← Сира

Сира · id 8530

القول المبين في سيرة سيد المرسلين

محمد الطيب النجار

Полный текст (529 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمات مقدمة الناشر ... مقدمة الناشر الحمد لله منزل الكتاب ومثله معه، والصلاة والسلام على الرسول الهادي ذي الأحاديث الجامعة وعلى الآل، والصحب ومن بلّغ عنه حديثًا سمعه، أو نهج نهجه وتبعه. أما بعد: فإنه لما انعقد عزمنا في دار الندوة الجديدة على إخراج كتاب "القول المبين في سيرة سيد المرسلين" للدكتور الطيب النجار. فقد عهدنا لشيخنا الأستاذ عبد السلام بن محمد بن عمر علوش، بالنظر في الكتاب والتعليق عليه، بما يكشف النقاب عما أودعه صاحبه من فضول في السيرة وتفاصيلها؛ حتى يجتمع للكتاب النص والتوثيق، اللذان لا يعتبران كتاب في السيرة إلا باجتماعهما. فقام بحمد لله بذلك حق قيام، فميز الصحيح من الضعيف، وما كان فيه من رأي فإما دعمه عند التوافق، أو انتقده عند الاعتراض. وقد ظهر من هذا أن الغالب على روايات الكتاب الصحة، اللهم إلا في مواضع يسيرة نبه عليها. وكذلك ما أودعه فيه من بعض الترجيحات فالغالب أنه كان موفقًا فيها، وإلا انتقده وبين وجه الصواب الذي يوافقه الدليل. لم يدخر وسعًا في ذلك مما يحتاجه الكتاب، وتسمح به الحواشي. والله أسأل أن يجعل له قبولًا ونفعًا، إنه سميع مجيب. الناشر

стр. 2

مقدمة شريعة الله إلى الناس واحدة، ورسالته إلى الأنبياء خالدة، تمتد جذورها إلى الإنسان الأول وهو آدم أبو البشر. وتنتهي فروعها بانتهاء هذا الجنس البشري، وقيام الناس لرب العالمين. وإذا كان محمد بن عبد الله ﷺ هو خاتم الرسل والأنبياء؛ فإن رسالته لا تزال متصلة إلى يوم الناس هذا، يحملها خلفاؤه والعلماء من أمته على توالي الأجيال والقرون ... ولقد شرع الله للإنسانية دينًا واحدًا في جوهره وأصوله، لم يتغير بتغير الأنبياء. ولم يتبدل باختلاف الأزمنة والعصور؛ بل كان أساسه توحيد الله والإخلاص في عبادته، وكانت دعائمه توزيع العدالة بين الناس، وتنظيم العلاقة بين الفرد والجماعة، وتربية الضمير١ الديني ليكون بين يدي الناس ومن وارئهم قانونًا يحكم ويلزم، ويراقب ويحاسب. وهكذا كان الأنبياء جميعًا منذ أبيهم آدم ﵇ إلى خاتمهم محمد ﷺ

стр. 3

هم الظل الظليل الذي هيأه الله ليفيء١ الناس إليه، وينعموا به جيلًا بعد جيل. بل هم المنارات الساطعة التي تظهر معالم الحق، وتكشف المكنون من الأسرار، وتضع أبصار الناس وبصائرهم على طريق الهدى والنور.. وإلى هذا المعنى الذي تحدثنا عنه وهو اتحاد الديانات السماوية في جوهرها وأصولها، يشير القرآن الكريم في مثل قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ ٢، وفي مثل قوله في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٣. ويسوغ لنا على هذا الأساس أن نعتبر الكتب السماوية جميعًا ومن حيث ما تتضمنه من المبادئ الدينية الأساسية والمثل الأخلاقية كتابًا واحدًا تتعدد أبوابه ولكن تتوحد أهدافه ومراميه، وتختلف الأساليب في فصوله ولكن تتفق دلالاته ومعانيه، ولعل هذا هو ما يفهم من القرآن الكريم حينما يتحدث عن الدين بوجه عام فيقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ ٤، ويقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ

стр. 4

دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، ويذكر وصية إبراهيم لبنيه حينما قال لهم: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢. فالإسلام هو الدين الخاص الذي يدعو إلى عبادة الله، والانقياد لأمره وتقواه، مهما تعدد الأنبياء وكثرت الدعاة. ولأن مشيئة الله سبحانه قد سبقت بأن يجعل دين محمد ﷺ دين العالمين؛ فقد أخذ الله العهد والميثاق على الأنبياء بأن يؤمنوا بمحمد ﷺ إن جاءهم، مصدقًا لما أنزل عليهم. وكان معنى ذلك تنبيه الأمم والشعوب التي ستدرك زمن محمد ﷺ إلى الإيمان به والتصديق بدعوته؛ لأنها دعوة الحق الذي لا يأتيه الباطل، ولأنهما الدعوة العالمية التي كتب الله لها الخلود ما دامت السموات والأرض وما بقي هذا الوجود.. وفي ذلك يقول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ﴾ ٣. ولا ريب أن سيرة هذا النبي العظيم ﷺ إنما هي الأساس الكامل لدعوته الكريمة التي أضاءت المشارق والمغارب، وملأت العالم بالهدى والنور. ومن أجل ذلك كانت أهمية هذه السيرة الوضاءة العطرة للمسلمين بل للإنسانية جمعاء حيث تناقلتها الأمم والشعوب جيلًا بعد جيل. ثم سجلت بعد ذلك على مختلف

