المؤمنين علي كرم الله وجهه حديث أبي سنان الأشجعي وقال: بوال على عقبيه.
فصل
وينبغي أن يكون ثقة مأمونا لا يكون كذابا ولا ممن يزيد في الحديث ما ليس منه فإن عرف بشيء من ذلك لم يقبل حديثه لأنه لا يؤمن أن يضيف إلى رسول الله ﷺ ما لم يقله.
فصل
وكذلك يجب أن يكون غير مبتدع يدعو الناس إلى البدعة فإنه لا يؤمن أن يضع الحديث على وفق بدعته، وأما إذا لم يدع الناس إلى البدعة فقد قيل أن روايته تقبل.
قال الشيخ الإمام ﵀: والصحيح عندي أنها لا تقبل لأن المبتدع فاسق فلا يجوز أن يقبل خبره.
فصل
وينبغي أن يكون غير مدلس والتدليس هو أن يروي عمن لم يسمع منه ويوهم أنه سمع منه ويروى عن رجل يعرف بنسب أو اسم فيعدل عن ذلك إلى ما لا يعرف به من أسمائه يوهم أنه غير ذلك الرجل المعروف، وقال كثير من أهل العلم يكره ذلك إلا أنه لا يقدح ذلك في روايته وهو قول بعض أصحابنا لأنه لم يصرح بكذب. ومن الناس من قال يرد حديثه لأنه في الإيهام عمن لم يسمع توهيم ما لا أصل له فهو كالمصرح بالكذب وفي العدول عن الاسم المشهور إلى غيره تغرير بالرواية عمن لعله غير مرضي فوجب التوقف عن حديثه.
فصل
ويجب أن يكون ضابطا حال الرواية محصلا لما يرويه فأما إذا كان مغفلا لم يقبل خبره فإنه لا يؤمن أن يروي بما لم يسمعه فإن كان له حال غفلة
стр. 107
وحال تيقظ فما يرويه في حال تيقظه مقبول، وإن روي عنه حديثا ولم يعلم أنه رواه في حال التيقظ أو الغفلة لم يعمل به.
стр. 108
باب القول في الجرح والتعديل
وجملته أن الراوي لا يخلو إما أن يكون معلوم العدالة أو معلوم الفسق أو مجهول الحال، فإن كانت عدالته معلومة كالصحابة ﵃ أو أفاضل التابعين كالحسن وعطاء والشعبي والنخعي وأجلاء الأئمة كمالك وسفيان وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ومن يجري مجراهم وجب قبول خبره ولم يجب البحث عن عدالته، وذهبت المعتزلة والمبتدعة إلى أن في الصحابة فساقا وهم الذين قتلوا عليا كرم الله وجهه من أهل العراق وأهل الشام حتى اجترءوا ولم يخافوا الله وأطلقوا هذا القول على طلحة والزبير وعائشة ﵃ وهذا قول عظيم في السلف والدليل على فساد قولهم أن عدالتهم قد ثبتت ونزاهتهم قد عرفت فلا يجوز أن تزول عما عرفناه إلا بدليل قاطع ولأنهم لم يظهر منهم معصية اعتمدوها وإنما دارت بينهم حروب كانوا فيها متأولين ولهذا امتنع خلق كثير من خيار الصحابة والتابعين عن معاوية في قتال علي كرم الله وجهه على ذلك واستعفوا عن القتال معه لما دخل عليهم من الشبهة في ذلك كسعد بن أبي وقاص وأصحاب ابن مسعود وغيرهم ولهذا كان علي رحمة الله عليه يأذن في قبول شهادتهم والصلاة معهم فلا يجوز أن يقدح ذلك في عدالتهم.
فصل
فأما أبو بكرة ومن جلد معه في القذف فإن أخبارهم تقبل لأنهم لم يخرجوا مخرج القذف بل أخرجوه مخرج الشهادة وإنما جلدهم عمر كرم الله وجهه باجتهاده فلم يجز أن يقدح بذلك في عدالتهم ولم يرد خبرهم.
فصل
وإن كان معلوم الفسق لم يقبل خبره سواء كان فسق بتأويل أو بغير
стр. 109
تأويل، وقال بعض المتكلمين يقبل الفاسق بتأويل إذا كان أمينا في دنيه حتى الكافر. والدليل على ما قلناه قوله : ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١ ولم يفرق، ولأنه إذا لم يخرجه التأويل عن كونه كافرا أو فاسقا لم يخرجه عن أن يكون مردود الخبر.
الفصل
فإذا كان مجهول الحال لم يقبل حتى تثبت عدالته، وقال أصحاب أبي حنيفة ﵀ يقبل، والدليل على ما قلناه أن كل خبر لم يقبل من الفاسق لم يقبل من مجهول العدالة كالشهادة.
فصل
ويجب البحث عن العدالة الباطنة كما يجب ذلك في الشهادة، ومن أصحابنا من قال يكفي السؤال عن العدالة في الظاهر فإن مبناه على الظاهر وحسن الظن ولهذا يجوز قبوله من العبد.
فصل
فإن اشترك رجلان في الاسم والنسب وأحدهما عدل والآخر فاسق فروي خبر عن هذا الاسم لم يقبل حتى يعلم أنه عن العدل.
فصل
ويثبت التعديل والجرح في الخبر بواحد، ومن أصحابنا من قال لا يثبت إلا من نفسين كتزكية الشهود والأول أصح لأن الخبر يقبل من واحد فكذلك تزكية المخبر.
فصل
ولا يقبل التعديل إلا ممن يعرف شروط العدالة وما يفسق به الإنسان
стр. 110
لأنا لو قبلنا ممن لا يعرف لم نأمن أن نشهد بعدل من هو فاسق أو فسق من هو عدل.
فصل
ويكفي في التعديل أن يقول هو عدل. ومن أصحابنا من قال يحتاج أن يقول هو عدل على ولي ومن الناس من قال لا بد من ذكر ما صار به عدلا، والدليل على انه يكفي قوله عدل أن قوله عدل يجمع أنه عدل عليه وله ولا يحتاج إلى الزيادة عليه، والدليل على أنه لا يحتاج إلى ذكر ما يصير به عدلا أنا لا نقبل إلا قول من تعرف فيه شروط العدالة فلا يحتاج إلى بيان شروط العدالة.
فصل
ولا يقبل الجرح إلا مفسرا فأما إذا قال هو ضعيف أو فاسق لم يقبل، وقال أبو حنيفة ﵀: إذا قال هو فاسق قبل من غير تفسير وهذا غير صحيح لأن الناس يختلفون فيما يرد به الخبر ويفسق به الإنسان فربما اعتقد في أمر أنه جرح وليس بجرح فوجب بيانه.
