال وذلك لأن قوله " إن طلعت الشمس فأنت طالق " ليس حلفاً بل هو شرط محض لأن المكلف لا يقصد بمثله الحض أو المنع وهذا ظاهر، وقد تقدم الفرق بين الحلف والشرط وأن عرف الفقهاء على ذلك كما تقدم نقله عن شيخ الإسلام. قوله: [وإن حلفتُ بطلاقك فأنت طالقٌ، أو إن كلمتك فأنت طالقٌ وأعاده مرةً أخرى طلقت مرة] إذا قال لامرأته " إن حلفت بطلاقك فأنت طالق " ثم قال " إن حلفت بطلاقك فأنت طالق " فإنها تطلق بالجملة الثانية طلقةً واحدة وذلك لوجود الصفة وهي الحلف بالطلاق، وإذا قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " فإنها تطلق بالجملة الثانية طلقة واحدة، وذلك لأن قوله " إن كلمتك فأنت طالق " كلام وقد علق طلاقها بكلام وهذا كلام فيقع الطلاق به. قوله: [ومرتين فثنتان وثلاثاً فثلاثٌ] إذا قال لها " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " ثم قال " وإن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت واحدة، ثم قال " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت ثانية، ثم قال " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت ثالثة، لوجود الصفة المعلق عليها الطلاق في كل مرة، هذا ما لم يقصد إفهامها أو التأكيد، أما إذا قصد إفهامها أو التأكيد فإنه لا يقع إلا في الأولى، فإذا قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " طلقت واحدة، فإن قال لها ذلك مرة أخرى وقصد إفهامها أو التأكيد فإنها لا يقع عليه طلقة أخرى لأنه لا يقصد الطلاق وإنما يقصد إفهامها قوله أو يقصد التأكيد. فصل قوله: [إذا قال: إن كلمتك فأنت طالق فتحققي أو قال: تنحي أو اسكتي طلقت] فتتحققي؛ أي تحققي قولي وأنتهي له.

стр. 2895

إذا قال لزوجته " إن كلمتك فأنت طالق فتحققي أو اسكتي أو تنحي " فإنها تطلق لأنه قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " فتحققي " أو " اسكتي " وهذا كلام فالصفة قد وجدت وعليه فالطلاق واقع، وظاهر كلام المؤلف أن ذلك مطلقاً سواء أراد إفهامها أو أراد الابتداء بالكلام وهذا فيه نظر ظاهر، ولذا اختار ابن القيم التفصيل في هذه المسألة، فإذا قال " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال " اسكتي " وأراد بذلك منعها من الكلام ولم يرد بذلك ابتداء كلام يقع به الطلاق، فإن الطلاق لا يقع، وأما إن كان يريد ابتداء كلام يقع به الطلاق فإن الطلاق يقع والراجح هو ما ذكره ابن القيم لأن هذا هو مقصود الحالف فمقصود الحالف أن يتكلم بكلام في مجلس آخر وأما أن يقصد أن ذلك يدخل بمجرد الكلام ولو كان يريد به التأكيد أو الإفهام أو نحو ذلك وهو احتمال في المغني وصوبه صاحب الأنصاف. قوله: [وإن بدأتك بالكلام فأنت طالق، فقالت: إن بدأتك به فعبدي حر، انحلت يمينه] إذا قال لزوجته " إن بدأتك بكلام فأنت طالق " فقالت له امرأته " إن بدأتك بالكلام فعبدي حر " فإن يمينه تنحل فلا حنث عليه وذلك لأنها بدأته بالكلام، فإذا تكلم معها فلا يكون مبتدءاً الكلام. قوله: [ما لم ينو عدم البداءةِ في مجلس آخر] فإذا كان لا يريد ما يقع بينه وبينها من نقاش وجدال أو نحو ذلك في ذلك المجلس بل يريد ما يكون بعد ذلك، فإن كان هذا مرداه ومقصوده فإنه يحنث إن بدأها بالكلام وإن قالت له ما تقدم، لأنه ينوي مجلساً آخر ووقتاً آخر.

