بني تميم وبني أسد، وهما قبيلتان اثنتان من ثلاثمائة وستين قبيلة، ومعنى ذلك أن الأكثرية الساحقة من العرب لم تكن فيها هذه العادة القبيحة.
والقرآن الكريم حينما يذكر هذه العادة فإنما يقصد هذا العدد القليل من القبائل وهو في نفس الوقت يحذر سائر القبائل الأخرى، حتى لا تتأثر بها وتجاريها في هذا الشر والفساد.
على أننا نؤمن بأن وأد هذه القبائل للبنات لم ينشأ عن بغض أو احتقار وإنما نشأ عن غيرتهم الشديدة على المرأة وخوفهم أن تنزلق إلى الشر بعد البلوغ فيلحقهم العار والصغار، ومن أجل ذلك كانت تسود وجوههم حينما يبشرون بالأنثى وتحيط بهم الهموم والأحزان.
وحينما نتصفح الأدب العربي الجاهلي نراه حافلًا بتقدير الرجل للمرأة وحبه لها، ذلك بأنه كان يتحدث عنها باهتمام في أشعاره وخطبه، ويخطابها دائمًا بما يدل على التعظيم والإجلال فيسميها: ربة البيت، وهي تسمية تنبئ عن تقدير وتكريم، ويقول في ذلك قائلهم:
يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمي إليك رحال القوم والقربا
وكان يخاطبها بالكنية فيقول لها: يا أم فلان، ولا يذكرها باسمها المجرد بل كان الولد يستشير ابنته إذا أراد أن يزوجها، فلا يرغمها على ما تكره وإنما ينفذ لها ما تحب وترغب.
ومن ذلك ما وقع من أوس بن حارثة الطائي، فلقد جاءه الحارث بن عوف المري خاطبًا إحدى بناته. فاستشار الكبرى والوسطى، فرفضتا. فاستشار الصغرى فرضيت فزوجها.
стр. 72
وكان الرجل يرتبط مع المرأة بعقد زواج بعد رضائها ورضاء أوليائها، وبعد أن يتفقوا على مهر معين، وكانوا يعددون الزوجات ولم يكن هناك حد معروف لعددهن، وكانوا يطلقون، فإذا أراد الرجل أن يطلق زوجته يقول لها: الحقي بأهلك، أوما يماثل هذه الكلمة، وفي بعض الأحيان يكون للمرأة الحق في أن تطلق نفسها، وكان يعرف طلاق المرأة لنفسها، بأن تحول باب بيتها المصنوع من الشعر أو الوبر أو الجلد إلى جهة مقابلة لجهته الأصلية، ولكن الغالبية من العرب كانت تجعل حق الطلاق للرجل.
على أنه كانت توجد بين العرب في تلك الحقبة من الزمان عادات سيئة وأنكحة فاسدة.
ومنها نكاح البغايا، وهو نكاح يبيح للمرأة أن تتزوج بأكثر من واحد. وقد يصل عدد أزوجاها إلى عشرة ويكونون معروفين لديها ولدى بعضهم البعض، فإذا ولدت طفلًا من هذا النكاح وأرادوا معرفة أبيه كي ينسب إليه، جاء القائف وجمع الأزواج كلهم ونظر في أقدامهم، ثم قارنها بأقدام الطفل الوليد، فيعرف الوالد وينسب إليه ولده.
ونكاح الاستبضاع، وهو أن يقول الرجل لامرأته -أحيانًا- اذهبي إلى فلان فاستبضعي منه، ويمتنع عن القرب منها حتى تحمل من هذا الأجنبي فيعود إلى الاتصال بها. وكانوا يفعلون ذلك رغبة في تحسين نسلهم. فيختار الرجل لزوجته شخصًا قويًا نابه الذكر حتى يكون الولد مشابهًا له ١.
стр. 73
ومن ذلك يتبين لنا أن رباط الزواج المقدس كان موجودًا لدى العرب في العصر الجاهلي.
وأما ما كان يخالف ذلك من أنحكة فاسدة وعادات شاذة فلا يعتد به، كما يتبين لنا أن عادة وأد البنات لم تكن موجودة إلا في قبيلتين اثنتين من ثلاثمائة وستين قبيلة، وهي قلة نادرة ضئيلة، وكان أصحاب هذه العادات السيئة الشاذة لا يحترمون، بل يوصمون دائمًا بالعار والصغار.
وحينما جاء الإسلام نظر إلى هذا الأساس الموجود لدى العرب، فأزال اللبنات الضعيفة منه وأبقى اللبنات القوية، ثم دعمها وأقام عليها بناءه الشامخ العظيم ...
стр. 74
اليهودية والمسيحية في بلاد العرب قبل الاسلام
مدخل
...
٣- اليهودية والمسيحية في بلاد العرب قبل الإسلام
كانت الوثنية هي الديانة السائدة في بلاد العرب قبيل الإسلام -كما قدمنا- وكانت تعيش إلى جوارها بعض الديانات الأخرى كاليهودية والنصرانية والمجوسية ... إلى غير ذلك، ولكننا آثرنا أن نتحدث في هذا الفصل عن اليهودية والمسيحية دون غيرهما لأنهما الديانتان السماويتان السابقتان على الإسلام. ولولا ما نشب بينهما من خلاف، وما شابهما من فساد واضطراب، وما وقع فيهما من تزييف وتحريف طغى على الجوهر الأصيل ومسخ الحقيقة فصير للإله ولدًا، وجعل النبي إلهًا، والإله الواحد ثلاثة -لولا ذلك كله لاتحدت الديانتان في دين واحد لتلتقيا بعد ذلك بالإسلام الحنيف وتنضويا تحت لوائه.
