← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 8536

اللمع في أصول الفقه للشيرازي

أبو إسحاق الشيرازي

Полный текст (184 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ما يقتضيه هذا الكتاب إن شاء الله تعالى فأقول وبالله التوفيق: إن القياس على ثلاثة اضرب: قياس علة. وقياس دلالة. وقياس شبه. فأما قياس العلة: فهو أن يرد الفرع إلى الأصل بالبينة التي علق الحكم عليها في الشرع، وقد يكون ذلك معنى يظهر وجه الحكمة فيه للمجتهد كالفساد الذي في الخمر وما فيها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة وقد يكون معنى استأثر الله بيانه فيه بوجه الحكمة كالطعم في تحريم الربا والكيل وهذا الضرب من القياس ينقسم قسمين جلي وخفي. فأما الجلي فهو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا وهو ما ثبتت علّيته بدليل قاطع لا يحتمل التأويل وهو أنواع بعضها أجلى من بعض فأجلاها ما صرح فيه بلفظ التعليل كقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ١. وكقوله ﷺ : "إنما نهيتكم لأجل الدافة" فصرح بلفظ التعليل ويليه ما دل عليه التنبيه من جهة الأولى كقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فنبه على أن الضرب أولى بالمنع وكنهيه عن التضحية بالعوراء فإنه يدل على أن العمياء أولى بالمنع ويليه ما فهم من اللفظ من غير جهة الأولى كنهيه عن البول في الماء الراكد الدائم والأمر بإراقة السمن الذائب إذا وقعت فيه الفأرة فإنه يعرف من لفظه أن الدم مثل البول والشيرج مثل السمن وكذلك كل ما استنبط من العلل وأجمع المسلمون عليها فهو جلي كإجماعهم على أن الحد للردع والزجر عن ارتكاب المعاصي ونقصان حد العبد عن حد الحر لرقه فهذا الضرب من القياس لا يحتمل إلا معنى واحدا وينقض به حكم الحاكم إذا خالفه كما ينقض إذا خالف. النص والإجماع. فصل وأما الخفي: فهو ما كان محتمل وهو ما ثبت بطريق محتمل وهو أنواع بعضها أظهر من بعض فأظهرها ما دل عليه ظاهر مثل الطعم في الربا فإنه

стр. 142

علم من نهيه ﷺ عن بيع المطعوم في قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثل بمثل" فإنه علق النهي على الطعم فالظاهر أنه علة وكما روى أن بريرة أعتقت فكان زوجها عبدا فخيرها رسول الله ﷺ فالظاهر أنه خيرها لعبودية الزوج ويليه ما عرف بالاستنباط ودل عليه التأثير كالشدة المطربة في الخمر فإنه لما وجد التحريم بوجودها وزال بزوالها دل على أنها هي العلة، وهذا الضرب من القياس لأنه محتمل أن يكون الطعام أراد به ما يطعم ولكن حرم فيه التفاضل لمعنى غير الطعم وكذلك حديث بريرة يحتمل أنه أثبت الخيار لرقه ويحتمل أن يكون لمعنى آخر ويكون ذكر رق الزوج تعريفا وكذلك التحريم في الخمر يجوز أن يكون للشدة المطربة ويجوز أن يكون لاسم الخمر فإن الاسم يوجد بوجود الشدة ويزول بزوالها فهذا لا ينقض به حكم الحاكم. فصل وأما الضرب الثاني من القياس: وهو قياس الدلالة فهو أن ترد الفرع إلى الأصل بمعنى غير المعنى الذي علق عليه الحكم في الشرع إلا أنه يدل على وجود علة الشرع وهذا على اضرب: منها أن يستدل بخصيصة من خصائص الحكم على الحكم وذلك مثل أن يستدل على منع وجوب سجود التلاوة بجواز فعلها على الراحلة فإن جوازه على الراحلة من أحكام النوافل ويليه ما يستدل بنظير الحكم على الحكم كقولنا في وجوب الزكاة في مال الصبي أنه يجب العشر في زرعه فوجبت الزكاة في ماله كالبالغ وكقولنا في ظهار الذمي إنه يصح طلاقه يصح ظهاره فيستدل بالعشر على ربع العشر وبالطلاق على الظاهر لأنهما نظيران فيدل أحدهما على الآخر وهذا الضرب من القياس يجري مجرى الخفي من قياس العلة في الاحتمال إلا أن يتفق فيه ما يجمع على دلالته فيصير كالجلي في نقض الحكم به. فصل والضرب الثالث: هو قياس الشبه وهو أن تحمل فرعاً على الأصل بضرب

стр. 143

من الشبه وذلك مثل أن يتردد الفرع بين أصلين يشبه أحدهما في ثلاثة أوصاف ويشبه الآخر في وصفين فيرد إلى أشبه الأصلين به وذلك كالعبد يشبه الحر في أنه آدمي مخاطب مثاب معاقب ويشبه البهيمة في أنه مملوك مقوم فيلحق بما هو أشبه به وكالوضوء يشبه التيمم في إيجاب النية من جهة أنه طهارة عن حدث ويشبه إزالة النجاسة في أنه طهارة بمائع فيلحق بما هو أشبه به فهذا اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال إن ذلك يصح وللشافعي ما يدل عليه ومنهم من قال: لا يصح وتأول ما قال الشافعي على أنه أراد به أنه يرجح به قياس العلة بكثرة الشبه. واختلف القائلون بقياس الشبه فمنهم من قال الشبه الذي يرد الفرع إلى الأصل يجب أن يكون حكما ومنهم من قال: يجوز أن يكون حكما ويجوز أن يكون صفة قال الشيخ الإمام ﵀: والأشبه عندي قياس الشبه لا يصح لأنه ليس بعلة الحكم عند الله تعالى ولا دليل على العلة، فلا يجوز تعليق الحكم عليه. فصل وأما الاستدلال فإنه يتفرع على ما ذكرنه من أقسام القياس وهو على أضرب منها الاستدلال ببيان العلة وذلك ضربان: أحدهما: أن يبين علة الحكم في الأصل ثم يبين أن الفرع يساويه في العلة مثل أن يقول إن العلة إيجاب القطع والردع والزجر عن أخذ الأموال فهذا المعنى موجودٌ في سرقة الكفن فوجب أن يجب فيه القطع. والثاني: أن يبين علة الحكم في الأصل ثم يبين أن الفرع يساويه في العلة ويزيد عليه مثل أن يقول أن الكفارة إنما وجبت القتل بالقتل الحرام هذا المعنى يوجد في العمد ويزيد عليه بالإثم فهو بإيجاب الكفارة أولى. فهذا حكمه حكم القياس في جميع أحكامه وفرق أصحاب أبي حنيفة ﵀ بين القياس وبين الاستدلال فقالوا الكفارة لا يجوز إثابتها بالقياس ويجوز إثباتها بالاستدلال، وذكروا في إيجاب الكفارة بالأكل أن الكفارة تجب بالإثم ومأثم الأكل كمأثم الجماع وربما قالوا هو أعظم فهو بالكفارة أولى. وهذا سهو عن

стр. 144

معنى القياس وذلك أنهم حملوا الأكل على الجماع لتساويهما في العلة التي تجب فيها الكفارة وهذا حقيقة القياس. ومنها الاستدلال بالتقسيم وذلك ضربان: أحدهما: أن يذكر جميع أقسام الحكم فيبطل جميعها ليبطل الحكم له كقولنا في الإيلاء إنه لا يوجب وقوع الطلاق بانقضاء المدة لأنه لا يخلو إما أن يكون صريحا أو كناية فلا يجوز أن يكون صريحا ولا يجوز أن يكون كناية فإذا لم يكن صريحا ولا كناية لم يجز إيقاع الطلاق به. والثاني: أن يبطل جميع الأقسام إلا واحدا ليصح ذلك الواحد وذلك مثل أن يقول أن القذف يوجب رد الشهادة لأنه إذا حد ردت شهادته فلا يخلو إما أن يكون ردت شهادته للحد أو للقذف أولهما فلا يجوز أن يكون للحد ولا لهم فثبت أنه إنما رد للقذف وحده. ومنها: الاستدلال بالعكس وذلك مثل أن يقول لو كان دم الفصد ينقض الوضوء لوجب أن يكون قليله ينقض الوضوء كما نقول في البول والغائط والنوم وسائر الأحداث. واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إنه لا يصح لأنه استدلال على الشيء بعكسه ونقضه ومنهم من قال: يصح وهو الأصح لأنه قياس مدلول على صحته بشهادة الأصول.

стр. 145

باب الكلام في بيان ما يشتمل القياس عليه على التفصيل وجملته أن القياس يشتمل على أربعة أشياء: على الأصل، والفرع، والعلة، والحكم. فأما الفرع فهو ما ثبت حكمه بغيره وقد بينا ذلك في باب إثبات القياس وما جعل القياس حجة فيه والكلام هنا في بيان الأصل والعلة والحكم وفي كل واحد من ذلك باب مفرد.

