← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٣- واستدلوا بما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي أن النبي ﷺ قال: (خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) (١) قالوا: فهنا قال: (ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء عذبه) قالوا: فدل هذا على أنه داخل تحت المشيئة ولا يدخل تحت المشيئة إلا المسلم. والجواب على ذلك: أن قوله: " فمن لم يفعل " راجع إلى ما تقدم أي: من لم يفعل الصلوات الخمس على النحو المتقدم بأن يصليهن لوقتهن وقد أتم ركوعهن وخشوعهن وأحسن وضوءهن، فمن لم يفعل ذلك بأن أخل بشيء مما تقدم كأن يكون يصلي تارة ويدع تارة أو يؤخر الصلاة عن وقتها أو لا يتم خشوعها أو ركوعها أو نحو ذلك فإنه تحت مشيئة الله تعالى، أما من تركها فإنه لا يدخل في هذا العموم وقد استثنته الأدلة التي تقدم ذكرها القاضية بكفر تارك الصلاة.

стр. 457

والقول الراجح: هو ما ذهب إليه الحنابلة وجمهور السلف إلا أنه يقيد بما ذكره شيخ الإسلام، وأن من تركها تارة وتارة فإنه لا يكفر بذلك للحديث الآخر الذي تقدم الاستدلال به للقائلين بعدم كفر تارك الصلاة. فإن من لم يحافظ على الصلوات محافظة تامة بحيث يحافظ عليهن خمساً فهو يصلي تارة وتارة فهو داخل تحت الوعيد إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، والعلم عند الله تعالى. قال: (وكذا تاركها تهاوناً ودعاه إمام أو نائبه فأصر وضاق وقت الثانية عنها) إذن: ذكر شرطين في تكفيره: الشرط الأول: أن يدعوه الإمام أو نائبه. الشرط الثاني: أن يضيق وقت الثانية عنها. أما الشرط الأول فقالوا: لا يكفر إلا إذا دعاه الإمام أو نائبه لأنه قد يظن أن له عذراً بترك الصلاة وليس ذلك بعذر فلا يكفر حتى يدعوه الإمام أو نائبه، وإنما خص ذلك بالإمام أو نائبه لأن الأحكام الشرعية أو الحدود إنما مرجعها إلى الأئمة ونوابهم دون غيرهم من آحاد الناس. ولكن هذا القول ضعيف، لذا قال ابن رجب في تتمة كلامه المتقدم قال: " وظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة أنه يكفر بخروج وقتها ولم يعتبروا دعاءه ولا الاستتابة " وهذا هو الواضح والحق. فإن هذا ما دام أنه قد فعل ما دلت الأدلة الشرعية على تكفيره به، فإن اشتراط دعاء الإمام أو نائبه في تكفيره لا دليل عليه بل يكفر متى ترك الصلاة وإن لم يدعه إمام ولا نائبه. أما قضية القتل فسيأتي الكلام عليها. وكذلك الشرط الثاني: وهو قولهم " وضاق وقت الثانية عنها " يعني مثلاً: ترك صلاة الظهر حتى خرج وقتها، لا يكفر بذلك حتى يضيق وقت الثانية، فإذا ضاق وقت العصر فما بقي لوقت المغرب إلا ما يكون ضيقاً على العصر فإنه – حينئذ – يكفر بذلك. قالوا: لأنا لا نجزم بأنه عازم على ترك الصلاة إلا بهذا.

стр. 458

ولكن هذا ضعيف، وتقدم ما قاله ابن رجب عن الإمام أحمد وغيره وأن ظاهر كلامهم أن المعتبر هو خروج الوقت الصلاة، وهذا هو اختيار المجد واستظهره في الفروع ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية – وهذا الترجيح لشيخ الإسلام إنما هو في القتل وأما التكفير فقد تقدم اختياره من أنه لا يكفر (١) ، ولكن هذا بناء على القول بالقتل وسيأتي دليله -. إذن: أصح قولي المذهب – وهو رواية عن الإمام أحمد – أنه: إذا خرج وقت الصلاة عنها فإنه يكفر. فهذان الشرطان الصحيح أنهما ليس بمعتبرين بل متى خرج وقت الأولى ولم يصل فإنه يكفر ولو لم يضق الوقت – هذا على القول بخلاف ما ذكره شيخ الإسلام. قال: (ولا يقتل) القتل عقوبة لتارك الصلاة في الدنيا، لما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (نهيت عن قتل المصلين) (٢) ، ولما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم يا رسول الله قال: لا ما صلوا) (٣) وهو مذهب أكثر الفقهاء وأنه يقتل. ويشترط ما تقدم من الشرطين السابقين: وهما أن يدعوه الإمام وألا يقتل حتى يضيق وقت الثانية عنها.

стр. 459

ولكن هذا أيضاً - أي في كونه يضيق وقت الثانية – ليس كافياً لأنه متى ضاق وقت الثانية حكم – حينئذ – بكفره فإذا حكم بالكفر فإن هذا مرتد، والمرتد يقتل كفراً، ولكن بشرط أن يستتاب ثلاثاً لذا قال: (ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فيهما) أي في جحود الصلاة أو في تركها تهاوناً وكسلاً؛ وذلك لأنه مرتد فمتى دعاه الإمام أو نائبه وضاق وقت الثانية فلم يصل فهو مرتد، والمرتد يُقتل ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً كما هو مذهب الجمهور. والصحيح أن الاستتابة ليست بواجبة كما هي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وأحد القولين للإمام الشافعي ومذهب طائفة من التابعين كما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه) (١) ولم يذكر استتابة. وثبت في الصحيحين أن معاذ بن جبل قدم على أبي موسى الأشعري وعنده رجل موثقاً فقال: ما هذا؟ قال: كان يهودياً فأسلم ثم راجع دينه دين السوء، فقال: (لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله فقال: اجلس، فقال: " لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله قال ذلك ثلاثاً ثم أمر به فقتل) (٢) فهذا الفعل من معاذ والإقرار من أبي موسى شرح لهذا الحديث النبوي، وأن من بدل دينه، وتارك الصلاة مبدل لدينه لا يستتاب ثلاثاً بل يقتل. ولا يصح عن النبي ﷺ حديث في الاستتابة. وكذلك لا يصح الأثر المروي عن عمر بن الخطاب، وقد رواه مالك في موطئه (٣) بإسناد ضعيف فيه انقطاع وجهالة.

