← Сира

Сира · id 8530

القول المبين في سيرة سيد المرسلين

محمد الطيب النجار

Полный текст (529 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

موقف أمراء الحدود: وكان يوحنا بن رؤية أمير أيلة١ واليًا على القبائل المسيحية واليهودية في هذه المنطقة، فوجه إليه النبي رسالة يخبره فيها: إما بالإذعان وإما بالحرب، فآثر الأولى وأقبل على الرسول ﷺ معلنًا الطاعة، وعقد الرسول ﷺ معه معاهدة اتفق فيها على أن يدفع جزية قدرها ثلاثمائة دينار كل عام٢. كما وفد عليه

стр. 457

أميرا قبيلتي أذرح وحرباء١، يطلبان تأمينهما ومحالفة المسلمين، فصالحهما الرسول ﷺ على الجزية. ولم يكن أمام الرسول ﷺ إلا أمير دومة الجندل الذي كان يتوقع منه العداء، فبعث إليه خالد بن الوليد في قرابة خمسمائة فارس، وجاء هو بعد ذلك المدينة. وأسرع خالد عائدًا إلى دومة الجندل، فانقض عليها في حين غفلة من أميرها، فلم يلق مقاومة تذكر، وفتحت له المدينة أبوابها، بعد أن وقع أميرها في الأسر، وغنم منها ألفي بعير، وثمانمائة شاة، وأربعمائة درع، وقدرًا كبيرًا من البر، ثم عاد إلى المدينة ومعه الغنائم والأسرى. فعرض الرسول ﷺ على أمير دومة الجندل، فأسلم وأصبح أميرًا على قومه١.

стр. 458

الثلاثة الذين خلفوا: ١ أولئك هم: كعب بن مالك، وهلال بن أُمية، ومرارة بن الربيع، وهم: ثلاثة نفر أخلصوا لله وجاهدوا في سبيله وشهدوا مع رسول الله ﷺ كثيرًا من المشاهد والغزوات، وكان لهم في تاريخ الإسلام بلاء مشكور، وجهاد مبرور.. ولكن الله الذي يمتحن عباده بالبلاء والمحن قد ابتلى هؤلاء الثلاثة بمحنة، لولا لطف الله لعصفت بإيمانهم وطوحت بهم في مهاوي الشقاء، وكثيرًا ما يبتلي الله عباده ليميز الخبيث من الطيب، ويظهر الزائف من الصحيح.

стр. 459

وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ١. وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إلى هذه الغزوة حيث كان الحر شديدًا والسفر بعيدًا، والعدو قاسيًا عنيدًا، وناهيكم بجيش جرار من الروم يتربص الدوائر بالمسلمين ويستعد للهجوم عليهم.. وقد استجاب لدعوة الحق رجال من المسلمين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فنفروا للجهاد سراعًا يضربون في البيداء المترامية بين الحر المرمض والسموم اللافح، لا يكترثون بوعثاء السفر ووعورة الطريق، ولا يثنيهم عن غايتهم ما يحيط بهم إذ ذاك من المتاعب والمخاوف والأراجيف التي يذيعها المنافقون، بل يجدون في طاعة الله ورسوله ﷺ أمنًا وسلامًا وظلًّا ظليلًا دائمًا، يغنيهم عن ظلال الدنيا الزائلة، ومتاعها الفاني القليل. ولعل ما يصور لنا عظمة الروح وقوة العقيدة في نفوس أولئك المؤمنين، ما وقع لأبي خيثمة الأنصاري أحد أصحاب الرسول ﷺ فلقد تخلف عن المسير مع إخوانه المجاهدين أيامًا، ثم رجع إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريش لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منها عريشها وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعامًا. فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله ﷺ في الضحى والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم. ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ .. فهيئا لي زادًا ففعلتا.

стр. 460

ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك١. وقعد عن الجهاد قوم من المنافقين كانوا قد أظهروا الإسلام ولما يدخل الإيمان في قلوبهم. وكانوا بضعة وثمانين رجلًا غلبت عليهم شقوتهم، وأصاخوا٢ لدعوة الشيطان فتركوا دون عذر ميدان الجهاد، لأنهم يحبون العاجلة، وهم أحرص الناس على حياة، ويظنون أن أمرهم سيخفى على رسول الله ﷺ حتى إذا رجع المسلمون من ميدان الجهاد قاسموهم في السراء دون الضراء، وشاركوهم في المغانم دون أن يشاركوهم في المغارم. ولم يتخلف عن الجهاد من المؤمنين المخلصين سوى هؤلاء الثلاثة الذين نتحدث الآن عنهم، وهم الذين سماهم الله في كتابه العزيز: ﴿الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ٣. ومعنى خلفوا أن الرسول ﷺ خلفهم، أي أرجأ أمرهم إلى أن يقضي الله فيهم بأمره٤. ولقد أخطأ هؤلاء الثلاثة، ثم لم يلبثوا أن تابوا ورجعوا الله الله وأنابوا، فقبل الله توبتهم وغفر لهم خطيئاتهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ٥. فقد روى لنا كعب بن مالك قصته وقصة صاحبيه، منذ تخلفوا عن ركاب إخوانهم المؤمنين المجاهدين إلى أن انجلى ليل محنتهم، وآذن الله رسوله ﷺ بقبول توبتهم.