стр. 5

العصور في كتب يضيق بها الحصر والتعداد، وسوف تظل الكتابة فيها متصلة الحلقات إلى أن تنفطر السماء وتنكدر النجوم وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات. وواجب المؤرخ الذي يتصدى للسيرة النبوية أن يستضيء أول ما يستضيء بكتاب الله ، ثم يلي ذلك في الأهمية كتب السنة الصحيحة.. ولكن القرآن الكريم والسنة النبوية لا يتعرضان إلا لبعض النواحي الخاصة من حياة الرسول ﷺ . ويتعرضان لها في إجمال يحتاج إلى كثير من التوضيح والتفصيل. ومن هنا كان لا بد من المراجع الأساسية في التاريخ١. وأهما: سيرة ابن هشام ٢ وتاريخ الأمم والملوك للطبري٣. وقد نقل هذان كتابيهما عن كتاب ابن إسحاق في السيرة٤، والطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ٥ في جزءيه

стр. 6

الأول والثاني، وتاريخ اليعقوبي١، و "مروج الذهب" للمسعودي٢ و "الكامل" لابن الأثير٣، و "البداية والنهاية" لابن كثير٤، وكتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر" لابن خلدون٥.. إلى غير ذلك من المراجع الأصلية٦. ولا بد لمن يؤرخ السيرة -مع ذلك- من الرجوع إلى ما كتبه المؤرخون المحدثون، حتى يستنير بآرائهم الصائبة أو يضيف إليها -بقدر المستطاع٧ -ما يمكن أن يهتدي إليه من آراء جديدة.. أو يفند ما جاء في بعضها من الآراء التي لا تستند إلى أساس سليم٨.

стр. 7

ومن أبرز هؤلاء المؤرخين المرحوم الشيخ محمد الخضري في كتابه نور اليقين في سيرة سيد المرسلين والمرحوم الدكتور محمد حسن هيكل في كتابه حياة محمد، والأستاذ محمد عزة دروزة في دراسته عن عصر الرسول وحياته، وهي دراسة متينة اتخذ صاحبها القرآن الكريم مصدرًا أساسيًا لدراسة السيرة النبوية، فوصل في دراسته إلى نتائج موفقة، والدكتور صالح أحمد العلي المؤرخ العراقي الذي اعتمد -كذلك- في دراسته لحياة الرسول ﷺ على القرآن الكريم وأجاد في ذلك أيما إجادة، واللواء الركن الحاج محمود شيت خطاب في كتابه "الرسول القائد"١. ويعتبر هذا الكتاب٢ - فيما أرى- خير ما كتب عن غزوات الرسول ﷺ لما فيه من تحليل دقيق لمواقف الرسول ﷺ في سائر الغزوات وتفصيل واضح لقيادته، وكيف كانت هي القيادة الرشيدة التي يمكن أن يستنير بها القادة والزعماء على توالي الأزمنة والعصور. وكتاب "فقه السير" للشيخ محمد الغزالي وهو كتاب يمتاز بعمق الفكرة ورصانة الأسلوب والرأي الحر الذي يعتمد على أساس متين من الإيمان٣. ومن المعروف أن المستشرقين الغربيين قد تناولوا حياة الرسول ﷺ فيما تناولوا من الأبحاث عن التاريخ الإسلامي؛ ولكن روح التعصب والتحامل كانت

стр. 8

تطغى على معظم كتاباتهم. ومن أبرز هؤلاء الذين كتبوا عن حياة الرسول ﷺ ، وليم موير وكايتاني. وهناك طائفة تميزت بالاعتدال والإنصاف وعدم التعصب ومنهم تور أندريه في كتابه محمد الرجل وإيمانه، ومونتجمري وات في كتاب محمد في مكة. ولكن مهما كان الأمر؛ فإننا يجب أن ننظر في كتاباتهم بحيطة وحذر. ومن المعروف أيضًا أن كتب السيرة -كغيرها من سائر الكتب الإسلامية - قد دست إليها في عصور التدوين الأولى بعض المفتريات، وكان أساسها هؤلاء الذين أسلموا ظاهرًا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، أو دخلوا في الإسلام ولم تكتمل معرفتهم بكل مبادئه وآدابه. ومن الحق علينا أن نصفيها مما علق بها من الشوائب والرواسب، أو نطرحها جانبًا إن كانت خبيثة الجوهر فاسدة العنصر، مهما كانت خادعة المظهر، ومهما لبست من ثياب براقة زاهية. على أن ذلك كله في نطاق محدود١ ويجب أن يكون بعيدًا عن المعجزات الثابتة للرسول ﷺ فإن هذه المعجزات كشق الصدر وانشقاق القمر، إلى غير ذلك من سائر المعجزات التي صحت نسبتها ورجحت روايتها لا ينبغي أن تناقش في ضوء المنطق وعلى أساس من الأسباب والمسببات وإلا لما كانت معجزات. أما المعجزات التي لم تصح نسبتها ولم ترجح روايتها فإن رسول الله ﷺ في غنى عنها، ولا ينبغي أن نتمسك بها. وسبيلنا في هذا الكتاب أن نتبع حياة الرسول ﷺ ثم نقف عند الأحداث

