← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

ففي الحديث الجهة واحدة وهي جهة الأبوة، وقد قدمت الأم على الأرب لمعنى الأنوثة فإن المرأة أقوم بمقاصد الحضانة وأشفق على الطفل وأصبر عليه، فلذا قدمت الأنثى. ويحصل على القول الأول اضطراب كثير وتناقض ظاهر كما قرر هذا ابن القيم ﵀ تقريراً طويلاً في زاد المعاد فقد أفاض بذكر الاضطراب في مذاهب أهل العلم الذين يقدمون جهة الأمومة على جهة الأبوة. ونحتاج إلى الجواب عن قوله ﷺ ????الخالة بمنزلة الأم) والحديث ثابت في الصحيحين حيث تنازع في ابنة حمزة ثلاثة، على بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب علي بن أبي طالب: ابن عمها، وجعفر بن أبي طالب ابن عمها، وزيد بن حارثة أخو حمزة من الرضاعة. وكان تحت علي فاطمة بنت ابن عم بنت حمزة، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب أسماء بنت عميس وكانت خالة بنت حمزة، فقضى النبي ﷺ ?لجعفر بن أبي طالب وقال: " الخالة بمنزلة الأم". والجواب عن هذا: " أن هذه القضية ليس فيها منازعة عمه، فالمسألة قضية عين. وقوله ﷺ ????الخالة?بمنزلة الأم) ليس على ظاهره، بدليل أن الأب مقدم على الخالة، وبدليل أن أم الأم مقدمة على الخالة بالاتفاق ولو كانت الخالة بمنزلة الأم مطلقاً لما قدمت أم الأم عليها ولما قدم الأب عليها، فدل على أن الخالة بمنزلة الأم في هذه القضية أي القضية المتقدم ذكرها. فالصحيح ما تقدم وهو اختيار شيخ الإسلام من أن جهة الأبوة مقدمة على جهة الأمومة. قال: [وإن امتنع من الحضانة أو كان غير أهل انتقلت إلى من بعده] . إذا امتنع من له الحضانة، وله أن يمتنع لأن الحضانة حق له وليست حقاً عليه في أصح قولي العلماء، فحينئذ تنتقل الحضانة إلى من بعده.

стр. 2977

وقد اختلف أهل العلم في الحضانة هل هي حق له أي للحاضن وعليه فله أن يتنازل عنها، وله أخذ الأجرة على خدمة الطفل إن كان له أب، كالأم تأخذ أجرة على حضانة ابنتها إن كانت مطلقة، أم هي حق عليه. والصحيح أنها حق له وليست حقاً عليه، بدليل قوله ﷺ ????أنت أحق به ما لم تنكحي) . ???والقولان هما قول في مذهب أحمد ومالك والراجح وهو اختيار ابن القيم وهو المشهور في المذهب أنها حق للحاضن وليست حقاً عليه، ولذا فله أن يتنازل لكن ليس معنى ذلك أن يستمر التنازل من شخص إلى آخر حتى يضيع الطفل، بل المراد، أن له أن يتنازل إلى من بعده حيث كان هناك من يقوم بالطفل، ولم يترتب على هذا التنازل تضييع واهلاك له. ??فإذا امتنع عن الحضانة أو كان غير أهل للحضانة كأن يكون فاسقاً أو كافراً أو رقيقاً فإنها تنتقل إلى من بعده، لأن من بعده أحق بها ممن يليه وهكذا. قال: [ولا حضانة لمن فيه رق] . ????فالحضانة لا تكون لمن فيه رق، فليس له حق في الحضانة في مذهب جمهور العلماء. وقال المالكية وهو اختيار ابن القيم وابن سعدي: إن له حقاً في الحضانة. قالوا: إذ لا دليل يدل على إسقاط حقه عنها. ولأنه أشفق من غيره فالأم إذا كانت رقيقة هي أشفق من الأب وإن كانت رقيقة. والأرجح في هذه المسألة هو قول الجمهور من أنه لا حضانه لمن فيه رق. وذلك لأن النبي ﷺ ?قال للمرأة: (أنت أحق به ما لم تنكحي) فأسقط حقها بالنكاح وذلك لحق الزوج فإن المرأة تشتغل بحق زوجها فكانت أحق به ما لم تنكح، وكذلك الرقيق مشغول بحق سيده ولا شك أن شغله بحق سيده أعظم من شغل المرأة بحق زوجها. قال: [ولا لفاسق] . فالفاسق وإن كان أباً فلا حق له في الحضانة. وذلك: لأنه لا يوثق بحضانته ولأن في حضانته ذريعة فساد الطفل وتربيته على مساوئ الأخلاق، فلم يكن للفاسق حق في الحضانة، هذا هو مذهب جماهير أهل العلم.

стр. 2978

واختار ابن القيم وهو اختيار ابن سعدي من متأخري الحنابلة، أن الفاسق له حق في الحضانة وقد قيدوا هذا في كلامهم بالوالد وهذا هو الذي يقتضيه تعليلهم. قالوا: وهو عليه العمل المستمر في الأعصار والأمصار وأن الحضانة تكون للوالد أباً كان أو أماً وإن كان فاسقاً. ولأن الناس في عهد النبي ﷺ ?لم يكونوا يخلون من الفسق ومع ذلك فلم يثبت أن النبي ﷺ ?نزع الحضانة عن أحمد ممن ثبت فيه فسق، ولو كان هذا ثابتاً لنقل نقلاً بيناً ولأن الوالد وإن كان فساقاً أعظم شفقة على ولده من غيره. والذي يترجح لي من هذه المسألة والله أعلم، أن مرجع ذلك إلى نظر القاضي، إذا رأى القاضي أن هذا الفاسق وإن كان أباً رأى أن حضانته مؤثرة على الابن، وأن هناك من يقوم بالحضانة سواء كأن تكون له عمة أو يكون جد، أو أم أم أو أم أب، فحينئذ يأخذ الحق من الأب إلى غيره حيث رأى ذلك. وأما إن رأى أن المصلحة في إبقائه، وأن الأب مع فسقه فإنه يصونه عن مساوئ الأخلاق ويقوم بتربيته مع فسقه أو أن يكون في نقل الحضانة عن الأب إفساد له وتضييع له فحينئذ تكون المصلحة في إبقائه مع والده والله أعلم. قال: [ولا لكافر على مسلم] . فالكافر لا حضانة له على مسلم، لقوله تعالى: ((ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)) . ولإن الكافر أبعد من استحقاق الفاسق، فالجمهور منعوا استحقاق الفاسق للحضانة فهذا أولى ولأن الفتنة بالأب الكافر أو الأم الكافرة عظيمة جداً فإن في ذلك فتنته عن دينه، وقد قال ﷺ ????فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) . ولا شك أن هذا القول ظاهر. فعلى ذلك الكافر لا حضانة له، لا سيما بعد تمييزه أي حيث صار الطفل مميزاً وأصبح متعلم يتلقى ويتعلم ويربى وإلا فإن المنع ظاهر مطلقاً. قال ﵀: [ولا لمزوجة بأجنبي من محضون من حين عقد] .

стр. 2979

لا حضانة للأم أو غيرها إن كانت متزوجة بأجنبي من المحضون. ومفهومه أن الأم وغيرها لا يسقط حقها في الحضانة إن تزوجت بقريب من الطفل المحضون، ويدل عليه ما تقدم من قوله ﷺ ????الخالة بمنزلة الأم) . ولأن القريب له حق في الحضانة وله شفقة للقرابة تحمله على رعاية الطفل. قال صاحب الفروع: ويتوجه إن كان الزوج ذا رحم وما هو ببعيد. ا. هـ. أي ليس هذا القول ببعيد وهو كما قال. فإذا تزوجت المرأة بذي رحم من المحضون كأن يتزوج المرأة، من ابن خالة زوجها أو ابن خالته ونحو هؤلاء من ذوي الأرحام فكذلك لا يسقط حقها من الحضانة وذلك لما تقدم لأن الرحم تحمله على رعاية هذا الطفل. وله حق في الحضانة كما تقدم، كما أن لهم شفقة تحملهم على رعاية الطفل. أما إذا تزوجت بأجنبي ليس بذي قرابة كما هو المشهور في المذهب وليس بذي رحم كما وجه صاحب الفروع فإن حقها في الحضانة يسقط. ويدل عليه قوله ﷺ ????أنت أحق به ما لم تنكحي) . وظاهر اطلاق المؤلف في قوله???ولا لزوجة بأجنبي) أنها إذا تزوجت بأجنبي فلا حق لها في الحضانة مطلقاً ولو رضي الزوج بأن تكون حاضنة لابنها. واختار ابن القيم واختاره أيضاً ابن سعدي: أن الأم أحق إذا رضي الزوج وهكذا كل من لها حق في الحضانة فهي أحق حيث كان الأمر كذلك أي إذا رضي الزوج. وذلك لأن حقها إنما سقط لحق الزوج فإذا رضي الزوج بإسقاط حقه في حضانة هذه المرأة فلا وجه لاسقاط حقها، وهذا هو القول الراجح. ?قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: " وهو قياس المذهب في جميع الحقوق". قوله: [من حين العقد] . ?????فإذا تزوجت المرأة فإن حقها بالحضانة يسقط من حين العقد، فبمجرد ما يعقد عليها، فلا حق لها في الحضانة وهو ظاهر قول النبي ﷺ ????أنت أحق به ما لم تنكحي) وهذا هو مذهب الجمهور واختيار ابن القيم. وقال المالكية: بل يكون ذلك بالدخول فلا يسقط حقها إلا بالدخول.

стр. 2980

وذلك لأن شغلها بزوجها إنما يكون حينئذ أي إذا دخل بها. ?والراجح هو الأول وهو مذهب الجمهور لظاهر قول النبي ﷺ ????أنتِ أحق به ما لم تنكحي) . ولأن العقد مظنة الإنشغال بأن تنشغل بالاستعداد لزوجها. ?قال: [فإن زال المانع رجع إلى حقه] . فإذا زال المانع رجع كل إلى حقه. فالفاسق إذا تاب رجع إلى حقه في الحضانة، والكافر إذا أسلم رجع إلى حقه في الحضانة’ والمرأة المزوجة بأجنبي إذا طلقت ولو كان الطلاق رجعياً رجع حقها في الحضانة، والعبد إذا اعتق رجع حقه في الحضانة. وذلك لوجود السبب وزوال المانع. قال: [وإن أراد أحد أبويه سفراً طويلاً إلى بلد بعيد ليسكنه وهو وطريقه آمنان فحضانته لأبيه] . ???إذا أراد أحد أبويه لغير اضطرار سفراً طويلاً وهو السفر الذي تقصر فيه الصلاة، إلى بلد بعيد ليسكنه فليس السفر لحاجة بل ليسكنه وهذا البلد وطريقه آمنان فإنه حضانته تكون لأبيه، فإذا أراد الأب أن يسافر، ولم يقصد الضرار لكن لو قصد الضرار بالمرأة كأن يكون الحق لها فيريد أن يسافر ليأخذ حقها فحينئذ يعاقب بنقيض قصده ولا يمكن من أخذ الأحق من صاحبه بهذه الحيلة فإذا كان الحق للأم وأراد الأب أن يسافر سفراً طويلاً وهذا السفر يقصد منه سكنى البلد التي يسافر إليها، وتلك البلدة آمنة وطريقها آمن فحضانته لأبيه. كذلك?لو أرادت الأم أن تسافر إلى بلد لتسكنه وهذه البلدة آمنة وطريقها في السفر آمن فحضانته لأبيه. وذلك لأن الأب في بلد آخر وحينئذ فتكون الحضانة له. قالوا: لأن الأب هو الذي يؤدب ولده وهو الذي يحفظ نسبه فكان أولى بالحضانة، هذا هو القول الأول وهو المشهور في المذهب? والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الحق للأم، وهو القول الراجح في المسألة.

