← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فهذا الحديث فيه تكبيرات الانتقال. " رافعاً يديه ": إما حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه. أما كونه يرفعهما حتى يحاذي بهما منكبيه فلحديث ابن عمر المتقدم، وفيه: (أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه حين يقوم إلى الصلاة وإذا أراد الركوع وبعد ما يرفع رأسه من الركوع) (١) . وأما كونه يرفعها إلى حيال أذنيه فلما روى النسائي بإسناد صحيح إلى مالك بن الحويرث: (أن النبي ﷺ : كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) (٢) . فكما أنه يستحب له ذلك – أي الرفع إلى حذو المنكبين أو فروع الأذنين – في تكبيرة الإحرام، فكذلك يستحب عند الركوع، وعند رفع اليدين. - والمشهور في المذهب: أنه يستحب له أن يرفع يديه حذو منكبيه أو فروع أذنيه، يستحب ذلك مع تكبيرة الانتقال فيكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه. وهو مشكل على مذهبهم من أن تكبيرات الانتقال إنما تشرع عند الانتقال وتنتهي بانتهائه، فإذا كبر للركوع فإنه يشرع بالتكبير وينتهي من التكبير إذا انتهى إلى الركوع وهو قائم يقول: الله أكبر، فيمد التكبير حتى يصل إلى الركوع، فيكون الانتقال قد شمله التكبير، وحينئذ يكون الرفع لليدين فيه إشكال.

стр. 702

- والأظهر أن رفع اليدين والتكبيرة إنما يشرعان قبل الركوع، فيكبر ويرفع يديه ثم يركع، وهو ما دل عليه حديث أبي حميد الساعدى في سنن أبي داود بإسناد صحيح قال: (ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه ثم يركع) (١) وظاهر ذلك أن التكبير والرفع قبل الركوع. فعلى ذلك المشروع أن يكبر رافعاً يديه ثم يركع، فيكونان أي التكبير والرفع قبل الانتقال. (ويضعهما على ركبتيه) لما ثبت في الصحيحين من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: " ركعت فجعلت يدي بين فخذي أو قال بين ركبتي فنهاني أبي وقال: كنا نفعل هذا فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب) (٢) .

стр. 703

ويمكنهما من ركبتيه كما في البخاري من حديث أبي حميد الساعدى قال: (ثم ركع فأمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره) (١) أي ثناه. ويكون كالقابض لهما، لما ثبت في سنن أبي داود وعن أبي حميد الساعدى قال: (ثم أمكن يديه من ركبتيه كأنه قابض عليهما) (٢) (مفرجي الأصابع) قال أبو حميد – في حديثه المتقدم في أبي داود -: (ثم أمكن يديه من ركبتيه وفرَّج بين أصابعه) (٣) . كما أنه يستحب له أن يجافي يديه عن جنبه، كما في حديثه في أبي داود أيضاً بإسناد صحيح وقال: (ووتَّر يديه فجافي عن جنبيه) (٤) " ووتر: أي نحاهما. قال: (مسوياً ظهره)

стр. 704

فيكون الظهر مستوياً، وقد تقدم: (ثم هصر ظهره) (١) أي ثناه. وفي أبي داود من حديث المسيء صلاته: (وامدد ظهرك) (٢) وفي ابن ماجه بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ : (كان يسوى ظهره حتى لو صب عليه الماء لاستقر) (٣) .

стр. 705

ويكون رأسه غير مصوَّب ولا مشخص بل يكون بإزاء ظهره، كما ثبت هذا في حديث عائشة في صحيح مسلم قالت: (فإذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه) (١) . (لم يشخصه) أي لم يرفعه، (لم يصوبه) أي لم يخفضه. كما أن رأسه يكون معتدلاً غير منحرف عن اليمين ولا عن الشمال، ففي أبي داود – من حديث أبي حميد المتقدم -: (ولا صافح بخده) (٢) أي قد مال بأحد صفحتي رأسه فظهرت من أحد الجنبين فهذا ليس بمستحب. قال: (ويقول سبحان ربي العظيم) كما ثبت في مسلم من حديث حذيفة قال: (كان النبي ﷺ يقول في ركوعه " سبحان ربي العظيم " وفي سجوده " سبحان ربي الأعلى ") (٣) .

стр. 706

ويستحب أن يكون ذلك ثلاثاً وذلك أدناه ن لما روى أبو داود عن ابن مسعود بإسناد منقطع وله شواهد يرتقى بها إلى درجة الحسن: أن النبي ﷺ قال: (إذا ركع أحدكم فليقل سبحان ربي العظيم ثلاث مرات وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات وذلك أدناه) (١) . قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم. وهل يستحب له أن يزيد لفظة (وبحمده) ؟ اختلفت الرواية عن الإمام أحمد:

стр. 707

فعن الإمام احمد: كراهية ذلك لأنها لم تثبت عن النبي ﷺ بسند مقبول، وإنما رواها أبو داود في سننه من حديث عقبة بن عامر (١) ، ثم قال أبو داود: " لكن يخاف ألا تكون محفوظة " وفيها رجل لم يسم، وعامة ما ورد من الشواهد لها فهي معللة فلا يصح لها شاهداً. وعن الإمام أحمد: أنه لا بأس بها واختارها المجد بن تيمية ويشهد لذلك ما ثبت في الصحيحين: أن النبي ﷺ : (كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) (٢) .