فصل
فإن عدله واحد وجرحه آخر قدم الجرح على التعديل لأن مع شاهد الجرح زيادة علم فقدم على المزكى.
فصل
فإن روي عن المجهول عدل لم يكن ذلك تعديلا وقال بعض أصحابنا: إن ذلك تعديل والدليل على فساد ذلك هو أنا نجد العدول يروون عن المدلسين والكذابين ولهذا قال الشعبي: أخبرني الحارث الأعور وكان والله كذابا فلم يكن في الرواية عنه دليل على التعديل.
فصل
فأما إذا عمل العدل بخبره وصرح بأنه بخبره فهو تعديل لأنه يجوز
стр. 111
أن يعمل به إلا وقد قبله وإن عمل بموجب خبره ولم يسمع منه أنه عمل بالخبر لم يكن ذلك تعديلا لأنه قد يعمل بموجب الخبر من جهة القياس ودليل غيره فلم يكن ذلك تعديلا.
стр. 112
باب القول في حقيقة الرواية وما يتصل به
والاختيار في الرواية أن يروي الخبر بلفظه لقوله ﷺ : "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداعها" كما سمع: "رب حامل أفقه منه" فإن أورد الرواية بالمعنى نظرت فإن كان ممن لا يعرف معنى الحديث لم يجز لأنه لا يؤمن أن يغير معنى الحديث وإن كان ممن يعرف معنى الحديث نظرت فإن كان ذلك في خبر محتمل لم يجز أن روي بالمعنى لأنه ربما نقل بلفظ لا يؤدي مراد الرسول ﷺ فلا يجوز أن يتصرف فيه وإن كان خبرا ظاهرا ففيه وجهان: من أصحابنا من قال: لا يجوز لأنه ربما كان التعبد باللفظ كتكبير للصلاة. والثاني: أنه يجوز وهو الأظهر لأنه يؤدي معناه فقام مقامه ولهذا روى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أصبت المعنى فلا بأس".
فصل
والأولى أن يروى الحديث بتمامه فإن روي البعض وترك البعض لم يجز ذلك على قول من يقول إن نقل الحديث بالمعنى لا يجوز وأما على قول من قال إن ذلك جائز فقد اختلفوا في هذا. فمنهم من قال: إن كان قد نقل ذلك هو أو غيره بتمامه مرة جاز أن ينقل البعض وإن لم يكن قد نقل ذلك لا هو ولا غيره لم يجز، ومنهم من قال: إن كان يتعلق بعضه ببعض لم يجز فإن كان الخبر يشتمل على حكمين لا يتعلق أحدهما بالآخر جاز نقل أحد الحكمين بترك الآخر وهو الصحيح، ومن الناس من قال: لا يجوز بكل حال والدليل على الصحيح هو أنه إذا تعلق بعضه ببعض كان في ترك بعضه تقرير لأنه ربما عمل بظاهره فيخل بشرط من شروط الحكم وإذا لم يتعلق بعضه ببعض فهو كالخبرين يجوز نقل أحدهما دون الآخر.
стр. 113
فصل
وينبغي لمن لا يحفظ الحديث أن يرويه من الكتاب فإن كان يحفظ فالأولى أن يرويه من كتاب لأنه أحوط فإن رواه من حفظه جاز، وأما إذا لم يحفظ وعنده كتاب وفيه سماعه بخطه وهو يذكر أنه سمع جاز أن يرويه وإن لم يذكر كل حديث فيه وإن لم يذكر أنه سمع هذا الخبر فهل يجوز أن يرويه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز وعليه يدل قوله في الرسالة. والثاني: لا يجوز وهو الصحيح لأنه لا يأمن أن يكون قد زور على خطه فلا تجوز الرواية بالشك.
فصل
فإذا روى عن شيخ ثم نسى الشيخ الحديث لم يسقط الحديث، وقال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة ﵀: يسقط الحديث وهذا غير صحيح لأن الراوي عنه ثقة ويجوز أن يكون الشيخ قد نسى فلا تسقط رواية صحيحة في الظاهر فأما إ ذا جحد الشيخ الحديث وكذب الراوي عنه سقط الحديث لأنه قطع بالجحود ورد الحديث فتعارض روايته جحود الشيخ فسقطا ولا يكون هذا التكذيب قدحا في الرواية عنه لأنه كما يكذبه الشيخ فهو أيضا يكذب الشيخ.
فصل
فإذا قرأ الشيخ الحديث عليك جاز أن تقول سمعته وحدثني وأخبرني وقرأ عليّ. سواء قال أروه عني أو لم يقل وإن أملى عليك جاز جميع ما ذكرناه ويجوز أن يقول أملى عليّ لأن جميع ذلك صدق فأما إذا قرأت عليه الحديث وهو ساكت يسمع لم يجز أن تقول سمعته ولا حدثني ولا أخبرني ومن الناس من قال يجوز ذلك وهذا خطأ لأنه لم يوجد شيء من ذلك فإن قال له هو كما قرأت عليك فأقرأ به جاز أن يقول أخبرني ولا يقول حدثني لأن الأخبار يستعمل في كل ما يتضمن الإعلام، والحديث لا يستعمل إلا فيما سمعه مشافهة، فأما إذا أجازه لم يجز أن يقول حدثني ولا أخبرني ويجوز أن يقول أجازني وأخبرني إجازة ويجب العمل به وقال بعض أهل الظاهر لا يجب
стр. 114
العمل به وهذا خطأ لأن القصد أن يثبت ذلك عن النبي ﷺ فلا فرق بين النطق وبين ما يقوم مقامه فأما إذا كتب إليه رجل وعرف خطه جاز أن يقول كتب إليّ به فأخبرني كتابة، ومن أصحابنا من قال لا يعمل بالخط كما لا يعمل في الشهادة وهذا غير صحيح لأن الأخبار مبناها على حسن الظن.
стр. 115
باب بيان ما يرد به خبر الواحد
إذا روي الخبر ثقة رد بأمور:
أحدها: أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول وأما بخلاف العقول فلا.
والثاني: أن يخالف نص كتاب أو سنة متواترة فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ.
والثالث: أن يخالف الإجماع فيستدل به على أنه منسوخ أو لا أصل له لأنه لا يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه.
والرابع: أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على الكافة علمه فيدل ذلك على أنه لا أصل له لأنه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم.
والخامس: أن ينفرد برواية ما جرت العادة أن ينقله أهل التواتر فلا يقبل لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية فأما إذا ورد مخالفا للقياس أو أنفرد الواحد برواية ما يعم به البلوى لم يرد وقد حكينا الخلاف في ذلك فأغنى عن الإعادة.