стр. 2896

والقول الثاني في المسألة وهو احتمالٌ للموفق ابن قدامة، وقال صاحب الإنصاف في هذا القول " وهو قوي جداً " وهو كما قال، هذا القول مبني على أنه يريد بذلك وقتاً آخر وعليه فلا يحنث إلا أن يبدأها بالكلام في وقت آخر لأن هذا هو مراده، فالرجل إذا قال لامرأته " إن بدأتك بالكلام فأنت طالق " فإنه لا يريد ما يقع من الكلام في المجلس الذي وقع فيه الحلف بل يريد وقتاً آخر، وعليه فإذا بدأها في وقت آخر بالكلام فإن الطلاق يقع، ولا عبرة بإجابتها إياه في المجلس الذي وقع فيه الحلف لأن الحالف بمثل هذا إنما يريد وقتاً آخر، هذا هو الجاري في العرف وهذا هو الغالب في إرادة المتكلمين. فصل قوله: [إذا قال: إن خرجت بغير إذني أو إلا بإذني أو حتى آذن لك، أو إن خرجت إلى غير الحمام بغير أذني فأنت طالق] هنا قد علق الطلاق بالخروج من البيت بلا إذن، فالوصف الذي علق عليه الطلاق هو الخروج بلا إذن إلا ما استثنى، كأن يقول لها " إن خرجت من الدار إلا لأهلك فأنت طالق. قوله: [فخرجت مرة بإذنه ثم خرجت بغير إذنه] أي قالت له مرة " استأذنك بالخروج إلى السوق مثلاً " فقال لها " قد أذنت لك" فخرجت إلى السوق ثم خرجت بغير إذنه خروجاً آخر فإن الطلاق يقع لوجود الصفة. قوله: [أو أذن لها ولم تعلم] أي أخبر أباها أو أمها أو أحد أبنائها أنه أذن لها لكن هذا الإذن لم ينقل إليها فخرجت عاصيةً له فإن الطلاق يقع وذلك لوجود الصفة وهي الخروج بلا إذن، والأذن إنما يكون إذناً حيث أعلم به المأذون له فلا إذن إلا بإعلام، فالإذن في اللغة هو الإعلام ومنه سمي الأذن إذناً لما فيه من الإعلام، والوجه الثاني في المذهب لا تطلق والأول هو الراجح. قوله: [أو خرجت تريد الحمام وغيره] فإذا قال لها " إن خرجت بلا إذن فأنت طالق إلا إلى أهلك "، فخرجت إلى أهلها وإلى غيرهم، فإنها تطلق وذلك لوجود الصفة. قوله: [وعدلت منه إلى غيره]

стр. 2897

ففي المثال السابق، أنها خرجت إلى أهلها لكنها عدلت عن أهلها إلى غيرهم فإن الطلاق يقع لأنه خروج غير مأذون به فوجدت الصفة التي علق الطلاق عليها. إذن؛ إذا جمعت بين مأذون به وغير مأذون به فإنها تطلق. قوله: [طلقت في الكل] وذلك لوجود الصفة التي علق الطلاق عليها. قوله: [لا إن أذن فيه كلما شاءت] إذا قال الرجل لامرأته: " إن خرجت يوماً من الدهر بلا إذني فأنت طالق " فما هو المخرج من ذلك؟ المخرج أن يقول لها: " أذنت لك في الخروج كلما شئت ". قوله: [أو قال: إلا بإذن زيدٍ فمات زيدٌ ثم خرجت] إذا قال لها: " لا تخرجي إلا بإذن والدك وإن خرجت بغير إذنه فأنت طالق " فمات والدها فخرجت فلا طلاق، وذلك لأن الميت لا إذن له، ولأن هذا معلوم من حلفه فإنه إنما أراد حيث كان له إذنٌ وأما الميت فلا إذن له. فصل قوله: [إذا علقه بمشيئتها بإن أو غيرها من الحروف لم تطلق حتى تشاء ولو تراخى] إذا قال لها: " أنت طالق إن شئت أو إذا شئت أو متى شئت " فإنها لا تطلق حتى تشاء أي حتى تشاء بلسانها فتقول شئت ذلك، أما مشيئة القلب فلا عبرة بها وذلك لأن ما في القلب لا يعلق به حكم حتى يعبر عنه باللسان. " ولو تراخى " فلو قالت بعد يوم أو شهر أو سنة قالت: " شئت " فإنها تطلق عليه، فمتى قالت شئت فإنها تطلق عليه ولو كان ذلك مع التراخي كسائر التعاليق، فكما أنه إذا قال لها: " إذا دخلت الدار فأنت طالق " فليس له الرجوع فكذلك: " أنت طالق إن شئت ". وقال الشافعية: بل هو على الفور، وذلك لأنه تمليك للطلاق فأشبه ما لو قال لها: "اختاري " وقد تقدم أنه إذا قال لها: " اختاري " فإن الخيار يثبت لها في المجلس، والراجح هو القول الأول.