стр. 460

فالراجح: عدم اشتراط الاستتابة لكنها مستحبة من غير أن يشترط بيوم ولا يومين ولا ثلاثة وإنما بقدر المصلحة. كما أن النظر يدل على أنها ليست بواجبة، لأن الكافر الأصلي المحارب المهدر دمه لا يستتاب وجوباً بل يقتل من غير استتابة ولا دعاية " أي دعوة إلى الإسلام " فيجوز أن يُغار على الكفار بحيث يقع المسلمون عليهم على غرة منهم فإن هذا جائز وقد دلت عليه الأدلة الشرعية ولم يوجب النبي ﷺ استتابتهم ولا إنذارهم – وإنما لا يجوز قتل من لم يبلغه الشريعة حتى يدعى إليها – وهذا المرتد قد علم حكم الله ودعي إليه وكفر وثبتت ردته – فحينئذ – لا يجب أن يستتاب، لكن الاستتابة مستحبة. إذن الراجح: عدم وجوب الاستتابة بل متى ثبت كفره وذلك يثبت بترك الصلاة مطلقاً على الراجح، وعلى القول المرجح (١) من قولي المذهب يكفر بترك صلاة حتى يخرج وقتها مصراً على ذلك فإنه يكفر ويقتل من غير أن يستتاب أي ما دام أنه قد بين له دين الله وشرع الله وعرف الحق من الباطل فإنه لا يجب أن يتربص به فترة ليستتاب بل متى ثبت كفره فإنه يجوز قتله من غير استتابة. * واعلم أن شيخ الإسلام اختار – وهو القول الحق – أن من ترك الصلاة فإنه لا يقضيها بل ولا يصح منه بل يجتهد بقدر استطاعته بالتطوع. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول يوم القيامة: (انظروا هل لعبدي من تطوع) (٢) فيمن اختلت بعض فرائضه.

стр. 461

فلا يؤمر بقضاء الصلاة وقد فوتها بغير عذر؛ لأن الأدلة الشرعية لم تدل على ذلك بل أمرت الشريعة بأداء الصلاة في وقتها، وأمرت بالقضاء لمن كان معذوراً بنوم أو نحوه فلم يدخل بذلك من تركها بلا عذر وتكون مردودة عليه لو فعلها، وقد قال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (١) . فعلى ذلك: من تعمد تأخير صلاة الفجر عن وقتها فإنها لا تصح منه ولا تقبل منه ولا يؤمر بأن يصليها إذا استيقظ ما دام أنه قد تركها

стр. 462

متعمداً فلم يسع أو يجتهد بقدر استطاعته للقيام لها بل تعمد النوم عنها فلا يقبل منه بل عليه أن يجتهد بالاستغفار وبالتطوع ليسد الخلل الواقع في فريضته. والحمد لله رب العالمين. (انتهى هذا الباب، ويليه باب الأذان والإقامة) الدرس الثاني والخمسون (يوم السبت: ١٥ / ٢ / ١٤١٥ هـ) باب الأذان والإقامة الأذان: في اللغة: الإعلام ومنه قوله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ (١) أي إعلام وإخبار. أما اصطلاحاً فهو: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. والإقامة في اللغة: مصدر أقام يقيم إقامة، وحقيقتها الإزالة من القعود إلى القيام، وهذا واضح في الإقامة فإنها تزيلهم من القعود إلى الوقوف لأداء الصلاة المفروضة. أما اصطلاحاً فهي: الإعلام بإقامة الصلاة بألفاظ مخصوصة. وقد ورد في فضله أدلة كثيرة: تدل على فضل الأذان وعظيم الأجر بأدائه، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين: " أن أبا سعيد قال لأبي صعصعة: إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت فارفع صوتك فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة سمعته من النبي ﷺ (٢) . وفي مسلم: أن النبي ﷺ قال: (أطول الناس أعناقاً يوم القيامة المؤذنون) (٣) .

стр. 463

* وقد اختلف أهل العلم في التفضيل بينه وبين الإمامة: ١- فالأصح في مذهب الحنابلة الذي اختاره طائفة من كبار الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي واختاره شيخ الإسلام: أن الأذان أفضل. واستدلوا: بما روى أحمد وأبو داود – والحديث صحيح – أن النبي ﷺ قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين) (١) فالإمام ضامن أي ضامن للقيام بالصلاة على صفتها الشرعية. وأما المؤذن فإنه مؤتمن بالقيام بالأذان على الوجه الشرعي فهي أمانة في عنقه يتعلق بها فريضتان من فرائض الله على عباده وهي الصيام والصلاة، ثم دعا للأئمة بالرشد وهو العلم النافع مع العمل به، ودعا للمؤذنين بالمغفرة. قالوا: هذا الحديث يدل على تفضيل الأذان لكنه في الحقيقة ليس فيه دليل على ذلك إذ ليس فيه إلا الإخبار بأن الإمام في عمله ووظيفته ضامن، بألا يطرأ على الصلاة ما يخل بها من سهو ونحو ذلك. وأما المؤذن فإنه مؤتمن بحيث لا يؤذن قبل دخول الوقت فيخون الناس في صلاتهم وفريضتهم.