فصل
فأما إذا انفرد بنقل حديث واحد لا يرويه غيره لم يرد خبره وكذلك لو انفرد بإسناد ما أرسله غيره أو رفع ما وقفه غيره أو بزيادة لا ينقلها غيره وقال بعض أصحاب الحديث: يرد. وقال أصحاب أبي حنيفة ﵀ إذالم ينقل
стр. 116
الأصل لم يقبل وهذا خطأ لأنه يجوز أن يكون أحدهم سمع الحديث كله والآخر سمع بعضه أو أحدهم سمعه مسندا أو مرفوعا فلا تترك رواية الثقة لذلك.
стр. 117
باب القول في ترجيح أحد الخبرين على الآخر
وجملته أنه إذا تعارض خبران وأمكن الجمع بينهما وترتيب أحدهما على الآخر في الاستعمال فعل وإن لم يكن ذلك وأمكن نسخ أحدهما بالآخر فعل على ما بينه في باب بيان الأدلة التي يجوز التخصيص لها وما لا يجوز فإن لم يكن ذلك رجح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح والترجيح يدخل في موضعين: أحدهما في الإسناد والآخر في المتن. فأما الترجيح في الإسناد فمن وجوه.
أحدها: أن يكون أحد الراويين صغيرا والآخر كبيرا فيقدم رواية الكبير لأنه أضبط ولهذا قدم ابن عمر روايته في الإفراد على رواية أنس فقال إن أنسا كان صغيرا يتولج على النساء وهن متكشفات وأنا آخذ بزمام ناقة رسول الله ﷺ يسيل علي لعابها.
والثاني: أن يكون أحدهما أفقه من الآخر فيقدم على من دونه لأنه أعرف بما يسمع.
والثالث: أن يكون أحدهما أقرب إلى رسول الله ﷺ فيقدم لأنه أوعى.
والرابع: أن يكون أحدهما مباشرا للقصة أو تتعلق القصة به فيقدم لأنه أعرف من الأجنبي.
والخامس: أن يكون أحد الخبرين أكثر رواة فيقدم على الخبر الآخر، ومن أصحابنا من قال لا يقدم كما لا تقدم الشهادة بكثرة العدد والأول أصح لأن قول الجماعة أقوى في الظن وأبعد عن السهو ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ١.
стр. 118
والسادس: أن يكون أحد الروايين أكثر صحبة فروايته أولى لأنه اعرف بما دام من السنن.
والسابع: أن يكون أحدهما أحسن سياقا للحديث فيقدم لحسن عنايته بالخبر.
والثامن: أن يكون أحدهما متأخر الإسلام فيقدم لأنه يحفظ آخر الأمرين من النبي ﷺ ، وكذلك إذا كان أحدهما متأخر الصحبة كابن عباس وابن مسعود فرواية المتأخر منهما تقدم، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة ﵀ لا يقدم بالتأخير لأن المتقدم عاش حتى مات رسول الله ﷺ فساوى المتأخر في الصحبة وزاد عليه بالتقدم وهذا غير صحيح لأنه وإن كان قد ساوى المتأخر في الصحبة إلا أن سماع المتأخر متحقق التأخر وسماع المتقدم يحتمل التأخر والتقدم فما تأخر بيقين أولى، ولهذا قال ابن عباس كنا نأخذ من أوامر رسول الله ﷺ بالأحدث فالأحدث.
والتاسع: أن يكون أحد الروايين أورع أو أشد احتياطا فيما يروى فتقدم روايته لاحتياطه في النقل. والعاشر: أن يكون أحدهما قد اضطرب لفظه والآخر لم يضطرب فيقدم من لم يضطرب لفظه لأن اضطراب لفظه يدل على ضعف حفظه.
والحادي عشر: أن يكون أحد الخبرين من رواية أهل المدينة فيقدم على رواية غيرهم لأنهم يرثون أفعال رسول الله ﷺ وسنته التي مات عليها فهم أعرف بذلك من غيرهم.
والثاني عشر: أن يكون راوي أحد الخبرين قد اختلفت الرواية عنه والآخر لم تختلف عنه فاختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من قال تتعارض الروايتان عمن اختلفت الرواية عنه وتسقطان وتبقى رواية من لم تختلف عنه الرواية، ومنهم من قال ترجح إحدى الروايتين عمن اختلفت الرواية عنه على الرواية الأخرى برواية من لم تختلف الرواية عنه.
стр. 119
فصل
وأما ترجيح المتن فمن وجوه.
أحدها: أن يكون أحد الخبرين موافقا لدليل آخر من كتاب أو سنة أو قياس فيقدم على الآخر لمعاضدة الدليل له.
والثاني: أن يكون أحد الخبرين عمل به الأئمة فهو أولى لأن عملهم به يدل على أنه آخر الأمرين وأولاهما، وهكذا إذا عمل بأحد الخبرين أهل الحرمين فهو أولى لأن عملهم به يدل على أنه قد استقر عليه الشرع وورثوه.
والثالث: أن يكون أحدهما يجمع النطق والدليل فيكون أولى ما يجمع أحدهما لأنه أبين.
والرابع: أن يكون أحدهما نطقا والآخر دليلا فالنطق أولى من الدليل لأن النطق مجمع عليه والدليل مختلف فيه.
والخامس: أن يكون أحدهما قولا وفعلا والآخر أحدهما فالذي يجمع القول والفعل أولى لأنه أقوى لتظاهر الدليلين وإن كان أحدهما قولا والآخر فعلا ففيه أوجه قد مضت في باب الأفعال.
والسادس: أن يكون أحدهما قصد به الحكم والآخر لم يقصد به الحكم فالذي قصد به الحكم أولى لأنه ابلغ في بيان الغرض وإفادة المقصود.
والسابع: أن يكون أحدهما ورد على سبب والآخر ورد على غير سبب فالذي ورد على غير سبب أولى لأنه متفق على عمومه والوارد على سبب مختلف في عمومه.
والثامن: أن يكون أحد الخبرين قضى به على الآخر فالذي قضى به منهما أولى لأنه ثبت له حق التقدم. والتاسع: أن يكون أحدهما إثباتاً والآخر نفياً فيقدم الإثبات، لأن مع المثبت زيادة علم فالأخذ بروايته أولى.
стр. 120
والعاشر: أن يكون أحدهما ناقلا والآخر منفيا فالناقل أولى لأنه يفيد حكما شرعيا.
والحادي عشر: أن يكون لأحدهما احتياطا فيقدم على الذي لا احتياط فيه لأن الأحوط للدين أسلم. والثاني عشر: أن يكون أحدهما يقتضي الحظر والآخر الإباحة ففيه وجهان: أحدهما: أنهما سواء. والثاني: أن الذي يقتضي الحظر أولى وهو الصحيح لأنه أحوط.
стр. 121
القول في الإجماع
باب ذكر معنى الإجماع وإثباته
الإجماع في اللغة يحتمل معنيين أحدهما الإجماع على الشيء والثاني العزم على الأمر والقطع به من قولهم: أجمعت على الشيء إذا عزمت عليه، وأما في الشرع فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة.