стр. 2898

والجواب عن الثاني، أن الفرق بين هذه المسألة وبين قوله: " اختاري " ظاهر، فإن قوله: " أنت طالق إن شئت " من باب الشروط، وقوله: " اختاري " من باب الخيار، والخيار على الفور، ولا يصح رجوعه كبقية التعاليق وعنه يصح كاختاري. قوله: [فإن قالت: قد شئتُ إن شئتَ فشاء لم تطلق] إذا قالت له: " شئت إن شئتَ " فهنا شرطت مشيئته وشرط المشيئة ليس بمشيئة فلا تكون طالقاً، فهي لم تقل: " شئت " لكنها علقت مشيئتها بمشيئته فهذا شرط وليس بمشيئة وعليه فلا طلاق. قوله: [وإن قال: إن شئتِ وشاء أبوكِ أو زيدٍ لم يقع حتى يشاءآ معاً، وإن شاء أحدهما فلا] إذا قال لها: " أنت طالق إن شئت أو شاء زيد " فشاءت ولم يشأ زيد فلا طلاق لعدم وجود الصفة وهي مشيئتهما جميعاً، أو قال لها: " إن شئتِ وشاء أبوكِ " لم تطلق حتى يشاءا معاً ولو تراخى أحدهما فالمشيئة ثابتة. قوله: [وأنت طالق أو عبدي حرٌ إن شاء الله وقعا] إذا قال لامرأته: " أنت طالق إن شاء الله " أو قال: " عبدي حر إن شاء الله " فإن زوجته تطلق وعبده يعتق، قالوا:؛ لأنه قد علقه إلى ما لا سبيل إلى علمه وهي مشيئة الله فأشبه تعليقه على المستحيل. وعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي: أن الطلاق لا يقع، قالوا: لأنه علقه على صفةٍ لا يعلم وجودها، فهو لا يعلم هل شاء الله الطلاق أم لم يشأه.

стр. 2899

وفصل شيخ الإسلام تفصيلاً حسناً في هذه المسألة فقال: إن كان تعليقاً فلا يقع، وإن كان تحقيقاً أو تأكيداً فإنه يقع، فإذا قال ذلك تعليقاً أي علقه على مشيئة الله المستقبلة فلا تطلق عليه لأن الله لا يشاؤه في الواقع وقوعاً حتى يتكلم به هذا المكلف، فلا يقال إن الله شاء الطلاق لفلانة من فلان إلا أن يكون قد وقع وحدث، وعليه فإذا قال لها "أنت طالق إن شاء الله " فلا تطلق حتى يقول لها بعد ذلك: " أنت طالق "، وأما إن كان تحقيقاً أو تأكيداً بمعنى قال: " إن شاء الله" يحقق قوله أي قد وقع قوله وشاءه الله فهذا هو التحقيق، أو تأكيداً كأن يقول: " إن شاء الله " مؤكداً للطلاق مثبتاً له وهذا تفصيل جيد في المسألة. أما لو قال: " أنت طالق إلاّ أن يشاء الله " فإنها تطلق وذلك لأن قوله: " أنت طالق إن شاء الله " جملة فيها إثبات الطلاق ووقوعه، وفيها تعليق رفعه على مشيئة الله فقوله: " إلا أن يشاء الله " تعليق لرفع الطلاق على مشيئة الله ومشيئة الله ليست بمعلومة. قوله: [وإن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله طلقت إن دخلت] إذا قال لها: " إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله " فإنها تطلق بذلك، وهذا تفريعٌ عن المسألة السابقة، ما لم ينو الاستثناء للفعل وهو دخولها فإنها لا تطلق وذلك لأنها إن دخلت فيعلم أن الله قد شاءه ويكون هذا التعليق كالتعليق على اليمين، كما قال ﷺ : (من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث) رواه الترمذي والنسائي وغيرهما وهو حديث صحيح، فإذن إن قال لها: " إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله " إن كانت المشيئة للفعل المحلوف عليه فلا تطلق إن دخلت، لأن دخولها بمشيئة الله المعلق عليها، وكل يمين علقت بمشيئة فلا حنث فيها للحديث المتقدم بخلاف ما إذا كان التعليق للطلاق. قوله: [وأنت طالق لرضا زيدٍ أو لمشيئته طلقت في الحال]