стр. 708

لكن الأظهر القول الأول، لأنها وإن ثبتت بهذا الحديث المتفق عليه، فإنها لا تثبت مع اللفظ الأول وهو لفظ " سبحان ربي العظيم ". لكن مع ذلك فإن كراهيتها محل نظر، والأولى تركها لكن إن فعلها فلا بأس بذلك والعلم عند الله تعالى. ومما ورد عنه ﷺ في ركوعه وسجوده: ما ثبت في صحيح مسلم: أنه كان يقول في ركوعه وسجوده (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) (١) وتقدم الحديث المتفق عليه: (وأنه يكثر القول في ركوعه وسجوده " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) (٢) وفي مسلم أن النبي ﷺ كان يقول إذا ركع: (اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي) (٣) فهذا مما ورد عن النبي ﷺ فهذا الباب. إذن: أدنى الكمال أن يقول: سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى ثلاثاً. واختلفت في أتم الكمال:

стр. 709

فاحتمل الموفق أن يكون ذلك عشر تسبيحات لما روى أبو داود في سننه عن أنس قال: (ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بصلاة النبي ﷺ من هذا الفتى – يعني عمر بن عبد العزيز – قال فحرزنا سجوده بعشر تسبيحات وركوعه بعشر تسبيحات) (١) لكن الحديث في إسناده جهالة. كما أن هذا الركوع الطويل الذي حرز بعشر تسبيحات ليس هناك ما يدل على أنه كان يقول " سبحان ربي العظيم: عشراً، فيحتمل أن يكون قد قال غيره مما ورد عن النبي ﷺ . لكن هذا الاحتمال هو قوي لو صح الحديث في مقدار الركوع وهو أن يكون مقدراً بعشر تسبيحات، أما أن يكون لتقدير عدد التسبيحات فهذا محل نظر لما تقدم. وقال القاضي من الحنابلة: إن كان منفرداً فبحيث لا يسهو. وينبغي – كذلك – أن يقال: ولا يمل، لأن الملل في العبادة غير مشروع، وإن كان إماماً فحيث لا يشق على المأمومين – وهذا ضابط حسن تدل عليه الأحاديث. وكان النبي ﷺ يطيل في ركوعه لكنا لا نجزم أن ذلك بلفظة " سبحان ربي العظيم " فحسب بل كان – فيما يظهر – يقول غيره مما ورد عنه.

стр. 710

وفي الصحيحين من حديث البراء: أن النبي ﷺ : (كان قيامه فركوعه فسجوده فجلسته بين السجدتين فجلسته للتشهد قريباً من السواء) (١) أي معتدلة متقاربة وليس المراد أنها بدرجة واحدة في الطول، وإنما المراد أنها متناسبة في الطول، فإذا أطال القيام أطال الركوع والسجود وغيره، وإذا خففه خففها فتكون الصلاة معتدلة. وسيأتي الكلام على القدر المجزئ من الألفاظ في الركوع وفي القدر المجزئ من الركوع في الكلام على أركان الصلاة وواجباتها. والحمد لله رب العالمين. الدرس السادس والسبعون (يوم الأحد: ٢٨ / ٣ / ١٤١٥هـ) قال المؤلف ﵀: (ثم يرفع رأسه ويديه قائلاً) يرفع رأسه من الركوع، ويرفع يديه حذو منكبيه أو فروع أذنيه، وتقدم دليل ذلك من حديث ابن عمر وكذلك من حديث مالك بن الحويرث وغيرهما. وهنا متى يرفع يديه حذو منكبيه هل عند شروعه بالرفع من الركوع أم عندما يستوي قائماً؟ فيه تفصيل على المذهب: - أما الإمام والمنفرد فيكون ذلك عند الاستواء بالقيام فإذا استويا قائمين شرع رفع اليدين.

стр. 711

ودليل ذلك: حديث ابن عمر المتقدم وفيه: (ثم رفع يديه بعدما رفع رأسه) (١) الحديث متفق عليه. - أما المأموم فقالوا: يرفع يديه أثناء رفع صلبه، فإذا شرع في رفع صلبه رفع يديه حتى يستوي قائماً قالوا: لأن المأموم لا يشرع في حقه ذكر بعد الاستواء قائماً، فعلى المشهور من المذهب يقول: " ربنا ولك الحمد " إذا شرع بالرفع فينتهي منها إذا استوى قائماً فلا يشرع له حينئذ أن يقول ذكراً بعد رفع رأسه وحينئذ يقارن بين رفع اليدين والذكر. والراجح: أن المأموم إنما يقول: ربنا ولك الحمد إذا استوى قائماً كالمنفرد والإمام، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة المتقدم وفيه: أن النبي ﷺ كان يقول: (وهو قائم ربنا ولك الحمد) (٢) وقد قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) (٣) فيدخل في ذلك المأموم ولا دليل يدل على تخصيصه.

