← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

واستدلوا: بما تقدم من حديث الأعرابي (١) فإنه فيه أنه قد غسل مرة واحدة ولا فرق بين النجاسة في الأرض ولا في غيرها. وأصرح منه – وهو ما يكون في غير الأرض – ما ثبت في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر – وقد سألت النبي ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب فقال ﷺ : (تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه وتصلي فيه) (٢) ولم يشترط النبي ﷺ عدداً. والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فقد حكمنا على هذا الثوب بأنه نجس لوجود هذه النجاسة، فإذا زالت بغسلة واحدة وذهب أثرها فإن المحل يكون طاهراً؛ لأن هذا الثوب إنما حكم عليه بالتنجيس وهو ما تسمى بالنجاسة الحكمية –إنما حكم عليه بذلك لوجود هذه النجاسة – فما دام أنها ذهبت بغسلة واحدة فإن المحل يطهر. فإن لم تذهب بواحدة – فحينئذ – يكرر حتى تزول النجاسة.

стр. 352

فإن بقي ما لا يمكن إزالته كرائحة أو لون ونحو ذلك فلا حرج في ذلك لما ثبت في الترمذي – والحديث حسن – فإنه من حديث ابن لهيعة وقد رواه عنه بعض العبادلة، وروايتهم عنه حسنه وله شواهد من الشرع تدل عليه أن خولة قالت للنبي ﷺ : فإن لم يذهب الدم؟ أي دم الحيض، فقال ﷺ : (يكفيك الماء ولا يضرك أثره) (١) . فإذا عجز المكلف عن إزالة أثر النجاسة فإن الحرج مرفوع، فيكفيه ما فعل من الغسل ولا يضره هذا الأثر. إذن: مذهب الحنابلة أن الموضع إذا وقعت عليه نجاسة سوى النجاسة المتقدمة فإنه يغسل سبع مرات. والمراد بسبع مرات: هكذا على الحقيقة وليس المراد بعد التطهير، فلو كانت السادسة وقعت على النجاسة، والنجاسة ما زالت ثم أزالته السابعة فإن هذه سبع غسلات. إذن: يغسله الغسلة الأولى وإن كانت النجاسة لم تذهب بها ثم الثانية كذلك ثم الثالثة كذلك، المقصود أن تذهب بالسابعة، فإن لم تذهب بالسابعة فيغسله ثامنة أو تاسعة حتى تزول النجاسة. والحمد لله رب العالمين الدرس الأربعون (يوم الاثنين: ٢٦ / ١٢ / ١٤١٤هـ) قال المؤلف ﵀: (ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك) إذا وقع على ثوب نجاسة فأصابتها الشمس فزالت ولم يبق لها أثر لا طعم ولا ريح، أو ذهبت تلك النجاسة بالريح، كأن تذهب بسبب ريح شديدة، والمقصود من ذلك: ذهاب تام بحيث لم يبق لها أثر في المحل. أو كان المحل نحو مرآة أو سيف أو سكين فوقعت عليه نجاسة كالدم – على قول من قال بنجاسته – فدُلك فزالت نجاسته، فهل يحكم بنجاسة المحل أم لا – في كل هذه المسائل؟ قال هنا: (ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك)

стр. 353

وقد تقدم الكلام في هذا في باب المياه، وأن الماء الطهور هو ما لا يزيل النجس الطارئ غيره، وقد تقدم دليل المذهب. وتقدم رجحان ما ذهب إليه أبو حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: من أن هذا المحل طاهر. ودليل ذلك: ما روى البخاري وأبو داود من حديث ابن عمر من أن الكلاب كانت تبول وتقبل وتدبر في المسجد ولم تكن تغسل محالها (١) . ولو كانت باقية، لوجب تغسليها، فتبين أنها كانت تذهب بنحو شمس أو ريح إذ لو كانت باقية لوجب تغسيلها. وبما ثبت في أبي داود أن النبي ﷺ قال: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر ماذا رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما) (٢) فأمر بالمسح وهو الدلك – الذي تثبت فيه إزالة النجاسة. فالراجح: أن النجاسة متى زالت بأي مزيل من المزيلات بحيث إنه لم يبق للنجاسة أثر سواء كان ذلك بدلك أو ريح أو شمس فإن المحل يطهر، ومحل هذا حيث تذهب النجاسة فلا تبقى لها أثر. قال: (ولا استحالة) يقال: استحال الشيء عما كان عليه: أي زال، وذلك بأن يتحول من صورة إلى أخرى أو من مادة إلى مادة أخرى.

стр. 354

كتحول الدم والصديد واللحم في الميتة إلى تراب وكتحول الروث النجس إلى رماد ونحو ذلك فهل هذه المتحول إليها طاهرة أم نجسة؟ هنا: المذهب يقول: إنها نجسة وإنها لا تطهر. فعلى ذلك: التراب الذي دفن فيه الإنسان فتطاول الزمن عليه فتحول بما فيه من صديد ودم – وهذا على القول بأن الصديد نجس – أو كانت ميتة أخرى من التي يحكم بنجاستها، فتحولت إلى تراب أو إلى ملح أو تحول هذا الروث إلى رماد أو الدخان المتحلل من الشيء النجس كأن يحرق شيء نجس فيخرج منه غبار: - فذهب الحنابلة إلى إنها نجسة واستدلوا: بما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما أن النبي صلي الله عليه وسلم: (نهى عن الجلالة) (١)

стр. 355

وسيأتي الكلام على هذا الحديث في بابه – إن شاء الله -. قالوا: إنما هذا النهي لنجاستها، لكون هذه النجاسات ثابتة فيها باقية، ومعلوم أن هذه النجاسات قد تحولت إلى دم ونحوه فإنها ليست كهيئتها السابقة بل تحولت في هذا الحيوان إلى مادة أخرى، ومع ذلك فإن الشارع نهى عنها. لكن هذا الاستدلال ضعيف، إذ ليس في الحديث أن ذلك لنجاستها ولكن لقاعدة الشريعة في تحريم ما خبث طعمه كما حرم ما يأكل الجيف، وسيأتي الكلام عليه في باب الأطعمة. والحنابلة – وهم القائلون هنا بأن الاستحالة لا تحول الشيء إلى شيء ظاهر، مستدلين كذلك بالجلالة – هم أنفسهم يقولون إنها متى حبست – أي الجلالة – ثلاثة أيام كما هو مذهب ابن عمر فمتى حبست فإنها تطهر. ومعلوم أن هذا الدم قد نبت منه بعض اللحم، ومجرد الحبس لا يغير الحكم، فإنه متى نبت لحمها وحبست بعد ذلك أياماً يسيرة فإن هذا لا يغير من الحكم شيـ[ـئاً] . إذن: يدل على حرمتها بجريان هذا الدم الذي ما زال قريباً بالنجاسة فمتى منعت من الطعام زمناً وتؤكد بعد هذا الزمن من أن هذا الخبث قد ذهب وإن كان قد تحول إلى مادة أخرى فإنها تحل. - وذهب أبو حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: إلى أن الاستحالة تطهر بها الأعيان. ولكن مع ذلك ينبغي ألا يقال إنها تطهر بالاستحالة؛ ذلك: لأن ليس مجرد الاستحالة هو سبب الطهارة، بل سببها إنها انتقلت إلى عين أخرى هذه العين عين طاهر. واستدلوا: بأن الشارع وقد حكم بتنجيس هذه العين التي قد استحالت إلى مادة أخرى قد حكم بنجاستها لما فيها من الخبث، وأما وقد تحولت إلى مادة أخرى وهي مادة حكم الشارع بطهارتها كتراب أو ملح أو رماد أو نحو ذلك، فهذه مادة طيبة قد حكم الشارع بطهارتها ولم يبق اسم ولا معنى مما حكم الشارع بنجاستها.