стр. 2900

لأن معنى كلامه " أنت طالق لكون زيد رضى ذلك " و " أنت طالق لكون زيد يشاء ذلك " فإنها تطلق في الحال كما تقدم، ومعنى كلامه " وقد اوقعت عليك الطلاق لأن أمك تشاء ذلك أو لأن أباك يشاء ذلك. قوله: [فإن قال: أردت الشرط، قُبل حكماً] أي أردت " أنت طالق إن رضي زيد " أو " أنت طالق إن شاء زيدٌ " فإنه يقبل في الحكم الظاهر، لأن لفظه يحتمل. وعن الإمام أحمد وهو أحد الوجهين عند الشافعية: أنه لا يقبل في الحكم، وهو الأرجح لأنه يخالف ظاهر قوله فإذا قال: " أنت طالق لرضا أبيك " فإنها تطلق لأن ظاهر لفظه " أنت طالق لكون أبيك يرضى ذلك " فإذا ادعى أنه أراد الشرط فإن هذا الإدعاء يخالفه الظاهر، والإدعاء الذي يخالفه الظاهر لا يقبل في الحكم وأما كونه يدين فيما بينه وبين ربه فهذا ظاهر. قوله: [وأنت طالقٌ إن رأيت الهلال، فإن نوى رؤيتها لم تطلق حتى تراه، وإلا طلقت بعد الغروب برؤية غيرها] إذا قال لها: " إن رأيت الهلال فأنت طالق " فتقول ما الذي تنويه؟ فإن قال: " نويت أنها طالق إن رأته بعينها " فحينئذٍ لا تطلق إلا إذا عاينته ببصرها، وهنا لفظه يحتمل ذلك، وإن قال: " لم أرد معاينتها بل أريد رؤية الهلال فتطلق بغروب الشمس حيث رأى الهلال غيرها، كما أنها تطلق بتمام الشهر ثلاثين وذلك لأن تمام الشهر ثلاثين في حكم رؤية الهلال شرعاً. فصل قوله: [وإن حلف لا يدخل داراً أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعض جسده أو دخل طاق الباب أو لا يلبس ثوباً من غزلها فلبس ثوباً فيه منه أولا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه لم يحنث] طاق الباب؛ هو أي ما عطف من الابنية أي جانباه للباب.

стр. 2901

فلا يحنث في هذه المسائل كلها وذلك لأن فعل البعض ليس كفعل الكل، والحلف إنما هو عن الامتناع عن فعل الكل وليس فعل البعض كفعل الكل، ولذا كان النبي ﷺ يخرج رأسه وهو معتكف لعائشة فترجله ولم يكن رسول الله ﷺ يخرج من معتكفه وليس هذا في حكم الخروج من المعتكف، لكن لو قال: " أنت طالق إن شربت ماء هذا النهر " فقطعاً لا يريد كله ولا يمكن أن تصرف اليمين إلى ذلك، فإذا شرب بعضه فإنه يحنث لأنه يمتنع إرادة الكل فتصرف يمينه على إرادة البعض، ومبنى الأيمان على نية الحالف، فلو أنه قال: " أنت طالق إن شربت ماء هذا الإناء " وهو ينوي بعضه، فشرب البعض فإنه يحنث فإن الأيمان مبناها على النية، فالأحكام المتقدمة إنما ينظر فيها باعتبار الألفاظ أما لو نوى خلاف ظاهر لفظه فإن الأيمان مبناها على النية. قوله: [وإن فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً حِنث في طلاق وعتاقٍ فقط] إذا قال: " إن فعلتُ كذا فامرأتي طالق " أو قال: " إن فعلتِ كذا فأنت طالق " ففعل هو أو فعلت هي نسياناً، أو كان ذلك عن جهل كأن تكون هي لم تعلم باليمين ففعلت ما فعلت، وإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فأنت طالق " فنسيت فخرجت، أو قال لأحدٍ من الناس: " إن خرجت امرأتي من الدار فهي طالق " فخرجت من غير أن تعلم بيمينه. قال الحنابلة: يثبت الحنث وذلك لأن يمين الطلاق ويمين العتاق فيها حق آدمي ولا فرق فيها بين تعمد ولا خطأ ولا نسيان، ويعذر عندهم المكره والنائم والمغمى عليه.

