← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

والمذهب قولاً واحداً في أن رفع اليدين مشروع للإمام والمأموم والمنفرد؛ لعمومات الأحاديث. لكن اختلفوا في المرأة: هل تدخل في ذلك أم لا؟ قولان في المذهب: القول الأول: أنها ترفع يديها، وقد رواه الخلال عن أم الدرداء وحفصة بنت سيرين (١) وكانتا فقيهتين وهو قول طاووس. ودليله: أن النساء شقائق الرجال، وأنهن مأمورات بالاقتداء بالنبي ﷺ كما أن الرجال مأمورون بذلك: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولا دليل يخصص الرجال بهذا الحكم، والأصل أن النساء شقائق الرجال ولا دليل على التخصيص. القول الثاني: أنه لا يشرع لهن ذلك كالتجافي الذي تنهى عنه المرأة وذلك لكونه ينافي الستر. والراجح القول الأول؛ لأن هذا لا ينافيه مطلقاً إلا إذا كان هناك أجنبي. فإن كان هناك أجنبي فلا يشرع لها ذلك؛ لأنه قد يظهر شيء منها فلا يشرع ذلك. أما إن لم يكن هناك أجنبي فيشرع لها ذلك. إذن: إنما تمنع المرأة عن التجافي ورفع اليدين ونحو ذلك مما فيه منافاة للستر من أحكام الصلاة حيث كان هناك أجنبي، أما إذا لم يكن هناك أجنبي فلا معنى لمنعها، والأصل بقاؤها على حكم الرجال إلا أن يدل دليل على التخصيص، ولا دليل. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثاني والسبعون (يوم الاثنين: ٢٢ /٣ /١٤١٥هـ) قال المصنف رحمه الله تعالى: (ثم يقبض على كوع يسراه تحت السرة) الكوع: هو العظم الناتئ الذي يقابل الإبهام وهو عند الرسغ. وهذه الجملة فيها ثلاثة مسائل: المسألة الأولى:

стр. 667

أن المستحب للمصلي أن يضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة. فقد ثبت في البخاري عن سهل بن سعد قال: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) (١) ، وفي مسلم من حديث وائل بن حجر: أن النبي ﷺ : (وضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة) (٢) فالمستحب أن يضع يده اليمنى على اليسرى فلا يرسل يديه. المسألة الثانية: في صفة الوضع: فيها صفتان ثابتتان عن النبي ﷺ : الصفة الأولى: القبض، فيقبض بيمينه على شماله بأن يمسك كف اليسرى بباطن كف اليمنى. ودليلها: ما ثبت في سنن النسائي من حديث وائل بن حجر قال: (رأيت النبي ﷺ إذا كان قائماً في الصلاة يقبض بيمينه على شماله) (٣) . الصفة الثانية: أن يضع يده اليمنى من غير قبض على كفه اليسرى والرسغ والساعد.

стр. 668

ودليلها: ما ثبت في سنن النسائي: من حديث وائل بن حجر، وهو حديث طويل وفيه: (وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد) (١) المسألة الثالثة: في محل الوضع، هل المستحب أن يده على الصدر أو تحت السرة أو فوقها تحت الصدر؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم: ١- المشهور عند الحنابلة: أن المستحب أن يضع يديه تحت السرة. واستدلوا: بما روى أحمد وأبو داود عن علي قال: (من السنة وضع اليمنى على الشمال تحت السرة) (٢) وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو متروك الحديث، فعلى ذلك إسناده ضعيف جداً. ٢- القول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو المشهور عند الشافعية: أنه يضعهما فوق سرته وتحت صدرته (٣) . واستدلوا:

стр. 669

بما رواه ابن خزيمة عن وائل بن حجر قال: (صليت مع النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره) (١) ، والحديث فيه مؤمل بن إسماعيل وهو ضعيف لكن له شاهدان: الشاهد الأول: عند أحمد مرفوعاً وموصولاً من حديث هُلْب الطائي لكن الحديث ضعيف. والثاني عند أبي داود من حديث طاووس مرسلاً وسنده صحيح إلى طاووس، ويصلحان شاهدين له فيكون الحديث حسناً بشواهده فالحديث من ثلاثة أوجه. لكن الاستدلال به على هذا القول فيه نظر؛ لأن أهل هذا القول لا يقولون بأنه يضع يديه على الصدر بل تحت الصدر وفوق السرة. وإنما يصلح دليلاً لأهل القول الثالث، وهو قول للشافعي وقول إسحاق بن راهوية وهو مذهب لبعض المالكية: أن السنة أن يضع اليدين على الصدر. وهذا أوجهها لما تقدم فالحديث حسن بشاهديه، ولم يعارضه معارض ينظر فيه، والحديث المتقدم إسناده ضعيف جداً. فالراجح: أن السنة أن يضع يديه على صدره أي بأن يضعهما قريباً من النحر على عظام الصدر وبين الثندؤتين. قال: (وينظر مسجده) هذه سنة من سنن الصلاة وهي أن ينظر إلى مسجده أي إلى موضع سجوده. قالوا: لأن ذلك أخشع للصلاة، وهو كذلك أبعد عن النظر إلى السماء المنهي عنه وهي حالة يتبين فيها خشوع الأعضاء لله ، وقد وردت فيها بعض الآثار.

стр. 670

فقد روى البيهقي عن سليمان الخولاني عن أبي قلابة قال: حدثني عشرة من أصحاب النبي ﷺ عن صلاة النبي ﷺ في قيامه وركوعه وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين - يعني عمر بن عبد العزيز – قال سليمان: (فرمقت عمر في صلاته فكان ينظر إلى موضع سجوده) (١) والحديث فيه صدقة وهو ضعيف. لكن له شاهد مرسل عند الحاكم، ورواه الحاكم موصولاً من حديث أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وقد أخطأ بعض الرواة فوصله، وعامة الرواة أنه مرسل، قال الذهبي: " والصحيح مرسل ". ولفظه: (أن النبي ﷺ كان يرفع بصره إلى السماء فلما نزلت: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ طأطأ رأسه) (٢) فهذا يدل على أنه يطأطأ رأسه وحيث كان كذلك فإن بصره إلى موضع سجوده. إذن: المستحب كما قرر الحنابلة ويد عليه ما تقدم من الآثار ويعضدها المعنى: أن المستحب للمصلي أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، سوى ما يأتي من التشهد من كونه يستحب له أن يرمي ببصره إلى السبابة كما ثبت هذا في صحيح ابن خزيمة وسيأتي. قال: (ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) " سبحانك اللهم ": أي تنزيهاً لك اللهم. " وبحمدك ": أي وبحمدك سبحتك. " وتبارك اسمك ": أي كثر خير أسمائك وثبت. " وتعالى جدك ": أي تعالت عظمتك وشرف قدرك. " لا إله غيرك ": أي لا إله في الوجود على الحقيقة غيرك. هذا هو الاستفتاح، فيستحب أن يستفتح الصلاة بشيء مما ورد من الاستفتاحات عن النبي ﷺ .