стр. 356

فما حكم الشارع بنجاسته كالروث مثلاً: قد تحول إلى رماد فلم يبق فيه ما في الروث من المعنى، وكذلك لم يبق فيه التسمية فهي مادة طاهرة، وكذلك الملح والتراب. والنبي ﷺ لما بنى مسجده أمر بنبش ما فيه من قبور المشركين ولم يأمر النبي ﷺ بحمل التراب الذي حوله ومن المعلوم أن من الدم والصديد ما تحول إلى تراب – وهذا على القول بأن الدم والصديد نجس فيكون رد على المذهب ومن قال بقوله -. فالراجح: مذهب أهل القول الثاني وأنه متى استحال إلى مادة أخرى فإن هذه العين تكون طاهرة فلا معنى للحكم بنجاستها وهي مادة أخرى، مادة لها نظير آخر قد حكم الشارع بطيبه ولم يبق للنجاسة اسم ولا معنى وهذا حيث زالت النجاسة تماماً فلم يبق لا لون ولا طعم ولا ريح. قوله: (غير الخمرة) أي الخمر فالخمر إذا تحول إلى مادة طيبة من الطيبات فإنه – حينئذ – يكون طاهراً. واعلم أن الخمر فيه خلاف بين أهل العلم هل هو نجس أم طاهر؟ فذهب جمهور أهل العلم: إلى أن الخمر نجس واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ (١) . قالوا: والرجس هو النجس، كما قال تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتا أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (٢) قالوا: أي نجس فالآية الأولى نظير الآية الثانية. قالوا: فيدل هذا على نجاسة الخمر. فإن قيل: فلم لم تحكموا على الأزلام والميسر والأنصاب – بالنجاسة فهي ليست نجسة حساً عندكم؟ قالوا: هذه أخرجها الإجماع، فقد أجمع العلماء على أن نجاستها ليست حسية بل معنوية. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم وقد حكى هذا القول إجماعاً، لكن هذا الإجماع ليس بصحيح لوجود المخالف.

стр. 357

- وقد ذهب بعض أهل العلم وهو قول داود والمزني والليث بن سعد وربيعة وذهب إليه بعض المتأخرين وممن اختاره الصنعاني وغيره: أن الخمرة طاهرة وليست بنجسة. واستدلوا: بالأصل وأن الأصل في الأشياء الطهارة وكون الشيء يحرم لا يعني تنجسه،فإن الشارع قد حرم الأنصاب والأزلام وهي ليست نجسة بالأصل فليس كل محرم نجس، فالأصل في الأشياء الطهارة وهذه منها. قالوا: وقد ثبت في البخاري عن أنس بن مالك قال: (لما حرم الخمر خرج الناس وأراقوها في الطرقات) (١) . قالوا: والاستدلال بهذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: إيقاع النجاسات في طرق الناس محرم فلو كانت الخمر نجسة لما جاز أن تراق في طرقات الناس كما تقدم من تحريم التبرز ونحوه في الطريق فهذا محرم وكذلك غيره من النجاسات، فلو كانت الخمر نجسة لما جاز أن تراق في الطرقات. والوجه الثاني: أنه لابد وأن يصيب الماشي وهو ذاهب إلى الصلاة شيء منها، ومع ذلك فإن النبي ﷺ لم يأمرهم أن يغسلوا ما تقع عليه الخمرة في أبدانهم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. لكن في الاستدلال بهذا الدليل من هذين الوجهين نظر: أما الوجه الأول: وهو قولهم: أن في إراقتها في الطرقات تنجيس لها وهو محرم.

стр. 358

فلأهل القول الأول أن يقولوا: إن فعل ذلك لمصلحة شرعية راجحة وهي إظهار ترك هذا المحرم الذي قد اعتاد عليه العرب وألِفوه، وفي ذلك تشجيع للناس على تركه فلهذه المصلحة العظيمة جاز أن يراق وإن كان نجساً ولا شك أنه سيذهب بعد زمن يسير بالشمس أو الريح أو نحو ذلك، وبقاؤه على هذه الصورة فيه مصلحة عظيمة للتعاون على ترك هذا المنكر وإظهار حرمته. وأما الوجه الثانية: وهو قولهم: أنه لو كان نجساً لأمر النبي ﷺ من يأتي إلى المسجد أن يغسل ما يصيبه منه، وهو كثيراً ما يصيب المشاة إلى المسجد. فهذا فيه نظر – على قول الجمهور – وهو أن يقولوا: إن الله قال ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ فما دام أن الله قال ذلك فلا يحتاج إلى أن يبين النبي ﷺ ذلك. ومع ذلك: فإن الراجح القول الثاني وذلك لصحة الدليل الأول وهو الأصل فإن الأصل في الأشياء الإباحة. وأما الاستدلال بالآية: ﴿إنما الخمر والميسر ....﴾ فإن الرجس في لغة العرب هو القذر ولا يلزم في ذلك أن يكون نجساً حسياً فلا يلزم من القذارة النجاسة الحسية فكم من شيء قذر ومع ذلك ليس بنجس فليس كل شيء مستقذر يستقذره الناس ويحكمون عليه بالقذارة ليس كل ذلك نجساً، فإذا ثبت هذا فإن الآية لا تدل إلا على أنه قذر. والأظهر فيها أن المراد بالنجاسة هنا: المعنوية وليس الحسية وذلك لقرينتين اثنتين: القرينة الأولى: قوله تعالى عاطفاً الثلاث على أن نجاستها نجاسة معنوية وهي قوله: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ فهذه الثلاثة بالإجماع طاهرة العين نجسة المعنى، فكذلك الخمر فهذه القرينة تقوي أن الخمر نجاستها نجاسة معنوية. القرينة الثانية: قوله: ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ فحكم عليها بالنجاسة مرتبطاً ذلك بكونه من عمل الشيطان.

стр. 359

وأما النجاسة التي يخلقها الله طبيعة فإنها نجاسة لا يقال فيها إنها من عمل الشيطان فإنها نجاسة طبيعية أصلية حقيقة في هذا الشيء. فدل على أن قوله: ﴿من عمل الشيطان﴾ أي نجاسة عملية معنوية، أي هذا من عمل الشيطان في الناس من النجاسة التي يزرعها الشيطان في الناس لما في الخمر من إلقاء العداوة والبغضاء وترك ذكر الله والصلاة ونحو ذلك مما هو من عمل الشيطان. فعلى ذلك: الراجح أن الرجس هنا: هو الرجس المعنوي. إذن: الخمر طاهرة وليست بنجسة، فإذا أصاب البدن منها شيء – ومن ذلك هذه الأطياب التي يتطيب بها فإنها من الخمر – فإنها ليست بنجسة على الراجح من قول أهل العلم. والمسألة المرتبطة بالمسائل السابقة: هي أن الخمر إذا تحولت بنفسها فتحولت إلى خل بعد أن كانت خمراً فحينئذ يحكم بطاهرتها. وقد قالوا بطهارتها: لأن الخل عين أخرى فليست خمراً وإنما خل، والخل طاهر. لكنهم: قالوا: هي في الأصل أشياء طاهرة فحولت إلى خمر ثم رجعت إلى أصلها. والجواب على ذلك: أن يقال: كذلك النجاسات فقد كانت في الأصل أطعمة ثم تحولت إلى قذر ثم تحولت بالاستحالة إلى مواد أخرى، فالدم مثلاً – إذا حكمنا بنجاسته – أصله طعام وشراب طاهر فتحول إلى شيء نجس وهو الدم ثم عاد بعد ذلك إلى عين أخرى طاهرة. * واعلم أن الخمر إذا تخللت بنفسها من غير عمل فإن ذلك جائز بإجماع العلماء، فلا حرمة في ذلك، فبالإجماع هي طاهرة، فهذا هو فعل الله فيها وهذا قول عمر كما في البيهقي (١) ولا يعلم في هذه المسألة خلافاً.