стр. 461

يقول كعب١: إنه كان ينتقل في المدينة منذ خرج إخوانه للجهاد، فيحزنه ألا يرى في طرقاتها إلا طفلًا صغيرًا، أو رجلًا ضريرًا، أو شيخًا مهيض الجناح ليس عليه في تخلفه جناح٢. ولا يرى أحدًا قد تخلف من الرجال الأقوياء سوى أهل النفاق والرياء. ويقول كعب: إن الرسول ﷺ حين رجع من تبوك دعاني حتى جئت بين يديه، فسألني عن أمر تخلفي وهو يتبسم تبسم المغضب. فاعترفت بذنبي ولم أفتر الكذب وأختلق الأعذار، كما فعل غيري من المتخلفين المنافقين، ثم دعا صاحبي إليه، فاعترفا بذنبهما، وإذ ذاك أمهلنا الرسول ﷺ حتى يقضي الله فينا بأمره، ونهى الناس عن كلامنا حتى تنكرت لنا الدنيا وتغيرت، وضاقت علينا الأرض بما رحبت، ولم يعد لنا ملجأ من الله إلا إليه. ويقول كعب: إن ملك غسان النصراني حينما بلغه نبأ محنتي، كتب إلي يستميلني إليه قائلًا: أما بعد: قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. وكأنما أراد الله أن يزيد في ابتلائي بمثل هذا الكتاب، هل أفتتن بالدنيا وزخرفها فأستجيب لدعوة ذلك الملك النصراني، حيث أقضي أيام الحياة بين العيش الناعم والفراش الوثير، وليكن بعد ذلك في الآخرة ما يكون؟ أم أصبر على ما يحيط بي من المتاعب والآلام مهما تتابعت وتلاحقت طمعًا في رحمة الله

стр. 462

وانتظارًا لمغفرته ورضوانه، وإيثارًا للآخرة حيث السعادة والنعيم والملك الكبير؟ ولكني اخترت الباقية دون الفانية وآثرت الآجلة على العاجلة، فقمت إلى كتاب الملك الغساني فأحرقته في التنور، وفوضت أمري إلى الله الذي إليه تصير الأمور. ويقول كعب: إن محنتنا استمرت خمسين يومًا متتابعة، ما كان أطولها وأقساها، ولكننا لم نجد ملجأ من الله إلا إليه، فصبرنا صبرًا جميلًا، وجاهدنا أنفسنا جهادًا طويلًا، حتى بدل العسر يسرًا، وجعل لنا من الضيق فرجًا ومن الهم مخرجًا، فآذن رسوله ﷺ بغفران خطيئتنا وقبول توبتنا. وجاءنا البشير بذلك فأتينا رسول الله ﷺ مسرعين، فوجدنا وجهه يبرق من السرور، وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، وإذا به يتلو قول الله : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ١. وهكذا كانت غزوة تبوك خاتمة غزوات النبي ﷺ ومن بعدها أقام النبي ﷺ بالمدينة مغتبطًا بما أفاء الله عليه، مطمئنة نفسه بهذا النصر الذي وصل إليه. أما أولئك المنافقون البضع والثمانون فإنهم حينما رجع الرسول ﷺ من الجهاد قابلوه يحلفون بالله إنهم معذورون، والله يشهد إنهم لكاذبون، فلم يلبثوا حتى

стр. 463

كشف الله أمرهم وبين للرسول ﷺ عاقبتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ١. وبعد فهذه قصة الثلاثة الذين خلفوا، ومن ثناياها يتجلى لكم مثل رائع من الإخلاص الصادق والإيمان العميق والعقيدة الراسخة التي لا تعصف بها الحوادث، ولا يزيدها تطاول الأيام إلا رسوخًا وقوة. وهكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب. ومن ثناياها ترون أن الصبر على البلاء والاطمئنان لقضاء الله وقدره، ذلكم هو السبيل القويم الذي يكفر الذنوب والآثام، ويضمن للإنسان البراءة والنجاة: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ ٢. ومن ثناياها ترون أن منطق النفاق كليل، وسلاحه مفلول، وعمره قصير، وحجته داحضة، والمنهج القاصد للمؤمن المجاهد هو أن يسير في حياته على أساس من الإيمان الصادق الذي لا يخادع ولا ينافق، حينئذٍ يحيا حياة طيبة، ويؤتيه الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.

стр. 464

بعض العبر في غزوة تبوك: - أظهرت هذه الغزوة أن النفاق لابد أن يفتضح أمره في وقت الشدة. فهؤلاء

стр. 465

المنافقون خافوامن الحر الشديد، فأرادوا أن يثبطوا همة المؤمنين، وقالوا لهم: ﴿لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ ١. فكشف الله نفاقهم ورد عليهم بقوله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢. إن الله يفتح باب التوبة أمام المذنبين إذا اعترفوا بذنوبهم وندموا على ما فرط منهم ٣، فهؤلاء الثلاثة الذين تخلفوا دون عذر عن هذه الغزوة حينما أدركوا خطأهم وندموا وتابوا، غفر الله لهم وتاب عليهم.