وأثرنا أن نتحدث عنهما لأنهما بحكم وجودهما قبل الإسلام في جزية العرب كان لا بد أن يقع بينهما وبين الوثنية عداوة وخصام وصراع وصدام. وقد وضح ذلك في موقف اليهود من قبيلتي الأوس والخزرج بدافع من العصبية الدينية، حيث كانوا يوقدون نيران الفتنة بين القبيلتين من حين إلى آخر، وفي موقف المسيحيين في اليمن من الوثنيين في مكة ومحاولة الأحباش "المسيحيين" هدم الكعبة وكانت حينئذٍ مقرًا لعبادة الأصنام والأوثان.
وسوف يتبين لنا -الآن- كيف دخلت هاتان الديانتان إلى بلاد العرب. كما
стр. 75
سيتبين لنا مدى ما طرأ على هاتين الديانتين من تغيير وتبديل أفسدهما وقضى على جوهرهما الأصيل.
стр. 76
اليهودية في بلاد العرب:
يرجع اليهود في نسبهم إلى إسرائيل وهو يعقوب ﵇ ولذا يسمون بالإسرائيليين أو بني إسرائيل. ويسمون -كذلك- باليهود نسبة إلى يهوذا أحد أولاد يعقوب، أو لأنهم بعد أن أضلهم السامري عن الحق هادوا إلى الله أي رجعوا إليه وتابوا وطلبوا من الله أن يغفر لهم١.
ويذكر المؤرخون عن أبناء يعقوب أنهم كانوا يترددون على مصر طلبًا للتجارة أحيانًا، وطلبًا للقوت أحيانًا أخرى، وحينما أجدبت بلادهم في فلسطين ولّوا وجوههم شطر مصر يلتمسون الغوث والعون، وكان أخوهم يوسف ﵇ قد استقر به المقام في مصر بعد أن أنجاه الله من مكرهم وكيدهم، ومكن الله له فيها حتى أصبح أمينًا على خزائنها، وأخيرًا تعرفوا عليه وطلب إليهم أن يأتوه بأهلهم أجمعين. وحينئذٍ هاجر يعقوب مع أولاده إلى مصر وكان عددهم مع ذريتهم ستة وستين، وقد هيأ لهم يوسف المكان الطيب، وأجريت عليهم الأرزاق الوفيرة، وعاشوا بها عيشًا رغدًا إلى أمد معلوم، ثم كتب الله عليهم الجلاء عن مصر بعد أن اضطهدهم فرعون فخرجوا منها سنة ١٢٢٠ ق. م. تحت قيادة سيدنا موسى ﵇ وقطعوا شبه جزيرة سيناء إلى أرض كنعان. وقد أسسوا بها مملكة عظيمة. وكان من ملوكهم داود وسليمان، عليهما السلام٢.
стр. 77
وقد انقسم اليهود على أنفسهم بعد وفاة سليمان ﵇ وكانت لهم مملكتان في فلسطين إحداهما مملكة يهوذا بالجنوب وعاصمتها أورشليم. والأخرى مملكة إسرائيل بالشمال وكانت عاصمتها السامرة وهي التي قامت على أنقاضها نابلس، وفي حوالي سنة ٧٠م -وكان الرومان هم أصحاب النفوذ والسلطان- اضطهد الرومان اليهود واشتد بهم التعذيب فاضطروا إلى الهجرة وهاموا على وجوههم في صحراء بلاد العرب حتى استقروا في أماكن متفرقة من بلاد الحجاز.
وقد ذهب إلى هذا الرأي ورجحه مؤرخ عراقي معاصر. وذلك حيث يقول١: إن ما ورد في روايات أهل الأخبار من هجرة بعض اليهود إلى أطراف يثرب وأعالي الحجاز على أثر ظهور الروم على بلاد الشام وفتكهم بالعبرانيين وتنكيلهم بهم. يستند إلى أساس تاريخي صحيح، فالذي نعرفه أن فتح الرومان لفلسطين أدى إلى هجرة عدد كبير من اليهود إلى الخارج، فمن المعقول أن يكون يهود الحجاز من نسل أولئك المهاجرين ومنهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة.
وأما عن مساكن اليهود فبعضها كان بداخل المدينة، وبعضها كان قريبًا منها، وبعضها كان بعيدًا عنها.
فبنو قينقاع كانوا يسكنون داخل المدينة في محلة خاصة بهم، وبنو النضير كانت مساكنهم بالعالية بوادي بطحان على بعد ثلاثة أميال من المدينة، وكان مكانًا عامرًا بالزروع والنخيل. وبنو قريظة كانوا يسكنون بمنطقة مهزور وهي تقع على بعد قليل من جنوب المدينة.
стр. 78
ومن بين اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة وضواحيها بطون صغيرة كبني عكرمة وبني ثعلبة وبني محمر وبني زعورا وبني عوف وبني بهدل وبني القصيص وغيرهم. وكانت هذه البطون الصغيرة تابعة في سياستها لبني قينقاع وبني النضير وبني قريظة١.
وأما يهود خيبر فكانوا يسكنون في واحة كبيرة في الشمال الشرقي للمدينة وبينها وبين المدينة ستة وتسعون ميلًا. وكانت ذات حصون قوية، وبها مزارع وبساتين ونخيل كثيرة.
وكان اليهود يشتغلون بالتجارة وقد برعوا فيها حتى كانت تجارة الشعير والقمح والتمر والخمر تكاد تكون وقفًا عليهم، وكذا صناعة الصياغة وصناعة الدروع وآلات الحرب والقتال، وكانت معظم معاملاتهم مع غيرهم تقوم على المراهنات وتعاطي الربا، مما جعلهم يتحكمون في الأسواق ويحتكرونها لمصلحتهم ومنفعتهم٢.