стр. 2981

لقوله ﷺ ????أنتِ أحق به ما لم تنكحي) والحديث فيه إطلاق فهي أحق به مطلقاً ما لم تنكح سواء سافرت إلى بلد آخر أم لم تسافر، سافر الأب أم لم يسافر فالحديث مطلق إلا أن تقتضي مصلحة الطفل ذلك مثلاً: أراد أن يطلق امرأته، وهي من بلد فيها فسق وفجور، فأرادت أن تسافر إلى بلدها وهذا يضر بالطفل، وقد يضيع نسبه فحينئذ لا تمكن من السفر. وتكون الحضانة للأب وذلك لمصلحة الطفل. إذن: الحق للأم ما لم تقتض المصلحة أن يكون الحق للأب. قال: [وإن بعد السفر لحاجة أو قرب لها أو للسكنى فلأمه] . إذا بعد السفر وكان للحاجة لا للسكنى أو كان السفر قريباً، أي سفر لا تقصر فيه الصلاة، وكان ذلك لحاجة كأن يسافر لتجارة أو أن تسافر الأم لعلاج ونحو ذلك فحينئذ تكون الحضانة للأم كما قال المؤلف هنا وهو قول في المذهب. والمشهور في المذهب: أنها تكون للمقيم منهما وذلك لما في السفر من الأضرار بالطفل. والراجح: أنها للأم وذلك لإطلاق قول النبي ﷺ ????أنتِ أحق به ما لم تنكحي) . فإذا سافر سفراً قريباً أي لا تقصر فيه الصلاة للسكنى، فإن الحق يكون للأم لقوله ﷺ ????أنتِ أحق به ما لم تنكحي) . فإذا سافر سفراً قريباً أي لا تقصر فيه الصلاة للسكنى، فإن الحق يكون للأم لقوله ﷺ ????أنتِ أحق به ما لم تنكحي) وهو المشهور في المذهب. قال: [وإذا بلغ الغلام سبع سنين عاقلاً خير من أبويه، فكان مع من أختار منهما] . إذا بلغ الغلام سبع سنين أي تم له سبع سنين فشرع في الثامنة فإنه يخير بين أمه وأبيه فكان مع من اختار منهما لما ثبت عند الخمسة وصححه الترمذي وهو كما قال أن امرأة قالت يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبه، فجاء زوجها، فقال النبي ﷺ ???يا غلام هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به) .

стр. 2982

هذا الحديث فيه أن الغلام إذا تم له سبع فإنه يخير بين والديه، والطفل لا يسمى غلاماً إلا بعيد التمييز إذا تم له سبع سنين والغلام يقال للذكر فإن اختار أباه كان عند أبيه ليلاً ونهاراً، لكن لا يمنعه من زيارة أمه لما في ذلك من العقوق. وإن اختار أمه فإنه يكون عندها ليلاً ويكون عند أبيه نهاراً ليعلمه ويؤدبه. وله أن يغير اختياره، فيختار أباه، بعد أن اختار أمه ويختار أمه بعد ذلك وهكذا وذلك لأن الاختيار هنا للتشهي لأنه قال: " فخذ بيد أبيهما شئت ". قال: [ولا يقر بيد من لا يصونه ويصلحه] . فلا يقر المحصنون بيد من لا يصونه ولا يصلحه ولو كان أباه وذلك لفوات مقصود الحضانة، فإن مقصود الحضانة رعاية الطفل وتأديبه والقيام بمصالحه ودفع المضار عنه، وإذا كان هذا لا يصونه ولا يصلحه فقد فات مقصود الحضانة. ولذا فإن ما تقدم من الترجيح لأحد الأبوين حيث كانت مصلحة الطفل ثابتة في حضانته عنده، أما إذا كان معطلاً للحضانة ولا يقوم بها وقد يكون يؤذي الطفل أو يفوت عليه بعض المصالح أو تكون عنده امرأة زوجة فتضر بنات ضرتها وتؤديهن ولا تقوم بما يصحلهن فإنها تنقل الحضانة إلى الأم فيكون المرجوح راجحاً. قال: [وأبو الأنثى أحق بها بعد السبع] . ?????فالتخيير المتقدم إنما هو في الغلام. وأما الأنثى فالأب أحق بها بعد السبع، فإذا تم للأنثى سبع سنين وشرعت في الثامنة فلا تخير وإنما تكون عند أبيها وذلك لأن الأب أحفظ لها وأغير عليها هذا هو المشهور في المذهب. ?والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الجمهور وهو اختيار ابن القيم: أنها تكون عند الأم، وهذا هو الراجح. لقول النبي ﷺ ????أنتِ أحق به ما لم تنكحي) . والحديث فيه إطلاق وفيه عموم ولا يستثنى فيه إلا ما تقدم في الغلام، وأما الأنثى فهي?داخلة في قوله: (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) . ولأن الأم أعلم بما يصلح ابنتها وأقوم بتربيتها وتعليمها ما تحتاج إليه من شؤون النساء.

стр. 2983

فالأرجح أنها تكون عند الأم وهذا كما تقدم ما لم تكن الأم معطلة للقيام بالحضانة. أو تفوت عليها مصالح ونحو ذلك فحينئذ يرجح الأب. والأنثى لا تخير لوجهين:- الوجه الأول: ضعف الرغبة في البنت، بخلاف الغلام فإن الرغبة فيه قوية. فالبنت إذا اختارت أمها فإن هذا يقلل رغبة أبيها بها ويزهده بها، وكذلك إذا اختارت أباها فإن هذا يزهد أمها بها، بخلاف الغلام. الوجه الثاني: أن في تخييرها منافاة لكونها?تقر في بيتها، فإنها تختار من شائت وهذا يجعلها تنتقل من بيت أبيها إلى بيت أمها وهكذا. قال: [ويكون الذكر بعد رشده حيث شاء] . فالذكر بعد أن يبلغ ويرشد يكون حيث شاء، فإن شاء عند أمه وإن شاء عند أبيه، وذلك لأنه لا حضانة عليه. فهو الذي يقوم بشأن نفسه. قال: [والأنثى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها] . ????فالأنثى تبقى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها، وهذا على القول المتقدم، من أن الأنثى أبوها أحق بها. والصحيح أن الأنثى أمها أحق بها بعد السبع وعليه فتكون عند أمها حتى تتزوج.

стр. 2984

(كتاب الجنايات) الجنايات: جمع جناية، والجناية في اللغة: هي التعدي على مالٍ أو عرضٍ أو بدن. فالسرقة جناية لأنها تعدٍ على المال، والزنا جناية لأنه تعدٍ على العرض، والقتل جناية لأنه تعدٍ على البدن. وأما في الاصطلاح: فهي التعدي على البدن خاصة بما يوجب القود "أي القصاص" أوالدية. - وقتل النفس من أكبر الكبائر، قال تعالى: ((وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلى خطئاً،، إلى أن قال سبحانه- ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها)) الآية. وذلك من كبائر الذنوب وليس كفراً أكبر بإجماع أهل العلم، قال تعالى: ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) . ويدل عليه من السنة إقامة الحد على القاتل كما أنه دليل من الكتاب والإجماع، ولا تقام الحدود إلا على المسلمين. وأيضاً يدل عليه حديث من قتل مائة نفسٍ، وهو حديث متفق عليه وهو حديث مشهور. ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتانٍ تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروفٍ فمن وفّى فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً وستر الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) . إذن: لا يكفر وتوبته تقبل بإجماع أهل العلم، خلافاً للخوارج في التكفير، وخلافاً للمعتزلة في أن توبته لا تقبل، ولا يصح هذا القول لا عن ابن عباس ولا عن غيره من الصحابة. * والقتل تتعلق به ثلاثة حقوق: ١) الحق الأول: حق الله تعالى في الاعتداء على حدوده فإن القتل من أعظم الاعتداء على حدوده سبحانه. ٢) وحق للمقتول حيث أزهقت نفسه.

стр. 2985

٣) وحق لأوليائه، حيث أُفقدوا وليّهم، فإذا تاب إلى الله سقط حق الله تعالى، وسقط حق الآدمي المقتول وعوّضه الله أجراً وثواباً في الآخرة، وأما حق الأولياء، فإنه ثابت في الدنيا فيخيرون بين الدية أو القصاص أو العفو. قال ﵀: [وهي عمد يختص القود به بشرط القصد، وشبه عمد وخطأ] . والقتل ثلاثة أنواع: ١) النوع الأول: عمدُّ. ٢) النوع الثاني: شبه عمدٍ. ٣) النوع الثالث: خطأ. وأضاف بعض أهل العلم، كالموفق في المقنع وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة – قسماً رابعاً: وهو ما جرى مجرى الخطأ، كالنائم ينقلب على إنسان فيقتله أو من يقتل بالسبب كأن يحفر بئراً فيسقط بها إنسان فيموت، وهذا هو القسم الرابع ولا مشاحة في الاصطلاح إذ الحكم لا ينقسم إلى أربعة أقسام، بل ينقسم إلى ثلاثة أقسام اتفاقاً، فلا نزاع بين العلماء في أن النوع الثالث وهو الخطأ والنوع الرابع على القول بصحة التقسيم أن الحكم فيهما واحد، فالخطأ وما يجري مجرى الخطأ حكمهما واحد. أما العمد والخطأ فقد اتفق أهل العلم على القول بهما ونازع الإمام مالك في شبه العمد، والسنة حجة عليه، فقد ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فضربت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما في بطنها فقضى النبي ﷺ أن دية الجنين غرة عبد أو وليدة، وقضى أن دية المرأة على عاقلتها، وهذا هو الشاهد، فإن هذا القتل ليس بخطأ، ومع ذلك فإن النبي ﷺ قد قضى بأن دية المرأة على العاقلة، وقتل العمد الديةُ على القاتل نفسه اتفاقاً لا على العاقلة، فكان قسماً ثالثاً لأنه ليس بخطأ ولا عمد. ويدل عليه أيضاً، ما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي أن النبي ﷺ قال: (ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالعصا والسوط مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها) .

стр. 2986

والشاهد قوله "ألاّ إن دية الخطأ شبه العمد" قوله بعد ذلك "منها أربعون في بطونها أولادها" وهي الدية المغلظة، والدية المغلّظة تكون لشبه العمد، وأما الخطأ فديته، مخففة كما سيأتي. إذن: الصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وأن القسم الثالث لأقسام القتل هو شبه العمد بدلالة السنة النبوية. قال: [فالعمد: أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله بما يغلب على الظن موته به] . فهو أن يقصد من يعلمه آدمياً، فليس بصيد ولا شاخصٍ، ولا غير ذلك "معصوم الدم" فليس من المحاربين للإسلام بل هو معصوم الدم. " فيقتله بما يغلب على الظن موته" إذن قصد هذا الآدمي معصوم الدم، وقتله بما يغلب على الظن موته به. كأن يرميه بسهم أو يضربه بسيفٍ ونحو ذلك مما يغلب على الظن أنه يقتله به. وضرب على ذلك أمثلةً فقال: [مثل: إن يجرحه بماله مرو] . مَوْر: أي له نفوذُ في البدن. [أو يضربه بحجرٍ كبير ونحوه] . لا بحجر صفير، لأن الحجر الصفر، لا يقتل غالباً، لكن لو كرر الضرب، أو كان المضروب مريضاً أو كبيراً أو صغيراً بحيث أن الحجر الصغير يقتله فكذلك. قال: [أو يلقي عليه حائطاً أو يلقيه من شاهق، أو في نارٍ أو في ماء يغرقه ولا يمكنه التخلص منهما] . أي لا يمكنه التخلص من النار والماء، لكن لو أمكنه التخلص ولم يفعل، كأن يكون ثمن يحسن السباحة ويقول: "ها أنت قد ألقيتني ولن أنجي نفسي وتكون بذلك قد قتلتني فيغرق" فإن يكون ذلك فدمه هدراً. قال: [أو يخنقه] . أي بحبلٍ ونحوه. قال: [أو يحبسه ويمنعه الطعام والشراب فيموت من ذلك في مدة يموت فيها غالباً] . أي يموت في ذلك الحبس أو المنع من الطعام في مدة يموت فيها غالباً. لكن لو مات بعد ساعة أو نصف ساعة أو نحو ذلك فإنه يعلم أنه لم يمت بسبب هذا الحبس. قال: [أو يقتله بسحرٍ أو بسَمٍّ] . وقوله "أو بسُمًّ" تصح بتثليث السين، أي بأن يطعمه السم. كذلك لو ألقاهُ في موضع فيه أسد أو حيَّة، فيقتله الأسد أو تنهشه الحية.