стр. 146

باب بيان الأصل وما يجوز أن يكون أصلا وما لا يجوز اعلم أن الأصل تستعمله الفقهاء في أمرين: أحدهما في أصول الأدلة

стр. 147

وهي الكتاب والسنة والإجماع. ويقولون: هي الأصل وما سوى ذلك من القياس ودليل الخطاب وفحوى الخطاب معقول الأصل وقد بينت هذا في الملخص في الجدل ويستعملونه في الشيء الذي يقاس عليه كالخمر أصل النبيذ والبر أصل للأرز وحده ما عرف حكمه بلفظ تناوله أو ما عرف حكمه بنفسه. وقال بعض أصحابنا: ما عرف به حكم غيره وهذا لا يصح لأن الأثمان أصل في الربا وإن لم يعرف بها حكم غيرها. فصل واعلم أن الأصل قد يعرف بالنص وقد يعرف بالإجماع فما عرف بالنص فضربان ضرب يعقل معناه وضرب لا يعقل معناه فما لا يعقل معناه كعدد الصلوات والصيام وما أشبههما لا يجوز القياس عليه لأن القياس لا يجوز إلا بمعنى يقتضي الحكم فإذا لم يعقل ذلك المعنى لم يصح القياس وأما ما يعقل معناه فضربان ضرب يوجد معناه في غيره وضرب لا يوجد معناه في غيره فما لا يوجد معناه في غيره لا يجوز قياس غيره عليه وما يوجد معناه في غيره فما لا يوجد معناه في غيره لا يجوز قياس غيره عليه وما يوجد معناه في غيره جاز القياس عليه سواء كان ما ورد به النص مجمعا على تعليله أو مختلفا فيه مخالفا لقياس الأصول أو موافقا له وقال بعض الناس: لا يجوز القياس إلا على أصل مجمع على تعليله. وقال الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز القياس على أصل مخالف للقياس إلا أن يثبت تعليله بنص أو إجماع أو هناك أصل آخر يوافقه ويسمون ذلك القياس على موضع الاستحسان فالدليل على جواز القياس على الأصل وإن لم يكن مجمعا على تعليله هو أنه لا يخلو إما أن يعتبر إجماع الأمة كلها فهذا يوجب إبطال القياس لأن نفاة القياس من الأمة وأكثرهم على أن الأصول غير معللة أو يعتبر إجماع مثبتي القياس فذلك لا معنى له لأن إجماعهم ليس بحجة على الانفراد فكان القياس على ما اجمعوا عليه كالقياس على ما اختلفوا فيه. وأما الدليل على الكرخي ومن قال بقوله: هو أن ما ورد به النص مخالفا للقياس أصل ثابت كما أن ما ورد به النص موافقا للقياس أصل ثابت فإذا جاز القياس على ما كان موافقا للقياس جاز على ما كان مخالفا.

стр. 148

فصل وأما ما عرف بالإجماع فحكمه حكم ما ثبت بالنص في جواز القياس عليه على التفصيل الذي قدمه في النص ومن أصحابنا من قال لا يجوز القياس عليه ما لم يعرف النص الذي أجمعوا لأجله وهذا غير صحيح لأن الإجماع أصل في إثبات الأحكام كالنص فإذا جاز القياس على ما ثبت بالنص جاز على ما ثبت بالإجماع. فصل وأما ما ثبت بالقياس على غيره فلا خلاف أنه يجوز أن يستنبط منه المعنى الذي ثبت به ويقاس عليه غيره وهل يجوز أن يستنبط منه معنى غير المعنى الذي قيس به على غيره ويقاس عليه غيره مثل أن يقاس الأرز على البر في الربا بعلة أنه مطعوم ثم يسقط من الأرز أنه نبت لا يقطع الماء عنه ثم يقاس عليه النيلوفر فيه وجهان: من أصحابنا من قال: يجوز ومن أصحابنا من قال: لا يجوز وهو قول أبي الحسن الكرخي وقد نصرت في التبصرة جواز ذلك، والذي يصح عندي أنه لا يجوز لأنه إثبات حكم في الفرع بغير علة الأصل وذلك أن علة الأصل هي الطعم، فمتى قسنا النيلوفر عليه بما ذكرناه رددنا الفرع إلى الأصل بغير علة وهذا لا يجوز. فصل وأما ما لم يثبت من الأصول بأحد هذه الطرق أو كان قد ثبت ثم نسخ فلا يجوز القياس عليه لأن الفرع إنما يثبت بأصل ثابت فإذا كان الأصل غير ثابت لم يجز إثبات الفرع من جهته.

стр. 149

باب القول في بيان العلة وما يجوز أن يعلل به وما لا يجوز واعلم أن العلة في الشرع هي المعنى الذي يقتضي الحكم وأما المعلول ففيه وجهان: من أصحابنا من قال: هو العين التي تحلها العلة كالخمر والبر. ومنهم

стр. 150

من يقول: هو الحكم. وأما المعلل فهو الأصل. وأما المعلل له فهو الحكم. وأما المعلل فهو الناصب للعلة وأما المعتل فهو المستدل بالعلة. فصل واعلم أن العلة الشرعية أمارة على الحكم ودلالة عليه ومن أصحابنا من قال: موجبة للحكم بعدما جعلت علة ألا ترى أنه يجب إيجاد الحكم بوجودها ومنهم من قال: ليست بموجبة لأنها لو كانت موجبة لما جاز أن توجد في حال ولا توجه كالعلل العقلية ونحن نعلم أن هذه العلل كانت موجودة قبل الشرع ولم تكن موجبة للحكم فدل على أنها غير موجبة. فصل ولا تدل العلة إلا على الحكم الذي نصبت له. فإن نصبت للإثبات لم تدل على النفي أو أن نصبت للنفي لم تدل على الإثبات وإن نصبت للنفي والإثبات وهي العلة الموضوعة لجنس الحكم دلت على النفي والإثبات فيجب أن يوجد الحكم بوجودها ويزول بزوالها ومن الناس من قال: إن كل علة تدل على حكمين على الإثبات والنفي فإذا نصبت للإثبات اقتضت الإثبات عند وجودها والنفي عند عدمها وإن نصبت للنفي اقتضت النفي عند وجودها والإثبات عند عدمها وهذا خطأ لأن العلة الشرعية دليل ولهذا كان يجوز أن لا يوجب ما علق عليها من الحكم والدليل العقلي الذي يدل بنفسه يجوز أن يدل على وجود الحكم في الموضع الذي وجد فيه ثم يعدم ويثبت الحكم بدليل آخر والدليل الشرعي الذي صار دليلا بجعل جاعل أولى بذلك. فصل ويجوز أن يثبت الحكم الواحد بعلتين وثلاثة وأكثر. كالقتل يجب بالقتل والزنا والردة وتحريم الوطء يثبت بالحيض والإحرام والصوم والاعتكاف والعدة.

стр. 151

فصل وكذلك يجوز أن يثبت بعلة واحدة أحكام متماثلة كالإحرام يوجب تحريم الوطء والطيب واللباس وغير ذلك وكذلك يجوز أن يثبت بالعلة الواحدة أحكام مختلفة كالحيض يوجب تحريم الوطء وإحلال ترك الصلاة، ولكن لا يجوز أن يثبت بالعلة الواحدة أحكام متضادة كتحريم الوطء وتحليله لتنافيهما. فصل وكذلك يجوز أن تكون العلة لإثبات الحكم في الابتداء كالعدة في منع النكاح وقد تكون بعلة الابتداء والاستدامة كالرضاع في إبطال النكاح. فصل ولا بد في رد الفرع إلى الأصل من علة يجمع بها بينهما. وقال بعض الفقهاء من أهل العراق: يكفي في القياس تشبيه الفرع بالأصل بما يغلب على الظن أنه مثله فإن كان المراد بهذا أنه لا يحتاج إلى علة موجبة للحكم يقطع بصحتها كالعلل العقلية فلا خلاف في هذا وإن أرادوا أنه يجوز بضرب من الشبه على ما يقول القائلون بقياس الشبه فقد بينا ذلك في أقسام القياس وإن أرادوا أنه ليس ها هنا معنى مطلوب يوجب إلحاق الفرع بالأصل فهذا خطأ لأنه لو كان الأمر على هذا لما احتيج إلى الاجتهاد بل كان يجوز رد الفرع إلى كل أصل من غير فكر. وهذا مما لا يقوله أحد فبطل القول به. فصل والعلة التي يجمع بها بين الفرع والأصل ضربان منصوص عليها ومستنبطة. فالمنصوص عليها مثل أن يقول: حرمت الخمر للشدة المطربة فهذا يجوز أن يجعل علة والنص عليها يغني عن طلب الدليل على صحتها من جهة الاستنباط والتأثير، ومن الناس من قال: لا يجوز أن يجعل المنصوص عليه علة وهو قول بعض نفاة القياس، ومن الناس من قال: هو علة في العين المنصوص