وكان يقيم على مقربة منهم قبيلتان من العرب الذي هاجروا من بلاد اليمن على أثر انهدام سد مأرب وهما قبيلتا الأوس والخزرج.
وكان النزاع دائمًا بين العرب واليهود لأن اليهود يحاولون الاستيلاء على الأرض المجاورة للمدينة والاستئثار بزراعتها، ولكن الأوس والخزرج يحولون بينهم وبين هذا الغرض مما أثار حقد اليهود ومؤامراتهم على هاتين القبيلتين ولكن كانت الغلبة دائمًا للعرب على الرغم مما عرض لهم من تفرق الكلمة وتشقق الوحدة.
стр. 79
ولم تكن المحاولات اليهودية مقصورة على الحجاز بل كان بالجنوب دعاية يهودية قوية نشأ عنها اعتناق كثير من القبائل لليهودية منهم بنو كنانة وكندة وبنو الحارث بن كعب.
وقد شاعت اليهودية في حمير وكان من أكبر المتحمسين لنشرها ذو نواس الحميري الذي اضطهد المسيحيين في نجران، مما أدى إلى الصدام بين اليهودية والمسيحية ومما ساعد في النهاية على تدخل الأحباش -المسيحيين- واستيلائهم على بلاد اليمن.
واليهودية في حقيقتها الأولى دين سماوي مستمد من التوراة التي نزلت على نبي الله موسى بن عمران وفيها موعظة وتفصيل لكل شيء. وبها من الآداب الاجتماعية والمثل الأخلاقية ما يطهر النفوس ويحيي القلوب، وتسعد في ظلاله الأمم والشعوب. وفي ذلك يقول الله لنبيه موسى ﵇ بعد رسالته: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١.
واليهودية -كما نزلت على موسى- ديانة توحيد. تتصف فيها الذات الإلهية بصفات الوحدانية الكمال والتجرد من النقص ومخالفة الحوادث في كل شيء. أو بعبارة أخرى هي والإسلام سواء، ولكن في عصر تدوينهم للتوراة بعد فقدها طرأت على فكرة الألوهية انتكاسة كبيرة، فتصوروا الله تعالى في صورة مجسمة ووصفوه بكثير من صفات النقص والضعف والغفلة والجهل. فيقولون: إن الرب حزن لأنه خلق الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه، وإنه نزل لينظر المدينة
стр. 80
والبرج، وإنه نزل ذات ليلة وتصارع مع يعقوب فلم يقدر عليه١.
ثم اعتقد بنو إسرائيل بعد ذلك بتعدد الآلهة فكانوا يرون أن إلههم خاص بشعب بني إسرائيل ويختلف عن آلهة الشعوب الأخرى، وأنهم هم أولاده وأحباؤه٢. بل اعتقدت بعض فرقهم بوجود ابن لله كما اتخذت بعض الفرق الأخرى أحبارها أربابًا من دون الله، وتنكر بعض فرق اليهود للبعث ويعتقدون أن عقاب العصاة وثواب المتقين يقع في حياتهم، وتذهب بعض فرقهم -كذلك- إلى أن الصالحين من الأموات هم الذين سيبعثون إلى الدنيا مرة ثانية ليشتركوا مع المسيح الذي سيبعث في آخر الزمان لينقذ الناس من الضلال ويدخلون جميعًا في ديانة موسى٣.
ولم يكتف اليهود بما ورد في تلكم التوراة التي وضعوها بأيديهم كما يشاءون، بل أخذوا يفسرونها -وهي الزائفة المحرفة- حسب أهوائهم وشهواتهم وتوسعوا في شرحها وحولوها إلى تعاليم محددة.
وقد أخذوا هذه التفسيرات من مصدرين أساسيين هما: تلمود أورشليم وكان موجودًا في فلسطين سنة ٢٣٠م.
والثاني: تلمود بابل وكان موجودًا في بابل سنة ٥٠ م.
وقد زيد عليهما بعد ذلك، وتتوالى الزيادة بتوالي الأزمنة والعصور، وهم يقدسون التلمود ويعتبرونه أهم من التوراة، ويقولون فيه: إن من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت وإنه لا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود وتمسك
стр. 81
بالتوراة وحدها لأن أقوال علماء التلمود كما يزعمون أفضل مما جاءت به شريعة موسى.
ومما يدعو إلى العجب والغرابة ويدل على السفه والغواية والحمق والاضطراب أنهم ينسبون إلى الأنبياء والمرسلين أعمالًا قبيحة تتنافى مع وضعهم الديني، فينسبون إلى موسى ﵇ أنه أوصى قومه ليلة خروجهم من مصر أن يسرقوا من المصريين حليهم وأمتعتهم ففعلوا١. وينسبون إلى هارون أخي موسى أنه صنع عجلًا وعبده مع بني إسرائيل٢. وينسبون إلى إبراهيم ﵇ أنه قدم امرأته سارة إلى فرعون حتى ينال الخير بسببها٣.