стр. 712

وأما قوله ﷺ – في المتفق عليه – وهو دليل الحنابلة قوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به ... فإذا قال: " سمع الله لمن حمده " فقولوا: " ربنا ولك الحمد ") (١) فليس في هذا ما يدل على أنه يقول ذلك أثناء رفعه، وإنما فيه أنه يقول: " ربنا ولك الحمد " بعد قول إمامه: " سمع الله لمن حمده ". والأدلة الشرعية في الصلاة تدل على أن كل ركن من أركان الصلاة يشرع له ذكر وارد، والرفع من الركوع أسوة غيره من الأركان فيشرع فيه ما يشرع في غيره من قول: " ربنا ولك الحمد ". إذن: هنا مسألتان: أحدهما تترتب على الأخرى: الأولى: هل يقول المأموم ربنا ولك الحمد عند شروعه في رفع صلبه إلى أن يستوي قائماً أم يقوله بعد استوائه قائماً؟ قولان: أصحهما أنه يقول ذلك بعد استوائه قائماً. الثانية: متى يرفع المأموم يديه هل يرفعهما إذا رفع رأسه من الركوع إلى أن يستوي قائماً أو بعد الاستواء قائماً؟ قولان لأهل العلم: وقد استدل القائلون بأنه يقولهما بعد رفع رأسه من الركوع بأنه يقول: " ربنا ولك الحمد " فكانا مقترنين، والجواب على ذلك من جهتين: الجهة الأولى: أن يقال: إن الراجح والذي دلت عليه الأدلة أنه إنما يقول: " ربنا ولك الحمد " عند رفع رأسه واستوائه قائماً. الوجه الثانية: أن يقال: لا تلازم بين الأمرين، فلو ثبت أنه يقول: " ربنا ولك الحمد " أثناء رفع رأسه، فلا تلازم بينه وبين رفع اليدين، وقد دل الدليل على أن رفع اليدين إنما يكون بعد الرفع من الركوع في الحديث المتقدم وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . فالراجح أن المأموم كالإمام يرفع يديه إذا استوى قائماً. قال: (قائلاً إمام ومنفرد سمع الله لمن حمده)

стр. 713

أي استجاب الله تعالى حَمْد من حَمِدَه بأن يجازيه على الحمد ويثنيه عليه وهذه اللفظة " سمع الله لمن حمده " يقولها الإمام والمنفرد دون المأموم – هذا هو المشهور في المذهب –. واستدلوا بالحديث المتقدم وهو ما اتفق عليه الشيخان من قوله ﷺ : (فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) (١) قالوا: والفاء تفيد التعقيب أي يقول المأموم ذلك عقب قول إمامه " سمع الله لمن حمده " وعليه فلا يشرع أن يقول: سمع الله لمن حمده، لأنه إذا قال ذلك فلم يقلها عقيب قول إمامه، وهو مذهب الجمهور. - وذهب الشافعية وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة: أن المأموم يقول ذلك ويشرع له. واستدلوا: بأدلة منها: ثبوت ذلك عن النبي ﷺ وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (٢) فهذا العموم شامل للمأموم كما هو شامل للأئمة والمنفردين (٣) . واستدلوا: بحديث المسيء صلاته في رواية أبي داود وفيه أن النبي ﷺ [قال] : (إنه لا تتم صلاة لأحدٍ من الناس) الحديث وفيه: (ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائماً) (٤) . وفي هذا الحديث فائدة: وهي أن لفظة " سمع الله لمن حمده " تقال عند رفع الصلب من الركوع إلى أن يستوي قائماً. قالوا: فهذا الحديث عام في المنفرد والإمام والمأموم.

стр. 714

وأجابوا عن الحديث المتقدم وهو ما استدل به الجمهور بأن النبي ﷺ قال: (إذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) إنما ورد هذا في بيان عدم مشروعية قوله: " ربنا ولك الحمد " من المأموم إلا بعد قول الإمام: " سمع الله لمن حمده " وليس فيه أنه لا يقول: سمع الله لمن حمده. ونحن قلنا: إن المأموم يشرع له أن يقول: " ربنا ولك الحمد " وهو قائم كما دلت عليه الأدلة الشرعية. فعليه إذا رفع المأموم صلبه من الركوع حتى يستوي قائماً فقال: " سمع الله لمن حمده " فإن هذا لا يؤثر لثبوت الانفصال فإن الانفصال ثابت سواء سكت أو تلفظ، فسكوته أو تكلمه لا يؤثر في كونه قد قال: " ربنا ولك الحمد " بعد قوله " سمع الله لمن حمده "، فإن الانفصال ثابت في السكوت وعليه فما فائدة قول النبي ﷺ هذا الحديث؟ والجواب أن يقال: إن فائدته تعليم المأمومين ألا يقول: " ربنا ولك الحمد " إلا بعد قول الإمام " سمع الله لمن حمده " وذلك لثبوت الفصل في ذلك، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له) (١) . فهذا كقول النبي ﷺ : (فإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين) (٢) ليوافق التأمين تأمين الملائكة ليغفر الله [لهم] (٣) ، وليس فيه أن المأمومين لا يقرؤون بفاتحة الكتاب وقد دلت الأدلة الشرعية على وجوب ذلك.

стр. 715

والأقوى والأقرب ما ذهب إليه الشافعية وهو الأحوط والعلم عند الله تعالى. قال: (سمع الله لمن حمده، وبعد قيامهما: ربنا ولك الحمد) قيامهما: أي قيام الإمام والمنفرد. " ربنا ولك الحمد " بحذف " اللهم " وزيادة الواو وهي صفة من صفات أربع ثبتت عن النبي ﷺ في الصحيح. الصفة الأولى: ربنا لك الحمد (١) بحذف الواو، و " اللهم ". الصفة الثانية: ربنا ولك الحمد (٢) : بحذف " اللهم " وإثبات الواو. الصفة الثالثة والرابعة بزيادة " اللهم وبحذف الواو وبإثباتها " اللهم ربنا لك الحمد " (٣) " اللهم ربنا ولك الحمد " (٤) هذه صفات واردة رواها البخاري في صحيحه وروى بعضها مسلم. فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض – وفي رواية في مسلم (ملء السموات وملء الأرض) ، وفي رواية (وما بينهما) - وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد " (٥) يقول الإمام والمنفرد هذا التحميد الوارد بعد قيامهما من الركوع بعد أن يستويا قائمين. قال: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد، فقط) . هنا مسألتان: ١- المسألة الأولى: أنه يقول ذلك أثناء الرفع قبل أن يستوي قائماً.

