← Сира

Сира · id 8530

القول المبين في سيرة سيد المرسلين

محمد الطيب النجار

Полный текст (529 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولقد وردت آثار كثيرة في فضل هذا الحجر، وفيها ما يدل على أنه من الجنة، ولا بد لنا أن نقف أمام هذه الروايات وقفة الفاحص المتأمل، حتى يمكن أن يظهر الحق أمامنا وحتى يكون حكمنا متمشيًّا مع روح العدل والإنصاف، فلقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما، ولولا أن الله طمس نورهما، لأضاءا ما بين المشرق والمغرب" ١. وفي رواية أخرى٢: "لأضاءا ما بين المشرق والمغرب ولأبرآ من استلمهما من الخرس والجذام والبرص". وروي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن فسوَّدته خطايا بني آدم" ٣. ويذكر العلامة تقي الدين الفاسي رواية أخرى عن ابن عباس تتعارض مع

стр. 37

الرواية السابقة المذكورة عن ابن عباس نفسه إذ يقول: "وإنما غيره الله بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة وإنه لياقوتة بيضاء" ١. وهذه الروايات وأمثالها تحمل في طياتها ما يهدمها٢. إذا يعارض بعضها بعضًا، ثم هي في ذاتها لا تقوم على أساس ولا تستهدف غرضًا سليمًا٣، فأما تعارضها فلأن الروايتين المذكورتين عن ابن عباس تفيد إحداهما أن الحجر كان أشد بياضًا من اللبن ثم اسود بذنوب بني آدم وخطاياهم. وأما الثانية فإنها تفيد أنه اسود قبل أن يطوف به أحد٤، أي أن الذنوب والخطايا لم تغير بياضه إلى سواد، وإنما أراد الله ذلك حتى لا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة حينما يرون الحجر وهو ياقوتة بيضاء. وأما أنها لا تقوم على أساس، ولا تستهدف غرضًا سليمًا، فلأن قيمة هذا لا تزداد إذا كان من أحجار الجنة ولا تنقص إذا كان من أحجار الأرض، ذلك بأن قيمة الشيء إنما تكون في الجوهر لا في العَرَض، وفي اللباب دون القشور٥.

стр. 38

فالذهب وسط التبر هو الذهب وسط التراب، والحصى بين اللآلئ الغالية هو الحصى بين الرمال السافية. والكعبة المشرفة قد بنيت من أحجار الأرض ومع ذلك فهي بيت الله الذي يشع بالهدى والنور، ويسمو على ما في الجنة من بيوت وقصور١، ثم ما هي الحكمة في أن ينزل الله من الجنة ياقوتتين مضيئتين ثم يطمس نورهما؟ إنهما إذن يفقدان خاصيتهما الكريمة وينزلان إلى مستوى الحصى والتراب، أو ما كان الأجدر أن يظلا ياقوتتين مضيئتين ليكونا آية الله الخالدة على الزمن، والمنارة الهادية التي تجلو غواشي الشك وتبدد ظلمات الحيرة٢؟ ثم ما هي العلاقة بين

стр. 39

الياقوت المضيء والإبراء من الخرس والجذام والبرص١؟ وإذا قيل: إن الحجر كان أشد بياضًا من اللبن ثم سودته خطايا الناس وذنوبهم، فلماذا لم يره أحد من الناس في زمن بياضه٢؟ ولماذا لا يزداد سواده على توالي الأزمنة والعصور٣؟ كل هذه الخواطر التي تجول في النفس تجعلنا ننظر إلى مثل هذه الروايات في حيطة وحذر، ونشك في نسبتها إلى رسول الله ﷺ ولا سيما أنه لم يذكر شيء منها في الصحيحين ٤، وحينما ذكر الترمذي الحديث المروي عن عبد الله بن عمرو، قال عنه: إنه حديث غريب٥.

стр. 40

ولا بد لنا إذن أن نتلمس السبيل إلى رواية أخرى لا يتطرق إليها مثل هذا الضعف والوهن١. ولقد ذكر ابن الأثير في تاريخه٢: أن إبراهيم ﵇ حينما أمره الله ببناء البيت الحرام قال لولده إسماعيل: لقد أمرك الله أن تعينني على بنائه، قال: إذن أفعل. فقام معه، فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ثم قال إبراهيم لإسماعيل: ائتني بحجر حسن أضعه على الركن ليكون للناس علمًا، فأخذ حجرًا من جبل أبي قبيس٣.

стр. 41

وقيل: إن جبريل أخبره بحجر هو "الحجر الأسود". فأخذه ووضعه في موضعه، فلما ارتفع البنيان كان إبراهيم يقف على حجر وإسماعيل يناوله، وهذا الحجر هو مقام إبراهيم، وهكذا تعاون إبراهيم وإسماعيل حتى رفعا قواعد البيت وأتما بناءه. ومن هذه الرواية الهادئة وما يؤيدها من روايات ذكرتها أمهات الكتب التاريخية يتبين لنا أن الحجر الأسود لم ينزل من الجنة، وإنما هو من أحجار جبل أبي قبيس١، وقد أراد الله أن يوضع في ركن من أركان بيته المحرم ليكون علمًا، أي علامة يبدأ منها الطواف وينتهي إليها. فلما أذن إبراهيم في الناس بالحج كان الحجر الأسود موضع بدء الطواف ونهايته، وكان الطائفون يبدأون باستلامه وكأنهم يسجلون أنفسهم في هذا السجل الخالد٢، ويقترن ذلك في نفوسهم بأجل الذكريات عن النبي الكريم، فيزداد