стр. 2902

وقال الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وممن اختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن الأيمان كلها لا حنث فيها مع الجهل والنسيان، وكذا لو عقدها يظن صدقَ نفسه فبان خلاف ذلك أو لقصد الإكرام، قال شيخ الإسلام: "من حلف بالطلاق كاذباً يعلم كذب نفسه لم تطلق "، وكذا من فعله متأولاً تقليداً لمن أفتاه أو فعل محلوفاً معتقداً زوال النكاح ونحو ذلك. واستدلوا بقوله تعالى ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ ، وبقوله تعالى ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ ، وبقول النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) . قالوا: وهذه أدلة عامة ليس فيها استثناء. وقالوا: ولأن حقيقة الحنث هو مخالفة اليمين، والمخالفة إنما تكون مع التعمد، وأما مع عدم التعمد، وعدم القصد فإنه ليس ثمت مخالفة، ولأن مقصود الحالف عدم المخالفة وإذا خولف أو خالف هو نسياناً أو خطأً فإن مقصوده لا ينتقض، فإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فذهبتِ إلى السوق فأنت طالق " وهو يريد ألا تخالفه وألا تعصيه فإنها إذا فعلت ذلك نسياناً أو خطأً فإنها لا تعد عاصية ولا مخالفة لأن العصيان إنما يكون مع التعمد وهذا هو الراجح في هذه المسألة، أما إذا فعل ما حلف عليه مكرهاً فقال الحنابلة: لا يحنث وذلك لأن المكره لا يضاف إليه الفعل، فإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فأنت طالق " فأخرجت كرهاً فإنها لا تطلق وذلك لأن المكره لا يضاف إليه الفعل وكذلك النائم والمغمى عليه لزوال العقل بعذر، فإذا فعلت ذلك نائمةً أو مغمى عليها فإن الحنث لا يقع كما هو المشهور في المذهب، وكذا لو عقدها يظن صدق نفسه أو للإكرام أو كاذباً فلا طلاق ولا كفارة. قوله: [وإن فعل بعضه لم يحنث إلا أن ينويه]

стр. 2903

إذا قال: " إن دخلتُ الدارَ فزوجتي طالق " فدخل بعض بدنه إلى الدار، أو قال: " إن شربت ماء هذا الإناء فامرأتي طالق " فشرب بعضه فإنها لا تطلق لأن فعل البعض ليس فعلاً للكل إلا أن ينويه، فإذا نوى منع نفسه من هذا الشيء كلية حتى القليل منه، فإن الأيمان مبناها على النية وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فإن قال: " إن شربت هذا الماء الذي في الإناء فامرأتي طالق " وهو ينوي وقوع الطلاق ولو شرب بعضه، فإن شرب بعضه فإن زوجته تطلق عليه. قوله: [وإن حلف ليفعلنه لم يبرأ إلا بفعله كله] وذلك لأن فعل البعض ليس فعلاً للكل وقد حلف أن يفعله كله، فلا يبرأ حتى يفعله كله. والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 2904

الدرس الرابع والستون بعد الثلاثمائة كتاب العِدد العِدد: جمع عِدَّة وهي ما تتربصه المرأة عند النكاح بسبب طلاق أو فسخ أو وفاة. وسمي عِدة لأنه مقدر، بالأقراء أو يقدر بالأشهر أو يقدر بوضع الحمل. قال: [تلزم العدة كل امرأة فارقت زوجاً] فالعدة تلزم كل امرأة ’ سواء كانت المرأة مسلمة أو ذمية، حرة أو أمة، صغيرة يوطأُ قبلها أو كبيرة. قال: [خلا لها مطاوعة] فالعدة تثبت بالخلوة، وهو قضاء الخلفاء الراشدين، وتقدم أن في سنده عن الخلفاء انقطاعاً، لكنه ثابت عن عمر وعلي بن أبي طالب، تقدم تقريره في كتاب الصداق، فإذا خلا بها فإن العدة تثبت وإن لم يطأ، فالخلوة مظنة الوطء والمظنات تعتبر في الشرع وإن لم تثبت الحقائق، فالعدة تثبت بالخلوة وإن لم يحصل وطء خلافاً للشافعي وقد تقدم البحث في هذه المسألة في درس سابق. قوله: " مطاوعة "؛ فيشترط ألا تكون مكرهةً على هذه الخلوة فإن كانت مكرهةً على هذه الخلوة فلا عدة. واختار شيخ ابن سعدي أن العدة تثبت وإن كانت مكرهةً وذلك لثبوت الخلوة، وهو ظاهر قضاء الخلفاء، ولأن اشتمال الخلوة للوطء مع الإكراه احتمال قوي، قد يكون أقوى إذا كانت مطاوعةً، ولأن الفقهاء قد قرروا ثبوت الخلوة ولو كان تمت مانع حسي كأن يكون الرجل مجبوباً أو تكون المرأة رتقاء، فإذا ثبت هذا فأولى من ذلك إذا كانت المرأة مكرهةً. فالراجح أن المرأة إذا كانت مكرهةً على الخلوة فإن العدة تثبت. قال: [مع علمه بها] أما لو لم يعلم بها كأن تكون في زاوية من الدار لم يطلع عليها، أو أن يكون غير بصير فلم يرها، فلا خلوة وذلك لعدم تحقق المظنة وهي الخلوة. قال: [وقدرته على وطئها ولو مع ما يمنعه منهما أو من أحدهما حساً]