стр. 466

عام الوفود مدخل ... عام الوفود كان العام التاسع الهجري في حياة الرسول ﷺ مناط الفخر وذروة القوة، ففيه خرج الرسول ﷺ إلى تبوك على مشارف الشام، ليلتقي بدولة الروم التي كانت تهدد حدود الجزيرة العربية، فتهيب الروم لقاءه، ولاذوا بالفرار ليتحصنوا داخل بلادهم، فكان هذا النصر الأبيض١ على دولة الروم العظيمة تطورًا كبيرًا وتحولًا عجيبًا يعتز به المسلمون في تاريخهم. وفيه تتابعت الوفود من سائر الجزيرة العربية لتعلن الولاء والطاعة للرسول ﷺ ولتؤمن مستقبلها قبل أن يصل إليها المد الإسلامي ويكتسحها تياره القوي، وكانت هذه الوفود في كثرتها وتتابعها حَرِيّة بأن تجعل هذا العام عام الوفود، كما كانت هذه الوفود هي الثمرة الطبيعية لكفاح المسلمين الطويل، لأنها البرهان الواضح على أن صوت الإسلام قد أصبح مسموعًا في كل مكان، وأن الناس حينما سمعوه واطمأنوا إليه لبوا النداء واستجابوا للدعاء. وإذا كان من حق القارئ أن يتعرف على هذه الوفود، فإن من واجبنا أن نتحدث عنهم لأنهم كانوا -في جملتهم- سفراء أمناء حملوا رسالة الحق من الرسول ﷺ وبلغوها كاملة إلى أهلهم وذويهم، فشرح الله صدورهم للإسلام، ودخلوا في دين الله أفواجًا..

стр. 467

فمن هذه الوفود١ وفد عبد القيس٢، وكان من خبرهم أن الرسول ﷺ كان جالسًا بين أصحابه يوما فقال لهم: "سيطلع عليكم من هنا ركب من أهل المشرق، لم يكرهوا على الإسلام، قد أنضوا الركائب٣ وأفنوا الزاد، اللهم اغفر لعبد القيس". فلما أتوا ورأوا النبي ﷺ رموا بأنفسهم عن الركائب بباب المسجد، وتبادروا إلى رسول الله ﷺ يسلمون عليه. فقال ﷺ : "مرحبًا بالقوم غير خزايا ولا ندامى" ٤. فقالوا: يا رسول الله إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل. فقال: "آمركم بالإيمان. أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن الدنيا والحنتم والنقير والمزفت". والمراد هنا النهي عن شرب الأنبذة التي توضع في هذه الأوعية كما جرت عادتهم بذلك، فقال أحدهم واسمه الأشج: يا رسول الله إن أرضنا ثقيلة وخمة، وإننا إذا لم نشرب هذه الأشربة عظمت بطوننا، فرخص لنا في مثل هذه، وأشار إلي يده، وهو يقصد أن يرخص الرسول ﷺ في شرب القليل منها.

стр. 468

فأومأ ﵊ بكفيه وقال: "يا أشج إن رخصت لك في مثل هذه شربته في مثل هذه -وفرج بين يديه وبسطها- حتى إذا ثمل أحدكم من شرابه قام إلى ابن عمه فضرب ساقه بالسيف" ١، ٢. ومن هذه الوفود وفد تميم٣: وكان من خبرهم أنهم جاءوا إلى رسول الله ﷺ فلما خرج إليهم تعلقوا به وقالوا: نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال لهم ﵊: "ما بالشعر بعثنا ولا بالفخار أمرنا". ثم صلى الظهر، واجتمع حوله رجال الوفد يتفاخرون بمجدهم ومجد آبائهم، وطلبوا من الرسول ﷺ أن يأذن لخطيبهم وشاعرهم بذلك، فأذن الرسول ﷺ . فأما خطيبهم فكان عطارد بن حاجب، وقد قال في خطبته: الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالًا عظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددًا وأيسره عدة، فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس: "قم فأجب الرجل في خطبته". فقام ثابت فقال: الحمد لله الذي في السموات والأرض خلقه، قضى فيهن

стр. 469

بأمره، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خير خلقه رسولًا.. فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه، ثم آمنا نحن الأنصار، أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدًا، وكان قتله علينا يسيرًا ... أقول هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات.. فقام الزبرقان بن بدر وأنشد بين يدي رسول الله ﷺ والمسلمين قصيدة قال في أولها: نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه ... فيرجع القوم والأخبار تستمع إنا أبينا ولم يأب لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع ولما انتهى الزبرقان من قصيدته وفيها يرفع قومه إلى درجة الملوك، ويبين أنه لم يرتفع إلى مكانتهم أحد. قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: "قم يا حسان فأجب الرجل"، فقام حسان فقال: إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وكل الخير يصطنع قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع أعفة ذكرت في الوحي عفتهم ... لا يطمعون ولا يرديهم طمع