стр. 2987

قال: [أو شهدت عليه بينة بما يوجب قتله ثم رجعوا وقالوا عمدنا قتله، ونحو ذلك] . فإذ شهدت عليه بيّنة بما يوجب قتله، كأن يشهد عليه اثنان أنه قد قتل، أو يشهد عليه أربعة أنه قد زنا وكان محصناً، أو يشهد عليه اثنان أنه سخر من الدين واستهزأ به، ثم رجعوا وقالوا: عمدنا قتله ونحو ذلك فحينئذ يكونون هم الذين قتلوه فيقام عليهم الحد، وذلك لأنهم قد قصدوا قتله بما يقتله غالباً وهي البينة. فإذا كان الولي، أي ولي المقتول عالماً بذلك، كأن يشهدوا على رجل أنه قد قتل زيداً من الناس، وهم كاذبون في ذلك، وولي زيدٍ يعلم كذب هؤلاء الشهود ومع ذلك فقد اختار القصاص على الدية، فإنه هو الذي يقام عليه الحد وذلك لأنه هو الذي باشر قتله. وإن كان الحاكم، أي القاضي يعلم كذب الشهود، فحكمه حكم البينة " أي حكم الشهود" إن كان الولي عالماً بذلك قتل الولي، فإن لم يكن عالماً فإن الحكم يثبت على القاضي وعلى البينة لأنهم هم الذي قتلوه. والدية عليهم على عددهم، فإن كانت البينة اثنين، فالدية أثلاثاً على القاضي الثلث، وعلى الشاهدين الثلثان وهكذا. قال: [وشبه العمد: أن يقصد جناية لا تقتل غالباً] . فيشترك هو والعمد: بأنه قد قصد الجناية، لكن في العمد بشيء يقتل غالباً، وأما في شبه العمد فإنه بشيء لا يقتل غالباً. قال: [ولم يجرحه بها] . هذا قول في المذهب، وفيه نظر كما سيأتي، ثم ضرب أمثلة، لقتل شبه العمد. فقال: [كمن ضربه في غير مقتل بسوط أو عصا صغيرة، أو لكزه ونحوه] . كأن يغرز فيه إبرة ونحو ذلك، فهذا قتل شبه عمد، فالجناية مقصودة لكن الذي تمّ به القتل لا يقتل غالباً، كالعصا، والحجرة الصغيرة والإبرة ونحو ذلك. وقيّده المؤلف هنا بقول "ولم يجرحه بها" وعليه فلو جرحه بها ولو كانت إبرة فخرج الدم ولو كان يسيراً، فإنه يكون قتل عمدٍ.

стр. 2988

وهذا فيه نظر ظاهر، والراجح أنه وإن جرحه فهو قتل شبه عمد ما دام أن ذلك لا يقتل غالباً، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، ولا دليل على إخراج هذه الصورة ما دام الضابط فيها وهو أن الجناية لا تقتل غالباً. لكن لو كررّ الضرب بالعصا، فمجموع هذا التكرار يجعل هذا الضرب مما يقتل غالباً، ولو غرز إبرة في قلبه، فإنه يقتل غالباً، أو كان طفلاً صغيراً، فضرب بحجر ونحوه فكذلك، وقتل شبه العمد لا قود فيه، فالقود باتفاق أهل العلم مختص بالعمد، أما قتل الخطأ وشبه العمد فلا قصاص فيه باتفاق أهل العلم. والدية في قتل العمد على القاتل نفسه، وأما في شبه العمد والخطأ فهي على العاقلة. والدية في شبه العمد مغلّظة، وفي الخطأ مخففة. قال: [والخطأ أن يفعل ماله فعله مثل أن يرمي صيداً أو غرضاً أو شخصاً غير معصوم الدم فيصيب آدمياً لم يقصده] . أن يفعل ماله فعله كأن يرمي صيداً، يصيب آدمياً أو يريد أن يتعلم الرمي أو يتمرس عليه فيرمي عرضاً شاخصاً فيصيب آدمياً فيقتله أو يرمي بسهمه على كافر محارب فيصيب السهم على بعض المسلمين. والخطأ إما أن يكون في القصد وإما أن يكون في الفعل، فالخطأ في القصد، أن يقصد القتل لكنه يخطئ في ذلك، فهو يقصد آدمياً غير معصوم فيصيب آدمياً معصوماً. وأما الخطأ في الفعل: فهو أن يقصد رمي شاخص أو رمي صيد فيتخطى، فيصيب آدمياً. فإذا رمى فأخطأ في فعله أو أخطأ في قصده فأصاب آدمياً فقتله فهذا هو قتل الخطأ، لا قصاص فيه، وفيه الدية المخففة. قال: [وعمد الصبي والمجنون] . فعمد الصبي والمجنون خطأ، باتفاق أهل العلم فإذا قتل الصبي متعمداً، وكذلك المجنون فهو في حكم الخطأ، وذلك لأنهما لا قصد لهما، فأشبه هذا المكلف المخطئ، فكما أن المكلف المخطئ قتله قتل خطأ لأنه لا قصد له فكذلك المجنون والصبي إذا قتلا فقتلهما قتل خطأ ففيه الدية والكفارة، فالدية تكون في مال العاقلة وأما الكفارة فهي في مالهما ولا قود ولا قصاص.

стр. 2989

والفرق بين قتل الخطأ وبين العمد وشبه العمد هو أن قتل الخطأ لا تقصد فيه الجناية. وأما العمد وشبه العمد فالجناية مقصودة. والفرق بينهما أي بين العمد وشبه العمد أن العمد تقصد الجناية بما يقتل غالباً، وأما شبه العمد فيما لا يقتل غالباً. قال: [تقتل الجماعة بالواحد] . لما ثبت في البخاري: أن عمر بن الخطاب، قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلاً واحداً، وقال لو تمالئ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، ولا يعلم لعمر مخالف، وهو قول مشتهر فكان إجماعاً، وفي ذلك سد لذريعة سفك الدم الحرام، فإنه لا يعجز الجماعة عن قتل الشخص الواحد فيدفعون عن أنفسهم الحد بذلك حيث لم نقل بقتل الجماعة بالواحد. وهذا الحكم حيث كان فعلُ كل واحدٍ منهم يوجب القصاص لو أنفرد. كأن يجتمعوا على ضربه بسيوف، كل واحدٍ منهم لو انفردت ضربته لقتلت. أو أن يجتمعوا على ضربه بالحجر الكبير بحيث أن ضربة كل واحدٍ منهم لو انفردت لأوجبت القصاص. وأما إذا اجتمعوا على ضربه بما لا يقتل غالباً كأن يجتمعوا على ضربه بحجارة صغيرة فمات من ذلك فإن ذلك لا يوجب القصاص ما لم يتمالؤا على ذلك، كأن يضربه هذا بعصا وهذا بحجرة صغيرة وهكذا وهم قد تمالؤا على مثله فإن هذا يوجب القود، وذلك سداً لذريعة درء القصاص، أي لئلا يتطرق من هذا إلى الهروب من القصاص بإجماع طائفة من الناس على قتل رجلٍ بما لا يقتل غالباً. قال: [وإن سقط القود أدوا دية واحدة] . إذا اجتمع سبعة على قتل رجلٍ واحدٍ وكان فعل كل واحدٍ منهم يوجب القصاص بمفرده، فإن هؤلاء السبعة يقتلون، فإن اختار الولي الدية، فإنها تجب دية واحدة عل الجميع، وذلك لأن النفس واحدة والقتل واحد فلم يجب إلا ديةً واحدة. قال: [من أكره مكلفاً على قتل مكافئة فقتله فالقتل أو الدية عليهما] .

стр. 2990

إذا أكره مكلفُ على قتل مكافئه، " أي مكافَئه في الدين والحرية، والرق، وسيأتي الكلام على المكافئة" فقال: إن لم تقتل بكراً فإني قاتلك أو ساجنك أو متلف مالك، فالقتل أو الدية عليهما جميعاً أي على المكرِه والمكَره. أما المكرِه: فلأنه تسبب بما يقتل غالباً، حيث أكره هذا المكلف القادر على القتل، أكرهه على القتل. وأما المكرَه: فلأنه مباشر للقتل على غيره في إبقاء نفسه، هذا هو المشهور في مذهب أحمد وغيره وفبه قوه لئلا يتذرع من يريد القتل بقتله عن طريق بعض الناس الذين لا قيمه للحياة الدنيا عندهم. وعن الإمام أحمدُ: أن الذي يقتل هو المكرَه دون المكرِه وهذا أظهر. وذلك لأنه اجتمع مباشر ومتسبب والمرجّح هو المباشر فالمكرَه مباشر للقتل، والمكرِه متسبب فيه فمرجح جانب المباشر كما تقدم في بعض المسائل كما لو شهدت البينة بما يقتضي القتل وكان الولي عالماً بكذب البينة فإن الولي هو الذي يقتل لأنه هو الذي باشر الاختيار وهؤلاء قد تسببوا بالشهادة الكاذبة. فكذلك هنا فقد اجتمع عندنا مباشر ومتسبب فيكون القتل على المباشر. وأما المكرِه فإنه يعزر تعزيراً بليغاً بما يراه السلطان، فإنه يُعزر بالسجن الطويل أو الجلد ونحو ذلك مما يراه السلطان. قال: [وإن أمر بالقتل غير مكلف أو مكلفاً يجهل تحريمه أو أمر به السلطان ظلماً من لا يعرف ظلمه فيه فقتل فالقود أو الدية على الآمر] . إذا أمر بالقتل فكلف غير مكلف، كأن يأمر زيداً لمكلفٍ صبياً، أو مجنوناً بالقتل فإنه يقتل الآمر. وذلك لأن هذا الصبي والمجنون غير المكلفين هما كالآلة هنا، ولا يجب عليهما القصاص لكونهما معذوران إذ هما غير مكلفين لا قصد لهما فهما كالآلة أي كالسكين وكالسيف بيده.