стр. 716

والراجح أنه يقوله: بعد أن يستوي قائماً لما تقدم وهو مذهب الشافعية. ودليله أن النبي ﷺ : " كان يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد " وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (١) ، واستثناء المأموم من هذا العموم الشامل له يحتاج إلى دليل ولا دليل. ٢- المسألة الثانية: أنه لا يزيد على لفظة " ربنا ولك الحمد " وهو رواية عن الإمام أحمد. واستدلوا بما تقدم من قول النبي ﷺ : (فإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) (٢) فأمر المأمومين بأن يقولوا: ربنا ولك الحمد، وظاهره أن المشروع لهم ذلك وأن الزيادة ليس بمشروعة. - وعن الإمام أحمد وهو اختيار طائفة من أصحابه كالمجد بن تيمية وهو اختيار شيخ الإسلام وهو مذهب الشافعية: أن المأموم كالإمام والمنفرد، يزيد ما ورد عن النبي ﷺ استحباباً قالوا: لقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) وكان يزيد ما تقدم. وأما الحديث الذي استدللتم به فإنه لم يسق لبيان ما يقول الإمام ولا ما يقول المأموم، بدليل أن هذا الحديث فيه قول الإمام: سمع الله لمن حمده، وليس فيه زيادة على ذلك، وكذلك قوله: (ربنا ولك الحمد) فإنما سيق ذلك لبيان أن المأموم لا يشرع له التلفظ بلفظة " ربنا ولك الحمد " إلا عقب قول إمامه: " سمع الله لمن حمده " وليس فيه أنه لا يشرع له الزيادة الواردة عن النبي ﷺ – هذا هو الراجح -. إذن: الإمام والمأموم والمنفرد في حكم واحد في عامة مسائل هذا الباب، في لفظة (سمع الله لمن حمده) ، وفي الزيادة على لفظة " ربنا ولك الحمد " على الأظهر، وفي وقت الرفع وأن يكون ذلك بعد أن ينتصبوا قائمين، وغيرها. وهنا مسألة: صفة وضع اليدين، هل يضع اليد اليمنى على اليسرى أم يرسلهما أم هو مخير؟ ثلاثة أقوال:

стр. 717

نص الإمام أحمد: على أنه يخير بين الإرسال وبين الوضع، وكأنه تردد في إدخال القيام المشروع بعد (١) الركوع في القيام المشروع قبله، لهذا التردد قال بالتخيير. وهو مذهب الأحناف: أنه يرسلهما، وهو قول طائفة من أصحاب الإمام أحمد. أنه يستحب له أن يضع اليمنى على اليسرى كوضعها قبل الركوع، وهو قول طائفة من أصحاب الإمام أحمد. واستدل أهل القول الثاني: بأنه لم يثبت عن النبي ﷺ حديث في هذا الباب، حيث لم يثبت فلا يشرع فعليه أن يرسلهما ويبقيهما على طبيعتهما فإن الأصل في طبيعتها الإرسال، ولما لم يرد الوضع فإنا نبقى على الإرسال ويكون هو المشروع وغيره بدعة. أما دليل أهل القول الثالث - وهو مذهب طائفة من أصحاب أحمد: وهو أرجحها - دليله عمومات الأحاديث ومنها حديث سعد بن أبي وقاص: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) (٢) رواه البخاري. وهذه صفة خشوع وتذلل وخضوع لله تعالى، وهذا عام في الصلاة كلها إلا ما استثني من جلوس للتشهد ومن سجود ونحو ذلك، أما الرفع من الركوع والقيام بعده فلا دليل على استثنائه فيبقى في العموم. وأوضح منه الحديث الذي تقدم وهو حديث وائل بن حجر في سنن النسائي بإسناد صحيح أنه قال: (رأيت النبي ﷺ إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله) (٣) وهذا عام في كل قيام فيدخل في ذلك القيام بعد الركوع.

стр. 718

ثم إن هذا من باب إلحاق النظير نظيره، فإن القيام بعد الركوع شبيه ونظير للقيام قبله، فكلاهما قيام في الصلاة، وهذه صفة فيها خشوع وخضوع وتذلل لله فهي أولى من الإرسال. إذن: الراجح أنه يضع يده اليمنى على اليسرى كوضعها في الصفات المتقدمة كوضعها قبل الركوع. والحمد لله رب العالمين. الدرس السابع والسبعون (يوم الاثنين: ٢٩ / ٣ / ١٤١٥هـ) قال المؤلف ﵀: (ثم يخر مكبراً ساجداً على سبعة أعضاء) " يخر ": خر: أي سقط وانكب. " مكبراً " أي قائلاً الله أكبر، لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وفيه: (ثم يكبر حين يهوى ساجداً) (١) فمن تكبيرات الانتقال التكبير عند الانتقال من القيام بعد الركوع إلى السجود وهو مشروع بينهما، فيبدأ بالتكبير عند انخفاضه وينتهي عند انتهائه. ولم يذكر المؤلف هنا: رفع اليدين؛ لأن المشهور في المذهب عدم مشروعية ذلك، وأنه لا يشرع الرفع عند السجود والرفع منه. ودليله: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وفيه: (ولا يفعل ذلك في السجود) وفي رواية مسلم: (ولا يرفع يديه إذا سجد ولا إذا رفع رأسه من السجود) (٢) .