فصل
وهو حجة من حجج الشرع ودليل من أدلة الأحكام مقطوع على مغيبه. وذهب النظام والرافضة إلى أنه ليس بحجة ومنهم من قال: لا يتصور انعقاد الإجماع ولا سبيل إلى معرفته فالدليل على أنه يتصور انعقاده هو أن الإجماع إنما ينعقد عن دليل من نص أو استنباط وأهله مأمورون بطلب ذلك الدليل ودواعيهم متوفرة في الاجتهاد وفي إصابته فصح اتفاقهم على إدراكه والإجماع موجبة كما يصح اجتماع الناس على رؤية الهلال والصوم والفطر بسببه والدليل على إمكان معرفة ذلك من جهتهم صحة السماع ممن حضروا الإخبار عمن غاب يعرف بذلك اتفاقهم كما تعرف أديان أهل الملل مع تفرقهم في البلاد وتباعدهم في الأوطان، والدليل على أنه حجة قوله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ١ فتوعد على اتباع غير سبيلهم فدل على أن إتباع سبيلهم واجب ومخالفتهم حرام وأيضا قوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على الخطأ" وروى: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" وقوله صلى
стр. 122
الله عليه وسلم: "من فارق الجماعة ولو قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" ونهى عن الشذوذ وقال: "من شذ شذ في النار" فدل على وجوب العمل بالإجماع.
فصل
والإجماع حجة من جهة الشرع، ومن الناس من قال هو حجة من جهة العقل والشرع جميعا وهذا خطأ لأن العقل لا يمنع إجماع الخلق الكثير على الخطأ وبهذا اجمع اليهود على كثرتهم والنصارى على كثرتهم على ما هم عليه من الكفر والضلال فدل على أن ذلك ليس بحجة من جهة العقل.
стр. 123
باب ذكر ما ينعقد به الإجماع وما جعل حجة فيه
اعلم أن الإجماع لا ينعقد إلا على دليل فإذا رأيت إجماعهم على حكم علمنا أن هناك دليلا جمعهم سواء عرفنا ذلك الدليل أو لم نعرفه ويجوز أن ينعقد عن كل دليل يثبت به الحكم كأدلة العقل في الأحكام ونص الكتاب والسنة وفحواهما وأفعال رسول الله ﷺ وإقراره والقياس وجميع وجوه الاجتهاد، وقال داود وابن جرير: لا يجوز أن ينعقد الإجماع من جهة القياس فأما داود فبناه على أن القياس ليس بحجة ويجيء الكلام عليه إن شاء الله تعالى. وأما ابن جرير فالدليل على فساد قوله هو أن القياس دليل من أدلة الشرع فجاز أن ينعقد الإجماع من جهته كالكتاب والسنة.
فصل
والإجماع حجة في جميع الأحكام الشرعية كالعبادات والمعاملات وأحكام الدماء والفروج وغير ذلك من الحلال والحرام والفتاوى والأحكام. فأما الأحكام العقلية فعلى ضربين.
أحدهما: يجب تقديم العمل به على العلم بصحة الشرع كحدوث العالم وإثبات الصانع وإثبات صفاته وإثبات النبوة وما أشبهها فلا يكون الإجماع حجة فيه لأن قد بينا أن الإجماع دليل شرعي ثبت بالسمع فلا يجوز أن يثبت
стр. 124
حكما يجب معرفته قبل السمع كما لا يجوز أن يثبت الكتاب بالسنة والكتاب يجب العمل به قبل السنة. والثاني: ما لا يجب تقديم العمل به على السمع وذلك مثل جواز الرؤية وغفران الله تعالى للمذنبين وغيرهما مما يجوز أن يعلم بعد السمع فالإجماع حجة فيها لأنه يجوز أن يعلم بعد الشرع والإجماع من أدلة الشرع فجاز إثبات ذلك به. وأما أمور الدنيا كتجيهز الجيوش وتدبير الحروب والعمارة والزراعة وغيرها من مصالح الدنيا فالإجماع ليس بحجة فيها لأن الإجماع فيها ليس بأكثر من قول رسول الله ﷺ وقد ثبت أن قوله إنما هو حجة في إجماع الشرع دون مصالح الدنيا ولهذا روي أنه ﷺ نزل منزلا فقيل له إنه ليس برأي فتركه.
стр. 125
باب ما يعرف به الإجماع
اعلم أن الإجماع يعرف بقول وفعل وقول وإقرار وفعل وإقرار.
فأما القول فهو أن يتفق قول الجميع على الحكم بأن يقولوا كلهم هذا حلال أو حرام والفعل أن يفعلوا كلهم الشيء وهل يشترط انقراض العصر في هذا أم لا؟ فيه وجهان من أصحابنا من قال: يشترط فيه انقراض العصر وإذا لم ينقرض العصر لم يكن إجماعا ولا حجة ومنهم من قال: إنه إجماع ولا يشترط فيه انقراض العصر وهو الأصح لقوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ولأن من جعل قوله حجة لم يعتبر موته في كونه حجة كالرسول ﷺ فإذا قلنا: أن ذلك إجماع فإذا أجمعت الصحابة على قول ولم ينقرضوا لم يجز لأحد منهم أن يرجع عما اتفقوا عليه وإن كبر منهم صغير وصار من أهل الاجتهاد بعد إجماعهم لم يعتبر قوله ولم تجز له مخالفتهم وإذا قلنا إنه ليس بإجماع وأن انقراض العصر شرط جاز لهم الرجوع عما اتفقوا عليه وجاز لمن كبر منهم وصار من أهل الاجتهاد أن يخالفهم.
فصل
وأما القول والإقرار فهو أن يقول بعضهم قولاً فينشروا في الباقين
стр. 126
فيسكتوا عن مخالفته والفعل والإقرار: هو أن يفعل بعضهم شيئا فيتصل بالباقين فيسكتوا عن الإنكار عليه فالمذهب أن ذلك حجة وإجماع بعد انقراض العصر. وقال الصيرفي هو حجة ولكن لا يسمى إجماعا وقال أبو علي بن أبي هريرة إن كان ذلك فتيا فقيه فسكتوا عنه فهو حجة وإن كان حكم إمام أو حاكم لم يكن حجة وقال داود ليس بحجة بحال والدليل على ما قلناه أن العادة أن أهل الاجتهاد إذا سمعوا جواباً في حادثة حدثت اجتهدوا فاظهروا ما عندهم فلما لم يظهروا الخلاف فيه دل على انهم راضون بذلك، وأما قبل انقراض العصر ففيه طريقان. من أصحابنا من قال: ليس بحجة وجها واحدا ومنهم من قال هو على وجهين كالإجماع من جهة القول والفعل.
