← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وهذا هو الذي يسع الناس، فمتى خرج من بيته إلى المسجد سواء كان قبل الصلاة بزمن يسير عرفاً أو كثير عرفاً ولم ينو قطع النية فإن هذه النية تجزئه، لأن النية ثابتة باقية وقد نواها فلم يقطعها فتكون كافية لصلاته. إذن: لا يشترط الزمن اليسير للنية عرفاً بل لو قدمها قبل الصلاة بزمن كثير عرفاً لكنه لم يقطع هذه النية فإن هذا كاف مع نيته، لأن النية باقية والواجب أن تكون شاملة للصلاة، وقد شملتها لأنه لم يقطع هذه النية، فعدم قبول هذه النية وإبطال الصلاة بمثلها باطل؛ لأن النية باقية فلم يقطعها، وليس ثمت دليل يوجب أن تتقدم بزمن يسير أو تكون مقارنة للتكبير بل متى نوى ولم يقطع فإن ذلك مجزئ. قال: (فإن قطعها في أثناء الصلاة أو تردد بطلت) إن قطعها أثناء الصلاة، كأن يصلي رجل وهو في صلاته قطع النية، أو تردد أي قال: هل أقطع الصلاة أم لا، فهو لم يقطع النية لكنه تردد، وهناك جزم. إذن هنا صورتان. وأصل هذه المسألة: أنه يجب عليه أن يستصحب حكمها، واستصحاب حكمها ألا ينوي قطعها، فإذا نوى قطعها فإن الصلاة تبطل. أما إذا تردد فقولان في المذهب: القول الأول: هو هذا، وأنه متى تردد فإن الصلاة تبطل؛ لأن التردد يخالف الجزم الواجب، والنية يجب أن تكون جازمة، ويجب عليه أن يكون مستديماً للنية، وما دام متردداً فليس بمستديم لها. والقول الثاني في المذهب: أن ذلك ليس بمبطل للصلاة؛ ذلك لأنه قد نوى نية متيقنة واستصحب حكمها وتردد ولم يقطع، فهو لم يقطع ومجرد تردده ليس بقطع، وإن نافى الجزم فإنه لم يبطل النية الجازمة. فإنه قد نوى نية متيقنة جازمة في أول صلاته ثم كان الواجب عليه أن يستصحب حكمها بأن لا ينوى قطعها فهو ما لم ينو القطع فهو مستصحب للحكم، وهذا التردد خارج عن النية، فالنية ما زالت مستصحبة وإنما وقع تردد في قلبه هل يبطل هذه النية أم لا.

стр. 632

بخلاف التردد في أول الصلاة فإنه لم يدخل بنية متيقنة فلا تصح؛ لأن النية غير مجزوم بها. وهذا القول هو الأظهر: وأنه إن تردد تردداً مجرداً عن نية القطع فإن الصلاة تكون صحيحة، ومثل ذلك الصيام وغيره من الأحكام التي يجب أن يكون مستصحباً للنية حكماً بألا ينوي القطع. بخلاف فالو قال: قطعت الصلاة، ثم قال: لا بل أبقى - أي في قلبه -، فإن هذا قطع، فهذا التردد ليس كالسابق، بل هذا قطع، فإذا فعل مثل ذلك فهذا باطل وليس هو المقصود فيما تقدم. قال: (وإن شك فيها استأنفها) رجل في أثناء الصلاة [شك] (١) هل نوى أم لا؟ فحينئذ يجب عليه أن يعيد الصلاة فينوى ويكبر، لأنه وهو في أثناء الصلاة قد شك في نيته والأصل عدم النية، ولما وجد الشك ثبت لنا الحكم بأنه لا نية له؛ لأن الأصل هو عدم النية وحيث شك فإنا نعود إلى الأصل، هذا ما لم تكثر الشكوك والوسوسة في الصلاة. فإن كثرت الشكوك والوسوسة فإنه حينئذ: لا يحكم له بذلك، لأن الأصل هو بقاء النية لا عدمها. فإن شك بعد الصلاة فلا يؤثر ذلك إجماعاً؛ لأن الصلاة قد ثبتت صحيحة فلا يؤثر فيها الشك، واليقين لا يزول بالشك، فإن الأصل هو ثبوتها وصحتها ما لم يثبت مبطل لها، وهذا المبطل مشكوك فيه فنبقى على الأصل من صحة الصلاة وهذا بالإجماع. إذا شك في نيته في أثناء الصلاة ثم تذكر أثناء الصلاة أنه قد نوى الصلاة؟ فهذا لا يؤثر في صلاته بل يتمها، لأنه لم ينو قطعها، والنية ثابتة وحكمها مستصحب لكنه شك في ثبوتها، فمثل هذا لا يؤثر في النية، لأنه لا يجب أن تكون النية متذكرة في الذهن، وإنما الواجب ألا يكون قد نوى قطعها. فإذا غابت عن ذهنه فأداه ذلك إلى الشك فتذكرها بعد شكه قبل أن ينوى القطع فإن ذلك لا يؤثر فيها. قال: (وإن قلب منفرد فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز)

стр. 633

" منفرد ": ومثله المصلي مطلقاً ولعل هذا للتمثيل، فإن في عبارة بعضهم " مصل " أي سواء كان هذا المصلي إماماً أو مأموماً أو منفرداً، وإنما نص على المنفرد؛ لأنه في الغالب هو الذي يحتاج إلى قلبها لأنه قد تحضر جماعة فيحتاج إلى أن ينقطع من صلاته هذه ويدخل مع الجماعة فيؤديها جماعة. ولئلا يبطل عمله، فإنه يقلب فريضته هذه إلى نفل. والظاهر أن مرادهم: نفل مطلق لتعليلهم، فإنهم قالوا في تعليلهم هذه المسألة: بأن نيته الأولى شاملة للنفل فهي نية فريضة لكنها شاملة للنفل أيضاً حيث أنه إذا صلى الفريضة فإنه ينوي أنها صلاة وأنها صلاة فرض أو أنها ظهر فيقوم مقام النية أنها فرض. فالذي يصلي الفريضة يجتمع في نيته شيئان أنها صلاة وأنها فرض. فإذا ألغى الفريضة وقطعها بقى أصل الصلاة له، وهذا هو المشهور في المذهب، وأن من نوى قلب فريضته نفلاً - والظاهر أنه نفل مطلق لإطلاقاتهم ولتعليلهم، لأن النفل المقيد ليس بصلاة فقط بل هو صلاة مقيدة، فكما أن الفريضة صلاة مقيدة بكونها فرض، فالنفل المقيد صلاة مقيدة بكونها مثلاً راتبة ظهر ونحو ذلك، فهي صلاة مقيدة فلم يتضمنها نية الفريضة. إذن: المشهور في المذهب أن من قلب فريضة إلى نفل - والظاهر أنه مطلق - فإن ذلك يصح منه. - والقول الثاني في المذهب وهو وجه عند الشافعية: أنه لا يجزئه ذلك؛ لأن الواجب في العبادة فرضاً كانت أو نفلاً أن تكون النية من أولها إلى آخرها وهنا لم ينو من أولها. ولكن هذا القول مع قوته هو ظاهر حيث كان التنفل مقيداً. أما إذا كان مطلقاً فإن نية الفريضة شاملة لنية النفل، فإنه إذا كبر بنية الفريضة فإن هذا شامل لكونها صلاة ولكونها فريضة، فإذا نوى النفل إلى مطلق الصلاة فإنه يبقى على النية الأولى.