стр. 464

ثم دعا للأئمة بالرشد وهم أحق به لأنهم موضع اقتداء فيكونون أحق بالعلم والعمل، ودعا للمؤذن بالمغفرة لكونه أحق بها، فقد يقع – وهذا لا يسلم منه المؤذن – بما يكون خطأ في الأذن (١) بالأذان قبل الوقت لا سيما في أوقات سابقة عندما كان الاعتماد على التحري فقد يقع مثل ذلك فدعا له بالمغفرة. فهذا الحديث ليس فيه إلا الإخبار عن حالهما والدعاء لكل واحد منهما بما هو الأليق بحاله، وليس في هذا تفضيل لأحد منهما على الآخر. ٢- وعن الإمام أحمد: تفضيل الإمامة. واستدلوا: بأن النبي ﷺ وخلفاءه الراشدين كانوا قائمين بهذا الواجب ولم يقوموا بالأذان ولم يكونوا ليختاروا إلا الأفضل. ولكن هذا الاستدلال محل نظر، فإنهم كانوا قائمين بالإمامة العظمى من القيام بشأن الأمة ولا شك أن القيام بالأذان يخل بهذا فإنه شاق يحتاج إلى التحري بالنظر إلى أمارات وعلامات دخول الوقت وخروجه، والخلافة أهم من ذلك بكثير ولا شك ولا يقارن مثل هذا بها، لذا في البيهقي بإسناد صحيح أن عمر قال: (لولا الخلافة لأذنت) (٢) فالخلافة مشغلة عن القيام بالأذان. ولم يتبين لي ترجيح أحد القولين على الآخر، ومثل هذه المسائل – في الحقيقة – لا تحتاج إلى البحث في التفضيل بينهما بل كل منها له الفضل العظيم عند الله ولا شك أن الأذان قد يكون لبعض الناس أفضل كما أن الإمامة قد تكون لبعض الناس أفضل.

стр. 465

فمثلاً: من كان من أهل العلم وله قدرة على تعليم الناس في شأن الصلاة وغيرها فهذا الأولى له أن يتولى الإمامة لكونها محل الاقتداء والتلقي من المأمومين بخلاف الأذان، وأما من كان من عامة الناس وله معرفة بالأوقات وقدرة على تحريها والقدرة على الانضباط فالأولى له أن يقوم بالأذان، وكلاهما له فضيلته وأجره عند الله. إذن: في هذه المسألة قولان هما روايتان عن الإمام أحمد: الأولى: أن الإمامة أفضل. والثانية: أن الأذان أفضل. قال المؤلف ﵀: (هما فرض كفاية) هما: أي الأذان والإقامة " فرض كفاية " هو الذي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، فإذا قام به البعض من الأمة بحيث تسد بهم الخلة ويقومون بتبليغ الأذان إلى الأمة فإن ذلك كاف. ودليل هذا: ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) (١) وفي رواية في الصحيحين: (ثم أذنا ثم أقيما) والشاهد هنا قوله هنا قوله: " فليؤذن " وقوله: " ثم أذنا ثم أقيما " والأمر للوجوب. ولما أمر به أحد الرجلين دل على أنه فرض كفاية. قال: [على الرجال] وهنا ذكرهم على وجه الجمع، وتثبت الجماعة باثنين فأكثر، فمن كانا اثنين فأكثر فيجب أن يؤذن أحدهما كما تقدم في حديث مالك: (فليؤذن لكما أحدكما) أما إذا كان فرداً فلا يجب عليه الأذان ولا الإقامة لأن الحديث إنما هو وارد في الاثنين فأكثر.

стр. 466

أما الواحد فلا يجب عليه الأذان ولا الإقامة ولكن ذلك مستحب له، فقد ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي أن النبي ﷺ قال: (يعجب ربك لرجل في شظية لجبل يؤذن ثم يصلي فيقول الله (انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني قد غفرت له وأدخلته الجنة) (١) لما فيه من عظم الإخلاص لله إذ لا يراه إلا الله ولا يسمعه غيره ومع ذلك أذن وأقام للصلاة خوفاً من الله. وفي قوله: " الرجال " تخرج منه النساء، فالنساء كما في المشهور في المذهب: لا يشرع لهن الأذان ولا الإقامة.

стр. 467

واستدلوا بما روى عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس على النساء أذان ولا إقامة) (١) ولكن الحديث إسناده ضعيف جداً وقد رواه البيهقي وغيره. ورُوى موقوفاً إلى ابن عمر – كذلك عند البيهقي – وإسناده ضعيف فلا يثبت عنه. بل قد ورد عن ابن عمر ما يخالفه، فقد ثبت عند ابن أبي شيبة بإسناد جيد أنه سئل هل تؤذن النساء وتقيم فقال: أنا أنهى عن ذكر الله؟ (٢) على وجه الاستفهام أي لست أنهى عن ذكر الله، والأذان والإقامة من ذكر الله. - وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو قول للشافعي: إلى أن الإقامة مشروعة لهن دون الأذان، لما في الأذان من رفع الصوت الذي ينافي ما ينبغي أن تكون عليه المرأة من الحشمة ولأنه مثار الفتنة.

стр. 468

- وذهب الإمام أحمد في رواية أخرى عنه: إلى مشروعيتهما معاً، وهذا أصح ولكن هذا إذا أمنت الفتنة برفع صوتها كأن يكون صوتها محصوراً بين النساء بحيث لا يخرج الصوت إلى الرجال بحيث تفعله المرأة في مكان خال خاص بالنساء أو تفعله في بيتها بحيث لا تخرج الصوت إلى الأجانب لما فيه من الفتنة ويدل على هذا أن (النساء شقائق الرجال) (١) كما ثبت ذلك في المسند عن النبي ﷺ فما ثبت في حق الرجل فهو ثابت في حق المرأة إلا أن يدل دليل على تخصيصه، لذا نحن خصصنا من ذلك ما يكون فيه فتنة لأن الشريعة قد وردت بمثل هذا، أما ما لم يكن كذلك فلها أن تؤذن أو تقيم. لكن يشكل عليه ما ورد عن عائشة أنها قالت: (كنا نصلي بغير إقامة) (٢) وإسناده جيد.