وواضح أن تلك الأكاذيب يراد بها أن تتوجه الأنظار إلى أحبار اليهود وأن يكون الإيمان بهم أقوى من الإيمان بالرسل والأنبياء. وهي نزعة مادية خبيثة تكمن وراءها أغراض خسيسة. وهذه الأغراض يكشف عنها التلمود وما جاء فيه من القبائح والرذائل، وما يهدف إليه من سيادة اليهود على العالم كله؛ لأن أرواحهم تتميز عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله٤، ولأنهم أساس الخير والبركة على وجه الأرض وأن الفرق بينهم وبين غيرهم من الأمم هو كالفرق بين الإنسان والحيوان، إلى غير ذلك من المبادئ الهدامة التي تدل على ما يحمله هؤلاء الناس من عداوة وحقد ضار على البشرية جمعاء وعلى سائر الأمم في هذا الوجود.
стр. 82
المسيحية في بلاد العرب
ولد السيد المسيح ﵇ في بيت لحم على مقربة من بيت المقدس. وقد فزع قومه لولادته من مريم وهي البتول الطاهرة النقية ولم تزف إلى زوج حتى ينسب ولدها إليه. وقالوا: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ ١، ولكن الله أنطقه وهو في المهد ليبرئ أمه من هذا الاتهام الكاذب فقال: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً، وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ ٢.
ولما خشيت الأم على نفسها وعلى ولدها من أشرار قومها، أخذته وذهبت به إلى مصر مع ابن عمها يوسف النجار فأقاموا بها اثنتي عشرة سنة ثم عادوا إلى الشام٣.
وقد تلقى الوحي على جبل الزيتون هناك وكان عمره -حينئذ- ثلاثين سنة، وظل يدعو الناس إلى توحيد وحسن المعاملة، والرفق بالضعفاء وتجنب زخارف الدنيا، وإلى العمل للآخرة رجاء ثواب الله. إلى أن بلغ ثلاثًا وثلاثين سنة وثلاثة شهور فرفعه الله إليه٤، ولا ريب أن رفعه رفع مكانة ومنزلة، وفريق آخر يقولون إنه رفع بروحه وجسده٥.
стр. 83
والجميع ١ متفقون على أنه لم يقتل ولم يصلب كما يزعم اليهود، وكما يزعم النصارى بعد أن حرفوا الإنجيل وزيفوه. والقرآن الكريم صريح في ذلك حيث يقول سبحانه عن اليهود:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ٢.
ومن أجل تحريفهم للإنجيل تعددت الأناجيل لديهم والمشهور منها خمسة:
إنجيل برنابا وهو إنجيل لا تعترف به الكنيسة حاليًا لأنه أقرب إلى الحق وتكاد تعاليمه تتفق مع تعاليم الإسلام. والأربعة الأخرى هي: إنجيل متى، وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا. وهي الأناجيل المعتمدة لدى الكنيسة ٣.
ويمتاز إنجيل برنابا بالدقة والحكمة وسمو العبارة. وقد خالف هذا الإنجيل سائر الأناجيل الأخرى التي يدين بها المسيحيون في أربعة أمور:
أولها: أنه لم يعتبر المسيح ابن الله ولم يعتبره إلهًا وإنما اعتبره نبيًّا.
وثانيها: أنه يعتبر الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق، وهو يخالف بذلك التوراة وسائر الأناجيل ويوافق القرآن الكريم.
стр. 84
وثالثها: أنه ذكر محمدًا باللفظ الصريح المتكرر وقال إنه رسول الله.
ورابعها: أنه بين أن المسيح ﵇ لم يصلب ولكن شبه لهم. فألقى الله شبهه على يهوذا الإسخريوطي.
وفي ذلك يقول برنابا: إن صوت يهوذا ووجهه وشخصه بلغت من الشبه بيسوع أن اعتقد تلاميذه والمؤمنون به كافة أنه يسوع المسيح.
وهكذا يخالف إنجيل برنابا بقية الأناجيل في هذه الأمور الجوهرية وفي خصائص المسيحية التي عرفت بها. ذلك بأن المسيحية قد عرفت بالتثليث بنبوة المسيح وألوهيته. وكان هذا شعارها الذي به تعرف وعلامتها التي بها تتميز.
ومن أجل ذلك أحدث ظهور هذا الإنجيل رجة فكرية عنيفة، ورفضته الكنيسة رفضًا نهائيًا. ولم يعد من الأناجيل المعتمدة لدى الكنيسة المسيحية١.
وقد اختلف المؤرخون في مبدأ دخول المسيحية في بلاد العرب، ولكن المرجح أنها دخلت ببطء شديد وأنها دخلت عن طريق الاتصالات التجارية بين بلاد العرب والبلاد المجاورة لهم، وأن ذلك بدأ منذ أوائل القرن الرابع الميلادي وأنها انتشرت في بلاد العرب بعد انتهاء هذا القرن. وكانت الحيرة أهم مراكز المسيحية في بلاد العرب. وكان أهم سكانها هم الطائفة المعروفة بالعبادة. ثم دخلت النصرانية إلى بلاد اليمن على أيدي الأحباش الذين استعمروها وحاولوا أن ينشروا المسيحية فيها فبنوا بها كنيسة كبرى في صنعاء، وأرادوا أن يجعلوها مركزًا للديانة المسيحية، وحاولوا هدم الكعبة في عام الفيل، ولكن محاولتهم باءت بالفشل الذريع، كما أشرنا إلى ذلك لدى كلامنا عن البيت العتيق.
стр. 85
ولقد كان يوجد في الجزيرة العربية إلى جوار الوثنية واليهودية والمسيحية جماعات قليلة من المجوس وهم عبدة النار، والصابئون وهم عبدة الكواكب. ولقد ظلت هذه الديانات موجودة إلى أن جاء الإسلام وفيه الحجج الواضحة على تلك الديانات الباطنة والعقائد الفاسدة التي يصطدم بعضها ببعض، والتي تصطدم جميعًا بهذا الدين الحنيف، فأحق الله به الحق وأبطل الباطل: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ...