стр. 9

البارزة فيها وقفات طويلة. ونستعرض ما يتسنى لنا من آراء، ثم نرجح ما نختاره في ضوء المنطق السليم والبرهان القويم. وقد قسمنا هذا الكتاب إلى عدة فصول، وراعينا في تقسيمه التسلسل الطبيعي الذي تقتضيه حياة الرسول ﷺ منذ فجر حياته إلى أن انتهى يومه الذي قدره الله له في هذه الدنيا ولحق بالرفيق الأعلى. وكان لا بد لنا أن نقدم بين يدي السيرة النبوية مقدمات تمهد للقارئ الطريق، حتى يمكن أن يتمثل الجو الذي ولد فيه الرسول ﷺ والأساس الذي يرجع إليه، والبيئة التي نشأ فيها. وقد تكلمنا في هذه المقدمات عن العرب المستعربة في مكة، وعن الديانة في شبه الجزيرة العربية، ودخول الوثنية وانتشارها بها، وعن المجتمع العربي قبل الإسلام، وعن اليهودية والنصرانية في بلاد العرب وما لحق بهما من تغيير وتبديل، وما أصابهما من فساد أخرجهما عن فطرة الله، ونأى بهما عن الحق الذي أنزله الله، وكيف دخلت هاتان الديانتان في بلاد العرب لينشب الصراع بين هذه الديانات جميعا، وذلك حتى يتبين للقارئ مدى الفوضى التي كان يعيش فيها العرب قبيل الإسلام، وكيف كانت الظروف تتطلب المنقذ الذي يرفع لواء الحق ويؤلف قلوب الناس إليه. وبعد..فهذه صحف لم تكتب إلا لطلاب العلم والباحثين في التاريخ ومن يهتمون بالحق لوجه الحق وحده، لأني إنما أردتها وقصدت بها إلى هؤلاء النفر من الناس، ولأنها ليست صورًا يتخيلها كاتب ثم يسجلها يبتغي بذلك إمتاع القارئ وتسليته، ويخدعه بزخرف القول وبريق الأسلوب فيمشي في وميضه، دون أن ينظر إلى جوهر الحق وجلاله الوضَّاء، ولكنها دراسات وتأملات فيما حوته كتب التاريخ والسير من أنباء وروايات.

стр. 10

ونريد هنا أن نلقي عليها الأضواء الكافية، حتى يتميز الخبيث من الطيب، وحتى تتكشف الحقائق سليمة من الزيف والمرض، بعيدة عن الهوى والغرض ... ونحن لا ندعي الحِيدَة الكاملة؛ لأنها أمنية بعيدة المنال، ولا يمكن لإنسان أن يجرد نفسه بصورة مطلقة من العواطف التي كثيرًا ما توجه الأفكار والمشاعر. ولكننا سوف نحاول أن نلتزم الحِيدة بقدر ما نستطيع، ونتخذ لذلك كل الأسباب الموصلة. ومن الله العون وبه التوفيق. د. محمد الطيب النجار مصر الجديدة في: شوال سنة ١٣٩٨ هـ. سبتمبر سنة ١٩٧٨م.

стр. 11

الفصل الأول: بين يدي السيرة النبوية مدخل ... الفصل الأول: بين يدي السيرة النبوية بين يدي السيرة النبوية مقدمات وتمهيدات يتحتم علينا أن نطالعها عن كثب، حتى يتسنى لنا أن نسير على الدرب ونعيش في الجو الذي عاش فيه الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- منذ نعومة أظفاره إلى أن اختاره الله إلى جواره..، وإذا كنا سنقتصر الآن على بعض هذه المقدمات؛ فلأن ذلك منطق الظروف وحكم الضرورة، وقديمًا قيل: ما لا يدرك كله لا يترك كله١. وفي مقدمة هذه المقدمات البيت العتيق؛ لأنه هو البيت الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل ﵉ وتوارث العرب تعظيمه على توالي الأجيال. ثم نتحدث بعد ذلك عن العرب المستعربة في مكة حتى ننتهي إلى قصي وهو الجد الرابع للرسول ﷺ لنرى أثره في قريش، وكيف جمع كلمتهم وقوَّى وحدتهم، وأسس دار الندوة، وجمع في يديه كل الوظائف الدينية والسياسية، ثم ورَّثها بعد ذلك لأبنائه وأحفاده. ونتحدث كذلك عن قصة الذبيحين، وهما: إسماعيل ﵇ وعبد الله بن