стр. 470

أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفاوتت الأهواء والشيع١ وقد أسلم هؤلاء القوم وحسن إسلامهم، وأقاموا مدة يتعلمون فيها القرآن ويتفقهون في الدين. ومن هذه الوفود رسول بني سعد بن بكر، ويقال له: ضمام بن ثعلبة، وموقف هذا الرجل يدل على أنه جاء إلى الرسول ﷺ مطمئن القلب بالإيمان، وأن غرضه من هذه الوفادة هو زيادة اليقين والاطمئنان، وأنه كان مسموع الكلمة لدى قومه، ولذا لبوا رغبته واستجابوا له حينما دعاهم إلى الإسلام بعد رجوعه من مقابلة رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق٢: بعث بنو سعد بن بكر إلى رسول الله ﷺ رجلًا منهم يقال له ضمام بن ثعلبة، فقدم على رسول الله ﷺ وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلًا جلدًا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: أيكم ابن عبد المطب؟ فقال رسول الله ﷺ : "أنا ابن عبد المطلب". قال: أمحمد؟ قال: "نعم".

стр. 471

قال: يابن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجد بها عليّ في نفسك١. قال: "لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك" قال: أنشدك الله إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولًا؟ قال: "اللهم نعم" قال: أنشدك الله، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده، ولا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: "اللهم نعم". ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الزكاة والصيام والحج، وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره راجعًا. فقال رسول الله ﷺ : "إن صدق ذو العقيصتين٢ دخل الجنة". قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام. اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون. قال: ويلكم إنهما -والله- لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره٣ رجل أو امرأة إلا مسلمًا.

стр. 472

وهكذا كانت وفادة ضمام بن ثعلبة على رسول الله ﷺ وفادة ميمونة مباركة حتى يقول ابن عباس -رضي الله عنهما١: ما سمعنا بوافد كان أفضل من ضمام بن ثعلبة٢. ومنهم وفد ثقيف٣، وكان من خبرهم أن الرسول ﷺ لما رجع من الطائف بعد حصارها، تبع أثره عروة٤ بن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، ثم طلب من الرسول ﷺ أن يأذن له بالرجوع إلى قومه ليدعوهم إلى الإسلام. فقال له الرسول ﷺ : "إنهم قاتلوك". فقال: أنا أحب إليهم من أبصارهم. فخرج إلى قومه يرجو منهم طاعته لما كان يعرفه فيهم من الإخلاص له، ولكنه أخطأ في تقديره، وصدقت فراسة الرسول ﷺ وذلك أنهم لما رأوه يدعوهم إلى ترك دينهم ولا يحيد عن ذلك، لم يطيقوا صبرًا وأحاطوه به ورموه

стр. 473

بالنبل من كل وجه حتى قتلوه١. وأحست ثقيف بعد قتل عروة أن هناك خطرًا يهددها من القبائل المجاورة التي دخلت في الإسلام، وأدركت أنها مهما قاومت قوة المسلمين فإنها سوف تصير بعد حين من الزمان إلى الانهيار والدمار، ومن أجل ذلك استقر رأيهم على إرسال وفد إلى النبي ﷺ يعرض عليه صلحهم معه ومسالمتهم إليه، ووصل هذا الوفد إلى المدينة، فشرح الله صدورهم للإسلام، وعادوا بعد ذلك إلى أهلهم وذويهم في الطائف لينشروا الإسلام بينهم ...

стр. 474

هدم اللات: وقد وجه النبي ﷺ مع هذا الوفد أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة -وكان لهما بثقيف مودة واحترام- ليقوما بهدم اللات. وكان شديدًا على ثقيف أن يتم الإجراء ويهدم الإله الكبير الذي كانوا يلجئون إليه في النوائب، ويرونه الملاذ الذي كان يحميهم من كوارث الدهر وخطوبه، ولكنهم كانوا مضطرين إلى الإذعان لأمر الرسول ﷺ حتى لا يتعرضوا لهلاك محقق، فقام المغيرة بهدم هذا الإله المزعوم بينهم كان رجال ثقيف واجمين، ونساؤهم متحسرات يبكين. وبهدم اللات وبإسلام الطائف كانت الحجاز كلها قد أسلمت، وغدا سلطان الرسول ﷺ ونفوذه يمتد ذات اليمين وذات الشمال، والوفد تتابع من كل مكان لتعلن الطاعة والولاء لرسول الله ﷺ . ومنهم وفود اليمانيين، وقد استقبلهم الرسول ﷺ في المدينة وأحسن استقبالهم، وكان منهم الأشعريون وهم قوم أبي موسى الأشعري، وقد أسلموا

стр. 475

وحسن إسلامهم وبايعوا الرسول ﷺ قال رسول الله ﷺ في حقهم: "أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب، وهم خيار من في الأرض" ١. ومنهم وفود حضرموت والبحرين وعمان. وقد قدم هؤلاء جميعًا أفواجًا أفواجًا ليدخلوا في دين الله، وليذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ٢.