стр. 671

وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث عائشة: أن النبي ﷺ : كان يستفتح صلاته فيقول: (سبحانك اللهم وبحمدك) (١) الحديث. وهو ثابت عند الخمسة من حديث أبي سعيد الخدري (٢) وهو ثابت من قول عمر في مسلم منقطعاً ووصله الدارقطني بإسناد صحيح: (أن عمر كان يستفتح بسبحانك اللهم يجهر بذلك يُسمعنا ويُعلمنا) (٣) وقد اختاره الإمام أحمد لكون عمر كان يعلمه الصحابة وإلا فسائر الاستفتاحات الواردة عن النبي ﷺ حسنة، بل السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة.

стр. 672

ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ : إذا كبر للصلاة سكت هنيهة فسألته فقال: أقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) (١) ، وهي أنواع كثيرة هذا منها. ولعل عمر إنما كان يستفتح بما تقدم لسهولة حفظه ولما فيه من الوحدانية لله والتعظيم له، ولذلك اختاره الإمام أحمد واستحسن غيره من الاستفتاحات الواردة عن النبي ﷺ . إذن: الاستفتاح سنة. والسنة فيه الإسرار كما تقدم من حديث أبي هريرة فإنه قال: (سكت هنيهة) فلم يكن يسمعه، وإلا لم يحتج إلى سؤاله. وإنما كان عمر يجهر به للتعليم، فحيث كان ذلك بأن يكون الناس محتاجين إلى تعليم فلا بأس به فهو فعل عمر، وإلا فالسنة الإسرار. ومن مسائله: أنه إن نسيه أو تركه عمداً حتى شرع في الاستعاذة فلا يشرع له أن يستفتح بعد؛ لأنها سنة وقد فات محلها – كما قرر هذا الحنابلة وغيرهم. قال: (ثم يستعيذ) يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم للقراءة قال تعالى ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ (٢) وثبت عند الخمسة من حديث أبي سعيد الخدري:أن النبي ﷺ كان يقول في استعاذته في الصلاة: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه) (٣) همزه: أي الجنون وهو مس الجن. ونفخه: وهو الكبر، ونفثه: وهو الشعر القبيح، والحديث حسن. فهذا مما ورد عن النبي ﷺ في الاستعاذة.

стр. 673

فإن استعاذ بقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) فهو حسن أيضاً لقوله تعالى: ﴿فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ وإن قال: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) فهو حسن أيضاً لورود آية أخرى فيه. وهل هي سنة أم واجب؟ جمهور أهل العلم: أنها سنة، وهي عندهم سنة في القراءة مطلقاً في الصلاة وغيرها. وعن الإمام أحمد واختاره طائفة من كبار أصحابه المتقدمين وهو مذهب الظاهرية ومذهب عطاء: أنها واجبة للأمر القرآني: ﴿فاستعذ بالله﴾ وظاهر الأمر الوجوب، وهو قول قوي. واختلف أهل العلم هل تشرع الاستعاذة في كل ركعة أم لا تشرع إلا في الركعة الأولى؟ - المشهور عند الحنابلة: أنها لا تشرع إلا في الركعة الأولى، أما في الركعات الثانية فلا يقال باستحباب ذلك وتأكيده فإن فعل فذلك حسن وإلا فلا يقال بمشروعيته كمشروعيته في الركعة الأولى. واستدلوا: بما رواه مسلم عن أبي هريرة: قال: (كان النبي ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت) (١) قالوا: هذا يدل على أن النبي ﷺ كان يستفتح بالحمد لله رب العالمين ولا يسكت، والاستعاذة تحتاج إلى سكوت. - والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية: أنه يشرع له أن يستعذ في كل ركعة. ذلك لقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ (٢) وظاهر الآية أنه يشرع له كلما قرأ أن يستعيذ، وكل ركعة لها قراءتها فإن بين الركعات فواصل من ركوع وسجود وقيام ونحو ذلك وذكر ونحوه.

стр. 674

بخلاف سجدة التلاوة، فإن سجدة التلاوة التي تخلل الصلاة من متعلقات القراءة فهي سجدة للقراءة، أما هذا السجود وهذا القيام والركوع في الصلاة فهي منفصلة عنها، فالقراءة ركن كما أن ما تقدم ذكره أركان من أركانها فليست بمتصلة فيها إلا حديث أنها من الصلاة، ففرقٌ بينهما. وأجابوا عن الحديث المتقدم: بأن قول أبي هريرة: (لم يسكت) أي لم يسكت سكوتاً كسكوته في الركعة الأولى وهو السكوت الذي نقله هنا، فإنه سأل النبي ﷺ عن سكوته في الصلاة فأخبره النبي ﷺ أنه يقول: (اللهم باعد ....) ، فقد سأله عن تلك السكتة لكونها سكتة خارجية عن طبيعة السكوت الذي يكون الذي يكون قبيل القراءة، وأما المذكور في قوله: (ولم يسكت) أي لم يسكت كسكوته في الاستفتاح ولهذا نجمع بين الآية وبين ما ورد عن النبي ﷺ . فيكون قول أبي هريرة " لم يسكت " أي لم يسكت سكوتاً خارجاً عن السكوت الطبيعي الذي يكون قبيل القراءة للاستعاذة والبسملة، وإنما شرع بالحمد لله رب العالمين لم يسكت كسكوته الأول للاستفتاح فيكون ذلك لنفي الاستفتاح وأنه إنما هو مشروع في الركعة الأولى دون الركعات الأخر. وهذا القول هو الأرجح وأنه يستعيذ في كل ركعة. قال: (ثم يبسمل سراً وليست من الفاتحة) أي يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " يقولها سراً.

стр. 675

أما كونه يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " لما ثبت في النسائي عن نعيم المجمر قال: (صليت وراء أبي هريرة فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قرأ بأم القرآن) وفيه أنه قال بعد ذلك " والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله ﷺ " (١) ولأن البسملة يشرع أن يفتتح بها السور مطلقاً كما ثبت في مسلم وغيره من قراءة النبي ﷺ ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ لما نزلت عليها (٢) فقرأ: (" بسم الله الرحمن الرحيم " ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ ...) (٣) وثبت في أبي داود بإسناد صحيح إلى أن ابن عباس قال: (كان النبي ﷺ لا يعرف الفصل بين السور إلا إذا نزلت بسم الله الرحمن الرحيم) (٤) فهي مما تفتتح به السور وهو كذلك فاصل بين السور. ومشروعية البسملة مما اتفق عليه أهل العلم. " سراً ": لا جهراً، فلا يشرع الجهر بها. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: ١- فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وأهل العلم: إلى القول باستحباب الإسرار بالبسملة وعدم مشروعية الجهر بها وهو مذهب الحنابلة. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك: (أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين) (٥) .

