← Сира

Сира · id 8530

القول المبين في سيرة سيد المرسلين

محمد الطيب النجار

Полный текст (529 стр.). Показаны 491–529 · переход к 496.

стр. 491

يخلي مكان الإمامة للرسول ﷺ وظن أنه يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتنوا بصلاتهم فرحًا برسول الله ﷺ ولكن الرسول ﷺ أشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل إلى الحجرة وأرخى الستر على الباب١. ثم بدأت اللحظات الأخيرة في حياة الرسول ﷺ وكان الرسول ﷺ في هذه الساعة الفاصلة يغدو ويروح بفكره متنقلًا في أرجاء الماضي العظيم الذي انطوت أيامه، بما اشتملت عليه من جلائل الأعمال، فيراه بين يديه نورًا يضيء جنبات نفسه، ويكشف أيامه الحجب المغيبة والغيوب المحجوبة٢، ويريه مقعده الخالد في جنة الخلد، فيتطلع ببصره إلى السماء ويقول: "بل الرفيق الأعلى من الجنة" ٣. وتتحدث السيدة عائشة ﵂ عن هذه اللحظة التي التقى فيها الرسول ﷺ بربه فتقول: وجدت رسول الله ﷺ يثقل في حجري فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: "بل الرفيق الأعلى من الجنة". فقلت خيرت فاخترت والذي بعثك بالحق. وقبض رسول الله ﷺ بين سحري٤ ونحري.

стр. 492

وهكذا ترجع النفس المطمئنة إلى ربها راضية مرضية لتدخل في عباده، وتدخل جنته ... وهكذا تنتهي حياة الرسول ﷺ ولكن لتبدأ من جديد في مبادئ الإسلام الخالدة، وكتاب الله الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ١. وبذلك يكون الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- قد مضى في هذه الدنيا ثلاثًا وستين سنة قمرية وثلاثة أيام٢، وهو يوازي بالسنين الشمسية واحدًا وستين عامًا وأربعة وثمانين يومًا.. وقد كانت الوفاة في ضحى يوم الاثنين ١٣ ربيع الأول ١١هـ ٨ يونيو سنة ٦٣٣م.

стр. 493

موقف المسلمين من وفاة الرسول ﷺ : وكان من الطبيعي أن يقع هذا النبأ الأليم في نفوس المسلمين موقع الصاعقة، وأن تصطدم به قلوبهم صدمة عنيفة بلغ من عنفها أن ابتلي بها بعض المؤمنين وزلزلوا زلزالًا شديدًا، حتى كذب بعضهم هذا النبأ١، وصمت البعض عن الكلام فكان يذهب ويجيء ولسانه معقود، وخلط البعض في كلامهم فكانوا يهرفون بما لا يعرفون. وكان عمر بن الخطاب ﵁ فيمن كذب بموت الرسول ﷺ فخرج على الناس وقال: إن رسول الله ﷺ لم يمت، وإنه سوف يرجع ليقطع أيدي وأرجل رجال من المنافقين يتمنون لرسول الله ﷺ الموت. وإنما واعده الله -عز

стр. 494

وجل- كما واعد موسى وهو آتيكم. وفي رواية أخرى أنه قال: أيها الناس كفوا ألسنتكم عن رسول الله ﷺ فإنه لم يمت. والله لا أسمع أحدًا يذكر أن رسول الله ﷺ قد مات إلا علوته بسيفي هذا١. لم يكن أحد من المسلمين في مثل حال العباس وأبي بكر ﵄ فإن الله أيدهما بالتوفيق والرضا والاطمئنان بما قضى الله. فأما أبو بكر فإنه لما بلغه الخبر دخل على رسول الله ﷺ فكشف عن وجهه، وقبل جبينه وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي. طبت حيًّا وميتًا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء٢، فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء، ولولا أن موتك كان اختيارًا منك لجدنا لحزنك بالنفوس، ولولا أنك نهيتنا عن البكاء٣ لأنفدنا عليك ماء العيون، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وادكار يتحالفان ولا يبرحان. اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك، فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة. ثم خرج٤ أبو بكر بعد ذلك إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

стр. 495

ثم تلا قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ١. وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢. وهنا أفاق عمر ﵁ ورجع إليه صوابه فقال: فكأني لم أكن تلوت هذه الآية قط. وقد مكث ﵊ في بيته بقية يوم الاثنين وليلة الثلاثاء ويومه. ثم دفن ليلة الأربعاء، بعد أن انتهى المسلمون من اختيار أبي بكر للخلافة. وكان الذي تولى غسله علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب وابناه الفضل وقثم، وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله ﷺ .. وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة٣. ولما فرغوا من تجهيزه وضع على سريره في بيته، ودخل الناس عليه أرسالًا متتابعين يصلون عليه، ولم يؤمهم أحد٤. ثم حفر له لحد في حجرة عائشة حيث كانت وفاته٥، وأنزله القبر: علي،

стр. 496

والعباس وولداه الفضل، وقثم، ورش بلال قبره بالماء ورفع القبر عن الأرض بمقدار شبر١. وهكذا كانت حياة النبي ﷺ وهكذا كانت وفاته، وإن في ذلك لعبرة بالغة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وصدق الله العظيم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ ٢. فصلوات الله وسلامه عليك يا رسول الله، ويا خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد الخلق أجمعين.

стр. 497

الفصل الثامن: أزواج النبي ﷺ يثير هذا الموضوع أهمية بالغة لدى العلماء والمفكرين من المسلمين وغير المسلمين، وذلك لما يبدو فيه من شذوذ١ يبعث على العجب، وغرابة تدعو إلى التساؤل: متى كان نبي الإسلام ﷺ يتميز عن غيره من المسلمين، ويبيح لنفسه ما يحرمه على غيره؟ ولماذا يكون عدد الزوجات محدودًا بأربع لجميع المسلمين، وتقيد الزيادة عن واحدة بشروط خاصة وفي أحوال خاصة، بينما الرسول ﷺ وحده هو الذي يتمتع بحرية مطلقة في هذا المجال. وقد انتهز المفكرون٢ من الأجانب هذه الفرصة وحسبوا أنها نقطة ضعف تشين محمدًا -صلوات الله وسلامه عليه- فأخذوا يوجهون سهامهم المسمومة، ويطعنون في خلق الرسول ﷺ ويشوهون من تاريخه الحافل بالفضائل ويقولون: إنه رجل تسيطر عليه الشهوة الجنسية وتملك زمامه، وإنه حينما وجد أن تقييد عدد الزوجات بأربع لا يطفئ غلته ولا يرضي إربته أطلق لنفسه العنان كما يشاء، فجمع إلى عصمته هذا العدد الضخم من النساء. وكان من واجب المسلمين الذين يتصدون للكتابة عن تاريخ الرسول ﷺ أن يجلوا غواشي الشك في مثل هذه النقطة الغامضة حتى لا تضل فيها الأفهام وتزل