стр. 360

أما إذا خللت الخمر ووضعت إليها مواد فرجعت إلى خل، فهذا الفعل اتفاقاً محرم لا يجوز؛ لما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ : سئل عن الخمر تتخذ خلاً قال: (لا) (١) أي لا يجوز ذلك، فلا يجوز تحويل الخمر إلى خل بل يراق. * لكنها إن خللت فهل تكون طاهرة أم نجسة؟ قولان لأهل العلم هما قولان في مذهب أحمد وغيره. والراجح: أنها طاهرة كما تقدم، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة،وقول في مذهب الإمام أحمد، وأنها إذا خللت فهذا الفعل محرم ولا يجوز أن تطعم لكنها مع ذلك طاهرة فهي طاهرة، لكن هذا التخليل منه هو آثم لمخالفة النبي ﷺ . لذا قال: (فإن خللت – إلى أن قال - لم تطهر) هذا هو المذهب، فالمشهور في المذهب أنها إذا خللت فإنها لا تطهر. والراجح وهو قول في المذهب أنها تطهر كما تقدم. قوله: (أو تنجس دهن مائع لم يطهر) إذا كان عندنا دهن مائع يبلغ الشيء الكثير جداً، فوقعت فيه نجاسة، ولو كانت هذه النجاسة يسيرة – وهو مائع – فإنه نجس ولا يحل أن يطعم، ولا يطهر. وقيَّد ذلك بمائع، لأنه لابد أن يكون مائعاً لترتب هذا الحكم. أما إذا كان جامداً فإنه تزال النجاسة وما حولها ويطعم الباقي. وأما المائع فإنه يراق مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً – إذا وقعت فيه نجاسة – ولا يطهر. وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.

стр. 361

واستدلوا: بما رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: (إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه) (١)

стр. 362

- وذهب أبو حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أنه لا يتنجس إلا بالتغير كحكم الماء تماماً، ويمكن أن تزال النجاسة بأي طريقة من طرق الإزالة كما تقدم في الماء تماماً. فإذا وقع شيء يسير من النجاسة في زيت كثير ولم يغيره فهو طاهر، وإذا غيره فأضيف إليه شيء من الزيت فذهب التغير وزال أثر النجاسة فهو طاهر. واستدلوا: بما روى البخاري من حديث سفيان عن الزهري إلى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (في فأرة سقطت في سمن فماتت: (ألقوها وما حولها وكلوه) (١) ولم يفرّق النبي ﷺ بين أن يكون مائعاً أو جامداً. وهذا مذهب ابن عباس وابن مسعود – كما رواه عنهما الإمام أحمد في مسائله، وهو مذهب طائفة من السلف وهو اختيار شيخ الإسلام – وأنه لا فرق بين جامد ومائع بل تلقى النجاسة وما حولها ثم ينظر في المتبقي، فإن كان هذا الزيت - مثلاً – المتبقي متغير بالنجاسة فهو نجس وإن لم يتغير بالنجاسة لا طعماً ولا لوناً ولا ريحاً فإنه طاهر. وأجابوا عن الحديث الأول بأنه معلول، فإن معمراً باتفاق علماء الرجال – كما قال شيخ الإسلام – كثير الغلط على الزهري، وهذا من غلطه عليه، فإن الرواة عن الزهري كما رووه بهذا اللفظ المتقدم، وغلط معمر فرواه بسند آخر إلى أبي هريرة فأخطأ في الإسناد ثم أخطأ في المتن بذكر الجامد، فهو وهم وغلط منه كما قرر ذلك البخاري والترمذي وأبو حاتم والدارقطني وكذلك ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أهل العلم، فعلى ذلك الحديث ضعيف لأنه معلول.

стр. 363

وعلى ذلك الراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني: وأن النجاسة إذا وقعت في المائعات من دهن أو غير ذلك أو وقعت في بعض الأطعمة ونحوها، فإننا نزيل النجاسة وما حولها مما تنجس، وإن كان الزيت أو غيره طاهراً لم يتغير بالنجاسة فهو على ظاهره طاهر، وأما إن كان متغيراً بالنجاسة وأمكن إزالة النجاسة عنه بأي طريقة فأزيلت فإنه يطهر أيضاً، كحكم الماء تماماً. ولا شك أن هذا أولى من الماء؛ لما فيه من إفساد المال بوقوع أدنى نجاسة فيه. قوله: (وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يُجزم بزواله) إذا خفي موضع نجاسة وكان الموضع ضيقاً لا مشقة في تغسيله كله كأن تقع نجاسة على ثوب أو على موضع صلاة صغير أو نحو ذلك يمكن أن ينظف كله ولا مشقة في ذلك فوقعت النجاسة ولا يدرى موضعها فإننا نغسل كل الموضع حتى نتيقن من زوال النجاسة. أما إذا كان واسعاً كأن يكون بقعة من الأرض في فضاء أو نحو ذلك فإنه – حينئذ – لا يجب عليه ذلك بل يتحرى في أي موضع النجاسة ثم يغسله لمشقة غسل الموضع كله، بل يغسل ما يتوقع فيه النجاسة أو يتحرى فيغسل هذا الموضع الذي يظن أن النجاسة واقعة فيه. فإذا لم يكن هناك ظن فإنه يصلي حيث شاء من المواضع ولا شيء عليه في ذلك. أما إذا يمكن أن يغسله كله ولا مشقة في ذلك فيجب عليه أن يغسله كله. والحمد لله رب العالمين. الدرس الحادي والأربعون (يوم الثلاثاء: ٢٧ / ١٢ / ١٤١٤ هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه) " بول " دون غائطه. " غلام " وهو الصبي الذي لم يبلغ، ويقابله الجارية وهي الصبية التي لم تبلغ. " لم يأكل الطعام " فطعامه لبن أمه أو غيره، ولا يكون الطعام أي ليس الطعام المأكول من خبز أو نحوه فليس هو مطعمه بخلاف ما قد يوضع فيه مما لا يكون عن اختيار منه فإن هذا لا يعتبر أكلاً يثبت تغير الحكم عليه، كأن يوضع في فيه شيء من التمر أو يلعق عسلاً أو نحو ذلك.

стр. 364

" بنضحه " النضح هو الرش أي الغمر والمكاثرة بالماء من غير أن يجري الماء كما يجري في الغسل، بل مجرد ما يريق الماء على موضع النجاسة مكاثرة وغمراً لها به غير أن يكون بإزالته واستخراجه، فهذا هو النصح. ودليل ذلك: ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وغيرهم بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (ينضح من بول الغلام ويغسل من بول الجارية) (١) .

стр. 365

وثبت في الصحيحين من حديث أم قيس ﵂ قالت: (جئت النبي ﷺ بابن لي لم يأكل الطعام فأجلسه النبي ﷺ في حجره فبال عليه فدعا بماء ونضحه ولم يغسله) (١) فإذن وهذا مختص بالغلام الذي لم يأكل الطعام أما غيره والجارية فإنه يجب فيه الغسل. وهل يقاس عليه القيء أم لا؟ قالوا: ويقاس عليه القيء إذا كان من غلام لم يأكل الطعام، وهذا مبني على ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن القيء نجس، والقيء هو: ما يخرج من الطعام من المعدة. وجمهور العلماء على أنه نجس، فعلى ذلك يجب غسل ما يصيب من الثياب. وهذا من باب القياس، فقاسوه على البول والغائط، فكما أن هذا مستخرج من الطعام فكذلك هذا فهذا من باب القياس. وهذا قد حدث به من النتن والفساد كما حدث في البول والغائط ولما روى الدارقطني والبيهقي عن عمار بن ياسر أن النبي ﷺ قال له: (إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والمذي والدم والقيء) (٢) . لكن الحديث ضعيف وقد ضعفه البيهقي والدارقطني.