стр. 12

عبد المطلب والد الرسول ﷺ وعن الوثنية وانتشارها في الجزيرة العربية، وعن المجتمع العربي قبيل الإسلام، حتى نتبين الأثر العظيم الذي أحدثه الإسلام في البيئة العربية من القوة والنمو والازدهار.. وأخيرًا نتحدث عن اليهودية والمسيحية في بلاد العرب. وهما الديانتان السماويتان السابقتان على الإسلام، لنرى مدى ما أصابهما من تحريف وما وقع بينهما من صراع. وكيف كانت الوثنية تناصبهما العداء بين الحين والحين، حتى أدى هذا الخلاف إلى مزيد من الفوضى والاضطراب، وكان هذا الجو الذي شاعت فيه الفتن والقلاقل، وفسدت العقائد، جوًّا مناسبًا لظهور دين جديد، تعلو فيه كلمة الحق والتوحيد، ويخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور..

стр. 13

البيت العتيق مدخل ... ١- البيت العتيق: هو ذلك البيت العظيم الذي أسس على التقوى من أول يوم١، والذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا، وطهره للطائفين والعاكفين والركع السجود. والذي كان ولا يزال مهوى القلوب، وملتقى الشعور، ومنار الهدى والرشاد. وهو ذلك المسجد التالد الخالد٢ الذي أفنى جداره الأيام والقرون، وطوى

стр. 14

ركنه الليالي والعصور، والذي حماه الله من أصحاب الفيل بالطير الأبابيل١، وسيظل يحميه ويرعاه، ويهيئ له من يدافعون عن حرمه وحماه جيلًا بعد جيل، وقبيلًا في إثر قبيل، إلى أن تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ويقوم الناس لرب العالمين.

стр. 15

بدء بنائه ومحاولات تجديده: وتختلف الروايات حول بدء هذا البيت العتيق حتى إن بعض الرواة يرجعون به إلى الزمن الغابر البعيد، قبل أن يخلق آدم أبو البشر فيقولون: إن الملائكة ﵈ هم الذين تولوا بناءه١، ويذهب آخرون إلى أن آدم ﵇ هو أول من بناه، ويروون في ذلك حديثًا بسند يتصل إلى الرسول ﷺ أنه قال: "بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي بيتًا. فخط لهما جبريل، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل التراب، فلما بناه أوحى الله إليه أن يطوف به، وقيل له: أنت أول الناس وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجَّه نوح، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه" ٢. على أن هاتين الروايتين -أعني بناء الملائكة وبناء آدم البيت- موضع خلاف بين العلماء والمؤرخين.

стр. 16

والقول الراجح أنهما غير ثابتتين١، وأنهما على فرض صحتهما ليستا بناء كاملًا للبيت وإنما هو مجرد تأسيس ٢، ولكن الذي لا شك فيه أن إبراهيم وإسماعيل ﵉ هما اللذان رفعا قواعد البيت الحرام، وفي ذلك يقول الله في محكم كتابه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٣. ثم انتقل أمر المسجد الحرام إلى الجراهمة الذين صاهرهم إسماعيل، وظل في أيديهم قرابة ألف عام، ثم آل أمر البيت بعد ذلك إلى قبيلة خزاعة التي أصبحت صاحبة السيادة والسلطان في مكة. واستمر المسجد الحرام في أيديهم أكثر من قرنين من الزمان، وكثيرًا ما كانت

стр. 17

السيول تطغى على مكة وتدمر في هذا المسجد، حتى أعاد بناءه قصي بن كلاب الذي طرد الخزاعيين من مكة وجعل للمسجد سقفًا لأول مرة في تاريخه، وبنى حول المسجد بيوتًا تطل عليه، ثم أشرفت قريش على الكعبة بعد قصي، فأصابها حريق١، فأعادوا بناءها وأقاموا بداخل البناء ستة أعمدة ليعتمد السقف عليها.

стр. 18

عام الفيل والطير الأبابيل: ولا بد لنا ونحن نطالع تاريخ المسجد الحرام أن نقف عند هذا العام الخالد في تاريخ العرب -وهو عام الفيل- وقفة طويلة لما تجلى فيه من نصر الله للعرب على الأحباش الظالمين. ولما ظهر فيه من الآية الكبرى التي حمى الله بها بيته المحرم من عدوان الطغاة وطغيان المعتدين، حيث جعل ﴿كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ١. ويذكر الرواة في ذلك أن الأحباش -وكانوا يدينون بالمسيحية- أرادوا أن ينشروا هذا الدين في جزيرة العرب بعد أن استولوا على اليمن، وخصوصًا لما رأوه من تقديس العرب لمكة وللمسجد الحرام وتقديمهم القرابين والنذور والهدايا والهبات إلى سدنة المسجد والقائمين بأمره..