стр. 634

ومع ذلك في القول الثاني قوة فينبغي التريث في مثل هذه المسألة من نقل الفريضة إلى نافلة، وأن يتم صلاته فريضة على هيئتها، فإن هذه النية وإن كانت متضمنة لكونها صلاة، لكنها هنا صلاة مطلقة وهناك صلاة بقيد أنها فريضة، وفرق بين نية الفريضة ونية النافلة. والعلم عند الله تعالى. قال: (وإن انتقل بنية من فرض إلى فرض بطلا) كأن ينوي الانتقال من فريضة العصر إلى فريضة الظهر فلا يجزئ ذلك؛ وذلك لأن النية يجب أن تكون شاملة لأول الصلاة وآخرها وهو قد قلبها في آخر الصلاة فلم تكن شاملة لأول الصلاة كما شملت آخرها، والواجب فيها أن تكون شاملة لأولها وآخرها. فلم تصح الثانية؛ لأن الواجب في الصلاة أن تكون نية الظهر من أول الصلاة إلى آخرها، وهو لم ينوها ظهراً إلا آخر الصلاة. وكذلك الأولى لا تصح؛ لأنه أبطلها بقطعها لذا قال " بطلا " أما الفرض الأول فإنه بطل لأنه قطعه. وأما الثانية فإنها بطلت؛ لأن النية فيها لم تكن شاملة لها من أولها. والأولى ألا يُعبَّر لها بالبطلان لأنها لم تنعقد أصلاً، فهذه الصلاة لم تنعقد أصلاً حتى يحكم لها بالبطلان، ولكن لعل هذا من باب التغليب مع الحكم على الفريضة الأولى. والحمد لله رب العالمين. الدرس التاسع والستون (يوم الأربعاء: ١٠ / ٣ / ١٤١٥ هـ) قال المؤلف ﵀: (وتجب نية الإمامة والمأموم (١)) فشرط في صحة الصلاة نية الإمام والمأموم سواء كانت الجماعة فرضاً كالفرائض الخمس أو نفلاً كصلاة التراويح ونحو ذلك. فيجب ويشترط أن ينوي المأموم الائتمام والاقتداء، وأن ينوي الإمام الإمامة – هذا هو المشهور في المذهب. وعليه: إن لم تثبت النية فالصلاة باطلة. - والقول الثاني في المذهب: أن الصلاة صحيحة فراداً، فلا يكون لهم أجر الجماعة، ويأثمون على أنهم صلوا فرادى.

стр. 635

فعلى ذلك تكون هذه النية شرط في صحة الجماعة فتصح الصلاة دون الجماعة. وحجة ما ذهب إليه أهل القول الأول: ما يترتب على الجماعة من الأحكام فيترتب عليها ترك سجود السهو للمأموم، ووجوب المتابعة وسقوط الفاتحة – على المذهب – على المأموم، فلما كان ذلك كانت شرطاً في صحة الصلاة، فحيث لم ينو الإمامة أو الائتمام فالصلاة باطلة. والقول الراجح هو القول الثاني في المذهب وهو مذهب الشافعية، فالراجح أن نية الإمام والمأموم شرط في صحة صلاة الجماعة، فتصح الصلاة؛ لأنها قد توفرت فيها أركانها وواجباتها وإنما يترتب عليها ما ذكروه من الأحكام المتقدمة حيث شرع في النية، فإذا دخل المأموم بنية الائتمام فترتب عليه تلك الأحكام وحيث لم ينو ذلك فإن الأحكام لا يثبت فيها شيء من ذلك، فهي إنما ثبتت حيث تعلقت صلاتهما ببعضهما وذلك إنما يكون بالنية وحيث لا نية فلا ارتباط ولا تعلق – وحينئذ تثبت لهم فرادى. وإنما لم نقل ببطلان الصلاة لأنها قد ثبتت على الوجه الشرعي الذي يطالب به المكلف. ويجب عليه أن يصليها جماعة بنية الجماعة والائتمام، وحيث لم يفعل ذلك فإنها تصح لكنها تصح على أنهم فرادى لا على أنهم جماعة. فعلى ذلك: لو دخل في الصفوف ولم ينو الائتمام بل نوى أن يصلي فرداً وإن كان ظاهر صلاته المتابعة فإن صلاته تصح. قال: (وإن نوى المنفرد الائتمام لم تصح كنية إمامته فرضاً) هنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أن ينوي الإمامة وقد كان منفرداً وكان ذلك في نفل – كالتراويح –. المسألة الثانية: أن ينوي الإمامة في الفرض. مثال: رجل منفرد يصلي صلاة الظهر فدخل معه أحد أثناء الصلاة، فهل يقلب نيته إلى إمام بعد أن كان ناوياً الانفراد أم لا؟ المسألة الثالثة: أن ينوي الائتمام أثناء صلاته منفرداً فرضاً أو نفلاً. مثال: رجل يصلي منفرداً فحضرت جماعة فهل له أن ينوى الائتمام معهم فيصلي جماعة معهم أم لا؟

стр. 636

وإنما جعلت هذه مسألة مع أنه يمكن أن تقسم إلى مسألتين لأن الحكم فيها – على المذهب – واحد. أما المسألة الأولى: - فالمذهب على القول بصحتها، وهي ما إذا نقل صلاته من منفرد إلى إمام أو من مأموم إلى إمام، فالمذهب على القول بصحتها. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس في بيتوته عند خالته ميمونة وفيه: أنه قال (فقام النبي ﷺ فصلى، فقمت لما رأيته صنع ذلك فتوضأت من القربة ثم قمت إلى شقه الأيسر) (١) الحديث – فيه أن النبي ﷺ أقرَّه، والنبي ﷺ هنا قد نقل نيته من نية الانفراد إلى نية الإمامة. لذا قال هنا المؤلف: (لم تصح كنية إمامته فرضاً) وظاهره أنه إذا نوى الإمامة في الصلاة نفلاً فإنها تصح. أما المسألة الثانية: فهي أن ينقل صلاته إلى صلاة جماعة من منفرد إلى إمام في صلاة فريضة: فالمشهور في المذهب: أن هذه النية لا تصح، لأن هذه النية لم تشمل أول الصلاة. والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد وصححه الموفق: أن نية الإمامة تصح هنا قياساً على النفل، والأصل أن ما يثبت نفلاً فهو ثابت فرضاً إلا بدليل يدل على التخصيص، والأعمال بالنيات في الفرائض والنوافل، فهنا لما صحت في النافلة فالأصل أنها تصح في الفريضة إلا أن يدل دليل على ذلك، ولا دليل على تخصيص النافلة في هذا الحكم. وهذا القول الراجح وأنه في الفريضة يجوز له ذلك. أما المسألة الثالثة: فهي في نية الائتمام: - فالمذهب أن ذلك لا يجوز ولا يصح سواء كانت الصلاة فرضاً [أم نفلاً] (٢) . مثال: رجل منفرد فنوى الائتمام أثناء الصلاة فلا يصح ذلك سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً. والعلة ما تقدم وهي أنه لم ينو الائتمام من أول الصلاة.