стр. 476

حج أبي بكر ١ وفي هذا العام -أعني عام الوفود- كانت أول حجة في الإسلام، وكان أمير الحج من قبل الرسول ﷺ هو أبو بكر الصديق ﵁ ولهذه الحجة دلالتها القوية على مدى النفوذ الذي أصبح للمسلمين بعد الفتح الأعظم لمكة،

стр. 477

حتى أصبح البلد الأمين مثابة للناس وأمناً، وأصبحت أبوابه مفتوحة للمسلمين يغدون ويروحون ويحجون ويعتمرون. وقد عهد الرسول ﷺ إلى أبي بكر ﵁ بالإمارة على الحجيج -كما قدمنا- فخرج على رأس ثلاثمائة من المسلمين١ قاصدًا البلد الحرام، وقد طهره الله من الأصنام والأوثان، ولكنه لم يطهر بعد من المشركين الذين أقبلوا من كل فجٍّ يطوفون بالبيت، ويتلمسون آلهتهم التي كانت تستظل به منذ عام واحد، ثم حطمها محمد ﷺ فاختفت أشباحها من الوجود، ولكن بقي -على حد زعمهم- روحها القوي يصرف عنهم السوء، ويملأ حياتهم بالخير والبركة. وكان من فضل الله على رسوله ﷺ وعلى المسلمين، أن يعيد لهذا البيت طُهره القديم منذ رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل ﵉ فنزلت الآيات الكريمة من سورة التوبة: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ٢. ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ، إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ٣. ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ

стр. 478

هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١. وقد أوفد رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- بهذه الآيات الكريمة، كي يلحق بأبي بكر ﵁ وليبلغها بنفسه إلى الناس. فلما رآه أبو بكر قال له: أمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور. وأخبره أنه إنما جاء ليبلغ الناس ما أمر به الله ورسوله. فلما اجتمع الناس بمنى يؤدون مناسك الحج، وقف علي بن أبي طالب وإلى جانبه أبو هريرة فقرأ الآية الكريمة من صدر سورة التوبة وهي التي ذكرنا بعضها منها ... ولما أتم تلاوتها وقف هنيهة ثم قال: يا أيها الناس: إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو إلى مدته.. ثم أجل الناس أربعة أشهر بعد ذلك اليوم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم٢. ومنذ ذلك اليوم اكتمل تطهير البلد الأمين من الرجس، فلم يحج إليه مشرك، ولم يقم فيه كافر، وبقيت أنوار الحق والإيمان تشع في الأرجاء إلى ما شاء الله، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ ٣.

стр. 479

الفصل السابع: حجة الوداع ووفاة الرسول ﷺ حجة الوداع ... الفصل السابع: حجة الوداع ووفاة الرسول ﷺ وحينما جاء موسم الحج من العام العاشر الهجري، كان البيت العتيق قد تخلص من شوائب الشرك وأرجاسه، فتجهز رسول الله ﷺ لأداء فريضة الحج في الحجة الأولى في حياته، وقد شاء الله أن تكون الأولى والأخيرة، ومن أجل ذلك سميت: حجة الوداع١. وقد سرت الأنباء بحج الرسول ﷺ في كل مكان، وتسمعت الصحراء لهذه الأنباء في زهوٍ وطرب، وتجمعت القبائل العربية من كل صوب وحدب، حتى لقد بلغت عدة المسلمين حينئذٍ مائة ألف أو يزيدون جاءوا يتسابقون ركضًا لينالوا شرف الحج مع النبي الكريم ﷺ وليروا عن كثب تلك المناسبات المقدسة كما يؤديها الرائد الأكبر والقائد المظفر، وكما تقضي بها تعاليم الدين الحنيف. ولم يكد يأتي اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة، حتى بدأ الركب يولي وجهه شطر المسجد الحرام٢، ويحث الخطا لبلوغ تلك الغاية الكريمة، وأخذ

стр. 480

رسول الله ﷺ معه جميع نسائه، وكأنه كان يحس بقرب الأجل ونهاية المطاف، وكأنما ألهمه الله أن هذا الموسم من الحج هو آخر العهد به في هذه الحياة الدنيا، فلم يشأ أن يخصص واحدة من نسائه بفضل صحبته في هذه الحجة الأولى والأخيرة، حتى لا تضيع الفرصة على غيرها من أمهات المؤمنين. ولقد أنصت التاريخ في إكبار يسجل هذا المشهد الحافل، وتساءل الناس وهم يتبعون محمدًا ﷺ وكأنهم في حلم عجيب. ما هذه الجموع الحاشدة؟ وإلى أين تسير؟ ومن ذلكم القائد الكبير؟ ثم طفقوا يسترجعون الذكريات القريبة، كلما أغذُّوا السير في الطريق من يثرب إلى مكة وأطلت عليهم جباله، وانبسطت بين أيديهم رماله. فمن هذا الطريق سار محمد بن عبد الله ﷺ منذ أربع سنوات في جمع قليل وعدد ضئيل١ يريدون أن يؤدوا نسك العمرة، فوقفت قريش في سبيلهم ولم تمكنهم من دخول المسجد الحرام في ذلك العام. ومن هذا الطريق سار محمد بن عبد الله ﷺ منذ ثلاث سنوات ليؤدي عمرة القضاء بعد صلح الحديبية في جمع من أصحابه بلغت عدتهم قرابة الألفين، فصدق الله رسوله ﷺ الرؤيا بالحق، ودخل المسلمون المسجد الحرام آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين. ثم شهد هذا الطريق محمدًا ﷺ وأصحابه منذ عامين اثنين٢ يخرجون لنصرة المظلوم وردع الظالم، ولرد قريش عن البغي والعدوان بعد أن بالغت في الاستهتار وأمعنت في العناد، ولم تكترث بوعد ولم ترعَ حرمة لعهد، وكان المسلمون في جيش كبير بلغت عدته عشرة آلاف، فجاء نصر الله، ودخل الناس في دين الله،