стр. 152

عليها ولا يكون علة في غيرها إلا بأمر ثان. فالدليل على أنه علة هو أنه إذا جاز أن يعرف بالاستنباط أن الشدة المطربة علة للتحريم في الخمر ويقاس غيرها عليها جاز بالنص ويقاس غيرها عليها. وأما الدليل على من قال أنه علة في العين التي وجد فيها دون غيرها هو أنه إذا لم يصر علة فيها وفي غيرها إلا بالنص عليها سقط النظر والاجتهاد لأنه إذا نص على انه علة فيها وفي غيرها استغنينا بالنص عن الطلب والاجتهاد. فصل وأما المستنبطة فهو كالشدة المطربة في الخمر فإنها عرفت بالاستنباط فهذا يجوز أن يكون علة، ومن الناس من قال: لا يجوز أن تكون العلة إلا ما ثبت بالنص أو الإجماع وهذا خطأ لما روى عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ ﵀: "بم تحكم قال بكتاب الله" قال: فإن لم تجد قال: بسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم تجد قال: "اجتهد رأيي" فلو كان لا يجوز التعليل إلا بما ثبت بنص أو إجماع لم يبق بعد الكتاب والسنة ما يجتهد فيه. فصل وقد تكون العلة معنى مؤثرا في الحكم يوجد الحكم بوجوده ويزول بزواله كالشدة المطربة في تحريم الخمر والإحرام بالصلاة في تحريم الكلام وقد تكون دليلا ولا تكون نفس العلة كقولنا في إبطال النكاح الموقوف إنه نكاح لا يملك الزوج المكلف إيقاع الطلاق فيه وفي ظهار الذمي إنه يصح طلاقه فصح ظهاره كالمسلم، وهل يجوز أن يكون شبها لا يزول الحكم بزواله ولا يدل على الحكم كقولنا في الترتيب في الوضوء إنه عبادة يبطلها النوم فوجب فيها الترتيب كالصلاة على ما ذكرناه من الوجهين في قياس الشبه. فصل وقد يكون وصف العلة معنى يعرف به وجه الحكمة في تعلق الحكم به

стр. 153

كالشدة المطربة في الخمر وقد يكون معنى لا يعرف وجه الحكمة في تعلق الحكم به كالطعم في البر. فصل وقد يكون وصف العلة صفة كقولنا في البر إنه مطعوم وقد يكون اسما كقولنا تراب وماء وقد يكون حكما شرعيا كقولنا يصح وضوءه أو تصح صلاته ومن الناس من قال: لا يجوز أن يكون الاسم علة وهذا خطأ لأن كل معنى جاز أن يعلق الحكم عليه من جهة النص جاز أن يستنبط من الأصل ويعلق الحكم عليه كالصفات والأحكام. فصل ويجوز أن يكون الوصف نفيا أو إثباتا فالإثبات كقولنا لأنه وارث والنفي كقولنا لأنه ليس بوارث وليس بتراب، ومن الناس من قال: لا يجوز أن يجعل النفي علة والدليل على ما قلناه أن ما جاز أن يعلل به نصا جاز أن يعلل به استنباطا كالإثبات. فصل ويجوز أن تكون العلة ذات وصف ووصفين وأكثر وليس لها عدد محصور، وحكى عن بعض الفقهاء أنه قال لا يزاد على خمسة أوصاف وهذا لا وجه له لأن العلل شرعية فإذا جاز أن يعلق الحكم في الشرع على خمسة أوصاف جاز أن يعلق على ما فوقها. فصل ويجوز أن تكون العلة واقفة كعلة أصحابنا في الذهب والفضة ويجوز أن تكون متعدية وقال بعض أصحاب أبي حنيفة ﵀ لا يجوز أن تكون الواقفة علة وهذا غير صحيح لما بينا أن العلل إمارات شرعية فيجوز أن تجعل الأمارة معنى لا يتعدى، كما يجوز أن تجعل معنى يتعدى.

стр. 154

باب بيان الحكم اعلم أن الحكم هو الذي تعلق على العلة من التحليل والتحريم والإسقاط وهو على ضربين مصرح به ومبهم. فالمصرح به أن نقول: فجاز أن يجب أو فوجب أن يجب وما أشبهه ذلك والمبهم على أضرب منها أن نقول فأشبه كذا فمن الناس من قال: إن ذلك لا يصح لأنه حكم مبهم ومنهم من قال: إنه يصح وهو الأصح لأن المراد به فأشبه، كذا في الحكم الذي وقع السؤال عنه وذلك حكم معلوم بين السائل والمسؤول فيجوز أن يمسك عن بيانه اكتفاء بالعرف القائم بينهما ومنها أن يعلق عليها التسوية بين حكمين كقولنا في إيجاب النية في الوضوء إنه طهارة فاستوى جامدها ومائعها في النية كإزالة النجاسة ومن أصحابنا من قال: إن ذلك لا يصح لأنه يريد به التسوية بين المائع والجامد في الأصل في إسقاط النية وفي الفرع في إيجاب النية وهما حكمان متضادان، والقياس أن يشتق حكم الشيء من نظيره لا من ضده ونقيضه ومنهم من قال: إن ذلك يصح وهو الصحيح لأن حكم العلة هو التسوية بين المائع والجامد في أصل النية والتسوية بين المائع والجامد في النية موجود في الأصل والفرع من غير اختلاف، وإنما نظهر الاختلاف بينهما في التفصيل وليس ذلك حكم علته؛ ومنها أن يكون حكم العلة إثبات تأثير لمعنى مثل قولنا: في السواك للصائم أنه تطهير يتعلق بالفم من غير نجاسة، فوجب أن يكون للصوم تأثير فيه كالمضمضة فهذا يصح لأن للصوم تأثيرا في المضمضة وهو منع المبالغة كما أن للصوم تأثيرا في السواك وهو في المنع منه بعد الزوال وإن كان تأثيرهما مختلفا واختلافهما في كيفية التأثير لا يمنع صحة الجمع لأن الغرض إثبات تأثير الصوم في كل واحد منهما وقد استويا في التأثير فلا يضر اختلافهما في التفصيل.

стр. 155

باب بيان ما يدل على صحة العلة وجملته أن العلة لا بد من الدلالة على صحتها لأن العلة شرعية كما أن الحكم شرعي فكما لا بد من الدلالة على الحكم فكذلك لا بد من الدلالة على صحة العلة.

стр. 156

فصل والذي يدل على صحة العلة شيئان: أصل واستنباط فأما الأصل فهو قول الله وقول رسول الله ﷺ وأفعاله والإجماع فأما قول الله تعالى وقول رسول الله ﷺ فدلالتهما من وجهين: أحدهما: من جهة النطق. والثاني: من جهة الفحوى والمفهوم فأما دلالتهما من جهة النطق فمن وجوه بعضها أجلى من بعض فأجلاها ما صرح فه بلفظ التعليل كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ١. وكقوله ﷺ : "إنما نهيتكم لأجل الدافة" وقوله: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر". وقوله: "أينقص الرطب إذا يبس فقيل نعم فقال: فلا إذن". أي من أجله فهذا صريح في التعليل ويليه في البيان والوضوح أن يذكر صفة لا يفيد ذكرها غير التعليل كقوله تعالى في الخمر: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ ٢. الآية وقوله ﷺ في دم الاستحاضة: "إنه دم عرق". وكقوله في الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات". وقوله ﷺ حين قيل له: إن في دار فلان هرة فقال: "الهرة سبع". وفي بعضها: "الهرة ليست بنجسة". فهذه الصفات وإن لم يصرح فيها بلفظ التعليل إلا أنها خارجة مخرج التعليل إذ لا فائدة في ذكرها سوى التعليل. ويليه في البيان أن يعلق الحكم على عين موصوفة بصفة فالظاهر أن تلك الصفة علة وقد يكون هذا بلفظة الشرط كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ٣ وكقوله ﷺ : "من باع نخلا بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع" فالظاهر أن الحمل علة لوجوب النفقة والتأبير علة لكون الثمرة للبائع وقد تكون بغير لفظ الشرط كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٤ وكقوله ﷺ : "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل" فالظاهر أن السرقة علة لوجوب القطع والطعم علة لتحريم التفاضل وأما دلالتهما من