стр. 676

زاد مسلم: (لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا آخرها) وفي أحمد والنسائي: (لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم) (١) وعند ابن خزيمة: (يسرون) (٢) . وثبت في الترمذي من حديث ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " فقال أي بني محدث إياك والحدث قال: ولم أر أحداً من أصحاب النبي ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام منه قال: صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها " جهراً " فلا تقلها إذا أنت صليت فقل: " الحمد لله رب العالمين " (٣) والحديث حسنه الترمذي وهو كما قال وأما ما ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما: أن الحديث فيه جهالة ابن عبد الله، فإن هذا ليس بصحيح، كما قرر ذلك الزيلعي، وأن ابن عبد الله بن مغفل قد روى عنه ثلاثة فزالت عنه بذلك جهالة العين، ولم يأت بحديث منكر بل أحاديثه كلها مستقيمة تجد لها المتابع والشاهد فليس من أحاديثه ما ينكر عليه، وقد حسن حديثه الترمذي وهذا حديث يوافق ما ثبت عن أنس؛ فالحديث حسن لا بأس به. ٢- والقول الثاني، وهو مذهب الشافعية فقالوا بمشروعية الجهر بالبسملة.

стр. 677

وعامة أدلتهم لا تصح ولا تثبت عن النبي ﷺ فكلها موضوعة أو ضعيفة كما قرر هذا شيخ الإسلام وغيره. إلا ما رواه النسائي وغيره بسنده الصحيح إلى نعيم المجمر: قال صليت وراء أبي هريرة فقرأ: " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قرأ بأم القرآن وفيه أنه قال: (إني أشبهكم صلاة بصلاة رسول الله ﷺ (١) قالوا: فهذا يدل على مشروعية الجهر إذ لو لم يجهر أبو هريرة لم يسمعه نعيم وقد عزا ذلك إلى النبي ﷺ بقوله: (إني لأشبهكم) لكن الحديث ليس بصريح في الدلالة: فيحتمل أن يكون نعيم قد سمعه وهو يسر بها وكان من الصالحين وكان هو الذي يجمر مسجد المدينة فلا يبعد أن يكون قريباً من أبي هريرة فسمعه وهو يقولها، كما سمع رجل أبا بكر في الركعة الثالثة من صلاة المغرب وهو يقرأ ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ (٢) . ثم إن نعيماً قد تفرد برواية هذه اللفظة عن سائر الرواة عن أبي هريرة كما قرر ذلك ابن القيم، فكل الرواة لم يذكروا هذه اللفظة وتفرد بها نعيم فكانت مظنة الضعف، وقد خالفها ما تقدم من الأحاديث الصحيحة. وهناك احتمال آخر وهو أن أبا هريرة إنما جهر بها للتعليم، وللإخبار بأن النبي ﷺ كان يقولها كما كان عمر يجهر بالاستفتاح للتعليم. وقد قال: " إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله ﷺ " والمشابهة لا تقتضي المماثلة.

стр. 678

فالأحاديث التي استدلوا بها: إما أحاديث ضعيفة وعامتها كذلك، أو صحيحة وليست صريحة وهذا إنما هو حديث نعيم المجمر مع ما تقدم من تفرد نعيم وهو مظنة الضعيف، وعلى القول بقبوله وتحمل تفرده فله احتمالان: أن يكون سمعه وهو قريب منه يسرّ بها. أن يكون إنما جهر بها للتعليم كفعل عمر ولم يخبرهم بذلك لكونهم قد تقرر عندهم عدم مشروعية ذلك وأن هذا من الأمور المحدثة والعلم عند الله تعالى. قال: " وليست من الفاتحة ": فهي ليست من الفاتحة كما هو مذهب الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام. كما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: العبد الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله: " أثنى عليَّ عبدي " (١) الحديث ولم يذكر البسملة

стр. 679

وقد تقدم أنها إنما نزلت للفصل بين السور كما قاله ابن عباس (١) . ولو قلنا إنها من الفاتحة لوجبت قراءتها وكانت فريضة سواء قلنا بالإسرار أو الجهر، ولقلنا بالجهر بها لأنها أسوة غيرها من آيات الفاتحة. لكن الراجح ما تقدم وأنها ليست بآية من الفاتحة (٢) . والحمد لله رب العالمين الدرس الثالث والسبعون (يوم الثلاثاء: ٢٣ / ٣ / ١٤١٥هـ) قال المؤلف ﵀: (ثم يقرأ الفاتحة) فيقرأ المصلي فاتحة الكتاب فرضاً لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن لا يقرأ بأم القرآن) (٣) متفق عليه. وقد اتفق أهل العلم على فرضية قراءتها على الإمام والمنفرد. واختلفوا في حكم قراءتها على المأموم: - والمشهور في المذهب: عدم وجوب قراءتها عليه، وسيأتي البحث في هذا عند قول المؤلف في باب صلاة الجماعة " ولا قراءة على مأموم " فإذن: يقرأ الفاتحة بشداتها وآياتها كلها وقد تقدم أن " بسم الله الرحمن الرحيم " ليس منها فيقرأ من قوله ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ إلى ﴿ولا الضالين﴾ وأما لفظة " آمين " فهي ليست من الفاتحة إجماعاً. وشدات الفاتحة إحدى عشرة شدة – وإذا أسقط شدة فقد أسقط حرفاً، ومتى أسقطها فقد أنقص في قراءتها.

стр. 680

ويقرأها قراءة عربية لا تحيل المعاني، فإذا قرأها قراءة غير عربية لم تجزئه لقوله تعالى: ﴿قرآناً عربياً﴾ (١) وقال تعالى: ﴿بلسان عربي مبين﴾ (٢) ولا يكون قرآناً إذا قرأ بغير العربية أي ترجم؛ للآية المتقدمة، فإذا قرأ بغير العربية لم يجزئه. وإذا قرأ بالعربية ولحن فإن قراءته إن كان اللحن فيها يحيل المعاني فإنها لا تصح فإذا قال: ﴿أنَعمتُ﴾ أو ﴿إياك﴾ (٣) ونحوها، فإن القراءة لا تصح، لأن هذه تحيل المعاني. أما إذا كان لا يحيل المعنى فالقراءة لا تبطل به. ويجب أن يقرأها مرتبة متوالية فقد كان النبي ﷺ يقرأها كذلك وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (٤) . فإن كان غير حافظ للفاتحة فيجب عليه أن يتعلمها ما لم يتضايق الوقت، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أما إذا ضاق الوقت فإنه يصلي على حسب حاله. * وهنا مسائل يذكرها الفقهاء عند هذه المسألة: فمنها: إذا كان يحسن من الفاتحة آية فأكثر فإنه يقرؤها لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٥) وقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فاتقوا منه ما استطعتم) (٦) وهل يجب عليه أن يكررها بقدر الفاتحة؟