стр. 719

- الإمام أحمد وهو مذهب طائفة من الصحابة والتابعين: أنه يشرع له الرفع، وأنه يشرع رفع اليدين في كل خفض ورفع. وهذا القول هو الراجح ويدل عليه حديث مالك بن الحويرث في النسائي بإسناد صحيح وفيه: (أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) (١) . والمثبت مقدم على النافي، فحديث ابن عمر ليس فيه إلا النفي وغاية ما عند النافي عدم بلوغ علمه ما نفاه فإذا أتى ما يثبت ذلك فإن هذا المثبت حجة عليه؛ لأنه حفظ ما لم يحفظ وعلم ما لم يعلم. إلا أن رواية ابن عمر وهو المتابع للنبي ﷺ والحافظ لحديثه تدل على أن النبي ﷺ كان يترك ذلك أحياناً فعلى ذلك ينبغي أن يكون ذلك مستحباً أحياناً. فعدم رواية ابن عمر وعدم إحصائه هذا الفعل عند السجود والرفع منه يدل على أنه صلى مع النبي ﷺ صلوات كثيرة لم يفعل فيها هذا الرفع، وهذا يدل على أنه لم يكن يداوم على ذلك. فالراجح: أنه يستحب أن يرفع يديه إذا سجد ورفع رأسه أحياناً. قال: (ساجداً على سبعة أعضاء رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهة مع أنفه) في هذه الجملة مسألتان: المسألة الأولى: فرضية السجود على سبعة أعظم وهي: الجبهة والأنف وهما عضو واحد، واليدان وهما عظمان (٢) ، والركبتان وهما عظمان وأطراف القدمين وهما عظمان.

стр. 720

لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس وأن النبي ﷺ قال: (أمرت أن اسجد على سبعة أعظم الجبهة وأشار إلى أنفه) (١) - وفي رواية النسائي: (الجبهة والأنف) (٢) – واليدين، وفي رواية مسلم: (والكفين) والركبتين وأطراف القدمين) . المسألة الثانية: هي في قوله: (رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته) . هنا ما ذكره من الترتيب هو الترتيب الطبيعي فالرجلان ثابتتان ثم بعد ذلك الركبتين ثم اليدين ثم الجبهة والأنف هذا هو الذي يقتضيه الهوي والخرور. لكن السنة قد دلت على أن اليدين مقدمان على الركبتين، وهو مذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد. وفي هذه المسألة قولان لأهل العلم: القول الأول، وهو مذهب عامة الفقهاء من الحنابلة وغيرهم: أن المستحب أن يقدم الركبتين على اليدين. واستدلوا: بما رواه أبو داود عن وائل بن حجر وقال: (رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه) (٣)

стр. 721

وبما رواه ابن خزيمة من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: (كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا أن نضع الركبتين قبل اليدين) (١) أما أهل القول الثاني، وهو مذهب المالكية ورواية عن الإمام أحمد وهو مذهب أكثر أهل الحديث: إلى استحباب تقديم اليدين على الركبتين، واستدلوا بدليلين:

стр. 722

١- الأول: ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه) (١) قالوا: ركبة البعير، وركبة كل ذي أربع في يديها، ومعلوم أن البعير إذا سجد، سجد في مقدمه ثم بعد ذلك لحقه المؤخر والركبتان في مقدمه كما نص على ذلك صاحب لسان العرب وغيره. وقد روى البخاري في صحيحه في قصة سراقة بن مالك وفيه قال: (فساخت يد الفرس في الأرض حتى بلغتا الركبتين) (٢) فهذا يدل على أن ركبة الفرس وهكذا ذوات الأربع أنها في اليدين، فالبعير ركبتاه في يديه ولا يصح إنكار ابن القيم لذلك في الزاد فإن هذا الإنكار يخالفه ما ثبت في لغة العرب. ومعلوم أن البعير يخر على ركبته، فنهي المصلي عن ذلك، وزاد ذلك وضوحاً بقوله: (وليضع يديه قبل ركبتيه) وهذا الحديث إسناده صحيح ورواته كلهم ثقات وسنده متصل.

стр. 723

والثاني: ما رواه ابن خزيمة عن ابن عمر: (أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه ويقول: كان النبي ﷺ يفعل ذلك) (١) وروى ذلك البخاري في صحيحه معلقاً القسم الموقوف فيه: (أن ابن عمر كان يضع يديه قبل ركبتيه) (٢) ومعلوم أن ابن عمر كان من أتبع الناس للنبي ﷺ حتى كان يغلو في نظر بعض أصحاب النبي ﷺ في ذلك فكانوا ينكرون عليه، فكان في غاية الاقتداء بالنبي ﷺ ، وهنا كما هو معلق فقد رفعه إلى النبي ﷺ . وهذا القول هو القول الراجح. وأما ما استدل به أهل القول الأول: فأما حديث أبي داود ففيه شريك بن عبد الله وهو ضعيف إذا تفرد وقد خالف هنا فقد خالف همام وهمام قد رواه مرسلاً، فكان فيه تفرد ومخالفة لذا ضعفه البخاري والبيهقي والدراقطني، فإسناد الحديث ضعيف. أما الحديث الثاني ففيه إسماعيل بن يحيى وهو متروك. والصحيح ما تقدم في الحديث المتفق عليه في التطبيق. فالصواب أن هذا وهم وخطأ بل نكارة لأن الصحيح المشهور هو نسخ التطبيق. ومن هنا فالراجح مذهب أهل القول الثاني (٣)