стр. 469

ويعارض هذا عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم، رواه ابن المنذر (١) ، لكن إسناده ضعيف. إذن يشكل على هذا قول عائشة والذي يظهر لي أن هذا الأثر يحمل على ما تكون فيه المرأة في الغالب من كونها تصلي منفردة، والمنفرد لا يجب عليه الأذان ولا الإقامة وإنما ذلك مستحب له. ويعارضه كذلك قول ابن عمر فإنه قال: " أنا أنهى عن ذكر الله " ولو كان ذلك غير مشروع لنهى عنه. والأظهر عندي أن يقال: إنه في (٢) مشروع في حقهن بل قد يقال بوجوبه كما صرح به صاحب الروضة الندية " وهو قول قوي؛ لأن النساء شقائق الرجال إلا أنه بالقيد المتقدم حيث لا تكون مثاراً للفتنة. أما إذا كانت منفردة فيشرع لها أن تؤذن وأن تقيم إن كانت في موضع ومحل أذان (٣) . أما إذا كانت في بلدة فإنها تكتفي بأذان الناس وتقيم لنفسها، والله اعلم. قال: (المقيمين) فيخرج: المسافرين، فالمسافرون – في المشهور من المذهب – لا يجب عليهم الأذان والإقامة بل هما مستحبان. وهذا القول ضعيف، فإن الأدلة الشرعية السابق ذكرها يشمل المسافرين. - لذا عن الإمام أحمد رواية أخرى اختارها بعض أصحابه كصاحب المبدع: أن المسافرين عليهم الأذان والإقامة فرض كفاية كالمقيمين، وذلك لأن النبي ﷺ قد عمم في الأدلة الشرعية: (فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) هذا عام في الحضر والسفر ولأن النبي ﷺ لم يكن يترك الأذان والإقامة سفراً ولا حضراً فدل على فرضيتهما. قال: (في الصلوات الخمس المكتوبة)

стр. 470

دون غيرها، كأن يوجب على نفسه صلاة أو صلاة الكسوف أو الاستسقاء أو صلاة العيد أو نحو ذلك من الصلوات فهذه لا يفرض فيها الأذان ولا الإقامة بل لا يشرع بل هو بدعة لأن الأذان والإقامة إنما ورد عن النبي ﷺ في الصلوات المكتوبة، وأما غيرها فإن النبي ﷺ لم يؤذن فيها ولم يقم فدل على أن المشروع فيها هو ترك الأذان والإقامة كصلاة الكسوف والاستسقاء. فالأذان والإقامة خاصان بالصلوات المكتوبة كما يدل عليه فعل النبي ﷺ الذي هو محل التشريع. وهنا: الصلاة الفائتة والمقضية هل يشرع فيها الأذان والإقامة أم لا؟

стр. 471

الجواب: يشرع ذلك، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عمران بن حصين في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس قال فيه: (ثم أمر النبي ﷺ بلالاً فأذن فصلينا ركعتين " أي سنة الفجر " ثم أقام فصلينا) (١)

стр. 472

والذي يظهر لي هو القول بوجوبها فلا يستحب بل يجب ذلك وقد حكاه صاحب الفروع بلفظة " قيل " فهو قول لبعض أهل العلم، والذي يدل عليه: عمومات الأدلة الشرعية وما أمر به النبي ﷺ بلالا من الأذان والإقامة ولأن القضاء يحكى الأداء. هذا إذا كانت في محل الصلاة المكتوبة تماماً، كأن يكون هناك جماعة في بر ونحوه فاتتهم صلاة الفجر فاستيقظوا بعد طلوع الشمس فإنهم يؤذنون ويقيمون فيرفعون النداء بالأذان ليتجمعوا على الصلاة بخلاف ما لو فاتته الصلاة في الحضر فإن الأمر يختلف. نعم: إذا كانوا جماعة في بيت فأذنوا أذاناً يكفي أهل البيت فكذلك. إذن: المذهب أن الأذان والإقامة للفائتة مستحب حيث توفرت فيها ما يكون في الحاضرة تماماً. ولنا أن نقول: إذا كان في الحضر فإنه لا يفعل ذلك اكتفاء بالمؤذن الذي يسمعه. لكننا نقول بوجوبه حيث كان في محل لا يؤذن فيه، كأن يكون في حضر أو سفر ولم يؤذن في موضعه الذي فيه فإن الأذان يقضى ويجب الأذان وتجب الإقامة لما تقدم من فعل النبي ﷺ وأمره بلالاً والأمر للوجوب ولدخول ذلك في الأدلة الشرعية. فإذا كان عليه مجموعة من الفوائت فإنه يكتفي بأذان واحد لأن هذا الأذان قد جمع الناس إلى هذا الموضع فيكتفي به، ولكن لكل صلاة إقامة.

стр. 473

يدل على ذلك: ما رواه أحمد والترمذي والنسائي والحديث حسن عن ابن مسعود قال: " شُغل النبي ﷺ يوم الخندق عن أربع صلوات، فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء " (١) فيكتفى بالأذان الأول وتقام لكل صلاة. كما أنه لا يشرع للصلاة المجموعة إلا أذاناً واحداً كما دلت عليه السنة الصحيحة المتفق عليها. قال: (يقاتل أهل بلد تركوهما) لأنهما من الشعائر العظيمة في الإسلام.

стр. 474

وإذا تمالأ – كما في القاعدة الشرعية - أهل بلد على ترك شعيرة من الشعائر الإسلامية فإنهم يقاتلون وهذه المقاتلة ليست فرعاً عن التكفير، بل كونهم قد تمالؤوا على ترك شعيرة من الشعائر الظاهرة هذا يقتضي قتالهم على ذلك كما قرر ذلك شيخ الإسلام كأن يتمالؤوا على ترك الزكاة أو ترك غير ذلك من شعائر الإسلام الظاهرة كصلاة العيد ونحوها فإنهم يقاتلون ومن ذلك الأذان. وقد ثبت في مسلم أن رسول الله ﷺ : (كان يغير إذا طلع الفجر فإذا سمع أذاناً وإلا أغار) (١) فمن تركوا شعيرة من الشعائر فإنهم يقاتلون حتى يظهروا هذه الشعيرة. والحمد لله رب العلمين. الدرس الثالث والخمسون (يوم الأحد: ١٦ / ٢ / ١٤١٥ هـ) قال المؤلف ﵀: (وتحرم أجرتهما لا رزق من بيت المال لعدم متطوع) " أجرتهما ": أي الأذان والإقامة. في هذه الجملة ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أن الرزق على الأذان والإقامة من بيت المال لعدم المتطوع جائز. وهذا مما اتفق عليه أهل العلم، وقد ذكر الموفق أنه لا يعلم بين أهل العلم فيه خلافاً وهذا كرزق الغزاة والقضاة وغيرهم. فالرزق يجوز أخذه مطلقاً. المسألة الثانية: أنه لا يجوز للإمام أن يدفع رزقاً للمؤذن إلا إذا عدم المتطوع. أما إذا كان ثمت متطوع فلا يجوز ذلك حفظاً لمال المسلمين وصيانة له من الضياع، وهذه المسألة هي ظاهر المذهب في قوله " لعدم متطوع " المسألة الثالثة: أن الأجرة محرمة على الأذان والإقامة.