стр. 498

بها الأقدام. وقد نشطوا لذلك -والحمد لله- على توالي العصور والأزمنة، وبينوا الدوافع القوية التي كانت تحيط بزواج الرسول ﷺ من كل واحدة من زوجاته الكثيرات، والتي كانت تجعل هذا الزواج هادفًا إلى المصلحة العامة دون سواها. وأقاموا حجتهم على دعائم قوية من المنطق السليم فتتبعوا تاريخ محمد ﷺ وما عُرف عنه من العفة والطهارة في كل فترة من فترات حياته بشهادة أعدائه قبل أصدقائه، وكيف مرت عليه فترة الشباب الحرجة دون أن يتزوج، ولم يعرف عنه خلال هذه الفترة ما عرف عن الكثير من أترابه ولداته، من النزق والطيش والانحراف العابث، بل كان في كل أحواله وظروفه مضرب المثل في الخلق الكريم والمسلك القويم، وبعد أن تزوج من السيدة خديجة وكانت قد بلغت الأربعين١، وهو سن يعفّ عنه الكثير من الشباب، كان محمد صلوات الله وسلامه عليه راضيًا بها ومطمئنًا لها، وسعيدًا بالمعيشة معها، لأنه لا يطلب من الزوجة إلا الإخلاص والوفاء، وقد وجد في زوجته خديجة الغاية المرجوة من الإخلاص والوفاء. وهكذا ظل الرسول ﷺ مع زوجته خديجة حتى بلغ من العمر خمسين عاما، ثم توفيت السيدة خديجة فتزوج الرسول ﷺ سائر نسائه في العقد السادس من حياته، وفي مثل هذا العمر تضعف الغريزة الجنسية حتى لدى الأشخاص العاديين الذين لا يرهقهم التفكير. فما ظنكم بمن حمل الأمانة الكبرى، ووُسدت له الإمامة الكبرى، ومن استغرقت رعيته وأمته كل دقيقة من تفكيره وكل لحظة من حياته؟ وماذا يمكن أن يبقى له من الطاقة حتى يصرفها في ملذاته، أو يقسمها على سائر زوجاته؟ ولكن هذا المنطق السليم لم يقنع هؤلاء السادرين في الغي والضلالة فضلوا

стр. 499

على موقهم من نبي الإسلام ﷺ يطلقون حوله التهم الكاذبة والأراجيف الباطلة. فماذا يمكن أن يُقال لمثل هؤلاء ما دام الحقد على نبي الإسلام ﷺ قد أكل قلوبهم؟ إلا أننا سنقول لهم، وبحق ما نقول: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ ... ويشتكي الفم طعم الماء من سقم إننا نقول لهم ذلك ما داموا لا يؤمنون بالقضايا المنطقية. فإذا تجاوزنا ذلك كله فليس يعيبنا أن نقول: إن هذه خصوصية للرسول ﷺ وقد أباح الله له ذلك تأليفًا لقلوب القبائل التي يتصل بها برابطة النسب، وحتى لا ينحصر شرف الاتصال بالرسول ﷺ في دائرة محدودة، وحتى يتسع المجال لنشر الإسلام في أكبر عدد من قبائل العرب ممن يرتبطون بمصاهرة الرسول ﷺ . وحينما نزلت الآية الكريمة التي تقول: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ١. حينما نزلت هذه الآية كان لا بد من تطبيقها على جميع المسلمين عدا رسول الله ﷺ . وكان من يدخل في الإسلام يطلق ما يزيد على أربع من زوجاته إن كان تحت يده عدد أكبر؛ حتى إن غيلان الثقفي أسلم وتحته عشر نساء، فتخلص مما زاد على أربع منهن٢.

стр. 500

وسواء أكانت هذه الآية قد نزلت قبل أن يزيد عدد نساء الرسول ﷺ عن أربع أو نزلت بعد أن زاد عددهن، فإن المعروف أن الرسول ﷺ قد ظل غير مقيد بعدد خاص، حتى نزل قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ ١. فلم يتزوج بعد ذلك. وحينما لحق بربه كان في عصمته تسع نساء، فماذا عسى أن يكون موقف الرسول ﷺ من هؤلاء الزوجات؟ إن أزواج الرسول ﷺ من أمهات المؤمنين، وقد أنزلهن الله هذه المنزلة السامية فقال سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ٢. وقد جعل الله من كرامة الرسول ﷺ عنده ألا تتزوج واحدة من نسائه من بعده، فتحرم على الناس ذلك بقوله سبحانه في نفس السورة: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ ٣. وإذا كان الله قد حرَّم على نساء الرسول ﷺ أن يتزوجن من بعده فكيف يطلق الرسول ﷺ النساء الزائدات عن الأربع ويقضي عليهن بالترمل أبدًا، بينما يباح الزواج لأية امرأة إذا طلقها زوجها؟

стр. 501

إن من حق زوجة الرسول ﷺ وهي أم المؤمنين أن تظل طول حياة الرسول ﷺ لابسة هذا الثوب الكريم الذي جمَّلها الله به تعويضًا لها عما يمكن أن يصادفها من حرمان لا تتعرض له غيرها من سائر زوجات المسلمين بعد وفاة أزواجهن. وقد قضى الله بذلك حيث قال لرسوله ﷺ : ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ ١. فهذه الآية تقضي بألا يزيد الرسول ﷺ في عدد زوجاته٢، وألا يبدل زوجة بأخرى مهما كانت الظروف والأحوال٣. ونعود فنقول لهؤلاء المرجفين الذين يتهمون النبي ﷺ بأنه رجل شهواني: رويدكم أيها المضللون وحسبكم. إن الرجل الشهواني لا يطيق أن يصبر على عدد معين من النساء، لأن يرى لذته في أن ينتقل من زوجة إلى زوجة فيقضي مع هذه أسبوعًا أو شهرًا، ثم يبحث عن أخرى ليقضي معها الوقت الذي يليه، وذلك أمر ميسور للأشخاص العاديين الذين يستجيبون لشهواتهم. فنرى الرجل منهم إذا أراد أن يتزوج بامرأة أعجبه حسنها، وكان تحت يده أربع نساء يطلق الرابعة، ثم يتزوج بمن يشاء وتظل هذه العملية تتكرر كلما صرخ سعار الشهوة في نفسه، وبهذه الطريقة