стр. 42

حبهم لهذا الحجر المبارك، وينتقل ذلك من قبيل إلى قبيل ومن جيل إلى جيل. وقد فرض الله الحج على كل مسلم مستطيع وجعله الركن الخامس من أركان الإسلام، وجعل من أركان الحج الطواف ببيت الله الحرام، وجعل من شروط الطواف أن يكون الحجر نقطة البدء ونقطة النهاية في المطاف، ومن السنن المأثورة عن النبي ﷺ استلامه وتقبيله ... ١. بيد أن بعض المسلمين على طول الزمن وبعد العهد بالرسول ﵊ قد تغير تفكيرهم فأصبحوا يغالون في تعظيم هذا الحجر حتى لقد خيل إليهم أن الحج لا ينفع إلا بتقبيله ووضع الجباه عليه، وقد رأيت بنفسي فريقًا منهم يطوفون بالبيت حتى إذا جاءوا أمام الحجر الأسود لم يكتفوا بالإشارة إليه كما هو المطلوب عند الزحام، بل سلكوا من أجل الوصول إليه سبيلًا يوقظ الفتنة ويزري بالكرامة، فترى الرجل منهم يدفع نفسه نحو الحجر مزاحمًا بل مهاجمًا، وكأنه في حرب مع إخوانه الطائفين، وقد تكون معه أخته أو ذات رحمه، فيدفعها بعنف وقسوة حتى يرتطم وجهها ورأسها بالحجر، ثم يقول لها: "حجي، حجي" وكأنه يرى أن الحج لا ينفع ولا يتم إلا بهذه الطريقة٢. وبمثل هذه التصرفات ينفتح المجال أمام الخرافات والأباطيل التي لا تعتمد

стр. 43

على أساس ولا ينهض بها دليل١. أجل -لقد كان رسول الله ﷺ يستلم الحجر ويقبله أحيانًا ولكن ليس ذلك شرطًا في صحة الطواف ولا في صحة الحج والعمرة٢، وإنما هو لحكمة يعلمها الله وإن خفيت علينا، وهي الحكمة التي خفيت من قبل على عمر بن الخطاب ﵁ حينما قبل هذا الحجر، ثم قال: "والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أن رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك"٣. ويعجبني قول بعض الشعراء حينما منعه الزحام عن تقبيل الحجر واستلامه فاكتفى بالإشارة إليه ثم أنشد: أقول وقد زوحمت عن لثم أسود ... من البيت إن تحجب فما السر يحجب فإنك مني في المحل الذي به ... مكان سواد العين أو أنت أقرب ... ولقد تعرض الحجر الأسود لأحداث كثيرة، ولولا أن الله قدر له الحفظ والبقاء لعصفت به الكوارث، وتبدد بين ركام الحوادث. فعندما وقعت الفتنة بين عبد الله بن الزبير وبين الأمويين أعاد عبد الله بناء الكعبة بعد تصدعها على يدي

стр. 44

الحصين بن نمير، وصب طوقًا من الفضة حول الحجر ليثبته في موضعه، ولكن الفضة تزلزلت بعض الوقت وتعلقت حول الحجر حتى خشي الناس عليه أن يسقط من مكانه. فلما ذهب الرشيد إلى الحج، أمره بالحجارة التي بينها الحجر الأسود فثقبت بالماس من فوقها ومن تحتها. ويذكر التاريخ: أن عدو الله أبا طاهر القرمطي وفد إلى مكة سنة ٣١٧هـ وفعل فيها هو أصحابه أمورًا منكرة، ومنها: أن بعضهم ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم قلعه من موضعه وذهب به إلى البحرين، وبقي موضعه خاليًا كالعين المفقوءة، يذكر الناس بما أقدم عليه هؤلاء الآثمون من الذنب والخطيئة، ويضع الناس فيه أيديهم كما كانوا يلمسونه في حال وجوده، وبذل كثير من الولاة والحكام المسلمين محاولات عنيفة لاسترداده، ولكن لم يتم ذلك إلا -في سنة ٣٣٩هـ. وقال القرامطة عند رده: "أخذناه بقدرة الله، ورددناه بمشيئة الله"١. والقرامطة -كما عرف من تاريخهم- جماعة من أصحاب المذاهب الهدامة والعقائد الفاسدة٢ وقد أرادوا بخلع الحجر إحداث فتنة بين المسلمين تؤدي إلى ما يريدونه لأنفسهم من النفوذ والسلطان، فلما وجدوا أنهم سيكونون وقودًا لتلك الفتنة أرغموا على رده إلى موضعه، وستروا أغراضهم السيئة بقولهم: "أخذناه بقدرة الله، ورددناه بمشيئة الله". أما من ناحية التشهير بالمسلمين عن طريق هذا الحجر، فإنه لم يخل عصر من العصور من محاولات يقوم بها الملاحدة للنيل من مبادئ الإسلام وتعاليمه،

стр. 45

ويرون في الحجر الأسود نقطة ضعف يمكن أن ينفذوا منها إلى أغراضهم الخبيثة ... أجل، إنهم يقولون: إن الحجر الأسود بقية من بقايا الوثنية، وإن وجوده بالبيت الحرام وتقبيل الناس له وتضرعهم إلى جواره إحياء لعبادة الأصنام.. ونحن نقول لهم: ليأت لنا هؤلاء بمسلم واحد يعرف مبادئ الإسلام يؤمن بأن هذا الحجر ينفع أو يضر، أو يشفع لمذنب أو يستجيب لداع، فإن لم يفعلوا -ولن يفعلوا- فليقفوا عند حدهم، وليعلموا أن تعاليم الإسلام ومبادئه قد استمدت قوتها من الحجة والبرهان، وليس فيها ما ينأى عن الحكمة ويستعصي على الفهم، وأن هذا الحجر الماثل في ركن الكعبة إنما هو نقطة يبدأ منها الطواف وينتهي إليها، وأن تقبيله واستلامه ليس تقديسًا ولا عبادة، وإنما هو تسجيل عملي لبدء الطواف وانتهائه ... والحجر الأسود -بعد ذلك- أثر تليد يحمل إلى الإجيال -عبر القرون- ذكرى إبراهيم وإسماعيل ﵉ وهي ذكرى خالدة تعتز بها النفوس، ويقوى في ظلها الإيمان ...