стр. 724

وتقدم من ذهب إليه، وقال الأوزعي فيما رواه المروزي عنه: (أدركت الناس وهم يضعون أيديهم قبل ركبهم) (١) وإسناده صحيح. (والجبهة والأنف) للحديث المتقدم في قوله: (والجبهة وأشار إلى أنفه) ففرض في السجود أن يسجد المصلي على الجبهة والأنف جميعاً لصحة الحديث الوارد في هذا: وهو أصح الوجهين في المذهب وهو أشهرهما. قال: (ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده) فلو سجد وبينه وبين الأرض حائل سواء كان متصلاً أو منفصلاً أي متصل بالمصلي كأن يضع طرف ثوبه فيصلي عليه، أو منفصلاً كأن يأتي بشيء آخر من سجادة ونحوها. ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (كنا نصلي وراء النبي ﷺ فيضع أحدنا طرف ثوبه من شدة الحر في مكان السجود) (٢) . وروى البخاري معلقاً ووصله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما بإسناد صحيح عن الحسن البصري قال: (كان أصحاب النبي ﷺ يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل على قلنسوته وعمامته) (٣) لكن استثنى من ذلك (ليس من أعضاء سجوده) : فإذا وضع يديه ثم سجد عليها فلا يصح ذلك. قالوا: لأن هذا الفعل يداخل أعضاء الساجد، فالشارع قد أمره بالسجود على هذه الأعظم السبعة وحيث جعل بعضها فوق بعض فإن ذلك تداخل فيما بينها ويجعلها متفرقة كما أمر الشارع فهو قد أمر بها متفرقة وكل عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو رد.

стр. 725

* اعلم أن المشهور في المذهب: أنه يسجد ببعض عضوه فإذا وضع أطراف الأصابع في السجود أجزأه ذلك وإن رفع راحتيه. وذهب بعض الحنابلة كابن حامد وهو من كبار أصحاب الإمام أحمد: إلى أنه لا يجزئه ذلك – وهذا هو الراجح – لظاهر الحديث، فإن في الحديث: (واليدين) وفي رواية: (والكفين) وحيث سجد على أطراف الأصابع فإنه لم يسجد على الكفين، وإذا أمر النبي ﷺ بالأمر فيجب أن يفعل كله لقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (١) فيدل على أنهم إذا استطاعوا أن يأتوا به كله فلا يجزئهم سوى ذلك. وهنا أمره ﷺ – السجود على الأعضاء السبعة بتمامها وكمالها فلا يجزئه سوى ذلك. فالراجح أنه لا يجزئه أن يسجد على بعض عضوه بل لابد أن يسجد على العضو كله. قال: (ويجافي عضديه)

стр. 726

أي يجافي عضديه عن جنبيه، لما روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح: (كان النبي ﷺ يجافي عضديه عن جنبيه) (١) وثبت في الصحيحين من حديث ابن بحينة قال: (كان النبي ﷺ إذا صلى فسجد فرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه) (٢) حتى قالت ميمونة – كما في مسلم -: (كان النبي ﷺ إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت) (٣) البهمة: صغار المعز. فهذا يدل على أن النبي ﷺ كان يجافي عضديه عن جنبيه. ويستحب له أن يرفع مرفقيه ففي مسلم أن النبي ﷺ : (إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك) (٤) . قال: (وبطنه عن فخذيه)

стр. 727

يستحب أن يجافي بطنه عن فخذيه، وفخذاه عن ساقيه فقد ثبت في أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ (كان إذا سجد فرَّج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه) (١) وفي النسائي وأبي داود بإسناد صحيح عن البراء قال: (كان النبي ﷺ إذا سجد جخَّ) (٢) أي نحى وهي تنحية عامة، فينحي البطن عن الفخذين والفخذين عن الساقين. قال: (ويفرق ركبته) للحديث المتقدم حديث أبي حميد الساعدى وفيه أن النبي ﷺ : (كان إذا سجد فرَّج بين فخذيه) (٣) ومقتضاه التفريج بين الركبتين أيضاً. ويستحب له في قدميه أن يضمهما وأن يتوجه بأطراف أصابعه إلى القبلة وأن يرص القدمين بعضهما إلى بعض.

стр. 728

يدل على مسألة نصب القدمين: ما ثبت في الترمذي: (أن النبي ﷺ أمر أن نضع اليدين وننصب القدمين) (١) أي العقبان إلى أعلى وأطراف القدمين إلى أسفل. وأما استقبال القبلة في الأصابع: فلِما ثبت في البخاري: (أن النبي ﷺ استقبل بأطراف أصابعه القبلة) (٢) . ويستحب أن يفرج بين أصابعه، لما ثبت في الترمذي: (وفتح أصابع رجليه) (٣) . وأما رص القدمين بعضهما ببعض فثبت هذا في ابن خزيمة بإسناد صحيح: (أن النبي ﷺ رص بين قدميه) (٤) .

стр. 729

وأما الكفان فيستحب أن يكونا حيال المنكبين أو يكونا حيال الأذنين أو الوجه، فهنا صفتان: الأولى: أن تكون الكفان حذو المنكبين ودليل ذلك: ما ثبت في أبي داود بإسناد صحيح: (أن النبي ﷺ كان إذا سجد وضع كفيه حذو منكبيه) (١) . الثانية: أن يكون حذو أذنيه، فدليله ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح: (أن النبي ﷺ كان إذا سجد وضع كفيه حذو أذنيه) (٢) وفي مسلم أن النبي ﷺ : (كان إذا سجد سجد بين كفيه) (٣) أي جعل وجهه بين كفيه أي قريباً من حيال الأذنين.

стр. 730

ويستحب أن يضم أصابعه ويستقبل بهما القبلة كما ثبت ذلك في البيهقي بإسناد صحيح أن النبي ﷺ (ضم أصابعه واستقبل بأطرافهما القبلة) (١) قال: (ويقول: سبحان ربي الأعلى) تقدم الكلام على هذا، وذكر الأدلة عليها وذكر ما يستحب ذكره في السجود – في الكلام على لفظة: (سبحان ربي العظيم في الركوع) والحمد لله رب العالمين. الدرس الثامن والسبعون (الثلاثاء: ١ / ٤ / ١٤١٥هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يرفع رأسه مكبراً) أي يرفع رأسه من السجود إلى الجلسة بين السجدتين. " مكبراً ": أي قائلاً: " الله أكبر " لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة المتقدم وفيه: (ثم يكبر حين يهوي ساجداً ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود) (٢) .