стр. 681

- قال الفقهاء: يجب أن يكررها بقدر الفاتحة سواء كان يحسن غيرها أم لم يكن يحسنه، فإذا كان يحفظ آية فإنه يجب أن يكررها سبعاً، سواء كان يحسن آيات من غير هذه السورة أم لم يكن ذلك. - وهناك قول في المذهب: أنه يتم قدر الفاتحة فيما يحفظه من القرآن، وهذا أظهر، لأنه إذا قرأ منها ما يحفظه فإنه يسقط فرضه؛ لأن الواجب هو قراءتها وحيث قرأه فإنه يسقط بذلك فرضه حيث قرأه فكان الأولى أن يأتي بآيات أخر. وقد قال ﷺ : (إن كان معك قرآن فاقرأ به وإلا فاحمد الله) (١) فهنا أطلق النبي ﷺ القول ولم يقيد التكرار في مثل الفاتحة وغيرها، وظاهر إطلاقه أنه يقرأ ما يتمكن منه من القرآن من غير أن يكرر ذلك، بل يقرأ ما أمكنه منه ويسقط عنه الباقي، وحيث أنه يمكنه أن يتم قدر الفاتحة بآيات أخر فإنه يتمها؛ لأن البدل له حكم المبدل منه. أما إذا كان لا يحفظ منها إلا بعض آية، فإنه لا يقرأ ذلك ولا يكرره، لأن النبي ﷺ لما علم من لا يحسن شيئاً القرآن علمه الذكر، وفيه لفظة " الحمد لله " وهي بعض من آية من الفاتحة ومع ذلك لم يأمره بتكرارها ولم يجعلها قائمة مقام التكرار، بل كانت من الذكر المجزئ عن القرآن. فإن كان لا يحفظ من الفاتحة شيئاً قرأ من غيرها بقدرها. والمذهب قولاً واحداً في عدد آياتها أي لا تجزئه إلا أن يقرأ عدد آياتها أي بأن يقرأ سبع آيات. وهل يجزئه أن تكون هذه الآيات أنقص حروفاً من الفاتحة أم لا؟ قولان في المذهب: القول الأول: أن الواجب أن تكون بعدد حروفها فأكثر. القول الثاني: أنه يجزئ أن تكون أقل منها حروفاً.

стр. 682

والقول الأول هو الأحوط وهو أن يختار آيات بعدد حروفها فأكثر، أي أن تكون الآيات سبعاً وتكون ما تضمنته من الحروف مساوية لما تضمنته سورة الفاتحة فأكثر؛ لأن الحرف له أثر في القراءة بدليل إن قرأ حرفاً من القرآن كان له حسنة والحسنة بعشر أمثالها كما ثبت في الحديث (١) هذا هو الأظهر لأن البدل له حكم المبدل منه. ولو قيل: إنه لا يجب عليه ذلك مطلقاً لا في حروفها ولا في آياتها لكان فيه قوة، لإطلاق النبي ﷺ في قوله: (فإن كان معك قرآن فاقرأ) (٢) فأطلق النبي ﷺ ولم يأمره بأن يكون ذلك بقدر الفاتحة. إلا أن يقال: إن البدل له حكم المبدل منه وهنا يمكنه أن يقرأ بقدر فاتحة الكتاب وحيث أمكنه ذلك فإنه يجب عليه أن يفعله ليكون ذلك قائماً مقام فاتحة الكتاب وهذا هو الأحوط. فإن لم يكن معه إلا بقدر بعض الفاتحة، فإنه يكررها كما تقدم. والأظهر كذلك أنه لا يكرر لقوله ﷺ : (فإن كان معك قرآن فاقرأ) فأطلق. كأن يكون رجل يحفظ ثلاث آيات مثلاً من غير الفاتحة فإنه يقرأ هذه الثلاث ويكتفي بها من غير تكرار. وإن لم يكن معه شيء من القرآن فإنه يجزئه الذكر الوارد، وهو ما ثبت في سنن أبي داود والحديث حسن، من حديث عبد الله بن أبي أوفى: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : يا رسول الله إني لا أحسن شيئاً من القرآن فعلمني ما يجزئني منه فقال: (قل سبحان الله والحمد لله ولا إله الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (٣)

стр. 683

فإن لم يحسن شيئاً من ذلك كحديث عهد بإسلام لا يحسن العربية ونحوه فإنه يقف بقدر فاتحة الكتاب لأن الواجب القيام والقراءة وحيث سقطت عنه القراءة فيجب عليه القيام بقدرها لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ولحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) . وإن لقن من خارج عن الصلاة فإن ذلك يجزئه، كما لو فتح أحد على الإمام وهو خارج عن الصلاة فكذلك هنا. وإن كان يمكنه أن يصلي خلف إمام يحسن الفاتحة وقلنا: إن الفاتحة لا تجب خلف الإمام كما هو المشهور في المذهب، فإنه يجب عليه ذلك. قال: (فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال ...) " بذكر ": كأن يسأل الله الرحمة أو يستعيذ به من النار أو يدعو الله ونحو ذلك. " أو سكوت ". " غير مشروعين ": فليس من السنة وليس مما فيه مصلحة الصلاة وليس مما تبطل به الصلاة وسيأتي في بابه. فمثلاً: قرأ آيتين من الفاتحة ثم يسكت سكوتاً طويلاً عرفاً غير مشروع، أو يتكلم بذكر الله ذكراً غير مشروع طويلاً عرفاً فإن الفاتحة تبطل ويجب أن يعيدها. إذن: لا تبطل الفاتحة بالقطع إلا إذا كان القطع طويلاً عرفاً وكان القطع غير مشروع. فعندنا ثلاثة أحوال: الحال الأولى: أن يكون القاطع قصيراً عرفاً، كأن يسكت سكتة وإن كانت غير مشروعة أو تكلم بذكر وإن كان غير مشروع وكان يسيراً عرفاً فإن الفاتحة صحيحة ولا يجب إعادتها وهذا القاطع لا يضره لأنه يسير. قالوا: لأن الواجب في الفاتحة موالاتها لقول النبي ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) . والموالاة ألا يكون هناك قاطع عرفاً، وحيث كان القاطع يسيراً فإن المولاة لا تنتفي بذلك، فالموالاة في الشيء لا تنتفي بالقاطع اليسير. الحالة الثانية: أن يكون القاطع مشروعاً وهو طويل عرفاً فتصح.