стр. 157

جهة الفحوى والمفهوم فبعضها أيضا أجلى من بعض فأجلاها ما دل عليه التنبيه كقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وكنهيه ﷺ عن التضحية بالعوراء فيدل بالتنبيه عند سماعه أن الضرب أولى بالمنع وأن العمياء أولى بالمنع ويليه في البيان أن يذكر صفة فيفهم من ذكرها المعنى التي تتضمنه تلك الصفة من غير جهة التنبيه كقوله ﷺ : "لا يقض القاضي وهو غضبان" وكقوله ﷺ في الفأرة تقع في السمن: "إن كان جامدا فالقوها وما حولها وإن كان مائعا فأريقوه". فيفهم بضرب من الفكر أنه إنما منع الغضبان من القضاء لاشتغال قلبه وأن الجائع والعطشان مثله وإنه إنما أمر بإلقاء ما حول الفأرة من السمن إن كان جامدا وإراقته إن كان مائعا لكونه جامدا أو مائعا وإن الشيرج والزيت مثله. فصل وأما دلالة أفعال الرسول ﷺ فهو أن يفعل شيئا عند وقوع معنى من جهته أو من جهة غيره فيعلم أنه لم يفعل ذلك إلا لما ظهر من المعنى فيصير ذلك علة فيه وهذا مثل ما روي: أنه سها رسول الله ﷺ فسجد فيعلم أن السهو علة للسجود وأن أعرابيا جامع في رمضان فأوجب عليه عتق رقبة فيعلم أن الجماع علة لإيجاب الكفارة. فصل وأما دلالة الإجماع فهو أن تجمع الأمة على التعليل به كما روى عن عمر ﵁ أنه قال في قسمة السواد: لو قسمت بينكم لصارت دولة بين أغنيائكم ولم يخالفوه وكما قال علي كرم الله وجهه في شارب الخمر إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فأرى أن يحد حد المفترى فلم يخالفه أحد في هذا التعليل. فصل وأما الضرب الثاني من الدليل على صحة العلة فهو الاستنباط وذلك من وجهين أحدهما التأثير والثاني شهادة الأصول فأما التأثير فهو أن يوجد

стр. 158

الحكم بوجود معنى فيغلب على الظن أنه لأصله ثبت الحكم، ويعرف ذلك من وجهين. أحدهما" بالسلب والوجود وهو أن يوجد الحكم بوجوده ويزول بزواله وذلك مثل قوله: "في الخمر إنه شراب فيه شدة مطربة" فإنه قبل حدوث الشدة كان حلالا. ثم حدثت الشدة فحرم ثم زالت الشدة فحل فعلم أنه هو العلة. والثاني" بالتقسيم وهو أن يبطل كل معنى في الأصل إلا واحداً: فيعلم أنه هو العلة وذلك مثل أن يقول في الخبز إنه يحرم فيه الربا فلا يخلو إما أن يكون للكيل أو للطعم أو للوزن ثم يبطل أن يكون للكيل والوزن فيعلم أنه للطعم. فصل وأما شهادة الأصول فيختص بقياس الدلالة وهو أن يدل على صحة العلة شهادة الأصول وذلك أن يقول في القهقهة إن ما لا ينقض الطهر خارج الصلاة لم ينقض داخل الصلاة كالكلام فيدل عليها بأن الأصول تشهد بالتسوية بين داخل الصلاة وخارجها ألا ترى أن ما ينقض الوضوء داخل الصلاة ينقض خارجها كالأحداث كلها وما لا ينقض خارج الصلاة لا ينقض داخلها فيجب أن تكون القهقهة مثلها. فصل وما سوى هذه الطرق فلا يدل على صحة العلة، وقال بعض الفقهاء: إذا لم يجد ما يعارضها ولا ما يفسدها دل على صحتها، وقال أبو بكر الصيرفي في طردها يدل على صحتها فأما الدليل على من قال أن عدم ما يفسدها دليل على صحتها فهو أنه لو جاز أن يجعل هذا دليلا على صحتها لوجب إذا استدل بخير لا يعرف صحته أن يقال عدم ما يعارضه وما يفسده يدل على صحته وهذا لا يقوله أحد وأما الدليل على الصيرفي فهو أن الطرد فعل القائس وفعل القائس ليس بحجة في الشرع ولأن قوله إنها مطردة معناه أنه ليس هاهنا نقض يفسدها وقد بينا أن عدم ما يفسد لا يدل على الصحة

стр. 159

باب بيان ما يفسد العلة قال الشيخ الإمام الأوحد ﵀ ورضي عنه: قد ذكرت في الملخص في الجدل فيما يفسد العلة خمسة عشر نوعا وأنا أذكرها هنا ما يليق بهذا الكتاب إن شاء الله تعالى فأقول إن الذي يفسد العلة عشرة أشياء: أحدها: أن لا يكون على صحتها دليل فيدل ذلك على فسادها لأني قد بينت في الباب قبله أن العلة شرعية فإذا لم يكن على صحتها دليل من جهة الشرع دل على أنها ليست بعلة فوجب الحكم بفسادها. فصل والثاني: أن تكون العلة منصوبة لما لا يثبت بالقياس كأقل الحيض وأكثره وإثبات الأسماء واللغات على قول من لا يجيز إثابتها بالقياس وغير ذلك من الأحكام التي لا مدخل للقياس فيها على ما تقدم شرحها فيدل ذلك على فسادها. فصل والثالث: أن تكون العلة منتزعة من أصل لا يجوز انتزاع العلة منه مثل أن يقيس على أصل غير ثابت كأصل منسوخ أو أصل لم يثبت الحكم فيه لأن الفرع لا يثبت إلا بالأصل فإذا لم يثبت الأصل لم يجز إثبات الفرع من جهته، وهكذا لو كان الأصل قد ورد الشرع بتخصيصه ومنع القياس عليه مثل قياس أصحاب أبي حنيفة ﵀ غير رسول الله ﷺ على رسول الله ﷺ في جواز النكاح بلفظ الهبة، وقد ورد الشرع بتخصيصه بذلك فهذا أيضا لا يجوز القياس عليه لأن القياس إنما يجوز على ما لم يرد الشرع بالمنع منه، فأما إذا ورد الشرع بالمنع منه فلا يجوز، ولهذا لا يجوز القياس إذا منع منه نص أو إجماع. فصل والرابع: أن يكون الوصف الذي جعل علة لا يجوز التعليل به مثل أن تجعل

стр. 160

العلة اسم لقب أو نفي صفة على قول من يجيز ذلك أو شبها على قول من لا يجيز قياس الشبه أو وصفا لمن يثبت وجوده في الأصل وفي الفرع فيدل على فسادها لأن الحكم تابع للعلة وإذا كانت العلة لا تفيد الحكم أو لم تثبت لم يجز إثبات الحكم من جهتها. فصل والخامس: أن لا تكون العلة مؤثرة في الحكم فيدل ذلك على فسادها ومن أصحابنا من قال: إن ذلك لا يوجب فسادها وهي طريقة من قال: إن طردها يدل على صحتها وقد دللت على فساده ومن أصحابنا من قال: إن دفعه للنقض تأثير صحيح وهذا خطأ لأن المؤثر ما تعلق الحكم به في الشرع ودفع النقض عن مذهب المعلل ليس بدليل على تعلق الحكم به في الشرع وإنما يدل على تعلق الحكم به عنده وليس المطلوب علة المعلل وإنما المطلوب علة الشرع فسقط هذا القول وفي أي موضع يعتبر تأثير العلة فيه وجهان من أصحابنا من قال: يطلب تأثيرها في الأصل لأن العلة تتفرع من الأصل أولا ثم يقاس الفرع عليه فإذا لم يؤثر في الأصل لم تثبت العلة فيه فكأنه رد الفرع إلى الأصل بغير علة الأصل ومنهم من قال: يكفي أن يؤثر في وضع من الأصول وهو اختيار شيخنا القاضي أبي الطيب الطبري ﵀ وهو الصحيح عندي لأنها إذا أثرت في موضع من الأصول دل على صحتها وإذا صحت في موضع وجب تعليق الحكم عليها حيث وجدت. فصل والسادس: أن تكون منتقضة وهي أن توجد ولا حكم معها وقال أصحاب أبي حنيفة وجود العلة من غير حكم ليس بنقض لها بل هو تخصيص لها وليس بنقض والدليل على فساد ذلك هو أنها علة مستنبطة فإذا وجدت من غير حكم وجب الحكم بفسادها دليله العلل العقلية وأما وجود معنى العلة ولا حكم وهو الذي سمته المتفقهة الكسر والنقض من طريق المعنى وهو أن تبدل العلة أو بعض أوصافها بما هو في معناه ثم يوجد ذلك من