стр. 127
باب ما يصح من الإجماع وما لا يصح ومن يعتبر قوله ومن لا يعتبر
واعلم أن إجماع سائر الأمم سوى هذه الأمة ليس بحجة وقال بعض الناس إجماع كل أمة حجة وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق الاسفرائيني والدليل على فساد ذلك ما بينا أن الإجماع إنما صار حجة بالشرع والشرع لم يرد إلا بعصمة هذه الأمة فوجب جواز الخطأ على من سواها من الأمم.
فصل
وأما هذه الأمة فإجماع علماء كل عصر منهم حجة على العصر الذي بعدهم وقال داود: إجماع غير الصحابة ليس بحجة والدليل على ما قلنا قوله تعال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ ١
الآية ولم يفرق قوله ﷺ : "لا يخلو عصر من قائم لله بحجة" ولأنه اتفاق من علماء العصر على حكم الحادثة فأشبه الصحابة.
стр. 128
فصل
ويعتبر في صحة الإجماع اتفاق جميع علماء العصر على الحكم فإن خالف بعضهم لم يكن ذلك إجماعا ومن الناس من قال: إن كان المخالفون أقل عددا من الموافقين لم يعتد بخلافهم. وقال: بعضهم إن كان المخالفون عدد لا يقع العلم بخبرهم لم يعتد بهم ومن الناس من قال: إذا أجمع أهل الحرمين مكة والمدينة والمصرين والبصرة والكوفة لم يعتد بخلاف غيرهم وقال مالك: إذا اجتمع أهل المدينة لم يعتد بخلاف غيرهم وقال الأبهري من أصحابه إنما أراد به فيما طريقه الأخبار كالأجناس والصاع. وقال بعض أصحابه: إنما أراد به الترجيح بنقلهم وقال بعضهم إنما أراد به في زمن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. وقال بعض الفقهاء: إذا أجمع الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم لم يعتد بغيرهم وقال الرافضة إذا قال علي كرم الله وجهه شيئا لم يعتد بغيره والدليل على فساد هذه الأقاويل أن الله سبحانه إنما أخبر عن عصمة جميع الأمة فدل على جواز الخطأ على بعضهم.
فصل
ويعتبر في صحة الإجماع اتفاق كل من كان من أهل الاجتهاد سواء كان مدرسا مشهورا أو خاملا مستورا وسواء كان عدلا أمينا أو فاسقا متهتكا لأن المعول في ذلك على الاجتهاد والمهجور كالمشهور والفاسق كالعدل في ذلك.
فصل
ولا فرق بين أن يكون المجتهد من أهل عصرهم أو لحق بهم من العصر الذي بعدهم وصار من أهل الاجتهاد وعند الحادثة كالتابعي إذا أدرك الصحابة في حال حدوث الحادثة وهو من أهل الاجتهاد ومن أصحابنا من قال: لا يعتد بقول التابعين مع الصحابة والدليل على ما قلناه هو أن سعيد بن المسيب والحسن وأصحاب عبد الله بن مسعود كشريح والأسود وعلقمة كانوا يجتهدون في زمن الصحابة ولم ينكر عليهم أحد ولأنه من أهل الاجتهاد عند حدوث الحادثة فاعتد بقوله كأصاغر الصحابة.
стр. 129
فصل
وأما من خرج من الملة بتأويل أو من غير تأويل فلا يعتد بقوله في الإجماع فإن أسلم وصار من أهل الاجتهاد عند الحادثة اعتبر قوله وإن انعقد الإجماع وهو كافر ثم أسلم وصار من أهل الاجتهاد فإن قلنا أن انقراض العصر ليس بشرط لم يعتبر قوله وإن قلنا إنه شرط اعتبر قوله فإن خالفهم لم يكن إجماعا.
فصل
وأما من لم يكن من أهل الاجتهاد في الأحكام كالعامة والمتكلمين والأصوليين لم يعتبر قولهم في الإجماع. وقال بعض المتكلمين: يعتبر قول العامة في الإجماع وقال بعضهم يعتبر قول المتكلمين والأصوليين وهذا غير صحيح لأن العامة لا يعرفون طرق الاجتهاد فهم كالصبيان وأما المتكلمون والأصوليين فلا يعرفون جميع طرق الأحكام فلا يعتبر قولهم كالفقهاء إذا لم يعرفوا أصول الفقه.
стр. 130
باب الإجماع بعد الخلاف
إذا اختلف الصحابة في المسألة على قولين وانقرض العصر جاز للتابعين أن يتفقوا على أحدهما ومن أصحابنا من قال: لا يتصور ذلك لأن اختلافهم على قولين حجة في جواز الأخذ بكل واحد منهما لا يجوز عليها الخطأ وإجماع التابعين على تحريم أحدهما حجة لا يجوز عليها الخطأ فلا يصح اجتماعهما وهذا غير صحيح لأن صحابة إذا اجتمعت على جواز الأخذ بكل واحد من القولين صار التابعون في القول بتحريم أحدهما بعض الأمة والخطأ جائز على بعض الأمة.
فصل
وإذا اجتمع التابعون على أحد القولين لم يزل بذلك خلاف الصحابة ويجوز لتابع التابعين الأخذ بكل واحد من القولين وقال ابن خيرون والقفال: يزول
стр. 131
الخلاف وتصير المسألة إجماعا وهو قول المعتزلة والدليل على ما قلناه أن اختلافهم على قولين إجماع على جواز الأخذ بكل واحد من القولين وما اجتمعت الصحابة على جوازه لا يجوز تحريمه بإجماع التابعين كما إذا اجمعوا على تحليل شيء لم يجز تحريمه بإجماع التابعين.
فصل
وأما إذا اختلفت الصحابة على قولين ثم اجتمعت على أحدهما نظرت فإن كان ذلك قبل أن يبرد الخلاف ويستقر كخلاف الصحابة لأبي بكر ﵁ في قتال مانعي الزكاة وإجماعهم بعد ذلك زال الخلاف وصارت المسألة بعد ذلك إجماعا بلا خلاف وإن كان ذلك بعدما برد الخلاف واستقر فإن قلنا إنه إذا اجتمع التابعون زال الخلاف بإجماعهم فبإجماعهم أولى أن يزول وإذا قلنا أن بإجماع التابعين لا يزول الخلاف بنيت على انقراض العصر فإن قلنا أن ذلك شرط في صحة الإجماع جاز لأن اختلافهم على قولين ليس بأكثر من اجتماعهم على قول واحد فإذا جاز لهم أن يرجعوا قبل انقراض العصر فرجوعهم عما اختلفوا فيه أولى وإذا قلنا أن انقراض العصر ليس بشرط لم يجز أن يجمعوا. لأن اختلافهم على قولين حجة لا يجوز عليها الخطأ في تجويز الأخذ بكل واحد من القولين فلا يجوز الإجماع على ترك حجة لا يجوز عليها الخطأ.