стр. 684

مثال: أن يقرأ بعض الفاتحة ثم سكت سكوتاً طويلاً ليسمع قراءة الإمام، فهذا سكوت مشروع له؛ لأنه يشرع أن يستمع قراءة إمامه فحينئذٍ لا تبطل بذلك الفاتحة. هذا هو المشهور في المذهب. والأظهر أنه يبطل الفاتحة ويجب عليه أن يستأنفها؛ ذلك لأنه وإن كان مشروعاً لكنه قاطع عرفاً والموالاة تنتفي وهي واجبة، وحيث قطعه بقاطع طويل عرفاً وإن كان مشروعاً فإنها تنتفي. ومثله على الراجح – خلافاً للمشهور من المذهب - لو كان القاطع طويلاً عرفاً وهو معذور فيه كأن يسكت عن نسيان أو يخطئ فيقرأ في سورة أخرى وكان ذلك طويلاً عرفاً، فإنه يقطع القراءة فهو وإن كان معذوراً في نسيانه لكن الموالاة قد انقطعت فيجب عليه أن يستأنف القراءة من الجديد (١) لانقطاع موالاتها. فالواجب شرعاً هو الموالاة وحيث قطعها بقاطع طويل سواء كان مشروعاً وسواء كان معذوراً فيه أم لم يكن معذوراً فيه فإنه يجب أن يستأنف قراءته من جديد لفساد الموالاة وانتفائها. الحالة الثالثة: أن يكون القاطع يسيراً وهو مشروع، فلا تؤثر في الموالاة وهو أولى من الصورة الأولى لكونه مشروعاً. فلو قطع الفاتحة بقوله: " آمين " مع تأمين الإمام، أو فتح على الإمام في قراءته – فإن هذا لا يؤثر في الموالاة – لأنه قاطع يسير. إذن: مناط الحكم – على الراجح – أن يكون القاطع يسيراً فحينئذٍ لا يكون مؤثراً سواء كان مشروعاً أم لم يكن مشروعاً. فالعبرة بطول القاطع، فإن كان طويلاً عرفاً فإنه يفسد الموالاة فيجب استئناف القراءة وإن كان قصيراً فلا يجب ذلك. قال: (أو ترك منها تشديدة، أو حرفاً أو ترتيباً لزم غير مأموم إعادتها) " ترتيباً ": كأن يقدم ما حقه التأخير من آياتها أو يؤخر ما حقه التقديم، فيلزمه الإعادة إن كان غير مأموم. ويستثنى المأموم؛ لأنه لا يجب عليه القراءة خلف الإمام، على المشهور في المذهب. وقوله: " إعادتها " يعود على الفاتحة.

стр. 685

وحيث قلنا بأن المأموم يجب عليه أن يقرأ بفاتحة الكتاب والحكم كذلك فكذلك هنا فيجب عليه أن يعيد إن أخطأ بما يبطلها. قال: (ويجهر الكل بآمين) في الجهرية. " آمين " بمعنى اللهم استجب. وفيها ضبطان وكلاهما بتخفيف الميم. الأول: القصر: وهو بهمزة الوصل " أمين " الثاني: المد " آمين " وهما لغتان فيها ولكن مع تخفيف الميم. أما إذا شدد الميم فإن المعنى يتحول إلى معنى آخر وهو " قاصدين " كما قال تعالى: ﴿ولا آمَّين البيت﴾ (١) أي قاصدينه. أي من القراءة قرأ فهي صحيحة (٢) . فيجهر الكل من إمام ومنفرد حيث جهر ومأموم، فكل من جهر أو جهر له من إمام أو مأموم أو منفرد فيشرع له الجهر بالتأمين. ودليل مشروعية التأمين: ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له) (٣) وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له) (٤)

стр. 686

وقد ثبت التأمين من فعل النبي ﷺ : فروى أبو داود والترمذي من حديث وائل بن حجر: أن النبي ﷺ : كان إذا قال: " ولا الضالين " قال: " آمين " (١) ، في رواية أبو داود: " ورفع صوته "، وفي الترمذي: " يمد بها صوته "، وفي ابن ماجه والحديث حسن: (أن المسجد – أي مسجد النبي ﷺ – كان يرتج بها) أي من رفع النبي ﷺ وأصحابه بالتأمين. ويستحب كذلك: أن يمد بها صوته كما تقدم في حديث وائل بن حجر في رواية الترمذي، وورد من حديث وائل بن حجر في أبي داود إلا أن فيه انقطاعاً بين عبد الجبار بن وائل وبين أبيه وهو انقطاع يسير يعضده ما تقدم. وثبت هذا من فعل أبي هريرة: أنه إذا كان وراء الإمام قال: " آمين " يمد بها صوته ويقول: (إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم) (٢) رواه البيهقي بإسناد صحيح. فعلى ذلك: يشرع للإمام والمنفرد والمأمومين أن يجهروا به ويمدوا أصواتهم به.

стр. 687

* والسنة أن يكون ذلك بعد قول الإمام "غير المغضوب عليهم ولا الضالين " لقول النبي ﷺ : (إذا قال الإمام " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " قُولوا: آمين) (١) أما قوله ﷺ : (إذا أمن الإمام فأمنوا) (٢) فإن معناه إذا شرع بالتأمين، فإذا شرع الإمام بالتأمين ووافق ذلك عقيب قوله " غير المغضوب عليهم ولا الضالين: فقولوا: آمين. * وإذا تركها الإمام فإنها تشرع للمأمومين للحديث المتقدم: (إذا قال الإمام ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين) . فتشرع للمأمومين مطلقاً قالها الإمام أم لم يقلها، فترك الإمام لها لا يعنى ذلك أن تترك؛ فإن النبي ﷺ كان يفعلها إماماً، إذا تركها الإمام فإن ذلك تفويت منه للسنة. * فإن فات محلها وشرع بالقراءة بعدها ولم يؤمن فهي سنة فات محلها، فلا يشرع فعلها. والحمد لله رب العالمين الدرس الرابع والسبعون (يوم الأربعاء: ٢٤ / ٣ / ١٤١٥هـ) قال المصنف رحمه الله تعالى: (ثم يقرأ بعدها سورة) أي بعد الفاتحة، فيشرع ويسن أن يقرأ بعد الفاتحة سورة من القرآن، وهذا على سبيل الاستحباب عند عامة العلماء، لما ثبت في الصحيحين: من حديث أبي قتادة: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحياناً وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب) (٣) فهذا الفعل يدل على مشروعيته.

стр. 688

وستأتي الأدلة التي تدل على أن النبي ﷺ كان يقرأ سوراً من القرآن مع الصلوات الجهرية. وذهب طائفة من الصحابة وهو مذهب بعض المالكية وبعض الأحناف وحكي رواية عن الإمام أحمد: إلى أن ذلك واجب أي يجب على الإمام والمنفرد أن يقرأ مع فاتحة الكتاب ما تيسر. واستدلوا بدليلين صحيحين: كما ثبت في مسلم أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً) (١) . قالوا: فهنا قال النبي ﷺ " فصاعداً " فدل ذلك على أنه يجب عليه أن يقرأ مع فاتحة الكتاب سورة وأنه لا يجزئه سوى ذلك. ما ثبت في أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري: قال: (أمر النبي ﷺ أن نقرأ أم الكتاب وما تيسر) (٢) . قالوا: فهذا أمر وظاهر الأمر وجوب ذلك.