стр. 161

غير حكم فهذا ينظر فيه فإن كان الوصف الذي أبدله غير مؤثر في الحكم دل على فساد العلة لأنه إذا لم يكن مؤثرا وجب إسقاطه وإذا سقط لم يبق شيء فأما أن لا يبقى شيء فيسقط الدليل أو يبقى شيء فينتقض فيكون الفساد راجعا إلى عدم التأثير أو النقض وقد بيناهما وإن كان الوصف الذي أبدله مؤثرا في الحكم لم تفسد العلة لأن المؤثر في الحكم لا يجوز إسقاطه فلا يتوجه على العلة من جهته فساد، فأما وجود الحكم من غير علة فينظر فيه فإن كانت العلة لجنس الحكم فهو نقض وذلك مثل أن نقول: العلة في وجوب النفقة التمكين في الاستمتاع فأي موضع وجبت النفقة من غير تمكين فهو نقض وأي موضع وجد التمكين من غير نفقة فهو نقض لأنه زعم أن التمكين علة هذا الحكم أجمع لا علة له سواه فكأنه قال: أي موضع وجد وجب وأي موضع فقد سقط فإذا وجد ولم يجب أو فقد ولم يسقط فقد أنتقض التعليل وإن كانت العلة للحكم في أعيان لا لجنس الحكم لم يكن ذلك نقضا لأنه يجوز أن يكون في الموضع الذي وجدت العلة يثبت الحكم بوجود هذه العلة وفي الموضع الذي عدمت يثبت لعلة أخرى كقولنا في الحائض يحرم وطؤها للحيض ثم يعدم الحيض في المحرمة والمعتدة ويثبت التحريم لعلة أخرى. فصل والسابع: أن يمكن قلب العلة وهو أن يعلق عليها نقيض ذلك الحكم ويقاس على الأصل فهذا قد يكون بحكم مصرح وقد يكون بحكم مبهم. فأما المصرح فهو أن نقول عضو من أعضاء الوضوء فلا يتقدر فرضه بالربع كالوجه فيقول المخالف عضو من أعضاء الوضوء فلا يجز فيه ما يقع عليه الاسم كالوجه فهذا يفسد العلة، ومن أصحابنا من قال: إن ذلك لا يفسد العلة ولا يقدح فيها لأنه فرض مسألة على المعلل، ومنهم من قال إن ذلك كالمعارضة بعلة أخرى فيصار فيهما إلى الترجيح والصحيح أنه يوجب الفساد. والدليل على أنه يقدح أنه عارضه بما لا يمكن الجمع بينه وبين علته فصار كما لو عارضه بعلة مبتدأة والدليل على أنه يوجب الفساد أنه يمكن أن يعلق عليها حكمان متنافيان فوجب الحكم بالفساد. وأما القلب بحكم مبهم فهو قلب التسوية

стр. 162

وذلك مثل أن يقول الحنفي: طهارة بمائع فلم يفتقر إلى النية كإزالة النجاسة فيقول الشافعي ﵀: طهارة بمائع فكان مائعها كجامدها في وجوب النية كإزالة النجاسة فمن أصحابنا من قال: أن ذلك لا يصح لأنه يريد التسوية بين المائع والجامد في الأصل في إسقاط النية وفي الفرع في إيجاب النية، ومنهم من قال إن ذلك يصح وهو الأصح لأن التسوية بين المائع والجامد تنافى علة المستدل في إسقاط النية فصار كالحكم المصرح به. فصل والثامن: أن لا يوجب العلة حكمها في الأصل وذلك على ضربين: أحدهما: أن يفيد الحكم في الفرع بزيادة أو نقصان عما يفيدها في الأصل ويدل على فسادها وذلك مثل أن يقول الحنفي في إسقاط تعيين النية في صوم رمضان لأنه مستحق العين فلا يفتقر إلى التعيين كرد الوديعة فهذا لا يصح لأنه يفيد في الفرع غير حكم الأصل لأنه يفيد في الأصل إسقاط التعيين مع النية رأسا وفي الفرع يفيد إسقاط التعيين ومن حكم العلة أن يثبت الحكم في الأصل ثم يتعدى إلى الفرع فينقل حكم الأصل إليه فإذا لم ينقل ذلك الحكم إليه دل على بطلانها. والثاني: أن لا يفيد الحكم في نظائره على الوجه الذي أفاد في الأصل وذلك مثل أن يقول الحنفي في إسقاط الزكاة في مال الصبي أنه غير معتقد للإيمان فلا تجب الزكاة في مال كالكافر فإن هذا فاسد لأنه لا يوجب الحكم في النظائر على الوجه الذي يوجب في الأصل، ألا ترى أنه لا يوجب إسقاط العشر في زرعه ولا زكاة الفطر في ماله، كما يوجب في الأصل فدل على فسادها لأنها لو كانت توجب الحكم في الفرع لأوجبت الحكم في نظائره على الوجه الذي أوجب في الأصل. فصل والتاسع: أن يعتبر حكما يحكم مع اختلافها في الموضع وهو الذي تسميه المتفقهة فساد الاعتبار ويعرف ذلك من طريقين من جهة النطق بأن يرد

стр. 163

الشرع بالتفرقة بينهما فيدل ذلك على بطلان الجمع بينهما مثل أن يعتبر الطلاق بالعدة في أن الاعتبار فيه في رق المرأة وحريتها فهذا فاسد لأن النبي ﷺ فرق بينهما في ذلك فقال: "الطلاق بالرجال والعدة بالنساء" فيكون الجمع باطلا بالنص ويعرف بالأصول. وهو أن يعتبر ما بني على التخفيف في إيجاب التخفيف كاعتبار العمد بالسهو والضمان بالحد، أو ما بني على التأكيد في الإسقاط بما بنى على التضعيف كاعتبار العتق بالرق والضمان بالحد، أو بما بني على التغليظ في التغليظ كاعتبار السهو بالعمد أو ما بني على التغليظ بما بني على التخفيف، أو ما بني على التضعيف بما بنى على التأكيد في الإيجاب كاعتبار الرق بالحرية والحد بالضمان، فيدل ذلك على فسادها لأن اختلافهما في الوضع يدل على اختلاف علتهما، وقد قيل: إن ذلك لا يدل على الفساد إذا دلت الدلالة على صحة العلة. فصل والعاشر: أن يعارضها ما هو أقوى منها من نص كتاب أو سنة أو إجماع، فيدل ذلك على فسادها لأن هذه الأدلة مقطوع بصحتها فلا يثبت القياس معها.

стр. 164

باب القول في تعارض العلتين إذا تعارضت العلتان لم يخل إما أن يكونا من أصل واحد أو من أصلين فإن كانتا من أصلين وذلك مثل علتنا في إيجاب النية والقياس على التيمم وعلتهم في إسقاط النية والقياس على إزالة النجاسة وجب إسقاط إحداها بما ذكرناه من وجوه الإفساد أو ترجيح إحداهما على الأخرى بما نذكره إن شاء الله تعالى، وإن كانتا من أصل واحد لم يخل إما أن تكون إحداهما داخلة في الأخرى أو تتعدى إحداهما إلى ما لا تتعدى إليه الأخرى، فإن كانت إحداهما داخلة في الأخرى نظرت فإن أجمعوا على أنه ليس له إلا علة واحدة وذلك مثل أن يعلل الشافعي ﵁ البر بأنه مطعوم جنس ويعلل المالكي بأنه مقتات جنس لم يجز القول بالعلتين بل يصار إلى الإبطال أو الترجيح. وإن لم يجمعوا على أن له علة واحدة مثل أن يعلل الشافعي رضي الله في مسألة ظهار

стр. 165

الذمي بأنه يصح طلاقه فصح ظهاره كالمسلم، ويعلل الحنفي في المسلم بأنه يصح تكفيره وقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: فمنهم من قال: نقول بالعلتين لأنهما لا يتنافيان بل هما متفقان على إثبات حكم واحد. ومنهم من قال: لا نقول بهما بل يصار إلى الترجيح والأول أصح لأنه يجوز أن يكون في الحكم علتان وثلاثة وبعضها يتعدى وبعضها لا يتعدى، وإن كانت كل واحدة منهما تتعدى إلى فروع لا تتعدى إليها الأخرى مثل أن يعلل الشافعي البر بأنه مطعوم جنس، ويعلل الحنفي بأنه مكيل جنس فهاتان مختلفتان في فروعهما فلا يمكن القول بهما فيكون حكمهما حكم العلتين من أصلين، فإما أن يفسد إحداهما إما أن ترجح إحداهما على الأخرى.

стр. 166

باب القول في ترجيح إحدى العلتين على الأخرى واعلم أن الترجيح لا يقع بين دليلين موجبين للعلم ولا بين علتين موجبتين للعلم لأن العلم لا يتزايد إن كان بعضه أقوى من بعض، وكذلك لا يقع الترجيح بين دليل موجب للعلم أو علة موجبة للعلم وبين دليل أو علة موجبة للظن لما ذكرناه ولأن المقتضى للظن لا يبلغ رتبة الموجب للعلم ولو رجح بما رجح لكان الموجب للعلم مقدما عليه فلا معنى للترجيح. فصل ومتى تعارضت علتان واحتيج فيهما إلى الترجيح رجح إحداهما على الأخرى بوجه من وجوه الترجيح وذلك من وجوه. أحدها: أن تكون إحداهما منتزعة من أصل مقطوع به والأخرى من أصل غير مقطوع به والمنتزعة من المقطوع به أولى لأن أصلها أقوى. والثاني: أن يكون أصل إحداهما مع الإجماع عليه قد عرف دليله على التفصيل فيكون أقوى ممن أجمعوا عليه ولم يعرف دليله على التفصيل لأن ما عرف دليله يمكن النظر في معناه وترجيحه على غيره. والثالث: أن يكون أصل إحداهما قد عرف بنطق الأصل وأصل الأخرى بمفهوم أو استنباط فما عرف بالنطق أقوى والمنتزع منه أقوى.