стр. 132
باب القول في اختلاف الصحابة على قولين
واعلم أنه إذا اختلفت الصحابة في المسألة على قولين وانقرض العصر عليه لم يجز للتابعين إحداث قول ثالث. وقال بعض أهل الظاهر: يجوز ذلك، والدليل على فساد ذلك هو أن اختلافهم على قولين إجماع على إبطال كل قول سواهما، كما أن إجماعهم على قول كل واحد إجماع على إبطال كل قول سواه فلما لم يجز إحداث قول ثان فيما أجمعوا فيه على قول واحد لم يجز إحداث قول ثالث فيما أجمعوا فيه على قولين.
стр. 133
فصل
فأما إذا اختلفت الصحابة في مسألتين على قولين فقالت طائفة فيهما بالتحليل وقالت طائفة فيهما بالتحريم ولم يصرحوا بالتسوية بينهما في الحكم جاز للتابعي أن يأخذ في إحدى المسألتين بقول طائفة وفي المسألة الأخرى بقول الطائفة الأخرى فيحكم بالتحليل في إحدى المسألتين وبالتحريم في المسألة الأخرى. ومن الناس من زعم أن هذا إحداث قول ثالث وهذا خطأ لأنه وافق في كل واحد من المسألتين فريقا من الصحابة. وأما إذا صرح الفريقان بالتسوية بين المسألتين فقال أحد الفريقين الحكم فيهما واحد وهو التحريم وقال الفريق الآخر الحكم فيهما واحد وهو التحليل وأخذ بقول فريق في أحدهما وبقول فريق في الآخر فقال شيخنا القاضي أبو الطيب ﵀ يحتمل أن يجوز ذلك لأنه لم يحصل الإجماع على التسوية بينما في حكم الأول أصح لأن الإجماع قد حصل من الفريقين على التصريح بالتسوية بينهما فمن فرق بينهما فقد خالف الإجماع وذلك لا يجوز.
стр. 134
باب القول في قول الواحد من الصحابة وترجيح بعضهم على بعض
إذا قال بعض الصحابة قولا ولم ينتشر ذلك في علماء الصحابة ولم يعرف له مخالف لم يكن ذلك إجماعا، وهل هو حجة أم ل؟ فيه قولان: قال في القديم: هو حجة ويقدم على القياس وهو قول جماعة من الفقهاء وهو قول أبي علي الجبائي وقال في الجديد: ليس بحجة وهو الصحيح وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا خالف القياس فهو توقيف يقدم على القياس وذكروا ذلك من كل وجه في قول ابن عباس فيمن نذر ذبح ابنه وفي قول عائشة ﵂ في قصة زيد بن أرقم وغير ذلك من المسائل والدليل على أنه ليس بحجة أن الله إنما أمر باتباع سبيل جميع المؤمنين فدل على أن إتباع بعضهم لا يجب ولأنه قول عالم يجوز إقراره على الخطأ فلم يكن حجة كقول التابعي والدليل على أنه ليس بتوقيف أنه لو كان توقيفا لنقل في وقت من
стр. 135
الأوقات عن رسول الله ﷺ فلما لم ينقل دل على أنه ليس بتوقيف.
فصل
وإذا قلنا بقوله القديم وأنه حجة قدم على القياس ويلزم التابعي العمل به ولا يجوز له مخالفته وهل يخص العموم به فيه وجهان: أحدهما يخص به لأنه إذا قدم على القياس فتخصيص العموم أولى. والثاني: لا يخص به لأنهم كانوا يرجعون إلى العموم ويتركون ما كانوا عليه فدل على أنه لا يجوز التخصيص به. وإذا قلنا أنه ليس بحجة فالقياس مقدم عليه ويسوغ للتابعي مخالفته، وقال الصيرفي إن كان معه قياس ضعيف كان قوله مع القياس الضعيف أولى من قياس قوي، وهذا خطأ لأن قوله ليس بحجة، والقياس الضعيف ليس بحجة، فلا يجوز أن يترك بمجموعهما قياس هو حجة.
فصل
فأما إذا اختلفوا على قولين بنيت على القولين في أنه حجة أو ليس بحجة، فإذا قلنا أنه ليس بحجة لم يكن قول بعضهم حجة على البعض ولم يجز تقليد واحد في الفريقين بل يجب الرجوع إلى الدليل وإذا قلنا إنه حجة فيهما فهما دليلان تعارضا فيرجح أحد القولين على الآخر بكثرة العدد فإذا كان على أحد القولين أكثر أصحابه وعلى القول الآخر الأقل قدم ما عليه الأكثر لقوله ﷺ : "عليكم بالسواد الأعظم" فإن استويا في العدد قدم بالأئمة فإن كان على أحدهما إمام وليس على الآخر قدم الذي عليه الإمام لقوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" فإن كان على أحدهما الأكثر وعلى الآخر الأقل إلا أن مع الأقل إماما فهما سواء لأن مع أحدهما زيادة عدد ومع الآخر إماما فتساويا وإن استويا في العدد والأئمة إلا أن في أحدهما أحد الشيخين وفي الآخر غيرهما ففيه وجهان أحدهما أنهما سواء لقوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" والثاني أن الذي فيه أحد الشيخين أولى لقوله ﷺ : "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر " فخصهما بالذكر.
стр. 136
الكلام في القياس
باب بيان حد القياس
واعلم أن القياس حمل فرع على أصل في بعض أحكامه بمعنى يجمع بينهما وقال بعض أصحابنا: القياس هو الأمارة على الحكم وقال بعض الناس: هو فعل القائس وقال بعضهم القياس هو اجتهاد والصحيح هو الأول لأنه يطرد وينعكس ألا ترى أنه يوجد بوجوده القياس وبعدمه يعدم القياس فدل على صحته فأما الأمارة فلا تطرد ألا ترى أن زوال الشمس أمارة على دخول الوقت وليس بقياس وفعل القائس أيضا لا معنى له لأنه لو كان ذلك صحيحا لوجب أن يكون كل فعل يفعله القائس من المشي والقعود قياسا وهذا لا يقوله أحد فبطل تحديده بذلك وأما الاجتهاد فهو أعم من القياس لأن الاجتهاد بذل المجهود في طلب الحكم وذلك يدخل فيه حمل المطلق على المقيد وترتيب العام على الخاص وجميع الوجوه التي يطلب منها الحكم وشيء من ذلك ليس بقياس فلا معنى لتحديد القياس به.