стр. 689

وأما الجمهور فاستدلوا: بما ثبت في أبي داود في قصة صلاة معاذ بأصحابه: أن النبي ﷺ قال للفتى: ما تصنع يا ابن أخي إذا أنت صليت؟ فقال: " أقرأ بفاتحة الكتاب وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ فقال النبي ﷺ : (إني ومعاذاً حول هاتين ندندن) (١) وفي رواية " حولها ندندن ". والدندنة هو الصوت الذي يسمع ولا يفقه. فهنا النبي ﷺ أقره على ذلك، ولم يقرأ إلا بالفاتحة. وأجابوا عن الحديثين الأولين: أما ما رواه مسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً) . قالوا: فالجواب عليه: من جهتين: الجهة الأولى: في ثبوته. الجهة الثانية: في الاستدلال به. أما الجهة الأولى: فإن الحديث قد أعله البخاري بتفرد معمر فعامة الرواة يرونه بلفظ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) (٢) وتفرد معمر فرواه بهذا اللفظ عن سائر الرواة فيكون اللفظ شاذاً.

стр. 690

لكن وردت متابعة له في سنن أبي داود من حديث سفيان ابن عيينة بلفظة " فصاعداً " لكن الذي يظهر أن هذه المتابعة لا تزيل الحكم عن الشذوذ؛ لأن سائر الرواة سوى سفيان ومعمر رووه باللفظ المتقدم، فتكون المخالفة منهما. ولو قلنا بثبوته، فهنا الجواب الثاني، من جهة الاستدلال به: فإن هذا الحديث نظير قول النبي ﷺ : (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً) (١) ومعلوم من الأدلة الشرعية والذي عليه أهل العلم أنها تقطع في ربع دينار فالحديث معناه: تقطع اليد في ربع دينار فأكثر. وكذلك هذا الحديث يحمل على هذا الحمل وهو ظاهر في ذلك، فيكون المعنى: لا صلاة مجزية إلا بالفاتحة ومع فاتحة الكتاب آيات أخر. وأما الجواب على حديث أبي سعيد: فإن الأمر فيه يحمل على الإرشاد والاستحباب. والواو هنا إنما تفيد دلالة الاقتران ودلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين، والذي حملنا على ذلك ما تقدم من حديث أبي داود فإن فيه الإجزاء بقراءة فاتحة الكتاب. فالراجح: مذهب عامة العلماء من أن فاتحة الكتاب تجزئ في الصلاة، أما قراءة آيات أخر أو سورة أخرى فذلك مستحب. قال المؤلف: (تكون في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه) المفصل اتفق العلماء على أن نهايته سورة الناس واختلفوا في أوله: فذهب الجمهور: إلى أن أوله سورة الحجرات. وذهب الحنابلة: إلى أن أوله سورة " ق ". ...وما ذهب إليه الحنابلة هو الراجح الصحيح، وصححه الحافظ في الفتح.

стр. 691

ويدل عليه: ما ثبت في أبي داود وابن ماجه ومسند أحمد والحديث إسناده حسن كما قال ذلك ابن كثير في فضائل القرآن وهو كما قال: من حديث أوس بن حذافة (١) الثقفي قال: سألت أصحاب النبي ﷺ : كيف يحزبون القرآن؟ فقالوا: (ثلاث ثم خمس ثم سبع ثم تسع ثم إحدى عشر ثم ثلاث عشرة ثم المفصل) (٢) ويتم العدد المتقدم وهو عدد ثلاث مع خمس مع سبع وتسع وإحدى عشر وثلاث عشر فيتم بما دون سورة " ق " فيكون شروع المفصل بسورة " ق " فهو الحزب السابع من أحزاب القرآن. وسمي مفصلاً لكثرة الفواصل بين سوره ببسم الله الرحمن الرحيم، وذلك لقصرها. فالراجح ما ذهب إليه الحنابلة من أن أول المفصل سورة " ق "، وطواله إلى النبأ، وأوساطه إلى الضحى، وقصاره إلى الناس. قال: (تكون في الصبح بطواله وفي المغرب بقصاره وفي العشاء بوسطه)

стр. 692

كما ثبت في النسائي بإسناد صحيح (١) . قوله: " فلان " لم يسم وليس عمر بن عبد العزيز؛ لأنه لم يولد إلا بعد وفاة أبي هريرة. سلمان بن يسار قال: كان فلان يطيل الظهر ويخفف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بوسطه وفي الفجر بطواله " فقال أبو هريرة: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بصلاة النبي ﷺ من هذا ". هذا هو المستحب في الغالب، وإلا فقد وردت الأدلة الشرعية بخلاف هذا. بل المداومة على ذلك ينبغي القول بعدم استحبابها وأنها خلاف السنة، فقد ثبت في البخاري عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: " ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد سمعت النبي ﷺ يقرأ بطول الطوليين " (٢) وهي سورة الأعراف. والطوليان هما سورة الأنعام وسورة الأعراف، والطولى هو أطول السورتين هي سورة الأعراف.

стр. 693

وقد ثبت التصريح بها في سنن أبي داود وأن النبي ﷺ كان يقرأ بها في المغرب، وفي النسائي أنه يقرأ بها في الركعتين كلتيهما (١) . وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ : (قرأ في المغرب بالطور) (٢) وفي الصحيحين أيضاً: (أنه قرأ بالمرسلات) (٣) . وفي الطبراني في الكبير بإسناد صحيح: (أنه قرأ بالأنفال) (٤) . وفي ابن خزيمة بإسناد صحيح: (أنه قرأ بسورة محمد) (٥) والفجر الغالب أن يقرأ فيها بطوال المفصل لكنه ربما قرأ فيها بقصار المفصل؛ فقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ قرأ في الفجر في سفر: بـ (قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " (٦) وفي أبي داود بإسناد صحيح: أنه قرأ بـ " إذا زلزلت الأرض زلزالها في الركعتين كلتيهما" (٧) أي في كل ركعة قرأها.