стр. 637

- والقول الثاني في المذهب وهو رواية عن الإمام أحمد: أن هذا الفعل يصح؛ لأنها نقل من الانفراد إلى الجماعة، فأشبهت النقل إلى الإمامة. تقدم أن النقل إلى الإمامة جائز فرضاً ونفلاً والأدلة تدل عليه، فهو نقل من الانفراد إلى الجماعة. وهنا كذلك نقل إلى الجماعة من الانفراد إلى الائتمام، فإذا ثبت جواز نقل المنفرد صلاته إلى إمام ليصلي جماعة، فكذلك نقله صلاته إلى مأموم ليصلي جماعة، لا فرق بينهما. وهذا القول الراجح. فالراجح في هذه المسائل كلها أنه يصح أن ينقل المنفرد صلاته إلى صلاة جماعة سواء كان ذلك بنية الإمامة أو الائتمام وهو قول في المذهب. قال المؤلف: (إن نوى المنفرد الائتمام لم تصح) ظاهره فرضاً ونفلاً، هذا ظاهر الإطلاق. " كنية إمامته فرضاً " وظاهره أنه لو نواها نفلاً فإنه يصح. قال: (وإن انفرد مؤتم بلا عذر بطلت) إذا كان رجل يصلي مأموماً ثم فارق إمامه. هو عندما صلى مأموماً فقد تعلقت صلاته بصلاة إمامه حيث نوى، فهنا فرق بين هذه المسألة، والمسألة السابقة. فالمسألة السابقة: صلى بلا نية الائتمام، أما هنا فقد نوى الاقتداء بالإمام ثم فارق إمامه فما حكم ذلك؟ له حالتان: ١- أن يفارق المأموم لعذر، فالصلاة تصح. والعذر: ما يباح له ترك الجماعة كأن يخشى فوات رفقة أو ضياع مال أو نحو ذلك فيفارق الإمام ويتم صلاته منفرداً. ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين: أن معاذاً صلى بأصحابه العشاء فافتتح البقرة فتأخر رجل من أصحابه فصلى وحده فقيل له: نافقت يا فلان، فقال: ما نافقت لآتين النبي ﷺ فأخبره، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: (أفتان أنت يا معاذ) (١) .

стр. 638

فهنا طرأ عليه العذر وهو إطالة الإمام وهو في صلاة العشاء وكانوا يعملون بأعمال فيكون ذلك متعباً لهم فيكون في ذلك مشقة وحرجاً ففارقه وأجاز له النبي ﷺ ولم يأمره بالإعادة. ٢- أن يفارقه بلا عذر: فإنها تبطل لأنه فارق الإمام. ومفارقة الإمام ترك لواجب، ومن ترك واجب عمداً بلا عذر فإن الصلاة تبطل، أما إن كان عاجزاً فيسقط عنه، وإن كان ساهياً فيجبره بسجود سهو. قال: (وتبطل صلاة مأموم بصلاة إمامه فلا استخلاف) فيه أن صلاة المأموم تبطل بصلاة الإمام مطلقاً بعذر أو غير عذر؛ لأن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام. فنية الائتمام تربط صلاة المأموم بصلاة إمامه فيحمل عنه سجود السهو، ويسقط الفاتحة وهناك أحكام كثيرة تترتب على ذلك فهي مرتبطة بها، وحيث كان ذلك فإنها تبطل ببطلانها، وهنا فلا استخلاف؛ لأن صلاة المأمومين باطلة، والاستخلاف إنما يبنى على الصحة، وحيث كانت باطلة فلا استخلاف. والقول الثاني في المذهب وهو مذهب الشافعية: أن صلاة المأموم لا تبطل بصلاة إمامه، لقوله ﷺ : (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وأن أخطؤوا فلكم وعليهم) (١) . ثم إن هذا المأموم قد قام بما يجب عليه من الائتمام وبما يجب عليه من فرائض الصلاة وواجباتها فلا دليل على إبطال صلاته. وعليه: فيتمون صلاتهم فرادى، وللإمام أو لهم أن يستخلفوا خلافاً للمذهب أيضاً. كما ثبت في البخاري: (أن عمر بن الخطاب لما طعن أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فأتم بهم الصلاة) (٢) فهنا قد استخلف عمر عبد الرحمن بن عوف وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر ذلك فكان حجة.

стр. 639

وعلى ذلك: فإن المأمومين يتمون صلاتهم إما فرادى، ولهم – كذلك – وهو الأولى أن يستخلفوا، إما بأن يستخلف الإمام من يتم الصلاة، وإما بأن يتقدم أحد منهم فيتم الصلاة بهم – هذا هو القول الراجح في المذهب. فالقول الراجح: أن صلاة المأموم مرتبطة متعلقة بصلاة الإمام، لكن له أن يفارقه حيث كان معذوراً كما تقدم فإنه من المعلوم أن المأموم – وهو الذي دلت عليه السنة – يفارق الإمام حيث كان معذوراً، وهنا هو معذور عن متابعة الإمام، فالإمام قد بطلت صلاته وهو معذور حيث انفرد وفارق وصلى وحده، فكما أنها انقطعت العلاقة بينهما في الصلاة حيث كان معذوراً ففارق إمامه، فهنا أولى. قال: (وإن أحرم إمام الحي بمن أحرم بهم نائبه وعاد النائب مؤتماً صح) يعني: رجل له نائب في المسجد، فصلى النائب فحضر الإمام فتقدم الإمام وتأخر النائب، فكان أن أحرم إمام الحي وهو الإمام الراتب، بمن سبق أن أحرم بهم نائبه، فذلك يصح. فهنا: أتى الإمام الراتب فنوى الإمامة فهذا صلاته لا إشكال فيها لأنه من أول الصلاة قد نوى الإمامة – أي على المذهب لا إشكال في ذلك –. وانتقل الإمام إلى مؤتم، فيتحول النائب من نية الإمامة إلى نية دونها وهي نية الائتمام، والاقتداء لمصلحة راجحة وهي ثبوت صلاة الإمام الراتب. ودليله: ما ثبت في الصحيحين في قصة مرض النبي ﷺ من حديث عائشة وفيه: (فجاء النبي ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان يصلي بالناس جالساً وأبو بكر قائماً يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر) (١) لأنه هو القائم الظاهر لهم. فهذا فعله والأصل عدم خصوصيته وإلحاق غيره به.

стр. 640

فمتى كان إماماً راتباً فتقدم وتأخر النائب، فالصلاة صحيحة؛ لفعل النبي ﷺ ، والأصل هو عدم الخصوصية. والحمد لله رب العالمين. انتهى باب شروط الصلاة. ويليه باب صفة الصلاة.

стр. 641

باب صفة الصلاة الدرس السبعون (يوم السبت: ٢٠ / ٣ / ١٤١٥ هـ) " صفة الصلاة " أي كيفيتها الواردة عن النبي ﷺ ويدخل في ذلك الصفة المجزئة والصفة المستحبة. والأصل في هذا الباب ما ثبت في البخاري من حديث مالك ابن الحويرث وفيه – أن النبي ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (١) ويستحب أن يمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار. لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (٢) فهذا الحديث فيه أن المستحب أن يمشي بسكينة ووقار. والسكينة: هي التأني بالحركات وعدم العبث. والوقار: هو أن يكون بسمت حسن من غض للبصر ونحو ذلك، وأكد ذلك بقوله (ولا تسرعوا) فيكره الإسراع إلى الصلاة أو أن يمشي إليها بغير وقار، بل ينبغي أن يتصف بالتأني المنافي للإسراع، والوقار الذي ينبغي أن يتصف به العاقد إلى الصلاة. وهذا الحديث عام في كل حال سواء كان إسراعه يفيده إدراكاً لتكبيرة الإحرام، أو إدراكاً للركعة أو إدراكاً للجماعة، فإنه لا يسرع الإسراع بل المستحب التأني مطلقاً. وقد نص الإمام أحمد على أنه إذا كان يرجو إدراك تكبيرة الإحرام فإنه لا بأس بالإسراع غير القبيح. وذهب بعض أهل العلم: إلى أنه لا بأس بالإسراع إذا كان لإدراك ركعة. وذهب بعضهم: إلى أنه لا بأس بالإسراع إذا كان يدرك الجماعة.