стр. 502

يستطيع أن يتزوج بتسعين امرأة لا بتسع نساء. ولا بد لنا الآن أن نذكر كلمة موجزة عن الأسباب التي دفعت الرسول ﷺ إلى الزواج بسائر زوجاته: فأما السيدة خديجة بنت خويلد، وهي أولى زوجاته، فقد تعرضنا للحديث عن زواج الرسول ﷺ منها في الفصل الثاني من هذا الكتاب. وأما السيدة سودة بنت زمعة فقد كانت زوجة لرجل يقال له السكران بن عمرو، وقد أسلمت مع زوجها وهاجرا معًا إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فلما مات زوجها وعادت إلى مكة كان أهلها لا يزالون على الشرك، وخشي الرسول ﷺ أن يفتنوها عن دينها، فآثر الزواج بها؛ حمايةً لها من الفتنة وخوفًا عليها مما يمكن أن يلحقها من الأذى والعذاب١. وأما السيدة عائشة بنت أبي بكر فهي بنت الصاحب الأمين والصديق الصادق للرسول ﷺ . وقد كان زواج الرسول ﷺ لها، أعظم أمنية يتمناها أبو بكر ﵁ وتسعد بها نفسه، وكان من أعز أماني الرسول ﷺ أن يستجيب للرغبة التي تمتلئ بها نفس صاحبه الوفي المخلص٢. ولقد زاد هذا الزواج في توثيق الرابطة القوية التي كانت بين الرسول ﷺ وصاحبه، وكانت عائشة ﵂ بما وهبها الله من ذكاء وفطنة وعقل راجح وجمال في الخُلق والخَلق، من أقوى الأسباب في تدعيم هذه الصحبة والأخوة النادرة المثال. وأما السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب: فقد كان زواج الرسول ﷺ لها جبرًا

стр. 503

لخاطر صاحبه الكريم عمر، وغسلاً لما لحقه من إهانة بسبب ابنته. ذلك بأنها متزوجة من ابن حذافة وكان قد شهد بدرًا وأصيب فيها. وقد مات بعد هذه الغزوة، فلما انقضت عدتها عرضها عمر على أبي بكر فسكت. وفي عرض عمر لابنته وهو العربي الأبي على أبي بكر دليل الثقة المطلقة. وفي سكوت أبي بكر طعنة اشتد وقعها على عمر، فشكا ذلك للرسول ﷺ بعد أن عرض عمر على عثمان أن يتزوجها بعد موت زوجته رقية بنت الرسول ﷺ فاعتذر عثمان. وكان اعتذاره بعد موقف أبي بكر طعنة ثانية اشتد وقعها على عمر. فشكا ذلك للرسول ﷺ فقال له الرسول ﷺ : يتزوج حفصة من هو خير من عثمان. ثم تزوجها الرسول ﷺ في السنة الثالثة من الهجرة، فأكرم بهذا الزواج صاحبه عمر، كما أكرم أبا بكر قبله بزواج عائشة١. وأما زينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية: فقد تزوجها رسول الله ﷺ على رأس واحد وثلاثين شهرًا من الهجرة، وكانت تُسمى في الجاهلية أم المساكين لبرها بهم وإطعامها لهم. ولما كان زوجها ممن استشهدوا في يوم بدر ولم يكن لها من بعده من يعولها، فقد تزوجها الرسول ﷺ ليضرب المثل لأصحابه في التضحية، كي يقتدوا به في الزواج من أمثالها ممن فقدن أزواجهن في سبيل الله، وقد كانت كبيرة السن ولم تمكث مع الرسول ﷺ سوى ثمانية أشهر ثم لحقت بربها٢.

стр. 504

وأما جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية: فقد كانت من سبايا بني المططلق وكان أبوها سيد قومه. وقد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها على مبلغ من المال ثمنًا لحريتها، فألجأتها الضرورة إلى أن تسأل أهل المروءة واليسار لجمع هذا المال، وكان رسول الله ﷺ ممن لجأت إليهم في ذلك، فنظر إليها الرسول ﷺ نظرة عطف وحنان، وأحس نحوها بشفقة بالغة وقال لها: "هل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي عنك كتابتك وأتزوجك" ١. فقبلت هذا العرض الكريم الذي يعلي قدرها ويرد كرامتها. وتزوجها الرسول ﷺ فكان زواجها خيرًا وبركة على سائر قومها. وذلك أن أصحاب الرسول ﷺ بعد أن علموا بهذا الزواج تسابقوا في إطلاق سراح السبايا والأسرى من بني المصطلق وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ بين أيدينا حتى لقد أعتقوا أهل مائة بيت من قومها. فأسلم بنو المصطلق جميعًا، وعرف الناس جمعيا مدى الأثر الحميد الذي ترتب على هذا الزواج٢. وأما زينب بنت جحش: فهي بنت عمة الرسول ﷺ وحفيدة جده عبد المطلب، وقد تزوجت أول الأمر من زيد بن حارثة وهو الابن المتبنى للرسول ﷺ فلما قضى زيد منها وطرًا زوجها الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه. وكانت زينب غير موافقة على زواجها من زيد بن حارثة، ولكن كانت رغبة.

стр. 505

الرسول ﷺ قوية في ذلك. وقد أيَّد الله رسوله ﷺ في إتمام هذا الزواج حيث نزلت الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ ١. فوافقت زينب على الزواج من زيد بعد نزول هذه الآية. ولكن طبيعتها العربية كانت تتأبى عليها أن ترى في زيد كُفئا لها ولذا ساءت العشرة بينهما، وكان زيد كثيرًا ما يشتكي للرسول ﷺ من إساءتها إليه فيقول له الرسول ﷺ : "أمسك عليك زوجك واتقِ الله" ٢. ولما بلغ الأمر بزيد نهايته ولم يعد في قوس الصبر منزع كما يقولون طلقها زيد، وزوجها الله لرسوله ﷺ أي أمره بالزواج منها، وكان ذلك لحكمة تشريعية جليلة، وهي إبطال تلك العادة الفاسدة التي كانت تُحرم زواج المتبنِّي بزوجة ابنه المتبنَّى، وذلك لأن هذه البنوة ادعائية فلا يمكن أن تترتب عليها آثار البنوة الحقيقية٣. أما ما ذهب إليه بعض المستشرقين من قولهم إنَّ محمدًا ﷺ ذهب إلى بيت زيد، فرأى زوجته في ثياب بيتها فوقع حبها في قلبه، وأن زيدا حينما أحس برغبة الرسول ﷺ في الزواج منها أراد أن يطلقها، فتظاهر الرسول ﷺ بالرفض وقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله٤، ولكنه كان يخفي في نفسه من حبها