стр. 694

وفي مسلم: أنه قرأ بـ " إذا الشمس كورت " (١) كما أنه ثبت عنه " أنه قرأ في الروم " (٢) كما ثبت في سنن النسائي. قال: (وفي الباقي من أوساطه) في الباقي: في صلاة العشاء وصلاة الظهر والعصر يقرأ بأوساط المفصل

стр. 695

أما صلاة العشاء فتقدم الحديث الوارد فيها (١) ، وأما الظهر والعصر فثبت في أبي داود والترمذي والنسائي أن النبي ﷺ : (كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر بـ " والسماء ذات البروج " و " والسماء والطارق ") (٢) وهما من أوساط المفصل. لكن الظاهر أن النبي ﷺ لم يكن غالب أمره على هذا، فالظاهر أنها كانت غالب صلاة النبي ﷺ لها الإطالة، فقد ثبت في مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ : (كان يقرأ في الظهر بقدر " الم تنزيل السجدة " وفي رواية " بقدر ثلاثين آية " وفي الأوليين من العصر على النصف من ذلك) (٣) . - وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها الخرقي وطائفة من أصحابه: وأنه يستحب أن يطول والظهر وأن تكون صلاة العصر على النصف من الركعتين الأوليين من صلاة الظهر. ومما يدل عليه ما ثبت في مسلم قال الراوي: (كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يأت النبي ﷺ في الركعة الأولى مما يطولها) (٤) فهذا يدل على أن سنته في الظهر الإطالة.

стр. 696

وفي النسائي: أن النبي ﷺ : (سمع وهو يقرأ في الظهر بالذاريات) (١) . فالسنة – على الراجح – في الظهر أن تكون طويلة بنحو ما يكون في صلاة الفجر، وصلاة العصر تصلى على النصف من ذلك. وقد تقدم حديث سلمان بن يسار: (كان فلان يطول الظهر ويخفف العصر) ، " قال أبو هريرة ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بالنبي ﷺ من هذا ". وهنا مسائل في القراءة بعد الفاتحة: اعلم أن المشروع له أن يرتب السور كما وردت في المصحف فيقرأ في الركعة الأولى سورة مقدمة على الركعة الثانية – هذا المستحب جرياً على ترتيب المصحف – الذي جرى عليه الخلفاء الراشدون. المشهور في المذهب كراهية عكس ذلك. وعن الإمام أحمد: أنه لا كراهية في ذلك وهذا هو الأظهر، كما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ : (قرأ في قيام الليل بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران) (٢) فهنا النبي ﷺ لم يرتب بين السور فدل على جوازه. وثبت في البخاري معلقاً: (أن عمر قرأ في الصبح في الركعة الأولى بالكهف وفي الركعة الثانية بسورة يوسف أو يونس) (٣) والشك في الرواية.

стр. 697

وحيثما كان اليقين من الشك هنا فإن السورتين كليهما متقدمة على سورة الكهف. فالأظهر جوازه لكن المستحب أن يرتبها على الترتيب في المصحف. وقد يقال بكراهية المداومة على ذلك، فإن في المداومة على ذلك مخالفة صريحة ظاهرة للترتيب الذي جرى عليه المصحف عن أصحاب النبي ﷺ . أما عدم الترتيب بين الآيات، وذلك بأن يقرأ في الركعة الأولى بآيات من آخر السورة وفي الثانية آيات من وسطها أو أولها: فجمهور العلماء على أن ذلك مكروه، وكراهيته أشد من كراهية الأول، لأن ترتيب الآيات ترتيب وارد عن النبي ﷺ بالنص. وأما ترتيب السور فإن المشهور عند جمهور العلماء إنه بالاجتهاد أي اجتهاد الصحابة. ثم إنه مظنة تغيير المعاني، فكان ذلك مكروهاً. وعند الإمام أحمد أنه جائز، وهذا القول لا بأس به وهو قول قوي لكن بحيث تثبت من عدم تغيير المعاني وحيث لم يعتد ذلك، لأن النبي ﷺ [قال] : (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) وهذا ما تيسر سواء قدم أو أخر فلا حرج. أما تنكيس الكلمات في الآية نفسها فهو محرم إجماعاً ومبطل للصلاة، لأنه يخرج عن أن يكون قرآناً حيث نكس، وحيث خرج من أن يكون قرآناً فهو كلام أجنبي عن الصلاة – وحيث كان كلاماً أجنبياً فهو مبطل للصلاة مفسد لها. إذن: هي ثلاث صور: تنكيس الكلمات وهذا محرم وهو مبطل للصلاة. تنكيس الآيات وهذا مكروه عند أكثر الفقهاء وهو مذهب الجمهور، وعن الإمام أحمد عدم كراهيته. تنكيس السور، والمشهور عند الحنابلة والشافعية أنه مكروه والأظهر عدم كراهيته. واعلم أن قراءة شيء من الآيات القرآنية من وسط سور القرآن أو أوله أو آخره لا بأس به ولا حرج. أي يقرأ من وسط سورة وأولها أو آخرها فلا بأس لأن النبي ﷺ قال في حديث أبي سعيد: " ما تيسر " وقراءة شيء من وسط السورة ونحوه مما تيسر.

стр. 698

لكن مداومته كما قال شيخ الإسلام مكروهة، لأنها تتضمن ترك السنة الواردة عن النبي ﷺ . واعلم أنه يجوز للمصلي أن يقرأ بعد الفاتحة بسورتين فأكثر ومما يدل عليه ما ثبت في البخاري: (أن إمام مسجد قباء كان يقرأ قل هو الله أحد " يفتتح بها السورة التي بعد الفاتحة فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: " إني أحبها فقال: حبك إياها أدخلك الجنة) (١) . وثبت من فعل النبي ﷺ قراءة السورتين في الركعة من حديث ابن مسعود في البخاري (٢) ، وكذلك لأنه داخل فيما تيسر من القرآن. كما أنه لا بأس أن يقرأ آية من كتاب الله فإذا قرأ آية بعد الفاتحة فإنه يجزئه ذلك عن السورة التي تقرأ بعد الفاتحة. واعلم أن محل القراءة بعد الفاتحة، فلو سبق بها الفاتحة فإنها لا تجزئه ولا يعتد بها لأنها سنة فُعلت في غير محلها، لكن الفاتحة تجزئه. قال: (ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان) فإذا قرأ بقراءة هي داخلة في المصحف العثماني أجزأته اتفاقاً كأن يقرأ بشيء من القراءات السبع أو العشر أو نحوها من القراءات التي يشملها الرسم العثماني. أما إن قرأ بقراءة لا توافق المصحف العثماني فلا يجزئ عنه هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور كقراءة ابن مسعود: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " (٣) فالمشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور أنه لا يجوز أن يقرأ بشيء من القراءات الثابتة بالسند الصحيح لكنها لا تدخل في المصحف العثماني. ودليل هؤلاء: أنها ليست متواترة والمشروع من القراءة أن تكون متواترة.