стр. 46

العرب في مكة العرب المستعربة في مكة ... ٢- العرب المستعربة في مكة يرجع العرب في أصلهم إلى الجنس السامي وهو الجنس الذي تفرع عنه الكلدانيون والآشوريون والكنعانيون وسائر الأمم السامية، التي سكنت بين النهرين وفلسطين وما يحيط من بادية وحاضرة. وسموا عربًا نسبة إلى: يعرب بن قحطان جد العرب العاربة، فإنه أول من نطق باللغة العربية الفصحى، وأخذها عنه أهل اليمن. ويقسم المؤرخون العرب إلى: بائدة، وعاربة، ومستعربة. فالعرب البائدة هم الذين بادوا ومحيت آثارهم كعاد وثمود.. والعرب العاربة هم الشعب القحطاني الذي يسمى -كذلك- عرب الجنوب، إذ كانوا يسكون في بلاد اليمن، وسموا عربًا عاربة لتأصلهم في العروبة حيث لم يختلطوا بمصاهرة الأعاجم، وليس من شأننا أن نفصل الكلام حول هذين القسمين من العرب. وأما العرب المستعربة فهم الذين سنتحدث الآن عنهم ونلقي بعض الأضواء على أحوالهم السياسية والدينية والاجتماعية. ويقال للعرب المستعربة الإسماعيلية، لأنهم يرجعون في نسبهم إلى إسماعيل ﵇ فهم عرب من جهة الأمهات لا من جهة الآباء، لأن أباهم إسماعيل

стр. 47

غير عربي ولكنه تزوج من جرهم العربية. وقد ثبت لدى العلماء أن عدنان وهو الجد العشرون للرسول محمد ﷺ يمتد نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉. ويكاد يجمع المؤرخون على أن إبراهيم ﵇ قد نشأ في بلاد العراق بين قوم يتخذون الأصنام آلهة من دون الله، ولما أذن الله له أن يدعو الناس للحق، بدأ بأبيه آزر، فدعاه إلى التوحيد وبين له ما في الوثنية من فساد وضلال، وقد سجل القرآن الكريم قصة إبراهيم وجهاده في سبيل القضاء على الوثنية في سور كثيرة ومنها ما جاء في سورة الأنعام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١، وما جاء في سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً، إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً، يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكريمة. وقد عاش إبراهيم مدة طويلة دون أن يرزقه الله بولد من زوجته سارة. وكانت سارة حزينة من أجل ذلك، فحملتها شفقتها على زوجها إبراهيم وحبها له أن تهب له جاريتها "هاجر". وقالت له: "إني حرمت من الولد، فعسى الله أن يرزقك منها غلامًا تقر به عينك" ٣. وقد حقق الله آمال إبراهيم وزوجته سارة، فحملت هاجر وولدت إسماعيل، وكان أبوه إبراهيم في السادسة والثمانين من

стр. 48

عمره. فاشتدت غيرة سارة، وتلك طبيعة النساء ولم تطق رؤية هاجر وطفلها إسماعيل، فصارحت إبراهيم ﵇ بما تجده في نفسها، وطلبت إليه: أن يأخذ هاجر وطفلها إلى أرض بعيدة عنها حتى لا تراهما. فتردد إبراهيم في الأمر شفقة منه على ابنه الصغير، ولكن الله أوحى إليه أن ينفذ رغبة سارة، فأخذ هاجر وطفلها بأمر من الله وانتقل إلى شبه الجزيرة العربية حتى وصل بها إلى المكان الذي نبعت فيه بئر زمزم، وكان واديًا مجدبًا لا زرع فيه ولا ثمر. ولما هم بالرحيل قالت له هاجر: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله، وأستودعكما إياه. فقالت: الله أمرك بهذا؟. قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. ثم انصرف إبراهيم من عندهما وهو يقول: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ١. وبقيت هاجر مع طفلها فنصبت لنفسها عريشًا وكان معها شيء من الطعام والشارب قد تركه معها زوجها إبراهيم، ولما نفد ما لديهما من الماء عطش إسماعيل عطشًا شديدًا، فجعلت أمه تبحث له عن ماء وأخذت تتردد بين الصفا والمروة سبع مرات لم تجد شيئًا فرجعت آسفة حزينة. ولكن حزنها لم يلبث أن انقلب سرورًا واطمئنانًا حين رأت الماء ينبع من

стр. 49

تحت أقدام إسماعيل. فشربا وحمدا الله وأقاما بهذا المكان، وسمي ذلك المنبع العظيم الذي أكرم الله به هاجر وإسماعيل بئر زمزم١. وكان بنو جرهم بواد قريب من مكة، فلما تفجر ماء زمزم، لزمت الطير الوادي حين رأت الماء. فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي، قالوا: ما لزمته إلا وفيه ماء. فجاءوا إلى هاجر وقالوا: لو شئت فكنا معك فآنسناك، والماء ماؤك، فكانوا معها حتى شب إسماعيل وماتت هاجر، فتزوج إسماعيل منهم. ويذكر المؤرخون: أن إسماعيل تعلم العربية منهم هو وأولاده، وقد رزق إسماعيل باثني عشر ولدًا٢، وهم وذريتهم "العرب المستعربة".