стр. 167

والرابع: أن يكون أصل إحداهما عموما ما يخص وأصل الأخرى عموم دخله التخصيص فالمنتزع مما لم يدخله التخصيص أولى لأن ما دخله التخصيص أضعف لأن من الناس من قال قد صار مجازا بدخول التخصيص فيه. والخامس: أن يكون أصل إحداهما قد نص على القياس عليه وأصل الأخرى لم ينص على القياس عليه فما ورد النص بالقياس عليه أقوى. والسادس: أن يكون أصل إحداهما من جنس الفرع فقياسه عليه أولى على ما ليس من جنسه. والسابع أن تكون إحداهما مردودة إلى أصل والأخرى إلى أصول فما ردت إلى أصول أولى ومن أصحابنا من قال هما سواء والأول أظهر لأن ما كثرت أصوله أقوى. والثامن: أن تكون إحدى العلتين صفة ذاتية والأخرى صفة حكمية فالحكمية أولى. ومن أصحابنا من قال الذاتية أولى لأنها أقوى والأول أصح لأن الحكم بالحكم أشبه فهو بالدلالة عليه أولى. والتاسع: أن تكون إحداهما منصوصا عليها والأخرى غير منصوص عليها فالعلة المنصوص عليها أولى لأن النص أقوى من الاستنباط. والعاشر: أن تكون إحداهما نفيا والأخرى إثباتا فالإثبات أولى لأن النفي مختلف في كونه علة أو تكون إحداهما صفة والأخرى اسما فالصفة أولى لأن من الناس من قال الاسم لا يجوز أن يكون علة. والحادي عشر: أن تكون إحداهما أقل أوصافا والأخرى أكثر أوصافا فمن أصحابنا من قال القليلة الأوصاف أولى لأنها اسلم. ومنهم قال ما كثرت أوصافه أولى لأنها أكثر مشابهة للأصل. والثاني عشر: أن تكون إحداهما أكثر فروعا من الأخرى فمن أصحابنا من قال ما كثرت فروعه أولى لأنها أكثر فائدة، ومنهم من قال هما سواء.

стр. 168

والثالث عشر: أن تكون إحداهما متعدية والأخرى واقفة فالمتعدية أولى لأنها مجمع على صحتها والواقفة مختلف في صحتها. والرابع عشر: أن تكون إحداهما تطرد وتنعكس والأخرى تطرد ولا تنعكس فالتي تطرد وتنعكس أولى لأن العكس دليل على الصحة بلا خلاف والطرد ليس بدليل على قول الأكثر. والخامس عشر: أن تكون إحداهما تقتضي احتياطا في فرض والأخرى لا تقتضي الاحتياط فالتي تقتضي الاحتياط أولى لأنها أسلم في الموجب. والسادس عشر: أن تكون إحداهما تقتضي الحظر والأخرى تقتضي الإباحة فمن أصحابنا من قال هما سواء ومنهم من قال التي تقتضي الحظر أولى لأنها أحوط. والسابع عشر: أن تكون إحداهما تقتضي النقل عن الأصل إلى شرع والأخرى أولى تقتضي البقاء على الأصل فالناقلة أولى. ومن أصحابنا من قال المبقية أولى والأول أصح لأن الناقلة تفيد حكما شرعيا. والثامن عشر: أن تكون إحداهما توجب حدا والأخرى تسقطه أو إحداهما توجب العتق والأخرى تسقطه فمن الناس من قال إن ذلك يرجح لأن الحد مبني على الدرء والعتق على الإيقاع والتكميل، ومنهم من قال إنه لا يرجح لأن إيجاب الحد وإسقاطه والعتق والرق في حكم الشرع سواء. والتاسع عشر: أن تكون إحداهما يوافقها عموم والأخرى لا يوافقها فما يوافقها العموم أولى ومن الناس من قال التي توجب التخصيص أولى والأول أصح، لأن العموم دليل نفسه فإذا انضم إلى القياس قواه. والعشرون: أن يكون مع إحداهما قول صحابي فهو أولى لأن قول الصحابي حجة في قول بعض العلماء فإذا انضم إلى القياس قواه.

стр. 169

باب القول في الاستحسان الاستحسان المحكي عن أبي حنيفة ﵀ هو الحكم بما يستحسنه من غير دليل. واختلف المتأخرون من أصحابه في معناه، فقال بعضهم: هو تخصيص العلة بمعنى يوجب التخصيص وقال بعضهم: تخصيص بعض الجملة بدليل يخصها. وقال بعضهم: هو قول بأقوى الدليلين وقد يكون هذا الدليل إجماعا وقد يكون نصا وقد يكون قياسا وقد يكون استدلالا. فالنص: مثل قولهم: إن القياس أن لا يثبت الخيار في البيع لأنه غرر ولكن استحسناه للخبر. والإجماع: مثل قولهم: إن القياس أن لا يجوز دخول الحمام إلا بأجرة معلومة لأنه انتفاع مكان ولا الجلوس فيه إلا قدرا معلوما ولكن استحسناه للإجماع. والقياس: مثل قولهم: فيمن حلف أنه لا يصلي: أن القياس انه يحنث بالدخول في الصلاة لأنه يسمى مصليا ولكن استحسنا أنه لا يحنث إلا أن يأتي بأكثر الركعة لأن ما دون أكثر الركعة لا يعتد به فهو بمنزلة ما لو لم يكبر. والاستدلال مثل قولهم إن القياس أن من قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أنه لا يكون حالفا لأنه لم يحلف بالله تعالى ولكن استحسنا أنه يحنث بضرب من الاستدلال وهو أن الهاتك للحرمة بهذا القول بمنزلة الهاتك لحرمة قوله والله وهذا أيضا قياسا إلا أنهم يزعمون أن هذا استدلال ويفرقون بين القياس والاستدلال فإن كان الاستحسان هو الحكم بما يهجس في نفسه ويستحسنه من غير دليل فهذا ظاهر الفساد لأن ذلك حكم بالهوى واتباع للشهوة والأحكام مأخوذة من أدلة الشرع لا مما يقع في النفس وإن كان الاستحسان ما يقوله أصحابه من أنه تخصيص العلة فقد مضى القول في ذلك ودللنا على فساده وإن كان تخصيص بعض الجملة من الجملة بدليل يخصها أو الحكم بأقوى الدليلين فهذا مما لا ينكره أحد فيسقط الخلاف في المسألة ويحصل الخلاف في أعيان الأدلة التي يزعمون أنها أدلة خصوا بها الجملة أو دليل أوقى من دليل.

стр. 170

باب القول فبي بيان الأشياء قبل الشرع واستصحاب الحال والقول بأقل ما قيل وإيجاب الدليل على الباقي واختلف أصحابنا في الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع، فمنهم من قال أنها على الوقف لا يقضي فيها بحظر ولا إباحة وهو قول أبي علي الطبري وهو مذهب الأشعرية، ومن أصحابنا من قال هو على الإباحة وهو قول أبي العباس وأبي إسحاق، فإذا رأى شيئا جاز له تملكه وتناوله وهو قول المعتزلة البصريين، ومنهم من قال هو على الحظر فلا يحل له الانتفاع بها ولا التصرف فيها وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وهو قول المعتزلة البغداديين والأول أصح لأنه لو كان العقل يوجب في هذه الأعيان حكما من حظر أو إباحة لما ورد الشرع فيها بخلاف ذلك ولما جاز ورود الشرع بالإباحة مرة وبالحظر مرة أخرى دل على أن العقل لا يوجب في ذلك حظرا ولا إباحة. فصل وأما استصحاب الحال فضربان: استصحاب حال العقل واستصحاب حال الإجماع. فأما استصحاب حال العقل فهو الرجوع إلى براءة الذمة في الأصل وذلك طريق يفزع إليه المجتهد عند عدم أدلة الشرع ولا ينتقل عنها إلا بدليل شرعي ينقله عنه فإن وجد دليلا من أدلة الشرع انتقل عنه سواء كان ذلك الدليل نطقا أو مفهوما أو نصا أو ظاهرا لأن هذه الحال إنما استصحبها لعدم دليل شرعي فأي دليل ظهر من جهة الشرع حرم عليه استصحاب الحال بعده. فصل والضرب الثاني: استصحاب حال الإجماع وذلك مثل أن يقول الشافعي ﵁ في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته إنه يمضي فيها لأنهم أجمعوا قبل رؤية الماء على انعقاد صلاته فيجب أن تستصحب هذه الحال بعد