стр. 506

ورغبته فيها ما أبداه الله وأظهره فعلاً. وكان بهذا يخشى الناس في عدم إظهار حبها ... إلخ. فهذا كلام يتجافى مع سياق الآية الكريمة: لأن ختام الآية يُظهر السر في إرادة الله لهذا الزواج الذي ألزم الله به نبيه ﷺ فهو يقول: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ ١. والواقع أن الله أراد أن يجعل من زينب بنت جحش ﵂، تطبيقًا عمليًا لمبدأ من مبادئ الإسلام يهدم ما كان عليه العرب في الجاهلية، وهو أن زوجة الابن المتبنَى لا تحرم بعد طلاقها على الوالد المتبنِّي، فقضى بأن يتزوج زيد من زينب على الرغم من رفضها من مبدأ الأمر، واضطرارها للموافقة بعد نزول الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٢، إلخ الآية. ثم قضى بأن يتزوجها الرسول ﷺ بعد طلاق زيد لها. وأما قوله تعالى ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ، فليس معناه أنه كان يخفي حبها في نفسه ولا يظهر الحقيقة لزيد. وإنما يقصد به أنه كان يخفي أمر الله له بالزواج منها، ويخشى الناس. أي يخشى قول الناس تزوج محمد من زوجة متبناه٣، ويؤكد ذلك قول الله تعالى ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ، أي ألزمناك بالزواج

стр. 507

منها، مع خوفك من عواقب هذا الزواج وعدم رغبتك فيه. وأما أم سلمة: فهي هند بنت أبي أمية المخزومية. وقد كانت قبل زواجها الرسول ﷺ زوجًا لعبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وهو من المسلمين السابقين، وقد هاجرت إلى المدينة وتحملت كثيرًا من المتاعب والآلام، وكانت أول مسلمة هاجرت في سبيل الله. وقد أُصيب زوجها في غزوة أُحد ثم مات شهيدًا، فعزاها رسول الله ﷺ قائلاً: "سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك ويخلفك خيرًا". قالت: ومن يكون خيرا من أبي سلمة١. وقد خطبها كل من أبي بكر وعمر فلم تقبل، فخطبها الرسول ﷺ وتزوجها تكريمًا لجهادها، وإعانة لها على تربية أولادها، وقد كانت من أفضل أمهات المؤمنين. وأما صفية بنت حيي بن أخطب: فقد كانت من يهود بني النضير، وقد قُتِل أبوها مع بني قريظة، وقتل زوجها في خيبر. فاصطفاها الرسول ﷺ وأعتقها وتزوجها، وقد أسلمت وأسلم بإسلامها كثيرٌ من أهلها٢. وكانت تتصل في نسبها بهارون ﵇. ولا شك أن شرف نسبها هو الذي دفع الرسول ﷺ إلى الزواج منها؛ صيانةً لها عن هوان الرِّق ومذلته. وكان رسول الله ﷺ يحافظ على شعورها وكرامتها. ومن ذلك ما روي من أن عائشة وحفصة ﵄

стр. 508

قالتا: نحن أكرم على رسول الله ﷺ منك. فشكت ذلك للرسول ﷺ فقال لها: ألا قلت لهما وكيف تكونان خيرًا مني وزوجي محمد وأبي هارون وعمي موسى١؟ وما روي من أن السيدة زينب أم المؤمنين لقبتها مرة باليهودية، فهجرها رسول الله ﷺ شهرين كاملين عقوبة لها وتأديبًا٢. وأما أم حبيبة: فهي رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب، وقد أسلمت هي وزوجها عبد الله بن جحش، وكانا من المهاجرين إلى الحبشة حينما اضطهد المسلمون في مكة. ولكن زوجها غلبت عليه شقوته، فضل السبيل، وارتدَّ عن الإسلام. أما هي فبقيت ثابتة على عقيدتها، وضربت بذلك مثلاً عاليًا في الشجاعة والتضحية والإخلاص لله ورسوله ﷺ وكان لا بد من إنقاذها من هذه المحنة وهي دار الغربة، بعيدة عن كل عون ومساعدة. فكتب النبي ﷺ إلى النجاشي ليزوجها له، فعقد له عليها بالحبشة ودفع لها الصداق نيابة عنه، وتولى عقدها خالد بن سعيد بن العاص وكان ابن عم أبيها٣. ثم رجعت إلى المدينة سنة سبع من الهجرة لتأخذ مكانها بين أمهات المؤمنين. وأما ميمونة بنت الحارث الهلالية: فقد تزوجها رسول الله ﷺ وهو في طريقه

стр. 509

لعمرة القضاء، سنة سبع من الهجرة، وذلك تأليفًا لقلوب أهلها إلى الإسلام. وقد تم ذلك بالفعل فأسلم كثير منهم؛ نتيجةً لهذا الزواج، وهي آخر امرأة تزوجها الرسول ﷺ وقد قالت عنها السيدة عائشة: أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم. وكفى بهذه الشهادة من عائشة فخرًا لها وشرفًا١. وأما مارية القبطية: فهي جارية أهداها المقوقس حاكم مصر للرسول ﷺ وقد اتخذت مكانتها بين زوجات الرسول ﷺ وولدت له إبراهيم٢. وبعد وضوح الأسباب التي أدت إلى زواج الرسول ﷺ بهذا العدد من النساء، والظروف التي حتمت هذا الزواج، وجعلته أساسًا لجمع الشمل وتأليف القلوب، يتبين لنا إلى أي حد يحاول أعداء الإسلام أن يلصقوا بالرسول ﷺ من الأكاذيب والمفتريات ما هو منه براء.