стр. 19

وقد بدأ القائد الحبشي في بلاد اليمن -ويسمى أبرهة الأشرم- ببناء كنيسة سماها القُلَّيْس وبذل لها ما استطاعه من العناية. حتى إنه نقل إليها من قصر بلقيس أعمدة من الرخام المجزع، والحجارة المنقوشة بالذهب، ونصب فيها صلبانًا من الذهب والفضة، ومنابر من العاج والأبنوس، ودعا الناس إلى الحج إليها١. فغضب العرب وثار رجل من بني مالك بن كنانة وأقسم ليعبثن بهذه الكنيسة، وقدم إلى اليمن ودخل الكنيسة كأنه متعبد حتى إذا جاء الليل وخلا المكان قام يعبث بأثاث الكنيسة ويلطخ جدرانها بالقاذورات٢، ولما علم أبرهة في الصباح بما أصاب كنيسته وعرف أن أعرابيًّا كان يبيت بها وأنه المتهم بالعبث ببنائه المقدس، أقسم ليهدمن الكعبة، وجهز لذلك العدة والعديد٣ والبأس الشديد.. وأقبل جيش الحبشة من اليمن فأشرف على مكة بعد أن تخطى إليها التلال والنجاد، والهضاب والوهاد، والصحراء القاسية المترامية، وبعد أن كاد يضل في شعاب الجزيرة الشائكة ومسالكها المشتبكة، ثم استقر بمكان قريب من مكة

стр. 20

يقال له: "المغمس"١ وأرسل قائد الجيش رسولًا من قبله إلى مكة يدعى "حناطة الحميري"٢ فقال له: سل عن سيد أهل هذه البلاد وشريفها، ثم قل له: إن الملك لم يأت لحربكم، وإنما جاء لهدم هذا البيت. فإن لم تعرضوا لنا دونه بحرب، فلا حاجة له في دمائكم، فإنه هو لم يرد الحرب فأت إليّ به. فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم، فجاءه فأخبره بما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: "والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك منه طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم ﵇ فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه". فقال حناطة: فانطلق معي إليه، فإنه قد أمرني بذلك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى المعسكر ووقف بباب أبرهة، فقيل لأبرهة: إن عبد المطلب ببابك، فقال: من هو عبد المطلب؟ قيل: إنه سيد قريش وصاحب عيش٣ مكة، وهو الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رءوس الجبال. فأذن له أبرهة. وكان عبد المطلب وسيمًا جميلًا شديد الهيبة والوقار. فلما رآه أبرهة، أجلَّه

стр. 21

وأعظمه وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه. فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: سله عن حاجته: فسأل الترجمان؟ فقال: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتًا، هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب: "إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه ويحميه". فرد أبرهة قائلًا: ما كان ليمتنع مني. فأجابه: أنت وذلك.. فرد أبرهة على عبد المطلب المائتي بعير التي أصابها.. وانطلق عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر١، ثم تعلق بحلقة الكعبة وأستارها في ضراعة الخائف الوجل وإنابة العائذ المستغيث، وأخذ يقول: لا همّ إن العبد يمـ ... نع رحله فامنع رحالك٢

стр. 22

وانصر على آل الصليب ... وعابديه اليوم آلك١ لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدًا٢ محالك٣ هم جردوا لك جمعهم ... والفيل كي يسبوا٤ عيالك عَمَدُوا حِماك بكيدهم ... جهلاً وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وقبـ ... ـلتنا فأمر ما بدا لك .. ثم طاف بالبيت منشدًا والناس معه يرددون: يا رب لا أرجو لهم سواكا ... رب فامنع منهم حماكا امنعهموا أن يخربوا قراكا ... إن عدوّ البيت من عاداكا٥ وهكذا لجأ عبد المطلب ولجأت معه قريش إلى الله يطلبون عونه وحمايته، ثم خرجوا من مكة لكي يتحرزوا في شعف الجبال والشعاب، وينتظرون عدل الله مع هؤلاء الطغاة الظالمين.. وتحرك بعد ذلك جيش الأحباش مدلًا بعظمته وكبريائه، يتقدمه الفيلة بشكلها المهيب المخيف الذي لم تألفه العرب في حروبها، وكان عددهم ثلاثة عشر فيلًا