стр. 642

والصحيح أنه لا يشرع الإسراع مطلقاً، ودليل هذا ما ورد في رواية مسلم أن النبي ﷺ قال: (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى صلاة فهو في صلاة) (١) فدل ذلك على أن المشي إلى المساجد صلاة، ولا يشرع في هذه الصلاة إلا أن يمشي بسكينة ووقار سواء كان يدرك بإسراعه تكبيرة الإحرام أو لا، وسواء كانت تفوته الجماعة إن لم يسرع أو لا تفوته. فالعلة – من عدم الإسراع - هي أنه في صلاة فلا يشرع له أن يسرع. قال ﵀: (يسن القيام عند " قد " من أقامها) أي عند قوله: (قد قامت الصلاة) كما صرح بذلك صاحب المغني وغيره – وهذا إذا كان الإمام في المسجد يراه المأمومون. هذا هو المشهور في المذهب – قالوا: لأن قوله (قد قامت الصلاة) خبر بمعنى الأمر، أي قوموا إليها وانتصبوا قائمين لأدائها، وهذا المشهور في المذهب وهو مروي عن ابن عمر كما في مصنف عبد الرزاق (٢) ، وعن أنس كما عند ابن المنذر (٣) . والمذهب الثاني: أن المشروع أن يقوم إذا انتهى المقيم من إقامته، وهذا مذهب الشافعية (٤) . والقول الثالث، وهو مروي عن طائفة من التابعين كعمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله بن عمر والزهري: أن المشروع أن يقوم عند أول شروع المقيم بالإقامة.

стр. 643

وهذه المسألة الباب فيها واسع، ولكن مع ذلك – فيما يظهر – الأولى أن يقوم عند أول شروعه بالإقامة؛ ذلك لعدة أوجه. الوجه الأول: أن هناك إشارات إلى هذه المسألة في بعض الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ ، فمن ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: (أن الصلاة تقام لرسول الله ﷺ فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي ﷺ مقامه) (١) .

стр. 644

والنبي ﷺ كان يأمرهم بعد الإقامة أن يستووا ويعتدلوا، كما وردت الأحاديث في هذا، ومعلوم أنهم لو قاموا عند قوله (قد قامت الصلاة) أو بعد انتهاء الإقامة لما كان ذلك كافياً لأن يسووا صفوفهم قبل أن يقوم النبي ﷺ مقامه، بل الظاهر أنهم كانوا يقومون عند شروع المؤذن بالإقامة أو عند رؤيتهم الإمام وهو يأتي لإقامة الصلاة، وأن هذا هو الوقت الكافي لأن يأخذوا مصافهم حيث كان يأمر بتسوية الصفوف بعد إقامة الصلاة، فقد ثبت في صحيح البخاري عن أنس قال: (أقيمت الصلاة فأقبل علينا النبي ﷺ بوجهه وقال: (أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري) (١) . فهنا كان النبي ﷺ يأمرهم بتسوية الصفوف بعد الإقامة، وفي الحديث السابق كانوا يقومون ويسوون الصفوف قبل أن يقوم النبي ﷺ مقامه، فيبعد أن يكون قيامهم عند انتهائه، وأظهر منه أن يكون ذلك عند قوله (قد قامت الصلاة) .

стр. 645

٢- ويقوي هذا - وهو الوجه الثاني -: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه إلى الزهري بسند صحيح قال: (كان الناس ساعة يقول المؤذن (الله أكبر، الله أكبر) يقيم الصلاة يقومون فيأتي النبي ﷺ مقامه ثم تُعدل الصفوف) (١) . الوجه الثالث: أن المعنى الذي ذكره الحنابلة في لفظة (قد قامت الصلاة) ثابت في الإقامة كلها. نعم لفظة (قد قامت الصلاة) هي صريح الإقامة لكن ألفاظها كلها إنما شرعت ليقوم الناس إلى الصلاة، فإنها تسمى إقامة، كما أن النداء صريحه: (حي على الصلاة حي على الفلاح) وكله نداء، فهذه كلها إقامة وإن كان صريحها لفظة (قد قامت الصلاة) . فأقوى الأقوال - مع أن فيه سعة - ما ذهب إليه بعض التابعين: من أن المشروع أن يقوم عند شروع المؤذن بالإقامة. وهذا – كما تقدم – إذا كان الإمام في المسجد أو كان في معنى من هو في المسجد كأن يكون قريباً إلى المسجد فأقام الصلاة له.

стр. 646

أما إذا لم يكن الأمر كذلك فأقامها وهم ينتظرون الإمام، والإمام ليس في المسجد ولا قريباً منه، وهذا وإن كان يقل وقوعه في هذه الأزمان، لكن كان يكثر وقوعه للنبي ﷺ والخلفاء ونحو ذلك، فقد كانت الصلاة تقام قبل حضورهم فيسمعون الإقامة فيأتون إلى المسجد فمثل هذا لا يشرع القيام حتى يروه؛ لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني) (١) . قال: (وتسوية الصفوف) أي يسن تسوية الصفوف وتسوية الصف بأن يتراص المصلون فيه بأن يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعب صاحبه. فقد ثبت في صحيح البخاري عن أنس في الحديث المتقدم الذي فيه: أن النبي ﷺ أقبل عليهم بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري) (٢) قال أنس: فكان الرجل - أي من أصحاب النبي ﷺ يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه ". فهذا الفعل من أصحاب النبي ﷺ والنبي يراهم، فإنه قال: (فإني أراكم من وراء ظهري) فكان يراهم.

стр. 647

وفي سنن أبي داود – وأصله في الصحيحين – من حديث النعمان بن بشير: أن النبي ﷺ أقبل علينا بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم ثلاثاً – ثم قال: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) قال: فكان الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه) (١) . فالإطلاق المتقدم في رواية البخاري من قول أنس من قوله: (وقدمه بقدمه) هنا قد ثبت التصريح بأن ذلك في الكعب. وهذا ظاهر في أول الصلاة وأن الواجب أو المشروع للمصلين أن يتراصوا في الصف بأن يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبته وكعبه بكعبه – والأحاديث فيه واضحة –. وأما بعد ذلك فالأظهر – ولم أر لأحد من أهل العلم في هذه المسألة كلام، والأظهر -: أن يكون ذلك من غير مشقة، ومعلوم أن متابعة ذلك في كل ركعة من ركعات الصلاة فيه مشقة بخلاف التراص فإنه لا مشقة فيه. ففي آخر الصلاة لا يبقى ذلك مشروعاً في حقه لثبوت تراص فيما تقدم، ومثل هذا فيه إلحاق مشقة وكلفة. وظاهر قوله (وتسوية الصفوف) أن ذلك مسنون وهذا مذهب جمهور العلماء وحكى إجماعاً. لكن هذا فيه نظر، فقد ذهب شيخ الإسلام ووجَّه ذلك صاحب الفروع وهو مذهب الظاهرية ومذهب الإمام البخاري: أن ذلك واجب والأدلة دالة على ذلك.