стр. 137
باب إثبات القياس وما جعل حجة فيه
وجملته أن القياس حجة في إثبات الأحكام العقلية وطريق من طرقها وذلك مثل حدوث العالم وإثبات الصانع وغير ذلك ومن الناس من أنكر ذلك والدليل على فساد قوله إن إثبات هذه الأحكام لا يخلو إما أن يكون بالضرورة أو بالاستدلال، والقياس لا يجوز أن يكون بالضرورة، لأنه لو كان كذلك لم يختلف العقلاء فيها، فثبت أن إثباتها بالقياس والاستدلال بالشاهد على الغائب.
стр. 138
فصل
وكذلك هو حجة في الشرعيات وطريق لمعرفة الأحكام ودليل من أدلتها من جهة الشرع. وقال أبو بكر الدقاق: هو طريق من طرقها يجب العمل به من جهة العقل والشرع وذهب النظام والشيعة وبعض المعتزلة البغداديين إلى أنه ليس بطريق للأحكام الشرعية، ولا يجوز ورود التعبد به من جهة العقل وقال داود وأهل الظاهر: يجوز أن يرد التعبد به من جهة العقل إلا أن الشرع ورد بحظره والمنع منه والدليل على أنه لا يجب العمل به من جهة العقل أن تعليق تحريم التفاضل على الكيل أو الطعم في العقل ليس بأولى تعليق التحليل عليهما ولهذا يجوز أن يرد الشرع بكل واحد من الحكمين بدلا عن الآخر، وإذا استوى الأمران في التجويز بطل أن يكون العقل موجبا لذلك. وأما الدليل على جواز ورود التعبد به من جهة العقل هو أنه إذا جاز أن يحكم في الشيء بحكم لعلة منصوص عليها جاز أن يحكم فيه بعلة غير منصوص عليها وينصب عليها دليلا يتوصل به إليها ألا ترى أنه لما جاز أن يؤمر من عاين القبلة بالتوجه إليها جاز أيضا أن يؤمر من غاب عنها أن يتوصل بالدليل أليها وأما الدليل على ورود الشرع به ووجوب العمل فإجماع الصحابة.
وروي أن أبا بكر الصديق ﵁ كان إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله ثم في سنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يجد جمع رؤساء الناس فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به وكتب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵀ في الكتاب الذي اتفق الناس على صحته: الفهم الفهم فيما أدى إليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قس الأمور عند ذلك. وقال لعثمان ﵁: إني رأيت في الجد رأيا فاتبعوني فقال له عثمان إن نتبع رأيك فرأيك رشيد وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذا الرأي كان.
وقال علي كرم الله وجهه: كان رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر ﵁ أن لا تباع أمهات الأولاد ورأيي الآن أن يبعن فقال له عبيدة السلماني: رأي
стр. 139
ذوي عدل أحب إلينا من رأيك وحدك، وفي بعض الروايات من رأي عدل واحد، فدل على جواز العمل بالقياس.
فصل
ويثبت بالقياس جميع الأحكام الشرعية جملها وتفصيلها وحدودها وكفاراتها ومقدراتها وقال أبو هاشم: لا يثبت بالقياس إلا تفصيل ما ورد النص عليه وإما إثبات جمل لم يرد بها النص فلا يجوز بالقياس وذلك كميراث الأخ لا يجوز أن يبتدأ إيجابه بالقياس ولكن إذا ثبت بالنص ميراثه جاز إثبات إرثه مع الجد بالقياس وقال أصحاب أبي حنيفة: لا مدخل للقياس في إثبات الحدود والكفارات والمقدرات كالنصب في الزكوات والمواقيت في الصلوات وهو قول الجبائي، ومنهم من قال: يجوز ذلك بالاستدلال دون القياس، والدليل على ما قلناه أن هذه الأحكام يجوز إثباتها بخبر الواحد فجاز إثباتها بالقياس كسائر الأحكام.
فصل
فأما الأسماء واللغات فهل يجوز إثباتها بالقياس فيه وجهان: أصحهما أنه يجوز وقد مضى في أول الكتاب.
فصل
وأما ما طريقه العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره وأقل النفاس وأكثره، وأقل الحمل وأكثره فلا مجال للقياس فيه لأن معناها لا يعقل بل طريق إثابتها خبر الصادق، وكذلك ما طريقه الرواية والسماع كقران النبي ﷺ وإفراده ودخوله إلى مكة صلحا أو عنوة فهذا كله لا مجال للقياس فيه.
стр. 140
باب أقسام القياس
قال الشيخ الإمام الأوحد نور الله قبره وبرد مضجعه: قد ذكرت في الملخص في الجدل أقسام القياس مشروحا وأنا أعيد القول في ذلك هاهنا على
стр. 141
ما يقتضيه هذا الكتاب إن شاء الله تعالى فأقول وبالله التوفيق: إن القياس على ثلاثة اضرب: قياس علة. وقياس دلالة. وقياس شبه.
فأما قياس العلة: فهو أن يرد الفرع إلى الأصل بالبينة التي علق الحكم عليها في الشرع، وقد يكون ذلك معنى يظهر وجه الحكمة فيه للمجتهد كالفساد الذي في الخمر وما فيها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة وقد يكون معنى استأثر الله بيانه فيه بوجه الحكمة كالطعم في تحريم الربا والكيل وهذا الضرب من القياس ينقسم قسمين جلي وخفي.
فأما الجلي فهو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا وهو ما ثبتت علّيته بدليل قاطع لا يحتمل التأويل وهو أنواع بعضها أجلى من بعض فأجلاها ما صرح فيه بلفظ التعليل كقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ١. وكقوله ﷺ : "إنما نهيتكم لأجل الدافة" فصرح بلفظ التعليل ويليه ما دل عليه التنبيه من جهة الأولى كقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فنبه على أن الضرب أولى بالمنع وكنهيه عن التضحية بالعوراء فإنه يدل على أن العمياء أولى بالمنع ويليه ما فهم من اللفظ من غير جهة الأولى كنهيه عن البول في الماء الراكد الدائم والأمر بإراقة السمن الذائب إذا وقعت فيه الفأرة فإنه يعرف من لفظه أن الدم مثل البول والشيرج مثل السمن وكذلك كل ما استنبط من العلل وأجمع المسلمون عليها فهو جلي كإجماعهم على أن الحد للردع والزجر عن ارتكاب المعاصي ونقصان حد العبد عن حد الحر لرقه فهذا الضرب من القياس لا يحتمل إلا معنى واحدا وينقض به حكم الحاكم إذا خالفه كما ينقض إذا خالف. النص والإجماع.