стр. 86
الفصل الثاني: من ميلاد الرسول ﷺ إلى بدء الدعوة الاسلامية
مبحث من ميلاد الرسول ﷺ
مدخل
...
الفصل الثاني: من ميلاد الرسول ﷺ إلى بدء الدعوة الإسلامية
يختلف المؤرخون حول اليوم الذي ولد فيه محمد بن عبد الله ﷺ ، بل وحول العام الذي ولد فيه كذلك، ولعل السر في هذا الخلاف أنه حينما ولد لم يكن أحد يتوقع له مثل هذا الخطر، ومن أجل ذلك لم تتسلط عليه الأضواء منذ فجر حياته. فلما أذن الله أن يبلغ الرسول ﷺ دعوته بعد أربعين سنة من ميلاده، أخذ الناس يسترجعون الذكريات التي علقت بأذهانهم حول هذا النبي، ويتساءلون عن كل شاردة وواردة من تاريخه، وساعدهم على ذلك ما كان يرويه الرسول ﷺ نفسه عن الأحداث التي مرت به أو مر هو بها منذ نشأته الأولى وكذلك ما كان يرويه أصحابه والمتصلون به عن هذه الأحداث.
وبدأ المسلمون -حينئذٍ- يستوعبون كل ما يسمعون من تاريخ نبيهم ﷺ لينقلوه إلى الناس على توالي العصور، ولكن مهما اختلفت الروايات في وقت ميلاده، فيكاد يجمع المؤرخون على أن الميلاد كان في النصف الأول من شهر
стр. 87
ربيع الأول وفي عام الفيل، ويرجع أن ذلك كان في صبيحة الاثنين١ الموافق ٩ من ربيع الأول قبل الهجرة النبوية بثلاثة وخمسين عامًا، وهو يوافق اليوم المكمل للعشرين من شهر أغسطس سنة ٥٧٠ بعد ميلاد المسيح ﵇.
ويذكرون عن نسب رسول الله ﷺ أنه: محمد بن عبد الله٢ بن عبد المطلب٣ بن هاشم٤ بن عبد مناف٥ بن قصي٦، ...
стр. 88
ابن كلاب١ بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر٢ بن مالك بن النضر٣ بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن نزار بن مضر بن معد بن عدنان.. ويمتد نسبه بعد ذلك إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉ ٤.
وأما نسبه من جهة أمه، فأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة.. ومعنى ذلك أن نسبه من جهة أبيه ومن جهة أمه يلتقيان في كلاب بن مرة، وهو الجد الخامس من جهة أبيه والرابع من جهة أمه.
وقد تناسل محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- من نكاح مشروع ولم يكن في أجداده من تلوث بسفاح الجاهلية٥. بل طهر الله أصوله تطهيرًا، ثم
اصطفاه بعد ذلك من هذه الأصول الطاهرة ليكون هدى ونورا ورحمة للعالمين، وفي ذلك يروي الإمام مسلم١ عن رسول الله ﷺ : "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
وكان عبد الله بن عبد المطلب قد تزوج من آمنة بنت وهب، وهي يومئذٍ من أفضل نساء قريش نسبًا، وأكرمهن ذكرًا، ولكن لم يمكث عبد الله مع زوجته إلا وقتًا قصيرًا ثم خرج في رحلة تجارية إلى الشام.
وقد شاء الله أن ترجع القافلة التجارية من الشام ويتخلف عبد الله بالمدينة عند أخواله من بني عدي بن النجار لشدة مرضه حيث أدركته الوفاة، وزوجته آمنة في شهور الحمل الأولى وكان عمره ثمانية عشر عامًا٢
стр. 91
ولما تم حمل آمنة ووضعت ولدها جاء البشير إلى جده عبد المطلب فأخبره بهذا النبأ العظيم ففرح عبد المطلب بهذه البشرى وأقبل مسرورًا وحمل الوليد الصغير بين يديه، وذهب به إلى الكعبة ليباركه. وتذكر الروايات أنه حينئذٍ أخذ يقول:
الحمد لله الذي أعطاني ... هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان ... أعيذه بالبيت ذي الأركان
أعيذه من شر ذي الغلمان ... من حاسد مضطرب العيان١
ثم سماه محمدًا، ولم يكن هذا الاسم شائعًا عند العرب قبل ذلك٢ ولكن
стр. 92
الله ألهم جده بهذه التسمية، وقال: سميته محمدًا ليكون محمودًا عند الله وعند الناس.
ويروون في ذلك: أن عبد المطلب قد رأى في نومه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض، وطرف في الشرق وطرف في الغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها، فقصها، فعبِّرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمدًا١.
وقد ذكرت بعض كتب السيرة أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وغاضت بحيرة ساوه، وانهدمت الكنائس التي حولها٢، وعبر عن
стр. 93
ذلك البوصيري في قصيدته المشهورة، فقال:
أبان مولده عن طيب عنصره ... يا طيب مبتدإ منه ومختتم
يوم تفرس فيه الفرس أنهم ... قد أنذروا بحلول البؤس والنقم
وبات إيوان كسرى وهو منصدع ... كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
والنار خامدة الأنفاس من أسف ... عليه والنهر ساهي العين من سدم
وساء "ساوه" أن غاضت بحيرتها ... ورد واردها بالغيظ حين ظمي
ويقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة: إن هذا الكلام تعبير غلط عن فكرة صحيحة، فإن ميلاد محمد ﷺ كان حقًّا إيذانًا بزوال الظلم واندثار عهده واندكاك معالمه.