стр. 2905

فلو كان معه ما يمنعه منها كأن يكون مجبوباً أو تكون المرأة رتقاء، بأن يكون فيهما جميعاً ما يمنع من الوطء، فإن الخلوة تثبت، وعلى ذلك فتثبت العدة، وعليه فقوله: " وقدرته على وطئها "؛ فيه إشكال، ولم أره في بعض كتب الحنابلة. قال: [أو شرعاً] كأن تكون المرأة وهي صائمة فرض أو محرمة أو حائض فإن هذا المانع الشرعي لا يمنع من ثبوت العدة، وذلك لثبوت الخلوة، فقد خلا بها وإن كان لا يمكنه الوطء أو منها ما يمنعه من الوطء سواء كان ذلك حسياً أو شرعياً فالخلوة ثابتة، والحكم هنا متعلق بالمظنة لا تحقيقه الوطء، ولأنه قد استحل منها ما لا يستحله ممن تحرم عليه، فقد خلا بها ولا شك أن هذه الخلوة استلال لهذه المرأة. قال: [أو وطئها] فإذا خلا بها ولم يطأها فإن العدة تثبت، وإذا وطئها فإن العدة تثبت من باب أولى. قال: [أو مات عنها] فإذا مات عنها ولم يدخل بها فإنها تعتد، وقد تقدم ذكر ذليل هذا وهو ما ثبت عن ابن مسعود في قضائه في امرأة مات عنها زوجها ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقاً فقضى أن عليها العدة ولها الميراث لا وكس ولا شطط، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: " قضى رسول الله ﷺ في --- بنت واشق – امرأةٍ منا – قِبْلَ ما قضيت " وإسناده صحيح، فقضية المتوفى عنها لها حكم آخر فلا يشترط الدخول فإذا عقد على امرأة ولم يدخل بها فمات فإنها تعتد. قال: [حتى في نكاحٍ فاسدٍ فيه خلاف] فلو أن رجلاً نكح امرأة بلا ولي وهو يعتقد صحته، كالحنفي؛ فإن هذا النكاح الفاسد المختلف فيه تترتب عليه العدة وذلك لأن فاعله يعتقد حله، فهو باعتقاده نكاح صحيح فيلحق بالصحيح في أحكامه. قال: [وإن كان باطلاً وفاقاً لم تعتد للوفاة]

стр. 2906

فإذا كان النكاح باطلاً اتفاقاً كنكاح الخامسة مثلاً أو نكاح المرأة في عدتها فهذا نكاح باطل باتفاق أهل العلم فهذا النكاح وجوده كعدمه لأنه باطل ولا يمكن مع بطلانه أن تترتب عليه الأحكام الشرعية، وعليه فإن العدة لا تثبت معه، فإذا نكح امرأ’ خامسة فإنه يؤمر بطلاقها ولا تعتد منه لكن لابد وأن تُستبرأ بحيضة ليُعلم برأة رحمها. قال: [ومن فارقها حياً قبل وطء وخلوة أو بعدهما أو بعد أحدهما وهو ممن لا يولد لمثله، ... .. فلا عدة] إذا فارقها في حال الحياة قبل الوطء والخلوة، أو بعدها أو بعد أحدهما أي بعد الخلوة وقبل الوطء، أو بعد الوطء قبل الخلوة وهو ممن لا يولد لمثله أو كانت المرأة لا يوطأ مثلها فلا عدة، والذي لا يولد لمثله هو الصغير وهو في المذهب من كان دون عشر سنين، والمرأة التي لا يوطأ مثلها وهي في المذهب من كانت دون تسع سنين، وتقدم أن هذا لا حد له بل متى كانت لا يوطأ مثلها وإن كانت بنت اثني عشرة سنة فلها هذا الحكم، وكذلك الرجل وإن كان ابن اثني عشرة سنة، إذن: إذا كان لا يولد لمثله أو كانت المرأة لا يوطأ مثلها فلا عدة، قالوا: للعلم ببرأة الرحم، هذا إذا كان الزوج حياً، أما إذا توفى الرجل عن امرأته التي لا يوطأ مثلها، وهو لا يولد لمثله فإنها تعتبر عدة الوفاة، قالوا: لعموم الآية: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربص بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ ، أما إذا فارقها في الحياة فلا عدة، هذا هو المشهور في المذهب، وعندي في هذا القول نظر.