стр. 2991

فإذن: يقتل الآمر وذلك لأن المباشر هنا لا يقتل لأنه لا يمكن أن يوجب عليه القصاص مع كونه معذوراً، وذلك لما تقدم من أن عمد الصبي والمجنون خطأ والصبي والمجنون لا قصد لهما، وعليه فلا يمكن إيجاب القصاص عليهما فموجب على المتسبب. ومثل ذلك لو أمر مكلفاً، يجهل تحريم القتل كأن يكون حديث عهد بإسلام، فالقود أو الدية على الآمر وذلك لأن هذا جاهل بالشرع وعليه فهو مخطئ لأن الجهل خطأ وحينئذ فهو معذور فلا يمكن إيجاب القصاص عليه فموجب على الآمر. ومثل ذلك: لو أمر السلطان رجلاً أن يقتل رجلاً من الناس وهذا القاتل المباشر لا يدري أن السلطان ظالم لهذا المقتول فحينئذ يكون الحد على السلطان لأن المباشر للقتل معذور لا يمكن إيجاب القصاص عليه فموجب على المتسبب. والسلطان تجب طاعته فيما لا يعلم أنه معصية، وهذا قد أطاع السلطان في أمرٍ لا يعلم أنه معصيةً ما لم يأمر بالظلم. أما لو كان غير معذور، كأن يأمره السلطان بقتل زيدٍ من الناس وهو يعلم أن السلطان ظالمُ له، مع قتله فإن القصاص على القاتل لأنه هو المباشر. قال: [وإن قتل المأمور المكلف عالماً بتحريم القتل فالضمان عليه دون الآمر] . إذا أمر زيد عمراً بالقتل، وعمرو مكلف عالم بتحريم القتل ومع ذلك قتل، فإن الضمان يكون على عمرو، وذلك لاجتماع مباشر ومتسبب، فالمأمور هو المباشر الآمر هو المتسبب وهنا المأمور ليس بمعذور وذلك لأنه مكلف عالم بالتحريم فكان القصاص عليه هو. قال: [وإن اشترك فيه اثنان لا يجب القود على أحدهما منفرداً لابوة أو غيرها فالقود على الشريك] . اشترك في قتل رجلٍ اثنان أحدهما أب للمقتول والآخر ليس بأبٍ له. أو اشترك في قتل كافر اثنان، أحدهما كافر مثله والآخر مسلم. أو اشترك في قتل رقيقٍ أحدهما حر والآخر رقيق مثله.

стр. 2992

ففي هذه المسائل لا يجب القصاص على الأب في المسألة الأولى، ولا على المسلم في المسألة الثانية ولا على الحر في المسألة الثالثة، لأن الأب لا يقتل بولده، والمسلم لا يقتل بالكافر، والحر لا يقتل بالعبد، فحينئذ يكون القود على الشريك للأب في المسألة الأولى. وعلى الشريك للمسلم في المسألة الثانية، وعلى الشريك للحر في المسألة الثالثة، وذلك لأن فعله يوجب القصاص فهو قتل عمدٍ وإنه يوجب القصاص عليه لا مسقط له وإنما أسقط عن الأب في المسألة الأولى وعن المسلم في المسألة الثانية وعن الحرفي المسألة الثالثة لمعنى يوجب الإسقاط، وفي هذه المسائل الثلاث يتمحض القتل عدواناً وأما إذا كان الطرف الآخر ليس بمعتدي أي ليس قتله بقتل عمدٍ عدوان. كأن يشترك مخطئ ومتعمد أو يشترك في قتل رجل من الناس سبُع، وقاتل كأن يضربه بالسيف ويكون معه سبع يشترك معه في القتل أو أن يكون قاتلاً لنفسه مع هذا المعتدي، كأن يجرحه جرحاً قاتلاً ثم يشرب السم فيقتل نفسه أي يستعجل موت نفسه. كذلك لو اشترك في قتله ولي قصاصٍ وعامد، فولي القصاص له حق في القتل. كذلك لو اشترك في قتله مكلف وغير مكلف ففي هذه المسائل كلها في المشهور في المذهب، أنه لا قصاص، وذلك لأن العدوان غير متمحّص لأن أحدهما قتله ليس بقتل عدوان. بخلاف المسائل المتقدمة فإن كلا الطرفين قتله قتل عدوان. القول الثاني في المسألة: وهو رواية عن الإمام أحمد، واختار هذا القول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو القول الراجح في المسألة، أن القتل هنا ثابت على الطرف الذي اعتدى، وذلك لأن المؤاخذة على فعله هو، وفعله هو قتل عدوان يوجب القصاص ولا مسقط له. فبالنظر إلى فعله هو بغضّ النظر عن فعل الآخر هل يؤاخذ فيه الآخر أم لا وتجب نصف الدية مع شريك السبع. قال: [فإن عدل إلى طلب المال لزمه نصف الدية] .

стр. 2993

إذا عدل الولي إلى طلب المال فإنه يلزمه نصف الدية أي لزم من لزمه القود في المسألة الأولى لزمه الآن نصف الدية. فإذا اشترك الأب وغيره في القتل، فيجب على الآخر القصاص فإن عفا الولي عن القصاص فلا تجب عليه إلا نصف الدية وذلك لأنه شارك في الإتلاف، وهذا الإتلاف يوجب مالاً فكان عليه بقدر ذلك وهو قد شارك بقدر النصف فكان الواجب عليه نصف الدية. " باب: شروط القصاص" وهذه الشروط إذا فقد منها شرط سقط حد القصاص. قال: [وهي أربعهَ] . استقراءً. قال: [أحدها عصمة المقتول] . أي أن يكون المقتول المجني عليه معصوم الدم غير مهدره والعلة ظاهرة، فإن القصاص إنما شرع لحفظ الدم المعصوم وأما الدم المهدر فلا. قال: [فلو قتل مسلم أو ذميُّ حربياً، أو مرتداً لم يضمنه بقصاص ولا دية] . فإذا قتل مسلم أو ذميُّ حربياً أو مرتداً عن الإسلام فإنه لا قصاص ولا دية، وكذلك لو قتل مسلم زانياً محصناً فإنه لا يقتل به لأن دمه هدر. كذلك تارك الصلاة وغيره ممن دمه مهدر ليس بدمٍ معصوم ولو كان ذلك قبل ثبوته عند الحاكم، ما دام أن البينة موجودة على زناه، وهو محصن فقتله مسلم أو ذمي فإنه لا يقتل به. ورجل مثلاً تارك للصلاة والبينة تدل على أنه تارك للصلاة، فكذلك، أو رجل ارتدَّ عن الإسلام فسب الله ورسوله فكذلك فإن من قتلهم لا يقتل هذا إذا كان قبل التوبة. وأما بعد التوبة فلا، فمن زنا وهو محصن فتاب فقتله قاتل بعد ذلك فإنه يقتل به لأن دمه يعصم بالتوبة كما قال تعالى: ((إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم)) . أما قبل التوبة فإنه لا يُقتل به، لكن هذا القاتل آثم لأنه قد افتات على السلطان في حقه ولذا فإن الإمام يعزره، وله أن يعزر تعزيراً بليغاً حفظاً لحقه في ذلك، فإن الحدود إنما يقيمها السلطان.

стр. 2994

وعليه: فإن هذا الحكم حيث كان للإمام حق في القتل، فالإمام ليس له حق أن يقتل من زنا وهو محصن حتى تثبت البينة ذلك، وليس للإمام حق أن يقتل من ترك الصلاة، حتى تثبت بالبينة فكذلك هذا القاتل إذا قتل بعد ثبوت البينة لكنها لم تثبت بعدُ عند القاضي فإنه لا يقتل به ولا دية في ذلك لأن له حقاً، لكن ذلك اعتداء على الإمام في حقه وافتيات عليه فللإمام أن يعزر في ذلك. قال: [الثاني التكليف] . هذا هو الشرط الثاني: التكليف أي أن يكون القاتل بالغاً عاقلاً. قال: [فلا قصاص على صغير] . لأنه غير بالغ. قال: [ولا مجنونُ] . ولا معتوه لأنهما غير عاقلين، وذلك لأنه لا قصد لهما أو قصدهما ليس بقصد صحيح معتبر ولذا تقدم أن عمد الصبي والمجنون خطأً باتفاق العلماء. وعليه فإذا قتل الصبي أو المجنون فأنه لا يقتل بذلك لكن الدية تكون على عاقلته. قال: [الثالث: المكافأة بأن يساويه في الدين والحرية والرق] . هذا هو الشرط الثالث وهو المكافأة. قال: [فلا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد] . فلا يقتل المسلم بالكافر ولو كان الكافر ذمياً ذا ذمة أو معاهداً ذا عهد أو مستأمناً ذا أمن. وذلك لما ثبت في البخاري مرفوعاً في صحيفة علي ﵁ "لا يقتل مسلم بكافر". وذهب الأحناف: إلى أن المسلم يقتل بالذمي، واستدلوا: بما روى الدارقطني أن النبي- ﷺ : (أقاد مسلم بذمي أو قال: أنا أحق من وفّى بذمته) . لكن الحديث مرسل ضعيف. وعليه فالراجح ما ذهب إليه الجمهور من أن المسلم لا يقتل بالكافر. وقال شيخ الإسلام بذلك لكنه قال: إلا أن يقتله غيلة أي خديعة، بأن يكون القتل على سبيل الخديعة وهو مذهب مالك. فقد ذهب مالك إلى أن قتل الغيلة فيه القصاص مطلقاً فلا خيار للولي بين الدية والقصاص، كما أنه لا فرق بين مسلم وذمي في ذلك وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.

стр. 2995

واستدلوا: بأثر عمر المتقدم لما قال: "لو تمالئ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به" فقال "لقتلتهم به" فأضاف القتل إليه، وكان قتل غرة، (تراجع القصة ويزاد الدليل) . وأما الجمهور فقالوا: بأنه يخير الولي بين الدية والقصاص. واستدلوا بعمومات الأدلة، في قوله تعالى: ((فقد جعلنا لوليه سلطاناً)) . في الحديث المتفق عليه: (فوليه بين خيرتين) وهما القصاص والدية. والصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول، لأن دليلهم خاص وأما دليل أهل القول الثاني فإنه عام. فالصحيح ما اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: من أن قتل الغيلة يقتل الإمام من غير أن يرجع إلى الولي الخيرة، وأنه لا فرق بين مسلم وذمي لأنه من باب الحرابة، وقد قال تعالى: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا)) . فإذا قتلوا سواء كان قتلهم لمسلمين أو ذميين، فإن جزاءهم القتل، وسيأتي الكلام عليه في حد الحرابة إن شاء الله. قال: [ولا حر بعبد] فلا يقتل الحر بالعبد. قالوا: لما روى أحمد في مسنده: "أن السنة ألاّ يقتل الحر بالعبد". ولقوله تعالى: ((الحر بالحر والعبد بالعبد)) ، وهذا هو مذهب الجمهور. والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب الأحناف واختيار شيخ الإسلام أن الحر يقتل بالعبد. استدلوا: بقوله تعالى: ((وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)) ، وهذه آية عامة يدخل فيها قتل الحر بالعبد واستدلوا: أيضاً بقول النبي ﷺ : (المؤمنون يتكافئوا دماؤهم) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي فهذا عبدُ مؤمن وهذا حرُ مؤمن والمؤمنون تتكافئوا دماؤهم. والراجح هو القول الثاني: لقوة أدلته، وأما الجواب عن أدلة أهل القول الأول. أما قوله تعالى: ((الحر بالحر والعبد بالعبد)) .