стр. 648

فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) (١) أي ليلقين الله في قلوبكم العداوة والبغضاء ومثل هذا لا يقال إلا فيما كان محرماً، ويفسره الرواية المتقدمة في أبي داود: (أو ليخالفن الله بين قلوبكم) (٢) فهذا يدل على أن تسوية الصفوف واجبة إذا لا يترتب مثل هذه العقوبة إلا على أمر واجب وتركه محرم. فإذا ثبت وجوب ذلك: فمثل ذلك على الراجح – وهو مذهب الظاهرية -: أن ترصَّ الصفوف بعضها ببعض فلا يكون بين الصفوف إلا ما يكفي المصلين لإقامة ركوعهم وسجودهم، فيجب أن تكون قد اتصل بعضها ببعض ولا يكون بين كل صف وصف مسافة زائدة على ما يحتاج إليه المصلي لإقامة ركوعه وسجوده. يدل على ذلك: ما ثبت في أبي داود أن النبي ﷺ قال: (رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق والذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يتخلل بين الصفوف كأنها الحذف) (٣) وهي صغار المعز. ففيه الأمر بأن تقارب الصفوف بعضها إلى بعض لقوله: (وقاربوا) . وذلك – أي ما يكفي المصلي لركوعه وسجوده ذلك - بنحو ثلاثة أذرع. وقد وردت أحاديث تدل على وجوب تسوية الصفوف:

стр. 649

فمن ذلك: ما ثبت في أبي داود أن النبي ﷺ قال: (أقيموا صفوفكم وحاذوا بين الأعناق وسددوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم " أي لتسوية الصفوف " ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله) (١) فقوله (قطعه الله) ، ظاهر ذلك الإثم وأن من قطع شيئاً من الصفوف بأن جعل بينها خللاً فإنه يقطعه الله، ومثل هذه العقوبة لا تكون إلا على فعل أمر محرم.

стр. 650

وقد كان النبي ﷺ يبالغ في تسوية الصفوف حتى كان يقومها كالقِدْح. كما ثبت هذا في أبي داود عن النعمان بن بشير قال: (كان النبي ﷺ يسوينا في الصلاة كما يقوم القدْح) (١) وهو خشبة الرمح أي كما تنحت خشبة الرمح وتسوى وتقوم بحيث تكون في غاية الاعتدال لا اعوجاج فيها ولا ميل. وثبت في سنن أبي داود عن أنس بن مالك بإسناد صحيح قال: (كان النبي ﷺ يتخلل بين الصفوف من ناحية إلى ناحية يمسح على صدورنا ومناكبنا ويقول لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ثم يقول " إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المقدمة) (٢) مسائل في تسوية الصفوف:

стр. 651

منها: أن أفضل الصفوف الصفوف المتقدمة وخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وشر صفوف النساء أولها وأفضلها آخرها، كما ثبت هذا في مسلم عن النبي ﷺ قال: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) (١) وذلك للقرب من الرجال. فالأفضل الصفوف المقدمة للرجال، والمتأخرة للنساء. والأفضل الصفوف التي تقع في ميمنة المسجد؛ لما ثبت في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما عن البراء قال: (كنا إذا صلينا وراء النبي ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه فيقبل علينا بوجهه فسمعته يقول: (ربنا قنا عذابك يوم تبعث عبادك) (٢) .

стр. 652

وأما ما رواه أبو داود أن النبي ﷺ قال: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) (١) فالحديث وإن كان إسناده حسن لكنه معلول فهو شاذ، وقد رواه الثقات كما في المسند وسنن ابن ماجه عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف) (٢) هذا هو اللفظ المحفوظ كما قرر هذا البيهقي (٣)

стр. 653

وغيره، وأما لفظة (على ميامن الصفوف) فهي خطأ من بعض الرواة، فعلى ذلك الحديث ضعيف. وأما ما ورد في ابن ماجه أن النبي ﷺ قال: (من عمر ميسرة المسجد كان له كفلان من الأجر) (١) فالحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف فلا يثبت. فميمنة المسجد أفضل من ميسرته. ولكن هل من بَعُد وهو عن يمين الصف أفضل ممن قرب وهو عن يساره؟ قال صاحب الفروع: " ويتوجه أن بُعد يمينه ليس بأفضل من قرب يساره قال: ولعله مرادهم " أي مراد الحنابلة. أي: أن ذكرهم تفضيل الميمنة على الميسرة ليس عاماً بل يكون حيث استويا أو كانا متقاربين في القرب من الإمام. أما إذا كان صاحب الميسرة هو القريب من الإمام وصاحب الميمنة بعيد فهذا لا يدخل في مرادهم فهذا له فضيلة القرب وهذا له فضيلة الميمنة. ولم يصرّح بتفضيل الميسرة حينئذ، بل ذكر أن الميمنة – حينئذ – لا تكون أفضل من الميسرة فيحتمل أن تكون مثلها في الفضيلة أو أفضل منها. والأظهر التفصيل في هذا: فإن كان قريباً إلى الإمام بحيث يكون ممن يلي الإمام فهو أفضل، وإن كان في ميسرة المسجد ممن كان بعيداً في الميمنة لقوله ﷺ : (ليَلَنِي منكم أولو الأحلام والنهى) (٢) رواه مسلم، وهو شامل لمن كان والياً له عن يمينه وعن شماله.

стр. 654

وأما إن لم يكن ممن يلي الإمام فالأظهر التساوي فهذا قد فضل بالقرب وهذا قد فضل بالميمنة، فكل منهما فضيلته فحينئذ: لا يجزم بتفضيل أحدهما على الآخر. والمسألة الثانية: صفة إقبال الإمام على المأمومين لتسوية الصفوف؟ ظاهر الأحاديث الصحيحة أنه يقبل عليهم بوجهه، فمن ذلك ما تقدم من حديث أنس قال: (أقيمت الصلاة فأقبل علينا ﷺ بوجهه) (١) رواه البخاري، وما تقدم من حديث النعمان بن بشير في أبي داود وفيه: (أقبل علينا النبي ﷺ بوجهه) (٢) . وأما ما رواه أبو داود: أن النبي ﷺ : (أخذ عن يمينه فقال: (سووا صفوفكم واعتدلوا ثم أخذ عن يساره فقال: سووا صفوفكم واعتدلوا) (٣) فهو حديث ضعيف فيه مصعب بن ثابت الزبيري وهو ضعيف، فلا يكون معارضاً للأحاديث المصرحة في أن النبي ﷺ يقبل على الناس بوجهه. فعلى ذلك الأظهر أنه يقبل على الناس بوجهه. إذن: في مسألة تسوية الصفوف أربعة مسائل: المسألة الأولى: في كيفية ذلك: وأن المشروع فيه أن يلزق كعبه بكعبه وركبته بركبته ومنكبه بمنكبه فلا يكون التساوي بأطراف الأصابع كما يفعله كثير من الناس هذا أمر ليس بمشروع، فإن الناس يتفاوتون في ذلك فلا يتم حينئذ التساوي. والثانية: في حكم ذلك وأن الراجح فرضية ذلك ووجوبه. ومثل ذلك: أن يرص الصفوف بعضها ببعض.

стр. 655

والثالثة: في تفضيل صفوف الرجال المتقدمة على صفوفهم المتأخرة والعكس للنساء. وهذه المسألة ظاهرة في عهد النبي ﷺ ، وأما في الأزمان المتأخرة، حيث وضعت الجدر بين الرجال والنساء وأصبح عازل كامل بين الرجال والنساء، بخلاف المساجد كالحرمين أو نحوها أو عازل خفيف فإن الحكم يبقى –. أما إذا كان هناك عازل قوي قد فصل الرجال عن النساء، فيبقى القول بأن الصفوف المقدمة للنساء أفضل من الصفوف المتأخرة لزوال العلة؛ ولأن النساء شقائق الرجال كما في مسند أحمد (١) . فالأصل أن أحكام الرجال كأحكام النساء، والعلة التي جعلت صفوف النساء المتقدمة مفضولة عن الصفوف المتأخرة علة قد ذهبت وزالت حيث وجدت الجدر العازلة أو كانت النساء يصلين جماعة وحدهن. ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ فقال: يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف) (٢) الرابعة: في تفضيل ميامن الصفوف على مياسرها وأن الأفضل أن يصلي في ميمن الصف. مسألة: هل يشرع أن يكون الإمام وسط المأمومين؟ الحديث الوارد في هذا: (وسطوا الإمام وسدوا الخلل) (٣) فالحديث ضعيف فيه مجهولان.