стр. 366

* وذهب بعض أهل العلم وهو مذهب الظاهرية: إلى أن القيء ليس بنجس واختاره الشوكاني؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة، وقياسه على البول والغائط ليس أولى من قياسه على المخاط والعرق فإنها – كذلك – يخرج من البدن وقد ظهر فيها نتن وفساد وهي متحللة من طعام، وقد دلت الأدلة الشرعية – وهو مذهب الحنابلة – على أن المخاط والعرق طاهر، ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليفعل هكذا فتفل في ثوبه فمسح ببعضه بعض) (١) وهذا في الصلاة، فإذا ثبت فمعلوم أن الصلاة لا يحل أن يقع في ضمنها شيء من النجاسة فهذا يدل على أن النخامة (٢) ليست بنجسة. وقياس القيء به أولى من قياسه بالغائط والبول، وحقيقة القيء إنما هو هذا الطعام الذي دخل إلى المعدة فخرج بسبب المرض متغيراً بشيء من الفساد والنتن فمثل هذا لا يقال بنجاسته، فإن نقل هذا الطعام إلى النجاسة بسبب تغيره في المعدة لا يدل على نجاسته. فالراجح: أن القيء ليس بنجس. وإذا قلنا بنجاسته فإن ما يقع من الصبي الغلام الذي لم يأكل الطعام فإنه يكفي في قيئه النضح، ويجب الغسل فيما يكون من الجارية والغلام الذي يأكل الطعام كما يكون ذلك في البول.

стр. 367

قوله: (ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر) " ويعفى ": فهذا في النجاسة المعفو عنها. " في غير مائع ": من ماء أو زيت ونحوهما. " ومطعوم ": كالخبز أو نحو ذلك. " عن يسير ": عرفاً. " دم نجس ": لا دم طاهر، فإن الدم الطاهر معفو عنه كله، فكله عفو. ومثلوا للدم الطاهر بدم الشهداء فإنه طاهر؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بغسله. ومثل ذلك: دم مأكول البحر، فما يخرج من مأكول البحر من الدم فهو طاهر. إذن: إذا وقع دم نجس كالدم الذي يخرج من البهيمة، أو من الآدمي على المذهب فإذا وقع شيء من هذه الدماء - الدماء خاصة ليس سائر النجاسات – إذا وقع على ثوب أو بقعة – لا على ماء أو زيت وكان ذلك على (١) حيوان طاهر ليس من حيوان نجس ككلب أو خنزير فإنه لا تعفى منه. إذن: يعفى من النجاسات عن الدم النجس اليسير إذا كان من حيوان طاهر وكان وقوعه على ثوب أو نحوه. وهذه التفاصيل في الحقيقة لا دليل عليها. - لذا ذهب شيخ الإسلام ﵀ وهو مذهب أبي حنيفة: إلى أنه يعفى عن يسير النجاسات مطلقاً سواء كانت في مائع أو غيره ولكن بقيد: وهو أن يكون يشق التحرز منها. قياساً على النجاسة المعفو عنها في موضع الاستجمار، فإن الاستجمار لا يذهب أثر النجاسة كما هو معلوم، وما يبقي بعد الأثر معفو عنه، فقد عفي عنه لمشقة التحرز منه فكذلك عامة النجاسات التي يشق التحرز عنها فإنه يعفى عن يسيرها. والمراد باليسير: اليسير عرفاً. مثال ذلك: رجل يشتغل بالجزارة فإنه قد يتساقط على ثوبه قطرات من الدم يشق عليه أن يتحرز منها ليصلي – دائماً – بثوب خال من ذلك، فإنه عندما يصلي وعليه شيء من القطرات اليسيرة فلا بأس بذلك.

стр. 368

ومثاله أيضاً: في المجروح، فإنه إذا توقف عنه الدم فإنه يبقى في موضع الدم قطرات – وقلنا: على المذهب بأن الدم من الآدمي نجس – فإن هذه القطرات التي تكون في موضع الجرح معفو عنها. قال: (وعن أثر استجمار بمحله) كما تقدم. " بمحله ": أي موضع الاستجمار. وأما إذا خرج بسبب عرق أو نحوه إلى الثوب فإنه لا يعفى عنه. وهذا ضعيف، فإنه من المعلوم أن مثل هذا يقع غالباً كما يكون هذا في الاستجمار، فإذا وقع على الثوب المقابل لموضع الاستجمار فإنه لا حرج فيه، فإن النبي ﷺ لم يأمر بغسله وهذه رواية عن الإمام أحمد اختارها ابن القيم والشيخ عبد الرحمن السعدي وغيرهما. * وعند لفظة الدم: اعلم أن جماهير العلماء على أن الدماء الأصل فيها النجاسة سوى ما دلت الأدلة الشرعية على استثنائه كدم الشهداء، وكدم مأكول اللحم البحري وكالدم الذي يكون في اللحم المذبوح وما يكون في العروق فإن هذا كله معفو عنه وأما سواه من الدم فإنه نجس – هذا مذهب جمهور الفقهاء -. فعلى ذلك: دم الآدمي نجس، ودم مأكول اللحم البري كالشاة ونحوها نجس، وكذلك غيرها من الدماء. واستدلوا: بقوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس " أي نجس " أو فسقاً أهل لغير الله به﴾ أي لا أجد فيما أوحى إلى محرماً من الأطعمة إلا هذه الأربع وهي: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير فإنها رجس، والرابع هو الفسق الذي أهل به لغير الله وهو ما خرج به عن طاعة الله وأمره وشرعه ولو حيدة بأن ذبح لغير الله، فهذه الأربعة هي المحرمة وقد دلت الأدلة الشرعية على عدم الاكتفاء بها، فقد ورد بعد ذلك آيات وأحاديث مدنية تدل على مزيد من المحرمات وسيأتي ذلك – في باب الأطعمة إن شاء الله –.

стр. 369

- وذهب الظاهرية وهو اختيار الشوكاني: إلى نقيض القول المتقدم، وهو أن الدماء كلها طاهرة إلا (١) ما استثني بالنجاسة فدم الحيض قد دلت الأدلة الشرعية على نجاسته كقوله ﷺ : (تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه وتصلي فيه) (٢) قالوا: فهذا يدل على أن دم الحيض والنفاس نجس. وأما ما لم يرد الدليل بنجاسته فهو طاهر. واستدلوا: بالأصل، فإن الأصل في الأشياء هو الطهارة. والأظهر ما ذهب إليه جمهور العلماء، فإن الرجس في هذه الآية هو النجس وقرينة ذلك أن الله لما ذكر هذه الثلاثة وحكم عليها بالرجسية أضاف إليها بعد ذلك ما أهل به لغير الله من الفسق، ومعلوم أن ما أهل به لغير الله من الفسق رجس – كذلك – معنوي فإنه نجاسة معنوية كما أن الأزلام والميسر والأنصاب رجس معنوي، فإن هذا الذي أهل به لغير الله رجس معنوي، فعلم من ذلك أن المراد بالرجس في الثلاثة الأولى أنه الرجس الحسي وهو القذر الشرعي فالمراد به النجاسة التي حكم الشارع عليها بالنجاسة، فعلى ذلك: الميتة والدم ولحم الخنزير أنجاس لهذه الآية الكريمة. إذن: الراجح أن الدماء كلها نجسة سوى ما دلت الأدلة على استثنائه كدم الشهيد ونحوه. وهذا هو القول الراجح إلا أنه ينبغي أن يستثنى دم الآدمي مطلقاً خلافاً للجمهور، لأن الأدلة الشرعية دلت على ذلك:

стр. 370

فمنها ما تقدم في قصة عباد بن بشر وعمار بن ياسر فلما صلى في ثوبه عباد أصابه السهم فانتزعه وقد أهريق الدم على ثوبه ثم أتى السهم الثاني ثم الثالث وهو في صلاته وكان ذلك في غزوة مع النبي ﷺ ولابد أن مثل هذا يبلغ النبي ﷺ وقد أقره على أن هذا ليس بنجس إذ لو كان نجساً لبين له النبي ﷺ أنه يجب عليه أن يقطع صلاته وما زال المسلمون يصلون بجراحاتهم، كما قال الحسن البصري (١) وقد تقدم البحث في هذه المسألة في باب سابق فالراجح أن دم الآدمي طاهر. ويقاس كذلك على ما يكون من الحيوانات طاهراً في الممات كميتة البحر وكما لا دم له فإنها طاهرة في الممات فيقاس عليها الآدمي فإنه طاهر في الحياة. فالراجح: أن دم الآدمي طاهر وأما سائر الدماء فإنها نجسة إلا دم الحيض والنفاس فإنه نجس للحديث. قال: (ولا ينجس الآدمي بالموت) الآدمي من مسلم وكافر لا ينجس بالموت، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (إن المؤمن لا ينجس) (٢) متفق عليه. ولما دلت عليه الأدلة الشرعية من وجوب غسل الميت فإن ذلك يدل على طهارته إذ لو كان نجساً بمماته لما شرع تغسيله إذ لا فائدة من ذلك.

стр. 371

ويقاس عليه الآدمي الكافر فإن حكم الطهارة والنجاسة فيهما واحد، وهي الطهارة الحسية وإنما الفارق بينهما في الطهارة أو النجاسة المعنوية، فالمؤمن طاهر حساً ومعنى، وأما الكافر فإنه طاهر حساً ونجس معنى، قال تعالى ﴿إنما المشركون نجس﴾ (١) أي في شركهم بالله تعالى بدليل جواز نكاح الكتابيات وحل ذبائحهم ولو كان الكفار أنجاساً حساً لما جاز ذلك ولأمر الناس أن يغسلوا أيديهم بمسهم فدل ذلك على أنهم طاهرون، وهذا مذهب جمهور أهل العلم. فالآدمي مطلقاً سواء كان كافراً أو مسلماً فهو طاهر وأما الكافر فنجاسته معنوية، فعلى ذلك لا تغسل الأيدي ولا الثياب التي لبسوها ومست أبدانهم ووقع عليها شيء من عرقهم فإن كل ذلك لا يؤثر لأنهم طاهرون حساً. وعرق الآدمي وريقه ومخاطه كل ذلك طاهر باتفاق العلماء. ودليل ذلك: ما تقدم من حديث النخامة وغيرها مثلها أو هو أولى منها بهذا الحكم. قال: (ومالا نفس له سائلة متولد من طاهر) " ومالا نفس ": أي ما لا دم له، فالنفس هنا هي الدم، وهذا معروف في لغة العرب؛ وذلك لأن قوام النفس بالدم فسمي نفساً. " سائلة ": أي ليس له دم يسيل إذا حدث قتل أو جرح فإنه لا يسيل دمه كالجراد والذباب والبعوض وغير ذلك مما لا دم له سائل. " متولد من طاهر ": هذا قيدٌ، فلا بد أن يتولد من طاهر، فإن تولد من نجس كما يكون من الحشرات في الحشوش ونحوها فهذا لا يدخل في هذا الحكم، لكن هذا مبني على عدم الطهارة بالاستحالة وهذا كما تقدم ضعيف. فالراجح: الطهارة بالاستحالة، إذن: هذا الاستثناء ليس بوجيه. فعلى ذلك: كل ما لا نفس له سائلة سواء تولد من شيء طاهر أو من شيء نجس فإنه طاهر ولا ينجس الماء ونحو ذلك، فإذا وقع شيء مما تقدم ذكره حياً كان أو ميتاً – في ماء ونحوه - فإنه لا ينجس هذا الماء ولو تغير به. فإذن: كل ما لا نفس له سائلة فإنه طاهر حياً وميتاً.

стр. 372

إذ العلة عند جماهير العلماء من تحريم الميتة والحكم بنجاستها هو الدم وهذا ليس له دم سائل. وقد دل على ذلك ما في البخاري أن النبي ﷺ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) (١) وهذا يدل على أن كل ما ليس له نفس سائلة فإن له هذا الحكم وأنه لا ينجس الإناء وأن ميته طاهر، وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثاني والأربعون (يوم الأربعاء: ٢٨ / ١٢ / ١٤١٤ هـ) قال المؤلف ﵀: (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه – إلى أن قال – طاهر) هذا في حكم بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه وأنها طاهرة. وما يؤكل لحمه: كبهيمة الأنعام وغيرها مما هو من المطعومات فإن بوله وروثه وريقه ومنيه طاهر. فإن بوله وروثه طاهران وكذلك من باب أولى منيه وريقه ودمعه ومخاطه وغير ذلك.

стр. 373

ودليل هذا: ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: (قدم ناس من عُكل أو عُرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﷺ أن يشربوا من أبوال الصدقة وألبانها) (١) أي أبوال الإبل وألبانها ولو كانت نجسة لما أمرهم النبي ﷺ أن يشربوا منها، لأنها نجسة والنجس محرم أن يطعم لقوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (٢) فالأنجاس لا يجوز أن تطعم ولو كان ذلك للتداوي بها. فإن الدواء لا يكون لأمة محمد بما حرم الله عليها كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ – في صحيح مسلم وغيره (٣) – ولم يأمرهم النبي ﷺ أن يغسلوا أفواههم ولا أوانيهم فدل ذلك على أنها طاهرة.

стр. 374

ويدل على ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (صلوا في مرابض الغنم) (١) ومعلوم أن مرابضها ومباركها لا تخلو من بول وروث فدل ذلك على أنها بقعة طاهرة مع وجود ما يكون فيها من البول والروث. فدل ذلك على أن أبوالها وأرواثها طاهرة، ومثل ذلك – بل أولى منه – المني والدمع والريق – ونحو ذلك. أما بول ما لا يؤكل لحمه وبول الآدمي فإنها نجسة بالاتفاق. أما الآدمي، فإن الأدلة عليه ظاهرة كقول النبي ﷺ : (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه) (٢) وقوله ﷺ – في الصحيحين -: (كان لا يستنزه من البول) (٣) ولفظة البول هنا: " أل" فيها عهدية بدليل ما ورد في البخاري: (من بوله) ، فلا يرد هذا على القول بطهارة أبوال الإبل، فإن البول هنا لا يدخل فيه بول الإبل ونحوها، بل المراد بذلك البول المعهود وهو بول الآدمي.