стр. 731

وهي – أي الجلسة بين السجدتين – ركن من أركان الصلاة وفي حديث المسيء صلاته المتفق عليه: (ثم اجلس حتى تطمئن جالساً) (١) . وقد تقدم مشروعية رفع اليدين إلى المنكبين أو فروع الأذنين أحياناً. قال: (ويجلس مفترشاً يسراه ناصباً يمناه) أي يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب رجله اليمنى، وهذه هيئة الجلوس بين السجدتين. لما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة وفيه: (وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى) (٢)

стр. 732

وقد ثبت في أبي داود والترمذي من حديث أبي حميد الساعدي في قصة صلاته صلاة النبي ﷺ وفيه: (ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها حتى رجع كل عضو موضعه ثم هوى ساجداً) (١) وفيه أنه اطمأن في جلسته. ويستحب أن يستقبل بأطراف أصابع رجليه اليمنى – وهي المنصوبة – أن يستقبل بها القبلة كما صح ذلك في سنن النسائي بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ : (استقبل بأطراف أصابعه القبلة) (٢) يعني في الجلسة بين السجدتين كما هو ظاهر الرواية. ويضع يديه على فخذيه كما سيأتي في الكلام على وضع اليدين في التشهد، ومثله الجلوس بين السجدتين. ولا يستحب أن يشير بأصبعه – في الجلسة بين السجدتين – خلافاً لابن القيم، حيث ساق في صفة صلاة النبي ﷺ الإشارة في الجلسة بين السجدتين، ولا دليل على ذلك، وأما ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (٣) فإنها رواية شاذة عند أهل العلم، ولم أر أحداً من أهل العلم ذكرها سوى ابن القيم. قال: (ويقول: رب اغفر لي)

стр. 733

لما ثبت في سنن النسائي: بإسناد صحيح: أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) (١) أي يكررها ما شاء الله، فالمستحب هذا اللفظ " رب اغفر لي " وهو كالمستحب في " سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى " الواجب مرة، وأدنى الكمال ثلاثاً، والمستحب أن يكررها ما شاء بقدر جلوسه. وقد كان النبي ﷺ : (يطيل الجلسة بين السجدتين حتى يقال: قد نسي) يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (لا آلُ (٢) أصلي بكم صلاة النبي ﷺ فكان – أي أنس – إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل قد نسي أو وهم وبين السجدتين حتى يقول القائل: قد وهم أو نسي) (٣) في رواية " نسي " وفي رواية أخرى " وهم ".

стр. 734

ومما ورد عنه ﷺ – من الأذكار في هذا الموضع ما رواه الأربعة إلا النسائي – وهذا لفظ أبي داود – أن النبي ﷺ : (كان يقول بين السجدتين " رب اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني ") (١) وفي رواية الترمذي: (واجبرني) (٢) في موضع (عافني) وزاد ابن ماجه لفظة (وارفعني) (٣) – والحديث إسناده حسن. وحسن أن يجمع بينهما – أي هذه الألفاظ – لثبوتها عن النبي ﷺ . وهذان الحديثان الوارد فيهما من باب الدعاء، ومنه يستفاد أن هذا الموضع موضع دعاء، وحيث كان موضع دعاء وحيث كان النبي ﷺ يطيل الجلوس حتى يقال قد نسي فإن فيه: أنه لا بأس أن يزيد من الأدعية ما شاء من غير أن يتخذ شيئاً من الألفاظ سنة مستحبة في هذا الموضع. قال: (ويسجد الثانية كالأولى) أي يسجد السجدة الثانية كهيئة السجدة الأولى فيستحب فيها ما يستحب في الأولى وما يجب من الأقوال والأفعال. قال: (ثم يرفع مكبراً) أي قائلاً: " الله أكبر " وقد تقدم هذا في حديث أبي هريرة. قال: (ناهضاً على صدور قدميه معتمداً على ركبته إن سهل) فيها مسائل: المسألة الأولى: هل يستحب له أن يجلس جلسة الاستراحة بعد الركعة الأولى أو الثالثة أم لا؟ على قولين: ١- القول الأول: وهو مذهب أكثر الفقهاء من الحنابلة وغيرهم: أنه لا يستحب له ذلك لذا لم يذكرها المؤلف. واستدلوا:

стр. 735

بأن أكثر الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في صفة الصلاة لم تذكر هذه الجلسة. ٢- القول الثاني: وهو مذهب الشافعية ورواية عن الإمام أحمد اختارها الخلال من أصحابه وذكر أن الإمام أحمد قد رجع إلى القول بها، وهو مذهب أهل الحديث: وأنه تستحب هذه الجلسة. واستدلوا بحديثين ثابتين: الحديث الأول: حديث مالك بن الحويرث في البخاري قال: (رأيت النبي ﷺ فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً) (١) الحديث الثاني: ما ثبت في سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي حميد الساعدي، وقد قاله بمحضر عشرة من أصحاب النبي ﷺ فيهم أبو قتاده وقالوا له – لما ذكر صفة الصلاة – من جملتها جلسة الاستراحة قالوا له: (صدقت هكذا كان النبي ﷺ يصلي) وفيه: (ثم ثنى رجليه وجلس حتى رجع كل عضو موضعه ثم نهض) (٢) . قالوا: فهذان الحديثان فيهما إثبات جلسة الاستراحة. أما حديث أبي حميد: فإنه قد أقره على ذلك عشرة من الصحابة منهم أبو قتادة.