стр. 50

الجراهمة والخزاعيون في مكة: وقد عاش بنو إسماعيل في مكة فترة طويلة يتمتعون بالمجد والسلطان، وكان إلى جوارهم أخوالهم الجراهمة، ولكن الزمن الدوار قضى على بني إسماعيل بالتخلف والضعف١، فانتزع أخوالهم السلطة من أيديهم. غير أنهم لم يبلغوا

стр. 51

أمدًا طويلًا حتى طغوا واستحلوا حرمة البيت وظلموا من دخل مكة من الحجاج وغيرهم، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى إليها، وظهر فيهم الفسق والفساد حتى إنهم كانوا يأتون الفحشاء والمنكر في جوف الكعبة، وكان ذلك السبب المباشر في ضعفهم وضياعهم، فأخرجهم الخزاعيون من مكة ١، وأصبحوا كما قال شاعرهم ٢: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى: نحن كنا أهلها فأبادنا ٣ ... صروف الليالي، والجدود العواثر وكان الخزاعيون قد هاجروا من اليمن واستقروا في مكة إلى جوار الجراهمة، فلما رأوا ما حل بهم من فساد وضعف وانحلال، انتهزوا هذه الفرصة واستولوا على النفوذ والسلطان في أوائل القرن الثالث الميلادي، وقد ظلوا سادة مكة زهاء مائتي سنة، ثم أدركهم داء الأمم وقلب الدهر لهم ظهر المجن، واستطاع زعيم قرشي من بني إسماعيل أن يحاربهم وينتصر عليهم ويعيد نفوذ أجداده القديم وسلطانهم على هذه البلاد، وهذا الزعيم هو: قصي بن كلاب، وهو الجد الرابع للرسول ﷺ .

стр. 52

قصي بن كلاب وأثره في قريش: ومنذ رجعت السلطة والنفوذ إلى قصي، بدأ عهد جديد في النمو والازدهار لبني إسماعيل بعد أن ظلوا أمدًا طويلًا في ضعف وركود يكاد يشبه الموت، وكان

стр. 53

أول خطوة خطاها قصي: أن جمع أفراد قريش المبعثرين في نواحٍ متعددة إلى وادي مكة. فاستحق بذلك لقب "المجمع"، وجعل لكل بطن حيًّا خاصًّا على مقربة من الكعبة. وكان الناس قبل ذلك لا يجرؤون على البناء بجوار الكعبة مبالغة في تقديسها؛ ولكن قصيًّا كانت حجته في ذلك أن يقيم على مقربة من البيت حماة له يتعهدونه بالصيانة ويدفعون عنه الخطر. ولم يترك بين الكعبة والبيوت التي بنتها بطون قريش إلا بمقدار ما يسمح بالطواف، وقد أنشأت هذه البطون أحياء حصينة حول الكعبة من نواحيها الأربع.. وابتنى قصي لنفسه قصرًا جعل بابه يؤدي مباشرة إلى الكعبة. وكان هذا القصير يسمى دار الندوة، وكان قصي يتولى رئاسة هذه الدار، وقد جعل من اختصاصها البت في كل الشئون العامة من تجارية وحربية وغيرها بعد مناقشتها، وكان لا يسمح بدخول هذه الدار إلا لمن بلغ عمرهم الأربعين سنة إلا إذا كان من سلالة قصي، وكان حكيمًا ومفوهًا. وكان القرشيون إذا أرادوا دخول الحرب يتلقون اللواء من يدي قصي، ومعنى ذلك أن هو القائد الأعلى في هذا المجال ... وكانت عملية الزواج تتم في دار الندوة، فكان لا يتزوج رجل أو امرأة إلا من تلك الدار. وقد استطاع قصي بأعماله أن ينمي في نفوس الناس صفة الكرم وحسن الضيافة فحمل الناس وشجعهم على دفع ضريبة سنوية تسمى: الرفادة، كان يقصد منها المعاونة على إطعام الحجاج الفقراء وغيرهم ممن يهبطون مكة في أيام منى ... فجرى الأمر على ذلك في الجاهلية والإسلام، حيث لا يزال الولاة والملوك يعدون مثل هذا الطعام في كل عام.

стр. 54

وكان قصي يضم إلى جوار ذلك كله "السقاية"، والمقصود بالسقاية: تدبير الماء وحمله من آبار مكة المجاورة بالمزاود "القِرَب" ووضعه في أحواض لسقاية الحجاج، وكذلك كانت لقصي "الحجابة" "السدانة"، ويقصد بها حفظ مفاتيح الكعبة لا يفتحها إلا هو، ولا تقام شعائر دينية إلا بإذنه. وهكذا يتبين لنا أن قصيًّا جمع في شخصه كل الوظائف الرئيسية -دينية كانت أم سياسية- فكان بذلك يعتبر وكأنه ملك العرب ورئيسهم الديني الأعلى، وقد أضفى ذلك على قبيلة قريش مجدًا وجاهًا عظيمين. وقد توارث أبناء قصي هذا المجد والسلطان، حتى جاء من أحفاده عبد المطلب بن هاشم وهو الجد الأول لمحمد بن عبد الله ﷺ فكانت السلطات -حينئذٍ- موزعة على عشرة من أشراف قريش، وكانت هذه المناصب تتوارث في أكبر الأبناء، وهذه المناصب هي: ١- الحجابة أو السدانة: والمقصود بها حراسة مفاتيح الكعبة، وكانت وظيفة دينية مهمة وضعت في يد بني عبد الدار بن قصي، ولما أسلمت مكة بعد الفتح ظلت السدانة في يد عثمان بن طلحة من بني عبد الدار، وقد قال لهم رسول الله ﷺ : "خذوها تالدة خالدة إلى يوم القيامة لا ينزعها منكم إلا ظالم" ١. ٢- السقاية: ويقصد بها الإشراف على بئر زمزم المقدسة وسقاية الحجاج،