стр. 171

رؤية الماء حتى يقوم دليل ينقله عنه فهذا اختلف أصحابنا فيه. فمنهم من قال: أن ذلك دليل وهو قول أبي بكر الصيرفي من أصحابنا. ومنهم من قال: إن ذلك ليس بدليل وهو الصحيح لأن الدليل هو الإجماع والإجماع إنما حصل قبل رؤية وإذا رأى الماء فقد زال الإجماع فلا يجوز أن يستصحب حكم الإجماع في موضع الخلاف من غير علة تجمع بينهما. فصل فأما القول بأقل ما قيل فهو أن يختلف الناس في حادثة على قولين أو ثلاثة فقضى بعضهم فيها بقدر وقضى بعضهم فيها بأقل من ذلك القدر وذلك مثل اختلافهم في دية اليهودي والنصراني. فمنهم من قال: تجب فيه دية مسلم. ومنهم من قال: تجب فيه نصف دية مسلم. ومنهم من قال: تجب فيه ثلث دية مسلم، فهذا الاستدلال به من وجهين أحدهما من جهة استصحاب الحال في براءة الذمة وهو أن يقول الأصل براءة الذمة إلا فيما دل الدليل عليه من جهة الشرع، وقد دل الدليل على اشتغال ذمته بثلث الدية وهو الإجماع وما زاد عليه باق على براءة الذمة فلا يجوز إيجابه إلا بدليل فهذا استدلال صحيح لأنه استصحاب حال العقل في براءة الذمة. والثاني أن يقول هذا القول متيقن وما زاد مشكوك فيه فلا يجوز إيجابه بالشك، فهذا لا يصح لأنه لا يجوز إيجاب الزيادة بالشك فلا يجوز أيضا إسقاط الزيادة بالشك. فصل وأما النافي للحكم فهو كالمثبت في وجوب الدليل عليه ومن أصحابنا من قال النافي لا دليل عليه. ومن الناس من قال إن كان ذلك في العقليات فعليه الدليل وإن كان في الشرعيات لم يكن عليه دليل والدليل على ما قلناه هو أن القطع بالنفي لا يعلم إلا عن دليل كما أن القطع بالإثبات لا يعلم إلا عن دليل وكما لا يقبل الإثبات إلا بدليل فكذلك النفي.

стр. 172

باب في بيان ترتيب استعمال الأدلة واستخراجها واعلم أنه إذا نزلت بالعالم نازلة وجب عليه طلبها في النصوص والظواهر في منطوقها ومفهومها وفي أفعال الرسول ﷺ وإقراره وفي إجماع علماء الأمصار فإن وجد في شيء من ذلك ما يدل عليه قضى به وإن لم يجد طلبه في الأصول والقياس عليها وبدأ في طلب العلة بالنص فإن وجد التعليل منصوصا عليه عمل به، وإن لم يجد المنصوص عليه ضم إليه غيره من الأوصاف التي دل الدليل عليها فإن لم يجد في النص عدل إلى المفهوم فإن لم يجد في ذلك نظر في الأوصاف المؤثرة في الأصول من ذلك الحكم واختبرها منفردة ومجتمعة فما سلم منها منفردا أو مجتمعا علق الحكم عليه وإن لم يجد علل بالأشباه الدالة على الحكم على ما قدمناه فإن لم يجد علل بالأشبه وإن كان ممن يرى مجرد الشبه وإن لم تسلم له علة في الأصل علم أن الحكم مقصور على الأصل لا يتعداه فإن لم يجد في الحادثة دليلا يدله عليها من جهة الشرع لا نصا ولا استنباطا أبقاه على حكم الأصل في العقل على ما قدمناه.

стр. 173

القول في التقليد باب بيان ما يسوغ فيه التقليد وما لا يسوغ ومن يسوغ له التقليد ومن لا يسوغ قد بينا الأدلة التي يرجع إليها المجتهد في معرفة الحكم وبقي الكلام في بيان ما يرجع إليه العامل في العمل وهو التقليد، وجملته أن التقليد قبول القول من غير دليل. والأحكام على ضربين عقلي وشرعي. فأما العقلي فلا يجوز فيه التقليد كمعرفة الصانع وصفاته ومعرفة الرسول ﷺ وغير ذلك من الأحكام العقلية وحكي عن أبي عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال يجوز التقليد في أصول الدين وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١. فذم قوما اتبعوا آباءهم في الدين فدل على أن ذلك لا يجوز لأن طريق هذه الأحكام العقل والناس كلهم يشتركون في العقل فلا معنى للتقليد فيه. فصل وأما الشرعي فضربان: ضرب يعلم ضرورة من دين الرسول ﷺ كالصلوات الخمس والزكوات وصوم شهر رمضان والحج وتحريم الزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز التقليد فيه لأن الناس كلهم يشتركون في إدراكه والعلم به، فلا معنى للتقليد فيه، وضرب لا يعلم إلا بالنظر والاستدلال، كفروع العبادات والمعاملات والفروج والمناكحات وغير ذلك من الأحكام فهذا يسوغ فيه التقليد. وحكي عن أبي علي الجبائي أنه قال: إن

стр. 174

كان ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد جاز وإن كان مما لا يجوز فيه الاجتهاد لم يجز. والدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١ ولأنا لو منعنا التقليد فيه لاحتاج كل أحد أن يتعلم ذلك، وفي إيجاب ذلك قطع عن المعاش وهلاك الحرث والزرع فوجب أن يسقط. فصل وأما من يسوغ له التقليد فهو العامي وهو الذي لا يعرف طرق الأحكام الشرعية فيجوز له أن يقلد عالما ويعمل بقوله. وقال بعض الناس: لا يجوز حتى يعرف علة الحكم والدليل على ما قلناه هو أنا لو ألزمناه معرفة العلة أدى إلى ما ذكرناه من الانقطاع عن المعيشة وفي ذلك خراب الدنيا فوجب أن لا يجب. فصل وأما العالم فينظر فيه فإن كان الوقت واسعا عليه يمكنه الاجتهاد لزمه طلب الحكم بالاجتهاد، ومن الناس من قال: يجوز له تقليدا لعالم وهو قول أحمد وإسحاق، وسفيان الثوري وقال محمد بن الحسن: يجوز له تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له تقليد مثله، ومن الناس من قال إن كان في حادثة نزلت به جاز له أن يقلد ليعمل به، وإن كان في حادثة نزلت بغيره لم يجز أن يقلد ليحكم به أو يفتي به فالدليل على ما قلناه هو أن معه آلة يتوصل بها إلى الحكم المطلوب فلا يجوز له تقليد غيره كما قلناه في العقليات. فصل وإن كان قد ضاق عليه الوقت، وخشي فوت العبادة إن اشتغل بالاجتهاد ففيه وجهان: أحدهما لا يجوز، وهو قول أبي إسحاق، والثاني يجوز وهو قول أبي العباس والأول أصح لأن معه آلة يتوصل بها إلى الاجتهاد فأشبه إذا كان الوقت واسعا.

стр. 175

باب صفة المفتي والمستفتي وينبغي أن يكون المفتي عارفا بطرق الأحكام، وهي الكتاب، والذي يجب أن يعرف من ذاك ما يتعلق بذكر الأحكام والحلال والحرام دون ما فيه من القصص والأمثال والمواعظ والأخبار، ويحيط بالسنن المروية عن رسول الله ﷺ في بيان الأحكام ويعرف الطرق التي يعرف بها ما يحتاج إليه من الكتاب والسنة من أحكام الخطاب وموارد الكلام ومصادره من الحقيقة، والمجاز، والعام، والخاص، والمجمل، والمفصل، والمطلق، والمقيد، والمنطوق، والمفهوم، ويعرف من اللغة والنحو ما يعرف به مراد الله تعالى ومراد رسوله ﷺ في خطابهما، ويعرف أحكام أفعال رسول الله ﷺ وما تقتضيه، ويعرف الناسخ من ذلك من المنسوخ وأحكام النسخ وما يتعلق به ويعرف إجماع السلف وخلافهم ويعرف ما يعتد به من ذلك ما لا يعتد به ويعرف القياس والاجتهاد والأصول التي يجوز تعليلها وما لا يجوز والأوصاف التي يجوز أن يعلل بها وما لا يجوز وكيفية انتزاع العلل. ويعرف ترتيب الأدلة بعضها على بعض وتقديم الأولى منها ووجوه الترجيح ويجب أن يكون ثقة مأمونا لا يتساهل في أمر الدين. فصل ويجب عليه أن يفتي من استفتاه ويعلم من طلب منه التعليم فإن لم يكن في الإقليم الذي هو فيه غيره يتعين عليه التعليم والفتيا وإن كان هناك غيره لم يتعين عليه بل كان ذلك من فروض الكفاية إذا قام به بعضهم سقط الفرض عن الباقين ويجب أن يبين الجواب، فإن كان الذي نزلت به النازلة حاضرا وعرف منه النازلة على جهتها جاز أن يجيب على حسب ما علم من حال المسألة وإن لم يكن حاضرا واحتملت المسألة تفصيلا فصل الجواب وبين وإن لم يعرف المستفتي لسان المفتي قبل فيه ترجمة عدل وإن اجتهد في حادثة مرة فأجاب فيها ثم نزلت تلك الحادثة مرة أخرى فهل يجب عليه إعادة الاجتهاد أم لا فيه وجهان: من أصحابنا من قال: يفتي بالاجتهاد الأول، ومنهم من قال: يحتاج أن يجدد الاجتهاد والأول أصح.