стр. 510

الفصل التاسع: من معجزات الرسول ﷺ وشمائله كانت حياة الرسول ﷺ في هذه الدنيا كالشجرة الطيبة التي ثبتت أصولها، وانبسطت ظلالها، وآتت ثمارها المباركة في وقت وحين، بل كالمشكاة النيِّرة التي يتألق ضوؤها ذات اليمين وذات الشمال وفي كل مجال، ويهدي الله بها من يشاء من عباده. فلما قضى الله على رسوله ﷺ أن يلحق بالرفيق الأعلى ويوضع جسده الطاهر في باطن الأرض، رجع الناس بسيرته نورًا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. وسوف يظل هذا النور هداية للناس ورشادًا، ما دامت السموات والأرض وما بقي الوجود كله. وإنه لحق علينا -نحن المسلمين- أن ننتفع بهذا النور المبين، وأن نحسن استغلاله، بدل أن تعشى أبصارنا فيلتوي بنا القصد ويضيع منا الطريق. بيد أن بعض المسلمين قد عشيت أبصارهم بهذا النور، إذ فُتنوا بحبهم للنبي ﷺ فضلوا عن الحق وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ذلك أنهم قد بالغوا في تقديس النبي ﷺ مبالغة أنستهم أنه بشر، وأنه خُلِق من طين كما خلق سائر البشر، فقالوا عنه: إنه خلق من نور، وقالوا عنه: أنه أول خلق الله واستدلوا على ذلك

стр. 511

بروايات موضوعة١ لا تمت إلى الحق بأي سبب، وغفلوا عن الآيات الواضحة الصريحة التي ذكرها الله في محكم كتابه، والتي يتبين منها حقيقته البشرية التي أكدها الله وأمر رسوله ﷺ أن يعلنها للناس في مثل قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٢، ثم زاد تأكيدها في آية أخرى تشير إلى أن محمدًا خُلِق من نفس الطينة التي خلق منها سائر البشر، وذلك حيث يقول: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣. ولقد ذكر بعض المفسرين في تفسيرهم لقول الله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤. ذكر بعض المفسرين أن المقصود بالنور في الآية الكريمة هو محمد ﷺ . ومن هنا ساغ لبعض ضعفاء العقول أن يقول إنَّ محمدًا خلق من نور؛ جهلاً منهم: بما يفهم من الآية، إذ لا شك أن النور الذي جاء في الآية الكريمة، هو النور المعنوي الذي يضيء للناس طريق الحق، وليس النور الحسي الذي تراه العين، والذي يضيء كما تضيء المصابيح وكما تضيء الكواكب. فالواقع الذي تطمئن إليه النفوس، وتنهض به الحجة، أن محمدًا ﷺ نور؛ لأنه أضاء للناس طريق الخير بما آتاه الله من العلم والحكمة، ولكنه مخلوق من التراب الذي خلق منه سائر البشر. وليس يضيره في قليل أو كثير أن يكون

стр. 512

مخلوقًا من التراب، ما دام الله قد اصطفاه واختاره لرسالته الكبرى، التي أضاءت المشارق والمغارب، وملأت العالم كله بالهدى والرشاد. والواقع الذي تطمئن إليه النفوس، وتنهض به الحجة أن محمدًا ﷺ أول خلق الله منزلةً وأعلاهم قدرًا. وليس أول خلق الله وجودًا وأقدمهم مولدًا، ذلك أنه بالتسلسل الزمني كان خاتم الأنبياء والمرسلين. فهو مكمل للبناء العظيم الذي أقامه الأنبياء لإسعاد البشر منذ وجود آدم أبي البشر. ولا يستقيم مع المنطق السليم أن يكون محمد صلوات الله وسلامه عليه من أبناء آدم، ثم يوجد قبل أبيه. ولا يستقيم مع المنطق السليم -كذلك- أن تكون الأفضلية بين الناس بقدم البلاد، وإلا لكان الآباء أبدًا أفضل من الأبناء. وكان الأجداد على توالي العصور أفضل من الآباء والأحفاد. وإذا كان من واجبنا -كمسلمين- أن نقدر نبينا العظيم ﷺ حق قدره، فإنه الحق علينا -كذلك- ألا نُسيء الفهم ونتجاوز الحد، فنبعد نبينا ﷺ عن منزلته وقدره، فما أبعد الفرق بين التقدير والتقديس، وبين الحب والعبادة. وقديمًا كفر اليهود لأنهم قدَّسوا العزيز وهو نبي، فقالوا عنه إنه ابن الله، كما كفر النصارى لأنهم قدسوا المسيح وهو نبي فقالوا عنه إنه ابن الله. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١. والآن فلنفتح عيوننا على أقباس من معجزات الرسول ﷺ وشمائله، عسى أن

стр. 513

يجعل الله لنا منها هدىً ونورًا وموعظة وشفاء لما في الصدور. فأما معجزات الرسول ﷺ فقد روت كتب الحديث والسيرة منها الكثير. وأولها:القرآن الكريم وهو أعظم المعجزات وأقواها، دلالةً على تفضيل النبي ﷺ على جميع الرسل، وذلك من أجل خلوده وبقائه وإعجاز آياته، فهو في واقع الأمر معجزات متعددة متواترة. وهو الذي تحدى به الرسول ﷺ بلاغة العرب وفصاحتهم على توالي العصور، والذي لم ينقطع إعجازه بعد أن لحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى، بل يزداد وضوح هذا الإعجاز كلما استنارت عقول الناس وكشفت لهم أسراره وعجائبه. بل تحدى به الإنس والجن، وأخبر بأنهم لن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله في قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ١. وقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ٢. ومن المعجزات الثابتة للرسول ﷺ حنين الجذع. وقد ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما٣، وذلك أن الرسول كان يخطب يوم الجمعة على جذع نخلة، فلما كثُر الناس بني له منبر ...

стр. 514

فلما تحوَّل الرسول ﷺ عن الجذع سمع له حنين كحنين الواله؛ حزنًا على فراق الرسول وشوقًا إليه، وما زال يحن حتى نزل الرسول ﷺ عن المنبر ومشى إليه فاحتضنه فسكت. ومنها معجزة انشقاق القمر، وقد رواها ابن عباس ﵄ حيث قال: اجتمع المشركون على عهد الرسول ﷺ وفيهم: الوليد بن المغيرة وأبو جهل والعاص بن وائل، والعاص بن هاشم، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، وربيعة بن الأسود والنضر بن الحارث ونظراؤهم في التوغل في الكفر والعناد، وقالوا للنبي ﷺ : إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين: نصفًا على أبي قبيس ونصفًا على قعيقعان١. فقال لهم النبي ﷺ : "إن فعلت تؤمنوا" قالوا نعم. وكانت ليلة البدر، فسأل رسول الله ﷺ ربه أن يعطيه ما سألوا، فأمسى القمر نصفين كما سألوا. فقال ﷺ : "اشهدوا". فقالوا: سحركم ابن أبي كبشة، فسلوا المسافرين فلو كانوا رأوا ما رأيتم فهو صدق، فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، وإن لم يكونوا رأوا ما رأيتم فهو سحر. فسألوا المسافرين، وقد قدموا من كل وجه، فقالوا: رأيناه. فقال الكفار: هذا سحر مستمر يريدون أنه سحر شامل لم يقتصر على أهل مكة وحده بل شمل الناس جميعًا٢.