стр. 375

ويقاس عليه: بول ما لا يؤكل لحمه – بل أولى في هذا الحكم من بول الآدمي. بخلاف ما يؤكل لحمه فإنه طاهر. إذن: كل بول وروث فهو نجس سوى ما يكون مما يؤكل لحمه فإنه طاهر. قال: (ومني الآدمي) مني الآدمي طاهر. ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: (كنت أفركه من ثوب النبي ﷺ فركاً فيصلي فيه) (١) . وثبت في مسند أحمد وصحيح ابن خزيمة بإسناد صحيح عن عائشة قالت: " كان النبي ﷺ يسلت المني بعرف الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابساً فيصلي فيه " (٢) . إذا كان رطباً فإنه، فإنه يسلته بعود الإذخر، وإذا كان رطباً فإنه يحته ثم يصلي فيه. ومثل هذا يدل على أنه ليس بنجس لأن الأنجاس يجب غسلها أو نضحها، فلما كان كافياً في ذلك الفرك أو الحك أو الحت دل ذلك على أنه ليس بنجس. - وذهب الأحناف والمالكية: إلى أنه نجس. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: (كان النبي ﷺ يغسل المني) (٣) وقالت: (كنت أغسل المني من ثوب النبي ﷺ (٤) قالوا: فلما ثبت الغسل دل على أنه نجس.

стр. 376

لكن هذا ضعيف لثبوت الفرك، فدل هذا على [أن] الفرك والغسل ثابتان، فدل على أن الفرك يجزئ في المني، وما دام يجزئ فهذا يدل على أنه ليس نجس. فعلى ذلك يفرك ويغسل وكلاهما يثبت به السنة، ثم إنه أصل الخليقة بما فيهم أنبياء الله ورسله والصديقون والشهداء وبقية عباد الله الصالحين فلا يستقيم مع ذلك أن يكون نجساً (١) . ثم إن الأصل في الأشياء الطهارة، ولم يرد دليل صريح يدل على نجاسته بل ولا دليل ظاهر، بل الأدلة دالة على أنه طاهر وليس بنجس. قال: (ورطوبة فرج المرأة) رطوبة فرج المرأة طاهر أيضاً قالوا: قياساً على المني – هذا هو المذهب –. - وذهب الشافعي: إلى أنه نجس. واستدل: بما ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد قال: قلت لعثمان بن عفان: أرأيت الرجل يجامع امرأته ثم لا يمني فقال: (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره (٢) سمعت ذلك من النبي ﷺ ". أما الشطر الأول: وهو قوله: (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة) فقد دلت الأدلة الشرعية على نسخه كما تقدم هذا في باب الغسل وأن من جامع زوجته وإن لم ينزل يجب عليه الغسل ولا يجزئه الوضوء، وأن الوضوء رخصة في أول الإسلام. وأما الشطر الثاني: فهو محكم قال (ويغسل ذكره) وذلك من رطوبة فرجها فدل ذلك على نجاسته. وهذا القول أصح؛ فإن لفظة: (ويغسل ذكره) خبر بمعنى الإنشاء فيكون ذلك يدل على وجوب الغسل.

стр. 377

وأما أهل القول الأول فقالوا: هذا على الاستحباب. والأظهر هو الوجوب وأن رطوبة فرج المرأة نجس. وهل ينقض الوضوء أم لا؟ جمهور أهل العلم على أنه ينقض الوضوء، فإذا سال من فرجها انتقض وضوؤها من ذلك، لأنه خارج من السبيلين وكل خارج من السبيلين – كما تقدم- سواء كان معتاداً أو لم يكن – فإنه ينتقض به الوضوء – والمراد بالرطوبة الخارج، فما خرج من رطوبتها انتقض به وضوؤها. قال: (وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر) السؤر: هو بقية الشيء، والمراد به: بقية الطعام أو الشراب. فسؤر الهرة وما كان دونها في الخلقة من الطير أو الدواب التي تدب على الأرض، فكل ما كان مثلها في الخلقة أو دونها فإنه طاهر، وسؤره طاهر.

стр. 378

فإذا شرب من الماء فإنه لا ينجس بذلك، ودليل ذلك: ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال – في الهرة -: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم) (١) فهذا يدل على أنها ليست بنجس ويقاس عليها كل ما ماثلها في الخلقة أو كان دونها – كذا في المذهب –. لكن هذا القياس فيه نظر، لأن الشارع لم يعلل ذلك بحجمها وإنما علله بكونها من الطوافين علينا فيشق التحرز من نجاستها لقوله: (إنها من الطوافين عليكم) فهذا يدل على أن العلة كونها من الطوافين فيشق التحرز من نجاستها. ومع ذلك فإن ما ذكروه صحيح ولكن ليس لهذا القياس بل للأصل، فإن الأصل في الأشياء الطهارة فالهرة وما دونها في الخلقة طاهر، االهرة فقد دل الحديث على ذلك، وأما ما قابلها في الخلقة أو كان دونها فليس للقياس عليها وإنما لدليل آخر وهو الأصل.

стр. 379

فإن أكلتْ شيئاً نجساً فإن ريقها يطهره إذا طال الفصل كما قرر هذا شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم وهو قول في مذهب أحمد وغيره: أنها متى أكلت شيئاً من النجاسات فإن الفصل إذا أطال بحيث يظن أو يعلم أن النجاسة قد ذهبت بريقها، فإن ريقها مطهر له. وهذا مقتضى الدليل فإن الهر يأكل النجاسات كما هو معلوم ومع ذلك حكم الشارع بطهارة سؤره فدل ذلك على أن ريقها مطهر لما تضع من (١) فمها من النجاسات. قال: (وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه نجسة) " والبغل منه ": أي البغل من الحمار الأهلي، بخلاف البغل من الحمار الوحشي أي المتولد منه، لأن الحمار الوحشي طاهر لأنه يباح أكله فعلى ذلك بوله وروثه وغير ذلك – من الوحش – طاهر. فقيده هنا بالأهلي ليخرج الوحشي، لذا قال: (والبغل منه) أي من الحمار الأهلي. " سباع البهائم ": كالأسد والذئب ونحو ذلك. " والطير ": كالنسر والصقر أو غير ذلك. فهذه كلها نجسة هذا هو المذهب ودليل ذلك: ما ورد في مسند أحمد والثلاثة بإسناد صحيح أن النبي ﷺ : (سئل عن بئر بضاعة وما يرد إليه من السباع والدواب فقال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) (٢)

стр. 380

والشاهد قوله: (وما يرد عليه من السباع والدواب) ولو كانت طاهرة لما سكت النبي ﷺ عن قول ذلك ولقال له: إن السباع طاهرة وليست بنجسة. وذهب الشافعية إلى أن هذه الأشياء طاهرة تمسكاً بالأصل، لأن الأصل في الأشياء هو الطهارة. ولما روى ابن ماجه أن النبي ﷺ سئل عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة وما يرد إليها من السباع فقال: (لها ما شربت ببطونها ولنا ما غبر " أي بقى" طهور) (١) لكن الحديث ضعيف لا يحتج به. ومع ذلك: فإن الراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني ذلك للأصل الذي تمسكوا به. ولأن النبي ﷺ لم يبين للأمة مع كونهم يركبون البغل والحمار، لم يبين لهم أنها نجسة وأن عرقها الخارج منها نجس وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

стр. 381

وأما قول النبي ﷺ : (إن الله ورسوله ينهانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس) (١) متفق عليه فإنها نجسة ميتة، فلحمها نجس ولا شك أنها إذا ماتت فهي نجسة ولو كانت بذكاة لأن الذكاة لا تغير شيئاً فهي ميتة وأن ذكيت فلحمها نجس. وهذا لا يدل على أنها نجسة في حال الحياة، فكم من طاهر في الحياة وهو نجس في الموت، فالهرة ونحوها هي نجسة في الممات وهي طاهرة في الحياة. فإن قيل: فما الجواب عما استدلوا من قوله: (وما يرد إليه من السباع والدواب) ؟ فالجواب: أن هذا ليس صريحاً في أن النجاسة المسكوت عنها أن ذلك بسبب سؤرها، بل يكون ورودها مظنة بولها وروثها في هذه المياه، فلما كان ورودها مظنة ذلك سئل عنها النبي ﷺ فهي غالباً ما يقع شيء من نجاستها في هذه المياه عندما ترد إليها، فيكون هذا السؤال من هذا السائل كناية عن ذكر بولها وروثها وغير ذلك من نجاستها أي هي ترد عليه فلا يسلم أن يقع فيه شيء من بولها أو غيره وهي أشياء نجسة فهل ينجس الماء بذلك أم لا؟ فقال ﷺ : (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) . وقد ذهب الموفق وبعض الحنابلة كصاحب الإنصاف إلى اختيار القول بطهارة البغل والحمار؛ للدليل المتقدم وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي. ومثله – على الراجح – بقية هذه الحيوانات. فإذن: كل الحيوانات طاهرة إلا الكلب والخنزير فإنها نجسة هذا على الراجح.