стр. 176

فصل وأما المستفتي فلا يجوز أن يستفتي من شاء على الإطلاق لأنه ربما استفتى من لا يعرف الفقه بل يجب أن يتعرف حال الفقيه في الفقه والأمانة ويكفيه في معرفة ذلك خبر العدل الواحد فإذا عرف أنه فقيه نظر فإن كان وحده قلده وإن كان هناك غيره فهل يجب عليه الاجتهاد فيه وجهان: من أصحابنا من قال: يقلد من شاء منهم وقال أبو العباس والقفال: يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين فيقلد أعلمهم وأورعهم والأول أصح لأن الذي يجب عليه أن يرجع إلى قول عالم ثقة وقد فعل ذلك فيجب أن يكفيه. فصل فإن استفتى رجلين نظرت فإن اتفقا في الجواب عمل بما قالا وإن اختلفا فأفتاه أحدهما بالحظر والآخر بالإباحة فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه منهم من قال: يأخذ بما شاء منهما ومنهم من قال: يجتهد فيمن يأخذ بقوله منهما ومنهم من قال: يأخذ بأغلظ الجوابين لأن الحق ثقيل والصحيح هو الأول لأنا قد بينا أنه لا يلزمه الاجتهاد والحق أيضا لا يختص بأغلظ الجوابين بل قد يكون الحق في الأخف كيف وقد قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ١ وقال رسول الله ﷺ : "بعثت بالحنيفية السهلة ولم أبعث بالرهبانية المبتدعة".

стр. 177

القول في الاجهاد باب القول في أقوال المجتهدين وأن الحق منهما في واحد أو كل مجتهد مصيب ... باب القول في أقوال المجتهدين وأن الحق منهما في واحد أو كل مجتهد مصيب الاجتهاد في عرف الفقهاء: استفراغ الوسع وبذل المجهود في طلب الحكم الشرعي. والأحكام ضربان: عقلي وشرعي. فأما العقلي: فهو كحدوث العالم وإثبات الصانع وإثبات النبوة وغير ذلك من أصول الديانات والحق في هذه المسائل في واحد وما عداه باطل، وحكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال كل مجتهد في الأصول مصيب ومن الناس من حمل هذا القول منه على أنه إنما أراد في أصول الديانات التي يختلف فيها أهل القبلة ويرجع المخالفون فيها إلى آيات وآثار محتملة للتأويل كالرؤية وخلق الأفعال والتجسيم وما أشبه ذلك دون ما يرجع إلى الاختلاف بين المسلمين وغيرهم من أهل الأديان والدليل على فساد قوله هو أن هذه الأقوال المخالفة للحق من التجسيم ونفي الصفات لا يجوز ورود الشرع بها فلا يجوز أن يكون المخالف فيها مصيبا كالقول بالتثليث وتكذيب الرسل. فصل وأما الشرعية فضربان: ضرب يسوغ فيه الاجتهاد وضرب لا يسوغ فيه الاجتهاد فأما ما لا يسوغ فيه الاجتهاد فعلى ضربين. أحدهما: ما علم من دين الرسول ﷺ ضرورة كالصلوات المفروضة والزكوات الواجبة وتحريم الزنا واللواط وشرب الخمر وغير ذلك فمن

стр. 178

خالف في شيء من ذلك بعد العلم فهو كافر لأن ذلك معلوم من دين الله تعالى ضرورة فمن خالف فيه فقد كذب الله تعالى ورسوله ﷺ في خبرهما فحكم بكفره. والثاني: ما لم يعلم من دين الرسول ﷺ ضرورة كالأحكام التي تثبت بإجماع الصحابة وفقهاء الإعصار ولكنها لم تعلم من دين الرسول ﷺ ضرورة فالحق من ذلك في واحد وهو ما أجمع الناس عليه فمن خالف في شيء من ذلك بعد العلم به فهو فاسق. وأما ما يسوغ فيه الاجتهاد وهو المسائل التي اختلف فيها فقهاء الأمصار على قولين وأكثر فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: الحق من ذلك كله في واحد وما عداه باطل إلا أن الإثم موضوع عن المخطئ فيه وذكر هذا القائل أن هذا هو مذهب الشافعي ﵀ لا قول له غيره، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان أحدهما: ما قلناه والثاني: أن كل مجتهد مصيب وهو ظاهر قول مالك ﵀ وأبي حنيفة ﵀ وهو مذهب المعتزلة وأبي الحسن الأشعري. وحكي القاضي أبو بكر الأشعري عن أبي علي بن أبي هريرة من أصحابنا إنه كان يقول: باخرة أن الحق من هذه الأقاويل في واحد مقطوع به عند الله تعالى وأن مخطئه مأثوم والحكم بخلافه منصوص وهو قول الأصم بن علية وبشر المريسي. واختلف القائلون من أصحابنا أن الحق في واحد في أنه هل الكل مصيب في اجتهاده أم لا فقال بعضهم: إن المخطئ في الحكم مخطئ في الاجتهاد وقال بعضهم: أن الكل مصيب في الاجتهاد وإن جاز أن يخطئ في الحكم حكي ذلك عن أبي العباس واختلف القائلون بأن كل مجتهد مصيب فقال بعض أصحاب أبي حنيفة ﵀: أن عند الله أشبهه مطلوب ربما أصابه المجتهد وربما أخطأ هـ ومنهم من أنكر ذلك والقائلون بالأشبه اختلفوا في تفسيره فمنهم من أبى تفسيره بأكثر من أنه أشبه. وحكي عن بعضهم أنه قال: الأشبه عند الله في حكم الحادثة قوة الشبه بقوة الإمارة وهذا تصريح بأن الحق في واحد يجب طلبه. وقال بعضهم: الأشبه

стр. 179

عند الله تعالى أن عنده في هذه الحادثة حكما لو نص عليه وبينه لم ينص إلا عليه والصحيح من مذهب أصحابنا هو الأول وأن الحق في واحد وما سواه باطل وأن الإثم مرفوع عن المخطئ والدليل على ذلك وقوله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" ولأنه لو كان الجميع حقا وصوابا لم يكن للنظر والبحث معنى، وأما الدليل على وضع المأثم عن المخطئ فما ذكرناه من الخبر ولأن الصحابة ﵃ أجمعت على تسويغ الحكم بكل واحد من الأقاويل المختلف فيها وإقرار المخالفين على ما ذهبوا إليه من الأقاويل فدل على أنه لا مأثم على واحد منهم. فصل لا يجوز أن تتكافأ الأدلة في الحادثة بل لا بد من ترجيح أحد القولين على الآخر وقال أبو علي وأبو هاشم: يجوز أن تتكافأ الأدلة فيتخير المجتهد عند ذلك من القولين المختلفين فيعمل بما شاء منهم والدليل على ما قلناه أنه إذا كان الحق في واحد على ما بيناه لم يجز أن تتكافأ الأدلة فيه كالعقليات.

стр. 180

باب القول في تخريج المجتهد المسألة على قولين يجوز للمجتهد أن يخرج المسألة على قولين وهو أن يقول هذه المسألة تحتمل قولين على معنى أن كل قول سواهما باطل. وذهب قوم لا يعتد بهم إلى أنه لا يجوز ذلك وهذا خطأ لأنه إن كان المراد بالمنع من تخريج القولين أن يكون له قولان على وجه الجمع مثل أن يقول هذا الشيء حلال وحرام على سبيل الجمع، فهذا لا يجوز أيضا عندنا وإن كان المراد أن يكون له قولان في الشيء أنه حلال أو حرام على سبيل التخيير فيأخذ بما شاء منهما فهذا أيضا لا يجوز أن يقول هذه المسألة تحتمل قولين ليبطل ما سواهما فهذا جائز والدليل عليه أن المجتهد قد يقوم له الدليل على إبطال كل قول سوى قولين ولا يظهر له الدليل في تقديم أحد القولين في الحال فيخرج على قولين ليدل به على أن ما سوهما باطل وهذا كما فعل عمر ﵁ في الشورى فإنه قال الخليفة بعدي أحد هؤلاء الستة ليدل على أنه لا يجوز أن تكون الخلافة فيمن سواهم وأما تخريج الشافعي ﵀ المسائل على قولين فعلى أضرب.
следующие страницы →