стр. 2996

فهذه الآية نزلت كما قال غير واحد من السلف، في طائفة من الناس قالوا ويقتل الحر من غيرنا بالعبد منا، ويُقتل الذكر من غيرنا بالأنثى منا، قالوا ذلك من باب الكبرُ لقوتهم عدداً وعدة، فأنزل الله قوله: ((الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى)) ، وقد أجمع أهل العلم على أن الذكر يقتل بالأنثى في النسائي أن النبي ﷺ قال: (يُقتل الذكر بالأنثى) . وأما ما رواه أحمد من أن السنة ألا يقتل الحر بالعبد فالحديث إسناده ضعيف جداً فيه جابر الجُعفي وهو ضعيف الحديث. ومما يدل على ما ذهب إليه الأحناف وهو القول الراجح: ما روى أحمد والترمذي وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: (من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه) . وبهذا الحديث قال داود الظاهري، فإنه قال ويقتل السيد بعبده خلافاً للأحناف فإنهم يقولون يقتل الحر بالعبد لكن لا يقولون أن السيد يقتل بعبده. ولذا قال المؤلف هنا "والرق" فالمالك لا يُقتل بمملوكه. فإذا قتل المكاتب رقيقه فإنه لا يقتل به مع أن المكاتب عبد لكن لا يقتل بعبده لأنه مالك له. والصحيح ما ذهب إليه داود في هذه المسألة وأن السيد يقتل بمملوكه لقوله ﷺ : (من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه) والحديث من حديث الحسن البصري عن سمرة والصواب أن الحسن ليس بمدلس، وأن سماعه من سمرة ثابت كما وضح ذلك غير واحدٍ من الحفاظ كعلي بن المديني، والحديث حسنه الترمذي وهو كما قال "تراجع". قال: [وعكسه يقتل] . وهذا ظاهر، فالكافر يقتل بالمسلم، فإذا قتل الذمي مسلماً فإنه يُقتل وهذا بالاتفاق. والعبد يُقتل بالحر وهذا بالاتفاق، ولذلك العبد يقتل بسيده وهذا باتفاق أهل العلم. قال: [ويقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر] . اتفاقاً، لقوله تعالى: ((وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)) .

стр. 2997

ولقوله ﷺ : (المؤمنون تتكافؤا دماؤهم) ، والأُنثى مؤمنة، وللحديث المتقدم الذي رواه النسائي أن النبي ﷺ قال: (يُقتل الذكر بالأنثى) . قال: [والرابع: عدم الولادة، فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل] . وعنه يقتل أبو الأم بولد بنته وحكاه الزركشي، هذا هو الشرط الرابع وهو عدم الولادة. فالأم والأب لا يقتلان بالولد وإن سفل الولد المقتول كأن يقتل الجد ابن ابنه، أو ابن بنته، أو بنت بنته وهكذا. ودليل ذلك: ما رواه ابن الجارود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: (لا يقاد الوالد بالولد) ، والحديث اسناده جيّد وصححه البيهقي. ورواه الترمذي من حديث عمر بن الخطاب لكنه مضطرب، وهو قول جمهور العلماء. والعلة في ذلك ظاهرة: فإن الوالد هو سبب وجود الولد فإنه قد خرج من صلبه أو خرج من رحمها وإن علا هذا الرحم وإن علا هذا الصلب، فلما كان الأمر كذلك فلا يمكن ولا يصح ولا يستقيم أن يكون سبباً لإعدامه وهو سبب لوجوده. أما العكس فإنه يقتل به اتفاقاً، ولذا قال المؤلف: [ويقتل الولد بكلٍ منهما] . فإذا قتل الولد أباه أو أمه وإن عليا فإنه يقتل بهما وهو ظاهر لا إشكال فيه. " باب استيفاء القصاص " استيفاء القصاص: هو فعل مجني عليه أو وليه بجانٍ مثل فعله أو شبهه. فإذا قطع الجاني الطرف كأن يقطع اليد، فقطعٍ المجني عليه يده أو قطع وليه يده أو قتله فقتله أو أحرق رجلاً فقتل بالسيف. فقوله "أو شبهه": إن كان المثل لا يجوز كأن يحرقه بالنار مثلاً، فالإحراق بالنار محرم وعليه فإنه يقتل بالسيف. قال ﵀: [يشترط له ثلاثة شروط أحدها كون مستحقه مكلفاً فإن كان صبياً أو مجنوناً لم يستوفٍ وحُبس الجاني إلى البلوغ أو الإفاقة] . فالشرط الأول من شروط استيفاء القصاص: أن يكون مستحقه مكلفاً أي بالغاً عاقلاً.

стр. 2998

فإن كان غير مكلف بأن يكون صبياً أو مجنوناً فإنه لا يستوفي وذلك لأن استيفاء القصاص ولاية، قال تعالى: ((وقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل)) ، والصبي والمجنون لا ولاية لهما. والمذهب أن الأب وكذا الوصي والحاكم لا يقومون مقام الصبي والمجنون بالاستيفاء، ولذا قال (وحبس الجاني إلى البلوغ أو الإفاقه) أي المجنون. قالوا: لأن المقصود هو التشفي "أي إزالة الغيظ الذي يكون في القلب" وهذا لا يكون بفعل الغير. وعن الإمام أحمد وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، أن لوليهما العفو إلى الدية وكذا الوصي والحاكم. وذلك: لأنه يقوم مقامه في تصرفاته كلها فكذلك هنا ولأن ترك ذلك يترتب عليه فوات الحق أو تفويته فقد يموت الجاني قبل أن يقتل وقد يهرب أو يحصل ما يمنع من إقامة الحد عليه بفعل ظالم ونحو ذلك، فلئلا يفوت الحق فإنا نقيم الولي مقامه، وهذا هو القول الراجح. والمصلحة هنا وهي مصلحة عدم تفويت الحق وفواته أرجح من مصلحة التشفي، ولا شك أنه يحصل له تشفي عندما يختار وليه القتل، ويحصل له انتفاع بالدية إذا اختار الدية والولي يختار ما فيه مصلحة. وقوله: " يحبس الجاني " فلا يقبل في مثل هذه المسألة كفالة إذ الفائدة من الكفالة هي أن يستوفي الحق من الكفيل إذا لم يحضر المكفول، وهنا لا يمكن أن يستوفي الحق من الكفيل لأن ذلك ظلم، بل ويحبس حتى يبلغ الصبي وحتى يفيق المجنون وهذا على المذهب. والصحيح ما تقدم من أن الولي يقوم مقام الصبي أو المجنون. قال: [الثاني: اتفاق الأولياء المشتركين فيه على استيفائه وليس لبعضهم أن ينفرد به] . لأنه حق مشترك لجماعة فلم يكن لأحدهم أن يستقل به. والشرط الثاني: اتفاق الأولياء على القصاص. قال: [وإن كان من بقي غائباً.. انتظر القدوم] .

стр. 2999

وهذا ظاهر، فإذا كان بعضهم غائباً فإنه ينتظر قدومه لأنه حق له فلم يتعجل حقه عنه، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، (وحكيت رواية عن أحمد أن لهم القصاص فيه قوة) . قال: [أو صغيراً أو مجنوناً انتظر القدوم والبلوغ والعقل] . فإذا كان بعض الأولياء صغيراً أو مجنوناً فإنه ينتظر ويحبس الجاني حتى يفيق المجنون، وحتى يبلغ الصبي فليس لبعض الأولياء أن يستقل بالقصاص وذلك لأنهم جماعة فلم يكن لأحدهم أن يستقل بالحق. فينتظر حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون ثم ينظر ماذا يختارون جميعاً القصاص أم الدية، فإن اختاروا القصاص واتفقوا على ذلك وإلا فتجب الدية. وقال المالكية والأحناف، بل هو للمكلفين دون غيرهم وذلك لأن استيفاء القصاص ولاية والولاية ليست للصبي والمجنون، والأولياء البالغون العقلاء هم المخاطبون عند القتل بالاختيار فلم يكن لغير المكلف حق في ذلك. وهذا هو القول الراجح، ويترتب على خلافه فوات أو تفويت للحق. مسألة: اعلم أن الذين لهم حق في استيفاء القصاص هم الورثة يدل على ذلك: قوله ﷺ : (من قُتل له قتيل فأهله بين خيرتين) رواه أبو داود والنسائي وأصله في الصحيحين فقوله "أهله" أي ورثته. ويدل عليه أيضاً، ما ثبت في مصنف عبد الرزاق، أن عمر أتى برجل قد قتل قتيلاً، وورثته يريدون قتله فقالت زوجته " أي زوجة القتيل" وكانت أختاً للقاتل: قد عفوت عن حقي، فقال عمر: "الله أكبر قد عتق القتيل" والأثر إسناده صحيح، ولا يعلم له مخالف. واختار شيخ الإسلام أن الحق للعصبة الذكور لأن العار يلحقهم هم. والصحيح هو الأول وذلك للأثر الثابت عن عمر ولا يعلم له مخالف، ولأنه حق للمرأة كسائر حقوقه فكان لورثته وهذا هو مذهب الجمهور. مسألة: إذا قتل بعض الورثة الجاني قبل أن يتفق الورثة على القصاص، فإنه يعزر على ذلك لا فتياته على حق غيره. وهل يقتل أم لا؟ قولان لأهل العلم:

стр. 3000

القول الأول: وهو المشهور في مذهب أحمد: أنه لا يقتل وذلك لأن هذه النفس التي قتلها يستحق بعضها. والقول الثاني: وهو مذهب بعض الشافعية: أنه يقتل وذلك لأنه قد قتل نفساً معصومة، فإن هذا القاتل معصوم الدم حتى يختار الورثة القصاص. والراجح هو القول الأول، وذلك لأن دمه لم تثبت عصمته، بل بالقتل دمه هدر ما لم يختر الورثة الدية ويعفو عن القصاص، لأن الأصل هو القصاص، والأصل هو قتل النفس بالنفس. ويدل على هذا القول أن الحدود تدرأ بالشبهات أما إذا قتله بعد اختيار الورثة وبعضهم الدية فإنه يقتل به لأن نفسه أصبحت معصومة باختيارهم الدية أو باختيار بعضهم الدية. فإن قتل هذا الولي بعد اختيار الورثة الدية أو بعد اختيارهم القصاص لكنه سبقهم فقلته، أي قتل الجاني فحق بقية الورثة هل يثبت في تركه الجاني المقتول الذي قد قُتل بيد هذا الولي المفتات، أم أنه يكون في مال الولي الذي قد تعدى فقتل؟ قولان لأهل العلم. أظهرهما أنه يكون في مال الولي وذلك لأن الجاني قد أقتص منه وكان الواجب عليه إما القصاص وإما الدية، وقد اقتص منه فلا حق عليه، وعليه فتجب في مال القاتل الذي هو الولي. قال: [الثالث: أن يؤمن في الاستيفاء، أن يتعدى الجاني] . هذا هو الشرط الثالث من شروط الاستيفاء، وهو أن يؤمن في الاستيفاء أن يتعدى الجاني إلى غيره، لقوله تعالى: ((فلا يسرف في القتل)) . قال: [فإذا وجب على حامل أو حائل فحملت لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ] . فإذا وجب القصاص على حامل أو على حائل ثم حملت قبل الاستيفاء فإنه لا يستوفى منها حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ وهو أول اللبن، قالوا: والغالب أنه لا يعيش إلا به، فهذا لدفع الضرر عن الطفل، وقد قال ﷺ ????لا ضرر ولا ضرار) . قال: [ثم إن وجد من يرضعه] . ??فرضي بأن?يلتقم ثدي غير أمه. قال: [وإلا تركت حتى تفطمه] . ??دفعاً للضرر عن الغير.