стр. 475

والمراد بالأجرة: ما يأخذه من آحاد الناس، بمعنى لا يكون هذا من بيت المال، كأن يكون جماعة المسجد يضعون له راتباً فهذه هي الأجرة بخلاف الرزق فإنه يكون من بيت المال، فهذه الأجرة محرمة لقول النبي ﷺ – كما في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم – بإسناد صحيح من حديث عثمان بن أبي العاص وفيه: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) (١) هذا هو المشهور في المذهب. - وعن الإمام أحمد رواية أخرى وهي اختيار شيخ الإسلام: أن ذلك جائز مع الفقر، فإذا كان المؤذن محتاجاً إلى الأجرة على الأذان فهذا جائز له، لقوله تعالى: ﴿ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ (٢) وهذا فيما يكون في مال اليتيم، فيجب عليه أن يتعفف عن أكله إلا أن يكون فقيراً فيحق له أن يأكل بالمعروف ومثل ذلك القيام بالأذان. فالقيام على مال اليتيم قربة يتقرب بها إلى الله وكذلك القيام بالأذان وغيره من العبادات التي نفعها متعد إلى الغير فكذلك.

стр. 476

ولقول النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) (١) وهذا قد فتح له باب رزق ليسد به فقره ويكفي به نفسه وعياله فحينئذ يجب (٢) عليه قبوله. وسيأتي مزيد بحث عن هذه المسألة في باب الإجارة إن شاء الله تعالى. أما الرزق من بيت المال فإنه جائز مطلقاً عند جماهير أهل العلم إلا أن شيخ الإسلام حكى كذلك في هذه المسألة قولان مع الغنى، هل يجوز مع الغنى أم لا؟ وأما جماهير أهل العلم فإنهم على القول بجواز ذلك. إذن: يجوز أن يأخذ على الأذان أجرة إن كان فقيراً أما إن كان غنياً فلا يجوز له ذلك. قال: (ويكون المؤذن صيتاً) أي رفيع الصوت، لما ثبت في سنن أبي داود أن النبي ﷺ قال: لعبد الله بن زيد بن عبد ربه وقد رأى الأذان: (فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك) (٣) أي أرفع صوتاً منك. وعلة ذلك واضحة فإن الصوت كلما ارتفع كلما تم الإعلام وظهر ووضح. فكلما كان الصوت أرفع كلما كان الإعلام أتم وأظهر. ويسن أن يكون حسن الصوت: لما ثبت في ابن خزيمة من حديث أبي محذورة: (أن النبي ﷺ أعجبه صوته فعلمه الأذان) (٤) . وقد ذكر استحباب ذلك الموفق وغيره، وأن المستحب أن يكون المؤذن حسن الصوت.

стр. 477

قال: (أميناً (١)) فيستحب أن يكون أميناً لا فاسقاً وسيأتي البحث في آخر الباب عن حكم أذان الفاسق فالمستحب أن يكون أميناً عدلاً، يدل على ذلك ما تقدم من حديث: (والمؤذن مؤتمن) فهو مؤتمن على صلاة الناس وسحورهم مؤتمن على عوراتهم فكان المستحب أن يكو أميناً. وروى البيهقي بإسناد ضعيف لكن له شاهد مرسل أن النبي ﷺ قال: (المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم) (٢) والحديث حسن بشواهده. قال: (عالماً بالوقت) فيستحب أن يكون عالماً بالوقت أي يعرف أمارات وعلامات يعرف بها دخول الوقت وخروجه ويعرف بذلك الأوقات كلها – هذا أمر مستحب وليس بواجب.

стр. 478

والذي يدل على أنه ليس بواجب ما ثبت في الصحيحين أن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي ﷺ وكان أعمى لما ثبت في البخاري قال: (وكان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت) (١) . فإذا كان الأعمى يصح آذانه فأولى منه الجاهل بالوقت، إلا إذا كان لا يمكن معرفة الوقت إلا بالمؤذن – كأن يكونوا محتاجين لأن يضعوا مؤذناً في بلد ما لا يمكنهم أن يعرفوا الوقت إلا بأذانه – وليس هناك من يعينه على معرفة الوقت فيجب أن يختار فيها من يكون عالماً بالوقت لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. لكن لما كان الأصل في البلاد أن يكون فيها من يعين المؤذن على معرفة الوقت – حينئذٍ – كان هذا من الأمور المستحبة. فكان مستحباً لوجود من يعينه على معرفته، وإنما استحب ذلك لأنه إن كان غير عالم بالوقت فلا يؤمن عليه الخطأ والغلط في الأذان فيلحق الناس الضرر في صلاتهم وفي سحورهم. قال: (فإن تشاح فيه اثنان قدم أفضلهما فيه) " تشاح ": أي اختلفا وتنازعا. " قدم أفضلهما فيه ": أي في صفات الأذان وهي الأمانة وحسن الصوت وارتفاعه والعلم بالوقت، فمن كانت فيه الصفات أكمل فهو أولى وأحق بالأذان. قال: (ثم أفضلهما في دينه وعقله)