стр. 481

وخنس الشيطان، وزالت دولة الأوثان، ودوى صوت المؤذن بالتكبير في أرجاء البلد الأمين. والآن وبعد عامين من هذا الفتح العظيم يشهد هذا الطريق محمدًا ﷺ وأصحابه يتوجهون إلى مكة وقد أصبح العشرة آلاف مائة ألف أو يزيدون، وهكذا ينتصر الحق فينمو ويزيد، وهكذا يزهق الباطل، وما يبدئ الباطل وما يعيد. ولم تطل بنفوس المسلمين هذه الخواطر حتى وصلوا إلى ذي الحليفة فنزلوا بها وأقاموا ليلتهم، حتى إذا ما أصبحوا أحرم النبي ﷺ وأحرم المسلمون معه، وبدت هذه الألوف المؤلفة في زي واحد، ومظهر واحد، ومنطق واحد، قد كشفوا عن رءوسهم الغطاء، ولبسوا الإزار والرداء، وانطلقوا يهتفون من أعماق قلوبهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. فيا لله لعظمة الحق والإيمان، وما أروعه من نبأ اهتزت له البطحاء، وسبحت به الحصباء، وباركه رب الأرض والسماء. ولما بلغ القوم سرف١ قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "من لم يكن منكم معه هدي٣ فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا". ثم بلغ الحجيج مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة٣، وأقبل رسول الله ﷺ والمسلمون من بعده إلى الكعبة، فاستلم الحجر الأسود وقبله، ثم طاف بالبيت سبعًا، هرول في الثلاثة الأولى منها، ثم صلى عند مقام إبراهيم، ثم عاد فقبل

стр. 482

الحجر مرة ثانية، ثم خرج من المسجد إلى ربوة الصفا حيث سعى بين الصفا والمروة. ولما انتهى من سعيه نادى في الناس ألا يبقى على إحرامه من لا هدي معه.. وقال -صلوات الله وسلامه عليه-: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وتحللت منها" ١. وقد تحلل كثير من المسلمين الذين لم يسوقوا الهدي معهم، وتبعت البقية الأخرى رسول الله ﷺ على إحرامه. وفي اليوم الثامن من ذي الحجة، ذهب رسول الله ﷺ إلى منى، فقضى بها طول يومه وقضى الليل كله حتى مطلع الفجر، ثم أدى صلاة الفجر وركب ناقته القصواء حتى بزغت الشمس ثم قصد إلى عرفات. وهناك وعلى هذا الجبل الخالد٢ وقف -صلوات الله وسلامه عليه- وأحاط به المسلمون يلبون ويكبرون وتسموا أرواحهم إلى الملأ الأعلى فينسبون الحياة، ولا يفكرون إلا في ذات الله ٣. فيا له من مجتمع كريم يتلاقى فيه المسلمون من كل فج وقد وحد بينهم الهدف والغاية، وألّف بين قلوبهم دين أغناهم عن الأحساب والأنساب، وأنساهم الحمية الجاهلية، والعصبية القبلية. ويا له من مؤتمر عظيم يعقد في كل عام، ويضم المسلمين في أرجاء الدنيا على اختلاف أجناسهم ليتعارفوا ويتآلفوا ويحققوا معنى الوحدة والتضامن، ويتشاوروا فيما يكفل لهم الخير ويمكنهم من الأعداء حتى يعملوا على تلافي النقص وبلوغ الكمال.

стр. 483

وفي هذا اليوم الخالد وقف رسول الله ﷺ وألقى على المسلمين خطبته الجامعة والتي بين فيها أصول الدين وفروعه ومبادئه وآدابه، حيث قال١: "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له ومن يضللل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ... أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد: أيها الناس، اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. إن ربا الجاهلية موضوع ٢، وإن أول ربًا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإنت مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة ٣ والسقاية ٤. والعمد قود ٥، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير. فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.