стр. 55

وهذه وضعت في بيت هاشم وكانت في يد العباس بن عبد المطلب وقت فتح مكة. ٣- الديات: وكان صاحبها إذا احتمل شيئًا فسأل فيه قريشًا أجابوه، وكانت في يد تيم بن مرة، وعند ظهور الإسلام كان يقوم بها عبد الله بن أبي قحافة "أبو بكر"، في أيام الرسول ﷺ . ٤- السفارة: وكان صاحبها ذا حق مطلق في البت في شئون الصلح بعد الحرب، أو الخلافات التي تقوم بين قريش والقبائل الأخرى، أو بينهم وبين الأجانب، وكان يقوم على هذا المنصب عمر بن الخطاب. ٥- اللواء: وكان صاحبه يعتبر كبير القواد ويسير أمام الركب في أسفارهم للقتال أو التجارة، وكان اللواء في بني أمية وصاحبه منهم في أول الإسلام: أبو سفيان بن حرب. ٦- الرفادة: وهي الإشراف على الضريبة التي تخصص لإطعام الفقراء، وكانت قريش تخرجها في كل موسم إلى صاحب الرفادة فيصنع منها طعامًا لفقراء الحجاج -مقيمين أو مسافرين- لأن الدولة كانت تعتبرهم ضيوف الله، وكانت الرفادة لعبد المطلب، ثم نقلت إلى أبي طالب ثم أخذها العباس وظلت في أولاده.

стр. 56

٧- الندوة: وكان رئيس دار الندوة يعتبر رئيس الجمعية الوطنية، وكبير مستشاري الدولة، ولا تصدر قريش عن أمر إلا بموافقته، وكان الأسود بن عبد العزى بن قصي هو القائم على هذا المنصب في أيام الرسول ﷺ . ٨- الخيمة: ويقصد بها حراسة قاعة المجلس، وكان هذا المنصب يبيح لصاحبه الحق في دعوة الجمعية، وحشد الجنود وكان يتولى هذا المنصب خالد بن الوليد على عهد الرسول ﷺ . ٩- الخازنة: وكانت في بني حسن بن كعب ويقوم عليها الحارث بن قيس. ١٠- الأزلام: وهي التي يشرف صاحبها على السهام، وكان العرب يستقسمون بها لمعرفة رأي الآلهة، وكان القائم عليها صفوان بن أمية. وكان العرف يقضي بأن أكبر أصحاب المناصب العشرة سنًّا هو الذي يتولى الرياسة ويلقب بسيد القوم، وكان على عهد الرسول ﷺ : العباس بن عبد المطلب١.

стр. 57

قصة الذبيحين: ولم يكن من قبيل المصادفة ما وقع لإسماعيل ﵇ حين هم أبوه إبراهيم ﵇ بذبحه تقربًا إلى الله وامتثالًا لأمره، ثم كتب الله له النجاة

стр. 58

وفداه بذبح عظيم، وما وقع بعد ذلك لعبد الله بن عبد المطلب وهو من سلالة إسماعيل وأبنائه، حينما هم أبوه عبد المطلب بذبحه وفاء لنذره وتقربًا لآلهته، ثم كتب الله له النجاة وفداه بمائة من الإبل، لم يكن ذلك من قبيل المصادفة، ولكنه تدبير وتقدير من المدبر المقدر، وحكمة قضى بها العليم الحكيم، ولعل هذه الحكمة هي التي جعلت رسول الله ﷺ يتحدث عن نفسه بعد البعثة، فيقول: "أنا ابن الذبيحين" ١.

стр. 59

فمن هما الذبيحان اللذان قصدهما رسول الله ﷺ في هذا الحديث؟ أما الذبيح الأول: فهو إسماعيل ﵇ وهو أبو العرب المستعربة -كما قدمنا- والجد الأكبر لرسول الله ﷺ وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله عن إبراهيم ﵇:

стр. 60

﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ ١. فهذه الآيات الكريمة تشير في وضوح إلى أن هناك بشارتين لإبراهيم أولاهما: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيم﴾ . وثانيتهما: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ . ومحنة الذبح التي ابتلي بها إبراهيم جاءت بعد البشارة الأولى التي كانت بالغلام الأول هو إسماعيل. وبعد أن سرد الله قصة إبراهيم مع ابنه، وكيف فداه الله بذبح عظيم تقرب به إبراهيم إلى ربه شكرًا على نجاة ولده، عاد فأخبر عن البشارة الثانية بالولد الثاني لإبراهيم وهو إسحاق الذي رزقت به السيدة سارة بعد ولادة السيدة هاجر لإسماعيل٢. وأما الذبيح الثاني: فهو عبد الله بن عبد المطلب والد الرسول ﷺ .

стр. 61

قال ابن إسحاق في "السيرة"١ ما ملخصه: كان عبد المطلب فيما يزعمون، نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم، لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه ليذبحن أحدهم عند الكعبة. فلما تكامل بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء، فأطاعوا وقالوا: كيف نصنع. فقال: ليأخذ كل رجل منكم قدحًا، ثم يكتب فيه اسمه ثم ائتوني، ففعلوا. فدخل بالأقداح على هبل الصنم في جوف الكعبة. فاستقسم بالأقداح، فخرج القدح على ابنه عبد الله -والد النبي ﷺ وكان أصغر ولده، وأحبهم إليه. ومع ذلك فقد خرج عبد المطلب بولده ليذبحه، فقامت إليه قريش فمنعته، وكذلك إخوته أبناء عبد المطلب، وقالوا: لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بولده فيذبحه، فما بقاء الناس على هذا. -وذكر ابن يونس عن ابن اسحاق أن العباس هو الذي اجتذب عبد الله- ثم أشاروا عليه بأن يذهب لعرافة تفتيه في أمره، فخرجوا إلى سجاح -امرأة كانت تزعم أن لها تابعًا يخبرها الأخبار- فقالت: كم الدية فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل. قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشرًا من الإبل ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم.