стр. 479

واستدلوا: بما ورد في أبي داود أن النبي ﷺ قال: (يؤذن لكم خياركم) (١) لكن الحديث إسناده ضعيف. ولكن هذا أمر ظاهر فإنه أكرم عند الله ممن هو دونه – كما قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (٢) وكلما زادت هذه الصفة في العبد كلما زادت كرامته عند الله فكان أولى من غيره بالعبادة المتنازع فيها. قال: (ثم من يختاره الجيران) كلهم أو أكثرهم، فإن اختاروا أحد الرجلين قدم ذلك؛ لأنهم أعلم بهما من غيرهم، من حفظ عورة وقيام بالأذان على الوجه المستحق فلما كان كذلك رُجع بالأمر إليهم مما اختاره الجيران بالمرتبة الثالثة. فنقدم: الأكمل في صفات الأذان ثم الأتقى ثم من يختاره الجيران، ثم بعد ذلك القرعة. قال: (ثم قرعة) ودليلها ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليهما لاستهموا) (٣) فهذا فيه إثبات القرعة. ومن القواعد الشرعية أنه متى ثبت التنازع في شيء ما وليس ثمت مرجح وازدحمت فإنه يقدم من قدمته القرعة فهنا كذلك، فقد اختلفوا في الأذان ولا مرجح لأحدهما على الآخر فلم يكن ثمت مرجوع إليه سوى القرعة التي ثبت بها حكم الله تعالى. قال: (وهو خمس عشرة جملة) وهو: أي الأذان.

стр. 480

" خمس عشرة جملة ": وهو الأذان المشهور عندنا وهو أذان بلال الثابت في الصحاح والسنن والمسانيد (١) ، وقد اختاره الإمام أحمد وأبو حنيفة. واختار الشافعي ومالك أذان أبي محذورة الثابت في مسلم وهو كذلك ثابت في السنن (٢) . وعدد جمله تسع عشرة جملة " ١٩ " وفيها خفض الشهادتين بأن يقول بعد قوله " الله أكبر أربعاً " يقول: " أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله " خافضاً صوته ثم يرفع صوته " أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله " وفي مسلم أنه قال: (أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله – خافضاً صوته – ثم: أشهد ألا إله إلا الله أشهد ألا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله رافعاً بها صوته ") (٣) ويكون الخفض بحيث يسمع نفسه ويسمع القريب منه. - واختار أبو حنيفة إقامة أبي محذورة، وهي سبع عشرة جملة، كأذان بلال بزيادة " قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة " بعد الحيعلتين. * واعلم أن ما ثبت عن النبي ﷺ على أوجه مختلفة فإن السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة – كما قرر هذا شيخ الإسلام وغيره – وهذا كذلك.

стр. 481

فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر بأذان بلال وأُذن له به، وثبت أنه أمر بأذان أبي محذورة وأذن له به وكان هو أذان أهل مكة، وأذان بلال هو أذان أهل المدينة. فعلى ذلك: السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة ما لم يكن في ذلك فتنة، لذا الإمام أحمد نص على أنه لا بأس بأذان أبي محذورة لثبوت ذلك (١) . قال: (يرتلها) يترسل بها ترسلاً ويتمهل في الأذان لأن المقصود منه إعلام الغائبين فكان المستحب فيه الترسل. وقد روى الترمذي أن النبي ﷺ قال: لبلال: (إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر) (٢) أي أسرع وتعجل، والحديث إسناده ضعيف لكن العمل عليه كما قال ذلك الترمذي (٣) ، وكذلك المعنى يدل عليه فإن المقصود من الأذان إعلام الغائبين فكان المشروع فيه الترسل والتمهل. وأما الإقامة فإنها إعلام لمن حضر في المسجد بإقامة الصلاة فكان المشروع فيها الحدر والإسراع. قال: (على علو) على منارة ونحوها، لأن ذلك أبلغ في الإعلام.

стр. 482

ويدل عليه ما رواه أبو داود مبوباً عليه بقوله " باب الأذان على المنارة " ثم روى أن بلالاً كان يؤذن على أرفع بيت حول المسجد (١) . وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق هو تابعي قال: من السنة أن يؤذن على المنارة، وأن يقيم في المسجد) (٢) والإسناد صحيح إلى عبد الله – والتابعي إذا قال " من السنة " فهو مرفوع. وأما مع ظهور رافعات الصوت فإن استعمالها كاف عن ذلك فإن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. * ويستحب للمؤذن أن يؤذن قائماً إجماعاً وهو كذلك أرفع لصوته وأبلغ في الإعلام، فإن أذن جالساً فأذانه صحيح بالإجماع (٣) . قال: (متطهراً) يستحب أن يؤذن متطهراً وفي الترمذي أن النبي ﷺ قال: (لا يؤذن إلا متوضئ) (٤) لكن الحديث إسناده ضعيف. وروى موقوفاً إلى أبي هريرة وإسناد ضعيف أيضاً فلا يصح موقوفاً ولا مرفوعاً.

стр. 483

لكن يستدل له بما روى أبو داود بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) (١) فإن أذن بغير وضوء فأذانه صحيح باتفاق العلماء. قال: (مستقبل القبلة) إجماعاً – وهذا ما عليه العمل عند أهل العلم – فإن أذن لغير القبلة فصحيح، لكن المستحب أن يؤذن إلى القبلة، وقد أجمع أهل العلم على القول به. قال: (جاعلاً إصبعيه في أذنيه)

стр. 484

لما ثبت في حديث بلال وفيه: (وجعل إصبعيه في أذنيه) (١) والحديث ليس فيه ذكر الإصبع أهي السبابة أم غيرها، ولكن قد جزم غير واحد من أهل العلم كالنووي وغيره أن المستحب أن تكون السبابة. وهذا حسن، ولكن الحديث لم يعين ذلك، والأحرى أن تكون هي السبابة فهي أنسب من غيرها في ذلك. قال: (غير مستدير)

стр. 485

أي لا يستدير ببدنه، وفي أبي داود من حديث بلال وفيه: (ولم يستدر) (١) فلا يشرع له أن يستدير بل ينبغي له أن يبقي بدنه على استقبال القبلة، ولا تشرع له الاستدارة لما فيها من التحول عن القبلة. قال: (ملتفتاً في الحيعلتين يميناً وشمالاً) وظاهر المذهب أنه يقول " حي على الصلاة، حي على الصلاة " عن اليمين، ثم " حي على الفلاح، حي على الفلاح " عن الشمال – هذا هو المصرح به في المذهب.