стр. 2907

والذي يترجح – والله أعلم – هو ثبوت العدة وذلك لأمر الحكمة من العدة ليس ببراءة الرحم فحسب، بل لها حكم آخر، فمن ذلك حق الزوج الأول، ومن ذلك حق الله تعالى في العدة، فليس الحكمة من العدة هو العلم ببراءة الرحم فحسب، بدليل أنهم يقولون – وهو مذهب جماهير العلماء – أن المرأة إذا طلقها زوجها ثلاثاً فإنها تعتد بثلاث حيض مع أنها بحيضة واحدة يعلم براءة رحمها، ومن ذلك أيضاً؛ تشريف هذا العقد وهو عقد النكاح، فإن من تشريفه – إلا ما ورد استثناءه – أن تبقى المرأة إذا طلقها الرجل بعد ثبوت العقد وتقويته بالخلوة أن تبقى متربصة معتدة، ومن حكمه؛ تطويل المدة لعل الزوج يرجع إلى امرأته وهذا في الرجعية، ولا شك أن أكثر هذه العلل ثابتة في المرأة التي لا يوطأ مثلها أو في طلاق الرجل الذي لا يولد بمثله لصغره. قال: [أو تحملت بماء الزوج] إذا عقد على امرأة، فأخذت من مائه في خرقة واستدخلته في فرجها قد تحملت بماء الزوج وهو لم يدخل بها فقال: فلا عدة، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ ، وهنا لم يمسها ولم يخلو بها، فهذا الإستدخال ليس بوطء وليس بخلوة. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية: أن العلدة تثبت هنا وذلك لانشغال رحمها بمائه. والذي يترجح أن العدة لا تثبت وذلك لظاهر الآية المتقدمة لكن لابد أن تستبرئ بحيضة وذلك لانشغال رحمها بماء زوجها. قال: [أو قبلها أو لمسها بلا خلوة فلا عدة] فإذا قبلها أو لمسها فلا خلوة فلا عدة، وذلك لظاهر الآية المتقدمة: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن قبل أن تمسوهن فمالكم من عدة تعتدونها﴾ . فصل قال: [والمعتدات ست: الحامل] هذا الفصل في بيان أنواع المعتدات، وقد بدأ بالحامل. قال: [وعدتها من موت وغيره إلى وضع كل الحمل بما تصير به أمةٌ أم ولدٍ]

стр. 2908

فذات الحمل عدتها من موت وغيره أن تضع حملها، قال تعالى ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ، قوله؛ " قوله وضع كل الحمل " فلو كانت حاملاً بولدين، فوضعت الأول ثم وضعت الثاني بعد أسبوع، فإن الحمل كله قد وضع بوضع الثاني، وعليه فإنها تبقى معتدة حتى تضع الثاني وهذا هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ، قوله؛ " بما يصير به أمةٌ أم ولدٍ " إن قيل: ما هو الولد الذي إن وضعته تنتهي بذلك عدتها، لو وضعت نطفة لم يمض لها إلا ثلاثون يوماً أو وضعت علقة لم يمض لها إلا ستون يوماً، أو وضعت مضغة ليس منها شيء من صورة الآدمي، أو وضعت مضغة على صورة الآدمي أو حتى ينفخ فيه من الروح، قال؛ " بما تصير به أم ولدٍ " يعني الذي تصير به الأمة أم ولد لسيدها فتعتق عليه بعد وفاته هو نفسه الذي تنتهي به المرأة من عدتها، هو ما تبين به الآدمي بأن يظهر فيه شيء من خلق الآدمي كرأسه أو رجله أو غير ذلك من صورة الآدمي، وهذا إنما يكون في المرحلة الثالثة والطور الثالث، وهو حالة كونه مضغة، فإذا كان مضغة، وهي المرحلة الأولى أو كان علقة وهي المرحلة الثانية، فإنه لا يمكن أن يتبين فيه خلق الإنسان، فإذا دخل في الطور الثالث وهو المضغة، وذلك يكون بعد ثمانين يوماً، فإنه يمكن أن يتبين خلق الإنسان في أوله أو في وسطه أو في آخره، فإذن؛ إذا وضعت ما يتبين به شيء من صورة الإنسان فإن هذا الساقط منها ينتهي به عدتها، وهذا بإجماع العلماء، أما إن كان نطفة أو علقة، فجاهير العلماء على أنه لا تنتهي به العدة.