وقد كانت رسالة محمد بن عبد الله أخطر ثورة عرفها العالم للتحرر العقلي والمادي١، وكان جند القرآن أعدل رجال وعاهم التاريخ وأحصى فعالهم في تدويخ المستبدين وكسر شوكتهم طاغية إثر طاغية، فلما أحب الناس -بعد انطلاقهم من قيود العسف- تصوير هذه الحقيقة، تخيلوا هذه الإرهاصات وأحدثوا لها الروايات الواهية٢، ومحمد ﷺ غني عن هذا كله، فإن نصيبه
стр. 94
الضخم من الواقع المشرف يزهدنا في هذه الروايات وأشباهها.
ونحن نزيد على ما قاله الشيخ الغزالي فنقول: إن معظم الكتب الأصلية في التاريخ والسيرة وكتب السنة الصحيحة لم تذكر هذه الإرهاصات فيما ذكرت من سائر الإرهاصات والمعجزات١ التي رويت عن الرسول ﷺ .
ومثل هذه الحوادث الخطيرة لا يمكن إغفالها إذا وقعت. ولو أن أعداء الإسلام رأوها لما أنكروها. بل كانوا يسجلونها في كتبهم التي أرخوا فيها لتلك الفترة ويقولون عنها: إنها ترجع إلى أسباب كونية وعوامل طبيعية، ويحاولون أن يلتمسوا لها أي تعليل يخرج بها عن إثبات الفضل لمحمد ﷺ ولدينه، ولكن شيئًا من ذلك لم يكن٢، وبهذا يصبح واضحًا أن مثل هذه الروايات لا تحمل من أسباب القوة٣ ما يجعلنا نطمئن إليها ونرجح وقوعها.
стр. 95
رضاعه:
وكان من عادة العرب أن يرضعوا أبناءهم خارج مكة، ويلتمسوا المراضع لهم في البادية حيث الجو الصافي المنطلق، حتى ينشأ الطفل صافي الذهن صحيح الجسم، فجاءت المرضعات يلتمسن الرضعاء في مكة فكان محمد بن عبد الله من نصيب حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، واسم زوجها أبو كبشة، وقد كان لرضاع محمد أثر محمود في حياتهم فاتسعت أرزاقهم بفضل الله ورحمته، وكان وجوده لديهم خيرًا وبركة١.
стр. 96
قصة حليمة السعدية:
قالت حليمة:
خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء بمكة على أتان لي
стр. 97
قمراء١، وفي سنة شهباء٢، لم تبق شيئًا، ومعه زوجي، ومعنا شارف لنا٣، والله ما ينبض٤ علينا بقطرة من لبن. ومعي صبي لي لا ننام ليلتنا من بكائه، ما في ثديي ما يغنيه.
فلما قدمنا مكة، لم تبق منا امرأة إلا عرض عليها رسول ﷺ فتأباه، وإنما كنا نرجوا كرامة الرضاعة من والد الولد -وكان يتيمًا- ونقول: يتيم ما عسى أن تصنع أمه به، حتى لم يبق من صواحبي امرأة إلا أخذت صبيًّا، غيري، فكرهت أن أرجع ولم أجد شيئًا وقد أخذ صواحبي.
فقلت لزوجي: والله لأرجعن إلى ذلك التيم، فلآخذنه، فأخذته ورجعت إلى رحلي.
فوالله ما هو إلا أن جعلته في حجري حتى أقبل عليه ثديي بما شاء من اللبن فشرب حتى روي، وشرب أخوه -يعني ابنها- حتى روي، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا بها حافل، فحلبها من اللبن ما شئنا، وشرب حتى روي وشربت حتى رويت، وبتنا ليلتنا شباعًا رواء وقد نام صبياننا، فقال زوجي: والله يا حليمة ما أراك إلا أصبت نسمة مباركة.
قالت: ثم خرجنا، فوالله لخرجت أتاني٥ أمام الركب، حتى إنهم ليقولون: ويحك كفّي عنا أليست هذه بأتانك التي خرجت عليها.
стр. 98
وكان ﷺ ، يشب في اليوم شباب الصبي في شهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة.
فبلغ سنة١، وهو غلام جفر٢.
فقدمنا على أمه فقلت لها وقال لها أبوه: ردي علينا ابني فلنرجع به، فإنا نخشى عليه وباء مكة. ونحن أضن شيء به مما رأينا من بركته.
قالت: فلم نزل بها حتى قالت: ارجعا به، فرجعنا به. فمكث عندنا شهرين، فبينا يلعب هو وأخوه يومًا خلف البيوت يرعيان بهمًا لنا، إذا جاءنا أخوه يشتد، فقال لي ولأبيه:
أدركا أخي القرشي، قد جاء رجلان، فأضجعاه، وشقا بطنه.
فخرجنا نشتد، فانتهينا إليه، وهو قائم منتقع لونه، فاعتنقه أبوه واعتنقته ثم قلنا: ما لك أي بني.
قال: أتاني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ثم شقا بطني، فوالله ما أدري ما صنعا. قالت: فاحتملناه ورجعناه به.
قال أبوه: يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلا قد أصيب، فانطلقي فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر ما به ما نتخوف.
قالت: فرجعنا به.
فقالت أمه: ما يردكما به، فقد كنتما حريصين عليه.
стр. 99
فأخبراها القصة.
فطمأنتهما آمنة قائلة: إن لابني هذا لشأنًا، فلم أكن أحس أثناء حلمه بشيء مما تجد الحوامل، وقد رأيت وأنا أحمله كأن نورًا خرج مني فأضاء لي قصور الشام١.
ثم طلبت إليها أن تعود به إلى البادية مرة ثانية.