فصل
وأما الخفي: فهو ما كان محتمل وهو ما ثبت بطريق محتمل وهو أنواع بعضها أظهر من بعض فأظهرها ما دل عليه ظاهر مثل الطعم في الربا فإنه
стр. 142
علم من نهيه ﷺ عن بيع المطعوم في قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثل بمثل" فإنه علق النهي على الطعم فالظاهر أنه علة وكما روى أن بريرة أعتقت فكان زوجها عبدا فخيرها رسول الله ﷺ فالظاهر أنه خيرها لعبودية الزوج ويليه ما عرف بالاستنباط ودل عليه التأثير كالشدة المطربة في الخمر فإنه لما وجد التحريم بوجودها وزال بزوالها دل على أنها هي العلة، وهذا الضرب من القياس لأنه محتمل أن يكون الطعام أراد به ما يطعم ولكن حرم فيه التفاضل لمعنى غير الطعم وكذلك حديث بريرة يحتمل أنه أثبت الخيار لرقه ويحتمل أن يكون لمعنى آخر ويكون ذكر رق الزوج تعريفا وكذلك التحريم في الخمر يجوز أن يكون للشدة المطربة ويجوز أن يكون لاسم الخمر فإن الاسم يوجد بوجود الشدة ويزول بزوالها فهذا لا ينقض به حكم الحاكم.
فصل
وأما الضرب الثاني من القياس: وهو قياس الدلالة فهو أن ترد الفرع إلى الأصل بمعنى غير المعنى الذي علق عليه الحكم في الشرع إلا أنه يدل على وجود علة الشرع وهذا على اضرب: منها أن يستدل بخصيصة من خصائص الحكم على الحكم وذلك مثل أن يستدل على منع وجوب سجود التلاوة بجواز فعلها على الراحلة فإن جوازه على الراحلة من أحكام النوافل ويليه ما يستدل بنظير الحكم على الحكم كقولنا في وجوب الزكاة في مال الصبي أنه يجب العشر في زرعه فوجبت الزكاة في ماله كالبالغ وكقولنا في ظهار الذمي إنه يصح طلاقه يصح ظهاره فيستدل بالعشر على ربع العشر وبالطلاق على الظاهر لأنهما نظيران فيدل أحدهما على الآخر وهذا الضرب من القياس يجري مجرى الخفي من قياس العلة في الاحتمال إلا أن يتفق فيه ما يجمع على دلالته فيصير كالجلي في نقض الحكم به.
فصل
والضرب الثالث: هو قياس الشبه وهو أن تحمل فرعاً على الأصل بضرب
стр. 143
من الشبه وذلك مثل أن يتردد الفرع بين أصلين يشبه أحدهما في ثلاثة أوصاف ويشبه الآخر في وصفين فيرد إلى أشبه الأصلين به وذلك كالعبد يشبه الحر في أنه آدمي مخاطب مثاب معاقب ويشبه البهيمة في أنه مملوك مقوم فيلحق بما هو أشبه به وكالوضوء يشبه التيمم في إيجاب النية من جهة أنه طهارة عن حدث ويشبه إزالة النجاسة في أنه طهارة بمائع فيلحق بما هو أشبه به فهذا اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال إن ذلك يصح وللشافعي ما يدل عليه ومنهم من قال: لا يصح وتأول ما قال الشافعي على أنه أراد به أنه يرجح به قياس العلة بكثرة الشبه. واختلف القائلون بقياس الشبه فمنهم من قال الشبه الذي يرد الفرع إلى الأصل يجب أن يكون حكما ومنهم من قال: يجوز أن يكون حكما ويجوز أن يكون صفة قال الشيخ الإمام ﵀: والأشبه عندي قياس الشبه لا يصح لأنه ليس بعلة الحكم عند الله تعالى ولا دليل على العلة، فلا يجوز تعليق الحكم عليه.
فصل
وأما الاستدلال فإنه يتفرع على ما ذكرنه من أقسام القياس وهو على أضرب منها الاستدلال ببيان العلة وذلك ضربان:
أحدهما: أن يبين علة الحكم في الأصل ثم يبين أن الفرع يساويه في العلة مثل أن يقول إن العلة إيجاب القطع والردع والزجر عن أخذ الأموال فهذا المعنى موجودٌ في سرقة الكفن فوجب أن يجب فيه القطع. والثاني: أن يبين علة الحكم في الأصل ثم يبين أن الفرع يساويه في العلة ويزيد عليه مثل أن يقول أن الكفارة إنما وجبت القتل بالقتل الحرام هذا المعنى يوجد في العمد ويزيد عليه بالإثم فهو بإيجاب الكفارة أولى. فهذا حكمه حكم القياس في جميع أحكامه وفرق أصحاب أبي حنيفة ﵀ بين القياس وبين الاستدلال فقالوا الكفارة لا يجوز إثابتها بالقياس ويجوز إثباتها بالاستدلال، وذكروا في إيجاب الكفارة بالأكل أن الكفارة تجب بالإثم ومأثم الأكل كمأثم الجماع وربما قالوا هو أعظم فهو بالكفارة أولى. وهذا سهو عن
стр. 144
معنى القياس وذلك أنهم حملوا الأكل على الجماع لتساويهما في العلة التي تجب فيها الكفارة وهذا حقيقة القياس.
ومنها الاستدلال بالتقسيم وذلك ضربان:
أحدهما: أن يذكر جميع أقسام الحكم فيبطل جميعها ليبطل الحكم له كقولنا في الإيلاء إنه لا يوجب وقوع الطلاق بانقضاء المدة لأنه لا يخلو إما أن يكون صريحا أو كناية فلا يجوز أن يكون صريحا ولا يجوز أن يكون كناية فإذا لم يكن صريحا ولا كناية لم يجز إيقاع الطلاق به.
والثاني: أن يبطل جميع الأقسام إلا واحدا ليصح ذلك الواحد وذلك مثل أن يقول أن القذف يوجب رد الشهادة لأنه إذا حد ردت شهادته فلا يخلو إما أن يكون ردت شهادته للحد أو للقذف أولهما فلا يجوز أن يكون للحد ولا لهم فثبت أنه إنما رد للقذف وحده.
ومنها: الاستدلال بالعكس وذلك مثل أن يقول لو كان دم الفصد ينقض الوضوء لوجب أن يكون قليله ينقض الوضوء كما نقول في البول والغائط والنوم وسائر الأحداث. واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إنه لا يصح لأنه استدلال على الشيء بعكسه ونقضه ومنهم من قال: يصح وهو الأصح لأنه قياس مدلول على صحته بشهادة الأصول.
стр. 145
باب الكلام في بيان ما يشتمل القياس عليه على التفصيل
وجملته أن القياس يشتمل على أربعة أشياء: على الأصل، والفرع، والعلة، والحكم. فأما الفرع فهو ما ثبت حكمه بغيره وقد بينا ذلك في باب إثبات القياس وما جعل القياس حجة فيه والكلام هنا في بيان الأصل والعلة والحكم وفي كل واحد من ذلك باب مفرد.