стр. 736

وأما حديث مالك بن الحويرث: فإن راويه – وهو مالك بن الحويرث – هو راوي أصل هذا الباب، وهو حديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (١) وقد ذكر فيه جلسة الاستراحة وهذا هو القول الراجح (٢)

стр. 737

أما ما ذكره أهل القول الأول: من أن هذه السنة لم تثبت إلا في هذين الحديثين. فالجواب: أن هذا في الحقيقة كاف في إثباتها ولا يشترط أن يروي من غير هذين الحديثين بل لو ثبتت السنة في حديث واحد لكانت سنة عن النبي ﷺ . - وقيل وهو اختيار الموفق: يستحب لمن ضعف وكبر. وعليه حمل الحديثان المتقدمان بأن النبي ﷺ فعلهما على كبر. لكن هذا وإن كان قد يكون واقعاً – فإن مالكاً راوي هذا الحديث قد يكون رأى النبي ﷺ وقد كبر، لكن هذا لا يعني أنه لا يستحب لغيره. فإن النبي ﷺ لما قال له: (صلوا كما رأيتموني أصلي) لم يستثن من ذلك شيئاً، وكانوا قد رأوه وقد جلس جلسة الاستراحة، فلو لم تكن مستحبة لاستثناها النبي ﷺ وحديث أبي حميد حديث مطلق ليس فيه ما يدل على أنه فعله حين الكبر. كما أن إقرار هؤلاء العشرة وسكوتهم عن روايته وعدم اعتراض أحد منهم على ذلك بأنه قد فعلها حين الكبر، فسكوتهم يدل على أن ذلك سنة مستحبة مطلقاً. إذن: الراجح سنية جلسة الاستراحة. ويستحب أن يطمئن بها كما تقدم في حديث أبي حميد الساعدي: (ثم جلس حتى رجع كل عضو) وهي جلسة لطيفة لم يرد فيها ذكر. مسألة: على القول باستحباب هذه الجلسة متى يكون التكبير؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم هي ثلاثة أوجه في مذهب الشافعية: الأول: أنه يكبر إذا رفع رأسه ثم يجلس ثم ينهض بلا تكبير. الثاني: أنه لا يكبر إذا رفع رأسه ثم يجلس ثم يكبر وينهض. الثالث: أنه يكبر إذا رفع رأسه ويمد تكبيره حتى يجلس ثم ينهض. وهذا أصحها عند الشافعية وهو المشهور عندهم. والراجح عدم استحباب ذلك لأن هذه الصفة لو كانت ثابتة لنقلت إلينا لاختلاف الصفة عن غيرها من التكبيرات. ثم إن هذه الجلسة إنما شرعت لإعطاء البدن شيئاً من الراحة وحيث كان على هذه الهيئة فإنه ينافي هذا.

стр. 738

وأصحها أنه يكبر إذا رفع رأسه ثم يجلس وينهض بلا تكبير، والذي يدل عليه: أن النبي ﷺ قد رآه من رآه ممن حكى لنا هذا، ولو كان يكبر عن إرادة النهوض لما رويت لنا لعد رؤيتها، وهذا يضعف القول بأنه يكبر عند النهوض. وقد تقدم تضعيف القول بمد التكبير بحيث يكون شاملاً للرفع والجلسة والنهوض. فيبقى أصح الأقوال أنه يكبر إذا رفع رأسه ثم يجلس وينهض بلا تكبير ويؤيده قول أبي هريرة – في الحديث المتقدم -: (ثم يكبر حتى يرفع رأسه) وهذا إنما يصدق على فعله بعد الرفع مباشرة. وهذا القول هو قول في مذهب الحنابلة. وقد اختار بعضهم الرواية الأخرى عن الإمام أحمد ورتبوا عليها ذلك كما ذكر الموفق في المغني. المسألة الثانية: أنه يقوم على صدور قدميه معتمداً على ركبته. أما قيامه على صدور قدميه، فلما روى الترمذي من حديث خالد بن إلياس وهو متروك الحديث: أن النبي ﷺ (كان إذا نهض ينهض على صدور قدميه) (١) وإسناده ضعيف جداً. واستدلوا على استحباب اعتماده بيديه على ركبتيه أو فخذيه: بحديث وائل بن حجر في سنن أبي داود: قال: (كان النبي ﷺ إذا نهض ينهض على ركبته واعتمد بيديه على فخذيه) (٢)

стр. 739

واستدلوا: بما روى أبو داود أن النبي ﷺ : (نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة) (١) . - وذهب المالكية والشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن المستحب له أن ينهض معتمداً على يديه. فإذا جلس للاستراحة أو قام من التشهد الأول فإنه يعتمد على الأرض بيديه. واستدلوا: بما ثبت في البخاري من حديث مالك بن الحويرث وفيه: أن النبي ﷺ : (كان إذا رفع من السجدة الثانية جلس واعتمد بيديه على الأرض ثم قام) (٢) وأما الحديثان اللذان استدللتم بهما: فالأول: ضعيف؛ لأن فيه انقطاعاً بين عبد الجبار بن وائل وبين أبيه فإنه لم يدرك أباه. وأما الثاني: فإن مداره على عبد الرزاق صاحب المصنف، وقد رواه الثقات كالإمام أحمد وغيره عنه بلفظ: (أن النبي ﷺ نهى أن يعتمد الرجل على يديه في الصلاة) (٣) وأخطأ بعض الرواة فرواه باللفظ المتقدم.

стр. 740

إذن الراجح أن المستحب له أن يعتمد بيديه على الأرض فيقوم (١)
следующие страницы →