стр. 3001

قال: [ولا يقتص منها الطرف حتى تضع والحد في ذلك كالقصاص] . لما تقدم من دفع الضرر عن الغير. فصل: قال: [ولا يستوفى قصاص إلا بحضرة سلطان أو نائبه] . ??فلا يستوفى القصاص إلا بحضرة سلطان أو نائبه وذلك لكي يؤمن الحيف، ولأن ذلك يحتاج إلى اجتهاد فلم يكن ذلك إلا بحضرة سلطان أو نائبه. فإنه يخاف الحيف والظلم كأن يقتص بآلة غير ماضية أو أن يتعدى إلى طرف آخر أو غير ذلك. وظاهره مطلقاً في النفس وغيرها، وهو المذهب، واختاره شيخ الإسلام وهو احتمال وذكره الموفق أن النفس يجوز الاستيفاء فيها بلا حضرة السلطان واستدل بما ثبت في مسلم: أن رجلاً أتى النبي- ﷺ ?برجلٍ يقوده بنسعة ثم قال: إن هذا قد قتل أخي، ثم قال النبي- ﷺ ???اذهب فاقتله) . والذي يرجح هو القول الأول: وأما الحديث فيقال فيه حيث أمن الحيف وذلك لأن قتل النفس قد يكون فيه حيفٌ ولذلك لا بد من حضرة سلطان أو نائبه. ???لكن إن علم السلطان أن مثل هذا عنده وازعُ يمنعه من الحيف فأذن له أن يقبض بلا حضرة السلطان ولا نائبه فلا بأس بذلك. قال: [وآلة ماضية] . ???لا كالة: " فلا بد أن تكون الآلة ماضية أي تقتل من غير أن يكون في ذلك أذى للمقتول " لقوله ﷺ ?في صحيح مسلم ?إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) . وإن كان الولي قادراً على استيفاء القصاص بنفسه أي أن يقتل بالسيف هو بنفسه فإن السلطان أو نائبه يمكنه من ذلك. وإلا فإنه يأمره أن?يوكل غيره من القادرين على استيفاء القصاص، والمشروع أن ينصب الإمام من يقوم بذلك، ويكون له رزق من بيت مال المسلمين لأن هذا من المصالح العامة. أما إذا لم يكن هناك أحد فإن الولي يوكل من يقوم عنه بالاستيفاء وإن شاء أن يقوم به هو فإن الإمام أو نائبه يمكنه من ذلك.

стр. 3002

قال: [ولا يستوفي القصاص في النفس إلا بضرب العنق بسيف ولو كان الجاني قتله بغيره] . ???هذا هو المشهور في المذهب وأنه لا يستوفي القصاص في النفس إلا بضرب العنق بالسيف ولو كان الجاني قتله بغيره كأن يرض رأسه أو أن يقطع أعضاءه قطعة قطعة حتى يموت أو أن يفعل به?غير ذلك. واستدلوا: بحديث (لا قود إلا بالسيف) لكن الحديث منكر. وعن الإمام أحمد: وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه يمكن من القتل بمثل ما قتل به وليه، فالجاني يُقتل بمثل ما قتل إلا ما استثنى من الإحراق بالنار ونحوه فإن الشريعة نهت عن ذلك. فلو قتله?بإلقائه من شاهق فإنه يقتل بأن يُلقى من شاق ولو قتله بقطع أعضائه قطعة قطعة فكذلك ونحوه لك. وهذا القول الراجح، قال شيخ الإسلام: "وهو أشبه بالكتاب والسنة والعدل" أما العدل فظاهر. وأما الكتاب فقوله تعالى: ??وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرُ للصابرين)) . وأما السنة فبما ثبت في الصحيحين: أن جارية وجد رأسها قد رُض بين حجرين فأومأت برأسها فأخذ اليهودي فأقرّ، فأمرّ النبي- ﷺ ?أن يرضّ رأسه بين حجرين) . فالراجح: أنه يقتل بمثل ما قتل إلا ما استثنى في الأدلة وهو التعذيب بالنار فإن ذلك لا يحل، ومثل?ذلك لو قتله بفعل أمر محرم فيه، كزنا بامرأة أو لواط أو غير ذلك مما هو محرم فإنه لا يفعل به ذلك لأنه محرم في الشريعة الإسلامية. ??باب العفو عن القصاص" قال: [يجب بالعمد القود أو الدية فيخير الولي بينمها] . ???? فيتخير الولي في قتل العمد بين القصاص أو الدية، لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يُعطى وإما أن يقاد) أي إما أن يعطى الدية أو يقاد له القتيل. قال: [وعفوه مجاناً أفضل] . لقوله تعالى: ((وأن تعفوا أقرب للتقوى)) .

стр. 3003

وثبت عند الخمسة إلا الترمذي أن النبي ﷺ : (ما أتى بشيء من القصاص إلا أمر فيه بالعفو) والحديث اسناده صحيح من حديث أنس بن مالك. قال: [فإن اختار القود أو عفا عن الدية فقط فله أخذها] . إذا اختار الولي القصاص فله أخذ الدية، فمثلاً قال أنا أختار القصاص ثم قال: أريد أن أتنازل عن القصاص إلى الدية، فله ذلك- وهذا ظاهر. وكذلك إذا عفا عن الدية فقط، فقال: عفوت عن الدية فقط، فلفظه هذا ليس فيه أنه قد عفا عن القصاص وحينئذ إذا رضي بالدية وقد عفا عنها فله أخذها. وذلك لأنه انتقال من الأعلى إلى الأدنى وهو الانتقال من القصاص إلى الدية. قال: [والصلح على أكثر منها] . فإذا كانت الدية مثلاً مائة ألف فقال الولي: أنا لا أقبل إلا مائتي ألف أو ثلاثمائة ألف أو مليون وإلا فإني أختار القصاص فرضي بذلك القاتل، فللولي ذلك، وذلك لأن الحق لا يعدوهما، فإذا تراضيا على شيء من ذلك كان لهما. قال: [وإن اختارها أو عفا مطلقاً أو هلك الجاني فليس له غيرها] . إذا اختار الدية فليس له بعد ذلك أن يقتصّ وذلك لأنه اختار الدية. وكذلك إذا عفا مطلقاً فقال: (عفوت) ، وإذا أطلق العفو فإنه ينصرف إلى المطلوب الأعظم، وهو العفو عن القصاص لأنه هو المطلوب الأعظم. كذلك إذا هلك الجاني قبل أن يقتص فيه فليس للولي إلا الدية، لأن القود لا يمكن استيفاؤه وقد هلك الجاني فحينئذ ليس له إلا الدية فلا ينتقل هذا إلى أخ وابن أو غيره فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى بل يقال هلك الجاني فإن الدية تنتقل في تركته. فإن لم يكن له تركة فلا شيء للولي كسائر الديون التي يفوت محلها فإنها تفوت بفوات محلها. قال: [وإذا قطع إصبعاً عمداً فعفا عنها ثم سرت إلى الكف أو النفس وكان العفو على غير شيء فهدر، وإن كان العفو على مالٍ فله تمام الدية] .

стр. 3004

رجل قطعت إصبعه عمداً ففي ذلك عُشر الدية، فعفا عن ذلك ثم سرت الجناية حتى أتلفت الأصابع كلها أو قتلت هذا الشخص كأن ينزف الدم حتى هلك، فهذه السراية هدر لا شيء فيها. وذلك لأنه قد عفا عن الجناية وسرابتها كذلك لأن سرايتها فرع عنها هذا قول في المذهب. والمشهور في مذهب الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي: أن له أن يأخذ تمام الدية أي ما بقي منها وهو تسعة أعشارها في المثال المتقدم، وذلك: لأنه إنما عفا عن الجناية ولا سراية فيها، وأما مع السراية فإنه لم يثبت عفوه عنها، فلا يسقط من ذلك إلا ما عفا عنه، وهو إنما عفا عن دية إصبع، وهذا هو القول الراجح. أما إذا كان العفو على مالٍ فله تمام الدية، وهذا ظاهر فإذا قال: أريد الدية ولا أريد القود، فإنه يأخذ عشر الدية ثم سرت الجناية فإنه يُعطى الباقي وذلك لأن السراية نتجت عن فعل الجاني فكان عليه ديتها أي دية السراية. قال: [وإن وكّل من يقتص ثم عفا فاقتص وكيله ولم يعلم فلا شيء عليهما] . رجل قال: اخترت القصاص، ثم وكّل زيداً من الناس أن يقتص عنه ثم بعد ذلك قال: قد عفوت، فقتل الوكيل ولم يعلم بعفو موكله فلا شيء عليهما. أما الولي فلأنه محسن بالعفو وما على المحسنين من سبيل وأما الوكيل فلأنه لم يفّرط. قال: [وإن وجب لرقيق قود أو تعزير قذف فطلبه وإسقاطه إليه] . فإذا وجب لرقيق قصاص أو تعزير قذف فطلب هذا أو إسقاطه إليه وليس لسيده لأن المقصود من ذلك هو التشفي وهو مختص به. قال: [فإن مات فلسيده] . فإذا مات العبد فلسيده ذلك، وذلك لأن السيد أحق بعبده من غيره لأنه ملكه. "باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس" قال: [من أقيد بأحد في النفس أقيد به في الطرف والجراح] . فمن أقيد بأحدٍ في النفس لتوفر الشروط، فكذلك في الطرف والجراح. قال: [ومن لا فلا] .

стр. 3005

فمن لم يُقد بأحد في النفس فإنه لا يقاد به في الطرف والجراح فالمسلم لا يقاد بالكافر، والحر على مذهب الجمهور لا يقاد بالعبد فكذلك إذا قطع المسلم يد كافر فإنه لا تقطع يده، وكذلك إذا جرح مسلم كافراً فإنه لا قود. قال: [ولا يجب إلا بما يوجب القود في النفس] . فلا يجب إلا بما يوجب القود في النفس وهو العمد فلو قطع يد إنسان خطأً أو جرحه خطأً فلا قود. إذن مسائل الجراح ومسائل الأطراف مبنية على مسائل النفس. قال تعالى: ((وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص)) . قال: [وهو نوعان] . أحدهما في الطرف، والثاني: في الجراح. قال: [أحدهما: في الطرف فتؤخذ العين والأنف والأذن والسن والجفن] . الجَفن: هو غطاء العين الأعلى أو الأسفل. قال: [والشفة واليد والرجل والإصبع والكف والمرفق والذكر والخصية والإلية والشغر كل واحدٍ من ذلك بمثله] . فاليد باليد، والعين بالعين، والأنف بالأنف وهكذا. قال: [وللقصاص في الطرف شروط، الأول: الأمن من الحيف بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه كما رن الأنف وهو مالان منه] . هذا هو الشرط الأول: وهو الأمن من الحيف وذلك بأن يكون القطع من مفصل كأن يقطع يده من الرسغ ورجله من الكعب أو الركبة. فإنه يثبت به القود وذلك لأمن من الحيف ومثل ذلك: إذا كان له حد ينتهي إليه، كما رن الأنف فإن له حداً ينتهي إليه وهو القصبة. أما مثلاً: الجائفة وهو الجرح يكون في البطن ونحوه فلا حد ينتهي إليه فلا قود فيه. فإذا كان القطع ليس من مفصل كأن يقطع يد إنسان من منتصف الذراع أو منتصف الساق، فظاهر كلام المؤلف ألا قود مطلقاً وهو مذهب الجمهور وذلك لأن القطع ليس من مفصل. القول الثاني في المسألة: وهو قول في مذهب الإمام أحمد ثبوت القصاص من المفصل الذي دونه. فإذا قطع من منتصف الذراع فله أن يقتص من مفصل الكف.