стр. 23

توجهت جميعها في طريقها إلى الكعبة ما عدا الفيل الأكبر منها فإنه ظل جامدًا في مكانه، فإذا وجهوه إلى اليمن أسرع وهرول، وإذا وجهوه إلى الكعبة وقف ولم يتحول، وكأن الله قد ألهم ذلك الحيوان الأعجم بما تخبئه الحدثان، وما ينتظر ذلك الجيش المعتدي من خسف ونكال وهوان ... وما كان مثل هذا الجيش القوي ليغلب أو يتراجع لولا قدرة القوي القاهر التي تجلت في هذه الآية الكبرى الباقية على الدهر، إذ أرسل الله إليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره وحجران في رجليه -أمثال الحمص والعدس- لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك وليس كلهم أصابت١. وذعر الأحباش واستولى عليهم الرعب والذهول فخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ويسألوا عن الطريق إلى اليمن، فقال أعرابي٢ رآهم في هذه الحيرة، بعدما أنزل الله عليهم من نقمته: أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب

стр. 24

وجعلوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون بكل مهلك، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، وكلما سقطت أنملة خرج وراءها الدم والقيح الكثير، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يقولون١.

стр. 25

وإلى هذا الحادث العجيب يشير الله تعالى بقوله في سورة الفيل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ . وبذلك يتبين لنا مدى الخطأ الذي وقع فيه بعض العلماء الذين أنكروا الطير والحجارة، وقالوا إن الله يريد بالطير الرياح المتجمعة، وبالحجارة ذرات التراب التي حملت ميكروب الجدري، فإنه لم يعهد في لغة العرب أن يقال عن الرياح: إنها طير أبابيل أي جماعات من الطير، ولا ينبغي أن يقال ذلك إلا بطريق مجازي بعيد، ولا يصح أن يلجأ إلى مثل هذا المجاز ما دامت الحقيقة غير مستحيلة على قدرة الله١، وكذلك الذرات من التراب، لا يقبل في لغة العرب أن يقال عنها حجارة من سجيل، أي من طين مطبوخ بالنار وهو الآجر.

стр. 26

وإذا كانت الريح قد حملت ميكروب الجدري فلماذا هلك الأحباش وحدهم، ولم يهلك معهم العرب؟. وإذا كان حادث الفيل قد وقع عام ميلاد الرسول ﷺ فمن المعقول١ أن "سورة الفيل" قد نزلت على الرسول ﷺ في وقت كان يعيش فيه من أهل مكة أناس رأوا حادث الفيل بأعينهم، وبعضهم من أعداء الرسول ﷺ فلو لم تكن الطيور طيورًا حقيقية والحجارة حجارة حقيقية لظهر من العرب من يسارع إلى تكذيب هذه السورة، ويعلن ذلك على رءوس الأشهاد وينتهزها فرصة في الكيد لمحمد ﷺ والطعن عليه. ولكن الواقع أن "سورة الفيل" قد نزلت، فتلقاها العرب بالقبول؛ لأنها تقرر حقيقة معروفة عندهم لا شك فيها ولا يجرؤ أحد على إنكارها. وعلى هذا، فالطير الأبابيل، هي الطيور الحقيقية المعروفة لدى العرب، ولعلها غارات جوية وقعت في هذا العالم قبل الأوان، ولم يصنعها إنسان ليبطش بأخيه الإنسان، ولكن صنعها القهار ليكبح بها جماح الظلم والعدوان. ولقد سجل العرب في شعرهم هذا الحادث العجيب، وتغنوا به أمام العصور والأجيال، ومن ذلك قول نفيل بن حبيب٢ يصور ما وقع للأحباش في ذلك اليوم:

стр. 27

ألا حييت عنا يا رُدَينَا١ ... نعمناكم مع الإصباح عينا حمدت الله إذا أبصرت طيرًا ... وخِفْتُ حجارة تلقى علينا٢ وقول أمية بن أبي الصلت: إن آيات ربنا ثاقبات ... لا يماري فيهن إلا الكفورُ حبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقورُ٣ وقول عبد الله بن قيس من قصيدة طويلة يذكر فيها قصة الفيل والطير والحجارة: كاده الأشرم الذي جاء بالفيل ... فولى وجشيه مهزوم واستهلت عليهم الطير بالجندل ... حتى كأنه مرجوم ٤

стр. 28

وهكذا حمى الله بيته المحرم من عدوان الظالمين؛ لأنه البيت العتيق الذي كان مصدر الهدى والنور منذ رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل ﵉ فلما تغيرت الأحوال وعبد العرب الأصنام، وتركوا النور، وتخبطوا في الظلام، شاء الله ألا يطول عليهم الأمد في الظلام، وأراد بهم الخير فحمى هذا البيت من عدوان الأحباش ليعود إليه مجده التليد، ويتلألأ النور فيه من جديد، على يدي محمد بن عبد الله ﷺ نبي الإسلام الذي ولد في هذا العام١، ثم بعثه الله بعد ذلك هداية ورحمة للعالمين.