فعادت به حليمة، وظل معها حتى قارب الخامسة من عمره٢.
وتروي كتب السنة والسيرة وقوع هذه الحادثة للرسول ﷺ ليلة الإسراء والمعراج.
فلقد روى الإمام أحمد والإمام مسلم٣ عن الرسول ﷺ أنه قال: "فرج
стр. 100
سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب مملوء حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري ثم أطبقه".
ويختلف رأي العلماء في معنى شق الصدر، فيذهب البعض منهم إلى أنه شق حقيقي وأنه معجزة وقعت مرتين: مرة قبل البعثة، ومرة بعدها، فأما قبل البعثة فلكي تكون إرهاصًا للنبوة، وبشيرًا بما ينتظر لمحمد ﷺ من مركز كبير ومقام كريم، وأما بعد البعثة فلكي تكون معجزة تضاف إلى المعجزات الأخرى التي كرم الله بها نبيه ﷺ والتي تؤيد صدقه في دعواه١.
ويذهب البعض الآخر إلى أن حادث شق الصدر لم يقع حقيقة وإنما يقصد منه ما يفهم من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ٢ فهي بذلك تكون إشارة إلى
стр. 101
تطهير الرسول ﷺ من الشوائب التي توجد في نفوس الناس، والسمو به إلى درجة عالية من الطهارات النفسية والخلقية.
وممن يرون هذا الرأي -من علماء هذا العصر- الشيخ محمد الغزالي١ في كتابه فقه السيرة فلقد جاء فيه: إن بشرًا ممتازًا كمحمد ﷺ لا تدعه العناية غرضًا للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس.
فإذا كانت للشر موجات تملأ الآفاق. وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها والتأثر بها، فقلوب النبيين -بتولي الله لها- لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتز لها، وبذلك يكون جهد المرسلين في متابعة الترقي لا في مقاومة التدلي، وفي تطهير العامة من المنكر لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من لوثاته ...
عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" ٢.
ثم يقول: ولعل أحاديث شق الصدر تشير إلى هذه الحصانات التي أضفاها الله على محمد ﷺ فجعلته من طفولته بنجوة قصية عن مزالق الطبع الإنساني ومفاتن الحياة الأرضية، وقد أورد الخازن في تفسيره القصة الأولى -أيام الرضاعة- عند تفسيره لقول الله :
стр. 102
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ١.
وشرح الصدر الذي عنته الآيات ليس نتيجة جراحة يجريها ملك أو طبيب! ويحسن أن نعرف شئيًا عن أساليب الحقيقة والمجاز التي تقع في السُّنة.
عن عائشة: "أن بعض أزواج النبي ﷺ قلن: يا رسول الله أينا أسرع بك لحوقًا؟ قال: "أطولكن يدًّا، فأخذن قصبة يذرعنها فكانت سودة أطولهن يدًّا"، فعلمنا بعد أنما كان طول يدها: الصدقة، وكانت تحب الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقًا به"٢.
стр. 103
ونحن نقول: إن محمدًا ﷺ لم تدعه العناية غرضًا للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس، وإنه لو لم يقم الملكان بشق صدره لما كان أبدًا غرضًا للوساوس، بل لكان مثله كمثل جميع الرسل الذين اصطفاهم الله من عباده وطهر قلوبهم من الوساوس دون أن تشق صدورهم.
وإنما أراد الله بهذه الحادثة الفريدة في نوعها أن تتوجه الأنظار والقلوب إلى محمد ﷺ في طفولته وبعد بعثته. ويعرف الناس عنه أن عناية خاصة تحيط به وتميزه عن غيره، وأن العناية التي أحيت الموتى وأبرأت الأكمه والأبرص على يدي المسيح ﵇ هي العناية التي شقت صدر محمد ﷺ ثم أرجعته في لحظات إلى حالته الطبيعية. وهذا شأن المعجزات التي لا تخضع ولا ترتبط بالأسباب العادية.
ولا ينبغي بأي حال أن تحمل القصة على أنها من الأساليب المجازية، لأن سياق القصة والتعبير بلفظ: "جاءني رجلان عليهما ثياب بيض"، وكلمة "فأضجعاني وشقا بطني"، وفرار أخيه من الرضاعة فزعًا مما رأى، ومجيء السيدة حليمة هي وزوجها بعد أن أخبرهما ولدهما بما أصاب أخاه محمدًا ﷺ ومقابلتهما لمحمد ﷺ وهو منتقع لونه، وحكايته للقصة مرة ثانية بنفس هذه
стр. 104
الألفاظ- كل ذلك يجعل الحقيقة في هذه القصة واضحة لذي عينين، ويبعد بها عن الأسلوب المجازي بعد المشرقين.
وإذا كان بعض المستشرقين ينكر هذه الحادثة لأنها تعتمد على رواية طفلين لا يصح الأخذ بقولهما، فإننا نرى أن رواية الأطفال كثيرًا ما تكون بعيدة عن الكذب والاختلاق أكثر من رواية الرجال.
ومع ذلك فقد تحدث الرسول ﷺ عن هذه الحادثة بعد البعثة حينما كان يسترجع ذكريات الطفولة ويقصها على أصحابه، وأخبر عن المرة الثانية التي وقعت له في ليلة الإسراء والمعراج١.