стр. 486

- وذهب بعض أهل العلم: إلى أن المستحب أن يقول " حي على الصلاة " عن اليمين، ثم " حي على الفلاح " عن الشمال، ثم " حي على الصلاة " عن اليمين،ثم " حي على الفلاح " عن الشمال. وهو أولى، وممن اختار هذا القول ابن دقيق العيد في شرحه للعمدة (١) . وهذا أولى، لأن كلاً من الجهتين تأخذ نصيبها من هاتين الجملتين، فتنال جهة اليمين التي يصل الصوت منها إلى أهل اليمين تصل إليهم " حي على الصلاة " وكذلك " حي على الفلاح " وكذلك من كان عن شماله. ومعلوم أنه ربما لا يسمع أهل الجهة اليسرى مثلاً ما يؤديه المؤذن إلى الجهة اليمنى مع البعد. والمناسب أن تصل كل جملة من الجملتين إلى أهل كل جهة فكان الأنسب ما اختاره ابن دقيق العيد. ودليل ذلك: ما ثبت في أبي داود أن بلالاً كان يلوي عنقه ويقول: (حي على الصلاة حي على الفلاح يميناً وشمالاً) (٢) .

стр. 487

وهذا الحديث ظاهره ما ذهب إليه ابن دقيق فإنه جمع للجملتين كليهما جهة اليمين وجهة الشمال، فقال: " حي على الصلاة حي على الفلاح يميناً وشمالاً "، وظاهره أن كل جملة ثبت لها جهة اليمين وجهة الشمال. قال: (قائلاً بعدها في صلاة الصبح الصلاة خير من النوم مرتين) (١) وهل هو في الأذان الأول أم في الثاني؟ ظاهر إطلاقات الفقهاء – كما قال ذلك الشيخ على بن محمد بن عبد الوهاب وغيره – أنه يقول ذلك بالأذانين كليهما. ودليل ذلك: ما ثبت في ابن خزيمة بإسناد صحيح عن أنس بن مالك قال: (من السنة أن يقول المؤذن في أذان الفجر بعد حي على الصلاة حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم) (٢) وهنا قال " في أذان الفجر " والأول والثاني كلاهما أذان للفجر.

стр. 488

وقد ثبت أن هذا من أذان بلال وأنه كان يقولها في أذانه كما ورد هذا عن بلال من طرق ترتقي إلى درجة الحسن في مسند أحمد وغيره (١) ، وبلال كان يؤذن تارة أذان الفجر الأول، وتارة أذانه الثاني، وكان يقول في أذانه " الصلاة خير من النوم ".

стр. 489

فإن قيل: فما الجواب: عما ورد في النسائي من حديث أبي محذورة قال: (كنت أؤذن للنبي ﷺ بمكة فكنت أقول في أذان الفجر الأول: " الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم ") (١)

стр. 490

فالجواب: أن في هذا الحديث راو مجهول وهو أبو سليمان (١) وهو مجهول الحال – فعلى ذلك الحديث يتوقف في قبوله لوجود هذه الجهالة – وما كان كذلك فهو في حكم المردود. وأما ما ثبت في البيهقي بإسناد جيد عن ابن عمر أنه قال: (كان يقال: في الأذان الأول بعد: حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة خير من النوم) (٢) فالجواب على ذلك: أن ذلك ليس بظاهر في أنه أذان الفجر الأول، بل قال: " في الأذان الأول " وأذان الفجر هو الأذان الأول، بدليل أن العصر هي الصلاة الوسطى، وهذا أمر ظاهر فإن الفجر أول النهار فكان هو الأذان الأول.

стр. 491

ومع ذلك فإنه لو كان من اكتفاء به في أحد الأذانين كما يفعله الناس اليوم من كونهم يكتفون بهذا في أذان الفجر الثاني – فلو كان من اكتفاء لكان الأولى به هو أذان الفجر الأول الذي إنما شرع لإيقاظ النائم كما ورد هذا في الحديث المتفق عليه – في أذان بلال قال: (ليوقظ نائمكم) (١) فشرع لإيقاظ النائم أي " أذان الفجر الأول " فكان أحق أن يقال فيه هذه اللفظة، بخلاف أذان الفجر الثاني لأنه يؤذن وقد استيقظ الناس فهم يستعدون لصلاة الفجر. وما يفعله الناس من الفارق البعيد بين الأذان الأول والأذان الثاني من الفجر خلاف السنة وسيأتي الدليل عليه في باب المواقيت إن شاء الله. إذن: المستحب أن يقولها في الأذانين كليهما، ولو كان من اكتفاء بها في أحد الأذانين، فالمستحب أن يكون هو الأول لما فيه من المعنى المتقدم وهو إيقاظ النائم ليستعد للصلاة وليتسحر إن أراد الصيام. وما ذكرته هو ما قرره الشيخ علي بن محمد بن عبد الوهاب في مسألة له في مجموعة المسائل النجدية (٢) . قال: (وهي - أي الإقامة - إحدى عشر جملة) كما هي إقامة بلال الثابتة – كما تقدم – في الصحاح والسنن والمسانيد (٣) . وأما إقامة أبي محذورة فإنها سبع عشرة جملة، وهي ثابتة في المسند وسنن أبي داود والنسائي (٤) وغيرهم بإسناد صحيح. قال: (يحدرها) أي يسرع بها ويتعجل، فلا يتريث كالأذان بل يحدرها، ودليل ذلك الحديث المتقدم وقد تقدم تضعيفه (٥) لكن العمل عليه. قال: (ويقيم من أذن)