стр. 29

بقية الأخبار عن عمارة البيت العتيق: وقبيل البعثة النبوية، وحينما كان الرسول ﷺ في الخامسة والثلاثين من عمره

стр. 30

أصاب الكعبة سيل جارف صدع جدرانها، فهدمتها قريش بعد تردد، ثم أعادت بناءها، حتى إذا وصلوا إلى مكان الحجر الأسود اختلفوا وكادت تنشب بينهم حرب طاحنة لولا أنهم احتكموا إلى أول داخل من باب الصفا، فكان هذا الداخل محمد بن عبد الله ﷺ وهو المعروف لديهم بالأمين. فاستبشروا به وحكموه فيما شجر بينهم. فرأى بحكمته أن يضع الحجر في ثوب، ثم طلب إلى رؤساء القبائل المتنازعة أن يرفعوه، ثم وضعه بيده في مكانه١.

стр. 31

وبذلك انتهى النزاع والخصام وحل الصفاء والوئام. وكانت الوثنية قد تسربت إلى مكة في عهد الخزاعيين، وكانت الأصنام تحيط ببيت الله المحرم على عدد قبائل العرب، فلما فتح النبي ﷺ مكة في العام الثامن الهجري، طهر الكعبة من الأصنام، وأعلن فيها كلمة التوحيد ومبادئ الإسلام. ثم توالت الأحداث بعد ذلك على المسلمين، فأصيب المسجد الحرام في عهد يزيد بن معاوية على يدي الحصين بن نمير الذي رمى الكعبة بالمنجنيق حتى تناثرت حجارتها واشتعلت فيها النيران. ولما مات يزيد وانفك الحصار عن مكة، بدأ عبد الله بن الزبير في بناء الكعبة من جديد١.

стр. 32

يقول العلامة تقي الدين الفاسي في كتابه "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام": وأما بناء ابن الزبير للكعبة فهو ثابت مشهور، وسبب ذلك توهن الكعبة من حجارة المنجنيق، التي أصابتها حين حوصر ابن الزبير في مكة في أوائل سنة أربع وستين من الهجرة، لمعاندته يزيد بن معاوية وما أصابها مع ذلك من الحريق بسبب النار التي أوقدها بعض أصحاب ابن الزبير في خيمة له، فطارت الرياح بلهب تلك النار فأحرقت كسوة الكعبة والسياج الذي بني في الكعبة حين عمرتها قريش، فضعفت جدران الكعبة حتى إنها لينقض من أعلاها إلى أسفلها، ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها١.. ولما زال الحصار عن ابن الزبير لإدبار الحصين بن نمير من مكة بعد أن بلغه موت يزيد بن معاوية رأى ابن الزبير أن يهدم الكعبة ويبنيها، فوافقه على ذلك نفر قليل، وكره ذلك نفر كثير منهم ابن عباس٢ ﵄. ولما أجمع على هدمها خرج كثير من أهل مكة إلى منى مخافة أن يصيبهم عذاب، وأمر ابن الزبير جماعة من الحبشة فهدمتها، رجاء أن يكون فيهم الحبشي الذي أخبر الرسول ﷺ عنه أنه يهدمها فهدمت الكعبة أجمع حتى بلغت الأرض.. وقد اختلفت الأخبار فيمن وضع الحجر الأسود في موضعه من الكعبة حين

стр. 33

بناها ابن الزبير فقيل: وضعه عبد الله بن الزبير بنفسه، وقيل: وضعه عباد بن عبد الله بن الزبير١. ولما قتل عبد الله بن الزبير بيد الحجاج بن يوسف الثقفي أرسل الحجاج إلى الخليفة عبد الملك بن مروان يخبره بأن ابن الزبير حين بنى الكعبة زاد فيها ما ليس منها -أي وسعها بعض الشيء- وأحدث فيها بابًا آخر لم يكن فيها أيام الجاهلية٢، ويستأذنه في ردِّ ذلك إلى ما كان عليه فأذن له عبد الملك في ذلك٣..

стр. 34

وفي أوائل القرن الحادي عشر الهجري والسابع عشر الميلادي أصيبت الكعبة بسيول جارفة وأمطار شديدة صدعت جدرانها حتى أخذت حجارتها تتساقط وحتى فزع الناس واضطربوا، فأرسل والي مصر -حينئذٍ- واسمه محمد باشا الألباني جماعة من المهندسين والبنائين المصريين فهدموا بقية الجدران وبنوا الكعبة من جديد. وربطوا الحجر الأسود بسوار متين من الفضة حتى لا يتآكل على مر السنين وهذا البناء هو القائم الآن في مكة المكرمة، وهو الذي أسهمت فيه مصر بالحظ الأوفر وهو يبلغ من الارتفاع خمسة عشر مترًا، وطول جداره الشمالي ٩.٩٢ مترًا والجنوبي ١٠.٢٥ مترًا والشرقي ١١.٨٨ مترًا والغربي ١٢.٢٥ مترًا. ويوجد الباب بالجدار الشرقي ويرتفع عن الأرض بمقدار مترين، وعتبة الباب ومصراعاه مصفحة بصفائح من الفضة المطلية بالذهب، ويلاصق جدران الكعبة من الخارج بناء من الرخام -يسمى الشاذروان- وقد أقيم لتقوية الجدران، وفي الركن الجنوبي الشرقي يوجد الحجر الأسود، وهو الذي يبدأ منه الطواف ويرتفع عن الأرض مترًا ونصف متر.