стр. 699

- والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد والإمام مالك واختاره ابن تيمية وابن القيم: أنه يجزئه ذلك لأنه بثبوته بالسند الصحيح يثبت قرآناً، وقد كان هؤلاء الصحابة الذين ثبتت عنهم قراءات لا تدخل في الرسم العثماني كانوا يقرؤون بها في عهد النبي ﷺ وبعده وكانت ولا شك تجزئ عنهم. بل كان النبي ﷺ يحث على أخذ القرآن عن ابن مسعود وقد ورد عنه مثل هذه الآية التي تخالف ما استقر عليه المصحف عهد عثمان. ومعلوم أن ما استقر عليه المصحف في عهد عثمان ليس حاوياً للمصحف كله بل هو حاوٍ لشيء فيه وضع على هذه الهيئة درءاً للخلاف والفتنة والفرقة في كتاب الله تعالى – وحيث أنه من القرآن لثبوته بالسند الصحيح إلى هذا الصحابي فإنه لا مانع من أن يقرأ به – وهذا هو القول الراجح. وكونه ليس بمتواتر يقال: ليس بشرط هذا فإن كثيراً من أفراد القراءات الواردة عن القراء السبعة ليست بمتواترة، وادعاء أنها متواترة ليس بصحيح، بل إن كثيراً منها ليس بمتواتر وإنما يعود إلى غرابة السند أو عزته أو شهرته وليس كلها متواتر. وإنما القرآن متواتر في مجموعه، وأما آحاد القراءات وأفرادها فإن القول بتواترها مجرد دعوى. فعليه: إذا ثبت بالسند الصحيح إلى الصحابي فإنه يقرأ به وتصح به الصلاة، لكن ينبغي فعل هذا حيث لا تكون هناك فتنة وفرقة. إذن: كل قراءة وافقت المصحف فيجوز القراءة بها في الصلاة اتفاقاً. فإن لم توافق المصحف وصح سندها: فالمشهور في المذهب أن القراءة لا تصح بها (١) . والراجح – وهو رواية عن الإمام أحمد – بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " هي أنصهما " أي أنص الروايتين عن الإمام أحمد هذه الرواية التي فيها أن القراءة التي لا تدخل في المصحف العثماني مع صحة سندها قرآن يقرأ به ويحتج به في الأحكام الشرعية. والحمد لله رب العالمين الدرس الخامس والسبعون

стр. 700

(يوم السبت: ٢٧ / ٣ / ١٤١٥هـ) قال المصنف ﵀: (ثم يركع مكبراً رافعاً يديه ويضعهما على ركبتيه مفرجي الأصابع مستوياً ظهره) قوله: " ثم يركع " لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢) ولقوله ﷺ : (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً) (٣) في حديث المسيء صلاته، وهو ركن من أركان الصلاة وسيأتي الكلام عليها. " مكبراً " أي بأن يقول: " الله أكبر " وهي تكبيرة الانتقال من ركن القيام إلى ركن الركوع. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: (كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يرفع رأسه من المثنى) (٤) أي الجلوس أي حين يقوم من الركعتين الأولين في الصلاة الرباعية أو الثلاثية.

стр. 701

فهذا الحديث فيه تكبيرات الانتقال. " رافعاً يديه ": إما حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه. أما كونه يرفعهما حتى يحاذي بهما منكبيه فلحديث ابن عمر المتقدم، وفيه: (أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه حين يقوم إلى الصلاة وإذا أراد الركوع وبعد ما يرفع رأسه من الركوع) (١) . وأما كونه يرفعها إلى حيال أذنيه فلما روى النسائي بإسناد صحيح إلى مالك بن الحويرث: (أن النبي ﷺ : كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) (٢) . فكما أنه يستحب له ذلك – أي الرفع إلى حذو المنكبين أو فروع الأذنين – في تكبيرة الإحرام، فكذلك يستحب عند الركوع، وعند رفع اليدين. - والمشهور في المذهب: أنه يستحب له أن يرفع يديه حذو منكبيه أو فروع أذنيه، يستحب ذلك مع تكبيرة الانتقال فيكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه. وهو مشكل على مذهبهم من أن تكبيرات الانتقال إنما تشرع عند الانتقال وتنتهي بانتهائه، فإذا كبر للركوع فإنه يشرع بالتكبير وينتهي من التكبير إذا انتهى إلى الركوع وهو قائم يقول: الله أكبر، فيمد التكبير حتى يصل إلى الركوع، فيكون الانتقال قد شمله التكبير، وحينئذ يكون الرفع لليدين فيه إشكال.

стр. 702

- والأظهر أن رفع اليدين والتكبيرة إنما يشرعان قبل الركوع، فيكبر ويرفع يديه ثم يركع، وهو ما دل عليه حديث أبي حميد الساعدى في سنن أبي داود بإسناد صحيح قال: (ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه ثم يركع) (١) وظاهر ذلك أن التكبير والرفع قبل الركوع. فعلى ذلك المشروع أن يكبر رافعاً يديه ثم يركع، فيكونان أي التكبير والرفع قبل الانتقال. (ويضعهما على ركبتيه) لما ثبت في الصحيحين من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: " ركعت فجعلت يدي بين فخذي أو قال بين ركبتي فنهاني أبي وقال: كنا نفعل هذا فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب) (٢) .

стр. 703

ويمكنهما من ركبتيه كما في البخاري من حديث أبي حميد الساعدى قال: (ثم ركع فأمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره) (١) أي ثناه. ويكون كالقابض لهما، لما ثبت في سنن أبي داود وعن أبي حميد الساعدى قال: (ثم أمكن يديه من ركبتيه كأنه قابض عليهما) (٢) (مفرجي الأصابع) قال أبو حميد – في حديثه المتقدم في أبي داود -: (ثم أمكن يديه من ركبتيه وفرَّج بين أصابعه) (٣) . كما أنه يستحب له أن يجافي يديه عن جنبه، كما في حديثه في أبي داود أيضاً بإسناد صحيح وقال: (ووتَّر يديه فجافي عن جنبيه) (٤) " ووتر: أي نحاهما. قال: (مسوياً ظهره)

стр. 704

فيكون الظهر مستوياً، وقد تقدم: (ثم هصر ظهره) (١) أي ثناه. وفي أبي داود من حديث المسيء صلاته: (وامدد ظهرك) (٢) وفي ابن ماجه بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ : (كان يسوى ظهره حتى لو صب عليه الماء لاستقر) (٣) .

стр. 705

ويكون رأسه غير مصوَّب ولا مشخص بل يكون بإزاء ظهره، كما ثبت هذا في حديث عائشة في صحيح مسلم قالت: (فإذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه) (١) . (لم يشخصه) أي لم يرفعه، (لم يصوبه) أي لم يخفضه. كما أن رأسه يكون معتدلاً غير منحرف عن اليمين ولا عن الشمال، ففي أبي داود – من حديث أبي حميد المتقدم -: (ولا صافح بخده) (٢) أي قد مال بأحد صفحتي رأسه فظهرت من أحد الجنبين فهذا ليس بمستحب. قال: (ويقول سبحان ربي العظيم) كما ثبت في مسلم من حديث حذيفة قال: (كان النبي ﷺ يقول في ركوعه " سبحان ربي العظيم " وفي سجوده " سبحان ربي الأعلى ") (٣) .
следующие страницы →