стр. 515

وقد نزل في ذلك قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ١. ومنها معجزة نبع الماء من بين أصابعه، ومعجزة تكثير الطعام القليل ببركته، ومعجزة الإسراء والمعراج، ومعجزة شق الصدر. وقد أشرنا إلى الكثير من ذلك في ثنايا الكتاب٢. وأما عن شمائله صلوات الله وسلامه عليه فهي الخلق العظيم الذي وصفه الله

стр. 516

عز وجل في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١. أجل لقد أدَّب الله رسوله ﷺ فأحسن تأديبه، ومنحه من كمال الخلق وجميل الصفات ما لم يمنحه لأحد من العالمين. وأمره بأن يكون رمزًا للخير والبر فقال له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢. وقال له في آية أخرى ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٣. وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ٤. وقد تواترت الأخبار على حسن امتثال الرسول ﷺ لما أمره الله به من هذه الصفات الكريمة ... فما من حليم إلا عُرِفت له بعض الزلات والهفوات ولكن النبي محمدا صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يزداد على كثرة الإيذاء إلا صبرًا وحلمًا. قالت عائشة ﵂: ما خُيِّر ﵇ في أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله٥. ولما فعل المشركون به ما فعلوا في يوم أحد قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"٦. وفيما يروى عن أنس ﵁ أنه قال: كنت مع النبي ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فجذبه أعرابي بردائه

стр. 517

جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عنقه ثم قال: يا محمد، احمل لي على بعيري هذين من مال الله عندك فإنك لا تحمل لي من مالك ولا مال أبيك ... فسكت النبي ﷺ ثم قال: "المال مال الله وأنا عبده".. ثم قال: "ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي" قال: لا، قال: لم؟ قال لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة. فضحك ﵇ ثم أمر أن يُحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر١. ولما أسر المسلمون ثمامة بن أثال الحنفي، وكان من عظماء بني حنيفة وجيء به إلى رسول الله ﷺ عامله أكرم معاملة وعرض عليه الإسلام فأبى، فأطلق سراحه وهو القادر حينئذ على أن يقتله أو ينكل به، ولما رأى ثمامة هذه المعاملة وهذه المكارم، وجد من العقل أن يفيء إلى الرشد، وألا يمعن في اتباع الهوى ويترك دينًا عماده المحامد، فرجع إلى رسول الله ﷺ وقد أشرق الحق في نفسه وخالطت بشاشة الإيمان قلبه. وخاطب الرسول ﷺ قائلاً: يا محمدُ، والله ما كان على الأرض من وجه أبغض علي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان على الأرض من دين أبغض إلي من دينك، فقد أصبح أحب الدين كله إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فقد أصبح أحب البلاد إلي٢.

стр. 518

وقد سُرَّ الرسول ﷺ كثيرًا بإسلامه لأنه سيد قومه وكلمته فيهم ناقدة وكان إسلامه خيرًا وبركةً على قومه وأساسًا لهدايتهم بعد ذلك إلى الإسلام. وكان صلوات الله وسلامه عليه أشد الناس حياءً، وأكثرهم عن العورات إغضاءً. قالت عائشة: كان ﵇ إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول كذا وكذا بل يقول: ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا١. فكان ينهى عن الشيء ولا يسمي فاعله. وكان ﵇ يُؤلف الناس ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويتفقد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبًا حتى لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المتصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول. وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء، وكان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخَّاب ولا فحَّاش ولا سبَّاب. قال سبحانه. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ٢. وقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ٣.

стр. 519

وكان ﵇ يجيب من دعاه ويقبل الهدية مهما كانت ويكافئ عليها بمثلها أو بأحسن منها، وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويلاعب صبيانهم ويجالسهم في حجره، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر، وكان يبدأ من لقيه بالسلام ويبدأ أصحابه بالمصافحة، ولم يُر قط ماداً رجليه بين أصحابه،حتى يضيق بها على أحد، وكان يُكرم من يدخل عليه ولا يدعوهم بأسمائهم تكرمةً لهم١. وأما الشفقة والرحمة بجميع الخلق فقد وصفه الله بها في قوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣. وقد روي أن أعرابيًا جاءه يطلب منه شيئًا، فأعطاه ثم قال: "أأحسنت إليك؟ " قال الأعرابي: لا، ولا أجملت. فغضب المسلمون وقاموا إليه. فأشار إليهم أن كُفوا.. ثم قام ودخل منزله وأرسل إليه وزاده شيئًا ثم قال: "أأحسنت إليك؟ " فقال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا. فقال ﵇: "إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك"، قال: نعم. فلما كان الغد أو العشي جاء، فقال ﵊: " إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه، فزعم أنه رضي، أكذلك؟ " قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا. فقال ﵇: "مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورًا، فناداهم صاحبها: خَلُّوا

стр. 520

بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها منكم وأعمل فتوجه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض فردها، حتى جاءت واستناخت، وشدَّ عليها رحلها واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيثُ قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار"١. وأما تواضعه ﵇ مع ما أكرمه الله به من النبوة ورفعة الدرجة والمكانة. فقد كان أشد الناس تواضعًا وأبعدهم عن الكبرياء والغرور، ولا غرو فقد خيَّره الله أن يكون نبيًا ملكًا أو نبيًّا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا. وقد روي أن رسول الله ﷺ خرج يوما متوكئا على عصاه فقاموا، فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا" ٢. وقال: "إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد" ٣. وكان يقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله" ٤. وأما عن زهده فقد نظر إلى الدنيا على أنها وسيلة وممر، ونظر إلى الآخرة

стр. 521

على أنها غاية ومستقر. وقد استجاب عن رضا وإيمان لما أمره الله به في قوله: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١. وكانت عائشة ﵂ تقول: ما شبع ﵇ ثلاثة أيام تباعًا من خبز حتى مضى لسبيله٢. وتقول: ما ترك ﵇ دينارًا ولا درهمًا ولا شاةً ولا بعيرًا. وقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في ردف لي٣. وروي عن الرسول ﷺ أنه قال: "عُرض علي أن تجعل لي بطحاء مكة ذهبًا فقلت: لا يارب. أجوع يومًا وأشبع يومًا، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك" ٤. وقالت عائشة: إنَّا كنا -لآل محمد- لنمكث شهرًا ما نستوقد نارًا. إن هو إلا التمر والماء٥. وقالت عائشة: لم يمتلئ جوف النبي ﷺ شبعًا، وإن كان ليظل جائعًا حتى كنت أبكي؛ رحمةً له مما أرى به، وأمسح بيدي على بطنه مما أرى به من الجوع وأقول له: نفسي لك الفداء لو تبلّغت من الدنيا ما يقوتك!!