стр. 3006

وذلك لأنه اقتصر بما دونه فلم يكن منه حيف ولا ظلم فهو اقتصر على بعض حقه فلم يكن ظالماً، وهذا هو الراجح في المسألة وهو مذهب الشافعية. وهل له أرش على الزائد أم لا؟ قولان في مذهب الإمام أحمد: أصحهما ثبوت الأرش له وذلك لتعذر الاستيفاء فإذا تعذر الاستيفاء وجب الأرش، إذن الصحيح أنه إذا كان القطع من غير مفصل فله القود من المفصل الذي دونه، وله في أصح القولين الأرش أي الارش الذي يكون مقابلاً لهذا القطع من طرفه. قال: [الثاني: المماثلة في الاسم والموضع: فلا تؤخذ يمين بيسار ولا خنصر ببنصر ولا أصلي بزائدٍ ولا عكسه] . الشرط الثاني: المماثلة في الاسم والموضع. فلا تؤخذ يدُ برجل، ولا رجل بيد، ولا أنف بعين وهكذا، كذلك لا تؤخذ يمين بيسار، ولا خنصر ببنصر، ولا أصلي بزائد، فلو قطع إصبعاً زائدة، فإنه لا تقطع من الجاني اصبع أصلية وذلك لعدم المماثلة. قال: [ولو تراضيا لم يجز] . فإذا قال الجاني: أنا أرضى أن تؤخذ يدي اليمنى بيده اليسرى لم يجز ذلك. وذلك لأن الدماء لا تستباح بالإباحة والبذل، ولأنه لا يجوز له أن يتصرف في بدنه بما لم يأذن له به الله . قال: [الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال، فلا تؤخذ صحيحة بشلاء] . الشرط الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال، فلو أن رجلاً قطع يد رجلٍ شلاء فإنه لا تقطع يده السليمة بالشلاء وذلك لعدم الاستواء. قال: [ولا كاملة الأصابع بناقصة] . إذا قطع يد رجلٍ أصابعها ناقصة، وأصابع يده، أي الجاني كاملة فلا تقطع يده الكاملة الأصابع بيد الآخر ناقصة الأصابع وذلك لعدم استوائهما في الكمال. قال: [ولا عين صحيحة بقائمة] . العين القائمة: هي العين التي يكون بياضها وسوادها صافيين لكنها لا تبصر، أي من رآها يظن أن صاحبها يبصر وهو لا يبصر. فلو ضرب عين القائمة فأتلفها، فلا تؤخذ عينه الصحيحة. قال: [ويؤخذ عكسه ولا أرش] .

стр. 3007

فيؤخذ اليد الشلاء باليد الصحيحة فلو أن رجلاً قطع يد آخر اليمنى وكانت صحيحة، ويده اليمنى شلاء فتقطع ولا أرش، لإستوائهما في الخلقة إنما النقص في الصفة هذا هو المشهور في المذهب. والقول الثاني في المذهب: ثبوت الأرش وهو الصحيح وذلك لعدم استوائهما، فإن الصفة إذا نقصت فهذا عيب ونقص، فكونها شلاء هذا عيب فلا يساوي اليد الصحيحة. "فصل" [النوع الثاني: الجراح فيقتص في كل جرحٍ ينتهي إلى عظم كالموضحة] . قال تعالى: ((والجروح قصاص)) . فيقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم كالموضحة، والموضحة: هي الشجة تكون في الرأس أو الوجه أو اليد تنتهي إلى العظم فتوضحه لكنها لا تهشمه فإذا هشمته فإنها تسمى الهاشمة. قال: [وجرح العضد والساق والفخذ والقدم] . فالجرح في العضد والساق والفخذ والقدم يثبت فيها القود لأنها تنتهي إلى عظم، فيؤمن حينئذ الحيف. قال: [ولا يقتص في غير ذلك من الشجاج والجراح غير كسر سن] . غير الموضحة وجرح العضد والساق والفخذ والقدم فإنه لا يقتص فيه وذلك لعدم أمن الحيف، إلا السن فإنها تثبت القصاص فيها لأنها يمكن أن تبرد. قال: [إلا أن يكون أعظم من الموضحة كالهاشمة والمنقلة والمأمومة فله أن يقتص موضحة وله أرش الزائد] . إذا كان الجرح أعظم من الموضحة كالهاشمة والمنقلة والمأمومة. الهاشمة: وهي التي تهشم العظم. والمنقلة: وهي التي تضرب العظم حتى تنقله من مكانه. والمأمومة: وهي التي تصل إلى جلد الدماغ. فإذا كانت أعظم من الموضحة فله أن يقتص موضحه وله أرش الزائد. فلو أن رجلاً خرج في رأسه هاشمة، والهاشمة ديتها عشر من الإبل، والموضحة ديتها خمس من الإبل فالهاشمة لا يمكن ثبوت القصاص فيها لعدم أمن الحيف، فإن العظم إذا هشم قد يهشم أكثر من هشم الأول. لكن له أن يقتص موضحة فيشج رأسه حتى يصل العظم، وله إرش الزائد وهو الفرق بين دية الموضحة ودية الهاشمة. قال: [وإذا قطع جماعة طرفاً، أو جرحوا جرحاً يوجب القود فعليهم القود] .

стр. 3008

كمسألة: قتل الجماعة بالواحد. فإذا قطع جماعة طرفاً أو جرحاً يوجب القود فعليهم جميعاً القود بالشرط المتقدم في قتل الجماعة. وقد ثبت في صحيح البخاري: أن رجلين شهدا عند علي بن أبي طالب، أن رجلاً قد سرق فقطع يده، ثم جاءاه وقالا: هو السارق وأخطأنا بالأول: فردّ ﵁ شهادتهما على الثاني وغرّمهما دية الأول وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما) . فإذا اجتمع جماعة على قطع أو جرح فالقود عليهم جميعاً كأن يضعوا حدية على مفصل ثم يجتمعون عليها حتى يقطعوا اليد أو الرجل، أو يتواطؤا على ذلك كما تقدم تقريره على قتل الجماعة بالواحد. قال: [وسراية الجناية مضمونة في النفس فما دونها] . إذا سرت الجناية فإنها مضمونة. فلو قطع رجل إصبع آخر ثم سرت الجناية إلى الإصبع الأخرى فالقود للأصبعين. أو قطع إصبعه فسرت الجناية لليد كلها كأن تنزف اليد حتى شُلت فيكون القود في اليد كلها. وذلك لأن السراية من أثر الجناية فكانت مضمونة كالجناية. قال: [وسراية القود مهدورة] . رجل قطع يد آخر فقطعت يده فلما قطعت يده سرت الجناية إلى نفسه حتى مات بسبب قطع يده فلا ضمان وذلك لأنه لا تعدى. هذا حيث لم يكن هناك إسراف. لكن لو كان ذلك من برد شديد أو حر شديد أو كان مريضاً لا يتحمل قطع اليد فقطعت يده، فحينئذ السراية مضمونة. وكذلك لو قطعه بآلة كالة أو مسمومة فحينئذ يكون الضمان لوجود التعدي. أما إذا لم يكن هناك تعدٍ فلا ضمان لأن ما ترتب على الفعل المأذون فيه فليس بمضمون. قال: [ولا يقتص من عضو وجرح قبل برئه كما لا تطلب له دية] . فلو أن رجلاً قطعت كفه، ومازال الجرح فإنه لا قصاص ولا دية حتى يبرأ الجرح وذلك لاحتمال السراية فإنه يحتمل أن تسري الجناية إلى عضو آخر. فإن تعجل واقتص من الجاني فسرت الجناية بعد ذلك فلا شيء في ذلك وهي هدر، وذلك لأنه قد استعجل حقه ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.

стр. 3009

وإذا قلعت له سن أو أزيلت له منفعة ونحو ذلك فإنه لا يستعجل لا بالقصاص ولا بالدية حتى ينظر وقتاً يمكن أن تعود فيه فالسن إذا كانت مما يرجى عودها أو المنفعة إذا كانت مما يرجى عودها فلا قصاص ولا دية ويضرب الخبير يمكن أن تعود فيها هذه المنفعة أو تعود فيها هذه السن وحينئذ لا دية ولا قصاص وإنما فيه تعزير. مسألة: اختار شيخ الإسلام وابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول ابن المنذر وهو قول جماعة من أهل الحديث خلافاً لجمهور العلماء ثبوت القصاص في اللطمة والعصا والمال ونحو ذلك فإذا أتلف ماله فله أن يقتص بإتلاف المال وإذا هرب بالعصا فله أن يحرق سيارته المماثلة لها وذلك لحصول التشفي وهو مقصود. وقال الجمهور: ليس له ذلك، لعدم المماثلة في الغالب فقد تكون العصا أشد من العصا، وقد تكون اللطمة أشد من اللطمة ونحو ذلك. والصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ومن وافقه في هذه المسألة وذلك لقوله تعالى: ((وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرُ للصابرين)) . وقوله: ((فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)) . وروى البخاري في صحيحه: "أن عمر ﵁ أقاد من الدّر وأن علياً أقاد من ثلاثة أسواط". وهذا هو القول الراجح، لقوة أدلته، وأما الجواب عما استدل به الجمهور: من أن المماثلة لا تثبت غالباً. فالجواب: أن العدل مطلوب بحسب الإمكان ثم إن الجمهور يوجبون التعزير وهو أبعد مماثلة، فكوننا عندما يضرب رجل رجلاً سوطاً نسجنه يوماً فإن سجن يوم أبعد مماثلة من ضربه بعصا. أما إذا ضرب بعصا وإن كنا نحتمل احتمالاً كبير أن يختلف قدر الضربة لكنهما متقاربان. فإن قيل: إن في إتلاف المال إفساداً. فالجواب: أن إفساد المال ليس بأعظم من إفساد الأطراف ومن الجراح ومن قتل النفس، فإن الرجل تقطع يده إذا قطع يد الآخر ويده أعظم من ماله. وهذا كله لمصلحة التشفي وإزالة الغيظ من المجني عليه.

стр. 3010

فإذا اتلف ماله فله أن يتلف ماله المماثل به، وله أن يأخذ قيمة ماله، فهو مخير بين الأمرين. " كتاب الديات" الديات: جمع دية وهي المال المؤدي إلى المجني عليه أو أوليائه بسبب الجناية. "المؤدي إلى المجني عليه" هذا إذا كانت الجناية فيما دون النفس كأن يقطع له طرف، فدية هذا الطرف تدفع إلى هذا المجني عليه. " أو أوليائه" إذا كانت الجناية في النفس، فإذا قُتل فديته إلى أوليائه. قال ﵀: [كل من أتلف إنساناً] . أي معصوماً. قال: [بمباشرة أو سبب لزمته الدية] . بمباشرة كأن يضربه بالسيف فيقتله. أو سبب: كأن يلقيه إلى سبع فيأكله، فكل من أتلف إنساناً معصوماً بمباشرة أو سبب لزمته دية. لقوله تعالى: ((وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله)) . قال: [فإن كانت عمداً محضاً ففي مال الجاني حالة] . فإذا كانت الجناية عمداً سواء كانت في النفس أو فيما دون النفس فالدية في مال الجاني بالإجماع، لقوله تعالى: ((ولا تزر وازرة وزر أخرى)) . ولما ثبت في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: (لا يجني جان إلا على نفسه لا يجني والد على ولده ولا مولود على والده) . والأصل في ضمان المتلفات أنها تجب على المتلف نفسه. قال: [وشبه العمد والخطأ على عاقتله] . فجناية شبه العمد الدية فيها تكون على العاقلة عند جمهور العلماء، ودليل ما تقدم ما ثبت في الصحيحن أن امرأتين من هذيل ضربت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى النبي ﷺ بدية المرأة على العاقلة) . وهو قتل شبه عمدٍ، وقد أوجب النبي ﷺ الدية على العاقلة، ودية جناية الخطأ على العاقلة وهو من باب أولى، فالشرع قد دل على أن دية شبه العمد تجب على العاقلة من باب التخفيف على القاتل مع كونه قد جنى لكن جنايته لم يكن مقصوداً منها القتل.