стр. 484

أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيها سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. أيها الناس: إنما النسيء ١ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله. وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات وواحد فرد، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس: إن لنسائكم عليكم حقًّا، ولكم عليهن حق: ألا يوطئن فرشكم ٢ غيركم، ولا يدخلن أحدًا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة. فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تعضلوهن ٣ وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربًا غير مبرح. فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان ٤، ولا يملكن لأنفسهن شيئًا: أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرًا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة. ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فلا ترجعن بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده، كتاب

стр. 485

الله ١، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فليبلغ الشاهد منكم الغائب. أيها الناس: إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز لوارث وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش ٢، وللعاهر الحجر ٣ من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل ٤، والسلام عليكم ورحمة الله". وهكذا كانت خطبة الوداع في حجة الوداع. وهي خطبة جامعة، ووصية رائعة تشير كل فقرة منها إلى ما كان يحس به الرسول ﷺ من قرب الأجل، ونهاية العمر، فهو يبرئ ذمته، ويصفي حسابه مع الناس، حتى لا تعظم مسئوليته أمام رب الناس، وهو يشهد الناس في كل فقرة على أنه أدى الأمانة وبلغ الرسالة، فيسألهم: ألا هل بلغت؟ ثم يتجه إلى ربه ويناديه: اللهم اشهد ... وهو يبدأ الخطبة بقوله: "لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا"، ثم يقول في ثناياها: "فلا ترجعن بعدي كفارًا ... فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده". وكل هذه فقرات واضحة الدلالة على أن صاحبها قد فرغ من الدنيا، وأنه يتهيأ

стр. 486

للحياة الجديدة في الدار الآخرة، انتظارًا لما وعده الله سبحانه حيث يقول: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ١. وكان من الدلالات القوية على دنو أجل الرسول ﷺ تلك الآية الكريمة التي نزلت على الرسول ﷺ في ذلك اليوم، وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ ٢. وقد أدى الرسول ﷺ مناسك الحج، في رمي الجمار والنحر والحلق والطواف، وبعد أن أقام بمكة عشرة أيام قفل راجعًا إلى المدينة، ولما رآها كبر ثلاثًا ثم قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" ٣.

стр. 487

وفاة الرسول ﷺ مدخل ... وفاة الرسول ﷺ وقد جعل الله الذي يقدر الليل والنهار حياة الرسول ﷺ موقوتة بإتمام رسالته، فلما تمت الرسالة ونزلت الآية الكريمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ ١. كان ذلك آية على أن اليوم الذي قدره الله لرسوله ﷺ في هذه الدنيا يوشك أن تغرب شمسه، وقد أحس الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- بذلك، فجلس على المنبر في أخريات أيامه وقال لأصحابه٢: "إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده". فبكى أبو بكر حينما سمع هذا الكلام وقال: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فأثنى رسول الله ﷺ على أبي بكر وقال: "إن أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، فلو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام". ثم بدأت أعراض المرض تظهر على الرسول ﷺ في أواخر صفر من السنة

стр. 488

الحادية عشرة للهجرة١، وكان حينئذٍ في بيت ميمونة بنت الحارث، وأخذ ينتقل بين بيوت أزواجه، فلما اشتد عليه المرض استأذن منهن أن يمرض في بيت السيدة عائشة، فأذِنَّ له.. ولما دخل إلى بيت عائشة واشتد عليه الوجع قال للحاضرات من زوجاته: "هريقوا ٢ علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس". فأجلس في مخضب٣، وصب عليه الماء حتى شعر بشيء من الراحة، فأشار إليهن بالاكتفاء٤.. ثم خرج إلى الناس متوكئًا على علي بن أبي طالب والفضل بن العباس٥، وتقدم العباس أمامهم، والنبي ﷺ معصوب الرأس يخط

стр. 489

برجليه حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر، وثار الناس إليه، فحمد وأثنى عليه ثم قال١: "أيها الناس، بلغني أنكم تخافون عليّ الموت، كأنه استنكار منكم للموت، وما تنكرون من موت نبيكم؟ ألم أنع إليكم وتنع إليكم أنفسكم؟ هل خُلِد نبي قبلي فيمن بعث فأخلد فيكم؟ ألا إني لاحق بربي وإنكم لاحقون به. وإني أوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرًا، وأوصي المهاجرين فيما بينهم، فإن الله قال: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ٢. وإن الأمور تجري بإذن الله، فلا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن الله لا يعجل لعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ٣. وأوصيكم بالأنصار خيرًا، فإنهم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلكم: أن

стр. 490

تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم الثمار؟ ألم يوسعوا عليكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين، فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم ألا ولا تستأثروا عليهم". فقال العباس بن عبد المطلب ﵁ للرسول ﷺ : يا نبي الله، أوصِ بقريش. فقال: "إنما أوصي بهذا الأمر قريشًا، والناس تبع لقريش: برهم لبرهم وفاجرهم لفاجرهم، فاستوصوا آل قريش بالناس خيرًا. يا أيها الناس: إن الذنوب تغير النعم، وتبدل القسم، فإذا بر الناس برهم أئمتهم، وإذا فجر الناس عقوا لهم" ١. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢. وقد استمر مرض الرسول ﷺ ثلاثة عشر يومًا٣، ولما كان اليوم الثالث عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، وحينما كان المسلمون يؤدون صلاة الفجر، وإذا بهم يفاجئون برسول الله ﷺ يسعى إليهم في هدوء ويطلع عليهم من باب حجرة السيدة عائشة، وقد أشرق وجهه بالسرور، ولمعت بين ثناياه ابتسامة عريضة، فهم أبو بكر -وكان يؤم المسلمين في الصلاة- بأن