стр. 62

فخرجوا حتى قدموا مكة، فقربوا عبد الله وعشرًا من الإبل ثم ضربوا القداح فخرج القداح على عبد الله، فزادوا عشرًا، ثم ضربوا، فخرج عليه كذلك، وما زال القدح يخرج عليه حتى بلغت الإبل مائة، فخرج عندها القدح على الإبل. فعلوا ذلك ثلاث مرات، كل مرة يخرج القدح على الإبل، فقالوا: قد رضي ربك يا عبد المطلب ١.

стр. 63

المجتمع العربي قبل ظهور الإسلام مدخل ... المجتمع العربي قبل ظهور الإسلام: كان أهل مكة يحجون إلى الأصنام ويقدمون لها القرابين. وكان لا يجوز أن تقتلع أشجار من حماها، ولا يصاد صيدها، ولا يراق دم آدمي فيها، تعظيمًا لشأنها وتقديها لها، حتى إن بعض العرب كانوا يضيفون إليها أسماءهم، فكان "عبد العزى" من الأسماء الشائعة عندهم والمحبوبة لديهم. وكانت الكعبة في ذلك العصر الجاهلي مقر الوثنية، إذ كانت تحيط بها الأصنام من كل جانب، وكان أعظمها عندهم هبل وهو تمثال من العقيق الأحمر على شكر إنسان مكسور اليد اليمنى، وقد أدركته قريش وهو على هذا الوضع فصنعت له يدًّا من ذهب. أما عقيدتهم في تلك الأصنام، فكانوا فريقين: فبعضهم كان يعبدها على أنها تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه. ويقولون إذا سئلوا عن الخالق الرازق؟ إنه هو الله. وإذا سئلوا عن الأصنام؟

стр. 64

يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١. وبعضهم كان يعبدها على أنها هي الآلهة التي تضر وتنفع وتعطي وتمنع، وهؤلاء هم عامتهم وضعفاء العقول منهم، وهم الذين أخبر الله عنهم أنهم عجبوا من محمد ﷺ لأنه جعل الآلهة إلهًا واحدًا.. وذلك في قوله حكاية عنهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢. وكان هناك قوم في اليمن يعبدون الشمس، وهم الذين ذكر الله قصتهم في القرآن الكريم مع سليمان ﵇ في قوله تعالى حكاية عن الهدهد: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ ٣. كما كان هناك طائفة من العرب يعبدون النار وهم المجوس، وقد انتقلت إليهم هذه الديانة من الفرس الذين كانوا يجاورونهم، وكذلك كانت توجد اليهودية في يثرب وخيبر، والمسيحية في الحيرة وغسان. وهكذا كانت توجد في شبه الجزيرة العربية أديان مختلفة إلا أن الوثنية كانت

стр. 65

هي السائدة، إذ كانت تدين بها الغالبية العظمى والأكثرية الساحقة، حتى ليمكننا أن نقول عن العرب حينئذٍ غير مبالغين: إنهم كانوا قوما وثنيين!!. ومن الإنصاف أن نقول: إن أهل مكة لم يستسلموا لعبادة الأصنام بسهولة، ولكنها وجدت مقاومة ومعارضة لم تلبث أن انهارت بقوة الحاكم وشدته، ومهد لذلك فسق جرهم وخروجها عن سبيل الحق، ومما يشير إلى هذه المقاومة ويدل على أن العرب كانوا قبل خزاعة يدينون بالتوحيد وما ورد في الشعر الجاهلي من نعي على عمرو بن لحي الخزاعي، وأسف على ما جلبه إلى مكة من الخطايا والآثام.. فيقول قائلهم: يا عمرو إنك أحدثت آلهة ... شتى بمكة حول البيت أنصابا وكان للبيت رب واحد أبدًا ... فقد جعلت له في الناس أربابا لتعرفن بأن الله في مهل ... سيصطفي دونكم للبيت حجابا. ومن الإنصاف لهذا العصر -كذلك- أن نقول: إن هناك أفرادًا قلائل قد استطاعوا بين هذه الظلمات المتكاثفة أن يصلوا إلى طريق الحق ويهتدوا إلى فساد عبادة الأصنام بعقولهم، ويدركوا أن هناك إلهًا واحدًا لا شريك له ولا معقب لحكمه، وهؤلاء هم الحنفاء "أي الذين مالوا عن الباطل واتبعوا الدين الصحيح" ... ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل، وهو ابن عم عمر بن الخطاب. ويذكرون عنه أنه ترك عبادة الأصنام وصار يطوف ببلاد العرب وما جاورها يبحث عن دين إبراهيم ﵇ حتى هداه الله إلى الحق ... وهو الذي قال بعد أن ترك عبادة الأصنام ١:

стр. 66

أرب واحد أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور؟ تركت اللات والعزى جميعًا ... كذلك يفعل الرجل البصير فلا العزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي بني عمرو أزور ولكن أعبد الرحمن ربي ... ليغفر ذنبي الرب الغفور وقد شاء الله أن يموت زيد قبل البعثة النبوية بقليل. ومنهم أمية بن أبي الصلت الذي كان يقول: هاج للقلب من هواه أذكار ... وليال خلالهن نهار وجبال شوامخ راسيات ... وعيون مياههن غزار ونجوم تلوح في كل فج ... مشرقات وفي الدجى أقمار والذي قد ذكرت دل الله ... نفوسًا لها هدى واعتبار ومهما كان الأمر فهم قلة ضئيلة ضاقت نفوسهم بالوثنية الفاسدة فانطلقوا إلى الآفاق الرحبة الفسيحة يلتمسون الهدى، ويرجون الحق لذاته، فأدركتهم رحمة الله وصاحبتهم عنايته ورعايته. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ...

стр. 67

المجتمع العربي قبيل ظهور الإسلام: والحديث عن المجتمع العربي في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام حديث لا يكتنفه الغموض الذي كان يكتنف العصور القديمة، لأن الأضواء كلها قد تسلطت على تاريخ العرب بعد ظهور الدين الإسلامي، فتكشفت كل الحقائق عن الفترة.