стр. 2909

وقال الحسن البصري: " بل تنتهي به العدة "، فإذا وضعت ما يسمى حملاً فإن العدة تنتهي به، وفيه قوة – فيما يظهر – وهو ظاهر القرآن ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ، فإذا وضعت ما يسمى حملاً سواء تبين به خلق الآدمي أم لم يتبين، فإنه حمل، تترتب عليه الأحكام الشرعية، وإن كان بعد أربعين يوماً مع أن الأحوط ما ذهب إليه الجمهور، وهي مسألة تترتب عليها حل البضع، فلاشك أن الاحتياط للأبضاع هو الأولى. قال: [فإن لم يلحقه لصغره أو لكونه ممسوحاً أو ولدت لدون ستة أشهر منذ نكاحها ونحوه، وعاش لم تنقض به] إذا مات عنها وهي حامل لكن هذا الحمل لا يلحقه ولا ينسب إليه، ولم يلحقه الحمل لصغره، أي لكونه لا يولد لمثله، أو لكونه ممسوحاً أي مجبوب الذكر والأنثيين، أو ولدت بدون ستة أشهر منذ نكاحها، وعاش أو لأكثر من أربع سنين منذ أبانها، إذاً هذا الحمل تبين أنه ليس منه، فهل تنتهي عدتها بوضعه أم لا؟ قال جمهور العلماء: لا تنتهي به العدة، وذلك لأنه حمل منفي عنه بيقين، فأشبه ما لو حملت بعد وفاته، فإذا حملت بعد وفاته فلا شك أن هذا الحمل غير معتبر في العدة، فكذلك هنا. وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: بل عدتها حين تضع هذا الحمل، وذلك لعموم الآية ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ . والأولى ما ذهب إليه الجمهور في هذه المسألة، وذلك لأن هذا الحمل منفي عنه بيقين، كما لو حملته بعد فراقه لو مات أو فسخ، ثم أن الآية إنما تحمل على الأصل والغالب، فإن الأصل أن يكون الحمل منه هو، وأما هذا فهو شيء نادر أو خلاف الظاهر، فالذي يترجح ما ذهب إليه الجمهور وعليه فلو أن امرأة مات عنها زوجها وقد نكحها قبل شهرين فوضعت حملاً بعد ثلاثة أشهر وقد عاش متيقن من ذلك أن هذا الحمل إنما يكون بستة أشهر فأكثر، فثبت لنا أنه ليس منه، فحينئذٍ لا تنتهي بذلك عدتها لأن هذا الحمل ليس منه.

стр. 2910

والمذهب أنها تستأنف عدة جديدة بعد وضع الحمل، فإذا وضعت الحمل نقول لها الآن إبدائي فاحسبي أربعة أشهر وعشراً، قالوا: لأنهما عدتان، عدة من الزوج وعدة من صاحب هذا الحمل غير الشرعي فهما عدتان، فلم تعتد أصلاً. والأرجح وهو قول في المسألة؛ أنها تحسب من موت زوجها أربعة أشهر وعشراً، ويعلم براءة رحمها منه بوضع الحمل، فالمقصود من عدة الثاني العلم ببراءة الرحم وبوضع الحمل يتبين لنا براءة رحمها، إذاً الصحيح أنها تحسب من وفاة زوجها فإذا تم لها أربعة أشهر وعشراً فقد انتهت عدتها من زوجها، فإذا كان منها حمل فلا يحل لها أن تنكح حتى تضع هذا الحمل، وذلك لأنها بوضع الحمل تستبرئ رحمها من هذا الواطئُ الوطءَ غيرَ الشرعي. قال: [وأكثر مدة الحمل أربع سنين وأقلها ستة أشهر وغالبها تسعة أشهر] تقدم الكلام على هذا ولا شك أن غالب الحمل تسعة أشهر وهذا معلوم من الواقع. قال: [ويباح إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً بدواء مباح] هذا في حكم إلقاء النطفة وهو ما يسمى بالإجهاظ أو الإنزال، فيباح إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً بدواء مباح، هذا المشهور في المذهب – وهذا الشرط إذن الزوج لما له من الحق في ذلك، إذاً الأحوال في المذهب ثلاثة: الحالة الأولى: حالة النطفة فيباح إلقاء هذه النطفة بدواءٍ مباح. الحالة الثانية: ما بعد النطفة وقبل نفخ الروح، أي في حال العلقة والمضغة، فيحرم على المذهب الإجهاظ الإختياري حينئذٍ. الحالة الثالثة: إذا نفخ فيها الروح وذلك يكون بعد أربعة أشهر فيحرم الإجهاظ حينئذٍ، وهذا بإجماع أهل العلم. أما الحالتان الأوليتان ففيهما خلاف. والقول الثاني في المسألة أي الحالة الأولى والثانية؛ أن إلقاء النطفة والعلقة والمضغة؛ كل ذلك جائز، فإلقاء الجنين قبل قذف الروح فيه جائز، وهذا هو مذهب الأحناف ابن عقيل من الحنابلة.
следующие страницы →