стр. 35

الحجر الأسود: ويقتضينا الحديث عن المسجد الحرام أن نخصص كلمة عن الحجر الأسود وأن نلقي الأضواء على ما ورد فيه من آثار، سائلين الله أن يكشف لنا طريق الحق، وأن يجنبنا شر الزلل.

стр. 36

ولقد وردت آثار كثيرة في فضل هذا الحجر، وفيها ما يدل على أنه من الجنة، ولا بد لنا أن نقف أمام هذه الروايات وقفة الفاحص المتأمل، حتى يمكن أن يظهر الحق أمامنا وحتى يكون حكمنا متمشيًّا مع روح العدل والإنصاف، فلقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما، ولولا أن الله طمس نورهما، لأضاءا ما بين المشرق والمغرب" ١. وفي رواية أخرى٢: "لأضاءا ما بين المشرق والمغرب ولأبرآ من استلمهما من الخرس والجذام والبرص". وروي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن فسوَّدته خطايا بني آدم" ٣. ويذكر العلامة تقي الدين الفاسي رواية أخرى عن ابن عباس تتعارض مع

стр. 37

الرواية السابقة المذكورة عن ابن عباس نفسه إذ يقول: "وإنما غيره الله بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة وإنه لياقوتة بيضاء" ١. وهذه الروايات وأمثالها تحمل في طياتها ما يهدمها٢. إذا يعارض بعضها بعضًا، ثم هي في ذاتها لا تقوم على أساس ولا تستهدف غرضًا سليمًا٣، فأما تعارضها فلأن الروايتين المذكورتين عن ابن عباس تفيد إحداهما أن الحجر كان أشد بياضًا من اللبن ثم اسود بذنوب بني آدم وخطاياهم. وأما الثانية فإنها تفيد أنه اسود قبل أن يطوف به أحد٤، أي أن الذنوب والخطايا لم تغير بياضه إلى سواد، وإنما أراد الله ذلك حتى لا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة حينما يرون الحجر وهو ياقوتة بيضاء. وأما أنها لا تقوم على أساس، ولا تستهدف غرضًا سليمًا، فلأن قيمة هذا لا تزداد إذا كان من أحجار الجنة ولا تنقص إذا كان من أحجار الأرض، ذلك بأن قيمة الشيء إنما تكون في الجوهر لا في العَرَض، وفي اللباب دون القشور٥.

стр. 38

فالذهب وسط التبر هو الذهب وسط التراب، والحصى بين اللآلئ الغالية هو الحصى بين الرمال السافية. والكعبة المشرفة قد بنيت من أحجار الأرض ومع ذلك فهي بيت الله الذي يشع بالهدى والنور، ويسمو على ما في الجنة من بيوت وقصور١، ثم ما هي الحكمة في أن ينزل الله من الجنة ياقوتتين مضيئتين ثم يطمس نورهما؟ إنهما إذن يفقدان خاصيتهما الكريمة وينزلان إلى مستوى الحصى والتراب، أو ما كان الأجدر أن يظلا ياقوتتين مضيئتين ليكونا آية الله الخالدة على الزمن، والمنارة الهادية التي تجلو غواشي الشك وتبدد ظلمات الحيرة٢؟ ثم ما هي العلاقة بين

стр. 39

الياقوت المضيء والإبراء من الخرس والجذام والبرص١؟ وإذا قيل: إن الحجر كان أشد بياضًا من اللبن ثم سودته خطايا الناس وذنوبهم، فلماذا لم يره أحد من الناس في زمن بياضه٢؟ ولماذا لا يزداد سواده على توالي الأزمنة والعصور٣؟ كل هذه الخواطر التي تجول في النفس تجعلنا ننظر إلى مثل هذه الروايات في حيطة وحذر، ونشك في نسبتها إلى رسول الله ﷺ ولا سيما أنه لم يذكر شيء منها في الصحيحين ٤، وحينما ذكر الترمذي الحديث المروي عن عبد الله بن عمرو، قال عنه: إنه حديث غريب٥.

стр. 40

ولا بد لنا إذن أن نتلمس السبيل إلى رواية أخرى لا يتطرق إليها مثل هذا الضعف والوهن١. ولقد ذكر ابن الأثير في تاريخه٢: أن إبراهيم ﵇ حينما أمره الله ببناء البيت الحرام قال لولده إسماعيل: لقد أمرك الله أن تعينني على بنائه، قال: إذن أفعل. فقام معه، فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ثم قال إبراهيم لإسماعيل: ائتني بحجر حسن أضعه على الركن ليكون للناس علمًا، فأخذ حجرًا من جبل أبي قبيس٣.
следующие страницы →