стр. 68

السابقة التي جاء الإسلام على أثرها.. ولا بد لنا في هذه المناسبة من الإشارة إلى أن بعض الكتاب المسلمين قد انقادوا -أحيانًا إلى العاطفة، فنظروا إلى ذلك العصر الذي سبق الإسلام في شبه الجزيرة العربية نظرة غير محايدة، وذلك أنهم أغمضوا الأعين عن الصفات الحسنة والخلال الكريمة التي كانت تسود -حينئذٍ- في المجتمع العربي ولم يتعرضوا لها إلا بقدر يسير، ثم أفاضوا في ذكر المثالب والعيوب والنقائص الخلقية التي كانت موجودة لدى بعض القبائل، ونسبوها لجميع القبائل!!. ومن الإنصاف أن نذكر الأمور على حقيقتها بعيدة عن الغلو والإسراف غير متأثرة بعاطفة أو متحيزة لغرض، وحينئذٍ يجري التاريخ في سننه المرسوم، ويؤمن به الأعداء والأصدقاء، ولا يجد خصوم الحق مجالًا ينفذون منه إلى أهدافهم الخبيثة من التغيير والتحريف، أو التشويه والتزييف. ولقد كان النظام القبلي سائدًا في المجتمع العربي قبل الإسلام: فكان شيخ القبيلة هو الحاكم الأعلى لقبيلته، وصاحب السلطان المطلق فيها، وكأن أوامره المستمدة من العرف القائم بينهم تقوم مقام القانون ... وهذا النظام القبلي كان يدعو إلى التنافس بين القبائل على النفوذ المادي والأدبي، فكانت كل قبيلة تجتهد في أن تكمل نفسها وتبسط نفوذها ولو على أنقاض غيرها من القبائل، ومن هنا كانت تسود العداوة والبغضاء بين القبائل المختلفة وتثور الحروب وتنشب المعارك لأوهى الأسباب بينهم، ولكن كان أفراد القبيلة يتناصرون فيما بينهم. ويدافع كل فرد عن أخيه مهما نأى عن الحق وتشبث بالباطل، ومن أقوالهم: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا "١.

стр. 69

وكما يقول عنهم أحد شعرائهم مفتخرًا بقومه وعصبيتهم القبلية: قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا وقد أدى ذلك إلى تفكك المجتمع العربي وعدم الترابط بين أجزائه وهو تفكك كان ينذر بالانحلال وسوء المآل.. على أن التفكك وعدم الترابط بين القبائل كان يزول في بعض الفترات إذا ما تعرض العرب للغزو والعدوان الأجنبي.. حينئذٍ يقوم شيوخ القبائل، وينسون ما بينهم من نزاع وأطماع، وتنمحي على الفور عصبيتهم القبلية وتنتقل إلى دائرة أوسع فتصبح عصبية عربية، تحقيقًا للمثل العربي القائل: أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب.. ويظلون هكذا متماسكين متعاونين حتى تنجاب الغمة ويزول الخطر الأجنبي. فيعودون إلى سيرتهم الأولى من التفرق والضعف والانحلال. ومن ذلك ما وقع في يوم "ذي قار" ١ في أواخر القرن السادس الميلادي حينما حاول كسرى ملك الفرس أن يستدرج النعمان بن المنذر إلى لقائه -بعد أن

стр. 70

نشبت الخصومة- ثم قبض عليه وحبسه حتى مات، فلقد أدى ذلك إلى ثورة عاصفة بين القبائل العربية في كل شبر من الوطن العربي ... وكان الوطن العربي حينئذٍ يشمل شبه الجزيرة العربية إلى مشارف العراق والشام - وكان معنى هذه الثورة العربية على ملك الفرس التضامن التام والوحدة الشاملة بين العرب، فتناسوا ما شجر بينهم من خلاف واجتمعوا تحت راية العروبة، والتقوا بكسرى في حرب عنيفة انتهت بتغلبهم عليه وهزيمة الفرس أمامهم، وكان هذا النصر ولا يزال أساسًا لفخرهم على توالي الأزمنة والعصور. ولما كانت المرأة شطر المجتمع والرجل شطره الآخر، فإن العلاقة بين الرجل والمرأة توضح لنا إلى حد كبير قيمة المجتمع ودرجة رقيه أو انحطاطه، ذلك بأن المرأة هي الأم وهي الأخت وهي البنت، وهي بذلك جزء لا ينفصل عن المجتمع، بل يتحرك أبدًا بحركته ويسكن بسكونه كما يزدهر بازدهاره ويذبل بذبوله. ولقد زعم بعض المؤرخين أن العرب كانوا يكرهون المرأة ويحتقرونها! واستدلوا على ذلك بعادة وأد البنات التي كان موجودة لديهم، والتي أشار الله إليها في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١. وفي قوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ٢. والواقع أن هذه العادة لم تكن منتشرة بين العرب، ولكنها كانت موجودة في