стр. 656

فعلى ذلك لا يقال بمشروعية هذا، ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه. نعم في الأصل في المسجد ينبغي أن يكون متوسطاً في المسجد (١) كما هي محاريب المسلمين، وقد تناقله المسلمون خلفاً عن سلف من كون الإمام يكون في المسجد في وسط المسجد، وأما كون هذا في الصفوف بحيث ينهى عن عدم ذلك، فهذا ليس هناك ما يدل عليه. مسألة: إذا استوت الصفوف فهل يشرع أن يقول استووا ونحو ذلك - هذه المسألة في الحقيقة فيها إشكال – والأولى فيما يظهر لي: أن يقول ذلك قبل أن ينظر إلى الصفوف، فإذا أقيمت الصلاة وهم بالاستواء والاعتدال ثم تابع ذلك بالنظر وحينئذ يكون قوله سابق لعدم تبينه استواء الصفوف، وحيث لم نقل بمثل هذا فإن فيه شيئاً من النظر؛ لأن المقصود حاصل، والله أعلم. ولو قيل: يترك ذلك لأنهم عالمون به فحقيقة هو قول قوي، والعلم عند الله. والحمد لله رب العالمين. الدرس الحادي والسبعون (يوم الأحد: ٢١ / ٣ / ١٤١٥هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويقول: الله أكبر)

стр. 657

وهي تحريمة الصلاة كما ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (١) فبه (٢) تثبت الحرمة في الصلاة، فلا تنعقد الصلاة إلا بها اتفاقاً. فإن تركها ناسياً أو ساهياً لم تصح صلاته. ولا يصح إلا هذا اللفظ الذي ذكره المؤلف " الله أكبر "، أما لفظة: الله الأكبر أو الله أجل أو أعظم أو غير ذلك من الألفاظ، فإنها لا تجزئ، فلم يثبت عن النبي ﷺ أنه افتتح صلاته بغير لفظة " الله أكبر " وقد قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) (٣) .

стр. 658

وحقيقة التكبير الشرعي أن يقول " الله أكبر " فمتى قال غير ذلك من الألفاظ فإنه لا يجزئ، وقد ثبت في الصحيحين في حديث المسيء صلاته أن النبي ﷺ قال له: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر) (١) ، وفي أبي داود من حديث المسيء صلاته: (إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله) الحديث وفيه: (ثم يكبر الله (٢) . إذن: لا تنعقد الصلاة إلا بالتكبير " الله أكبر ". فإن أتى به على صيغة الاستفهام كأن يقول " آلله أكبر " فلا يجزئه. أو نكسه فلا يجزئه. ولا يجزئه – اتفاقاً – إلا أن يقولها: قائماً في الفريضة، فإن قالها قاعداً أو راكعاً وهو غير عاجز عن القيام فلا يجزئه. قال: (رافعاً يديه ... حذو منكبيه) السنة أن يرفع يديه مع تكبيرة الإحرام حذو منكبيه أو حذو فروع أذنيه، فكلاهما ثابتة عن النبي ﷺ . الصفة الأولى: أن يرفع يديه حذو منكبيه أي يكون الكفان حذو منكبيه. ودليله: ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: (كان النبي ﷺ يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع ولا يفعل بين السجدتين) (٣) . والصفة الثانية: الرفع إلى حذو الأذن أو فروع الأذنين.

стр. 659

ودليله ما ثبت في مسلم عن مالك بن الحويرث قال: (كان النبي ﷺ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه) وفي رواية: (حذو أذنيه) وفي رواية (حذو فروع أذنيه) (١) أي شحمة أذنيه. فيرفع إلى حذو الأذنين أو فروعهما، والأمر واسع فله أن يكون حذو الأذنين مباشرة أو فروعهما. وجمع بعض أهل العلم من المالكية وغيرهم بين هاتين الصفتين. فقالوا: تكون بطون الكفين حذو المنكبين وأطراف الأصابع حذو فروع الأذنين. ويدل عليه ما رواه أبو داود من حديث عبد الجبار بن وائل عن وائل بن حجر وفيه: (أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه وإنها حذو فروع أذنيه) (٢) لكن الحديث منقطع فيه ابن عبد الجبار بن وائل لم يدرك أباه. والأظهر أنهما ضعيفان، فالحديث ضعيف لا يثبت، فعلى ذلك هما ضعيفان،فأيهما فعل فقد أصاب السنة. والأفضل أن يفعل هذه تارة وهذه تارة. وهل التكبير يكون سابقاً للرفع أو الرفع سابق للتكبير أو يكونا معاً؟ المشهور في المذهب: أنه يرفع يديه مع شروعه بالتكبير، فيبدأ برفع يديه مع شروعه بالتكبير. فإذا انتهى التكبير يكون قد رفع يديه ثم يحطهما.

стр. 660

ودليل ذلك: ما ثبت في أبي داود من حديث وائل بن حجر أن النبي ﷺ : (كان يرفع يديه مع التكبيرة) (١) . وقد وردت السنة بصفتين أخريين: الثانية: أن يرفع ثم يكبر، فيكبر واليدان على ارتفاعهما ثم يحطهما. ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم من حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ قام إلى الصلاة فرفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم كبر) (٢) ونحوه من حديث أبي حميد الساعدي في أبي داود والترمذي (٣) وغيرهما. وفي سنن أبي داود من حديث ابن عمر: (ثم كبر وهما كذلك) (٤) أي وهما مرفوعتان. ومما يدل عليها كذلك حديث مالك بن الحويرث – في مسلم – (أنه رأى النبي ﷺ صلى فرفع يديه ثم كبر) (٥)

стр. 661

والصفة الثالثة - ولم أر أحداً من أهل العلم قال بها -: وهي أن يكبر قبل رفع اليدين، فإذا كبر رفع يديه، وهي ثابتة في مسلم من حديث مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ : (كبر ثم رفع يديه) (١) . ولم أر أحداً من أهل العلم قال بها، لذا قال الموفق - وهو المشهور في المذهب –: أنه إذا كبر وانتهى من التكبير ولم يرفع يديه فإن السنة قد فات محلها، وهذا خلاف السنة فقد تقدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ أنه كبر ثم رفع يديه. فالسنة أن يرفع يديه حذو منكبيه. فإن لم يستطع أن يرفعهما حذو منكبيه رفعهما بقدر الاستطاعة. كما أنه إن لم يستطع أن يرفع يديه كلتيهما رفع ما يستطيع منهما بأن يرفع يده الصحيحة وقد قال ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٢) . وإذا كان مغط ليديه بثوب ونحوه من برد وغيره مما يحتاج فيه إلى تغطية اليدين فإنه يرفعهما بثوبه بقدر استطاعته. لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث وائل بن حجر أنه أتى النبي ﷺ فقال: (رأيت النبي ﷺ في الشتاء فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة) (٣) ، وهذا هو المشهور في المذهب. قال: (مضمومتي الأصابع ممدودة)