стр. 382

فعلى ذلك سباع البهائم والطير كل هذه طاهرة سواء كانت كالهرة فما دون أو كانت أعظم منها خلقة فكلها طاهرة. وقياس الحمار الأهلي على الهرة أولى من قياس ما دونه في الخلقة لكونه من الطوافين، فكونه يقاس أولى من أن يقاس ما دون الهرة في الخلقة لأن العلة منضبطة فيه وليست منضبطة فيما دون الهرة لكونها قد لا تكون من الطوافين علينا. إذن: الراجح: أن كل الحيوانات طاهرة إلا ما دل الدليل على نجاسته كالكلب والخنزير. وهذا هو مذهب الشافعية والمالكية. مسألة: حكم المذي والودي: أما المذي: فإنه نجس اتفاقاً لقوله ﷺ في المتفق عليه قال: (يغسل ذكره ويتوضأ) (١) . واعلم أن الواجب عند جمهور العلماء الغسل لا النضح وأن النضح لا يجزئ بل يجب أن يغسل ما أصاب ثوبه من المذي غسلاً لا نضحاً. وعن الإمام أحمد رواية اختارها شيخ الإسلام وهي جواز النضح وإجزاؤه. لما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (توضأ وانضح فرجك) (٢) .

стр. 383

وبما ثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي بإسناد صحيح من حديث سهل بن حنيف: أنه سأل النبي ﷺ وقال: (فكيف بما أصاب الثوب منه) فقال النبي ﷺ : (إنما يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح منه ما أصاب ثوبك منه) (١) . فهذا يدل على صحة ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أنه يجزئ النضح أي الرش وغمر الماء كما تقدم في نضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام. ويجب غسل الذكر والأنثين لما ثبت في أبي داود أن النبي ﷺ قال: (يغسل ذكره وأنثييه) (٢) وأما الودي: فقد أجمع أهل العلم على نجاسته. فعلى ذلك: يجب غسله لأن الأصل في النجاسات هو الغسل، فعلى ذلك يجب أن يغسل وليس في حكم المذي في جواز النضح بل يجب غسله لأن هذا هو الأصل في إزالة النجاسات وأن النضح لا يجزئ إلا ما دل الدليل عليه، وليس هناك دليل، فعلى ذلك يجب الغسل ولا يجزئ فيه النضح وهو ليس بمعنى المذي.

стр. 384

والحمد لله رب العالمين. الدرس الثالث والأربعون (يوم السبت: ١ / ٢ / ١٤١٥ هـ) باب الحيض الحيض: أصله في لغة العرب: السيلان، ومنه حاض الوادي إذا سال. أما في الاصطلاح فهو: دم طبيعة وجبلة يرخيه رحم المرأة عند بلوغها في أوقات معتادة وهو دم أسود كأنه محترق كريه الرائحة. والحيض يترتب على معرفته أبواب كثيرة من أبواب العلم، من أبواب الطهارة والصلاة والصيام والحج والطلاق وغيرها من الأحكام التي ترتبت على معرفته، فكان من أهم الأبواب الفقهية. قال المؤلف ﵀: (لا حيض قبل تسع سنين، ولا بعد خمسين سنة) " قبل تسع سنين ": أي قبل تمامها والشروع في العاشرة فإذا لم يتم للمرأة تسع سنين فإن الدم الخارج منها وإن كان فيه علامات الحيض تماماً فلا يحكم بأنه حيض. فإذا خرج منها دم فإنه يعتبر دم فساد ولا يكون له حكم الحيض، فحينئذ لا يعطى هذا الدم حكم الحيض بل يكون دم فساد فلا يثبت به البلوغ، ولا يترتب على هذا الدم أي شيء من أحكام الحيض. وكذلك لا حيض بعد الخمسين، فإذا بلغت المرأة الخمسين أي تم لها خمسون سنة ثم أتاها دم كدم الحيض، فإن هذا الدم ليس بدم حيض. واستدلوا: على هذه المسألة بالواقع وعدم المعرفة، وأنه لا يعرف أن امرأة حاضت قبل تسع سنين ولا حاضت بعد خمسين سنة. لكن هذا الدليل ضعيف إذ عدم العلم ليس معناه العدم فكونك لا تعلم ولم يبلغك العلم بشيء من الأشياء لا يعني أن هذا الشيء معدوم. فكون هؤلاء الفقهاء لم يبلغهم أن امرأة حاضت قبل تمام التسع أو بعدم تمام الخمسين، لا يعني أن هذا لم يقع أو أنه لا يقع مطلقاً. والراجح: ما ذهب إليه شيخ الإسلام في هاتين المسألتين وهو مذهب المالكية والشافعية في المسألة الثانية، أما في المسألة الأولى فقد وافقوا الحنابلة.

стр. 385

فالراجح: أنه لا حد لأقل سن الحيض ولا لأكثره، بل متى ما رأت الحيض فهي حائض سواء كان ذلك قبل تمام التسع أو كان بعد تمام الخمسين؛ ذلك لأن هذا الدم دم حيض وهو أذى وقد توفرت فيه صفات الحيض الطبيعي فهو دم قد خرج من رحم المرأة وتوفرت فيه صفات دم الحيض فحينئذ يعطى حكم الحيض، لعدم الدليل الدال على أنه ليس بحيض. والأصل أنه ما دام قد خرج من رحم المرأة بصفاته المعتبرة فإنه – حينئذ – دم حيض وكوننا لا نطلق عليه دم حيض ولا نعطيه حكمه هذا يحتاج إلى دليل يدل على ذلك إذ الأصل أنه دم حيض ولا دليل يدل على [خلاف] ذلك. والواقع كون هذا يبلغه شيء وهذا لا يبلغه لا يعني أن يحتج من لم يبلغه هذا الشيء على من بلغه فإن القضية قضية وقوع وكونه لم يبلغ وقوعه من قال بهذه المسألة لا يعني أن الأمر ليس واقعاً حقيقة. إذن: الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام في المسألة الأولى وكذلك في المسألة الثانية، وهو مذهب المالكية والشافعية وأنه لا أقل لسن الحيض - كما أنه لا أكثر له، بل متى رأت الدم الذي توفر فيه شروط دم الحيض فإنه يجب عليها التكاليف الشرعية وحينئذ: يترتب على هذا الدم الخارج فيها أحكام الحيض تماماً. قال: (ولا مع حمل) فالحيض مع الحمل ليس بمعتبر. فلو أن امرأة رأت الدم وهي حامل فإن هذا الدم لا حكم له، وحينئذ يكون دم فساد، وحينئذ تكون طاهرة وتتوضأ وتصلي لأنه خارج من السبيل، فحينئذ يكون لها حكم المستحاضة، أن تحفظ هذا الدم وتتوضأ وتصلي. إذن: المذهب أن الحامل لا تحيض فإذا خرج منها دم وإن كان كدم الحيض تماماً فليس له حكم الحيض وإنما كحكم دم المستحاضة فحينئذ تتوضأ وتصلي ولا يترتب على هذا الدم شيء من أحكام الحيض مطلقاً وهو مذهب الأحناف.