وإذن فالرأي الذي نرتضيه هو أن حادث شق الصدر قد وقع بطريقة حسية، وأنه من الإرهاصات التي تبشر بنبوة محمد ﷺ وتسلط الأضواء عليه قبل النبوة، إذ ليس هناك ما يمنع من ذلك ما دمنا نؤمن بالعناية الإلهية التي تصاحب الأنبياء منذ فجر حياتهم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
стр. 105
عهد الطفولة والشباب:
وهو العهد الذي يبدأ منذ رجع محمد ﷺ من بادية بني سعد، وهو في الخامسة من عمره إلى أن بلغ أشده، وبلغ أربعين سنة ونزل عليه الوحي ليكون رسولًا نبيًّا، وقد مرت بمحمد ﷺ في هذه الحقيقة أحداث كثيرة تركت في نفسه أعظم الآثار، فكان يذكرها بعد النبوة ويتحدث عنها حديث الحب والشوق أو حديث الألم والحزن أو حديث الإعجاب والتقدير، فمن ذلك سفره مع أمه إلى
стр. 106
يثرب، وهو في السادسة من عمره لزيارة أخوال جده من بني عدي بن النجار١.
وفي هذه الرحلة رأى محمد ﷺ قبر والده عبد الله في يثرب، فانطبعت في نفسه معانٍ عميقة ظل يشعرها طول حياته، ثم رأى والدته وهو عائد من يثرب إلى مكة يتخطفها الموت وتغيب عن عينيه في أعماق الثرى، ولا يرى معه في هذا الظرف العصيب إلا جاريته أم أيمن تضرب في البيداء المترامية، وبين الظلمات المتكاثفة من الخوف والحزن الذي ألم به بعد فراق أمّه الرءوم حتى تعود به إلى جده عبد المطلب فيتسلمه.
ومنذ أن عاد محمد ﷺ إلى جده العظيم عبد المطلب بدأت تزول مخاوفه وأحزانه، لأنه رأى من عطفه وحنانه ما أنساه ألم اليتم وعوضه عن فقد والديه. ويذكر الرواة من مظاهر هذا العطف والحنان أن عبد المطلب كان له فراش في ظل الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ولا يجرؤ أحد أن يجلس عليه إجلالًا له واحترامًا، وكان محمد ﷺ يأتي وهو غلام حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عن فراش جده، فيقول عبد المطلب حين يرى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنًا. ويجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما كان يصنع٢.
стр. 107
ولكن القدر لم يمهل عبد المطلب بعد وفاة آمنة سوى عامين ثم أدركته المنية ومحمد ﷺ لا يزال في الثامنة من عمره ١، وقد فزع محمد لفراق جده، وامتلأت نفسه بالحزن العميق حتى لقد لفت هذا الحزن أنظار الناس وهم يشيعون عبد المطلب إلى مقره الأخير حيث كانوا يرون محمدًا -وهو الطفل الصغير- يمشي في جنازة جده مطرق الرأس موزع الفكر دائم البكاء ٢.
ومن ذلك سفره إلى الشام مع عمه أبي طالب الذي كفله بعد وفاة جده، وكان خير المثال للعمومة الكريمة والأبوة الرحيمة.
وفي هذا الطريق التقى محمد ﷺ براهب نصراني يقال له: بحيرا، وكان محمد ﷺ حينئذٍ في الثانية عشرة من عمره، وكان ذلك بالقرب من بصرى وهي قرية في الحدود بين الشام وبلاد العرب. ويقال إن هذا الراهب أخذ يسأل محمد ﷺ عن كثير من أحواله، وإن محمدًا ﷺ أخبره عن كل ما سأل عنه. فوجد هذا الراهب أن هذه الأوصاف هي أوصاف النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل.
وحينئذٍ قال لعمه أبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: إنه ابني.
فقال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًّا.
قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت.
стр. 108
وقد نصح هذا الراهب أبا طالب بألا يوغل بمحمد ﷺ في بلاد الشام خوفًا عليه من أذى اليهود وشرهم إذا رأوا فيه تلك الأمارات التي تدل على أنه النبي المنتظر١.
стр. 109
ولا شك أن هذه الرحلة كان لها أثر كبير في حياة الرسول ﷺ فلقد وسعت أفقه وزادت من تجاربه، وفتحت بين يديه أبوابًا من الأمل الواسع في مستقبل عظيم ومجد كبير.
ومن ذلك شهوده حرب الفجار وحلف الفضول.
أما حرب الفجار فقد شهدها محمد ﷺ مع أعمامه وكان عمره خمسة عشر عامًا١، فكان يناول أعمامه السهام أحيانًا ويقاتل معهم أحيانًا أخرى.. وكانت هذه الحرب بين كنانة وقيس.
وقد انضمت قريش إلى كنانة دفاعًا عن قداسة الأشهر الحرم ومكانة أرض الحرم، واستمرت هذه الحرب أربعة أعوام، ثم انتهت بالصلح بين الفريقين٢.
وأما حلف الفضول، فهو ميثاق كريم يدعو إلى الدفاع عن الحقوق وحماية المستضعفين. وقد عقدته قريش بعد رجوعها من حرب الفجار في دار عبد الله ابن جدعان بمكة، وتعاهدت فيه أن تحمي الضعفاء والمظلومين حتى يأمن كل إنسان على ماله وعياله، وقد رفع هذا الحلف مكانة قريش بين قبائل العرب،
стр. 110
وكان محمد ﷺ وقت حضوره هذا الحلف في العشرين من عمره١.
وقد ترك هذا الحلف العظيم في نفس محمد ﷺ أعمق الآثار، لأنه حلف إنساني يدعو إلى الخير ومكارم الأخلاق، ثم تحدث ﷺ عنه بعد البعثة فأثنى عليه وقال: "لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في دار عبد الله بن جدعان ما أود لو أن لي به حمر النعم ٢، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت" ٣.