стр. 522

فيقول: "يا عائشةُ، مالي وللدنيا؟ إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم فأكرمهم مآبهم وأجزل ثوابهم. فأجدني أستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدًا دونهم، وما من شيء أحب إلي من اللحوق بإخوتي وأخلائي" ١. وكانت عبادته لربه على قدر علمه بما أعد الله من ثواب للمؤمنين المخلصين من عباده، وما أعدَّ من عقاب للمذنبين الضالين، ولذا كان يقول: "والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى" ٢. وهكذا كان خلق الرسول ﷺ تنفيذًا علميًا لما وصاه الله به في كتابه العزيز، وهي الوصايا التي ذكرنا طرفًا منها والتي تنتظمها تلك الكلمة الجامعة المأثورة عنه حيث قال: "أوصاني ربي بتسع أوصيكم بها: أوصاني بالإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، القصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون صمتي فكرًا، ونطقي ذكرًا، ونظري عبرًا" ٣.

стр. 523

الخاتمة وبعد، فهذا ما يسر الله به من دراسات في السيرة النبوية، ولعلها تكون بداية صالحة في طريق البحث، وأساسًا سليمًا يمكن أن يبنى عليه من بعدنا، كما بنينا على الأسس السليمة التي خلفها لنا من قبلنا، ونحن نؤمن كل الإيمان بأن السيرة النبوية -على كثرة ما كُتب فيها من بحوث ودراسات- لا تزال في بعض نواحيها كالروض الأنف١، يتطلع إلى الرائد، ويستطيع الباحث فيه والمتجول في مغانيه، أن يظفر كلما أمعن النظر وطلب المزيد.. ولست مثاليًا في التقدير، ولا راكبًا متن الغرور إذا ما قلت إن هذه الدراسة قد أتاحت لي الفرصة لتصحيح شيء من الأخطاء التي انزلق إليها بعض العلماء السابقين. فمن ذلك ما ذكره الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في تفسيره للطير الأبابيل بأنها الرياح المتجمعة، والحجارة من السجيل بأنها ذرات التراب حملت ميكروب الجدري الذي أهلك الله به الأحباش وجعلهم كعصف مأكول.. فقد ذكرنا -حينئذ- من الحجج والأدلة ما يدحض هذا الرأي ويبطله، وكان مما قلناه في هذا الصدد: إن سورة الفيل قد نزلت على الرسول -صلى الله عيه وسلم- في وقت كان يعيش فيه من أهل مكة أناس رأوا حادث الفيل بأعينهم وبعضهم من أعداء الرسول ﷺ فلو لم تكن الطيور طيورًا حقيقية لظهر من هؤلاء الأعداء من يسارع إلى تكذيب هذه السورة ويعلن ذلك على رءوس الأشهاد، وينتهزها فرصة في الكيد لمحمد ﷺ والطعن عليه.. ولكن الواقع أن سورة الفيل قد نزلت فتلقاها العرب جميعًا

стр. 524

بالقبول، لأنها تقرر حقيقة معروفة عندهم لا شك فيها ولا يجرؤ أحد على إنكارها. ومن ذلك ما قيل في الحجر الأسود من آراء يتناقلها الناس على توالي الأجيال وهي -في واقع الأم- لا تعتمد على أساس سليم من المنقول أو المعقول، وقد فندنا هذه الآراء وانتهينا بحمد الله إلى نتيجة نؤمن بها ونطمئن إليها١. ومن ذلك ما ورد من خلاف بين العلماء عن دور الملائكة في يوم بدر فقد وصلنا في ذلك إلى نتيجة لا بديل عنها -فيما نعتقد- وهي أن الملائكة قد نزلت لتثبيت القلوب، ولم تنزل لتشترك في القتال، وكان مما قلناه في ذلك: إن الاعتقاد باشتراك الملائكة في القتال يزري بكرامة الملائكة وكرامة المسملين حيث تنتهي الموقعة بقتل سبعين من المشركين أمام خمسة آلاف من الملائكة وثلاثمائة من المسلمين. وتعتبر النتيجة على هذا الوضع نصرًا للمشركين وهزيمة للملائكة مع المسلمين٢. ومن ذلك ما ذكره المفسرون عند تفسيرهم للآية الكريمة: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

стр. 525

فقد ذكروا أن تأييد الله للرسول ﷺ بالجنود يقصد به ما وقع في يوم بدر ويوم حنين. وقد خالفنا ذلك الرأي وقلنا إن هذه النعم التي ذكرها الله من إنزال السكينة والتأييد بالجنود مرتبطة بالظروف المذكورة في الآية نفسها وهي قوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾ وقوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ إلى آخر ما ذكرناه في ثنايا الكتاب، وفي مختلف الموضوعات من آراء سبقنا إلى بعضها وسبقنا إلى البعض الآخر. وفيما يتعلق بالمعجزات التي تثبت للنبي الكريم، نحب أن نقول إننا نؤمن كل الإيمان بهذه المعجزات التي روتها كتب الحديث الصحيحة وكتب السيرة الأصيلة١. وأما ما يقوله بعض العلماء من أن معجزة الرسول ﷺ القاهرة هي في القرآن الكريم وحده كالإمام الشيخ محمد عبده والإمام الشيخ محمد مصطفى المراغي وغيرهما ممن يرون هذا الرأي فهم يقصدون به أن القرآن وحده هو المعجزة

стр. 526

العقلية الثابتة التي لا تزال تتحدى العصور والأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهم جميعًا بطبيعة الحال وفي واقع الأمر لا ينكرون المعجزات الأخرى الثابتة في كتب الحديث الصحيحة لأنهم يؤمنون بالصحيح من الحديث ويؤمنون كذلك بالصحيح من التاريخ. وقد ذكر القرآن الكريم أمثلة من المعجزات التي وقعت لبعض الأنبياء، كالنار التي صارت بردًا وسلامًا على إبراهيم، وتسخير الرياح لسليمان تجري بأمره وتسخير الجن لتعمل بين يديه، وكعصا موسى التي أبطلت سحر السحرة، ورد الله بها كيد الطغاة الماكرين. وما ذكره الله عن عيسى ﵇ حينما قال لقومه: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾ ١. كما ذكر القرآن بعض المعجزات الأخرى التي كرَّم الله بها نبيه محمد ﷺ بمعجزة القرآن الخالدة قد كرمه -كذلك- بكثير من المعجزات التي تؤيده وتعضده، وهي معجزات صح سندها وثبتت روايتها أو على الأقل رجحت روايتها، وإنكارها٢ ضعف في الدين وهدم للتاريخ من أساسه. وخير ما نختم به هذا الكتاب هو قول الرسول ﷺ عن العلم والعلماء: "من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا، سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد

стр. 527

كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن العلماء لم يورثوا دينارا ولا درهما. إنما ورثوا العلم.. فمن أخذه أخذ بحظ وافر" ١. وقول الله تعالى عن نبيه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ٢. ولله قول الإمام البوصيري: محمد تاج رسل الله قاطبةً ... محمد صادق الأقوال والكلمِ. محمد ثابت الميثاق حافظهُ ... محمد طيب الأخلاق والشيمِ محمد حاكم بالعدل ذو شرفٍ ... محمد معدن الأنعام والحكمِ محمد خير خلق الله من مضرٍ ... محمد خير رسل الله كلهمِ محمد يوم بعث الناس شافعنا ... محمد نوره الهدى من الظلمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. نسأل الله أن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا وأن ييسر سبيل هذا الكتاب إلى القلوب. والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

стр. 528

فهرس الموضوعات الموضوع رقم الصفحة مقدمة النشر ٤ المقدمة ٥ الفصل الأول ١٤ بين يدي السيرة ١٤ البيت العتيق ١٥ بدء بنائه ومحاولة تجديده ١٦ عام الفيل والطير الأبابيل ١٨ بقية الأخبار عن البيت العتيق ٢٨ الحجر الأسود ٣٣ العرب المستعربة في مكة ٤٧ الجراهمة والخزاعيون في مكة ٤٧ قصي بن كلاب وأثره على قريش ٤٨ قصة الذبيحين ٥٢ المجتمع العربي قبل ظهور الإسلام ٥٧ المجتمع العربي قبيل ظهور الإسلام ٦٠ اليهودية والمسيحية في بلاد العرب قبل الإسلام ٦٧ اليهودية في بلاد العرب ٦٨ المسيحية في بلاد العرب ٧٤ الفصل الثاني.... ٧٨ من ميلاد الرسول ﷺ إلى بدء الدعوة الإسلامية ٧٨ رضاعه ٨٧ قصة حليمة السعدية ٨٧ عهد الطفولة والشباب ٩٥ زواجه من السيدة خديجة ١٠١ بعض البشائر بنبوة محمد ﷺ من التوارة والإنجيل ١١١ الفصل الثالث ١١٢ من بدء الدعوة إلى الهجرة النبوية ١١٢ موقف قريش من النبي ﷺ وأصحابه ١١٦ هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة ١٢٩ إسلام حمزة وعمر ١٣٠ قصة الغرانيق ١٣٦ الهجرة الثانية إلى الحبشة ١٤٣ مقاطعة قريش لبني هاشم وبني وبني المطلب ١٤٥ عام الحزن ١٤٩ خروجه إلى الطائف ١٤٩ الإسراء والمعراج ١٥٣ السموات السبع ١٥٩ لقاء الأنبياء ١٦٠ بيعتا العقبة ١٦١ البيعة الأولى ١٦٣ بيعة العقبة الثانية ١٦٦ اجتماع الرسول ﷺ بمسلمي يثرب ١٦٦ الفصل الرابع ١٧٠ الهجرة وتأسيس الدولة الإسلامية ١٧٠ هجرة المسلمين إلى المدينة ١٧٠ المؤامرة الكبرى ١٧٢ بدء الهجرة النبوية ١٧٤ في غار ثور ١٧٦ قصة أم معبد ١٨٣ حديث سراقة ١٨٦ بناء الدولة الإسلامية ١٩١ بناء المسجد ١٩٢ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ١٩٤

стр. 529

الموضوع رقم الصفحة المعاهدة بين الرسول ﷺ واليهود ١٩٧ إعلاء العصبية بين الأوس والخزرج ١٩٩ تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ٢٠٥ الرسول ﷺ يضع أساس النظام الاقتصادي ٢٠٨ الفصل الخامس ٢١٣ القتال في الإسلام وغزوات الرسول ﷺ قبل الفتح الأعظم ٢١٣ غزوة بدر الكبرى ٢١٩ السرايا قبل بدر ٢١٩ سرية عبيدة بن الحارث ٢٢٠ غزوة بدر الكبرى ٢٢٢ في ميدان المعركة ٢٢٧ مشهد رهيب ٢٣٠ اللجوء إلى الله ٢٣١ دور الملائكة في يوم بدر ٢٣٢ موقف الرسول ﷺ من الأسرى ٢٣٧ غزوة أحد ٢٤٠ غزوة السويق ٢٤٠ استعداد قريش وخروجها للمعركة ٢٤١ موقف الرسول ﷺ والمسلمين ٢٤٢ بدء المعركة ٢٤٤ صور من البطولة والإيمان ٢٤٥ الرماة يتسببون في تغيير الوضع ٢٤٧ النتيجة في غزوة أحد ٢٥٠ غزوة الأحزاب (مقدمات وأسباب) ٢٥٥ دور إيجابي لدرء الخطر ٢٥٩ أصابع اليهود ٢٦١ موقف المسلمين من الأحزاب ٢٦٣ حفر الخندق ٢٦٥ من المعجزات النبوية ٢٦٨ الأحزاب أمام الخندق ٢٧٠ مؤامرة بني قريظة ٢٧٥ الخدعة في الحرب ٢٧٨ الفرج بعد الشدة ٢٨٠ عاقبة الظلم ومصير بني قريظة ٢٨١ من العبر في غزوة الأحزاب ٢٨٣ اليهود بين التوراة والتلمود ٢٨٥ غزوة بني المصطلق ٢٩٦ حديث الإفك ٣٠٣ عمرة الحديبية وعمرة القضاء ٣٠٩ من صلح الحديبية إلى فتح مكة ٣٢٥ غزوة خيبر ٣٢٦ كتب الرسول ﷺ إلى الملوك ٣٣٠ الفصل السادس ٣٤١ يوم الفتح ٣٤١ غزوة حنين ٣٥٣ حصار الطائف ٣٥٦ غزوة تبوك وما تلاها من أحداث ٣٦٢ عام الوفود ٣٧٢ الفصل السابع ٣٨٣ حجة الوداع ٣٨٣ وفاة الرسول ﷺ ٣٩١ موقف المسلمين ٣٩٦ الفصل الثامن ٤٠٠ أزواج النبي ﷺ ٤٠٠ الفصل التاسع ٤١٣ من معجزات الرسول ﷺ وشمائله ٤١ الخاتمة ٤٢٦ فهرس الموضوعات ٤٣١