стр. 71

بني تميم وبني أسد، وهما قبيلتان اثنتان من ثلاثمائة وستين قبيلة، ومعنى ذلك أن الأكثرية الساحقة من العرب لم تكن فيها هذه العادة القبيحة. والقرآن الكريم حينما يذكر هذه العادة فإنما يقصد هذا العدد القليل من القبائل وهو في نفس الوقت يحذر سائر القبائل الأخرى، حتى لا تتأثر بها وتجاريها في هذا الشر والفساد. على أننا نؤمن بأن وأد هذه القبائل للبنات لم ينشأ عن بغض أو احتقار وإنما نشأ عن غيرتهم الشديدة على المرأة وخوفهم أن تنزلق إلى الشر بعد البلوغ فيلحقهم العار والصغار، ومن أجل ذلك كانت تسود وجوههم حينما يبشرون بالأنثى وتحيط بهم الهموم والأحزان. وحينما نتصفح الأدب العربي الجاهلي نراه حافلًا بتقدير الرجل للمرأة وحبه لها، ذلك بأنه كان يتحدث عنها باهتمام في أشعاره وخطبه، ويخطابها دائمًا بما يدل على التعظيم والإجلال فيسميها: ربة البيت، وهي تسمية تنبئ عن تقدير وتكريم، ويقول في ذلك قائلهم: يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمي إليك رحال القوم والقربا وكان يخاطبها بالكنية فيقول لها: يا أم فلان، ولا يذكرها باسمها المجرد بل كان الولد يستشير ابنته إذا أراد أن يزوجها، فلا يرغمها على ما تكره وإنما ينفذ لها ما تحب وترغب. ومن ذلك ما وقع من أوس بن حارثة الطائي، فلقد جاءه الحارث بن عوف المري خاطبًا إحدى بناته. فاستشار الكبرى والوسطى، فرفضتا. فاستشار الصغرى فرضيت فزوجها.

стр. 72

وكان الرجل يرتبط مع المرأة بعقد زواج بعد رضائها ورضاء أوليائها، وبعد أن يتفقوا على مهر معين، وكانوا يعددون الزوجات ولم يكن هناك حد معروف لعددهن، وكانوا يطلقون، فإذا أراد الرجل أن يطلق زوجته يقول لها: الحقي بأهلك، أوما يماثل هذه الكلمة، وفي بعض الأحيان يكون للمرأة الحق في أن تطلق نفسها، وكان يعرف طلاق المرأة لنفسها، بأن تحول باب بيتها المصنوع من الشعر أو الوبر أو الجلد إلى جهة مقابلة لجهته الأصلية، ولكن الغالبية من العرب كانت تجعل حق الطلاق للرجل. على أنه كانت توجد بين العرب في تلك الحقبة من الزمان عادات سيئة وأنكحة فاسدة. ومنها نكاح البغايا، وهو نكاح يبيح للمرأة أن تتزوج بأكثر من واحد. وقد يصل عدد أزوجاها إلى عشرة ويكونون معروفين لديها ولدى بعضهم البعض، فإذا ولدت طفلًا من هذا النكاح وأرادوا معرفة أبيه كي ينسب إليه، جاء القائف وجمع الأزواج كلهم ونظر في أقدامهم، ثم قارنها بأقدام الطفل الوليد، فيعرف الوالد وينسب إليه ولده. ونكاح الاستبضاع، وهو أن يقول الرجل لامرأته -أحيانًا- اذهبي إلى فلان فاستبضعي منه، ويمتنع عن القرب منها حتى تحمل من هذا الأجنبي فيعود إلى الاتصال بها. وكانوا يفعلون ذلك رغبة في تحسين نسلهم. فيختار الرجل لزوجته شخصًا قويًا نابه الذكر حتى يكون الولد مشابهًا له ١.

стр. 73

ومن ذلك يتبين لنا أن رباط الزواج المقدس كان موجودًا لدى العرب في العصر الجاهلي. وأما ما كان يخالف ذلك من أنحكة فاسدة وعادات شاذة فلا يعتد به، كما يتبين لنا أن عادة وأد البنات لم تكن موجودة إلا في قبيلتين اثنتين من ثلاثمائة وستين قبيلة، وهي قلة نادرة ضئيلة، وكان أصحاب هذه العادات السيئة الشاذة لا يحترمون، بل يوصمون دائمًا بالعار والصغار. وحينما جاء الإسلام نظر إلى هذا الأساس الموجود لدى العرب، فأزال اللبنات الضعيفة منه وأبقى اللبنات القوية، ثم دعمها وأقام عليها بناءه الشامخ العظيم ...

стр. 74

اليهودية والمسيحية في بلاد العرب قبل الاسلام مدخل ... ٣- اليهودية والمسيحية في بلاد العرب قبل الإسلام كانت الوثنية هي الديانة السائدة في بلاد العرب قبيل الإسلام -كما قدمنا- وكانت تعيش إلى جوارها بعض الديانات الأخرى كاليهودية والنصرانية والمجوسية ... إلى غير ذلك، ولكننا آثرنا أن نتحدث في هذا الفصل عن اليهودية والمسيحية دون غيرهما لأنهما الديانتان السماويتان السابقتان على الإسلام. ولولا ما نشب بينهما من خلاف، وما شابهما من فساد واضطراب، وما وقع فيهما من تزييف وتحريف طغى على الجوهر الأصيل ومسخ الحقيقة فصير للإله ولدًا، وجعل النبي إلهًا، والإله الواحد ثلاثة -لولا ذلك كله لاتحدت الديانتان في دين واحد لتلتقيا بعد ذلك بالإسلام الحنيف وتنضويا تحت لوائه. وأثرنا أن نتحدث عنهما لأنهما بحكم وجودهما قبل الإسلام في جزية العرب كان لا بد أن يقع بينهما وبين الوثنية عداوة وخصام وصراع وصدام. وقد وضح ذلك في موقف اليهود من قبيلتي الأوس والخزرج بدافع من العصبية الدينية، حيث كانوا يوقدون نيران الفتنة بين القبيلتين من حين إلى آخر، وفي موقف المسيحيين في اليمن من الوثنيين في مكة ومحاولة الأحباش "المسيحيين" هدم الكعبة وكانت حينئذٍ مقرًا لعبادة الأصنام والأوثان. وسوف يتبين لنا -الآن- كيف دخلت هاتان الديانتان إلى بلاد العرب. كما

стр. 75

سيتبين لنا مدى ما طرأ على هاتين الديانتين من تغيير وتبديل أفسدهما وقضى على جوهرهما الأصيل.
следующие страницы →