стр. 492

لقوله ﷺ : (من أذن فهو يقيم) (١) رواه الترمذي لكن الحديث إسناده ضعيف، وعليه عمل أكثر أهل العلم – كما قال الترمذي (٢) – فعليه العمل في زمن النبي ﷺ فما بعده، فإن بلالاً هو الذي كان يؤذن وهو الذي كان يقيم، وإذا أذن ابن أم مكتوم فهو الذي كان يقيم وهكذا. قال: (في مكانه إن سهل) يعني: إن سهل عليه فيقيم في مكانه أي على المنارة. لكن هذا ضعيف لا دليل عليه. - لذا ذهب بعض فقهاء الحنابلة: إلى أن المستحب أن يقيم في المسجد. وقد تقدم أثر عبد الله بن شقيق وهو قوله: " من السنة أن يؤذن في المنارة ويقيم في المسجد" (٣) وهذا كذلك الذي عليه العمل سلفاً وخلفاً. فالمستحب أن تكون الإقامة في المسجد، والمعنى يدل على ذلك فإن الإقامة شرعت لإعلام الحاضرين بخلاف الأذان فهو لإعلام الغائبين. والأذان لإعلام من هو خارج المسجد ليحضر إليه أما الإقامة فهي هنا لإعلام من حضر في المسجد فناسب أن تكون فيه لا سيما وأنه قد يكون الأمر على خلاف هذا المعنى تماماً – فقد لا يسمع من في المسجد الإقامة إن كانت على المنارة وهذا يخالف المقصود تماماً. فالراجح: ما ذهب إليه بعض فقهاء الحنابلة من أن المستحب أن تكون الإقامة في المسجد؛ لأنها لإعلام الحاضرين وهم في المسجد فناسب أن تكون فيه، بخلاف الأذان فإنه لإعلام الغائبين فناسب أن يكون على المنارة.

стр. 493

* واعلم أن الإمام أملك بالإقامة كما أن المؤذن أملك بالأذان، فالمؤذن أملك بالأذان وهو إليه، وأما الإقامة فلا يشرع له أن يقيم إلا بإذن الإمام فإن فعل ذلك فقد أخطأ السنة، واستدلوا على ذلك: بما رواه ابن عدي أن النبي ﷺ قال: (المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة) (١) لكن الحديث إسناده ضعيف ولكنه ثابت عن علي ﵁ – كما في البيهقي (٢) بإسناد جيد. وهو الذي يدل عليه النظر الصحيح فإن الصلاة التي تقام من شؤون الإمام فيما يختاره من الوقت الأنسب لها فيما يوافق السنة وبما فيه الرفق بالمأمومين، فكان ذلك إلى الإمام بخلاف الأذان فإنه راجع إلى تحرى الوقت فكان راجعاً إلى المؤذن. والحمد لله رب العالمين الدرس الرابع والخمسون (يوم الاثنين: ١٧ / ٢ / ١٤١٥ هـ) قال المؤلف ﵀: (ولا يصح إلا مرتباً متوالياً) " ولا يصح ": أي الأذان " إلا مرتباً ": كما ورد " الله أكبر الله أكبر ... ...الخ لابد أن يكون مرتباً " متوالياً ": بحيث لا يكون بين جمله فاصل طويل عرفاً. ودليل هذه المسألة أن الوارد في الأذان الشرعي أن يكون مرتباً متوالياً، فلم يثبت التنكيس فيه ولا القطع.

стр. 494

فإذا ثبت ذلك فإن سواه مردود لكونه يخالف هدي النبي ﷺ في الأذان وكل عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو رد فإذا قدم بعض جمله على بعض فإن الأذان يبطل بذلك، وكذلك إذا فصله بفاصل طويل عرفاً كسكوت أو كلام طويل قاطع - ومرجع ذلك إلى العرف؛ لما تقدم - وكل عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو رد. قال: (من عدل (١)) أما إن كان فاسقاً فلا يصح أذانه وهذا رواية عن أحمد وهو المشهور عند الحنابلة، لقوله ﷺ : (والمؤذن مؤتمن) (٢) والفسق ضد الأمانة، فالواجب أن يكون أميناً ومن كان فاسقاً فليس كذلك. قالوا: ولأن الله قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ (٣) وهذا خبر فوجب أن يرد؛ لأن خبر الفاسق مردود. - وذهب الشافعي وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى صحة أذان الفاسق؛ لأنه قد قام بوظيفة الأذان وهو مسلم وداخل في عموم قوله ﷺ : (فليؤذن لكم أحدكم) (٤) . وأما قضية الخبر فهي راجعة إلى السامعين. ولكن هذا فيه نظر ظاهر، فالأرجح مذهب أهل القول الأول، ولكن هذا ليس على الإطلاق، وإنما ذلك حيث يعتمد على أذانه أما إذا كان في بلدة فيها غيره من المؤذنين الذي يعتمد على أذانهم في الصلاة والصيام فإنه يصح أذانه لأن الله قال: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ وهنا يتم التبين والتثبت بسماع غيره من المؤذنين الذين هم من أهل العدالة والصدق. فإذن: إنما يرد ولا يصح أذانه حيث كان في حالة يعتمد على أذانه فيها كأن يكون في قرية أو نحوها هو المؤذن.

стр. 495

أما إذا كان أذانه بمنزلة السنة المؤكدة، فإنه إذا أذن بعض المؤذنين في البلد وقامت بهم الكفاية فأذان غيرهم من باب السنة المؤكدة لأنه قد قام الفرض بأذان غيره – فعلى ذلك أذانه صحيح لأنه يمكن التبين والتثبت بسماع غيره من المؤذنين. قال: (من عدل ولو ملحناً) أي ولو كان مطرباً، أي فيه تطريب وتحسين صوت على هيئة غير شرعية بأن يكون فيه زيادة في المد وفيه شيء من ترديد الصوت أو نحو ذلك مما يخرجه عن هيئته الشرعية إلى أن يكون مشابها للغناء فهذا هو الملحن، فإنه لو كان ملحنا فالأذان صحيح. وهذا أحد الوجهين في مذهب أحمد وهو المشهور. وأما الوجه الثاني في المذهب فهو: أن أذان الملحن لا يجزئ. واستدلوا: بما رواه الدارقطني: أنه كان للنبي ﷺ مؤذن يطرب فقال له: (إن الأذان سهل سمح " أي بغير تكلف " فإن كان أذانك سهلاً سمحاً وإلا فاعتزلنا) (١) لكن الحديث إسناده ضعيف. وهو ثابت عن عمر بن عبد العزيز كما رواه البخاري عنه معلقاً مجزوماً به ووصله ابن أبي شيبة (٢) .
следующие страницы →