стр. 662

أما المد، فقد ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ : (كان إذا قام في الصلاة رفع يديه مداً) (١) وورد في الترمذي – هذا الحديث من حديث يحيى بن اليمان وهو ضعيف وتفرد به عن الثقات، ورواه بنفس السند إلى أبي هريرة: (أن النبي ﷺ كان يرفع يديه نشراً) (٢) أي مفرقة لكن الحديث ضعيف لضعف يحيى ولكونه خالف الثقات. وهنا قال: (مضمومة الأصابع) أي يلصق أصابعه بعضها ببعض. ولم أر في السنة ما يدل على ذلك. والمشهور عند الشافعية: أنه يفرقها، وهو رواية عن الإمام أحمد، واستدلوا بحديث أبي هريرة الذي تقدم ضعفه. وذهب الأحناف: إلى أنه لا يتكلف ذلك، وهذا هو الراجح وأنه لا يتكلف ضماً ولا تفريقاً بل يدعهما على طبيعتها من غير ضم ولا تفريق. قال: (كالسجود)

стр. 663

فالسجود يستحب له أن يفعل ما تقدم من كونه يضم أصابعه ويجعلهما ممدتي الأصابع وأن يكون حذو منكبيه وسيأتي الدليل على ذلك – عند الكلام على السنة في السجود. قال: (ويسمع الإمام من خلفه) لا زال الكلام في التكبير والسنة فيه. فيسمع الإمام من خلفه فيرفع صوته بالتكبير لما ثبت في مسند أحمد أن النبي ﷺ : (كان يرفع صوته بالتكبير حتى يسمع من خلفه) (١) والحديث صحيح، وقد قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) (٢) . فإن كان الإمام لا يسمع من خلفه فيلجأ إلى التبليغ بأن يرفع أحد المصلين صوته بالتكبير، فهذا مشروع فقد ثبت هذا من فعل أبي بكر خلف النبي ﷺ كما في مسلم قال جابر: (صلى بنا النبي ﷺ وأبو بكر خلفه فإذا كبر النبي ﷺ كبر أبو بكر ليسمعنا) (٣) فهذا يدل على مشروعية التبليغ عند الحاجة إليه أما إن لم تكن هناك حاجة فإنه ليس بمستحب باتفاق المسلمين كما قال ذلك شيخ الإسلام. بل قد نص الحنابلة على أنه مكروه، بل هو بدعة محدثة في الدين. قال: (كقراءته في أولتي غير الظهرين) أي كما يرفع صوته في الركعتين الأوليين من غير الظهرين وهما الظهر والعصر، وهذا من باب التغليب كما يقال " الفجران والقمران ". فهنا يسمع الإمام من خلفه التكبير كما يسمعهم القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة المغرب والعشاء ومن صلاة الفجر، ورفع الصوت بالقراءة مشروع للإمام بالإجماع في الركعتين الأوليين من غير الظهر والعصر. قال: (وغيره نفسه) أي غير الإمام وهو المأموم والمنفرد يسمع نفسه، فيجب على من كان مأموماً أو منفرداً أن يسمع نفسه القراءة فيحرك لسانه بالحروف فينطق بها بحيث أنه يسمع نفسه.

стр. 664

والمراد هنا: ما لم يكن هناك عارض يمنع من سماع، فإن كان هناك عارض كأن يكون هناك أصوات أو لا يتمكن من إسماع نفسه كالعاجز عن الكلام أو كان لا يسمع نفسه كغير السميع فإنه يتلفظ بالقراءة والتكبير بحيث يسمع نفسه إن كان سميعاً أو يسمع نفسه لو لم يكن هناك هذا العارض الذي يمنع السماع. إذن: يرفع صوته بالقراءة والتكبير بحيث يسمع نفسه لو كان ليس ثمت عارض يمنعه من السماع. - واختار شيخ الإسلام وهو مذهب المالكية ومذهب بعض الأحناف وهو وجه عند الحنابلة – كما قال شيخ الإسلام –: أنه يحرك لسانه بالحروف ولو لم يسمع نفسه، فليس شرطاً أن يسمع نفسه، فالشرط هو أن ينطق بالحروف، والنطق بالحروف هو تحريك اللسان بها وخروج الحروف من اللسان، فإذا خرجت الحروف من اللسان وحرك اللسان بها، فإن هذا كاف ولو لم يسمع – وهذا هو الظاهر – فإن إسماع نفسه لا دليل عليه. وكونه قولاً، يثبت ذلك بمجرد إخراجه للحروف من لسانه، وليس بشرط القول والكلام أن يسمع نفسه أو يسمع غيره، بل شرط ذلك أن يتكلم بالحروف بصوت، فمتى خرجت الحروف وتحرك اللسان بها فهذا هو الكلام. فإن كان ممن لا يمكنه أن يتكلم كأخرس أو نحوه: فإنه ينوي بقلبه التكبير ولا يحرك لسانه في أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد، واختار ذلك الموفق. والقول الثاني: أنه يحرك لسانه؛ لأن المتكلم يحرك لسانه فينطق، فكان عليه أن يحرك لسانه كذلك، فكونه عاجز عن النطق لا يسقط عنه حركة اللسان. لكن الراجح: القول الأول: وأنه لا يشرع أن يحرك لسانه بل ينوي بقلبه، لأن تحريك اللسان بحيث لا فائدة منه. وإنما يحرك المتكلم لسانه لتخرج الحروف فينطق بها وحيث لم يكن ذلك فإنه لا فائدة من تحريك اللسان بالحروف. وظاهر قوله: (وغيره نفسه) : إن هذا في المفرد مطلقاً سواء كان يصلي صلاة سرية أو جهرية، فلا يشرع له الجهر بالقراءة، وسواء كانت أداءً أو قضاءً.

стр. 665

وظاهره أيضاً – وهو المذهب – أن المرأة لا يشرع لها أن تجهر بصوتها مطلقاً سواء كانت في جماعة أو منفردة، وهو المشهور في المذهب. - واختار شيخ الإسلام: أن المرأة يشرع لها الجهر إن كانت تصلي في جماعة. وهذا هو الظاهر: وأنها يشرع لها الجهر إن صلت في جماعة لمصلحة الإسماع، ولأن النساء شقائق الرجال. والصحيح أيضاً وهو قول في المذهب: أن المرأة يشرع لها أن تجهر مطلقاً وإن صلت وحدها صلاة تجهر بها، لقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، والنبي ﷺ كان يجهر بالصلاة فيشرع الجهر بها لمن صلى وحده منفرداً، ذكراً كان أو أنثى. وهذا أحد القولين في المذهب أيضاً: وأن المنفرد إذا صلى الصلاة الجهرية فيشرع له الجهر، سواء كانت أداءً أو قضاءً، لحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، وهذا يدخل فيه المنفرد. فإن قيل: إنما شرع الجهر لإسماع المأمومين؟ فالجواب: ليس هذا بمسلم، بل الأظهر أن هذا إنما شرع أصلاً، وإنما شرع للإمام أن يزيد رفع صوته ليسمع المأمومين، وأما مجرد الجهر فإنه لا دليل على أنه إنما شرع للإسماع، وإنما لهذه الصلوات خصيصة في الصوت بها حيث أنها في وقت سكون وهدوء، فيشرع لمن لم يصل خلف الإمام أن يجهر، ويشرع للإمام أن يزيد في الجهر. فالراجح وهو قول في المذهب إنه يشرع في الصلاة الجهرية الجهر بما يصدق عليه أنه جهر، وليس كجهر الإمام. ومثله المرأة فيشرع لها إذا صلت في جماعة أو منفردة أن تجهر بصوتها بحيث يصدق عليه أنه جهر لا برفع صوتها رفعاً شديداً، فذلك إنما يشرع للإمام، وهي كذلك إذا صلت إمامة للنساء فيشرع لها أن تجهر بصوتها بحيث تسمع من خلفها. وهذا الحكم حيث لم يكن هناك أجنبي، فإن كان هناك أجنبي فلا يشرع الرفع مطلقاً سواء في جماعة أو غيرها؛ لكونه ينافي ما تؤمر به المرأة من الستر ولما في ذلك من دواعي الفتنة. مسألة:

стр. 666

والمذهب قولاً واحداً في أن رفع اليدين مشروع للإمام والمأموم والمنفرد؛ لعمومات الأحاديث. لكن اختلفوا في المرأة: هل تدخل في ذلك أم لا؟ قولان في المذهب: القول الأول: أنها ترفع يديها، وقد رواه الخلال عن أم الدرداء وحفصة بنت سيرين (١) وكانتا فقيهتين وهو قول طاووس. ودليله: أن النساء شقائق الرجال، وأنهن مأمورات بالاقتداء بالنبي ﷺ كما أن الرجال مأمورون بذلك: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولا دليل يخصص الرجال بهذا الحكم، والأصل أن النساء شقائق الرجال ولا دليل على التخصيص. القول الثاني: أنه لا يشرع لهن ذلك كالتجافي الذي تنهى عنه المرأة وذلك لكونه ينافي الستر. والراجح القول الأول؛ لأن هذا لا ينافيه مطلقاً إلا إذا كان هناك أجنبي. فإن كان هناك أجنبي فلا يشرع لها ذلك؛ لأنه قد يظهر شيء منها فلا يشرع ذلك. أما إن لم يكن هناك أجنبي فيشرع لها ذلك. إذن: إنما تمنع المرأة عن التجافي ورفع اليدين ونحو ذلك مما فيه منافاة للستر من أحكام الصلاة حيث كان هناك أجنبي، أما إذا لم يكن هناك أجنبي فلا معنى لمنعها، والأصل بقاؤها على حكم الرجال إلا أن يدل دليل على التخصيص، ولا دليل. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثاني والسبعون (يوم الاثنين: ٢٢ /٣ /١٤١٥هـ) قال المصنف رحمه الله تعالى: (ثم يقبض على كوع يسراه تحت السرة) الكوع: هو العظم الناتئ الذي يقابل الإبهام وهو عند الرسغ. وهذه الجملة فيها ثلاثة مسائل: المسألة الأولى:

стр. 667

أن المستحب للمصلي أن يضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة. فقد ثبت في البخاري عن سهل بن سعد قال: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) (١) ، وفي مسلم من حديث وائل بن حجر: أن النبي ﷺ : (وضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة) (٢) فالمستحب أن يضع يده اليمنى على اليسرى فلا يرسل يديه. المسألة الثانية: في صفة الوضع: فيها صفتان ثابتتان عن النبي ﷺ : الصفة الأولى: القبض، فيقبض بيمينه على شماله بأن يمسك كف اليسرى بباطن كف اليمنى. ودليلها: ما ثبت في سنن النسائي من حديث وائل بن حجر قال: (رأيت النبي ﷺ إذا كان قائماً في الصلاة يقبض بيمينه على شماله) (٣) . الصفة الثانية: أن يضع يده اليمنى من غير قبض على كفه اليسرى والرسغ والساعد.

стр. 668

ودليلها: ما ثبت في سنن النسائي: من حديث وائل بن حجر، وهو حديث طويل وفيه: (وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد) (١) المسألة الثالثة: في محل الوضع، هل المستحب أن يده على الصدر أو تحت السرة أو فوقها تحت الصدر؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم: ١- المشهور عند الحنابلة: أن المستحب أن يضع يديه تحت السرة. واستدلوا: بما روى أحمد وأبو داود عن علي قال: (من السنة وضع اليمنى على الشمال تحت السرة) (٢) وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو متروك الحديث، فعلى ذلك إسناده ضعيف جداً. ٢- القول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو المشهور عند الشافعية: أنه يضعهما فوق سرته وتحت صدرته (٣) . واستدلوا:

стр. 669

بما رواه ابن خزيمة عن وائل بن حجر قال: (صليت مع النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره) (١) ، والحديث فيه مؤمل بن إسماعيل وهو ضعيف لكن له شاهدان: الشاهد الأول: عند أحمد مرفوعاً وموصولاً من حديث هُلْب الطائي لكن الحديث ضعيف. والثاني عند أبي داود من حديث طاووس مرسلاً وسنده صحيح إلى طاووس، ويصلحان شاهدين له فيكون الحديث حسناً بشواهده فالحديث من ثلاثة أوجه. لكن الاستدلال به على هذا القول فيه نظر؛ لأن أهل هذا القول لا يقولون بأنه يضع يديه على الصدر بل تحت الصدر وفوق السرة. وإنما يصلح دليلاً لأهل القول الثالث، وهو قول للشافعي وقول إسحاق بن راهوية وهو مذهب لبعض المالكية: أن السنة أن يضع اليدين على الصدر. وهذا أوجهها لما تقدم فالحديث حسن بشاهديه، ولم يعارضه معارض ينظر فيه، والحديث المتقدم إسناده ضعيف جداً. فالراجح: أن السنة أن يضع يديه على صدره أي بأن يضعهما قريباً من النحر على عظام الصدر وبين الثندؤتين. قال: (وينظر مسجده) هذه سنة من سنن الصلاة وهي أن ينظر إلى مسجده أي إلى موضع سجوده. قالوا: لأن ذلك أخشع للصلاة، وهو كذلك أبعد عن النظر إلى السماء المنهي عنه وهي حالة يتبين فيها خشوع الأعضاء لله ، وقد وردت فيها بعض الآثار.

стр. 670

فقد روى البيهقي عن سليمان الخولاني عن أبي قلابة قال: حدثني عشرة من أصحاب النبي ﷺ عن صلاة النبي ﷺ في قيامه وركوعه وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين - يعني عمر بن عبد العزيز – قال سليمان: (فرمقت عمر في صلاته فكان ينظر إلى موضع سجوده) (١) والحديث فيه صدقة وهو ضعيف. لكن له شاهد مرسل عند الحاكم، ورواه الحاكم موصولاً من حديث أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وقد أخطأ بعض الرواة فوصله، وعامة الرواة أنه مرسل، قال الذهبي: " والصحيح مرسل ". ولفظه: (أن النبي ﷺ كان يرفع بصره إلى السماء فلما نزلت: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ طأطأ رأسه) (٢) فهذا يدل على أنه يطأطأ رأسه وحيث كان كذلك فإن بصره إلى موضع سجوده. إذن: المستحب كما قرر الحنابلة ويد عليه ما تقدم من الآثار ويعضدها المعنى: أن المستحب للمصلي أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، سوى ما يأتي من التشهد من كونه يستحب له أن يرمي ببصره إلى السبابة كما ثبت هذا في صحيح ابن خزيمة وسيأتي. قال: (ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) " سبحانك اللهم ": أي تنزيهاً لك اللهم. " وبحمدك ": أي وبحمدك سبحتك. " وتبارك اسمك ": أي كثر خير أسمائك وثبت. " وتعالى جدك ": أي تعالت عظمتك وشرف قدرك. " لا إله غيرك ": أي لا إله في الوجود على الحقيقة غيرك. هذا هو الاستفتاح، فيستحب أن يستفتح الصلاة بشيء مما ورد من الاستفتاحات عن النبي ﷺ .
следующие страницы →