стр. 3011

فإذا ثبت هذا في شبه العمد فأولى من ذلك أن يثبت في الخطأ وهذا بإجماع العلماء كما حكى ذلك ابن المنذر. وقد قال المؤلف قبل ذلك في جناية العمد: [حالةً] ففي جناية العمد تجب الدية في مال الجاني حالة غير مؤجلة، فليس للقاضي أن يؤجلها، وذلك لأن هذا هو الأصل في المتلفات، وإن ضمانها يجب حالاً، ولا دليل يدل على جواز تأجيله. وأما دية جناية شبه العمد والخطأ، فإنها تؤجل على ثلاث سنين، وقد استدل أهل العلم على هذا بأثرين، الأثر الأول: عن عمر والأثر الثاني عن علي ﵄، رواهما البيهقي في سننه. قالوا: ولا يعلم لهما مخالف. وهذا لو صح الأثران، لكن الأثرين في إسنادهما ضعف فحديث عمر إسناده ضعيف، وحديث على إسناده منقطع. لكن الاختلاف بين أهل العلم، ذلك فقد اتفق العلماء على التأجيل في جناية شبه العمد والخطأ، والنظر يدل على ذلك، وذلك لأن دية شبه العمد ودية الخطأ مخففة لكونها تجب على العاقلة ولا يجب على الجاني فناسب التخفيف. وهذا التأجيل حيث لم ير الإمام أو القاضي المصلحة في الحلول، أما لو رأى الإمام أن المصلحة في كونها حالةً فله ذلك كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، كأن يكون المجني عليه أو أولياؤه فقراء وأولياء الجاني أغنياء يحتاجون إلى التأجيل، فإنه يجعلها حالةً بناءً على الأصل. وهذا الحكم ثابت في دية الكتابي كما هو ثابت في دية المسلم لأن دية الكتابي تجب في قتل النفس فاشبهت دية المسلم التي تجب في قتل النفس فهما نظيران، وهذا أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد "أي ثبوت ذلك في دية الكتابي". إذن: دية الخطأ وشبه العمد تجب مؤجلة على ثلاث سنين ويكون ذلك في آخر الحول.

стр. 3012

وتكون بداية الحول من حين الوجوب، فإذا كان قتل نفس فوقت الوجوب الموت فإذا مات في أول شهر محرم فإنها تجب في نهاية هذا الحول وهو نهاية شهر ذي الحجة لأنه بذلك يتم الحول فيجب الثلث، فإذا أتى نفس الوقت من السنة الثانية وجب الثلث الثاني ثم كذلك في الثلث الأخير. وأما إذا كان فيما دون النفس، فإذا كان الجرح قد أندمل بلا سراية فوقت الوجوب من حين القطع وإذا أندمل بعد السراية فوقت الوجوب من حين الاندمال، فإذا قطع إصبعه فسرت الجناية إلى بقية الأصابع ثم اندمل الجرح فوقت وجوب الدية من حين الاندمال. قال: [وإن غصب حراً صغيراً فنهشته حية أو أصابته صاعقة إلى أن قال:.. وجبت الدية فيهما] . إذا غصب حراً ولم يقل عبداً، وذلك لأن العبد مال والمال لا تجب له الدية وإنما تجب القيمة. فإذا غصب حراً صغيراً فحبسه فنهشته حية فمات أو أصابته صاعقة في الموضع الذي حبس فيه فمات فتجب الدية على الغاصب. وهكذا في كل ما يتعلق بالمحل الذي حُبس فيه، كأن يقع السقف أو يصاب بوباء، أو نحو ذلك فتجب عليه الدية، وذلك لأنه هو المتسبب في قتله. [أو مات بمرض] . إذا حبس حراً صغيراً في غرفة أو دار أو في موضع ما فأصيب بمرض لا دخل للغاصب به من حيث الحبس فمات فيه، فإن الغاصب تجب عليه الدية. قالوا: لأن يده يد غاصبة فقد تلف هذا الحر الصغير في يده، ويده يدُ غاصبة، وهذا قول في المذهب والمشهور في المذهب خلاف هذا وأنه ليس فيه الدية وهو الراجح. وذلك لأن هذا الحر الصغير ليس بمال وعليه فلا يدخل تحت اليد، فكونه يتلف تحت هذه اليد الغاصبة لا يعني شيئاً ما دام أن هذه اليد لم تعتد عليه وذلك لأنه ليس بمال. قال: [أو غل حراً مكلفاً وقيّده فمات بالصاعقة أو الحية وجبت الدية فيهما] .

стр. 3013

إذا غلَّ حراً مكلفاً في عنقه وفي يده، وقيّده برجليه فمات بالصاعقة أو الحية وجبت الدية، وكذلك لو قيّده في رجليه من غير أن يغُله لأنه إذا قيده في رجليه فإنه لا يستطيع الهرب من الصاعقة أو الحية بخلاف ما إذا غّله في عنقه أو يده فإنه يتمكن من الهروب من الموضع الذي أصابته الصاعقة فيه أو نهشته الحية فيه وكان ذلك بسبب هذا الحابس. فإذا غله في يده في دار تحتاج إلى أن يفتح الباب فإن الحكم كذلك، بخلاف ما لو كان في فضاء وغلت يده فإنه يمكنه الهروب. فتجب عليه الدية لأنه هو المتسبب في قتله والمتسبب تجب عليه الدية كما تقدم. " فصل" قال ﵀: [وإذا أدب الرجل ولده، أو سلطان رعيته أو معلم صبية ولم يسرف لم يضمن ما تلف به] . إذا أدب رجل ولده، أو سلطان رعيته، أو معلم كمعلم القرآن صبيه ولم يسرف، لا في العدد ولا في الشدة ولم يكن هذا المؤدّب ليس محلاً للتأديب كمن لا يعقل كالصبي غير المميز أو غير العاقل، فإنه لا يضمن ما تلف به حتى لو مات المؤدّب. وذلك لأن هذا الفعل مأذون فيه شرعاً، وما ترتب على المأذون فيه فليس بمضمون كالحد، فكما أن الحاكم لو ضرب الزاني مائة سوط فمات بذلك فلا ضمان لأنه فعل مأذون فيه شرعاً فكذلك هنا. قال: [ولو كان التأديب لحامل فأسقطت جنيناً ضمنه المؤدب] . فإذا كان التأديب لحامل فأسقطت جنيناً فإنه يضمنه المؤدّب لأنه هلك بسببه، فالإذن وارد في المرأة وأما الصبي فإن هذا التلف قد حصل بسبب المؤدب ولم يؤذن له في ذلك، وإن لم يكن هذا من فعله بل كان خطئاً لأن الخطأ من أنواع الجناية كما تقدم فلا إثم عليه لكن فيه الضمان. قال: [وإن طلب السلطان امرأة لكشف حق الله تعالى أو استدعى عليها رجل بالشرط في دعوى له فأسقطت ضمنه السلطان والمستعدي] .

стр. 3014

إذا طلب السلطان امرأة لكشف حق الله تعالى كحدّ أي تكون متهمة بالزنا ونحوه أو تعزير أو غيره كحقِ آدمي فأسقطت ضمنه السلطان أو استعدى عليها رجل بالشرط في دعوى له ولو كان ذلك عن طريق القاضي فأسقطت ضمنه المستعدي. وذلك لأن الهلاك بسبب فعلهما، وفي مصنف عبد الرزاق: أن امرأة كان يدخل عليها رجل فأرسل إليها عمر ففزعت فأسقطت فاستشار الصحابة فمنهم من قال لا شي عليك، وقال علي أما الإثم فنعم وأما الضمان فعليك فقضى بذلك عمر، وإسناده ضعيف ولم أر خلافاً بين أهل العلم في هذه المسألة. قال: [ولو ماتت فزعاً لم يضمنا] . فإذا طلب السلطان امرأة أو استعدى عليها رجل بالشرط في دعوى له فماتت فزعاً لم يضمنا، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وقول في المذهب وهو مذهب الشافعية وممن اختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعيد. القول الثاني وهو المشهور في المذهب أن عليهما الضمان. قالوا: لأن الهلاك بسببهما، أي بسبب السلطان في المسألة الأولى وبسبب المستعدي في المسألة الثانية. وحجة أهل القول الأول في أنه لا ضمان عليهما، أنه فعل مأذون فيه شرعاً، فالقاضي قد فعل ما هو مأذون فيه شرعاً من طلب المرأة لكشف حق الله تعالى. والمستعدي مأذون له في ذلك شرعاً، إن قد فعل ما هو مأذون له فيه وما ترتب على المأذون فهو ليس بمضمون وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة. وعليه: لو لم يكن مأذوناً له في ذلك بل كان متعدياً فحينئذ عليه الضمان. فلو طلبها السلطان على وجه التعدي فلم يتحر ولم يتثبت بل تعجّل في طلبها وفرّط في التثبت في ذلك فعليه الضمان والمستعدي إذا كان ظالماً لها فليس عليها حق له، فإن الضمان يثبت وذلك لأن هذا الفعل ليس بمأذون فيه. قال: [ومن أمر شخصاً مكلفاً أن ينزل بئراً، أو يصعد شجرة فهلك به لم يضمنه ولو أن الآمر سلطان] . إذا أمر شخصاً مكلفاً أن ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك هذا المكلف فإنه لا يضمنه.

стр. 3015

وذلك: لأنه لم يكرهه فلم يكن سبباً في إهلاكه، ولو كان الآمر سلطاناً لأنه لم يكرهه ولم يحصل منه تعدٍ. قال: [كما لو استأجره سلطان أو غيره] . فإذا استأجر سلطان أو غيره لحفر بئرٍ، أو صعد شجرة فهلك فإنه لا يضمن، فكذلك إذا أمره بالاستئجار على غير وجه الإكراه، ففي كلا المسألتين لا يضمن لأنه لم يتعّد. وفي قوله: " ومن أمر شخصاً مكلفا" يدل على أنه لو كان المأمور غير مكلفٍ فإن عليه الضمان. والذي يتبيّن أن هذا ليس على الإطلاق بل متى ما كان على وجه التعدي. فلو أمره أن ينزل بئراً، ولم يكن هذا الصبي ممن يحسن ذلك فإنه حينئذ يكون عليه الضمان لتعديه. وأما لو أمره بما يحسنه بأن يرسله في حاجة أو نحو ذلك فيحصل له هلاك ولا يكون في ذلك شيء من التعدي فالذي يرجح ألاّ ضمان عليه. " باب مقادير ديات النفس ". قال ﵀: [دية الحر المسلم مائة بعير أو ألف مثقال ذهباً أو اثنا عشر ألف درهم فضه أو مائتا بقرة أو ألفا شاه] . وفي الحُلّة روايتان: الرواية الأولى: وهي المشهور: أنها ليست من أصول الدية. الرواية الثانية: أنها من أصول الدية، وفي ذلك مائتا حُلةً. هذه هي أصول الدية في المشهور من المذهب وهي خمس، الأصل الأول، الإبل، والثاني: الذهب، والثالث: الفضة، والرابع: البقر، والخامس: الغنم. قال: [فهذه أصول الدية فأيها أحضر من تلزمه لزم الولي قبوله] . فإذا أعطاه مائتي بقرة فإنه يجب عليه أن يقبل، أو أعطاه ألفي شاه، فيجب عليه أن يقبل وهكذا. واستدلوا: بما روى أهل السنن عن ابن عباس: "أن رجلاً قتل فقضى النبي ﷺ ?أن ديته اثنا عشر ألفاً"?هذا في الفضة. وفي الذهب: بما روى النسائي وغيره أن النبي ﷺ ?قال: (وعلى أهل الذهب ألف دينار) من حديث عمرو بن حزم.
следующие страницы →