стр. 386

- وذهب المالكية والشافعية: إلى أن الحامل تحيض، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو أن الحامل تحيض، فمتى ما وقع ذلك فإنه حيض تثبت له الأحكام الشرعية المترتبة على الحيض. قالوا: لأنه دم خرج من رحمها، وقد توفرت فيه شروط دم الحيض، فحينئذ هو حيض، وله أحكام الحيض وليس هناك دليل يدل على إخراجه عن هذا أي عن كونه حيضاً. والقول الأول أظهر وعليه الأدلة الشرعية، منها ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود أن النبي ﷺ قال سبي أوطاس: (لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض) (١) فهنا نهى النبي ﷺ عن وطء السبايا حتى تستبرأ، أي حتى يعلم براءة رحمها من الحمل. فلا توطأ من ثبت حملها وظهر حتى تضع حملها، ولا توطأ غير ذات حمل أي لم يظهر حملها أي يشك هل هي حامل أم لا – حتى تحيض – فحينئذ يستبرأ رحمها ويعلم بالحيض أنها ليست بحامل. قالوا: فهذا الدليل يدل على أن الشارع قد جعل الحيض علامة على عدم الحمل، فإذا ثبت أنه علامة على عدم الحمل فإن هذا يدل على أن الحامل لا تحيض. إذن: الشارع جعل استبراء غير ذوات الحمل بأن تحيض ليعلم أنها ليست بحامل. قالوا: ومثله ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: في حقه وقد طلق امرأته وهي حائض: (ليطلقها طاهراً أو حاملاً) (٢)

стр. 387

قالوا: فقد قال: (أو حاملاً) فدل على أن الحامل لا تحيض لأنها لو كانت تحيض لاستثنى النبي ﷺ كونها غير حائض وهذا هو قول عائشة رضى الله عنها كما ثبت ذلك في سنن الدارمي بإسناد صحيح أنها قالت: (الحبلى لا تحيض فإذا رأت الدم فلتغتسل ولتصلي) (١) وهذا من باب الاحتياط. وهذا القول هو الراجح، فقد دلت الأدلة الشرعية على أن الحامل لا تحيض. إذن: هذا الدم الخارج وإن توفرت فيه صفات دم الحيض فإنه لا حكم له، وبه أفتت عائشة ولا يعلم لها مخالف. * واعلم أن محل الخلاف، كما قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن محل الخلاف: فيما إذا رأت الدم وهي حامل يعتاد عليها كما يعتاد عليها وهي ليست بحامل. بمعنى: يأتيها في الشهر الأول في وقته المعتاد ثم تطهر كما تطهر وهي غير حامل وهكذا في الشهر الثاني والثالث أما مجرد خروج الدم بها وإن كان قد توفرت فيه صفات دم الحيض وهو غير معتاد فإنه لا تعتد به ولا تلتفت إليه، وإنما تلتفت إليه إذا جاءها على هيئته المعتادة قبل حملها فهذا هو محل البحث. أما مجرد خروج الدم كأن يخرج منها وليس على وجهه المعتاد فهذا الدم لا يمنعها من الصلاة ونحوها ولا تلتفت إليه بل تحفظ فرجها بشيء وتتوضأ وتصلي لأن له حكم دم الفساد. وهكذا في كل دم قلنا أنه ليس بدم حيض فإن المرأة تحفظ فرجها بشيء وتحبسه وتتوضأ وتصلي، وتتوضأ لكل صلاة. إذن: الراجح ما ذكره الحنابلة من أن الحامل لا تحيض.

стр. 388

كما أن هذا هو المعتاد عند النساء في معرفة الحمل وثبوته، كما قال الإمام أحمد: " إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم "، فانقطاع الدم دليل على ثبوت الحمل. قال: (وأقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً) هذه مسألة أخرى وهي: ما هي أقل أيام الحيض وأكثرها؟ هنا قال: إن أقلها يوم وليلة، فأقل الحيض أربعاً وعشرين ساعة. وأكثره خمسة عشر يوماً. ودليلهم على هذه المسألة هو دليلهم على المسألة السابقة وهو الوقوع – وأن أقل مدة علمت في الحيض هي يوم وليلة – وأكثر مدة علمت خمسة عشر يوماً. لكن هذا الدليل ضعيف. - لذا ذهب شيخ الإسلام: إلى أنه لا حد لأقله ولا لأكثره، فلو حاضت ساعة فهو حيض، ولو حاضت أكثر من خمسة عشر يوماً فهو حيض ما لم يكن استحاضة. وهذا هو الراجح كما تقدم، وهذا هو الأصل وأن الدم الذي يخرج من الرحم وهو دم حيض له أحكام الحيض إلا أن يدل على (١) دليل على تحديده ولا دليل على تحديد أقله ولا أكثره، فحينئذ: نبقى على إطلاق الشارع فقد أطلقه، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. فإذن: الراجح أنه لا تحديد لأقله ولا أكثره. قال: (وغالبه ست أو سبع)

стр. 389

فغالب الحيض ستة أيام أو سبعة، ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم أن النبي ﷺ قال لحمنة بنت جحش: (تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي وصلي أبعة وعشرين ليلة بأيامها أو ثلاثة وعشرين ليلة) (١)

стр. 390

والعدد يختلف بحسب تحيضها، فإذا تحيّضتْ ٦ فإنها تصلي ٢٤، وإن تحيضت ٧ فإنها تصلي ٢٣ " فإن ذلك يجزئك، وكذا فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وتطهرن في ميقات حيضهن وطهرهن) (١) . والشاهد قوله: " كما تحيض النساء ...." وقد قال قبل ذلك " فتحيضي ستة أو سبعة أيام " قال: (وأقل الطهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً) فلو أن امرأة حاضت ثم طهرت عشرة أيام ثم حاضت ستة أيام، فإن الثلاثة الأيام الأولى لست بحيض، بل تتوضأ وتصلي، والثلاثة الأيام الأخيرة هي الحيض، ويكون الدم في الثلاثة الأولى دم فساد لا دم حيض. لأنه لابد أن يكون الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً. ودليل ذلك ما رواه البخاري معلقاً أن امرأة جاءت إلى علي بن أبي طالب فذكرت أنها قد خرجت من عدتها في شهر أي يعني حاضت ثلاث حيض في شهر، فقال علي لشريح: " قل فيها، فقال: إن جاءت ببطانة من أهلها يرضى دينه وأمانته فشهد لها بذلك وإلا فهي كاذبة " (٢) قالوا: وأقل مدة للحيض هي يوم وليلة، فعلى ذلك هذه المرأة حاضت يوماً وليلة ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً ثم حاضت يوماً وليلة فهذه خمسة عشر يوماً ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً ثم حاضت ثم طهرت فهذه ثلاث حيض. ولما قال شريح ذلك قال له علي – وهذا موضع الشاهد -: (قالون) وقالون لغة رومية بمعنى جيد. وهذا مما يدل على أنه لا حرج بأن يتلفظ المتلفظ بالألفاظ الأعجمية أحياناً من غير أن يتخذها على سبيل الدوام أو على سبيل التقليد. لكن هذا الدليل ليس بظاهر على ما قالوه، فما المانع أن تكون حاضت ثلاثة أيام ثم طهرت أربعة أيام ثم حاضت أربعة أيام ثم طهرت، فهذا الدليل ليس بظاهر على ما ذكروه. لذا الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام: أن المرأة متى أتاها الحيض بعد حيضها الأول فإنه يحكم به وإن كانت المدة أقل من ثلاثة عشر يوماً.
следующие страницы →