стр. 491

يخلي مكان الإمامة للرسول ﷺ وظن أنه يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتنوا بصلاتهم فرحًا برسول الله ﷺ ولكن الرسول ﷺ أشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل إلى الحجرة وأرخى الستر على الباب١. ثم بدأت اللحظات الأخيرة في حياة الرسول ﷺ وكان الرسول ﷺ في هذه الساعة الفاصلة يغدو ويروح بفكره متنقلًا في أرجاء الماضي العظيم الذي انطوت أيامه، بما اشتملت عليه من جلائل الأعمال، فيراه بين يديه نورًا يضيء جنبات نفسه، ويكشف أيامه الحجب المغيبة والغيوب المحجوبة٢، ويريه مقعده الخالد في جنة الخلد، فيتطلع ببصره إلى السماء ويقول: "بل الرفيق الأعلى من الجنة" ٣. وتتحدث السيدة عائشة ﵂ عن هذه اللحظة التي التقى فيها الرسول ﷺ بربه فتقول: وجدت رسول الله ﷺ يثقل في حجري فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: "بل الرفيق الأعلى من الجنة". فقلت خيرت فاخترت والذي بعثك بالحق. وقبض رسول الله ﷺ بين سحري٤ ونحري.

стр. 492

وهكذا ترجع النفس المطمئنة إلى ربها راضية مرضية لتدخل في عباده، وتدخل جنته ... وهكذا تنتهي حياة الرسول ﷺ ولكن لتبدأ من جديد في مبادئ الإسلام الخالدة، وكتاب الله الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ١. وبذلك يكون الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- قد مضى في هذه الدنيا ثلاثًا وستين سنة قمرية وثلاثة أيام٢، وهو يوازي بالسنين الشمسية واحدًا وستين عامًا وأربعة وثمانين يومًا.. وقد كانت الوفاة في ضحى يوم الاثنين ١٣ ربيع الأول ١١هـ ٨ يونيو سنة ٦٣٣م.

стр. 493

موقف المسلمين من وفاة الرسول ﷺ : وكان من الطبيعي أن يقع هذا النبأ الأليم في نفوس المسلمين موقع الصاعقة، وأن تصطدم به قلوبهم صدمة عنيفة بلغ من عنفها أن ابتلي بها بعض المؤمنين وزلزلوا زلزالًا شديدًا، حتى كذب بعضهم هذا النبأ١، وصمت البعض عن الكلام فكان يذهب ويجيء ولسانه معقود، وخلط البعض في كلامهم فكانوا يهرفون بما لا يعرفون. وكان عمر بن الخطاب ﵁ فيمن كذب بموت الرسول ﷺ فخرج على الناس وقال: إن رسول الله ﷺ لم يمت، وإنه سوف يرجع ليقطع أيدي وأرجل رجال من المنافقين يتمنون لرسول الله ﷺ الموت. وإنما واعده الله -عز

стр. 494

وجل- كما واعد موسى وهو آتيكم. وفي رواية أخرى أنه قال: أيها الناس كفوا ألسنتكم عن رسول الله ﷺ فإنه لم يمت. والله لا أسمع أحدًا يذكر أن رسول الله ﷺ قد مات إلا علوته بسيفي هذا١. لم يكن أحد من المسلمين في مثل حال العباس وأبي بكر ﵄ فإن الله أيدهما بالتوفيق والرضا والاطمئنان بما قضى الله. فأما أبو بكر فإنه لما بلغه الخبر دخل على رسول الله ﷺ فكشف عن وجهه، وقبل جبينه وجعل يبكي ويقول: بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي. طبت حيًّا وميتًا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء٢، فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء، ولولا أن موتك كان اختيارًا منك لجدنا لحزنك بالنفوس، ولولا أنك نهيتنا عن البكاء٣ لأنفدنا عليك ماء العيون، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وادكار يتحالفان ولا يبرحان. اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك، فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة. ثم خرج٤ أبو بكر بعد ذلك إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

стр. 495

ثم تلا قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ١. وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢. وهنا أفاق عمر ﵁ ورجع إليه صوابه فقال: فكأني لم أكن تلوت هذه الآية قط. وقد مكث ﵊ في بيته بقية يوم الاثنين وليلة الثلاثاء ويومه. ثم دفن ليلة الأربعاء، بعد أن انتهى المسلمون من اختيار أبي بكر للخلافة. وكان الذي تولى غسله علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب وابناه الفضل وقثم، وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله ﷺ .. وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة٣. ولما فرغوا من تجهيزه وضع على سريره في بيته، ودخل الناس عليه أرسالًا متتابعين يصلون عليه، ولم يؤمهم أحد٤. ثم حفر له لحد في حجرة عائشة حيث كانت وفاته٥، وأنزله القبر: علي،
следующие страницы →